تفسير الطبري تفسير الصفحة 258 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 258
259
257
 الآية : 19-20
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{مّثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدّتْ بِهِ الرّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاّ يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُواْ عَلَىَ شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضّلاَلُ الْبَعِيدُ }.
( شا اختلف أهل العربـية فـي رافع مَثَلُ, فقال بعض نـحويّـي البصرة: إنـما هو كأنه قال: ومـما نقصّ علـيك مَثَلُ الّذِينَ كَفَرُوا, ثم أقبل يفسر كما قال: مَثَلُ الـجَنّة, وهذا كثـير. وقال بعض نـحوّيـي الكوفـيـين: إنـما الـمَثَل للأعمال, ولكن العرب تُقَدّم الأسماء لأنها أعرف, ثم تأتـي بـالـخبر الذي تـخبر عنه مع صاحبه. معنى الكلام: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرَماد, كما قـيـل: وَيَوْمَ القِـيامَةِ تَرى الّذِين كَذَبُوا علـى اللّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدّةٌ ومعنى الكلام: ترى ويوم القـيامة وجوه الذين كذبوا علـى الله مسودّة. قال: ولو خفض الأعمال جاز, كما قال: يَسْألُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الـحَرَامِ قِتالٍ فِـيهِ... الاَية. وقوله: مَثَلُ الـجَنّةِ التـي وُعِدَ الـمُتّقُونَ تَـجْرِفي مِنْ تَـحْتِها الأنهارُ قال: فتـجري هو فـي موضع الـخبر, كأنه قال: أن تـجريَ, وأن يكون كذا وكذا, فلو أدخـل «أن» جاز, قال: ومنه قول الشاعر:
ذَرِينـي إنّ أمْرَكِ لَنْ يُطاعاوَما ألْفَـيْتِنـي حِلْـمِي مُضَاعَا
قال: فـالـحلـم منصور ب «ألفـيت» علـى التكرير, قال: ولو رفعه كان صوابـا. قال: وهذا مثَل ضربه الله لأعمال الكفّـار, فقال: مثل أعمال الذين كفروا يوم القـيامة التـي كانوا يعملونها فـي الدنـيا يزعمون أنهم يريدون الله بها, مثل رماد عصفت الريح علـيه فـي يوم ريح عاصف, فنسفته وذهبت به, فكذلك أعمال أهل الكفر به يوم القـيامة, لا يجدون منها شيئا ينفعهم عند الله فـينـجيهم من عذابه, لأنهم لـم يكونوا يعملونها لله خالصا, بل كانوا يشركون فـيها الأوثان والأصنام, يقول الله عزّ وجلّ: ذلكَ هُوَ الضّلالُ البَعِيدُ يعنـي أعمالهم التـي كانوا يعملونها فـي الدنـيا التـي يشركون فـيها مع الله شركاء, هي أعمال عُملت علـى غير هدى واستقامة, بل علـى جَوْر عن الهدى بعيد, وأخذ علـى غير استقامة شديد. وقـيـل: فِـي يَوْمٍ عاصِفٍ فوُصف بـالعُصوف, وهو من صفة الريح, لأن الريح تكون فـيه كما يقال: يوم بـارد, ويوم حارّ, لأن البرد والـحرارة يكونان فـيه وكما قال الشاعر:
ثديك سنة وجه غير مقرفةملساء لـيس بها خال ولا ندب
وقوله: ذلكَ هُوَ الضّلالُ البَعيدُ: أي الـخطأ البـين البعيد عن طريق الـحقّ.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحقّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ }.
يقول عزّ ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ألـم تر يا مـحمد بعين قلبك, فتعلـم أن الله أنشأ السموات والأرض بـالـحقّ منفردا بـانشائها بغير ظهير ولا معين. إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيأْتِ بِخَـلْقٍ جَدِيدٍ يقول: إن الذي تفرّد بخـلق ذلك وإنشائه من غير معين ولا شريك, إن هو شاء أن يُذْهَبكم فـيفنـيَكم أذهبكم وأفناكم, ويأت بخـلق آخر سواكم مكانكم, فـيجدّد خـلقهم. وَما ذلكَ علـى اللّهِ بِعَزِيزٍ يقول: وما إذهابكم وإفناؤهم وإنشاء خـلق آخر سواكم مكانكم علـى الله بـمـمتنع ولا متعذّر, لأنه القادر علـى ما يشاء.
واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: ألَـمْ تَرَ أنّ اللّهَ خَـلَقَ فقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين: «خَـلَق» علـى «فعَل». وقرأته عامّة قرّاء أهل الكوفة «خالق» علـى «فـاعل», وهما قراءتان مستفـيضتان قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القرّاء متقاربتا الـمعنى, فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.
الآية : 21
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَبَرَزُواْ للّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضّعَفَاءُ لِلّذِينَ اسْتَكْبَرُوَاْ إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مّغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مّحِيصٍ }.
يعنـي تعالـى ذكره بقوله: وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعا وظهر هؤلاء الذين كفروا به يوم القـيامة من قبورهم فصاروا بـالبزار من الأرض جميعا, يعنـي كلهم. فَقالَ الضّعَفـاءُ للّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يقول: فقال التبـاع منهم للـمتبوعين, وهم الذين كانوا يستكبرون فـي الدنـيا عن إخلاص العبـادة لله واتبـاع الرسل الذين أرسلوا إلـيهم: إنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعا فـي الدنـيا, والتّبَع: جمع تابع, كما الغَيَبُ جمع غائب. وإنـما عَنَوا بقولهم: إنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعَا أنهم كانوا أتبـاعهم فـي الدنـيا يأتـمرون لـما يأمرونهم به من عبـادة الأوثان والكفر بـالله, وينتهون عما نهوهم عنه من اتبـاع رسل الله. فَهَلْ أنْتُـمْ مُغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِنْ شَيْءٍ يعنون: فهل أنتـم دافعون عنا الـيوم من عذاب الله من شيء. وكان ابن جريج يقول نـحو ذلك.
15675ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قوله: وَقالَ الضّعَفـاءُ قال: الأتبـاع للّذِينَ اسْتَكْبَرُوا قال: للقادة.
وقوله: لَوْ هَدَانا اللّهُ لَهَدَيْناكُمْ يقول عزّ ذكره: قالت القادة علـى الكفر بـالله لتبـاعها: لَوْ هَدَانا اللّهُ يعنون: لو بـين لنا شيئا ندفع به عذابه عنا الـيوم, لَهَدْينَاكُمْ لبـيّنا ذلك لكم حتـى تدفعوا العذاب عن أنفسكم, ولكنا قد جزعنا من العذاب فلـم ينفعنا جزعنا منه وصبرنا علـيها. سَوَاءٌ عَلَـيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَـحِيصٍ يعنون: ما لهم من مزاغ يزوغون عنه, يقال منه: حاص عن كذا إذا زاغ عنه يحِيص حَيْصا وحُيُوصا وحَيَصانا.
15676ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا سويد بن نصر, قال: أخبرنا ابن الـمبـارك, عن الـحكم, عن عمر بن أبـي لـيـلـى أحد بنـي عامر, قال: سمعت مـحمد بن كعب القُرَظِيّ يقول: بلغنـي أو ذُكر لـي أن أهل النار قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء, إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما قد تَرْون, فهلـمّ فلنصبر, فلعلّ الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنـيا علـى طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا قال: فـيجمعون رأيهم علـى الصبر, قال: فصبروا فطال صبرهم, ثم جزعوا فنادوا: سَوَاءٌ عَلَـيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَـحِيصٍ أي مَنْـجي.
15677ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: سَوَاءٌ عَلَـيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبرْنا ما لَنا مِنْ مَـحِيصٍ قال: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالَوا, فإنـما أدرك أهل الـجنة الـجنَة ببكائهم وتضرّعهم إلـى الله, فتعالَوا نبكي ونتضِرّع إلـى الله قال: فبكَوا, فلـما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا, فما أدرك أهل الـجنة الـجنَة إلا بـالصبر, تعالَوا نصبر فصَبروا صبرا لـم يُر مثله, فلـم ينفعهم ذلك فعند ذلك قالوا سَوَاءٌ عَلَـيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبرْنا ما لَنا مِنْ مَـحِيصٍ.
الآية : 22
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَقَالَ الشّيْطَانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إِنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقّ وَوَعَدتّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَانٍ إِلاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوَاْ أَنفُسَكُمْ مّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيّ إِنّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.
يقول تعالـى ذكره: وقال إبلـيس لـما قُضِي الأمر, يعنـي لـما أدخـل أهل الـجنة الـجنة وأهل النار النار واستقرّ بكلّ فريق منهم قَرارهم: إن الله وعدكم أيها الأتبـاع النار, ووعدتكم النّصْرة فأخـلفتكم وعدي, ووفـى الله لكم بوعده. وَما كانَ لـي عَلَـيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ يقول: وما كان لـي علـيكم فـيـما وعدتكم من النصرة من حجة تثبت لـي علـيكم بصدق قولـي إلاّ أنْ دَعَوْتُكُمْ وهذا الاستثناء الـمنقطع عن الأوّل كما تقول: ما ضربته إلا أنه أحمق, ومعناه: ولكن دعوتكم فـاسْتَـجَبْتُـمْ لـي يقول: إلا أن دعوتكم إلـى طاعتـي ومعصية الله, فـاستـجبتـم لدعائي. فَلا تَلُومُونِـي علـى إجابتكم إياي وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ علـيها. ما أنا بِـمُصْرِخِكُمْ يقول: ما أنا بـمغيثكم وَما أنْتُـمْ بِـمُصْرِخِيّ ولا أنتـم بـمغيثـيّ من عذاب الله فمنـجّي منه. إنّـي كَفَرْتُ بِـمَا أشْرَكْتُـمُونِ مِنْ قَبْلُ يقول: إنـي جحدت أن أكون شريكا لله فـيـما أشركتـمونـي فـيه من عبـادتكم من قبلُ فـي الدنـيا. إنّ الظّالِـمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ ألِـيـمٌ يقول: إنّ الكافرين بـالله لهم عذاب ألـيـم من الله مُوجع, يقال: أصرخت الرجل: إذا أغثته إصراخا, وقد صَرَخ الصارخ يَصْرُخ, ويَصْرَخ قلـيـلة وهو الصّريخ والصّراخ.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
15678ـ حدثنـي مـحمد بن الـمثنى, قال: حدثنا عبد الأعلـى, قال: حدثنا داود, عن عامر فـي هذه الاَية: ما أنا بـمُصْرِخِكُمْ وَما أنْتُـمْ بِـمِصْرِخِيّ إنّـي كَفَرْتُ بِـمَا أشْرَكْتُـمُونِ مِنْ قَبْلُ قال: خطيبـان يقومان يوم القـيامة: إبلـيس, وعيسى ابن مريـم فأما إبلـيس فـيقوم فـي حزبه فـيقول هذا القول وأما عيسى علـيه السلام فـيقول: ما قُلْتُ لَهُمْ إلاّ ما أمَرْتَنِـي بِهِ أن اعْبُدُوا اللّهَ رَبّـي وَرَبّكُمْ وكُنْتُ عَلَـيْهِمْ شَهِيدا ما دُمْتُ فِـيهِمْ, فَلَـمّا تَوَفّـيْتَنِـي كنْتَ أنْتَ الرّقِـيبَ عَلَـيْهِمْ وأنْتَ عَلـى كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا ابن علـية, عن داود, عن الشعبـي, قال: يقوم خطيبـان يوم القـيامة: أحدهما عيسى, والاَخر إبلـيس فأما إبلـيس فـيقوم فـي حزبه فـيقول: إنّ اللّهَ وَعَدكُمْ وَعْدَ الـحَقّ فتلا داود حتـى بلغ: بِـمَا أشْرَكْتُـمُونِ مِنْ قَبْلُ فلا أدري أتـمّ الاَية أم لا؟ وأما عيسى علـيه السلام فـيقال له: أأنْتَ قُلْتَ للنّاسِ اتّـخِذُونِـي وأُمّيَ إلَهْينِ مِنْ دُونِ اللّهِ فتلا حتـى بلغ: إنّكَ أنْتَ العَزِيزُ الـحَكيـمُ.
حدثنا الـحسن بن مـحمد, قال: حدثنا علـيّ بن عاصم, عن داود بن أبـي هند, عن عامر, قال: يقول خطيبـان يوم القـيامة علـى رءوس الناس, يقول الله عزّ وجلّ: يا عيسى ابن مريـم أأنْتَ قُلْتَ للنّاسِ اتّـخِذُونِـي وأُمّيَ إلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ... إلـى قوله: هَذّ يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِـينَ صِدْقُهُمْ قال: ويقوم إبلـيس فـيقول: وَما كانَ لـيَ عَلَـيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إلاّ أنْ دَعَوْتُكُم الـمثنى, فـاسْتَـجَبْتُـمْ لِـي, فَلا تَلُومُونـي وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ ما أنا بِـمُصْرِخِكُمْ وما أنْتُـمْ بِـمُصْرِخِيّ ما أنا بـمغيثكم وما أنتـم بـمغيثـيّ.
حدثنا الـحسين, قال: حدثنا سعيد بن منصور, قال: ثنـي خالد, عن داود, عن الشعبـي, فـي قوله: ما أنا بِـمُصْرِخِكُمْ وَما أنْتُـمْ بِـمُصْرِخِيّ قال: خطيبـان يقومان يوم القـيامة فأما إبلـيس فـيقول هذا وما عيسى فـيقول: ما قُلْتُ لَهُمْ إلاّ ما أمَرْتَنِـي بِهِ.
15679ـ حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا سويد بن نصر, قال: أخبرنا ابن الـمبـارك, عن رشدين بن سعد, قال: أخبرنـي عبد الرحمن بن زياد, عن دُخَين الـحَجْرِي, عن عقبة بن عامر, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ذكر الـحديث قال: «يقول عيسَى: ذلِكُمُ النّبِـيّ الأُمّيّ فَـيَأْتُونَنِـي, فَـيأْذَنُ اللّهُ لـي أنْ أقُومَ فَـيَثُورُ مِنْ مَـجْلِسِي مِنْ أطْيَبِ رِيحٍ شَمّها أحَدٌ حتـى آتِـىَ رَبّـي, فَـيُشَفعّنِـي, وَيَجْعَلَ لِـي نُورا إلـى نُورٍ مِنْ شَعْرِ رأسِي إلـى ظُفْرِ قَدَمي, ثُمّ يَقولُ الكافِرُونَ: قَدْ وَجَدَ الـمُؤْمِنُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَهُمْ فَقُمْ أنْتَ فـاشْفَع لَنا, فإنّكَ أنْتَ أضْلَلْتَنا, فَـيَقُومُ فَـيَثُورُ مِنْ مَـجْلِسِهِ أنْتَنُ رِيحٍ شَمّها أحَدٌ, ثُمّ يَعْظُمُ نَـحِيبُهُمْ, وَيَقُولُ عِنْدَ ذلكَ: إنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الـحَقّ وَوَعَدْتُكُمْ فأخْـلَفْتُكمْ... الاَية».
15680ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبـي, عن سفـيان, عن رجل, عن الـحسن, فـي قوله: وَما كانَ لـيَ عَلَـيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ قال: إذا كان يوم القـيامة, قام إبلـيس خطيبـا علـى منبر من نار, فقال: إنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الـحَقّ وَوَعَدْتُكُمْ فأخْـلَفْتُكُمْ... إلـى قوله: وَما أنْتُـمْ بِـمُصْرِخِيّ قال: بناصريّ إنّـي كَفَرْتُ بِـمَا أشْرَكْتُـمُونِ مِنْ قَبْلُ قال: بطاعتكم إياي فـي الدنـيا.
15681ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا سويد, قال: أخبرنا ابن الـمبـارك عمن ذكره, قال: سمعت مـحمد بن كعب القرظي, قال فـي قوله: وَقالَ الشّيْطانُ لَـمّا قُضِيَ الأمْرُ إنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الـحَقّ قال: قام إبلـيس يخطبهم فقال: إنّ اللّهَ وَعْدَكُمْ وَعْدَ الـحَقّ... إلـى قوله: ما أنا بِـمْصْرِخِكُمْ يقول: بـمغن عنكم شيئا, وَما أنْتُـمْ بِـمُصْرِخِيّ إنّـي كَفَرْتُ بِـمَا أشْركْتُـمُونَ مِنْ قَبْلُ قال: فلـما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم, قال: فنودوا: لَـمَقْتُ اللّهِ أكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أنْفُسَكُمْ... الاَية.
15682ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ما أنا بِـمُصْرِخِكُمْ وَما أنْتُـمْ بِـمُصْرِخِيّ ما أنا بـمغيثكم وما أنتـم بـمغيثـيّ.
وقوله: إنّـي كَفَرْتُ بِـمَا أشْرَكْتُـمُونِ مِنْ قَبْلُ يقول: عصيت الله قبلكم.
15683ـ حدثنـي مـحمدبن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قوله: ما أنا بِـمُصْرِخِكُمْ وَما أنْتُـمْ بِـمُصْرِخِيّ إنّـي كَفَرْتُ بِـمَا أشْرَكْتُـمُونِ مِنْ قَبْلُ قال: هذا قول إبلـيس يوم القـيامة, يقول: ما أنتـم بنافعيّ وما أنا بنافعكم, إنـي كفرت بِـمَا أشركتـمونِ من قبل قال: شرِكته: عبـادته.
15684ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحرث, قال: حدثنا الـحسين قال: حدثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, فـي قوله: بِـمُصْرِخِيّ قال: بـمغيثـيّ.
حدثنا الـحسن بن مـحمد, قال: حدثنا شبـابة, قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد, مثله.
15685ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن أبـي جعفر الرازي, عن الربـيع بن أنس, قال: ما أنا بـمنـجيكم وما أنتـم بـمنـجيّ.
15686ـ حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, قال: خطيب السوء إبلـيس الصادق, أفرأيتـم صادقا لـم ينفعه صدقه إنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الـحَقّ وَوَعَدْتُكُمْ فأخْـلَفْتُكُمْ وَما كانَ لـيَ عَلَـيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أقهركم به, إلاّ أنْ دَعَوْتُكُمْ فـاسْتَـجَبْتُـمْ لـي قال: اطعتـمونـي, فَلاَ تَلُومُونِـي وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ حين أطعتـمونـي, ما أنا بِـمُصْرِخِكُمْ ما أنا بناصركم ولا مغيثكم, وَما أنْتُـمْ بِـمُصْرِخِيّ: وما أنتـم بناصريّ ولا مغيثـيّ لـما بـي, إنّـي كَفَرْتُ بِـمَا أشْرَكْتُـمُونِ مِنْ قَبْلُ إنّ الظّالِـمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ ألِـيـمٌ.
15687ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا سويد, قال: حدثنا ابن الـمبـارك, عن الـحكم, عن عمرو بن أبـي لـيـلـى أحد بنـي عامر, قال: سمعت مـحمد بن كعب القرظيّ يقول: وَقالَ الشّيْطانُ لَـمّا قُضِيَ الأمْرُ قال: قام أبلـيس عند ذلك, يعنـي حين قال أهل جهنـم: سَوَاءٌ عَلَـيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا مالَنا مِنْ مَـحِيصٍ, فخطبـم فقال: إنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الـحَقّ, وَوَعَدْتُكُمْ فأخْـلَفْتُكُمْ... إلـى قوله: ما أنا بِـمُصْرِخِكُمْ يقول: بـمغن عنكم شيئا, وَما أنْتُـمْ بِـمُصْرِخيّ إنّـي كَفَرْتُ بِـمَا أشْرَكْتُـمُونِ مِنْ قَبْلُ قال: فلـما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم, قال: فنودوا: لَـمَقْتُ اللّهِ أكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ.
الآية : 23-25
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَأُدْخِلَ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِمْ تَحِيّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَآءِ * تُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ }.
يقول عزّ ذكره: وأدخـل الذين صدقوا الله ورسوله فأقرّوا بوحدانـية الله وبرسالة رسله وأن ما جاءت به من عند الله حقّ, وَعَمِلُوا الصّالِـحاتِ يقول: وعملوا بطاعة الله فـانتهوا إلـى أمر الله ونهيه, جَنّاتٍ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهارُ بساتـين تـجري من تـحتها الأنهار, خالدِينَ فِـيها بـاذْنِ رَبّهِمْ يقول: أدخـلوها بأمر الله لهم بـالدخول. تَـحِيّتُهُمْ فِـيها سَلامٌ وذلك إن شاء الله كما:
15688ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قوله: تَـحَيّتُهُمْ فِـيها سَلامٌ قال: الـملائكة يسلـمون علـيهم فـي الـجنة.
وقوله: ألَـمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِـمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ألـم تر يا مـحمد بعين قلبك فتعلـم كيف مثّل الله مثلاً وشبّه شبها كلـمة طيبة, ويعنـي بـالطيبة: الإيـمان به جلّ ثناؤه: كشجرة طيبة الثمرة, وترك ذكر الثمرة استغناء بـمعرفة السامعين عن ذكرها بذكر الشجرة. وقوله: أصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِـي السّماءِ يقول عزّ ذكره: أصل هذه الشجرة ثابت فـي الأرض, وفرعها, وهو أعلاها فـي السماء: يقول: مرتفع علوا نـحو السماء. وقوله: تُؤْتِـي أُكُلَها كُلّ حِينٍ بـاذْنِ رَبّها يقول: تطعم ما يؤكل منها من ثمرها, كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّها وَيَضْرِبُ الأمْثالَ للنّاسِ يقول: ويـمثّل الله الأمثال للناس ويشبه لهم الأشياء, لَعَلّهُمْ يَتَذّكّرُونَ يقول: لـيتذكروا حجة الله علـيهم, فـيعتبروا بها ويتعظوا, فـينزجروا عما هم علـيه من الكفر به إلـى الإيـمان.
وقد اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنىّ بـالكلـمة الطيبة, فقال بعضهم: عُنـي بها: إيـمان الـمؤمن. ذكر من قال ذلك:
15689ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله: كَلـمَةً طَيّبَةً شهادة أن لا إله إلا الله, كَشَجَرَةٍ طَيّبَةٍ وهو الـمؤمن, أصْلُها ثابتٌ يقول: لا إله إلا الله ثابت فـي قلب الـمؤمن, وَفَرْعُها فِـي السّماءِ يقول: يرفع بها عمل الـمؤمن إلـى السماء.
15690ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس: كَلَـمَةً طَيّبَةً قال: هذا مثل الإيـمان, فـالإيـمان: الشجرة الطيبة, وأصله الثابت الذي لا يزول: الإخلاص لله, وفرعه فـي السماء, فرعه: خشية الله.
15691ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال مـجاهد: ألَـمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلـمَةً طَيّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيّبَةٍ قال: كنـخـلة.
قال ابن جريج: وقال آخرون: الكلـمة الطيبة أصلها ثابت فـي ذات أصل فـي القلب وَفَرْعُها فِـي السّماءِ تعرج فلا تـحجب حتـى تنتهي إلـى الله.
وقال آخرون: بل عُنـي بها الـمؤمن نفسه. ذكر من قال ذلك:
15692ـ حدثنـي مـحمد بن سعيد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس قوله: ألَـمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِـمَةً طَيّبَةً كَشَجرَةٍ طَيّبَةٍ أصْلُها ثابَتٌ وَفَرْعُها فِـي السّماءِ تُؤْتِـي أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بـاذْنِ رَبّها, يعنـي بـالشجرة الطيبة: الـمؤمن, ويعنـي بـالأصل الثابت: فـي الأرض, وبـالفرع فـي السماء: يكون الـمؤمن يعمل فـي الأرض, ويتكلـم فـيبلغ عمله وقوله السماء وهو فـي الأرض.
15693ـ حدثنا أحمد بن منصور, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا مـحمد بن شريك, عن عمرو بن دينار, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: كان قوم من أهل مكة أسلـموا, وكانوا يستـخفون بـالإسلام, فأخرجهم الـمشركون يوم بدر معهم, فأصيب بعضهم وقُتل بعض, فقال الـمسلـمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلـمين وأُكرهوا فـاستغفروا لهم فنزلت: إنّ الّذِينَ تَوَفّـاهُمُ الـمَلائكَةُ ظالِـمي أنْفُسِهمْ... إلـى آخر الاَية قال: وكتب إلـى من بقـي بـمكة من الـمسلـمين هذه الاَية لا عذر لهم, قال: فخرجوا فلـحقهم الـمشركون, فأعطوهم الفتنة, فنزلت هذه الاَية: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بـاللّهِ فإذَا أُوذِيَ فِـي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذَابِ اللّهِ... إلـى آخر الاَية, فكتب الـمسلـمون إلـيهم بذلك, فخرجوا وأيسوا من كلّ خير, ثم نزلت فـيهم: ثُمّ إنّ رَبّكَ للّذِينَ هاجَرُوا منْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إنّ رَبّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيـمٌ فكتبوا إلـيهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجا. فخرجوا, فأدركهم الـمشركون فقاتلوهم, ثم نـجا من نـجا وقُتل من قُتل.
15694ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: نزلت هذه الاَية فـي عمّار بن ياسر وعياش بن أبـي ربـيعة والولـيد بن الولـيد: ثُمّ إنّ رَبّكَ للّذِينَ هاجَرُوا منْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا.
وقال آخرون: بل نزلت هذه الاَية فـي شأن ابن أبـي سرح. ذكر من قال ذلك:
15695ـ حدثنـي ابن حميد, قال: حدثنا يحيى بن واضح, عن الـحسين, عن يزيد, عن عكرمة والـحسن البصري, قالا فـي سورة النـحل: مَنْ كَفَرَ بـاللّهِ مِنْ بَعْدِ إيـمَانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنّ بـالإيـمَانِ ولكنْ مَنْ شَرَحَ بـالكُفْرِ صَدْرا فَعَلـيْهُمْ غَضَبٌ منَ اللّهِ ولَهُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ ثم نسخ واستثنى من ذلك, فقال: ثُمّ إنّ رَبّكَ للّذِينَ هاجَرُوا منْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إنّ رَبّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيـمٌ وهو عبد الله بن أبـي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فأزلّه الشيطان, فلـحق بـالكفـار, فأمر به النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن يُقتل يوم فتـح مكة, فـاستـجار له أبو عمرو, فأجاره النبـيّ صلى الله عليه وسلم.
اختلف أهل العربـية فـي رافع مَثَلُ, فقال بعض نـحويّـي البصرة: إنـما هو كأنه قال: ومـما نقصّ علـيك مَثَلُ الّذِينَ كَفَرُوا, ثم أقبل يفسر كما قال: مَثَلُ الـجَنّة, وهذا كثـير. وقال بعض نـحوّيـي الكوفـيـين: إنـما الـمَثَل للأعمال, ولكن العرب تُقَدّم الأسماء لأنها أعرف, ثم تأتـي بـالـخبر الذي تـخبر عنه مع صاحبه. معنى الكلام: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرَماد, كما قـيـل: وَيَوْمَ القِـيامَةِ تَرى الّذِين كَذَبُوا علـى اللّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدّةٌ ومعنى الكلام: ترى ويوم القـيامة وجوه الذين كذبوا علـى الله مسودّة. قال: ولو خفض الأعمال جاز, كما قال: يَسْألُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الـحَرَامِ قِتالٍ فِـيهِ... الاَية. وقوله: مَثَلُ الـجَنّةِ التـي وُعِدَ الـمُتّقُونَ تَـجْرِفي مِنْ تَـحْتِها الأنهارُ قال: فتـجري هو فـي موضع الـخبر, كأنه قال: أن تـجريَ, وأن يكون كذا وكذا, فلو أدخـل «أن» جاز, قال: ومنه قول الشاعر:
ذَرِينـي إنّ أمْرَكِ لَنْ يُطاعاوَما ألْفَـيْتِنـي حِلْـمِي مُضَاعَا
قال: فـالـحلـم منصور ب «ألفـيت» علـى التكرير, قال: ولو رفعه كان صوابـا. قال: وهذا مثَل ضربه الله لأعمال الكفّـار, فقال: مثل أعمال الذين كفروا يوم القـيامة التـي كانوا يعملونها فـي الدنـيا يزعمون أنهم يريدون الله بها, مثل رماد عصفت الريح علـيه فـي يوم ريح عاصف, فنسفته وذهبت به, فكذلك أعمال أهل الكفر به يوم القـيامة, لا يجدون منها شيئا ينفعهم عند الله فـينـجيهم من عذابه, لأنهم لـم يكونوا يعملونها لله خالصا, بل كانوا يشركون فـيها الأوثان والأصنام, يقول الله عزّ وجلّ: ذلكَ هُوَ الضّلالُ البَعِيدُ يعنـي أعمالهم التـي كانوا يعملونها فـي الدنـيا التـي يشركون فـيها مع الله شركاء, هي أعمال عُملت علـى غير هدى واستقامة, بل علـى جَوْر عن الهدى بعيد, وأخذ علـى غير استقامة شديد. وقـيـل: فِـي يَوْمٍ عاصِفٍ فوُصف بـالعُصوف, وهو من صفة الريح, لأن الريح تكون فـيه كما يقال: يوم بـارد, ويوم حارّ, لأن البرد والـحرارة يكونان فـيه وكما قال الشاعر:
ثديك سنة وجه غير مقرفةملساء لـيس بها خال ولا ندب