تفسير الطبري تفسير الصفحة 318 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 318
319
317
 الآية : 87 و 88
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـَكِنّا حُمّلْنَآ أَوْزَاراً مّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السّامِرِيّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـَذَآ إِلَـَهُكُمْ وَإِلَـَهُ مُوسَىَ فَنَسِيَ }.
يقول تعالـى ذكره: قال قوم موسى لـموسى: ما أخـلفنا موعدك, يعنون بـموعده: عهده الذي كان عهده إلـيهم, كما:
18300ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى «ح» وحدثنا الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قوله: مَوْعِدِي قال: عهدي, وذلك العهد والـموعد هو ما بـيّناه قبل.
وقوله: بِـمِلْكِنا يخبر جلّ ذكره عنهم أنهم أقروا علـى أنفسهم بـالـخطأ, وقالوا: إنا لـم نطق حمل أنفسنا علـى الصواب, ولـم نـملك أمرنا حتـى وقعنا فـي الذي وقعنا فـيه من الفتنة.
وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الـمدينة: «بِـمَلْكِنا» بفتـح الـميـم, وقرأته عامة قرّاء الكوفة: «بِـمُلْكِنا» بضم الـميـم, وقرأه بعض أهل البصرة بِـمِلْكِنا بـالكسر. فأما الفتـح والضمّ فهما بـمعنى واحد, وهما بقدرتنا وطاقتنا, غير أن أحدهما مصدر, والاَخر اسم. وأما الكسر فهو بـمعنى ملك الشيء وكونه للـمالك.
واختلف أيضا أهل التأويـل فـي تأويـله, فقال بعضهم: معناه: ما أخـلفنا موعدك بأمرنا. ذكر من قال ذلك:
18301ـ حدثنـي علـيّ, قال: حدثنا عبد الله, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ عن ابن عبـاس, قوله: ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا يقول: بأمرنا.
18302ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قوله: بِـمَلْكِنا قال: بأمرنا.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد, مثله.
وقال آخرون: معناه: بطاقتنا. ذكر من قال ذلك:
18303ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قالُوا ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا: أي بطاقتنا.
18304ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: قالُوا ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا يقول: بطاقتنا.
وقال آخرون: معناه: ما أخـلفنا موعدك بهوانا, ولكنا لـم نـملك أنفسنا. ذكر من قال ذلك:
18305ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا قال: يقول بهوانا, قال: ولكنه جاءت ثلاثة, قال ومعهم حلـيّ استعاروه من آل فرعون, وثـياب.
وقال أبو جعفر: وكلّ هذه الأقوال الثلاثة فـي ذلك متقاربـات الـمعنى, لأن من لـم يهلك نفسه, لغلبة هواه علـى ما أمر, فإنه لا يـمتنع فـي اللغة أن يقول: فعل فلان هذا الأمر, وهو لا يـملك نفسه وفعله, وهو لا يضبطها وفعله وهو لا يطيق تركه. فإذا كان ذلك كذلك, فسواء بأيّ القراءات الثلاث قرأ ذلك القارىء, وذلك أن من كسر الـميـم من الـملك, فإنـما يوجه معنى الكلام إلـى ما أخـلفنا موعدك, ونـحن نـملك الوفـاء به لغلبة أنفسنا إيانا علـى خلافه, وجعله من قول القائل: هذا ملك فلان لـما يـملكه من الـمـملوكات, وأن من فتـحها, فإنه يوجه معنى الكلام إلـى نـحو ذلك, غير أنه يجعله مصدرا من قول القائل: ملكت الشيء أملكه ملكا وملكة, كما يقال: غلبت فلانا أغلبه غَلبـا وغَلَبة, وأن من ضمها فإنه وجّه معناه إلـى ما أخـلفنا موعدك بسلطاننا وقدرتنا, أي ونـحن نقدر أن نـمتنع منه, لأن كل من قهر شيئا فقد صار له السلطان علـيه. وقد أنكر بعض الناس قراءة من قرأه بـالضمّ, فقال: أيّ ملك كان يومئذٍ لبنـي إسرائيـل, وإنـما كانوا بـمصر مستضعفـين, فأغفل معنى القوم وذهب غير مرادهم ذهابـا بعيدا وقارئو ذلك بـالضم لـم يقصدوا الـمعنى الذي ظنه هذا الـمنكر علـيهم ذلك, وإنـما قصدوا إلـى أن معناه: ما أخـلفنا موعدك بسلطان كانت لنا علـى أنفسنا نقدر أن نردّها عما أتت, لأن هواها غلبنا علـى إخلافك الـموعد.
وقوله: وَلَكِنّا حُمّلْنا أوْزَارا مِنْ زِينَةِ القَوْمِ يقول: ولكنا حملنا أثقالاً وأحمالاً من زينة القوم, يعنون من حلـيّ آل فرعون وذلك أن بنـي إسرائيـل لـما أراد موسى أن يسير بهم لـيلاً من مصر بأمر الله إياه بذلك, أمرهم أن يستعيروا من أمتعة آل فرعون وحلـيهم, وقال: إن الله مغنـمكم ذلك, ففعلوا, واستعاروا من حلـىّ نسائهم وأمتعتهم, فذلك قولهم لـموسى حين قال لهم أفَطَالَ عَلَـيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُـمْ أنْ يَحِلّ عَلَـيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبّكُمْ فَأخْـلَفْتُـمْ مَوْعِدِي قَالُوا ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا, وَلَكِنّا حُمّلْنا أوْزارا مِنْ زِينَةٍ القَوْمِ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك, قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
18306ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قوله: وَلَكِنّا حُمّلْنا أوْزارا مِنْ زِينَةِ القَوْمِ فهو ما كان مع بنـي إسرائيـل من حلـيّ آل فرعون, يقول: خطئونا بـما أصبنا من حلـيّ عدوّنا.
18307ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قوله: أوْزَارا قال: أثقالاً. وقوله: مِنْ زِينَةِ القَوْمِ قال: هي الـحلـيّ التـي استعاروا من آل فرعون, فهي الأثقال.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد وَلَكِنّا حُمّلْنا أوْزَارا قال: أثقالاً مِنْ زِينَةِ القَوْمِ قال: حلـيهم.
18308ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ وَلَكِنّا حُمّلْنا أوْزَارا مِنْ زِينةِ القَوْمِ يقول: من حلـيّ القبط.
18309ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: وَلَكِنّا حُمّلْنا أوْزَارا مِنْ زِينَةِ القَوْمِ قال: الـحلـيّ الذي استعاروه. والثـياب لـيست من الذنوب فـي شيء, لو كانت الذنوب كانت حملناها نـحملها, فلـيست من الذنوب فـي شيء.
واختلفت القرّاء فـي قبراءة ذلك, فقرأ عامة قرّاء الـمدينة وبعض الـمكيـين: حُمّلْنا بضم الـحاء وتشديد الـميـم بـمعنى أن موسى يحملهم ذلك. وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة وبعض الـمكيـين: «حَمَلْنا» بتـخفـيف الـحاء والـميـم وفتـحهما, بـمعنى أنهم حملوا ذلك من غير أن يكلفهم حمله أحد.
قال أبو جعفر: والقول عندي فـي تأويـل ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى, لأن القوم حملوا, وأن موسى قد أمرهم بحمله, فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب.
وقوله: فَقَذَفْناها يقول: فألقـينا تلك الأوزار من زينة القوم فـي الـحفرة فَكَذَلكَ ألْقَـى السّامِرِيّ يقول: فكما قذفنا نـحن تلك الأثقال, فكذلك ألقـى السامريّ ما كان معه من تربة حافر فرس جبريـل. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك, قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
18310ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد قوله: فَقَذَفْناها قال: فألقـيناها فَكَذَلكَ ألْقَـى السّامِريّ: كذلك صنع.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد فَقَذَفْناها قال: فألقـيناها فَكَذَلِكَ ألْقَـى السّامِرِيّ فكذلك صنع.
18311ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قَتادة فَقَذَفْناها: أي فنبذناها.
وقوله: فَأخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاٍ جَسَدا لَهُ خُوَارٌ يقول: فأخرج لهم السامريّ مـما قذفوه ومـما ألقاه عجلاً جسدا له خوار, ويعنـي بـالـخوار: الصوت, وهو صوت البقر.
ثم اختلف أهل العلـم فـي كيفـية إخراج السامريّ العجل, فقال بعضهم: صاغه صياغة, ثم ألقـى من تراب حافر فرس جبرئيـل فـي فمه فخار. ذكر من قال ذلك:
18312ـ حدثنا بِشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة فَكَذلكَ ألْقَـى السّامرِيّ قال: كان الله وقّت لـموسى ثلاثـين لـيـلة ثم أتـمها بعشر فلـما مضت الثلاثون قال عدوّ الله السامري: إنـما أصابكم الذي أصابكم عقوبة بـالـحلـيّ الذي كان معكم, فهلـموا وكانت حلـيا تعيروها من آل فرعون, فساروا وهي معهم, فقذفوها إلـيه, فصوّرها صورة بقرة, وكان قد صرّ فـي عمامته أو فـي ثوبه قبضة من أثر فرس جبرئيـل, فقذفها مع الـحلـيّ والصورة فَأَخْرَجَ لَهُمْ عجْلاً جَسَدا لَهُ خُوَارٌ فجعل يخور خوار البقر, فقال: هَذَا إلهُكُمْ وإلَهُ مُوسَى.
حدثنا الـحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, قال: لـما استبطأ موسى قومه قال لهم السامريّ: إنـما احتبس علـيكم لأجل ما عندكم من الـحلـيّ, وكانوا استعاروا حلـيا من آل فرعون فجمعوه فأعطوه السامريّ فصاغ منه عجلاً, ثم أخذ القبضة التـي قبض من أثر الفرس, فرس الـملك, فنبذها فـي جوفه, فإذا هو عجل جسد له خوار, قالوا: هذا إلهكم وإله موسى, ولكن موسى نسي ربه عندكم.
وقال آخرون فـي ذلك بـما:
18313ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, قال: أخذ السامريّ من تربة الـحافر, حافر فرس جبرئيـل فـانطلق موسى واستـخـلف هارون علـى بنـي إسرائيـل وواعدهم ثلاثـين لـيـلة, فأتـمها الله بعشر, قال لهم هارون: يا بنـي إسرائيـل إن الغنـيـمة لا تـحلّ لكم, وإن حلـي القبط إنـما هو غنـيـمة, فـاجمعوها جميعا, فـاحفروا لها حفرة فـادفنوها, فإن جاء موسى فأحلها أخذتـموها, وإلاّ كان شيئا لـم تأكلوه. فجمعوا ذلك الـحلـيّ فـي تلك الـحفرة, فجاء السامريّ بتلك القبضة فقذفها فأخرج الله من الـحلـيّ عجلاً جسدا له خوار, وعدّت بنو إسرائيـل موعد موسى, فعدوا اللـيـلة يوما, والـيوم يوما فلـما كان لعشرين خرج لهم العجل فلـما رأوه قال لهم السامريّ: هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ فعكفوا علـيه يعبدونه, وكان يخور ويـمشي فَكذَلكَ ألْقَـى السّامِرِيّ ذلك حين قال لهم هارون: احفروا لهذا الـحلـيّ حفرة واطرحوه فـيها, فطرحوه, فقذف السامريّ تربته. وقوله: فقَالَ هَذَا إلهُكُمْ وَإلَه مُوسَى يقول: فقال قوم موسى الذين عبدوا العجل: هذا معبودكم ومعبود موسى. وقوله فَنَسِيَ يقول: فضلّ وترك.
ثم اختلف أهل التأويـل فـي قوله فَنَسِيَ من قائله ومن الذي وصف به وما معناه, فقال بعضهم: هذا من الله خبر عن السامريّ, والسامريّ هو الـموصوف به, وقالوا: معناه: أنه ترك الدين الذي بعث الله به موسى وهو الإسلام. ذكر من قال ذلك:
18314ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق, عن حكيـم بن جُبـير, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, قال: يقول الله: فَنَسِيَ: أي ترك ما كان علـيه من الإسلام, يعنـي السامري.
وقال آخرون: بل هذا خبر من الله عن السامري, أنه قال لبنـي إسرائيـل, وأنه وصف موسى بأنه ذهب يطلب ربه, فأضلّ موضعه, وهو هذا العجل. ذكر من قال ذلك:
18315ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي عن أبـيه, عن ابن عبـاس فَقَذَفْناها يعنـي زينة القوم حين أمرنا السامريّ لـما قبض قبضة من أثر جبرائيـل علـيه السلام, فألقـى القبضة علـى حلـيهم فصار عجلاً جسدا له خوار فَقالُوا هَذَا إلهُكُمْ وإلَهُ مُوسَى الذي انطلق يطلبه فَنَسِيَ يعنـي: نسي موسى, ضلّ عنه فلـم يهتد له.
18316ـ حدثنا بِشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة فَنَسيَ يقول: طلب هذا موسى فخالفه الطريق.
حدثنا الـحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فَنَسِيَ يقول: قال السامريّ: موسى نسي ربه عندكم.
18317ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قوله: فَنَسِيَ موسى, قال: هم يقولونه: أخطأ الربّ العجل.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد فَنَسِيَ قال: نسي موسى, أخطأ الربّ العجل, قوم موسى يقولونه.
18318ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ فَنَسِيَ يقول: ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه.
18319ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ قال: يقول: فنسي حيث وعده ربه ههنا, ولكنه نسي.
18320ـ حُدثت عن الـحسين, قال: سمعت أبـا مُعاذ يقول: أخبرنا عبـيد, قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ يقول: نسي موسى ربه فأخطأه, وهذا العجل إله موسى.
قال أبو جعفر: والذي هو أولـى بتأويـل ذلك القول الذي ذكرناه عن هؤلاء, وهو أن ذلك خبر من الله عزّ ذكره عن السامريّ أنه وصف موسى بأنه نسي ربه, وأنه ربه الذي ذهب يريده هو العجل الذي أخرجه السامري, لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـيه, وأنه عقـيب ذكر موسى, وهو أن يكون خبرا من السامريّ عنه بذلك أشبه من غيره.

الآية : 89 - 91
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنّ رَبّكُمُ الرّحْمَـَنُ فَاتّبِعُونِي وَأَطِيعُوَاْ أَمْرِي * قَالُواْ لَن نّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتّىَ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىَ }.
يقول تعالـى ذكره موبخا عَبَدة العجل, والقائلـين له هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ, وعابهم بذلك, وسفّه أحلامهم بـما فعلوا ونالوا منه: أفلا يرون أن العجل الذي زعموا أنه إلهكم وإله موسى لا يكلـمهم, وإن كلّـموه لـم يردّ علـيهم جوابـا, ولا يقدر علـى ضرّ ولا نفع, فكيف يكون ما كانت هذه صفته إلها؟ كما:
18321ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم. قال: حدثنا عيسى «ح» وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد لا يَرْجِعُ إلَـيْهمْ قَوْلاً العجل.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مـجاهد أفَلا يَرَوْنَ ألاّ يَرجِعُ إلَـيْهِمْ قَوْلاً قال: العجل.
18322ـ حدثنا بِشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال الله: أفَلا يَرَوْنَ ألاّ يَرْجِعُ إلَـيْهِمْ ذلك العجل الذي اتـخذوه قولاً وَلا يَـمْلِكُ لَهُمْ ضَرّا وَلا نَفْعا.
وقوله: وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ منْ قَبْل: يقول: لقد قال لعبدة العجل من بنـي إسرائيـل هارون, من قبل رجوع موسى إلـيهم, وقـيـله لهم ما قال, مـما أخبر الله عنه إنّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ يقول: إنـما اختبر الله إيـمانكم ومـحافظتكم علـى دينكم بهذا العجل, الذي أحدث فـيهم الـخوار, لـيعلـم به الصحيح الإيـمان منكم من الـمريض القلب, الشاكّ فـي دينه, كما:
18323ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, قال لهم هارون: إنّـما فُتِنْتُـمْ بِهِ يقول: إنـما ابتلـيتـم به, يقول: بـالعجل.
وقوله: وَإنّ رَبّكُمُ الرّحْمَنُ فـاتّبِعُونِـي وأطيعُوا أمْرِي: يقول: وإن ربكم الرحمن الذي يعمّ جميع الـخـلق نعمه, فـاتّبعونـي علـى ما آمركم به من عبـادة الله, وترك عبـادة العجل, وأطيعوا أمري فـيـما آمركم به من طاعة الله, وإخلاص العبـادة له. وقوله: قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَـيْهِ عاكِفـينَ يقول: قال عَبَدة العجل من قوم موسى: لن نزال علـى العجل مقـيـمين نعبده, حتـى يرجع إلـينا موسى.
الآية : 92 - 94
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلّوَاْ * أَلاّ تَتّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَابْنَأُمّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرّقْتَ بَيْنَ بَنِيَ إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي }.
يقول تعالـى ذكره: قال موسى لأخيه هارون لـما فرغ من خطاب قومه ومراجعته إياهم علـى ما كان من خطأ فعلهم: يا هارون أيّ شيء منعك إذ رأيتهم ضلوا عن دينهم, فكفروا بـالله وعبدوا العجل ألا تتبعنـي.
واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي عذل موسى علـيه أخاه من تركه اتبـاعه, فقال بعضهم: عذله علـى تركه السير بـمن أطاعه فـي أثره علـى ما كان عهد إلـيه. ذكر من قال ذلك:
18324ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عن حكيـم بن جبـير, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, قال: لـما قال القوم: لَنْ نَبرَحَ عَلَـيْهِ عاكِفِـينَ حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنا مُوسَى أقام هارون فـيـمن تبعه من الـمسلـمين مـمن لـم يُفتتن, وأقام من يعبد العجل علـى عبـادة العجل, وتـخوّف هارون إن سار بـمن معه من الـمسلـمين أن يقول له موسى: فَرّقْتَ بـينَ بَنـي إسْرَائِيـلَ ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي وكان له هائبـا مطيعا.
18325ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: ما مَنَعَكَ إذْ رأيْتَهُمْ ضَلّوا ألاّ تَتّبِعَنِ قال: تدعهم.
وقال آخرون: بل عذله علـى تركه أن يصلـح ما كان من فساد القوم. ذكر من قال ذلك:
18326ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ما مَنَعَكَ إذْ رأيْتَهُمْ ضَلّوا ألاّ تَتّبِعَنِ قال: أمر موسى هارون أن يصلـح, ولا يتبع سبـيـل الـمفسدين, فذلك قوله: أنْ لا تَتّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِي بذلك, وقوله: قالَ يا ابْنَ أُمّ لا تَأْخُذْ بِلِـحْيَتِـي وَلا بِرأسِي وفـي هذا الكلام متروك, ترك ذكره استغناء بدلالة الكلام علـيه, وهو: ثم أخذ موسى بلـحية أخيه هارون ورأسه يجرّه إلـيه, فقال هارون: يا بْنَ أُمّ لا تَأْخُذْ بِلِـحْيَتِـي وَلا بِرأسِي.
وقوله: إنّـي خَشيتُ أنْ تَقُولَ فَرّقْتَ بـينَ بَنِـي إسْرائيـلَ وَلَـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي فـاختلف أهل العلـم فـي صفة التفريق بـينهم, الذي خشيه هارون, فقال بعضهم: كان هارون خاف أن يسير بـمن أطاعه, وأقام علـى دينه فـي أثر موسى, ويخـلف عبدة العجل, وقد قالُوا له لَنْ نَبْرَحَ عَلَـيْهِ عاكِفـينَ حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنا مُوسَى فـيقول له موسى فَرّقْتَ بـينَ نَبِـي إسْرائِيـلَ ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي بسيرك بطائفة, وتركك منهم طائفة وراءك. ذكر من قال ذلك:
18327ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال ابن زيد, فـي قول الله تعالـى: ما مَنَعَكَ إذْ رأيْتَهُمْ ضَلّوا ألاّ تَتّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِي قال: خَشِيتُ أنْ تَقُول فَرّقْتَ بـينَ بَنِـي إسْرائِيـلَ ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي قال: خشيت أن يتبعنـي بعضهم ويتـخـلف بعضهم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: خشيت أن نقتتل فـيقتل بعضنا بعضا. ذكر من قال ذلك:
18328ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج إنّـي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرّقْتَ بـينَ بَنِـي إسْرائِيـلَ ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي قال: كنا نكون فرقتـين فـيقتل بعضنا بعضا حتـى نتفـانى.
قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب, القول الذي قاله ابن عبـاس من أن موسى عذل أخاه هارون علـى تركه اتبـاع أمره بـمن اتبعه من أهل الإيـمان, فقال له هارون: إنـي خشيت أن تقول, فرّقت بـين جماعتهم, فتركت بعضهم وراءك, وجئت ببعضهم, وذلك بـيّن فـي قول هارون للقول يا قَومِ إنّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ وَإنّ رَبّكُمُ الرّحْمَنُ فـاتّبِعُونِـي وأطِيعُوا أمْرِي وفـي جواب القوم له وقـيـلهم لَنْ نَبْرَحَ عَلَـيْهِ عاكفِـينَ حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنا مُوسَى.
وقوله: ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي يقول: ولـم تنظر قولـي وتـحفظه. من مراقبة الرجل الشيء, وهي مناظرته بحفظه, كما:
18329ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عبـاس: ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي قال: لـم تـحفظ قولـي.

الآية : 95 و 96
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَامِرِيّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مّنْ أَثَرِ الرّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوّلَتْ لِي نَفْسِي }.
يعنـي تعالـى ذكره بقوله: فمَا خَطْبُكَ يا سامِرِيّ قال موسى للسامري: فما شأنك يا سامري, وما الذي دعاك إلـى ما فعلته, كما:
18330ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله فَمَا خَطْبُكَ يا سامِرِيّ قال: ما أمرك؟ ما شأنك؟ ما هذا الذي أدخـلك فـيـما دخـلت فـيه.
18331ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ قالَ فما خَطْبُكَ يا سامِرِيّ قال: مالك يا سامريّ؟
وقوله: بَصُرْتُ بِـمَا لَـمْ يَبْصُرُوا بِهِ يقول: قال السامريّ: علـمت ما لـم يعلـموه, وهو فعلت من البصيرة: أي صرت بـما عملت بصيرا عالـما. ذكر من قال ذلك:
18332ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: لـما قتل فرعون الولدان قالت أمّ السامريّ: لو نـحيته عنـي حتـى لا أراه, ولا أدري قتله, فجعلته فـي غار, فأتـى جبرئيـل, فجعل كفّ نفسه فـي فـيه, فجعل يُرضعه العسل واللبن, فلـم يزل يختلف إلـيه حتـى عرفه, فمن ثم معرفته إياه حين قال: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أثَرِ الرّسُولِ.
وقال آخرون: هي بـمعنى: أبصرت ما لـم يبصروه. وقالوا: يقال: بصرت بـالشيء وأبصرته, كما يقال: أسرعت وسرعت ما شئت. ذكر من قال: هو بـمعنى أبصرت:
18333ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قَتادة قال بَصُرْتُ بِـمَا لَـمْ يَبْصُرُوا بِهِ يعنـي فرس جبرئيـل علـيه السلام.
وقوله: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أثَرِ الرّسُولِ يقول: قبضت قبضة من أثر حافر فرس جبرئيـل. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
18334ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق, عن حكيـم بن جبـير, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, قال: لـما قذفت بنو إسرائيـل ما كان معهم من زينة آل فرعون فـي النار, وتكسرت, ورأى السامريّ أثر فرس جبرئيـل علـيه السلام, فأخذ ترابـا من أثر حافره, ثم أقبل إلـى النار فقذفه فـيها, وقال: كن عجلاً جسدا له خوار, فكان للبلاء والفتنة.
حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قال: قبض قبضة منه من أثر جبرئيـل, فألقـى القبضة علـى حلـيهم فصار عجلاً جسدا له خوار, فقال: هذا إلهكم وإله موسى.
18335ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, فـي قول الله: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أثَر الرّسُولِ فَنَبَذْتُها قال: من تـحت حافر فرس جبرئيـل, نبذه السامريّ علـى حلـية بنـي إسرائيـل, فـانسبك عجلاً جسدا له خوار, حفـيف الريح فـيه فهو خواره, والعجل: ولد البقرة.
واختلف القرّاء فـي قراءة هذين الـحرفـين, فقرأته عامّة قرّاء الـمدينة والبصرة بَصُرْتُ بِـمَا لَـمْ يَبْصُرُوا بِهِ بـالـياء, بـمعنى: قال السامريّ: بصرت بـما لـم يبصر به بنو إسرائيـل. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «بَصُرْتُ بِـمَا لَـمْ تَبْصُرُوا بهِ» بـالتاء علـى وجه الـمخاطبة لـموسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه, بـمعنى: قال السامريّ لـموسى: بصرت بـما لـم تبصر به أنت وأصحابك.
والقول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان, قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء مع صحة معنى كل واحدة منهما, وذلك أنه جائز أن يكون السامريّ رأى جبرئيـل, فكان عنده ما كان بأن حدثته نفسه بذلك أو بغير ذلك من الأسبـاب, أن تراب حافر فرسه الذي كان علـيه يصلـح لـما حدث عنه حين نبذه فـي جوف العجل, ولـم يكن علـم ذلك عند موسى, ولا عند أصحابه من بنـي إسرائيـل, فلذلك قال لـموسى: «بَصُرْتُ بِـمَا لَـمْ تَبْصُرُوا بهِ» أي علـمت بـما لـم تعلـموا به. وأما إذا قرىء بَصُرْتُ بِـما لَـمْ يَبْصُرُوا بِهِ بـالـياء, فلا مؤنة فـيه, لأنه معلوم أن بنـي إسرائيـل لـم يعلـموا ما الذي يصلـح له ذلك التراب.
وأما قوله: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أثَرِ الرّسُولِ فإن قرّاء الأمصار علـى قراءته بـالضاد, بـمعنى: فأخذت بكفـي ترابـا من تراب أثر فرس الرسول. وروي عن الـحسن البصري وقتادة ما:
18336ـ حدثنـي أحمد بن يوسف, قال: حدثنا القاسم, قال: حدثنا هشيـم, عن عبـاد بن عوف, عن الـحسن أنه قرأها: «فَقَبَصْتُ قَبْصَةً» بـالصاد.
18337ـ وحدثنـي أحمد بن يوسف, قال: حدثنا القاسم, قال: حدثنا هشيـم, عن عبـاد, عن قَتادة مثل ذكر بـالصاد. بـمعنى: أخذت بأصابعي من تراب أثر فرس الرسول, والقبضة عند العرب: الأخذ بـالكفّ كلها, والقبصة: الأخذ بأطراف الأصابع.
وقوله: فَنَبَذْتُها يقول: فألقـيتها وكَذَلَكَ سَوّلَتْ لـي نَفْسِي يقول: وكما فعلت من إلقائي القبضة التـي قبضت من أثر الفرس علـى الـحلـية التـي أوقد علـيها حتـى انسبكت فصارت عجلاً جسدا له خوار. سَوّلَتْ لِـي نَفْسِي يقول: زينت لـي نفسي أنه يكون ذلك كذلك, كما:
18338ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: وكَذَلِكَ سَوّلَتْ لِـي نَفْسِي قال: كذلك حدثتنـي نفسي.
الآية : 97 و 98
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنّ لَكَ مَوْعِداً لّن تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَىَ إِلَـَهِكَ الّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لّنُحَرّقَنّهُ ثُمّ لَنَنسِفَنّهُ فِي الْيَمّ نَسْفاً * إِنّمَآ إِلَـَهُكُمُ اللّهُ الّذِي لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَ كُلّ شَيْءٍ عِلْماً }.
يقول تعالـى ذكره: قال موسى للسامريّ: فـاذهب فإن لك فـي أيام حياتك أن تقول: لامساس: أي لا أمسّ, ولا أُمسّ.. وذُكر أن موسى أمر بنـي إسرائيـل أن لا يؤاكلوه, ولا يخالطوه, ولا يبـايعوه, فلذلك قال له: إن لك فـي الـحياة أن تقول لامساس, فبقـي ذلك فـيـما ذكر فـي قبـيـلته, كما:
18339ـ حدثنا بِشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: كان والله السامريّ عظيـما من عظماء بنـي إسرائيـل, من قبـيـلة يقال لها سامرة, ولكن عدوّ الله نافق بعد ما قطع البحر مع بنـي إسرائيـل. قوله: فـاذْهَبْ فإنّ لَكَ فِـي الـحَياةِ أنْ تَقولَ لامِساسَ فبقاياهم الـيوم يقولون لامساس.
وقوله: وَإنّ لَكَ مَوْعِدا لَنْ تُـخْـلَفَهُ اختلفت القرّاء فـي قراءته, فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والكوفة لَنْ تُـخْـلَفَهُ بضم التاء وفتـح اللام بـمعنى: وإن لك موعدا لعذابك وعقوبتك علـى ما فعلت من إضلالك قومي حتـى عبدوا العجل من دون الله, لن يخـلفكه الله, ولكن يذيقكه. وقرأ ذلك الـحسن وقَتادة وأبو نهيك: «وَإنّ لَكَ مَوْعِدا لَنْ تُـخْـلِفَهُ» بضمّ التاء وكسر اللام, بـمعنى: وإن لك موعدا لن تـخـلفه أنت يا سامريّ, وتأوّلوه بـمعنى: لن تغيب عنه. ذكر من قال ذلك:
18340ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا يحيى بن واضح, قال: حدثنا عبد الـمؤمن, قال: سمعت أبـا نهيك يقرأ «لَن تُـخْـلِفَهُ أنْتَ» يقول: لن تغيب عنه.
18341ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة وَإنّ لَكَ مَوْعِدا لَنْ تُـخْـلِفَهُ يقول: لن تغيب عنه.
قال أبو جعفر: والقول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى, لأنه لا شكّ أن الله موف وعده لـخـلقه بحشرهم لـموقـف الـحساب, وأن الـخـلق موافون ذلك الـيوم, فلا الله مخـلفهم ذلك, ولا هم مخـلفوه بـالتـخـلف عنه, فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب فـي ذلك.
وقوله: وَانْظُرْ إلـى إلهِكَ الّذِي ظَلْتَ عَلَـيْهِ عاكِفـا يقول: وانظر إلـى معبودك الذي ظلت علـيه مقـيـما تعبده, كما:
18342ـ حدثنـي علـيّ, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله: ظَلْتَ عَلَـيْهِ عاكِفـا الذي أقمت علـيه.
حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قال: فقال له موسى: انْظُرْ إلـى إلهِكَ الّذي ظَلْتَ عَلَـيْهِ عاكِفـا يقول: الذي أقمت علـيه. وللعرب فـي ظلت: لغتان: الفتـح فـي الظاء, وبها قرأ قرّاء الأمصار, والكسر فـيها وكأن الذين كسروا نقلوا حركة اللام التـي هي عين الفعل من ظللت إلـيها, ومن فتـحها أقرّ حركتها التـي كانت لها قبل أن يحذف منها شيء, والعرب تفعل فـي الـحروف التـي فـيها التضعيف ذاك, فـيقولون فـي مَسِسْت ومِسْت وفـي همـمت بذلك: همت به, وهل أحست فلانا وأحسسته, كما قال الشاعر:
خَلا أنّ العِتاقَ مِنَ الـمَطاياأحَسْنَ بِهِ فَهُنّ إلَـيْهِ شُوسُ
وقوله: لَنُـحَرَقَنّهُ اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك, فقرأته عامّة قرْاء الـحجاز والعراق لَنُـحَرّقَنّهُ بضم النون وتشديد الراء, بـمعنى لنـحرقنه بـالنار قطعة قطعة. ورُوي عن الـحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: «لَنُـحْرِقَنّهُ» بضم النون, وتـخفـيف الراء, بـمعنى: لنـحرقنه بـالنار إحراقة واحدة, وقرأه أبو وجعفر القارىء: «لَنَـحْرُقَنّهُ» بفتـح النون وضم الراء بـمعنى: لنبردنه بـالـمبـارد من حرقته أحرقه وأحرّقه, كما قال الشاعر:
بِذِي فِرْقَـيْنِ يَوْمَ بَنُو حُبَـيْبٍنُـيُوَبهُمُ عَلَـيْنا يَحْرُقُونا
والصواب فـي ذلك عندنا من القراءة لَنُـحَرّقَنّهُ بضم النون وتشديد الراء, من الإحراق بـالنار, كما:
18343ـ حدثنـي علـيّ قال: حدثنا أبو صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله: لَنُـحَرّقَنّهُ يقول: بـالنار.
18344ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس لَنُـحَرّقَنّهُ فحرّقه ثم ذراه فـي الـيـم.
وإنـما اخترت هذه القراءة لإجمال الـحجة من القرّاء علـيها. وأما أبو جعفر, فإنـي أحسبه ذهب إلـى ما:
18345ـ حدثنا به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط عن السديّ: وَانْظُرْ إلـى إلهِكَ الّذِي ظَلْتَ عَلَـيْهِ عاكِفـا لَنُـحَرّقَنّهُ ثُمّ لَنَنْسِفَنّهُ فِـي الـيَـمّ نَسْفـا ثم أخذه فذبحه, ثم حرقه بـالـمبرد, ثم ذراه فـي الـيـم, فلـم يبق بحر يومئذٍ إلا وقع فـيه شيء منه.
18346ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة وَانْظُرْ إلـى إلهِكَ الّذِي ظَلْتَ عَلَـيْهِ عاكِفـا لَنُـحَرّقَنّهُ ثُمّ لَنَنْسِفَنّهُ فِـي الـيَـمّ نَسْفـا قال: وفـي بعض القراءة: لنذبحنه ثم لنـحرقنه, ثم لننسفنه فـي الـيـمّ نسفـا.
18347ـ حدثنا الـحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي حرف ابن مسعود: «وَانْظُرْ إلـى إلهِكَ الّذِي ظَلْتَ عَلَـيْهِ عاكِفـا لَنذْبَحَنّهُ ثُمّ لَنُـحْرِقَنّهُ ثُمّ لَنَنْسِفَنّهُ فِـي الـيـمّ نَسْفـا».
وقوله: ثُمّ لَنَنْسِفَنّهُ فِـي الـيَـمّ نَسْفـا يقول: ثم لنذرّينه فـي البحر تذرية يقال منه: نسف فلان الطعام بـالـمنسف: إذا ذراه فطير عنه قشوره وترابه بـالـيد أو الريح. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك, قال أهل التأويـل: ذكر من قال ذلك:
18348ـ حدثنـي علـيّ, قال: حدثنا عبد الله, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله: ثُمّ لَنَنْسِفَنّهُ فِـي الَـيـمّ نَسْفـا يقول: لنذرينه فـي البحر.
حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قال: ذراه فـي الـيـمّ, والـيـمّ: البحر.
18349ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, قال: ذراه فـي الـيـم.
18350ـ حدثنا بِشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة فـي الـيـمّ, قال: فـي البحر.
وقوله: إنّـمَا إلهُكُمُ اللّهُ الّذِي لا إلَهَ إلاّ هُوَ يقول: ما لكم أيها القوم معبود, إلا الذي له عبـادة جميع الـخـلق لا تصلـح العبـادة لغيره, ولا تَنبغي أن تكون إلا له وَسِعَ كُلّ شَيْءٍ عِلْـما يقول: أحاط بكل شيء علـما فعلـمه, فلا يخفـى علـيه منه شيء ولا يضيق علـيه علـم جميع ذلك. يقال منه: فلان يسع لهذا الأمر: إذا أطاقه وقوى علـيه, ولا يسع له: إذا عجز عنه فلـم يطقه ولـم يقو علـيه. وكان قتادة يقول فـي ذلك ما:
18351ـ حدثنا بِشر قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: وَسِعَ كُلّ شَيْءٍ عِلْـما يقول: ملأ كلّ شيء علـما تبـارك وتعالـى