تفسير الطبري تفسير الصفحة 17 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 17
018
016
 الآية : 106
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
يعنـي جل ثناؤه بقوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ إلـى غيره, فنبدله ونغيره. وذلك أن يحوّل الـحلال حراما والـحرام حلالاً, والـمبـاح مـحظورا والـمـحظور مبـاحا ولا يكون ذلك إلا فـي الأمر والنهي والـحظر والإطلاق والـمنع والإبـاحة, فأما الأخبـار فلا يكون فـيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ من «نَسْخَ الكتاب» وهو نَقْلُه من نُسخة إلـى أخرى غيرها, فكذلك معنى نسخ الـحكم إلـى غيره إنـما هو تـحويـله ونقل عبـارته عنه إلـى غيره. فإذا كان ذلك معنى نسخ الآية فسواء إذا نسخ حكمها فغُير وبُدّل فرضها ونقل فرض العبـاد عن اللازم كان لهم بها أوفر حَظها فتُرك, أو مُـحي أثرها, فُعفّـي ونُسي, إذ هي حينئذٍ فـي كلتا حالتـيها منسوخة. والـحكم الـحادث الـمبدل به الـحكم الأوّل والـمنقول إلـيه فرض العبـاد هو الناسخ, يقال منه: نسخ الله آية كذا وكذا ينسخه نسخا, والنسخة الاسم. وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك كان الـحسن البصري يقول.
1317ـ حدثنا سوار بن عبد الله العنبري, قال: حدثنا خالد بن الـحارث, قال: حدثنا عوف, عن الـحسن أنه قال فـي قوله: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها نأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا قال: إن نبـيّكم صلى الله عليه وسلم أقرىء قرآنا ثم نسيه فلا يكن شيئا, ومن القرآن ما قد نسخ وأنتـم تقرءونه.
اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: ما نَنْسَخْ فقال بعضهم بـما:
1318ـ حدثنـي به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن عمار, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: ما نَنْسَخْ مِنْ آيةٍ أما نسخُها فقَبْضُها. وقال آخرون بـما:
1319ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: حدثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ بقول: ما نبدّل من آية. وقال آخرون بـما:
1320ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن أصحاب عبد الله بن مسعود أنهم قالوا: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ نثبت خطها ونبدل حكمها.
وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: ما نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ نثبت خطها, ونبدل حكمها, حُدثت به عن أصحاب ابن مسعود.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنـي بكر بن شوذب, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, عن أصحاب ابن مسعود: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ نثبت خطها.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: أوْ نُنْسِها.
اختلفت القراءة فـي قوله ذلك, فقرأها قرّاء أهل الـمدينة والكوفة: أوْ نُنْسِها ولقراءة من قرأ ذلك وجهان من التأويـل, أحدهما: أن يكون تأويـله: ما ننسخ يا مـحمد من آية فنغير حكمها أو ننسها. وقد ذكر أنها فـي مصحف عبد الله: «ما نُنْسِكَ من آية أو ننسخها نـجيء بـمثلها», فذلك تأويـل النسيان. وبهذا التأويـل قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
1321ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِها كان ينسخ الآية بـالآية بعدها, ويقرأ نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم الآية أو أكثر من ذلك ثم تُنسى وتُرفع.
حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها قال: كان الله تعالـى ذكره ينسي نبـيه صلى الله عليه وسلم ما شاء وينسخ ما شاء.
1322ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: كان عبـيد بن عمير يقول: نُنْسِها نرفعها من عندكم.
1323ـ حدثنا سوار بن عبد الله, قال: حدثنا خالد بن الـحارث, قال: حدثنا عوف, عن الـحسن أنه قال فـي قوله: أوْ نُنْسِها قال: إن نبـيكم صلى الله عليه وسلم أقرىء قرآنا, ثم نسيه.
وكذلك كان سعد بن أبـي وقاص يتأوّل الآية إلا أنه كان يقروها: «أو تَنْسَها» بـمعنى الـخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم, كأنه عنـي أو تَنْسَها أنت يا مـحمد. ذكر الأخبـار بذلك:
1324ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا هشيـم, قال: أخبرنا يعلـى بن عطاء, عن القاسم, قال: سمعت سعد بن أبـي وقاص يقول: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ تَنْسَها» قلت له: فإن سعيد بن الـمسيب يقرؤها: «أَو تُنْسَها» قال: فقال سعد: إن القرآن لـم ينزل علـى الـمسيب ولا علـى آل الـمسيب, قال الله: سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ.
حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا هشيـم, قال: حدثنا يعلـى بن عطاء, قال: حدثنا القاسم بن ربـيعة بن قانف الثقـفـي, قال: سمعت ابن أبـي وقاص يذكر نـحوه.
حدثنا مـحمد بن الـمثنى وآدم العسقلانـي قالا جميعا, عن شعبة, عن يعلـى بن عطاء, قال: سمعت القاسم بن ربـيعة الثقـفـي يقول: قلت لسعد بن أبـي وقاص: إنـي سمعت ابن الـمسيب يقرأ: «ما نَنَسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ تُنْسَها» فقال سعد: إن الله لـم ينزل القرآن علـى الـمسيب ولا علـى ابنه, إنـما هي: «ما ننسخ من آية أو تَنْسَها» يا مـحمد. ثم قرأ: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ.
1325ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع فـي قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها يقول: نُنسها: نرفعها وكان الله تبـارك وتعالـى أنزل أمورا من القرآن ثم رفعها.
والوجه الاَخر منهما أن يكون بـمعنى الترك, من قول الله جل ثناؤه: نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ يعنـي به تركوا الله فتركهم. فـيكون تأويـل الآية حينئذٍ علـى هذا التأويـل: ما ننسخ من آية فنغير حكمها ونبدّل فرضها نأت بخير من التـي نسخناها أو مثلها. وعلـى هذا التأويـل تأوّل جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
1326ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: حدثنـي معاوية, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس فـي قوله: أوْ نُنْسِها يقول: أو نتركها لا نبدّلها.
1327ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي قوله: أوْ نُنْسِها نتركها لا ننسخها.
1328ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا هشيـم, قال: أخبرنا جويبر, عن الضحاك فـي قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها قال: الناسخ والـمنسوخ.
قال: وكان عبد الرحمن بن زيد يقول فـي ذلك ما:
1329ـ حدثنـي به يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: نُنْسِها نـمـحها. وقرأ ذلك آخرون: «أو ننسأها» بفتـح النون وهمزة بعد السين بـمعنى نؤخرها, من قولك: نسأت هذا الأمر أنسؤه نسأً ونساءً إذا أخرته, وهو من قولهم: بعته بنسَاءٍ, يعنـي بتأخير. ومن ذلك قول طَرَفَة بن العبد:
لعَمْرُكَ إِنّ الـمَوْتَ ما أنْسأ الفَتـىلكالطّوَلِ الـمُرْخَى وثِنْـياهُ بـالـيَدِ
يعنـي بقوله أنسأ: أخّر.
ومـمن قرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين, وقرأه جماعة من قرّاء الكوفـيـين والبصريـين, وتأوّله كذلك جماعة من أهل التأويـل ذكر من قال ذلك:
1330ـ حدثنا أبو كريب, ويعقوب بن إبراهيـم, قالا: حدثنا هشيـم, قال: أخبرنا عبد الـملك, عن عطاء فـي قوله: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نَنْسأها» قال نؤخرها.
1331ـ حدثنا مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, قال: سمعت ابن أبـي نـجيح, يقول فـي قول الله: «أوْ نَنْسأها» قال: نُرْجئها.
1332ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: «أوْ نَنْسأها» نرجئها ونؤخرها.
1333ـ حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا فضيـل, عن عطية: «أوْ نَنْسأها» قال: نؤخرها فلا ننسخها.
1334ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: أخبرنـي عبد الله بن كثـير عن عبـيد الأزدي, عن عبـيد بن عمير «أوْ نَنْسأها» إرجاؤها وتأخيرها. هكذا حدثنا القاسم عن عبد الله بن كثـير, عن عبـيد الأزدي. وإنـما هو عن علـيّ الأزدي.
حدثنـي أحمد بن يوسف, قال: حدثنا القاسم بن سلام, قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن عبد الله بن كثـير, عن علـيّ الأزدي, عن عبـيد بن عمير أنه قرأها: «نَنْسأها».
قال: فتأويـل من قرأ ذلك كذلك: ما نبدّل من آية أنزلناها إلـيك يا مـحمد, فنبطل حكمها ونثبت خطها, أو نؤخرها فنرجئها ونقرّها فلا نغيرها ولا نبطل حكمها نأت بخير منها أو مثلها.
وقد قرأ بعضهم ذلك: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو تُنْسَها» وتأويـل هذه القراءة نظير تأويـل قراءة من قرأ أوْ نُنْسِها إلا أن معنى «أو تُنْسَها» أنت يا مـحمد.
وقد قرأ بعضهم: «ما نُنْسِخْ مِنْ آيَةٍ» بضم النون وكسر السين, بـمعنى: ما نُنسخك يا مـحمد نـحن من آية, من أنسختك فأنا أُنسخك. وذلك خطأ من القراءة عندنا لـخروجه عما جاءت به الـحجة من القراءة بـالنقل الـمستفـيض. وكذلك قراءة من قرأ «تُنسَها» أو «تَنْسَها» لشذوذها وخروجها عن القراءة التـي جاءت بها الـحجة من قرّاء الأمة. وأولـى القراءات فـي قوله: أوْ نُنْسِها بـالصواب من قرأ: أو نُنْسِها, بـمعنى نتركها لأن الله جل ثناؤه أخبر نبـيه صلى الله عليه وسلم أنه مهما بدّل حكما أو غيره أو لـم يبدّله ولـم يغيره, فهو آتـيه بخير منه أو بـمثله. فـالذي هو أولـى بـالآية إذ كان ذلك معناها, أن يكون إذ قدّم الـخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدّل حكم آية أن يعقب ذلك بـالـخبر عما هو صانع, إذا هو لـم يبدّل ذلك ولـم يغير. فـالـخبر الذي يجب أن يكون عقـيب قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ قوله: أو نترك نسخها, إذ كان ذلك الـمعروف الـجاري فـي كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرىء كذلك بـالـمعنى الذي وصفت, فهو يشتـمل علـى معنى الإنساء الذي هو بـمعنى الترك, ومعنى النّساء الذي هو بـمعنى التأخير, إذْ كان كل متروك فمؤخر علـى حال مّا هو متروك. وقد أنكر قوم قراءة من قرأ: «أوْ تُنْسَها» إذا عنـي به النسيان, وقالوا: غير جائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي من القرآن شيئا مـما لـم ينسخ إلا أن يكون نسي منه شيئا ثم ذكره. قالوا: وبعد, فإنه لو نسي منه شيئا لـم يكن الذين قرءوه وحفظوه من أصحابه بجائز علـى جميعهم أن ينسوه.
قالوا: وفـي قول الله جل ثناؤه: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبنّ بِـالّذِي أوْحَيْنا إلَـيْكَ ما ينبىء عن أن الله تعالـى ذكره لـم يُنْسِ نبـيه شيئا مـما آتاه من العلـم.
قال أبو جعفر: وهذا قول يشهد علـى بطوله وفساده الأخبـار الـمتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنـحو الذي قلنا.
1335ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: حدثنا أنس بن مالك: إن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة قرأنا بهم وفـيهم كتابـا: «بلغوا عنا قومنا أنا لقـينا ربنا فرضي عنا وأرضانا». ثم إن ذلك رفع.
فـالذي ذكرنا عن أبـي موسى الأشعري أنهم كانوا يقرءون: «لو أن لابن آدم واديـين من مال لابتغى لهما ثالثا, ولا يـملأ جوف ابن آدم إلا التراب, ويتوب الله علـى من تاب» ثم رُفع وما أشبه ذلك من الأخبـار التـي يطول بإحصائها الكتاب. وغير مستـحيـل فـي فطرة ذي عقل صحيح ولا بحجة خبر أن ينسي الله نبـيه صلى الله عليه وسلم بعض ما قد كان أنزله إلـيه. فإذا كان ذلك غير مستـحيـل من أحد هذين الوجهين, فغير جائز لقائل أن يقول ذلك غير جائز.
وأما قوله: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبنّ بـالّذِي أوْحَيْنا إلَـيْكَ فإنه جلّ ثناؤه لـم يخبر أنه لا يذهب بشيء منه, وإنـما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه, فلـم يذهب به والـحمد لله بل إنـما ذهب بـما لا حاجة بهم إلـيه منه, وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بـالعبـاد إلـيه, وقد قال الله تعالـى ذكره: سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى إِلاّ ما شاءَ اللّهُ فأخبر أنه ينسي نبـيه منه ما شاء, فـالذي ذهب منه الذي استثناه الله. فأما نـحن فإنـما اخترنا ما اخترنا من التأويـل طلب اتساق الكلام علـى نظام فـي الـمعنى, لا إنكار أن يكون الله تعالـى ذكره قد كان أنسى نبـيه بعض ما نسخ من وحيه إلـيه وتنزيـله.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: نأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِها.
اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِها, فقال بعضهم بـما:
1336ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: حدثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِها يقول: خير لكم فـي الـمنفعة وأرفق بكم. وقال آخرون بـما:
1337ـ حدثنـي به الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِها يقول: آية فـيها تـخفـيف, فـيها رحمة, فـيها أمر, فـيها نهي.
وقال آخرون: نأت بخير من التـي نسخناها, أو بخير من التـي تركناها فلـم ننسخها. ذكر من قال ذلك:
1338ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: نَأتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا يقول: نأت بخير من التـي نسخناها أو مثلها أو مثل التـي تركناها. فـالهاء والألف اللتان فـي قوله: مِنْهَا عائدتان علـى هذه الـمقالة علـى الآية فـي قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ والهاء والألف اللتان فـي قوله: أوْ مِثلِها عائدتان علـى الهاء والألف اللتـين فـي قوله: أوْ نُنْسِها. وقال آخرون بـما:
1339ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: كان عبـيد بن عمير يقول: نُنْسِها نرفعها من عندكم, نأت بـمثلها أو خير منها.
1340ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: أوْ نُنْسِها نرفعها نأت بخير منها أو بـمثلها.
1341ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا بكر بن شوذب, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, عن أصحاب ابن مسعود, مثله.
والصواب من القول فـي معنى ذلك عندنا: ما نبدّل من حكم آية فنغيره أو نترك تبديـله فنقرّه بحاله, نأت بخير منها لكم من حكم الآية التـي نسخنا فغيرنا حكمها, إما فـي العاجل لـخفته علـيكم, من أجل أنه وضع فرض كان علـيكم فأسقط ثقله عنكم, وذلك كالذي كان علـى الـمؤمنـين من فرض قـيام اللـيـل, ثم نسخ ذلك فوضع عنهم, فكان ذلك خيرا لهم فـي عاجلهم لسقوط عبء ذلك وثقل حمله عنهم وإما فـي الاَجل لعظم ثوابه من أجل مشقة حمله وثقل عبئه علـى الأبدان, كالذي كان علـيهم من صيام أيام معدودات فـي السنة, فنُسخ وفرض علـيهم مكانه صوم شهر كامل فـي كلّ حَوْل, فكان فرض صوم شهر كامل كل سنة أثقل علـى الأبدان من صيام أيام معدودات. غير أن ذلك وإن كان كذلك, فـالثواب علـيه أجزل والأجر علـيه أكثر, لفضل مشقته علـى مكلفـيه من صوم أيام معدودات, فذلك وإن كان علـى الأبدان أشقّ فهو خير من الأوّل فـي الاَجل لفضل ثوابه وعظم أجره الذي لـم يكن مثله لصوم الأيام الـمعدودات. فذلك معنى قوله: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها لأنه إما بخير منها فـي العاجل لـخفته علـى من كلفه, أو فـي الاَجل لعظم ثوابه وكثرة أجره. أو يكون مثلها فـي الـمشقة علـى البدن واستواء الأجر والثواب علـيه, نظير نسخ الله تعالـى ذكره فرض الصلاة شطر بـيت الـمقدس إلـى فرضها شطر الـمسجد الـحرام. فـالتوجه شطر بـيت الـمقدس, وإن خالف التوجه شطر الـمسجد, فكلفة التوجه شطر أيهما توجه شطره واحدة لأن الذي علـى الـمتوجه شطر البـيت الـمقدّس من مؤنة توجهه شطره, نظير الذي علـى بدنه مؤنة توجهه شطر الكعبة سواء. فذلك هو معنى الـمثل الذي قال جل ثناؤه: أوْ مِثْلِها.
وإنـما عنى جل ثناؤه بقوله: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها ما ننسخ من حكم آية أو نُنْسِه. غير أن الـمخاطبـين بـالآية لـما كان مفهوما عندهم معناها اكتفـي بدلالة ذكر الآية من ذكر حكمها. وذلك نظير سائر ما ذكرنا من نظائره فـيـما مضى من كتابنا هذا, كقوله: وأُشْرِبُوا فِـي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بـمعنى حُبّ العجل ونـحو ذلك. فتأويـل الآية إذا: ما نغير من حكم آية فنبدّله أو نتركه فلا نبدّله, نأت بخير لكم أيها الـمؤمنون حكما منها, أو مثل حكمها فـي الـخفة والثقل والأجر والثواب.
فإن قال قائل: فإنا قد علـمنا أن العجل لا يُشْرَبُ فـي القلوب وأنه لا يـلتبس علـى من سمع قوله: وأُشْرِبُوا فِـي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ أن معناه: وأشربوا فـي قلوبهم حُبّ العجل, فما الذي يدلّ علـى أن قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِهَا نَأتِ بِخَيْرٍ مِنْها لذلك نظير؟
قـيـل: الذي دلّ علـى أن ذلك كذلك قوله: نأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِها وغير جائز أن يكون من القرآن شيء خير من شيء لأن جميعه كلام الله, ولا يجوز فـي صفـات الله تعالـى ذكره أن يقال بعضها أفضل من بعض وبعضها خير من بعض.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ألَـمْ تَعْلَـمْ أنّ اللّهَ علـى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
يعنـي جل ثناؤه بقوله: ألَـمْ تَعْلَـمْ أنّ اللّهَ علـى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ألـم تعلـم يا مـحمد أنـي قادر علـى تعويضك مـما نسخت من أحكامي وغيرته من فرائضي التـي كنت افترضتها علـيك ما أشاء مـما هو خير لك ولعبـادي الـمؤمنـين معك وأنفع لك ولهم, إما عاجلاً فـي الدنـيا وإما آجلاً فـي الاَخرة. أو بأن أبدّل لك ولهم مكانه مثله فـي النفع لهم عاجلاً فـي الدنـيا وآجلاً فـي الاَخرة وشبـيهه فـي الـخفة علـيك وعلـيهم. فـاعلـم يا مـحمد أنـي علـى ذلك وعلـى كل شيء قدير. ومعنى قوله: قَدِير فـي هذا الـموضع: قويّ, يقال منه: «قد قَدَرْت علـى كذا وكذا». إذا قويت علـيه «أقدْرُ علـيه وأَقْدُرُ علـيه قُدْرة وقِدْرانا ومَقْدِرةً». وبنو مُرّة من غطفـان تقول: «قَدِرْت علـيه» بكسر الدال. فأما من التقدير من قول القائل: «قَدَرْتُ الشيء» فإنه يقال منه: «قَدَرْتُه أَقْدِرُه قَدْرا وقَدَرا».
الآية : 107
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ }
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: أوَ لـم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلـم أن الله علـى كل شيء قدير وأنه له ملك السموات والأرض حتـى قـيـل له ذلك؟ قـيـل: بلـى, فقد كان بعضهم يقول: إنـما ذلك من الله جل ثناؤه خبر عن أن مـحمدا قد علـم ذلك ولكنه قد أخرج الكلام مخرج التقرير كما تفعل مثله العرب فـي خطاب بعضها بعضا, فـيقول أحدهما لصاحبه: ألـم أكرمك؟ ألـم أتفضل علـيك؟ بـمعنى إخبـاره أنه قد أكرمه وتفضل علـيه, يريد ألـيس قد أكرمتك؟ ألـيس قد تفضلت علـيك؟ بـمعنى قد علـمتَ ذلك.
قال: وهذا لا وجه له عندنا وذلك أن قوله جل ثناؤه ألَـمْ تَعْلَـمْ إنـما معناه: أما علـمت. وهو حرف جحد أدخـل علـيه حرف استفهام, وحروف الاستفهام إنـما تدخـل فـي الكلام إما بـمعنى الاستثبـات, وإما بـمعنى النفـي. فأما بـمعنى الإثبـات فذلك غير معروف فـي كلام العرب, ولاسيـما إذا دخـلت علـى حروف الـجحد ولكن ذلك عندي وإن كان ظهر ظهور الـخطاب للنبـيّ صلى الله عليه وسلم, فإنـما هو معنّـي به أصحابه الذين قال الله جل ثناؤه: لا تَقُولُوا رَاعِنا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسمَعُوا. والذي يدّل علـى أن ذلك كذلك قوله جل ثناؤه: وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ وَلِـيّ وَلاَ نَصِيرٍ فعاد بـالـخطاب فـي آخر الآية إلـى جميعهم, وقد ابتدأ أوّلها بخطاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: ألَـمْ تَعْلَـمْ أنّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ لأن الـمراد بذلك الذين وصفت أمرهم من أصحابه, وذلك من كلام العرب مستفـيض بـينهم فصيح. أن يخرج الـمتكلـم كلامه علـى وجه الـخطاب منه لبعض الناس وهو قاصد به غيره, وعلـى وجه الـخطاب لواحد وهو يقصد به جماعة غيره, أو جماعة والـمخاطب به أحدهم وعلـى هذا الـخطابُ للـجماعة والـمقصود به أحدهم, من ذلك قول الله جل ثناؤه: يا أيّهَا النّبِـيّ اتّقِ اللّهَ وَلاَ تُطِعِ الكافِرِينَ وَالـمُنَافِقِـينَ ثم قال: وَاتّبِعْ ما يُوحَى إلَـيْكَ مِنْ رَبّكَ إِنّ اللّهَ كانَ بِـمَا تَعْمَلُونَ خَبِـيرا فرجع إلـى خطاب الـجماعة, وقد ابتدأ الكلام بخطاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم. ونظير ذلك قول الكُميت بن زيد فـي مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إلـى السّرَاجِ الـمُنـيرِ أحْمَدَ لايَعْدِلُنِـي رَغْبَةٌ وَلا رَهَبُ
عَنْهُ إلـى غيرِهِ وَلَوْ رَفَعَالنّاس إلـيّ العُيُونَ وَارْتَقَبُوا
فوقـيـلَ أفْرَطْتَ بَلْ قَصَدْتُ وَلَوْعَنّفَنِـي القائِلُونَ أوْ ثَلَبُوا
لـجّ بتَفْضِيـلِكَ اللّسانُ وَلَوْأُكْثِرَ فِـيكَ الضّجاجُ واللّـجَبُ
أنتَ الـمُصَفّـي الـمـحْضُ الـمهذّبُ فـي النّسْبةِ إنْ نَصّ قوْمَكَ النّسَبُ
فأخرج كلامه علـى وجه الـخطاب للنبـيّ صلى الله عليه وسلم وهو قاصد بذلك أهل بـيته, فكنـي عن وصفهم ومدحهم بذكر النبـيّ صلى الله عليه وسلم وعن بنـي أمية بـالقائلـين الـمعنفـين لأنه معلوم أنه لا أحد يوصف بتعنـيف مادح النبـيّ صلى الله عليه وسلم وتفضيـله, ولا بإكثار الضجاج واللـجب فـي إطناب القـيـل بفضله. وكما قال جميـل بن معمر:
ألا إنّ جِيرَانِـي العَشِيّةَ رَائِحُدَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوًى وَمَنَادِحُ
فقال: «ألا إن جيرانـي العشية» فـابتدأ الـخبر عن جماعة جيرانه, ثم قال: «رائح» لأن قصده فـي ابتدائه ما ابتدأ به من كلامه الـخبر عن واحد منهم دون جماعتهم. وكما قال جميـل أيضا فـي كلـمته الأخرى:
خَـلِـيـلَـيّ فِـيـما عِشْتُـما هَلْ رأيْتُـماقَتِـيلاً بَكَى مِنْ حُبّ قاتِلِهِ قَبْلِـي
وهو يريد قاتلته لأنه إنـما يصف امرأة فكنـي بـاسم الرجل عنها وهو يعنـيها. فكذلك قوله: أَلَـمْ تَعْلَـمْ أنّ اللّهَ علـى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ألَـمْ تَعْلَـمْ أنّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ وإن كان ظاهر الكلام علـى وجه الـخطاب للنبـيّ صلى الله عليه وسلم, فإنه مقصود به قصد أصحابه وذلك بـيّنٌ بدلالة قوله: وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ وَلِـيّ وَلاَ نَصِيرٍ أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسألُوا رَسُولَكُمْ كما سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ الاَيات الثلاث بعدها علـى أن ذلك كذلك. أما قوله: لَهُ مُلْكُ السّمَوَاتِ والأرْضِ ولـم يقل ملك السموات, فإنه عنى بذلك مُلْك السلطان والـمـملكة دون الـمِلْك, والعرب إذا أرادت الـخبر عن الـمـملكة التـي هي مـملكة سلطان قالت: مَلَك الله الـخـلق مُلْكا, وإذا أرادت الـخبر عن الـملك قالت: مَلَك فلان هذا الشيء فهو يـملكه مِلْكا وَمَلِكَةً ومَلْكا.
فتأويـل الآية إذا: ألـم تعلـم يا مـحمد أن لـي ملك السموات والأرض وسلطانهما دون غيري أحكم فـيهما وفـيـما فـيهما ما أشاء وآمر فـيهما وفـيـما فـيهما بـما أشاء, وأنهي عما أشاء, وأنسخ وأبدّل وأغير من أحكامي التـي أحكم بها فـي عبـادي ما أشاء إذا أشاء, وأقرّ منها ما أشاء؟ هذا الـخبر وإن كان من الله عزّ وجلّ خطابـا لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى وجه الـخبر عن عظمته, فإنه منه جل ثناؤه تكذيب للـيهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوّة عيسى, وأنكروا مـحمدا صلى الله عليه وسلم, لـمـجيئهما بـما جاءا صلى الله عليه وسلم به من عند الله بتغيـير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما, فإن الـخـلق أهل مـملكته وطاعته, علـيهم السمع له والطاعة لأمره ونهيه, وإن له أمرهم بـما شاء ونهيهم عما شاء, ونسخ ما شاء وإقرار ما شاء, وإنساء ما شاء من أحكامه وأمره ونهيه. ثم قال لنبـيه صلى الله عليه وسلم وللـمؤمنـين معه: انقادوا لأمري, وانتهوا إلـى طاعتـي فـيـما أنسخ وفـيـما أترك, فلا أنسخ من أحكامي وحدودي وفرائضي, ولا يهولنّكم خلاف مخالف لكم فـي أمري ونهيـي وناسخي ومنسوخي, فإنه لا قـيّـم بأمركم سواي, ولا ناصر لكم غيري, وأنا الـمنفرد بولايتكم والدفـاع عنكم, والـمتوحد بنصرتكم بعزّي وسلطانـي وقوّتـي علـى من ناوأكم وحادّكم ونصب حرب العداوة بـينه وبـينكم, حتـى أُعلـي حجتكم, وأجعلها علـيهم لكم. والولـيّ معناه «فعيـل», من قول القائل: ولـيت أمر فلان: إذا صرت قَـيّـما به فأنا إلـيه فهو ولـيه وقَـيّـمه ومن ذلك قـيـل: فلان ولـي عهد الـمسلـمين, يعنـي به: القائم بـما عهد إلـيه من أمر الـمسلـمين. وأما النصير فإنه فعيـل من قولك: نصرتك أنصرك فأنا ناصرك ونصيرك وهو الـمؤيد والـمقوّي.
وأما معنى قوله: مِنْ دُونِ اللّهِ فإنه سوى الله وبعد الله. ومنه قول أمية بن أبـي الصلت:
يا نَفْسُ مالَكِ دُونَ اللّهِ مِنْ وَاقِـيوَما عَلـى حَدَثانِ الدّهْرِ مِنْ بـاقِـي
يريد: ما لك سوى الله وبعد الله من يقـيك الـمكاره.
فمعنى الكلام إذا: ولـيس لكم أيها الـمؤمنون بعد الله من قـيـم بأمركم ولا نصير فـيؤيدكم ويقوّيكم فـيعينكم علـى أعدائكم.
الآية : 108
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىَ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلّ سَوَآءَ السّبِيلِ }
اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية. فقال بعضهم بـما:
1342ـ حدثنا به أبو كريب, قال: حدثنـي يونس بن بكير, وحدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, قالا: حدثنا ابن إسحاق, قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, قال: حدثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة عن ابن عبـاس: قال رافع بن حريـملة ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتنا بكتاب تنزله علـينا من السماء نقرؤه وفجّرْ لنا أنهارا نتبعك ونصدّقك فأنزل الله فـي ذلك من قولهم: أمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسألُوا رَسُولَكُمْ كما سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ الآية. وقال آخرون بـما:
1343ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسألُوا رَسُولَكُمْ كما سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وكان موسى يُسأل فقـيـل له: أرِنا الله جَهْرَةً.
1344ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسألُوا رَسُولَكُمْ كما سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ أن يريهم الله جهرة, فسألت العرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتـيهم بـالله فـيروه جهرة. وقال آخرون بـما:
1345ـ حدثنـي به مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قوله الله: أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسألُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ أن يريهم الله جهرة. فسألت قريش مـحمدا صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له الصفـا ذهبـا, قال: «نَعَمْ, وَهُوَ لَكُمْ كمائِدَةِ بَنِـي إسْرَائِيـلَ إنْ كَفَرْتُـمْ». فأبوا ورجعوا.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد قال: سألت قريش مـحمدا أن يجعل لهم الصفـا ذهبـا, فقال: «نَعَمْ, وَهُوَ لَكُمْ كالـمَائِدَةِ لِبَنِـي إسْرَائِيـلَ إنْ كَفَرَتُـمْ. فأبوا ورجعوا, فأنزل الله أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسألُوا رَسُولَكُمْ كما سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ أن يريهم الله جهرة.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد مثله,
وقال آخرون بـما:
1346ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, عن أبـي العالـية, قال:قال رجل: يا رسول الله لو كانت كفـاراتنا كفـارات بنـي إسرائيـل فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: «اللّهُمّ لا نَبْغِيها ما أعْطاكُمُ اللّهُ خَيْرٌ مِـمّا أعْطَى بَنِـي إسْرَائِيـلَ فقال النبـيّ: كانت بَنُو إسْرَائِيـلَ إذَا فَعَلَ أحَدُهُمُ الـخَطِيئَةَ وَجَدَهَا مَكْتُوبَةً علـى بـابِهِ وَكَفّـارَتَها, فإنْ كَفّرَها كانَتْ لَهُ خِزْيا فِـي الدّنْـيا, وإنْ لَـمْ يُكَفّرْهَا كانَتْ لَهُ خِزْيا فِـي الاَخِرَةِ. وَقَدْ أعْطاكُمُ اللّهُ خَيْرا مِـمّا أعْطَى بَنِـي إسْرائِيـلَ, قالَ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءا أوْ يَظْلِـمْ نَفْسَهُ ثُمّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورا رَحِيـما. قال: وقال: «الصّلَوَاتُ الـخَمْسُ وَالـجُمَعَةُ إلـى الـجُمُعَةِ كَفّـارَاتٌ لِـمَا بَـيْنَهُنّ». وقال: «مَنْ هَمّ بِحَسَنَةً فَلَـمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً, فإنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرَ أمْثَالِهَا, وَلاَ يَهْلِكُ عَلَـى اللّهِ إلا هالِكٌ». فأنزل الله: أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسألُوا رَسُولَكُمْ كما سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ.
واختلف أهل العربـية فـي معنى أمْ التـي فـي قوله: أمْ تُرِيدُونَ.
فقال بعض البصريـين: هي بـمعنى الاستفهام, وتأويـل الكلام: أتريدون أن تسألوا رسولكم؟ وقال آخرون منهم: هي بـمعنى استفهام مستقبل منقطع من الكلام, كأنك تـميـل بها إلـى أوله كقول العرب: إنها لإبل يا قوم أم شاء, ولقد كان كذا وكذا أم حدس نفسي.
قال: ولـيس قوله: أَمْ تُرِيدُونَ علـى الشك ولكنه قاله لـيقبح له صنـيعهم. واستشهد لقوله ذلك ببـيت الأخطل:
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رأيْتَ بِوَاسِطٍغَلَسَ الظّلامِ مِنَ الرّبـابِ خيَالاَ
وقال بعض نـحويـي الكوفـيـين: إن شئت جعلت قوله: أمْ تُرِيدُونَ استفهاما علـى كلام قد سبقه, كما قال جل ثناؤه: الـم تَنْزِيـلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِـيهِ مِنْ رَبّ العالَـمِينَ أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ فجاءت «أم» ولـيس قبلها استفهام. فكان ذلك عنده دلـيلاً علـى أنه استفهام مبتدأ علـى كلام سبقه.
وقال قائل هذه الـمقالة: «أم» فـي الـمعنى تكون ردّا علـى الاستفهام علـى جهتـين, إحداهما: أن تعرّف معنى «أيّ», والأخرى أن يستفهم بها, ويكون علـى جهة النسق, والذي ينوي به الابتداء إلا أنه ابتداء متصل بكلام, فلو ابتدأت كلاما لـيس قبله كلام ثم استفهمت لـم يكن إلا بـالألف أو ب«هَلْ». قال: وإن شئت قلت فـي قوله: أمْ تُرِيدُونَ قبله استفهام, فردّ علـيه وهو فـي قوله: ألَـمْ تَعْلَـمْ أنّ اللّهَ عَلـى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
والصواب من القول فـي ذلك عندي علـى ما جاءت به الاَثار التـي ذكرناها عن أهل التأويـل أنه استفهام مبتدأ بـمعنى: أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم؟ وإنـما جاز أن يستفهم القوم ب«أَمْ» وإن كانت «أم» أحد شروطها أن تكون نسقا فـي الاستفهام لتقدّم ما تقدّمها من الكلام لأنها تكون استفهاما مبتدأ إذا تقدمها سابق من الكلام, ولـم يسمع من العرب استفهام بها ولـم يتقدمها كلام. ونظيره قوله جل ثناؤه: الـم تَنْزِيـلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِـيهِ مِنْ رَبّ العالَـمِين أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ. وقد تكون «أم» بـمعنى «بل» إذا سبقها استفهام لا يصلـح فـيه «أيّ», فـيقولون: هل لك قِبَلَنا حق, أم أنت رجل معروف بـالظلـم؟ وقال الشاعر:
فَوَاللّهِ ما أدْرِي أسَلْـمَى تَغَوّلَتْأمِ القَوْم أمْ كُلّ إلـيّ حَبِـيبُ
يعنـي: بل كل إلـيّ حبـيب.
وقد كان بعضهم يقول منكرا قول من زعم أن «أم» فـي قوله: أمْ تُرِيدُونَ استفهام مستقبل منقطع من الكلام يـميـل بها إلـى أوله أن الأول خبر والثانـي استفهام, والاستفهام لا يكون فـي الـخبر, والـخبر لا يكون فـي الاستفهام ولكن أدركه الشك بزعمه بعد مضيّ الـخبر, فـاستفهم.
فإذا كان معنى «أم» ما وصفنا, فتأويـل الكلام: أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم من الأشياء نظير ما سأل قوم موسى من قبلكم, فتكفروا إن منعتـموه فـي مسألتكم ما لا يجوز فـي حكمة الله إعطاؤكموه, أو أن تهلكوا, إن كان مـما يجوز فـي حكمته عطاؤكموه فأعطاكموه ثم كفرتـم من بعد ذلك, كما هلك من كان قبلكم من الأمـم التـي سألت أنبـياءها ما لـم يكن لها مسألتها إياهم, فلـما أعطيت كفرت, فعوجلت بـالعقوبـات لكفرها بعد إعطاء الله إياها سؤلها.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَمَنْ يَتَبَدّلِ الكُفْرَ بـالإيـمَانِ.
يعنـي جل ثناؤه بقوله: وَمَنْ يَتَبَدّلِ ومن يستبدل الكفر ويعنـي بـالكفر: الـجحود بـالله وبآياته بـالإيـمان, يعنـي بـالتصديق بـالله وبآياته والإقرار به. وقد قـيـل عنى بـالكفر فـي هذا الـموضع الشدة وبـالإيـمان الرخاء. ولا أعرف الشدة فـي معانـي الكفر, ولا الرخاء فـي معنى الإيـمان, إلا أن يكون قائل ذلك أراد بتأويـله الكفر بـمعنى الشدّة فـي هذا الـموضع وبتأويـله الإيـمان فـي معنى الرخاء ما أعدّ الله للكفـار فـي الاَخرة من الشدائد, وما أعدّ الله لأهل الإيـمان فـيها من النعيـم, فـيكون ذلك وجها وإن كان بعيدا من الـمفهوم بظاهر الـخطاب. ذكر من قال ذلك:
1347ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن أبـي العالـية: وَمَنْ يَتَبَدّلِ الكُفْرَ بِـالإيـمَانِ يقول: يتبدّل الشدّة بـالرخاء.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن أبـي جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية بـمثله.
وفـي قوله: وَمَنْ يَتَبَدّلِ الكُفْرَ بـالإيـمَانِ فَقَدْ ضَلّ سَوَاءَ السّبِـيـلِ دلـيـل واضح علـى ما قلنا من أن هذه الاَيات من قوله: يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنا خطاب من الله جل ثناؤه الـمؤمنـين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعتاب منه لهم علـى أمر سلف منهم مـما سرّ به الـيهود وكرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم, فكرهه الله لهم. فعاتبهم علـى ذلك, وأعلـمهم أن الـيهود أهل غشّ لهم وحسد وبغي, وأنهم يتـمنون لهم الـمكاره ويبغونهم الغوائل, ونهاهم أن ينتصحوهم, وأخبرهم أن من ارتدّ منهم عن دينه فـاستبدل بإيـمانه كفرا فقد أخطأ قصد السبـيـل.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فَقَدْ ضَلّ سَوَاءَ السّبِـيـلِ.
أما قوله: فَقَدْ ضَلّ فإنه يعنـي به ذهب وحاد. وأصل الضلال عن الشيء: الذهاب عند والـحَيْد. ثم يستعمل فـي الشيء الهالك والشيء الذي لا يؤبه له, كقولهم للرجل الـخامل الذي لا ذكر له ولا نبـاهة: ضلّ بن ضلّ, وقلّ بن قلّ كقول الأخطل فـي الشيء الهالك:
كُنْتَ القَذَى فِـي مَوْجِ أكْدَرَ مُزْبِدٍقَذَفَ أَلاتِـيّ بِهِ فَضَلّ ضَلالاَ
يعنـي: هلك فذهب.
والذي عنى الله تعالـى ذكره بقوله: فَقَدْ ضَلّ سَوَاءَ السّبِـيـلِ فقد ذهب عن سواء السبـيـل وحاد عنه.
وأما تأويـل قوله: سَوَاءَ السّبِـيـلِ فإنه يعنـي بـالسواء: القصد والـمنهج, وأصل السواء: الوسط ذكر عن عيسى بن عمر النـحوي أنه قال: «ما زلت أكتب حتـى انقطع سَوَائي», يعنـي وسطي. وقال حسان بن ثابت:
يا وَيْحَ أنْصَار النّبِـيّ وَنَسْلِهِبَعدَ الـمُغَيّبِ فِـي سَوَاءِ الـمُلْـحَدِ
يعنـي بـالسواء الوسط. والعرب تقول: هو فـي سواء السبـيـل, يعنـي فـي مستوى السبـيـل. وسواءُ الأرض مستواها عندهم, وأما السبـيـل فإنها الطريق الـمسبول, صُرف من مسبول إلـى سبـيـل.
فتأويـل الكلام إذا: ومن يستبدل بـالإيـمان بـالله وبرسوله الكفر فـيرتدّ عن دينه, فقد حاد عن منهج الطريق ووسطه الواضح الـمسبول. وهذا القول ظاهره الـخبر عن زوال الـمستبدل بـالإيـمان والكفر عن الطريق, والـمعنى به الـخبر عنه أنه ترك دين الله الذي ارتضاه لعبـاده وجعله لهم طريقا يسلكونه إلـى رضاه, وسبـيلاً يركبونها إلـى مـحبته والفوز بجناته. فجعل جل ثناؤه الطريق الذي إذا ركب مـحجته السائر فـيه ولزم وسطه الـمـجتاز فـيه, نـجا وبلغ حاجته وأدرك طلبته لدينه الذي دعا إلـيه عبـاده مثلاً لإدراكهم بلزومه واتبـاعه إدراكهم طلبـاتهم فـي آخرتهم, كالذي يدرك اللازم مـحجة السبـيـل بلزومه إياها طلبته من النـجاة منها, والوصول إلـى الـموضع الذي أمّه وقصده. وجعل مثل الـحائد عن دينه والـحائد عن اتبـاع ما دعاه إلـيه من عبـادته فـي حياته ما رجا أن يدركه بعمله فـي آخرته وينال به فـي معاده وذهابه عمّا أمل من ثواب عمله وبعده به من ربه, مثل الـحائد عن منهج الطريق وقصد السبـيـل, الذي لا يزداد وُغولاً فـي الوجه الذي سلكه إلا ازداد من موضع حاجته بُعْدا, وعن الـمكان الذي أَمّهُ وأراده نَأْيا. وهذه السبـيـل التـي أخبر الله عنها أن من يتبدّل الكفر بـالإيـمان فقد ضلّ سواءها, هي الصراط الـمستقـيـم الذي أمرنا بـمسألته الهداية له بقوله: اهْدِنا الصّرَاطَ الـمُسْتَقِـيـمَ صِرَاطَ الّذِينَ أنعَمْتَ عَلَـيْهِمْ.
الآية : 109
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{وَدّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ الْحَقّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتّىَ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
قال أبو جعفر: وقد صرّح هذا القول من قول الله جل ثناؤه, بأن خطابه بجميع هذه الاَيات من قوله: يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تقولوا رَاعِنا وإن صرف فـي نفسه الكلام إلـى خطاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم, إنـما هو خطاب منه للـمؤمنـين وأصحابه, وعتاب منه لهم, ونهي عن انتصاح الـيهود ونظرائهم من أهل الشرك وقبول آرائهم فـي شيء من أمور دينهم, ودلـيـل علـى أنهم كانوا استعملوا, أو من استعمل منهم فـي خطابه ومسألته رسول الله صلى الله عليه وسلم الـجفـاء, وما لـم يكن له استعماله معه, تأسيا بـالـيهود فـي ذلك أو ببعضهم. فقال لهم ربهم ناهيا عن استعمال ذلك: لا تقولوا لنبـيكم صلى الله عليه وسلم كما تقول له الـيهود: «راعنا» تأسيا منكم بهم, ولكن قولوا: «انظرنا واسمعوا», فإن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر بـي وجحود لـحقّـي الواجب لـي علـيكم فـي تعظيـمه وتوقـيره, ولـمن كفر بـي عذاب ألـيـم فإن الـيهود والـمشركين ما يودّون أن ينزل علـيكم من خير من ربكم, ولكن كثـيرا منهم ودّوا أنهم يردّونكم من بعد إيـمانكم كفـارا حسدا من عند أنفسهم لكم ولنبـيكم مـحمد صلى الله عليه وسلم, من بعدما تبـين لهم الـحقّ فـي أمر مـحمد وأنه نبـيّ إلـيهم وإلـى خـلقـي كافة. وقد قـيـل إن الله جل ثناؤه عنى بقوله: وَدّ كَثِـيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ كعب بن الأشرف.
1348ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الزهري فـي قوله: وَدّ كَثِـيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ هو كعب بن الأشرف.
1349ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا أبو سفـيان العمري, عن معمر, عن الزهري وقتادة: وَدّ كَثِـيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ قال كعب بن الأشرف. وقال بعضهم بـما:
1350ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي ابن إسحاق. وحدثنا أبو كريب, قال: حدثنا يونس بن بكير, قال: حدثنا مـحمد بن إسحاق, قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, قال: حدثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة, عن ابن عبـاس قال: كان حُيـي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشدّ يهود للعرب حسدا, إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم, وكانا جاهدين فـي ردّ الناس عن الإسلام بـما استطاعا, فأنزل الله فـيهما: وَدّ كَثِـيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدّونَكُمْ الآية.
ولـيس لقول القائل عَنَى بقوله: وَدّ كَثِـيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ كعب بن الأشرف معنى مفهوم لأن كعب بن الأشرف واحد, وقد أخبر الله جلّ ثناؤه أن كثـيرا منهم يودّون لو يردّون الـمؤمنـين كفـارا بعد إيـمانهم. والواحد لا يقال له كثـير بـمعنى الكثرة فـي العدد, إلا أن يكون قائل ذلك أراد بوجه الكثرة التـي وصف الله بها من وصفه بها فـي هذه الآية الكثرة فـي العزّ ورفعة الـمنزلة فـي قومه وعشيرته, كما يقال: فلان فـي الناس كثـير, يراد به كثرة الـمنزلة والقدر. فإن كان أراد ذلك فقد أخطأ, لأن الله جل ثناؤه قد وصفهم بصفة الـجماعة, فقال: لَوْ يَرُدّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إيـمانِكُمْ كُفّـارا حَسَدا فذلك دلـيـل علـى أنه عنى الكثرة فـي العدد. أو يكون ظن أنه من الكلام الذي يخرج مخرج الـخبر عن الـجماعة, والـمقصود بـالـخبر عنه الواحد, نظير ما قلنا آنفـا فـي بـيت جميـل فـيكون ذلك أيضا خطأ, وذلك أن الكلام إذا كان بذلك الـمعنى فلا بد من دلالة فـيه تدلّ علـى أن ذلك معناه, ولا دلالة تدلّ فـي قوله: وَدّ كَثِـيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ أن الـمراد به واحد دون جماعة كثـيرة, فـيجوز صرف تأويـل الآية إلـى ذلك وإحالة دلـيـل ظاهره إلـى غير الغالب فـي الاستعمال.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: حَسَدا مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ.
ويعنـي جل ثناؤه بقوله: حَسَدا مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ أن كثـيرا من أهل الكتاب يودّون للـمؤمنـين ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يودونه لهم من الردّة عن إيـمانهم إلـى الكفر حسدا منهم وبغيا علـيهم. والـحسد إذا منصوب علـى غير النعت للكفـار, ولكن علـى وجه الـمصدر الذي يأتـي خارجا من معنى الكلام الذي يخالف لفظه لفظ الـمصدر, كقول القائل لغيره: تـمنـيت لك ما تـمنـيت من السوء حسدا منـي لك. فـيكون الـحسن مصدرا من معنى قوله: تـمنـيت من السوء لأن فـي قوله تـمنـيت لك ذلك, معنى حسدتك علـى ذلك. فعلـى هذا نصب الـحسد, لأن فـي قوله: وَدّ كَثِـير مِنْ أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إيـمَانكُمْ كُفّـارا يعنـي: حسدكم أهل الكتاب علـى ما أعطاكم الله من التوفـيق, ووهب لكم من الرشاد لدينه والإيـمان برسوله, وخصكم به من أن جعل رسوله إلـيكم رجلاً منكم رءوفـا بكم رحيـما, ولـم يجعله منهم, فتكونوا لهم تبعا. فكان قوله: حَسَدا مصدرا من ذلك الـمعنى.
وأما قوله: مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ فإنه يعنـي بذلك: من قِبَلِ أنفسهم, كما يقول القائل: لـي عندك كذا وكذا, بـمعنى: لـي قِبَلك. وكما:
1351ـ وحدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر (عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس) قوله: مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ (قال: من قبل أنفسهم).
وإنـما أخبر الله جل ثناؤه عنهم الـمؤمنـين أنهم ودوا ذلك للـمؤمنـين من عند أنفسهم إعلاما منه لهم بأنهم لـم يؤمروا بذلك فـي كتابهم, وأنهم يأتون ما يأتون من ذلك علـى علـم منهم بنهي الله إياهم عنه.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: مِنْ بَعْدِ ما تَبَـيّنَ لهُمُ الـحَقّ.
يعنـي جل ثناؤه بقوله: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَـيّنَ لَهُمُ الـحَقّ أي من بعد ما تبـين لهؤلاء الكثـير من أهل الكتاب الذين يودّون أنهم يردونكم كفـارا من بعد إيـمانكم الـحقّ فـي أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند ربه والـملة التـي دعا إلـيها فأضاء لهم أن ذلك الـحقّ الذي لا يـمترون فـيه. كما:
1352ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: مِنْ بَعْدِ ما تَبَـيّنَ لَهُمُ الـحَقّ من بعد ما تبـين لهم أن مـحمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم, والإسلامَ دينُ الله.
1353ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: مِنْ بَعْدِ ما تَبَـيّنَ لَهُمُ الـحَقّ يقول: تبـين لهم أن مـحمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدونه مكتوبـا عندهم فـي التوراة والإنـجيـل.
1354ـ حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, مثله وزاد فـيه: فكفروا به حسدا وبغيا, إذْ كان من غيرهم.
1355ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: مِنْ بَعْدِ ما تَبَـيّنَ لَهُمُ الـحَقّ قال: الـحقّ: هو مـحمد صلى الله عليه وسلم فتبـين لهم أنه هو الرسول.
حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: مِنْ بَعْدِ ما تَبَـيّنَ لَهُمُ الـحَقّ قال: قد تبـين لهم أنه رسول الله.
قال أبو جعفر: فدلّ بقوله ذلك أن كُفْرَ الذين قصّ قصتهم فـي هذه الآية بـالله وبرسوله عنادٌ, وعلـى علـم منهم ومعرفة, بأنهم علـى الله مفترون. كما:
1356ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: مِنْ بَعْدِ ما تَبَـيّنَ لَهُمُ الـحَقّ يقول الله تعالـى ذكره: من بعد ما أضاء لهم الـحقّ لـم يجهلوا منه شيئا, ولكن الـحسد حملهم علـى الـجحد. فعيرهم الله ولامهم ووبخهم أشدّ الـملامة.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فـاعْفُوا وَاصْفَحُوا حتـى يَأتِـيَ اللّهُ بِأمْرِهِ.
يعنـي جل ثناؤه بقوله: فـاعْفُوا فتـجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ فـي رأي أشاروا به علـيكم فـي دينكم, إرادةَ صَدّكم عنه, ومـحاولة ارتدادكم بعد إيـمانكم, وعما سلف منهم من قـيـلهم لنبـيكم صلى الله عليه وسلم: اسْمَعْ غَيْر مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَـيّا بألْسِنَتِهِمْ وَطَعْنا فِـي الدّينِ واصفحوا عما كان منهم من جهل فـي ذلك حتـى يأتـي الله بأمره, فـيحدث لكم من أمره فـيكم ما يشاء, ويقضي فـيهم ما يريد. فقضى فـيهم تعالـى ذكره, وأتـى بأمره, فقال لنبـيه صلى الله عليه وسلم وللـمؤمنـين به: قاتِلُوا الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بـاللّهِ وَلا بـالْـيَوْمِ الاَخِرِ وَلا يُحَرّمُونَ ما حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الـحَقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكتاب حتـى يُعْطُوا الـجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ. فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح بفرض قتالهم علـى الـمؤمنـين حتـى تصير كلـمتهم وكلـمة الـمؤمنـين واحدة, أو يؤدّوا الـجزية عن يد صَغَارا. كما:
1357ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: حدثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس قوله: فـاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتـى يَأْتِـيَ اللّهُ بأمْرِهِ إنّ اللّهَ علـى كلّ شَيْءٍ قَدِير ونسخ ذلك قوله: فَـاقْتُلُوا الـمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُـمُوهُمْ.
1358ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: فَـاعْفُوا وَاصْفَحُوا حتـى يأتِـي للّهُ بأمْرِهِ فأتـى الله بأمره فقال: قَاتِلُوا الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِـاللّهِ وَالْـيَوْمِ الاَخِرِ حتـى بلغ: وهُمْ صَاغِرُونَ أي صَغَارا ونقمة لهم فنسخت هذه الآية ما كان قبلها: فَـاعْفُوا وَاصْفَحُوا حتـى يَأْتِـيَ اللّهُ بأمْرِهِ.
1359ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع فـي قوله: فـاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتـى يَأْتِـيَ اللّهُ بأمْرِهِ قال: اعفوا عن أهل الكتاب حتـى يحدث الله أمرا. فأحدث الله بعد فقال: قَاتِلُوا الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـاللّهِ وَلا بـالْـيَوْمِ الاَخِرِ إلـى: وهُمْ صَاغِرُونَ.
حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أنا معمر, عن قتادة فـي قوله: فـاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتـى يَأْتِـيَ اللّهُ بِأمْرِهِ قال: نسختها: «اقْتُلُوا الـمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُـمُوهُمْ».
1360ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: فَـاعْفُوا وَاصْفَحُوا حتـى يَأتِـيَ اللّهُ بأمْرِهِ قال: هذا منسوخ, نَسَخَه: قاتِلُوا الذين لا يُؤمِنُونَ بـاللّهِ وَلا بـالْـيَوْمِ الاَخِرِ إلـى قوله: وَهُمْ صَاغِرُونَ.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: إنّ الله علـى كُلّ شيْءٍ قَدِير.
قال أبو جعفر: قد دللنا فـيـما مضى علـى معنى القدير وأنه القويّ. فمعنى الآية ههنا: أن الله علـى كل ما يشاء بـالذين وصفت لكم أمرهم من أهل الكتاب وغيرهم قديرٌ, إن شاء الانتقام منهم بعنادهم ربهم وإن شاء هداهم لـما هداكم الله له من الإيـمان, لا يتعذّر علـيه شيء أراده ولا يتعذّر علـيه أمر شاء قضاءه لأن له الـخـلق والأمر.
الآية : 110
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَمَا تُقَدّمُواْ لأنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }
قال أبو جعفر: قد دللنا فـيـما مضى علـى معنى إقامة الصلاة, وأنها أداؤها بحدودها وفروضها, وعلـى تأويـل الصلاة وما أصلها, وعلـى معنى إيتاء الزكاة, وأنه إعطاؤها بطيب نفس علـى ما فُرضت ووَجبت, وعلـى معنى الزكاة واختلاف الـمختلفـين فـيها, والشواهد الدالة علـى صحة القول الذي اخترنا فـي ذلك بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.
وأما قوله: وَما تُقَدّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَـجِدُوهُ عِنْدَ اللّهِ فإنه يعنـي جل ثناؤه بذلك: ومهما تعملوا من عمل صالـح فـي أيام حياتكم فتقدموه قبل وفـاتكم ذخرا لأنفسكم فـي معادكم, تـجدوا ثوابه عند ربكم يوم القـيامة, فـيجازيكم به. والـخير: هو العمل الذي يرضاه الله. وإنـما قال: تَـجِدُوهُ والـمعنى: تـجدوا ثوابه. كما:
1361ـ حُدثت عن عمار بن الـحسن. قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع قوله: تـجِدُوهُ يعنـي: تـجدوا ثوابه عند الله.
قال أبو جعفر: لاستغناء سامعي ذلك بدلـيـل ظاهر علـى معنى الـمراد منه, كما قال عمر بن لـجأ:
وَسَبّحَتِ الـمَدِينَةُ لا تَلُـمْهارأتْ قَمَرا بِسُوقِهِمُ نَهَارا
وإنـما أراد: وسبح أهل الـمدينة. وإنـما أمرهم جل ثناؤه فـي هذا الـموضع بـما أمرهم به من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتقديـم الـخيرات لأنفسم, لـيطهّروا بذلك من الـخطأ الذي سلف منهم فـي استنصاحهم الـيهود, وركون من كان ركن منهم إلـيهم, وجفـاء من كان جفـا منهم فـي خطابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: راعِنا إذ كانت إقامة الصلوات كفـارة للذنوب, وإيتاء الزكاة تطهيرا للنفوس والأبدان من أدناس الاَثام, وفـي تقديـم الـخيرات إدراك الفوز برضوان الله.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: إنّ اللّهَ بِـمَا تَعْمَلُونَ بَصِير.
وهذا خبر من الله جل ثناؤه للذين خاطبهم بهذه الاَيات من الـمؤمنـين أنهم مهما فعلوا من خير وشرّ سِرّا وعلانـية, فهو به بصير لا يخفـى علـيه منه شيء, فـيجزيهم بـالإحسان جزاءه وبـالإساءة مثلها. وهذا الكلام وإن كان خرج مخرج الـخبر, فإن فـيه وعدا ووعيدا, وأمرا وزجرا وذلك أنه أعلـم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم لـيجدّوا فـي طاعته, إذ كان ذلك مذخورا لهم عنده حتـى يُثـيبهم علـيه, كما قال: وما تُقَدّمُوا لأِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَـجِدُوهُ عِنْدَ اللّهِ ولـيحذروا معصيته, إذ كان مطلعا علـى راكبها بعد تقدمه إلـيه فـيها بـالوعيد علـيها. وما أوعد علـيه ربنا جل ثناؤه فمنهيّ عنه, وما وعد علـيه فمأمور به.
وأما قوله: بَصِيرٌ فإنه مُبْصِر صرف إلـى بصير, كما صرف مُبْدِع إلـى بديع, ومُؤْلـم إلـى ألـيـم.
الآية : 111
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنّةَ إِلاّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىَ تِلْكَ أَمَانِيّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ }
يعنـي جل ثناؤه بقوله: وَقالُوا وقالت الـيهود والنصارى: لَنْ يَدْخُـلَ الـجَنّةَ.
فإن قال قائل: وكيف جمع الـيهود والنصارى فـي هذا الـخبر مع اختلاف مقالة الفريقـين, والـيهود تدفع النصارى عن أن يكون لها فـي ثواب الله نصيب, والنصارى تدفع الـيهود عن مثل ذلك؟ قـيـل: إن معنى ذلك بخلاف الذي ذهبت إلـيه, وإنـما عنى به: وقالت الـيهود: لن يدخـل الـجنة إلا من كان هودا, وقالت النصارى: لن يدخـل الـجنة إلا النصارى. ولكن معنى الكلام لـما كان مفهوما عند الـمخاطبـين به معناه جمع الفريقان فـي الـخبر عنهما, فقـيـل: قالُوا لَنْ يَدْخُـلَ الـجَنّةَ إلا مَنْ كانَ هُودا أوْ نَصَارَى الآية, أي قالت الـيهود: لن يدخـل الـجنة إلا من كان يهوديّا, وقالت النصارى: لن يدخـل الـجنة إلا من كان نصرانـيّا. وأما قوله: مَنْ كانَ هُودا فإن فـي الهُودِ قولـين: أحدهما أن يكون جمع هائد, كما جاء عُوط جمع عائط, وعُوذ جمع عائذ, وحُول جمع حائل, فـيكون جمعا للـمذكر والـمؤنث بلفظ واحد والهائد: التائب الراجع إلـى الـحقّ. والاَخر أن يكون مصدرا عن الـجميع, كما يقال: «رجل صَوْمٌ وقوم صَوْمٌ», و«رجل فِطْر وقوم فِطْر ونسوة فِطْر».
وقد قـيـل: إن قوله: إلا مَنْ كانَ هُودا إنـما هو قوله: إلا من كان يهودا ولكنه حذف الـياء الزائدة, ورجع إلـى الفعل من الـيهودية.
وقـيـل: إنه فـي قراءة أبـيّ: «إلا من كان يهوديّا أو نصرانـيّا». وقد بـينا فـيـما مضى معنى النصارى ولـم سُميت بذلك وجمعت كذلك بـما أغنى عن إعادته.
وأما قوله: تِلْكَ أمانِـيّهُمْ فإنه خبر من الله تعالـى ذكره عن قول الذين قالوا: لَنْ يَدْخُـلَ الـجَنّةَ إلا مَنْ كانَ هُودا أوْ نَصَارَى أنه أمانـيّ منهم يتـمنونها علـى الله بغير حقّ ولا حجة ولا برهان ولا يقـين علـم بصحة ما يدعون, ولكن بـادّعاء الأبـاطيـل وأمانـي النفوس الكاذبة. كما:
1362ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: تِلْكَ أمانِـيّهُمْ أمانـيّ يتـمنونها علـى الله كاذبة.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: تِلْكَ أمانِـيّهُمْ قال: أمانـيّ تـمنوا علـى الله بغير الـحقّ.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: قُلْ هاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ.
وهذا أمر من الله جل ثناؤه لنبـيه صلى الله عليه وسلم بدعاء الذين قالُوا لَنْ يَدْخُـلَ الـجَنّةَ إلا مَنْ كانَ هُودا أوْ نَصَارَى إلـى أمر عدل بـين جميع الفرق مسلـمها ويهودها ونصاراها, وهو إقامة الـحجة علـى دعواهم التـي ادعوا من أن الـجنة لا يدخـلها إلا من كان هودا أو نصارى. يقول الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: يا مـحمد قل للزاعمين أن الـجنة لا يدخـلها إلا من كان هودا أو نصارى دون غيرهم من سائر البشر: هاتوا برهانكم علـى ما تزعمون من ذلك فنسلـم لكم دعواكم إن كنتـم فـي دعواكم من أن الـجنة لا يدخـلها إلا من كان هودا أو نصارى مـحقـين. والبرهان: هو البـيان والـحجة والبـينة. كما:
1363ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: هاتُوا بُرْهَانَكُمْ هاتوا بَـيّنتكم.
1364ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: هاتُوا بُرْهَانَكُمْ هاتُوا حجتكم.
1365ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد: قُلْ هاتوا بُرْهَانَكُمْ قال: حجتكم.
1366ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي حجتكم.
وهذا الكلام وإن كان ظاهره ظاهر دعاء القائلـين: لَنْ يَدْخُـلَ الـجَنّةَ إلا مَنْ كانَ هُودا أوْ نَصَارَى إلـى إحضار حجة علـى دعواهم ما ادّعوا من ذلك, فإنه بـمعنى تكذيب من الله لهم فـي دعواهم وقـيـلهم لأنهم لـم يكونوا قادرين علـى إحضار برهان علـى دعواهم تلك أبدا.
وقد أبـان قوله: بَلَـى مَنْ أسْلَـمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُـحْسِنٌ علـى أن الذي ذكرنا من الكلام بـمعنى التكذيب للـيهود والنصارى فـي دعواهم ما ذكر الله عنهم.
وأما تأويـل قوله: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ فإنه: أحضروا وأتوا به.
الآية : 112
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{بَلَىَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
يعنـي بقوله جل ثناؤه: بَلَـى مَنْ أسْلَـمَ أنه لـيس كما قال الزاعمون لَنْ يَدْخُـلَ الـجَنّةَ إلا مَنْ كانَ هُودا أوْ نَصَارَى ولكن من أسلـم وجهه لله وهو مـحسن, فهو الذي يدخـلها وينعم فـيها. كما:
1367ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي, قال: أخبرهم أن من يدخـل الـجنة هو من أسلـم وجهه لله الآية. وقد بـينا معنى بَلـى فـيـما مضى قبل.
وأما قوله: مَنْ أسْلَـمَ وَجْهَهُ لِلّهِ فإنه يعنـي بإسلام الوجه التذلل لطاعته والإذعان لأمره. وأصل الإسلام: الاستسلام لأنه من استسلـمت لأمره, وهو الـخضوع لأمره. وإنـما سُمي الـمسلـم مسلـما بخضوع جوارحه لطاعة ربه. كما:
1368ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: بَلَـى مَنْ أسْلَـمَ وَجْهَهُ لِلّهِ يقول: أخـلص لله. وكما قال زيد بن عمرو بن نُفَـيـل:
وأسْلَـمْتُ وَجْهِي لِـمَنْ أسْلَـمَتْلَهُ الـمُزْنُ تَـحْمِلُ عَذْبـا زُلالاَ
يعنـي بذلك: استسلـمت لطاعة من استسلـم لطاعته الـمزن وانقادت له.
وخصّ الله جل ثناؤه بـالـخبر عمن أخبر عنه بقوله: بَلَـى مَنْ أسْلَـمَ وَجْهَهُ لِلّهِ بإسلام وجهه له دون سائر جوراحه لأن أكرم أعضاء ابن آدم وجوارحه وجهه, وهو أعظمها علـيه حرمة وحقّا, فإذا خضع لشيء وجهه الذي هو أكرم أجزاء جسده علـيه فغيره من أجزاء جسده أحرى أن يكون أخضع له. ولذلك تذكر العرب فـي منطقها الـخبر عن الشيء فتضيفه إلـى وجهه وهي تعنـي بذلك نفس الشيء وعينه, كقول الأعشى:
أؤوّلُ الـحُكْمَ علـى وَجْهِهِلَـيْسَ قَضَائِي بـالهَوَى الـجائِرِ
يعنـي بقوله: «علـى وجهه»: علـى ما هو به من صحته وصوابه. وكما قال ذو الرّمة:
فَطَاوَعْتُ هَمّي وَأَنْـجَلَـى وَجْهُ بَـازلٍمِنَ الأمْرِ لَـمْ يَتْرُكْ خِلاجا بُزُولُها
يريد: «وانـجلـى البـازل من الأمر فتبـين», وما أشبه ذلك, إذ كان حسنُ كل شيء وقبحُه فـي وجهه, وكان فـي وصفها من الشيء وجهه بـما تصفه به إبـانة عن عين الشيء ونفسه.
فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: بَلَـى مَنْ أسْلَـمَ وَجْهَهُ لِلّهِ إنـما يعنـي: بلـى من أسلـم لله بدنه, فخضع له بـالطاعة جسده وهو مـحسن فـي إسلامه له جسده, فله أجره عند ربه. فـاكتفـى بذكر الوجه من ذكر جسده لدلالة الكلام علـى الـمعنى الذي أريد به بذكر الوجه.
وأما قوله: وَهُوَ مُـحْسِنَ فإنه يعنـي به فـي حال إحسانه. وتأويـل الكلام: بلـى من أخـلص طاعته لله وعبـادته له مـحسنا فـي فعله ذلك.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَـيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. يعنـي بقوله جل ثناؤه: فَلَهُ أَجْرهُ عِنْدَ رَبّهِ فللـمسلـمِ وجْهَهُ لله مـحسنا جزاؤه وثوابه علـى إسلامه وطاعته ربه عند الله فـي معاده.
ويعنـي بقوله: وَلا خَوْف عَلَـيْهِمْ علـى الـمسلـمين وجوههم لله وهم مـحسنون, الـمخـلصين له الدين فـي الاَخرة من عقابه وعذاب جحيـمه, وما قدموا علـيه من أعمالهم.
ويعنـي بقوله: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ولا هم يحزنون علـى ما خـلفوا وراءهم فـي الدنـيا, ولا أن يـمنعوا ما قدموا علـيه من نعيـم ما أعدّ الله لأهل طاعته.
وإنـما قال جل ثناؤه: وَلا خَوْف عَلَـيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وقد قال قبلُ: فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبّهِ لأن «من» التـي فـي قوله: بَلَـى مَنْ أسْلَـمَ وَجْهَهُ لِلّهِ فـي لفظ واحد ومعنى جميع, فـالتوحيد فـي قوله: فله أجره للّفظ, والـجمع فـي قوله: وَلاَ خَوْف عَلَـيْهِمْ للـمعنى