تفسير الطبري تفسير الصفحة 170 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 170
171
169
 الآية : 156
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـَذِهِ الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ إِنّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيَ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكَـاةَ وَالّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ }..
يقول تعالـى ذكره مخبرا عن دعاء نبـيه موسى علـيه السلام أنه قال فـيه: وَاكْتُبْ لَنا: أي اجعلنا مـمن كتبت له فِـي هَذِهِ الدّنْـيا حَسَنَةً وهي الصالـحات من الأعمال, وَفـي الاَخِرَةِ مـمن كتبت له الـمغفرة لذنوبه. كما:
11862ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قوله: وَاكْتُبْ لَنا فِـي هَذِهِ الدّنْـيا حَسَنَةً قال: مغفرة.
وقوله: إنّا هُدْنا إلَـيْكَ يقول: إنا تبنا إلـيك.
وبنـحو ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
11863ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا جرير وابن فضيـل وعمران بن عيـينة, عن عطاء, عن سعيد بن جبـير وقال عمران, عن ابن عبـاس: إنّا هُدْنا إلَـيْكَ قال: إنا تبنا إلـيك.
11864ـ قال: حدثنا زيد بن حبـاب, عن حماد بن سلـمة, عن عطاء, عن سعيد بن جبـير, قال: تبنا إلـيك.
11865ـ قال: حدثنا جابر بن نوح, عن أبـي رَوْق عن الضحاك, عن ابن عبـاس قال: تبنا إلـيك.
قال: حدثنا عبد الله بن بكر, عن حاتـم بن أبـي مغيرة, عن سِماك: أن ابن عبـاس قال فـي هذه الاَية: إنّا هُدْنا إلَـيْكَ قال: تبنا إلـيك.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا الـحجاج, قال: حدثنا حماد, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبـير, قال: أحسبه عن ابن عبـاس: إنّا هُدْنا إلَـيْكَ قال: تبنا إلـيك.
حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس: إنّا هُدْنا إلَـيْكَ يقول: تبنا إلـيك.
حدثنا مـحمد بن بشار, قال: ثنـي يحيى بن سعيد, قال: حدثنا سفـيان, قال: حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهانـيّ عن سعيد بن جبـير, فـي قوله: إنّا هُدْنا إلَـيْكَ قال: تبنا إلـيك.
قال: حدثنا عبد الرحمن ووكيع بن الـجراح, قالا: حدثنا سفـيان عن عبد الرحمن بن الأصبهانـيّ, عن سعيد بن جبـير بـمثله.
11866ـ حدثنـي ابن وكيع, قال: حدثنا أبـي, عن سفـيان, عن ابن الأصبهانـي, عن سعيد بن جبـير, مثله.
11867ـ قال: حدثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيـم, قال: تبنا إلـيك.
قال: حدثنا مـحمد بن زيد, عن العوام, عن إبراهيـم التـيـميّ, قال: تبنا إلـيك.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عمرو بن عون, قال: أخبرنا هشيـم, عن العوّام, عن إبراهيـم التـيـمي مثله.
11868ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: إنّا هُدْنا إلَـيْكَ أي إنا تبنا إلـيك.
حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى, قال: حدثنا مـحمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, فـي قوله: هُدْنا إلَـيْكَ قال: تبنا.
11869ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: إنّا هُدْنا إلَـيْكَ يقول: تبنا إلـيك.
11870ـ قال: حدثنا مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: إنّا هُدْنا إلَـيْكَ يقول: تبنا إلـيك.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
11871ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبـي, عن أبـي جعفر الرازي, عن الربـيع بن أنس, عن أبـي العالـية, قال: هُدْنَا إلَـيْكَ قال: تبنا إلـيك.
قال: ثنا أبـي, عن أبـي جحير, عن الضحاك, قال: تبنا إلـيك.
11872ـ قال: ثنا الـمـحاربـي, عن جويـير, عن الضحاك, قال: تبنا إلـيك.
وحُدثت عن الـحسين بن الفرج, قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان, قال: سمعت الضحاك يقول, فذكر مثله.
قال: ثنا أبـي وعبـيد الله, عن شريك, عن جابر, عن مـجاهد, قال: تبنا إلـيك.
11873ـ قال: ثنا حبوية أبو يزيد, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبـير, مثله.
11874ـ قال: ثنا أبـي, عن شريك, عن جابر, عن عبد الله بن يحيى, عن علـيّ علـيه السلام, قال: إنـما سميت الـيهود لأنهم قالوا هُدْنا إلَـيْكَ.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس: إنّا هُدْنا إلَـيْكَ يعنـي: تبنا إلـيك.
حدثنا ابن البرقـي, قال: حدثنا عمرو, قال: سمعت رجلاً يسأل سعيدا: إنّا هُدْنا إلَـيْكَ قال: إنا تبنا إلـيك.
وقد بـيّنا معنى ذلك بشواهده فـيـما مضى قبل بـما أغنى عن إعادته.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: قالَ عَذَابِـي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتـي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأَكْتُبُها لِلّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكاةَ والّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ.
يقول تعالـى ذكره: قالَ الله لـموسى: هذا الذي أصبت به قومك من الرجفة عَذَابِـي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ من خـلقـي, كما أصيب به هؤلاء الذين أصبتهم به من قومك. وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ يقول: ورحمتـي عمت خـلقـي كلهم.
وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك, فقال بعضهم مخرجه عامّ ومعناه خاصّ, والـمراد به: ورحمتـي وسعت الـمؤمنـين بـي من أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم. واستشهد بـالذي بعده من الكلام, وهو قوله: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ... الاَية. ذكر من قال ذلك.
11875ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو سلـمة الـمنقري, قال: حدثنا حماد بن سلـمة, قال: أخبرنا عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس أنه قرأ: وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال: جعلها الله لهذه الأمة.
11876ـ حدثنـي عبد الكريـم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار, قال: قال سفـيان, قال أبو بكر الهذلـيّ: فلـما نزلت: وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ قال إبلـيس: أنا من الشيء. فنزعها الله من إبلـيس, قال: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكاةَ وَالّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ فقال الـيهود: نـحن نتقـي ونؤتـي الزكاة, ونؤمن بآيات ربنا. فنزعها الله من الـيهود, فقال: الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِـيّ الأُمّيّ... الاَيات كلها. قال: فنزعها الله من إبلـيس ومن الـيهود وجعلها لهذه الأمة.
11877ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: لـما نزلت: وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ قال إبلـيس: أنا من كلّ شيء, قال الله: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزّكاةَ وَالّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ... الاَية. فقالت الـيهود: ونـحن نتقـي ونؤتـي الزكاة. فأنزل الله: الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِـيّ الأُمّيّ قال: نزعها الله عن إبلـيس وعن الـيهود, وجعلها لأمة مـحمد, سأكتبها للذين يتقون من قومك.
11878ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: عَذَابـي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فقال إبلـيس: أنا من ذلك الشيء, فأنزل الله: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ معاصي الله, والّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ. فتـمنتها الـيهود والنصارى. فأنزل الله شرطا وثـيقا بـينا, فقال: الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِـيّ الأُمّيّ فهو نبـيكم كان أميا لا يكتب, صلى الله عليه وسلم.
11879ـ حدثنـي يعقوب, قال: حدثنا ابن علـية, قال: أخبرنا خالد الـحذّاء, عن أنـيس بن أبـي العريان, عن ابن عبـاس, فـي قوله: وَاكْتُبْ لَنا فِـي الدّنْـيا حَسَنَةً وفِـي الاَخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَـيْكَ قال: فلـم يعطها, فقال: عَذَابِـي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ إلـى قوله: الرّسُولَ النّبِـيّ الأُمّيّ.
حدثنـي ابن وكيع, قال: حدثنا ابن علـية وعبد الأعلـى, عن خالد, عن أنـيس بن أبـي العربـان قال عبد الأعلـى: عن أنـيس أبـي العريان وقال: قال ابن عبـاس: وَاكْتُبْ لَنا فِـي هَذِهِ الدّنْـيا حَسَنَةً وفِـي الاَخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَـيْكَ قال: فلـم يعطها موسى. قالَ عَذَابِـي أُصيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأكْتُبُها... إلـى آخر الاَية.
11880ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قال: كان الله كتب فـي الألواح ذكر مـحمد وذكر أمته وما ادخر لهم عنده وما يسّر علـيهم فـي دينهم وما وسّع علـيهم فـيـما أحلّ لهم, فقال: عَذَابِـي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ يعنـي الشرك, الاَية.
وقال آخرون: بل ذلك علـى العموم فـي الدنـيا وعلـى الـخصوص فـي الاَخرة. ذكر من قال ذلك.
11881ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الـحسن وقتادة, فـي قوله: وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ قالا: وسعت فـي الدنـيا البرّ والفـاجر, وهي يوم القـيامة للذين اتقوا خاصة.
وقال آخرون: هي علـى العموم, وهي التوبة. ذكر من قال ذلك.
11882ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: أنْتَ وَلِـيّنا فـاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنا فِـي هَذِهِ الدّنْـيا حَسَنَةً وفِـي الاَخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَـيْكَ فقال: سأل موسى هذا, فقال الله: عَذَابـي أُصِيبُ به مَنْ أَشَاءُ العذاب الذي ذكر ورَحْمتـي التوبةُ وَسِعَتْ كُلّ شَيءٍ فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ. قال: فرحمته: التوبة التـي سأل موسى علـيه السلام كتبها الله لنا.
وأما قوله: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ فإنه يقول: فسأكتب رحمتـي التـي وسعت كلّ شيء. ومعنى «أكتب» فـي هذا الـموضع: أكتب فـي اللوح الذي كتب فـيه التوراة للّذين يَتّقُونَ يقول: للقوم الذين يخافون الله ويخشون عقابه علـى الكفر به والـمعصية له فـي أمره ونهيه, فـيؤدون فرائضه, ويجتنبون معاصيه.
وقد اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنهم يتقونه, فقال بعضهم: هو الشرك. ذكر من قال ذلك.
11883ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ يعنـي الشرك.
وقال آخرون: بل هو الـمعاصي كلها. ذكر من قال ذلك.
11884ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ معاصي الله.
وأما الزكاة وإيتاؤها, فقد بـيّنا صفتها فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.
وقد ذُكر عن ابن عبـاس فـي هذا الـموضع أنه قال فـي ذلك ما:
11885ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله, قال ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس: وَيُؤْتُونَ الزّكاةَ قال: يطيعون الله ورسوله.
فكأن ابن عبـاس تأوّل ذلك بـمعنى أنه العمل بـما يزكي النفس ويطهّرها من صالـحات الأعمال.
وأما قوله: وَالّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ فإنه يقول: وللقوم الذين هم بأعلامنا وأدلتنا يصدّقون ويقرّون.
الآية : 157
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُواْ النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }..
وهذا القول إبـانة من الله جلّ ثناؤه عن أن الذين وعد موسى نبـيه علـيه السلام أن يكتب لهم الرحمة التـي وصفها جلّ ثناؤه بقوله: وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ هم أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم, لأنه لا يعلـم لله رسول وصف بهذه الصفة أعنـي الأميّ غير نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم, وبذلك جاءت الروايات عن أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.
11886ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا عمران بن عيـينة, عن عطاء, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.
قال: ثنا زيد بن حُبـاب, عن حماد بن سلـمة, عن عطاء, عن ابن عبـاس, قال: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.
11887ـ حدثنا أبو كريب وابن وكيع, قالا: حدثنا يحيى بن يـمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد, فـي قوله: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم, فقال موسى علـيه السلام: لـيتنـي خُـلقت فـي أمة مـحمد
11888ـ حدثنا ابن حميد وابن وكيع, قالا: حدثنا جرير, عن عطاء, عن سعيد بن جبـير: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال: الذين يتبعون مـحمدا صلى الله عليه وسلم.
11889ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا جرير, عن لـيث, عن شهر بن حَوْشَب, عن نَوْف الـحميريّ, قال: لـما اختار موسى قومه سبعين رجلاً لـميقات ربه قال الله لـموسى: أجعل لكم الأرض مسجدا وطَهُورا, وأجعل السكينة معكم فـي بـيوتكم, وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم, يقرؤها الرجل منكم والـمرأة والـحرّ والعبد والصغير والكبـير. فقال موسى لقومه: إن الله قد يجعل لكم الأرض طَهُورا ومسجدا. قالوا: لا نريد أن نصلـي إلاّ فـي الكنائس. قال: ويجعل السكينة معكم فـي بـيوتكم. قالوا: لا نريد إلاّ أن تكون كما كانت فـي التابوت. قال: ويجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم, ويقرؤها الرجل منكم والـمرأة والـحرَ والعبد الصغير والكبـير. قالوا: لا نريد أن نقرأها إلاّ نظرا. فقال الله: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزّكاةَ... إلـى قوله: أُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ.
11890ـ حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى, قال: حدثنا مـحمد بن ثور, عن معمر, عن يحيى بن أبـي كثـير, عن نوف البِكالـيّ, قال: لـما انطلق موسى بوفد بنـي إسرائيـل كلـمه الله, فقال: إنـي قد بسطت لهم الأرض طَهورا ومساجد يصلون فـيها حيث أدركتهم الصلاة إلاّ عند مرحاض أو قبر أو حمام, وجعلت السكينة فـي قلوبهم, وجعلتهم يقرءون التوراة عن ظهر ألسنتهم. قال: فذكر ذلك موسى لبنـي إسرائيـل, فقالوا: لا نستطيع حمل السكينة فـي قلوبنا, فـاجعلها لنا فـي تابوت, ولا نقرأ التوراة إلاّ نظرا, ولا نصلـي إلاّ فـي الكنـيسة فقال الله: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزّكاةَ... حتـى بلغ: أُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ. قال: فقال موسى علـيه السلام: يا رب اجعلنـي نبـيهم قال: نبـيهم منهم. قال: ربّ اجعلنـي منهم قال: لن تدركهم. قال: يا ربّ أتـيتك بوفد بنـي إسرائيـل, فجعلت وفـادتنا لغيرنا فأنزل الله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمّةٌ يُهْدُونَ بـالـحَقّ وبِهِ يَعْدِلُونَ. قال نوف البِكالـي: فـاحمدوا الله الذي حفظ غيبتكم, وأخذ لكم بسهمكم, وجعل وفـادة بنـي إسرائيـل لكم.
حدثنا مـحمد بن الـمثنى, قال: حدثنا معاذ بن هشام, قال: ثنـي أبـي, عن يحيى بن أبـي كثـير, عن نوف البِكالـي بنـحوه, إلاّ أنه قال: فإنـي أنزل علـيكم التوراة تقرءونها عن ظهر ألسنتكم, رجالكم ونساؤكم وصبـيانكم. قالوا: لا نصلـي إلاّ فـي كنـيسة, ثم ذكر سائر الـحديث نـحوه.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيـل, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبـير: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.
11891ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال: هؤلاء أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.
11892ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: لـما قـيـل: فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزّكاةَ وَالّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ تـمنتها الـيهود والنصارى, فأنزل الله شرطا بَـيّنا وثـيقا, فقال: الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِـيّ الأُمّيّ وهو نبـيكم صلى الله عليه وسلم كان أميّا لا يكتب.
وقد بـيّنا معنى الأميّ فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.
وأما قوله: الّذِي يَجدُونَهُ مَكْتُوبـا عنْدَهُمْ فِـي التّوْرَاةِ والإنْـجِيـل فإن الهاء فـي قوله: يَجِدُونَهُ عائدة علـى الرسول, وهو مـحمد صلى الله عليه وسلم. كالذي:
11893ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, قوله: الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِـيّ الأُمّيّ هذا مـحمد صلى الله عليه وسلم.
11894ـ حدثنـي ابن الـمثنى, قال: حدثنا عثمان بن عمر, قال: حدثنا فلـيح عن هلال بن علـيّ, عن عطاء بن يسار, قال: لقـيت عبد الله بن عمرو, فقلت: أخبرنـي عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي التوراة قال: أجل والله إنه لـموصوف فـي التوراة كصفته فـي القرآن: يا أيّهَا النّبـيّ إنّا أرْسلناكَ شاهِدا ومبشّرا ونذِيرا وحرزا للأميـين, أنت عبدي ورسولـي, سميتك الـمتوكل, لـيس بفظّ ولا غلـيظ ولا صخّاب فـي الأسواق, ولا يَجْزِي بـالسيئة السيئة, ولكن يعفو ويصفح ولن نقبضه حتـى نقـيـم به الـملة العوجاء, بأن يقولوا: لا إله إلاّ الله, فنفتـح به قلوبـا غُلْفـا وآذانا صُمّا, وأعينا عُمْيا. قال عطاء: ثم لقـيت كعبـا فسألته عن ذلك, فما اختلفـا حرفـا, إلاّ أن كعبـا قال بلغته: قلوبـا غُلُوفِـيَا. وآذانا صموميا, وأعينا عموميَا.
حدثنـي أبو كريب, قال: حدثنا موسى بن داود, قال: حدثنا فلـيح بن سلـيـمان, عن هلال بن علـيّ, قال: ثنـي عطاء, قال: لقـيت عبد الله بن عمرو بن العاص, فذكر نـحوه. إلاّ أنه قال فـي كلام كعب: أعينا عُمُومَا, وآذانا صُمُومَا, وقلوبـا غُلُوفَـا.
قال: ثنا موسى, قال: حدثنا عبد العزيز بن سلـمة, عن هلال بن علـيّ, عن عطاء بن يسار, عن عبد الله بنـحوه, ولـيس فـيه كلام كعب.
11895ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال الله: الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبـا عِنْدَهُمْ يقول: يجدون نعته وأمره ونبوّته مكتوبـا عندهم.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: يَأْمُرُهُمْ بـالـمَعْرُوفِ ويَنْهاهُمْ عَنِ الـمُنْكَرِ ويُحِلّ لَهُمُ الطّيِبـاتِ ويُحَرّمُ عَلَـيْهِمُ الـخَبـائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ التـي كانَتْ عَلَـيْهِمْ.
يقول تعالـى ذكره: يأمر هذا النبـيّ الأميّ أتبـاعه بـالـمعروف, وهو الإيـمان بـالله ولزوم طاعته فـيـما أمر ونهى, فذلك الـمعروف الذي يأمرهم به, وينهاهم عن الـمنكر وهو الشرك بـالله, والانتهاء عما نهاهم الله عنه.
وقوله: ويُحِلّ لَهُمُ الطّيّبـاتِ وذلك ما كانت الـجاهلـية تـحرّمه من البحائر والسوائب والوصائل والـحوامي. ويُحَرّمُ عَلَـيهِمُ الـخبَـائِثَ وذلك لـحم الـخنزير والربـا, وما كانوا يستـحلونه من الـمطاعم والـمشارب التـي حرّمها الله. كما:
11896ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس: ويُحَرّمُ عَلَـيْهِمُ الـخَبـائِثَ وهو لـحم الـخنزير والربـا, وما كانوا يستـحلونه من الـمـحرّمات من الـمآكل التـي حرّمها الله.
وأما قوله: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ الّتِـي كانَتْ عَلَـيْهِمْ فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله, فقال بعضهم: يعنـي بـالإصر: العده والـميثاق الذي كان أخذه علـى بنـي إسرائيـل بـالعمل بـما فـي التوراة. ذكر من قال ذلك.
11897ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا جابر بن نوح, عن أبـي رَوْق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال: عهدهم.
11898ـ قال: ثنا الـمـحاربـي, عن جويبر, عن الضحاك, قال: عهدهم.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عمرو بن علـيّ, قال: أخبرنا هشيـم, عن جويبر, عن الضحاك, مثله.
11899ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا يحيى بن يـمان, عن مبـارك, عن الـحسن: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال: العهود التـي أعطوها من أنفسهم.
11900ـ قال: ثنا ابن نـمير, عن موسى بن قـيس, عن مـجاهد: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال: عهدهم.
11901ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التـي كانَتْ عَلَـيْهِمْ يقول: يضع عنهم عهودهم ومواثـيقهم التـي أخذت علـيهم فـي التوراة والإنـجيـل.
11902ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـي, عن ابن عبـاس: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التـي كانَتْ عَلَـيْهِمْ ما كان الله أخذ علـيهم من الـميثاق فـيـما حرّم علـيهم, يقول: يضع ذلك عنهم.
وقال بعضهم: عنـي بذلك أنه يضع عمن اتبع نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم التشديد الذي كان علـى بنـي إسرائيـل فـي دينهم. ذكر من قال ذلك.
11903ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التـي كانَتْ عَلَـيْهِمْ فجاء مـحمد صلى الله عليه وسلم بإقالة منه وتـجاوز عنه.
11904ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا الـحمانـي, قال: حدثنا شريك, عن سالـم, عن سعيد: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال: البول ونـحوه مـما غلظ علـى بنـي إسرائيـل.
11905ـ قال: ثنا الـحِمّانـي, قال: حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد, قال: شدّة العمل.
11906ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال مـجاهد, قوله: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التـي كانَتْ عَلَـيْهِمْ قال: من اتبع مـحمدا ودينه من أهل الكتاب, وضع عنهم ما كان علـيهم من التشديد فـي دينهم.
11907ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا ابن فضيـل, عن أشعث, عن ابن سيرين, قال: قال أبو هريرة لابن عبـاس: ما علـينا فـي الدين من حرج أن نزنـي ونسرق؟ قال: بلـى, ولكن الإصر الذي كان علـى بنـي إسرائيـل وُضع عنكم.
11908ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال:, قال: قال أبو هريرة لابن عبـاس: ما علـينا فـي الدين من حرج أن نزنـي ونسرق؟ قال: بلـى, ولكن الإصر الذي كان علـى بنـي إسرائيـل وُضع عنكم.
11909ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال: ها من الأعمال الشديدة كقطع الـجلد من البول, وتـحريـم الغنائم, ونـحو ذلك من الأعمال التـي كانت علـيهم مفروضة, فنسخها حكم القرآن.
وأما الأغلال التـي كانت علـيهم, فكان ابن زيد يقول بـما:
11910ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب عنه فـي قوله: والأغْلالَ التـي كانَتْ عَلَـيْهِمْ قال: الأغلال. وقرأ غُلّتْ أيْدِيهِمْ قال: تلك الأغلال, قال: ودعاهم إلـى أن يؤمنوا بـالنبـيّ, فـيضع ذلك عنهم.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فـالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ.
يقول تعالـى ذكره: فـالذين صدّقوا بـالنبـيّ الأميّ, وأقرّوا بنبوّته, وعَزّرُوهُ يقول: وَقّروه وعظموه وحموه من الناس. كما:
11911ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس: وعَزّروه يقول: حَموه ووقروه.
11912ـ حدثنـي الـحرث, قال: حدثنا عبد العزيز, قال: ثنـي موسى بن قـيس, عن مـجاهد: وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ قال: عزّروه: سدّدوا أمره, وأعانوا رسوله ونصروه.
وقوله نَصَرُوهُ يقول: وأعانوه علـى أعداء الله وأعدائه بجهادهم ونصب الـحرب لهم. وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ يعنـي القرآن والإسلام. أُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ يقول: الذين يفعلون هذه الأفعال التـي وصف بها جلّ ثناؤه أتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم هم الـمنـجحون. الـمدركون ما طلبوا ورجوا بفعلهم ذلك.
11913ـ حدثنـي بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: فما نقموا, يعنـي الـيهود إلاّ أن حسدوا نبـيّ الله, فقال الله: الّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ فأما نصره وتعزيره فقد سُبقتـم به, ولكن خياركم من آمن بـالله واتبع النور الذي أنزل معه.
يريد قتادة بقوله: «فما نقموا إلاّ أن حسدوا نبـيّ الله» أن الـيهود كان مـحمد صلى الله عليه وسلم بـما جاء به من عند الله رحمة علـيهم لو اتبعوه, لأنه جاء بوضع الإصر والأغلال عنهم, فحملهم الـحسد علـى الكفر به وترك قبول التـخفـيف لغلبة خذلان الله علـيهم.
الآية : 158
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الّذِي لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ }..
يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد للناس كلهم: إنّـي رَسولُ الله إلـيْكمْ جَمِيعا لا إلـى بعضكم دون بعض, كما كان من قبلـي من الرسل, مرسلاً إلـى بعض الناس دون بعض, فمن كان منهم أرسل كذلك, فإن رسالتـي لـيست إلـى بعضكم دون بعض ولكنها إلـى جميعكم. وقوله: الّذِي من نعت اسم الله. وإنـما معنى الكلام: قا يا أيها الناس, إنـي رسول الله الذي له ملك السموات والأرض إلـيكم.
ويعنـي جل ثناؤه بقوله: الّذِي لَه مُلْكُ السّمَوَاتِ والأرْضِ: الذي له سلطان السموات والأرض وما فـيهما, وتدبـير ذلك وتصريفه. لا إلَهَ إلاّ هُوَ يقول: لا ينبغي أن تكون الألوهة والعبـادة إلاّ له جلّ ثناؤه دون سائر الأشياء غيره من الأنداد والأوثان, إلاّ لـمن له سلطان كلّ شيء والقادر علـى إنشاء خـلق كل ما شاء وإحيائه وإفنائه إذا شاء إماتته. فآمِنُوا بـاللّهِ وَرَسُولِهِ يقول جلّ ثناؤه: قل لهم: فصدّقوا بآيات الله الذي هذه صفته, وأقرّوا بوحدانـيته, وأنه الذي له الألوهة والعبـادة, وصدّقوا برسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم أنه مبعوث إلـى خـلقه داع إلـى توحيده وطاعته.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: النّبِـيّ الأمّيّ الّذِي يُؤْمِنُ بـاللّهِ وكَلِـماتِهِ وَاتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ.
وأما قوله: النّبِـيّ الأمّيّ فإنه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد بـينت معنى النبـيّ فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. ومعنى قوله: الأمّيّ الذِي يؤْمنُ بـاللّهِ يقول: الذي يصدّق بـالله وكلـماته. ثم اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: وكَلِـماتِهِ فقال بعضهم: معناه: وآياته. ذكر من قال ذلك.
11914ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: الّذِي يُؤْمِنُ بـاللّهِ وكَلِـماتِهِ يقول: آياته.
وقال آخرون: بل عنـي بذلك عيسى ابن مريـم علـيه السلام. ذكر من قال ذلك.
11915ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال مـجاهد, قوله: الّذي يُؤْمِنُ بـاللّهِ وكَلِـماتِهِ قال: عيسى ابن مريـم.
11916ـ وحدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: الّذِي يُؤْمِنُ بـاللّهِ وكَلِـماتِهِ فهو عيسى ابن مريـم.
قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن الله تعالـى ذكره أمر عبـاده أن يصدّقوا بنبوّة النبـيّ الأميّ الذي يؤمن بـالله وكلـماته. ولـم يخصص الـخبر جلّ ثناؤه عن إيـمانه من كلـمات الله ببعض دون بعض, بل أخبرهم عن جميع الكلـمات, فـالـحقّ فـي ذلك أن يعمّ القول, فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤمن بكلـمات الله كلها علـى ما جاء به ظاهر كتاب الله.
وأما قوله: وَاتّبعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ فـاهتدوا به أيها الناس, واعملوا بـما أمركم أن تعملوا به من طاعة الله لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ يقول: لكي تهتدوا فَتَرشُدوا, وتصيبوا الـحقّ فـي اتبـاعكم إياه.
الآية : 159
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىَ أُمّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ }..
يقول تعالـى ذكره: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى يعنـي بنـي إسرائيـل, أُمّةٌ يقول: جماعة, يَهْدُونَ بـالـحَقّ يقول: يهتدون بـالـحقّ: أي يستقـيـمون علـيه ويعملون, وَبِهِ يَعْدِلونَ: أي وبـالـحقّ يعطون ويأخذون, وينصفون من أنفسهم فلا يجورون. وقد قال فـي صفة هذه الأمة التـي ذكرها الله فـي الاَية جماعة أقوالاً نـحن ذاكرو ما حضَرَنا منها:
11917ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا عبد الله بن الزبـير, عن ابن عيـينة, عن صدقة أبـي الهذيـل, عن السديّ: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمّةٌ يَهْدُونَ بـالـحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال: قوم بـينكم وبـينهم نهر من شهد.
11918ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمّةٌ يَهْدُونَ بـالـحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال: بلغنـي أن بنـي إسرائيـل لـما قتلوا أنبـياءهم كفروا, وكانوا اثنـي عشر سبطا, تبرأ سبط منهم مـما صنعوا, واعتذروا, وسألوا الله أن يفرّق بـينهم وبـينهم, ففتـح الله لهم نَفَقا فـي الأرض, فساروا فـيه حتـى خرجوا من وراء الصين, فهم هنالك حنفـاء مسلـمون, يستقبلون قبلتنا. قال ابن جريج: قال ابن عبـاس: فذلك قوله: وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِـي إسْرَائِيـلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فإذَا جاءَ وَعْدُ الاَخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِـيفـا ووعد الاَخرة عيسى ابن مريـم يخرجون معه. قال ابن جريج: قال ابن عبـاس: ساروا فـي السّرَب سنة ونصفـا