تفسير الطبري تفسير الصفحة 578 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 578
579
577
 الآية : 20-25
القول في تأويل قوله تعالى:{كَلاّ بَلْ تُحِبّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الاَخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نّاضِرَةٌ * إِلَىَ رَبّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ }.
يقول تعالى ذكره لعباده المخاطبين بهذا القرآن المؤثرين زينة الحياة الدنيا على الاَخرة: ليس الأمر كما تقولون أيها الناس من أنكم لا تبعثون بعد مماتكم, ولا تجازون بأعمالكم, لكن الذي دعاكم إلى قيل ذلك محبتكم الدنيا العاجلة, وإيثاركم شهواتها على آجل الاَخرة ونعيمها, فأنتم تؤمنون بالعاجلة, وتكذّبون بالاَجلة, كما:
27568ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: كَلاّ بَلْ تُحِبّونَ العاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الاَخِرَةَ اختار أكثر الناس العاجلة, إلاّ من رحم الله وعصم.
وقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ يقول تعالى ذكره: وجوه يومئذٍ, يعني يوم القيامة ناضرة: يقول حسنة جميلة من النعيم يقال من ذلك: نَضُر وجه فلان: إذا حَسُن من النعمة, ونضّر الله وجهه: إذا حسّنه كذلك.
واختلف أهل التأويل في ذلك, فقال بعضهم بالذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك:
27569ـ حدثني محمد بن إسماعيل البخاري, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا المبارك, عن الحسن وُجُوهٌ يَوْمئِذٍ ناضِرَةٌ قال: حسنة.
27570ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ قال: نُضرة الوجوه: حُسنها.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثله.
27571ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ قال: الناضرة: الناعمة.
حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: سفيان, عن منصور, عن مجاهد وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ قال: الوجوه الحسنة.
27572ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ قال: من السرور والنعيم والغبطة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنها مسرورة. ذكر من قال ذلك:
27573ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ قال: مسرورة.
إلى رَبها ناظِرَة اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معنى ذلك: أنها تنظر إلى ربها. ذكر من قال ذلك:
27574ـ حدثنا محمد بن منصور الطوسي, وإبراهيم بن سعيد الجوهري قالا: حدثنا عليّ بن الحسن بن شقيق, قال: حدثنا الحسين بن واقد, عن يزيد النحويّ, عن عكرِمة وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبّها ناظِرَةٌ قال: تنظر إلى ربها نظرا.
27575ـ حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق, قال: سمعت أبي يقول: أخبرني الحسين بن واقد في قوله وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ من النعيم إلى رَبّها ناظِرَةٌ قال: أخبرني يزيد النحوي, عن عكرِمة وإسماعيل بن أبي خالد, وأشياخ من أهل الكوفة, قال: تنظر إلى ربها نظرا.
27576ـ حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري, قال: حدثنا آدم قال: حدثنا المبارك, عن الحسن, في قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ قال: حسنة إلى رَبّها ناظِرَةٌ قال: تنظر إلى الخالق, وحُقّ لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق.
27577ـ حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: حدثنا خالد بن عبد الرحمن, قال: حدثنا أبو عرفجة, عن عطية العوفي, في قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبّها ناظِرَةٌ قال: هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته, وبصره محيط بهم, فذلك قوله: لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنها تنتظر الثواب من ربها. ذكر من قال ذلك:
27578ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عمر بن عبيد, عن منصور, عن مجاهد وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبّها ناظِرَةٌ قال: تنتظر منه الثواب.
قال: ثنا وكيع, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد إلى رَبّها ناظِرَةٌ قال: تنتظر الثواب من ربها.
حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد إلى رَبّها ناظِرَةٌ قال: تنتظر الثواب.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن منصور عن مجاهد إلى رَبّها ناظِرَةٌ قال: تنتظر الثواب من ربها, لا يراه من خلقه شيء.
27579ـ حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي, قال: حدثنا أبي, عن أبيه, عن جدّه, عن الأعمش, عن مجاهد وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ قال: نضرة من النعيم إلى رَبّها ناظِرَةً قال: تنتظر رزقه وفضله.
27580ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد, قال: كان أناس يقولون في حديث, «فيرون ربهم» فقلت لمجاهد: إن ناسا يقولون إنه يُرَى, قال: يَرى ولا يراه شيء.
27581ـ قال: ثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد, في قوله إلى رَبّها ناظِرَةٌ قال: تنتظر من ربها ما أمر لها.
27582ـ حدثني أبو الخطاب الحساني, قال: حدثنا مالك, عن سفيان, قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح, في قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبّها ناظِرَةٌ قال: تنتظر الثواب.
27583ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا الأشجعي, عن سفيان, عن ثوير, عن مجاهد, عن ابن عمر, قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى مُلكه وسُرُرِه وخدمه مسيرة ألف سنة, يرى أقصاه كما يرى أدناه, وإن أرفع أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى وجه الله بُكرة وعشية».
27584ـ قال: ثنا ابن يمان, قال: حدثنا أشجع, عن أبي الصهباء الموصلي, قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة, من يرى سرره وخدمه ومُلكَهُ في مسيرة ألف سنة, فيرى أقصاه كما يرى أدناه وإن أفضلهم منزلة, من ينظر إلى وجه الله غدوة وعشية».
وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرِمة, من أن معنى ذلك تنظر إلى خالقها, وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
حدثني عليّ بن الحسين بن أبجر, قال حدثنا مصعب بن المقدام, قال: حدثنا إسرائيل بن يونس, عن ثوير, عن ابن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ أدْنى أهْلِ الجَنّةِ مَنْزِلَةً, لَمَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ ألْفَيْ سَنَةٍ قال: وإنّ أفضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَمَن يَنْظُرُ في وَجْهِ اللّهِ كُلّ يَوْم مَرّتَينِ قال: ثم تلا: وُحُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلى رَبّها ناظِرَةٌ قال: بالبياض والصفاء, قال: إلى رَبّها ناظِرَةٌ قال: تنظر كلّ يوم في وجه الله عزّ وجلّ».
وقوله: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ يقول تعالى ذكره: ووجوه يومئذٍ متغيرة الألوان, مسودّة كالحة يقال: بسرت وجهه أبسره بسرا: إذا فعلت ذلك, وبسر وجهه فهو باسر بيّن البسور. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
27585ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: باسِرَةٌ قال: كاشرة.
27586ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ: أي كالحة.
27587ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: باسِرَةٌ قال: عابسة.
27588ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة باسِرَةٌ قال: عابسة.
وقوله تَظُنّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ يقول تعالى ذكره: تعلم أنه يفعل بها داهية والفاقرة: الداهية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
27589ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: تَظُنّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ قال: داهية.
27590ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة تَظُنّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ أي شرّ.
27591ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: تَظُنّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ قال: تظنّ أنها ستدخل النار, قال: تلك الفاقرة, وأصل الفاقرة: الوسم الذي يُفْقَر به على الأنف.

الآية : 26-30
القول في تأويل قوله تعالى:{كَلاّ إِذَا بَلَغَتِ التّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنّ أَنّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفّتِ السّاقُ بِالسّاقِ * إِلَىَ رَبّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ }.
يقول تعالى ذكره: ليس الأمر كما يظنّ هؤلاء المشركون من أنهم لا يعاقبون على شركهم ومعصيتهم ربهم بل إذا بلغت نفس أحدهم التراقي عند مماته وحشرج بها.
وقال ابن زيد في قوله الله: كَلاّ إذَا بَلَغَتِ التَراقي قال: التراقي: نفسه.
27592ـ حدثني بذلك يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ يقول تعالى ذكره: وقال أهله: من ذا يرقيه ليشفيه مما قد نزل به, وطلبوا له الأطباء والمداوين, فلم يغنوا عنه من أمر الله الذي قد نزل به شيئا.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: مَنْ رَاقٍ فقال بعضهم نحو الذي قلنا في ذلك. ذكر من قال ذلك:
27593ـ حدثنا أبو كريب وأبو هشام, قالا: حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن سماك, عن عكرِمة وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ قال: هل من راقٍ يرقي؟
27594ـ حدثنا أبو كُرَيب وأبو هشام, قالا: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن سليمان التيمي, عن شبيب, عن أبي قلابة وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ قال: هل من طبيب شاف.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران عن سفيان, عن سليمان التيمي, عن شبيب, عن أبي قلابة, مثله.
27595ـ حدثنا الحسن بن عرفة, قال: حدثنا مروان بن معاوية, عن أبي بسطام, عن الضحاك بن مزاحم في قول الله تعالى ذكره: وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ قال: هو الطبيب.
حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا ابن إدريس, عن جويبر, عن الضحاك في وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ قال: هل من مداوٍ.
27596ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ: أي التمسوا له الأطباء فلم يُغْنوا عنه من قضاء الله شيئا.
27597ـ حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن يزيد في قوله: وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ قال: أين الأطباء, والرّقاة: من يرقيه من الموت.
وقال آخرون: بل هذا من قول الملائكة بعضهم لبعض, يقول بعضهم لبعض: من يَرقى بنفسه فيصعد بها. ذكر من قال ذلك:
27598ـ حدثنا أبو هشام, قال: حدثنا معاذ بن هشام, قال: ثني أبي, عن عمرو بن مالك, عن أبي الجوزاء, عن ابن عباس كَلاّ إذَا بَلَغَتِ التّراقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ قال: إذا بلغت نفسه يرقى بها, قالت الملائكة: من يصعد بها, ملائكة الرحمة, أو ملائكة العذاب؟.
27599ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا المعتمر, عن أبيه, في قوله: وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ قال: بلغني عن أبي قلابة قال: هل من طبيب؟ قال: وبلغني عن أبي الجوزاء أنه قال: قالت الملائكة بعضهم لبعض: من يرقَى: ملائكة الرحمة, أو ملائكة العذاب؟.
وقوله: وَظَنّ أنّه الفِرَاقُ يقول تعالى ذكره: وأيقن الذي قد نزل ذلك به أنه فراق الدنيا والأهل والمال والولد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
27600ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة وَظَنّ أنّهُ الفِرَاقُ: أي استيقن أنه الفراق.
27601ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: وظَنّ أنّهُ الفِراقُ قال: ليس أحد من خلق الله يدفع الموت, ولا ينكره, ولكن لا يدري يموت من ذلك المرض أو من غيره؟ فالظنّ كما ههنا هذا.
وقوله: وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معنى ذلك: والتفّت شدّة أمر الدنيا بشدّة أمر الاَخرة. ذكر من قال ذلك:
27602ـ حدثنا أبو هشام الرفاعي, قال: حدثنا معاذ بن هشام, قال: ثني أبي, عن عمرو بن مالك, عن أبي الجوزاء عن ابن عباس وَالْتَفّتِ السّاقِ قال: الدنيا بالاَخرة شدّة.
حدثني عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ يقول: آخر يوم من الدنيا, وأوّل يوم من الاَخرة, فتلتقي الشدّة بالشدّة, إلا من رحم الله.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ يقول: والتفّت الدنيا بالاَخرة, وذلك ساق الدنيا والاَخرة, ألم تسمع أنه يقول: إلى رَبّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ.
27603ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنا الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ قال: التفّ أمر الدنيا بأمر الاَخرة عند الموت.
حدثنا أبو كريب وأبو هشام, قالا: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد, قال: آخر يوم من الدنيا, وأول يوم من الاَخرة.
27604ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ قال: قال الحسن: ساق الدنيا بالاَخرة.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن ابن مجاهد, قال: هو أمر الدنيا والاَخرة عند الموت.
27605ـ حدثني عليّ بن الحسين, قال: حدثنا يحيى بن يمان, عن أبي سنان الشيباني, عن ثابت, عن الضحاك في قوله: وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ قال: أهل الدنيا يجهزون الجسد, وأهل الاَخرة يجهزون الروح.
حدثنا أبو هشام, قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن أبي سنان, عن الضحاك, مثله.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن الضحاك, قال: اجتمع عليه أمران: الناس يجهّزون جسده, والملائكة يجهزون روحه.
27606ـ حدثنا أبو هشام, قال: حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك, قال: ساق الدنيا بساق الاَخرة.
27607ـ حدثنا أبو هشام, قال: حدثنا جعفر بن عون, عن أبي جعفر, عن الربيع, مثله وزاد: ويقال: التفافهما عند الموت.
27608ـ حدثنا أبو هشام, قال: حدثنا ابن يمان, عن فضيل بن مرزوق, عن عطية قال: الدنيا والاَخرة.
27609ـ قال: ثنا ابن يمان, عن عبد الوهاب بن مجاهد, عن أبيه, قال: أمر الدنيا بأمر الاَخرة.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ قال: أمر الدنيا بأمر الاَخرة.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة والْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ قال: الشدّة بالشدّة, ساق الدنيا بساق الاَخرة.
27610ـ حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا محمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, قال: سألت إسماعيل بن أبي خالد, فقال: عمل الدنيا بعمل الاَخرة.
حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن سلمة, عن الضحاك, قال: هما الدنيا والاَخرة.
27611ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ قال: العلماء يقولون فيه قولين: منهم من يقول: ساق الاَخرة بساق الدنيا. وقال آخرون: قلّ ميت يموت إلا التفّت إحدى ساقيه بالأخرى. قال ابن زيد: غير أنّا لا نشكّ أنها ساق الاَخرة, وقرأ: إلى رَبّك يَوْمَئِذٍ المَساقُ قال: لما التفّت الاَخرة بالدنيا, كان المساق إلى الله, قال: وهو أكثر قول من يقول ذلك.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: التفّت ساقا الميت إذا لفتا في الكفن. ذكر من قال ذلك:
27612ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا ابن يمان, قال: حدثنا بشير بن المهاجر, عن الحسن, في قوله: والْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ قال: لفّهما في الكفن.
حدثنا أبو هشام, قال: حدثنا وكيع وابن اليمان, عن بشير بن المهاجر, عن الحسن, قال: هما ساقاك إذا لفّتا في الكفن.
حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع عن بشير بن المهاجر, عن الحسن, مثله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: التفاف ساقي الميت عند الموت. ذكر من قال ذلك:
27613ـ حدثنا حميد بن مسعدة, قال: حدثنا بشر بن المفضل, قال: حدثنا داود, عن عامر وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ قال: ساقا الميت.
حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا عبد الوهاب وعبد الأعلى, قالا: حدثنا داود, عن عامر, قال: التفّتْ ساقاه عند الموت.
27614ـ حدثنا ابن المثنى, قال: ثني ابن أبي عديّ, عن داود, عن الشعبيّ, مثله.
حدثني إسحاق بن شاهين, قال: حدثنا خالد, عن داود, عن عامر, بنحوه.
27615ـ حدثنا أبو كريب وأبو هشام قالا: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن حصين عن أبي مالك وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ قال: عند الموت.
حدثنا أبو هشام, قال: حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن السديّ, عن أبي مالك, قال: التفّت ساقاك عند الموت.
27616ـ حدثني يعقوب, قال: حدثنا ابن علية, عن أبي رجاء, عن الحسن, في قوله: وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ: لفّهما أمر الله.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر قال: قال الحسن: ساقا ابن آدم عند الموت.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن إسماعيل السديّ, عن أبي مالك وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ قال: هما ساقاه إذا ضمت إحداهما بالأخرى.
27617ـ حدثنا ابن بشار وابن المثنى, قالا: حدثنا محمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, عن قتادة وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ قال قتادة: أما رأيته إذا ضرب برجله رجله الأخرى.
27618ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ: ماتت رجلاه فلا يحملانه إلى شيء, فقد كان عليهما جوّالاً.
حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفيان, عن السديّ, عن أبي مالك وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ قال: ساقاه عند الموت.
وقال آخرون: عُنِيَ بذلك يبسهما عند الموت. ذكر من قال ذلك:
27619ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن السديّ, عن أبي مالك وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ قال: يبسهما عند الموت.
27620ـ حدثنا أبو هشام, قال: حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن السديّ, مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك: والتفّ أمر بأمر. ذكر من قال ذلك:
27621ـ حدثنا أبو كريب وأبو هشام قالا: حدثنا وكيع, قال: حدثنا ابن أبي خالد, عن أبي عيسى وَالْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ قال: الأمر بالأمر.
وقال آخرون: بل عنى بذلك: والتفّ بلاء ببلاء. ذكر من قال ذلك:
27622ـ حدثنا أبو هشام, قال: حدثنا عبيد الله, قال: حدثنا إسرائيل, عن أبي يحيى, عن مجاهد, قال: بلاء ببلاء.
وأولى الأقوال في ذلك بالصحة عندي قول من قال: معنى ذلك: والتفّت ساق الدنيا بساق الاَخرة, وذلك شدّة كرب الموت بشدّة هول المطلع والذي يدّل على أن ذلك تأويله, قوله: إلى رَبّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ والعرب تقول لكلّ أمر اشتدّ: قد شمرّ عن ساقه, وكشف عن ساقه ومنه قول الشاعر:
إذَا شَمّرَتْ لَكَ عَنْ ساقها فَرِنْها رَبِيعُ وَلا تَسأَم
عنى بقوله: الْتَفّتِ السّاقُ بالسّاقِ: التصقت إحدى الشّدّتين بالأخرى, كما يقال للمرأة إذا التصقت إحدى فخذيها بالأخرى: لفّاء.
وقوله: إلى رَبّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ يقول: إلى ربك يا محمد يوم التفاف الساق بالساق مساقه.
الآية : 31-36
القول في تأويل قوله تعالى:{فَلاَ صَدّقَ وَلاَ صَلّىَ * وَلَـَكِن كَذّبَ وَتَوَلّىَ * ثُمّ ذَهَبَ إِلَىَ أَهْلِهِ يَتَمَطّىَ * أَوْلَىَ لَكَ فَأَوْلَىَ * ثُمّ أَوْلَىَ لَكَ فَأَوْلَىَ * أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى }.
يقول تعالى ذكره: فلم يصدّق بكتاب الله, ولم يصلّ له صلاة, ولكنه كذّب بكتاب الله, وتولى فأدبر عن طاعة الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
27623ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة فلا صَدّقَ وَلاَ صَلّى لا صدّق بكتاب الله, ولا صلى لله, وَلَكِنْ كَذّبَ وتَوَلّى كذّب بكتاب الله, وتولى عن طاعة الله.
وقوله ثُمّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى يقول تعالى ذكره: ثم مضى إلى أهله منصرفا إليهم, يتبختر في مشِيته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
27624ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة ثُمّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى: أي يتبختر.
27625ـ حدثني سعيد بن عمرو السكوني, قال: حدثنا بقية بن الوليد, عن ميسرة بن عبيد, عن زيد بن أسلم, في قوله: ثُمّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى قال: يتبختر, قال: هي مشية بني مخزوم.
27626ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن موسى بن عبيدة, عن إسماعيل بن أمية, عن مجاهد ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى قال: رأى رجلاً من قريش يمشي, فقال: هكذا كان يمشي كما يمشي هذا, كان يتبختر.
27627ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله يَتَمَطّى قال: يتبختر وهو أبو جهل بن هشام, كانت مِشيته.
وقيل: إن هذه الاَ ية نزلت في أبي جهل. ذكر من قال ذلك:
27628ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: يَتَمَطّى قال: أبو جهل.
27629ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: فَلا صَدّقَ وَلا صَلّى وَلَكِنْ كَذّبَ وَتَوَلّى ثُمّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى قال: هذا في أبي جهل متبخترا.
وإنما عُني بقوله يَتَمَطّى يلوي مطاه تبخترا, والمطا: هو الظهر, ومنه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا مَشَتْ أُمّتِي المُطَيطَاءَ» وذلك أن يلقي الرجل بيديه ويتكفأ.
وقوله أوْلَى لَكَ فأَوْلَى ثُمّ أوْلَى لَكَ فأَوْلَى هذا وعيد من الله على وعيد لأبي جهل, كما:
27630ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة أوْلَى لَكَ فأَوْلَى ثُمّ أوْلَى لَكَ فأَوْلَى وعيد على وعيد, كما تسمعون, زعم أن هذا أنزل في عدوّ الله أبي جهل. ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أخذ بمجامع ثيابه فقال: أَوْلَى لَكَ فأَوْلى ثُمّ أَوْلَى لَكَ فأَوْلَى فقال عدوّ الله أبو جهل: أيوعدني محمد والله ما تستطيع لي أنت ولا ربك شيئا والله لأنا أعزّ من مشى بين جبليها..
27631ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: أخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم بيده, يعني بيد أبي جهل, فقال: أوْلَى لَكَ فأَوْلَى ثُمّ أوْلَى لكَ فأَوْلَى فقال: يا محمد ما تستطيع أنت وربك فيّ شيئا, إني لأعزّ من مشى بين جبليها فلما كان يوم بدر أشرف عليهم فقال: لا يُعبد الله بعد هذا اليوم, وضرب الله عنقه, وقتله شرّ قِتلة.
27632ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: أوْلَى لَكَ فأَوْلَى ثُمّ أوْلَى لَكَ فأَوْلى قال: قال أبو جهل: إن محمدا ليوعدني, وأنا أعزّ أهل مكة والبطحاء, وقرأ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزّبانِيَةَ كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ واقْتَرِبْ.
27633ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن موسى بن أبي عائشة, قال: قلت لسعيد بن جُبير: أشيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم من قِبَل نفسه, أم أمر أمره الله به؟ قال: بل قاله من قِبَل نفسه, ثم أنزل الله: أوْلَى لَكَ فأَوْلَى ثُمّ أوْلَى لَكَ فأَوْلَى.
وقوله: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى يقول تعالى ذكره: أيظنّ هذا الإنسان الكافر بالله أن يترك هملاً, أن لا يؤمر ولا ينهى, ولا يتعبد بعبادة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
27634ـ حدثني عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس قوله: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى يقول: هملاً.
27635ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: أيَحْسَبُ الإنْسانِ أنْ يُتْرَكَ سُدًى قال: لا يُؤمر, ولا يُنْهى.
27636ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى قال: السديّ: الذي لا يفترض عليه عمل ولا يعمل.

الآية : 37-40
القول في تأويل قوله تعالى:{أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ * ثُمّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّىَ * فَجَعَلَ مِنْهُ الزّوْجَيْنِ الذّكَرَ وَالاُنثَىَ * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىَ أَن يُحْيِـيَ الْمَوْتَىَ }.
يقول تعالى ذكره: ألم يك هذا المنكر قدرة الله على إحيائه من بعد مماته, وإيجاده من بعد فنائه نُطْفَةً يعني: ماء قليلاً في صلب الرجل من منيّ.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: يُمْنَى فقرأه عامة قرّاء المدينة والكوفة: «تُمْنَى» بالتاء بمعنى: تمنى النطفة, وقرأ ذلك بعض قرّاء مكة والبصرة: يُمْنَى بالياء, بمعنى: يمنى المنيّ.
والصواب من القول أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.
وقوله: ثُمّ كانَ عَلَقَةً يقول تعالى ذكره: ثم كان دما من بعد ما كان نطفة, ثم علقة, ثم سوّاه بشرا سويا, ناطقا سميعا بصيرا فَجَعَلَ مِنْهُ الزّوْجَينِ الذّكَرَ والأُنْثَى يقول تعالى ذكره: فجعل من هذا الإنسان بعد ما سوّاه خلقا سويا أولادا له, ذكورا وإناثا ألَيْسَ ذلكَ بقادِرٍ على أنْ يُحْيِيَ المَوْتَى يقول تعالى ذكره: أليس الذي فعل ذلك فخلق هذا الإنسان من نطفة, ثم علقة حتى صيره إنسانا سويا, له أولاد ذكور وإناث, بقادر على أن يُحييَ الموتى من مماتهم, فيوجدهم كما كانوا من قبل مماتهم. يقول: معلوم أن الذي قَدِر على خَلق الإنسان من نطفة من منيّ يمنى, حتى صيره بشرا سويا, لا يُعجزه إحياء ميت من بعد مماته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ذلك قال: «بلى».
27637ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ألَيْسَ ذلكَ بقادِرٍ على أن يُحْيِيَ المَوْتَى ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: «سبحانك وبلَى».

نهاية تفسير الإمام الطبري لسورة القيامة

سورة الإنسان مدنية
وآياتها إحدى وثلاثون
بسم الله الرحمَن الرحيـم

الآية : 1-2
القول في تأويل قوله تعالى:{هَلْ أَتَىَ عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مّنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مّذْكُوراً * إِنّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً }.
يعني جلّ ثناؤه بقوله: هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ قد أتى على الإنسان وهل في هذا الموضع خبر لا جحد, وذلك كقول القائل لاَخر يقرّره: هل أكرمتك؟ وقد أكرمه أو هل زرتك؟ وقد زاره وقد تكون جحدا في غير هذا الموضع, وذلك كقول القائل لاَخر: هل يفعل مثل هذا أحد؟ بمعنى: أنه لا يفعل ذلك أحد. والإنسان الذي قال جلّ ثناؤه في هذا الموضع هَل أتَى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدّهْرِ: هو آدم صلى الله عليه وسلم كذلك:
27638ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ آدم أتى عليه حِينٌ مِنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئا مَذْكُورا إنما خلق الإنسان ها هنا حديثا ما يعلم من خليقة الله (خليقةٌ) كانت بعد الإنسان.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قوله: هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئا مَذْكُورا قال: كان آدم صلى الله عليه وسلم آخر ما خلق من الخلق.
27639ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدّهْرِ قال: آدم.
وقوله: حِينٌ مِنَ الدّهْرِ اختلف أهل التأويل في قدر هذا الحين الذي ذكره الله في هذا الموضع, فقال بعضهم: هو أربعون سنة وقالوا: مكثت طينة آدم مصوّرة لا تنفخ فيها الرّوح أربعين عاما, فذلك قدر الحين الذي ذكره الله في هذا الموضع قالوا: ولذلك قيل: هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئا مَذْكُورا لأنه أتى عليه وهو جسم مصوّر لم تنفخ فيه الروح أربعون عاما, فكان شيئا, غير أنه لم يكن شيئا مذكورا قالوا: ومعنى قوله: لَمْ يَكُنْ شَيْئا مَذْكُورا: لم يكن شيئا له نباهة ولا رفعة, ولا شرف, إنما كان طينا لازبا وحمأ مسنونا.
وقال آخرون: لا حدّ للحين في هذا الموضع وقد يدخل هذا القول من أن الله أخبَر أنه أتى على الإنسان حين من الدهر, وغير مفهوم في الكلام أن يقال: أتى على الإنسان حين قبل أن يوجد, وقبل أن يكون شيئا, وإذا أُريد ذلك قيل: أتى حين قبل أن يُخلق, ولم يقل أتى عليه. وأما الدهر في هذا الموضع, فلا حدّ له يوقف عليه.
وقوله: إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيه يقول تعالى ذكره: إنا خلقنا ذرّية آدم من نطفة, يعني: من ماء الرجل وماء المرأة, والنطفة: كلّ ماء قليل في وعاء كان ذلك ركية أو قربة, أو غير ذلك, كما قال عبد الله بن رواحة:
هَلْ أنْتِ إلاّ نُطْفَةٌ في شَنّهْ
وقوله: أمْشاجٍ يعني: أخلاط, واحدها: مشج ومشيج, مثل خدن وخدين ومنه قول رؤبة بن العجاج:
يَطْرَحْنَ كُلّ مُعْجَلٍ نَشّاجلَمْ يُكْسَ جِلْدا في دَمٍ أمْشاجِ
يقال منه: مشجت هذا بهذا: إذا خلطته به, وهو ممشوج به ومشيج: أي مخلوط به, كمال قال أبو ذؤيب:
كأنّ الرّيشَ والفُوقَيْن مِنْهخِلالَ النّصْل سِيطَ بِهِ مَشِيجُ
واختلف أهل التأويل في معنى الأمشاج الذي عنى بها في هذا الموضع, فقال بعضهم: هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة. ذكر من قال ذلك:
27640ـ حدثنا أبو كريب وأبو هشام الرفاعي قالا: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن ابن الأصبهاني, عن عكرِمة أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ قال: ماء الرجل وماء المرأة يمشج أحدهما بالاَخر.
حدثنا أبو هشام, قال: حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن ابن الأصبهاني, عن عكرِمة قال: ماء الرجل وماء المرأة يختلطان.
27641ـ قال: ثنا أبو أُسامة, قال: حدثنا زكريا, عن عطية, عن ابن عباس, قال: ماء المرأة وماء الرجل يمشجان.
قال: ثنا عبيد الله, قال: أخبرنا إسرائيل, عن السديّ, عمن حدّثه, عن ابن عباس, قال: ماء المرأة وماء الرجل يختلطان.
27642ـ قال: ثنا عبد الله, قال: أخبرنا أبو جعفر, عن الربيع بن أنس, قال: إذا اجتمع ماء الرجل وماء المرأة فهو أمشاج.
27643ـ قال: ثنا أبو أُسامة, قال: حدثنا المبارك, عن الحسن, قال: مُشج ماء المرأة مع ماء الرجل.
27644ـ قال: ثنا عبيد الله, قال: أخبرنا عثمان بن الأسود, عن مجاهد, قال: خلق الله الولد من ماء الرجل وماء المرأة, وقد قال الله: يا أيّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأنْثَى.
قال: ثنا عبيد الله, قال: أخبرنا إسرائيل, عن أبي يحيى, عن مجاهد, قال: خلق من تارات ماء الرجل وماء المرأة.
وقال آخرون: إنما عُني بذلك: إنا خلقنا الإنسان من نطفة ألوان ينتقل إليها, يكون نطفة, ثم يصير علقة, ثم مضغة, ثم عظما, ثم كسي لحما. ذكر من قال ذلك:
27645ـ حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ الأمشاج: خلق من ألوان, خلق من تراب, ثم من ماء الفرج والرحم, وهي النطفة, ثم علقة, ثم مضغة, ثم عظما, ثم أنشأه خلقا آخر فهو ذلك.
27646ـ حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا محمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, عن سماك, عن عكرِمة, في هذه الاَية أمْشاجٍ قال: نطفة, ثم علقة, ثم مضغة, ثم عظما.
حدثنا الرفاعي, قال: حدثنا وهب بن جرير ويعقوب الحضْرَميّ, عن شعبة, عن سماك, عن عكرِمة, قال: نطفة, ثم علقمة.
27647ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أمْشاجٍ أطوار الخلق, طورا نطفة, وطورا علقة, وطورا مضغة, وطورا عظاما, ثم كسى الله العظام لحما, ثم أنشأه خلقا آخر, أنبت له الشعر.
27648ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله أمْشاجٍ نَبْتَليهِ قال: الأمشاج: اختلط الماء والدم, ثم كان علقة, ثم كان مضغة.
وقال آخرون: عُني بذلك اختلاف ألوان النطفة. ذكر من قال ذلك:
27649ـ حدثني عليّ قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ يقول: مختلفة الألوان.
27650ـ حدثنا أبو هشام, قال: حدثنا يحيى بن يمان, قال: حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: ألوان النطفة.
27651ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: أيّ الماءين سبق أشبه عليه أعمامه وأخواله.
27652ـ قال: ثنا وكيع, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ قال: ألوان النطفة نطفة الرجل بيضاء وحمراء, ونطفة المرأة حمراء وخضراء.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
وقال آخرون: بل هي العروق التي تكون في النطفة. ذكر من قال ذلك:
27653ـ حدثنا أبو كريب وأبو هشام, قالا: حدثنا وكيع, قال: حدثنا المسعودي, عن عبد الله بن المخارق عن أبيه, عن عبد الله, قال: أمشاجها: عروقها.
27654ـ حدثنا أبو هشام, قال: حدثنا يحيى بن يمان, قال: حدثنا أُسامة بن زيد, عن أبيه, قال: هي العروق التي تكون في النطفة.
وأشبه هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى ذلك مِنْ نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نطفة الرجل ونطفة المرأة, لأن الله وصف النطفة بأنها أمشاج, وهي إذا انتقلت فصارت علقة, فقد استحالت عن معنى النطفة فكيف تكون نطفة أمشاجا وهي علقة؟ وأما الذين قالوا: إن نطفة الرجل بيضاء وحمراء, فإن المعروف من نطفة الرجل أنها سحراء على لون واحد, وهي بيضاء تضرب إلى الحمرة, وإذا كانت لونا واحدا لم تكن ألوانا مختلفة, وأحسب أن الذين قالوا: هي العروق التي في النطفة قصدوا هذا المعنى. وقد:
27655ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن عطاء بن أبي رباح, عن ابن عباس, قال: إنما خلق الإنسان من الشيء القليل من النطفة. ألا ترى أن الولد إذا أسكت ترى له مثل الرّيْر؟ وإنما خُلق ابن آدم من مثل ذلك من النطفة أمشاج نبتليه.
وقوله: نَبْتَلِيهِ نختبره. وكان بعض أهل العربية يقول: المعنى: جعلناه سميعا بصيرا لنبتليه, فهي مقدّمة معناها التأخير, إنما المعنى خلقناه وجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه, ولا وجه عندي لما قال يصحّ, وذلك أن الابتلاء إنما هو بصحة الاَلات وسلامة العقل من الاَفات, وإنْ عُدِمَ السمع والبصر. وأما إخباره إيانا أنه جعل لنا أسماعا وأبصارا في هذه الاَية, فتذكير منه لنا بنعمه, وتنبيه على موضع الشكر فأما الابتلاء فبالخلق مع صحة الفطرة, وسلامة العقل من الاَفة, كما قال: ومَا خَلَقْتُ الجِنّ والإنْسَ إلاّ لِيَعبُدون.
وقوله: فَجَعَلْناهُ سمِيعا بَصِيرا يقول تعالى ذكره: فجعلناه ذا سمع يسمع به, وذا بصر يبصر به, إنعاما من الله على عباده بذلك, ورأفة منه لهم, وحجة له عليهم.
الآية : 3-4
القول في تأويل قوله تعالى:{إِنّا هَدَيْنَاهُ السّبِيلَ إِمّا شَاكِراً وَإِمّا كَفُوراً * إِنّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً }.
يعني جلّ ثناؤه بقوله: إنّا هَدَيْناهُ السّبِيلَ إنا بينا له طريق الجنة, وعرّفناه سبيله, إن شكر, أو كفر. وإذا وُجّه الكلام إلى هذا المعنى, كانت إما وإما في معنى الجزاء. وقد يجوز أن تكون إما وإما بمعنى واحد, كما قال: إمّا يُعَذّبُهُمْ وَإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ فيكون قوله: إما شاكِرا وَإمّا كَفُورا حالاً من الهاء التي في هديناه فيكون معنى الكلام إذا وُجه ذلك إلى هذا التأويل: إنا هديناه السبيل, إما شقيا وإما سعيدا. وكان بعض نحويي البصرة يقول ذلك كما قال: «إما العذاب وإما الساعة» كأنك لم تذكر إما قال: وإن شئت ابتدأت ما بعدها فرفعته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
27656ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: إنّا هَدَيْناهُ السّبِيلَ قال: الشقوة والسّعادة.
27657ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: إنّا هَدَيْناهُ السّبِيلَ إمّا شاكِرا للنعم وإمّا كَفُورا. لها.
27658ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: مِنْ نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ... إلى إنّا هَدَيْناهُ السّبِيلَ قال: ننظر أيّ شيء يصنع, أيّ الطريقين يسلك, وأيّ الأمرين يأخذ, قال: وهذا الاختبار.
وقوله: إنّا اعْتَدْنا للْكافِرينَ سَلاسِلَ يقول تعالى ذكره: إنا أعتدنا لمن كفر نعمتنا وخالف أمرنا سلاسل يُسْتَوْثَق بها منهم شدّا في الجحيم وأغْلالاً يقول: وتشدّ بالأغلال فيها أيديهم إلى أعناقهم.
وقوله وَسَعَيرا يقول: ونارا تُسْعر عليهم فتتوقد