تفسير الطبري تفسير الصفحة 62 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 62
063
061
 الآية : 92
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىَ تُنْفِقُواْ مِمّا تُحِبّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ }
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: لن تدركوا أيها الـمؤمنون البرّ, وهو البرّ من الله الذي يطلبونه منه بطاعتهم إياه وعبـادتهم له, ويرجونه منه, وذلك تفضله علـيهم بإدخاله جنته, وصرف عذابه عنهم¹ ولذلك قال كثـير من أهل التأويـل: البرّ: الـجنة, لأن برّ الربّ بعبده فـي الاَخرة وإكرامه إياه بإدخاله الـجنة. ذكر من قال ذلك.
5961ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن شريك, عن أبـي إسحاق, عن عمرو بن ميـمون فـي قوله: {لَنْ تَنالُوا البِرّ} قال: الـجنة.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا الـحمانـي, قال: حدثنا شريك, عن أبـي إسحاق, عن عمرو بن ميـمون فـي قوله: {لَنْ تَنَالُوا البِرّ} قال: البرّ: الـجنة.
5962ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: {لَنْ تَنَالُوا البِرّ} أما البرّ. فـالـجنة.
فتأويـل الكلام: لن تنالوا أيها الـمؤمنون جنة ربكم, حتـى تنفقوا مـما تـحبون, يقول: حتـى تتصدّقوا مـما تـحبون وتهوون أن يكون لكم من نفـيس أموالكم. كما:
5963ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: {لَنْ تَنالُوا البِرّ حتـى تُنْفِقُوا مِـمّا تُـحِبّونَ} يقول: لن تنالوا برّ ربكم حتـى تنفقوا مـما يعجبكم ومـما تههون من أموالكم.
5964ـ حدثنـي مـحمد بن سنان, قال: حدثنا أبو بكر, عن عبـاد, عن الـحسن, قوله: {لَنْ تَنالُوا البِرّ حَتّـى تُنْفِقُوا مِـمّا تُـحِبّونَ} قال: من الـمال.
وأما قوله: {وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإنّ اللّهَ بِهِ عَلِـيـمٌ} فإنه يعنـي به: ومهما تنفقوا من شيء فتتصدّقوا به من أموالكم, فإن الله تعالـى ذكره بـما يتصدّق به الـمتصدّق منكم, فـينفقه مـما يحبّ من ماله فـي سبـيـل الله, وغير ذلك علـيـم, يقول: هو ذو علـم بذلك كله, لا يعزب عنه شيء منه حتـى يجازى صاحبه علـيه جزاءه فـي الاَخرة. كما:
5965ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: {وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإنّ اللّهَ بِهِ عَلِـيـمٌ} يقول: مـحفوظ لكم ذلك الله به علـيـم شاكر له.
وبنـحو التأويـل الذي قلنا تأوّل هذه الاَية جماعة من الصحابة والتابعين. ذكر من قال ذلك:
5966ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {لَنْ تَنالُوا البِرّ حَتـى تُنْفِقُوا مِـمّا تُـحِبّونَ} قال: كتب عمر بن الـخطاب إلـى أبـي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من جلولاء يوم فتـحت مدائن كسرى فـي قتال سعد بن أبـي وقاص, فدعا بها عمر بن الـخطاب, فقال: إن الله يقول: {لَنْ تَنَالُوا البِرّ حَتّـى تُنْفِقُوا مِـمّا تُـحِبّونَ} فأعتقها عمر. وهي مثل قول الله عزّ وجلّ: {وَيُطْعِمُونَ الطّعامَ علـى حُبّهِ مِسكِينا وَيَتِـيـما وأسِير}, {وَيُؤْثِرُونَ علـى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن أبـي أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله سواء.
5967ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا ابن أبـي عديّ, عن حميد, عن أنس بن مالك, قال: لـما نزلت هذه الاَية: {لَنْ تَنالُوا البِرّ حَتّـى تُنْفِقُوا مِـمّا تُـحِبّونَ} أو هذه الاَية: {مَنْ ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضا حَسَن} قال أبو طلـحة: يا رسول الله حائطي الذي بكذا وكذا صدقة, ولو استطعت أن أجعله سرّا لـم أجعله علانـية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجْعَلْها فِـي فُقَرَاءِ أهْلِكَ».
5968ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا الـحجاج بن الـمنهال, قال: حدثنا حماد, عن ثابت, عن أنس بن مالك, قال: لـما نزلت هذه الاَية: {لَنْ تَنَالُوا البِرّ حَتـى تُنْفِقُوا مِـمّا تُـحِبّونَ} قال أبو طلـحة: يا رسول الله, إن الله يسألنا من أموالنا, اشهد أنـي قد جعلت أرضي بأرْيَحا لله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجْعَلْها فِـي قَرَابَتِكَ». فجعلها بـين حسان بن ثابت وأبـيّ بن كعب.
5969ـ حدثنا عمران بن موسى, قال: حدثنا عبد الوارث, قال: حدثنا لـيث, عن ميـمون بن مهران, أن رجلاً سأل أبـا ذرّ أيّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة عماد الإسلام, والـجهاد: سنام العمل, والصدقة شيء عجيب. فقال: يا أبـا ذرّ لقد تركت شيئا هو أوثق عملـي فـي نفسي لا أراك ذكرته! فقال: ما هو؟ قال: الصيام, فقال: قربة, ولـيس هناك! وتلا هذه الاَية: {لَنْ تَنَالُوا البِرّ حَتّـى تُنْفِقُوا مِـمّا تُـحِبّونَ}.
5970ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنـي داود بن عبد الرحمن الـمكي, عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبـي حسين, عن عمرو بن دينار, قال: لـما نزلت هذه الاَية: {لَنْ تَنَالُوا البِرّ حَتّـى تُنْفِقُوا مِـمّا تُـحِبّونَ} جاء زيد بفرس له يقال لها: «سَبَل» إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم, فقال: تصدّق بهذه يا رسول الله! فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة أسامة بن زيد بن حارثة, فقال: يا رسول الله إنـما أردت أن أتصدّق به, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَدْ قُبِلَتْ صَدَقَتُكَ».
5971ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن أيوب وغيره: أنها حين نزلت: {لَنْ تَنَالُوا البِرّ حتـى تُنْفِقُوا مِـمّا تُـحِبّونَ} جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها, فقال: يا رسول الله هذه فـي سبـيـل الله! فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم علـيها أسامة بن زيد, فكأن زيدا وجد فـي نفسه, فلـما رأى ذلك منه النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: «أمَا إنّ اللّهَ قَدْ قَبِلَها».
الآية : 93
تأويل قوله تعالى: {كُلّ الطّعَامِ كَانَ حِـلاّ لّبَنِيَ إِسْرَائِيلَ إِلاّ مَا حَرّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىَ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزّلَ التّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: أنه لـم يكن حرّم علـى بنـي إسرائيـل ـ وهم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيـم خـلـيـل الرحمن ـ شيئا من الأطعمة من قبل أن تنزل التوراة, بل كان ذلك كله لهم حلالاً, إلا ما كان يعقوب حرّمه علـى نفسه, فإن ولده حرّموه استنانا بأبـيهم يعقوب, من غير تـحريـم الله ذلك علـيهم فـي وحي ولا تنزيـل ولا علـى لسان رسول له إلـيهم من قبل نزول التوراة.
ثم اختلف أهل التأويـل فـي تـحريـم ذلك علـيهم, هل نزل فـي التوراة أم لا؟ فقال بعضهم: لـما أنزل الله عزّ وجلّ التوراة, حرّم علـيهم من ذلك ما كانوا يحرّمونه قبل نزولها. ذكر من قال ذلك:
5972ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ قوله: {كُلّ الطّعامِ كانَ حِلاّ لِبَنـي إسْرَائِيـلَ إلاّ مَا حَرّمَ إسْرَائِيـلُ علـى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أنْ تُنَزّلَ التّوْرَاةُ قُلْ فأْتُوا بـالتّوْرَاة فـاتْلُوها إنْ كُنْتُـمْ صَادِقـينَ} قالت الـيهود: إنـما نـحرّم ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه, وإنـما حرّم إسرائيـل العروق, كان يأخذه عرق النّسا, كان يأخذه بـاللـيـل ويتركه بـالنهار, فحلف لئن الله عافـاه منه لا يأكل عِرْقا أبدا, فحرّمه الله علـيهم ثم قال: {قُلْ فأْتُوا بـالتّوْرَاة فـاتْلُوها إنْ كُنْتُـمْ صَادِقـينَ}: ما حرّم هذا علـيكم غيري ببغيكم, فذلك قوله: {فَبِظُلْـمٍ مِنَ الّذِينَ هادُوا حَرّمْنا عَلَـيْهِمْ طَيّبـاتٍ أُحِلّتُ لَهُمْ}.
فتأويـل الاَية علـى هذا القول: كل الطعام كان حلاّ لبنـي إسرائيـل, إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة, فإن الله حرّم علـيهم من ذلك ما كان إسرائيـل حرّمه علـى نفسه فـي التوراة, ببغيهم علـى أنفسهم, وظلـمهم لها. قل يا مـحمد: فأتوا أيها الـيهود إن أنكرتـم ذلك بـالتوراة, فـاتلوها إن كنتـم صادقـين أن الله لـم يحرم ذلك علـيكم فـي التوارة, وأنكم إنـما تـحرّمونه لتـحريـم إسرائيـل إياه علـى نفسه.
وقال آخرون: ما كان شيء من ذلك علـيهم حراما, لا حرّمه الله علـيهم فـي التوراة, وإنـما هو شيء حرّموه علـى أنفسهم اتبـاعا لأبـيهم, ثم أضافوا تـحريـمه إلـى الله. فكذبهم الله عز وجل فـي إضافتهم ذلك إلـيه, فقال الله عزّ وجلّ لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا مـحمد: إن كنتـم صادقـين, فأتوا بـالتوراة فـاتلوها, حتـى ننظر هل ذلك فـيها, أم لا؟ لـيتبـين كذبهم لـمن يجهل أمرهم. ذكر من قال ذلك:
5973ـ حدثنا عن الـحسين بن الفرج, قال: سمعت أبـا معاذ, قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان, قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {إلاّ ما حَرّمَ إسْرَئِيـلُ علـى نَفْسِهِ} إسرائيـل: هو يعقوب, أخذه عرق النساء, فكان لا يثبت اللـيـل من وجعه, وكان لا يؤذيه بـالنهار. فحلف لئن شفـاه الله لا يأكل عِرْقا أبدا, وذلك قبل نزول التوراة علـى موسى. فسأل نبـي الله صلى الله عليه وسلم الـيهود ما هذا الذي حرّم إسرائيـل علـى نفسه؟ فقالوا: نزلت التوراة بتـحريـم الذي حرّم إسرائيـل فقال الله لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ فأْتُوا بـالتّوْرَاة فـاتْلُوها إنْ كُنْتُـمْ صَادِقـينَ}... إلـى قوله: {فأُولَئِكَ هُمُ الظّالِـمُونَ} وكذبوا وافتروا, لـم تنزل التوراة بذلك.
وتأويـل الاَية علـى هذا القول: كل الطعام كان حِلاّ لبنـي إسرائيـل من قبل أن تنزل التوراة وبعد نزولها, إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة, بـمعنى: لكن إسرائيـل حرّم علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة بعض ذلك. وكأن الضحاك وجه قوله: {إلاّ ما حرَمّ إِسْرَائِيـلُ علـى نَفْسِهِ} إلـى الاستثناء الذي يُسمّيه النـحويون: الاستثناء الـمنقطع.
وقال آخرون تأويـل ذلك: كل الطعاك كان حِلاّ لبنـي إسرائيـل, إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة, فإن ذلك حرام علـى ولده بتـحريـم إسرائيـل إياه علـى ولده, من غير أن يكون الله حرّمه علـى إسرائيـل ولا علـى ولده. ذكر من قال ذلك:
5974ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس قوله: {كُلّ الطّعامِ كانَ حِلاّ لِبَنـي إسْرَائِيـلَ إلاّ مَا حَرّمَ إسْرَائِيـلُ علـى نَفْسِهِ} فإنه حرّم علـى نفسه العروق, وذلك أنه كان يشتكي عرق النسا, فكان لا ينام اللـيـل, فقال: والله لئن عافـانـي الله منه لا يأكله لـي ولد! ولـيس مكتوبا فـي التوراة. وسأل مـحمد صلى الله عليه وسلم نفرا من أهل الكتاب, فقال «ما شأن هذا حراما؟» فقالوا: هو حرام علـينا من قبل الكتاب. فقال الله عز وجل: {كُلّ الطّعامِ كانَ حِلاّ لِبَنـي إسْرَائِيـلَ}... إلـى: {إنْ كُنْتُـمْ صَادِقـينَ}.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, قال ابن عبـاس: أخذه ـ يعنـي إسرائيـل ـ عِرْقُ النّسَا, فكان لا يثبت بـاللـيـل من شدّة الوجع, وكان لا يؤذيه بـالنهار, فحلف لئن شفـاه الله لا يأكل عِرْقا أبدا, وذلك قبل أن تنزل التوارة, فقال الـيهود للنبـي صلى الله عليه وسلم: نزلت التوراة بتـحريـم الذي حرّم إسرائيـل علـى نفسه. قال الله لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ فأْتُوا بـالتّوْرَاة فـاتْلُوها إنْ كُنْتُـمْ صَادِقـينَ} وكذبوا, لـيس فـي التوراة.
قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب, قول من قال: معنى ذلك: كل الطعام كان حلاّ لبنـي إسرائيـل من قبل أن تنزل التوارة, إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من غير تـحريـم الله ذلك علـيه, فإن كان حراما علـيهم بتـحريـم أبـيهم إسرائيـل ذلك علـيهم, من غير أن يحرّمه الله علـيهم فـي تنزيـل ولا بوحي قبل التوراة, حتـى نزلت التوراة, فحرم الله علـيهم فـيها ما شاء, وأحلّ لهم فـيها ما أحبّ. وهذا قول قالته جماعة من أهل التأويـل, وهو معنى قول ابن عبـاس الذي ذكرناه قبل. ذكر من قال ذلك:
5975ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: {كُلّ الطّعامِ كانَ حِلاّ لِبَنـي إسْرَائِيـلَ إلاّ مَا حَرّمَ إسْرَائِيـلُ علـى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أنْ تُنَزّلَ التّوْرَاةُ} وإسرائيـل: هو يعقوب. {قُلْ فأْتُوا بـالتّوْرَاة فـاتْلُوها إنْ كُنْتُـمْ صَادِقـينَ} يقول: كل الطعام كان حلاّ لبنـي إسرائيـل من قبل أن تنزل التوراة. إلا ما حرم إسرائيـل علـى نفسه, فلـما أنزل الله التوراة حرّم علـيهم فـيها ما شاء. وأحلّ لهم ما شاء.
حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن قتادة بنـحوه.
واختلف أهل التأويـل فـي الذي كان سرائيـل حرّمه علـى نفسه, فقال بعضهم: كان الذي حرّمه إسرائيـل علـى نفسه العروق. ذكر من قال ذلك:
5976ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا هشيـم, قال: أخبرنا أبو بشر, عن يوسف بن ماهك, قال: جاء أعرابـي إلـى ابن عبـاس, فقال: إنه جعل امرأته علـيه حراما. قال: لـيست علـيك بحرام قال: فقال الأعرابـي: ولـم والله يقول فـي كتابه: {كُلُ الطّعامِ كانَ حِلاّ لِبَنـي إسْرَائِيـلَ إلاّ ما حَرّمَ إسْرَائِيـلُ علـى نَفْسِهِ}؟ قال: فضحك ابن عبـاس وقال: وما يدريك ما كان إسرائيـل حرّم علـى نفسه؟ قال: ثم أقبل علـى القوم يحدثهم, فقال: إسرائيـل عرضت له الأنساء فأضنته, فجعل لله علـيه إن شفـاه الله منها لا يطعمِ عِرْقا. قال: فلذلك الـيهود تنزع العروق من اللـحم.
حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا مـحمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, عن أبـي بشر, قال: سمعت يوسف بن ماهك يحدّث: أن أعرابـيا أتـى ابن عبـاس, فذكر رجلاً حرّم امرأته, فقال: إنها لـيست بحرام. فقال الأعرابـي: أرأيت قول الله عزّ وجلّ: {كُلُ الطّعامِ كانَ حِلاّ لِبَنـي إسْرَائِيـلَ إلاّ ما حَرّمَ إسْرَائِيـلُ علـى نَفْسِهِ}؟ فقال: إن إسرائيـل كان به عرق النسا, فحلف لئن عافـاه الله أن لا يأكل العروق من اللـحم, وإنها لـيست علـيك بحرام.
5977ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا ابن علـية, عن سلـيـمان التـيـمي, عن أبـي مـجلز فـي قوله: {كُلُ الطّعامِ كانَ حِلاّ لِبَنـي إسْرَائِيـلَ إلاّ ما حَرّمَ إسْرَائِيـلُ علـى نَفْسِهِ} قال: إن يعقوب أخذه وجع عرق النسا, فجعل الله علـيه ـ أو أقسم, أو قال ـ لا يأكله من الدواب. قال: والعروق كلها تبع لذلك العرق.
5978ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: ذكر لنا أن الذي حرّم إسرائيـل علـى نفسه, أن الأنساء أخذته ذات لـيـلة, فأسهرته, فتألـى إن الله شفـاه لا يطعم نسا أبدا فتتبعت بنوه العروق بعد ذلك يخرجونها من اللـحم.
حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن قتادة بنـحوه, وزاد فـيه: قال: فتألّـى لئن شفـاه الله لا يأكل عرقا أبدا, فجعل بنوه بعد ذلك يتتبعون العروق, فـيخرجونها من اللـحم, وكان الذي حرّم علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة العروق.
حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: {إلاّ ما حَرّمَ إسْرَائِيـلُ علـى نَفْسِهِ} قال: اشتكى إسرائيـل عرق النسا, فقال: إن الله شفـانـي لأحرمنّ العروق, فحرّمها.
5979ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: حدثنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا سفـيان الثوري, عن حبـيب بن أبـي ثابت عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, قال: كان إسرائيـل أخذه عرق النّسا, فكان يبـيت وله زُقاء, فجعل لله علـيه إن شفـاه أن لا يأكل العروق. فأنزل الله عزّ وجلّ: {كُلُ الطّعامِ كانَ حِلاّ لِبَنـي إسْرَائِيـلَ إلاّ ما حَرّمَ إسْرَائِيـلُ علـى نَفْسِهِ}. قال سفـيان: له زقاء: يعنـي صياح.
5980ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قوله: {إلاّ ما حَرّمَ إسْرَائِيـلُ علـى نَفْسِهِ} قال: كان يشتكي عرق النسا, فحرّم العروق.
حدثنـي الـمثنـي, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن حبـيب بن أبـي ثابت, عن ابن عبـاس فـي قوله: {كُلُ الطّعامِ كانَ حِلاّ لِبَنـي إسْرَائِيـلَ إلاّ ما حَرّمَ إسْرَائِيـلُ علـى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أنْ تُنْزّلَ التّوْرَاةُ} قال: كان إسرائيـل يأخذه عرق النسا, فكان يبـيت وله زُقاء, فحرّم علـى نفسه أن يأكل عرقا.
وقال آخرون: بل الذي كان إسرائيـل حرّم علـى نفسه: لُـحوم والإبل وألبـانُها. ذكر من قال ذلك:
5981ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن عبد الله بن كثـير, قال: سمعنا أنه اشتكى شكوى, فقالوا: إنه عرق النسا, فقال: ربّ إن أحبّ الطعام إلـيّ لـحوم الإبل وألبـانها, فإن شفـيتنـي فإنـي أحرّمها علـي! قال ابن جريج: وقال عطاء بن أبـي ربـاح: لـحوم الإبل وألبـانها حرّم إسرائيـل.
5982ـ حدثنـي مـحمد بن سنان, قال: حدثنا أبو بكر الـحنفـي, قال: حدثنا عبـاد, عن الـحسن فـي قوله: {كُلُ الطّعامِ كانَ حِلاّ لِبَنـي إسْرَائِيـلَ} قال: كان إسرائيـل حرّم علـى نفسه لـحوم الإبل, وكانوا يزعمون أنهم يجدون فـي التوراة تـحريـم إسرائيـل علـى نفسه لـحوم الإبل, وإنـما كان حرّم إسرائيـل علـى نفسه لـحوم الإبل قبل أن تنزل التوراة, فقال الله: {فَأْتُوا بـالتّورَاةِ فـاتْلُوهَا إنْ كُنْتُـمْ صَادِقـينِ} فقال: لا تـجدون فـي التوراة تـحريـم إسرائيـل علـى نفسه إلا لـحم الإبل.
5983ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا يحيـى بن سعيد, قال: حدثنا سفـيان قال: حدثنا حبـيب بن أبـي ثابت, قال: حدثنا سعيد, عن ابن عبـاس: أن إسرائيـل أخذه عرق النسا, فكان يبـيت بـاللـيـل له زُقاء ـ يعنـي صياح ـ قال: فجعل علـى نفسه لئن شفـاه الله منه لا يأكله ـ يعنـي لـحوم الإبل ـ قال: فحرّمه الـيهود. وتلا هذه الاَية: {كُلُ الطّعامِ كانَ حِلاّ لِبَنـي إسْرَائِيـلَ إلاّ ما حَرّمَ إسْرَائِيـلُ علـى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أنْ تُنْزّلَ التّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بـالتّورَاةِ فـاتْلُوهَا إنْ كُنْتُـمْ صَادِقـينِ} أي: إن هذا قبل التوراة.
حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا يحيـى بن عيسى, عن الأعمش, عن حبـيب, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس فـي: {إلاّ ما حَرّمَ إسْرَائِيـلُ علـى نَفْسِهِ} قال: حرّم العروق ولـحوم الإبل. قال: كان به عرق النّسا, فأكل من لـحومها فبـات بلـيـلة يزقو, فحلف أن لا يأكله أبدا.
5984ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن إسرائيـل, عن جابر, عن مـجاهد فـي قوله: {إلاّ ما حَرّمَ إسْرَائِيـلُ علـى نَفْسِهِ} قال: حرّم لـحوم الأنعام.
قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب, قول ابن عبـاس الذي رواه الأعمش, عن حبـيب, عن سعيد, عنه, أن ذلك العروق ولـحوم الإبل, لأن الـيهود مـجمعة إلـى الـيوم علـى ذلك من تـحريـمها, كما كان علـيه من ذلك أوائلها وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو ذلك خبر, وهو ما:
5985ـ حدثنا به أبو كريب, قال: حدثنا يونس بن بكير, عن عبد الـحميد بن بهرام, عن شهر بن حوشب, عن ابن عبـاس: أن عصابة من الـيهود حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا: يا أبـا القاسم أخبرنا أيّ الطعام حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنْشُدُكُمْ بـالّذي أنْزَلَ التّوْرَاةَ علـى مُوسَى هَلْ تَعْلَـمُونَ أنّ إسْرَائِيـلَ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضا شَدِيدا, فَطالَ سَقَمُهُ مِنْهُ, فَنَذَرَ للّهِ نَذْرا لَئِنْ عافـاهُ اللّهُ مِنْ سَقَمِهِ لَـيُحَرّمَنّ أحبّ الطّعامِ وَالشّرابِ إلَـيْهِ, وكانَ أحَبّ الطّعامِ إلَـيْهِ لـحْمَانُ الإبِلِ, وأحَبّ الشّرَابِ إلَـيْهِ ألْبـانُها؟» فقالوا: اللهم نعم.
وأما قوله: {قُلْ فَأْتُوا بـالتّورَاةِ فـاتْلُوهَا إنْ كُنْتُـمْ صَادِقـينِ} فإن معناه: قل يا مـحمد للزاعمين من الـيهود أن الله حرم علـيهم فـي التوراة العروق ولـحوم الإبل وألبـانها, ائتوا بـالتوراة فـاتلوها! يقول: قل لهم: جيئوا بـالتوراة فـاتلوها, حتـى يتبـين لـمن خفـي علـيه كذبهم وقـيـلهم البـاطل علـى الله من أمرهم, أن ذلك لـيس مـما أنزلته فـي التوراة {إنْ كُنْتُـمْ صَادِقـينِ}, يقول: إن كنتـم مـحقـين فـي دعواكم أن الله أنزل تـحريـم ذلك فـي التوراة, فأتونا بها, فـاتلوا تـحريـم ذلك علـينا منها. وإنـما ذلك خبر من الله عن كذبهم, لأنهم لا يجيئون بذلك أبدا علـى صحته, فأعلـم الله بكذبهم علـيه نبـيه صلى الله عليه وسلم, وجعل إعلامه إياه ذلك حجة له علـيهم¹ لأن ذلك إذا كان يخفـى علـى كثـير من أهل ملّتهم, فمـحمد صلى الله عليه وسلم وهو أميّ من غير ملتهم, لولا أن الله أعلـمه ذلك بوحي من عنده, كان أحرى أن لا يعلـمه. فكان فـي ذلك له صلى الله عليه وسلم من أعظم الـحجة علـيهم بأنه نبـي الله صلى الله عليه وسلم إلـيهم, لأن ذلك من أخبـار أوائلهم كان من خفـي علومهم الذي لا يعلـمه غير خاصة منهم, إلا من أعلـمه الذي لا يخفـى علـيه خافـية من نبـيّ أو رسول, أو من أطلعه الله علـى علـمه مـمن شاء من خـلقه.
الآية : 94
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ }
يعنـي جلّ ثناؤه بذلك: فمن كذب علـى الله منا ومنكم من بعد مـجيئكم بـالتوراة, وتلاوتكم إياها, وعَدَمِكُم ما ادّعيتـم من تـحريـم الله العروق ولـحوم الإبل وألبـانها فـيها, {فأُولَئِكَ هُمُ الظّالِـمُونَ} يعنـي: فمن فعل ذلك منهم {فأُولَئِكَ} يعنـي فهؤلاء الذين يفعلون ذلك, {هُمُ الظّالِـمُونَ} يعنـي فهم الكافرون القائلون علـى الله البـاطل. كما:
5986ـ حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا عمرو بن عون, قال: حدثنا هشيـم, عن زكريا, عن الشعبـي: {فأُولَئِكَ هُمُ الظّالِـمُونَ} قال: نزلت فـي الـيهود.
الآية : 95
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتّبِعُواْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: قل يا مـحمد: صدق الله فـيـما أخبرنا به من قوله: {كُلُ الطّعامِ كانَ حِلاّ لِبَنـي إسْرَائِيـلَ} وأن الله لـم يحرّم علـى إسرائيـل ولا علـى ولده العروق ولا لـحومَ الإبل وألبـانها, وأن ذلك إنـما كان شيئا حرّمه إسرائيـل علـى نفسه وولده بغير تـحريـم الله إياه علـيهم فـي التوراة, وفـي كل ما أخبر به عبـاده من خبر دونكم وأنتـم يا معشر الـيهود الكذبةُ فـي إضافتكم تـحريـم ذلك إلـى الله علـيكم فـي التوراة, الـمفترية علـى الله البـاطل فـي دعواكم علـيه غير الـحقّ {فـاتّبِعُوا مِلّةَ إبْرَاهِيـمَ حَنِـيفا وَمَا كَانَ مِنَ الـمُشْرِكِينَ} يقول: فإن كنتـم أيها الـيهود مـحقـين فـي دعواكم أنكم علـى الدين الذي ارتضاه الله لأنبـيائه ورسله, فـاتبعوا ملة إبراهيـم خـلـيـل الله, فإنكم تعلـمون أنه الـحقّ الذي ارتضاه الله من خـلقه دينا, وابتعث به أنبـياءه, وذلك الـحنـيفة, يعنـي الاستقامة علـى الإسلام وشرائعه, دون الـيهودية والنصرانـية والـمشركة. وقوله: {وَمَا كَانَ مِنَ الـمُشْرِكِينَ} يقول: لـم يكن يشرك فـي عبـادته أحدا من خـلقه, فكذلك أنتـم أيضا أيها الـيهود, فلا يتـخذ بعضكم بعضا أربـابا من دون الله, تطيعونهم كطاعة إبراهيـم ربه. وأنتـم يا معشر عبدة الأوثان, فلا تتـخذوا الأوثان والأصنام أربـابا, ولا تعبدوا شيئا من دون الله, فإن إبراهيـم خـلـيـل الرحمن كان دينه إخلاص العبـادة لربه وحده, من غير إشراك أحد معه فـيه, فكذلك أنتـم أيضا, فأخـلصوا له العبـادة ولا تشركوا معه فـي العبـادة أحدا, فإن جميعكم مُقِرّون بأن إبراهيـم كان علـى حقّ وهدى مستقـيـم, فـاتبعوا ما قد أجمع جميعكم علـى تصويبه من ملته الـحنـيفـية, ودعوا ما اختلفتـم فـيه من سائل الـملل غيرها أيها الأحزاب, فإنها بدع ابتدعتـموها إلـى ما قد أجمعتـم علـيه أنه حقّ, فإن الذي أجمعتـم علـيه أنه صواب وحقّ من ملة إبراهيـم هو الـحقّ الذي ارتضيته وابتعثت به أنبـيائي ورسلـي ذلك هو البـاطل الذي لا أقبله من أحد من خـلقـي جاءنـي به يوم القـيامة. وإنـما قال جلّ ثناؤه: {وَمَا كانَ مِنَ الـمُشْرِكِينَ} يعنـي به: وما كان من عددهم وأولـيائهم, وذلك أن الـمشركين بعضهم من بعض فـي التظاهر علـى كفرهم, ونصرة بعضهم بعضا, فبرأ الله إبراهيـم خـلـيـله أن يكون منهم أو من نصرائهم وأهل ولايتهم. وإنـما عنى جلّ ثناؤه بـالـمشركين: الـيهود والنصارى, وسائر الأديان غير الـحنـيفـية, قال: لـم يكن إبراهيـم من أهل هذه الأديان الـمشركة, ولكنه كان حنـيفا مسلـما.
الآية : 96
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إِنّ أَوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لّلْعَالَمِينَ }
اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك, فقال بعضهم: تأويـله: إن أوّل بـيت وضع للناس يعبد الله فـيه مبـاركا وهدى للعالـمين, الذي ببكة. قالوا: ولـيس هو أوّل بـيت وضع فـي الأرض, لأنه قد كانت قبله بـيوت كثـيرة. ذكر من قال ذلك:
5987ـ حدثنا هناد بن السرّي, قال: حدثنا أبو الأحوص, عن سماك, عن خالد بن عُرعرة, قال: قام رجل إلـى علـيّ, فقال: ألا تـخبرنـي عن البـيت, أهو أوّل بـيت وضع فـي الأرض؟ فقال: لا, ولكنه أوّل بـيت وضع فـي البركة مقام إبراهيـم, ومن دخـله كان آمنا.
حدثنا مـحمد بن الـمثنى, قال: حدثنا مـحمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, عن سماك, قال: سمعت خالد ابن عرعرة قال: سمعت علـيا, وقـيـل له: {إنّ أوّلَ بَـيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ للّذِي بِبكّةَ} هو أول بـيت كان فـي الأرض؟ قال: لا قال: فأين كان قوم نوح؟ وأين كان قوم هود؟ قال: ولكنه أوّل بـيت وضع للناس مبـاركا وهدى.
5988ـ حدثنـي يعقوب, قال: حدثنا ابن علـية, عن أبـي رجاء, قال: سأل حفص الـحسنَ وأنا أسمع, عن قوله: {إنّ أوّلَ بَـيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ للّذِي بِبكّةَ مُبـارَك} قال: هو أول مسجد عبد الله فـيه فـي الأرض.
5989ـ حدثنا عبد الـجبـار بن يحيـى الرملـي, قال: حدثنا ضمرة, عن ابن شوذب, عن مطر فـي قوله: {إنّ أوّلَ بَـيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ للّذِي بِبكّةَ} قال: قد كانت قبله بـيوت, ولكنه أوّل بـيت وضع للعبـادة.
5990ـ حدثنـي مـحمد بن سنان, قال: حدثنا أبو بكر الـحنفـي, قال: حدثنا عبـاد, عن الـحسن, قوله: {إنّ أوّلَ بَـيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ} يعبد الله فـيه {للّذِي بِبكّةَ}.
5991ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا الـحمانـي, قال: حدثنا شريك, عن سالـم, عن سعيد: {إنّ أوّلَ بَـيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ للّذِي بِبكّةَ مُبـارَك} قال: وضع للعبـادة.
وقال آخرون: بل هو أوّل بـيت وضع للناس. ثم اختلف قائلو ذلك فـي صفة وضعه أوّل, فقال بعضهم: خُـلِق قبل جميع الأرضين, ثم دْحِيَت الأرضون من تـحته. ذكر من قال ذلك:
5992ـ حدثنا مـحمد بن عمارة الأسدي, قال: حدثنا عبـيد الله بن موسى, قال: أخبرنا شيبـان, عن الأعمش, عن بكير بن الأخنس, عن مـجاهد, عن عبد الله بن عمرو,قال: خـلق الله البـيت قبل الأرض بألفـي سنة, وكان إذا كان عرشه علـى الـماء, زِبْدَةً بـيضاء, فَدُحيت الأرض من تـحته.
5993ـ حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن أبـي الشوارب, قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد, قال: حدثنا خصيف, قال: سمعت مـجاهدا يقول: إن أوّل ما خـلق الله الكعبة, ثم دَحَى الأرض من تـحتها.
5994ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو: قال حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {إنّ أوّلَ بَـيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ} كقوله: {كُنْتُـمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ للنّاسِ}.
5995ـ حدثنـي مـحمد, قال: حدثنا أحمد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: {إنّ أوّلَ بَـيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ للّذِي بِبكّةَ مُبـارَكا وهُدًى للْعَالِـمينَ} أمّا أوّل بـيت, فإنه يوم كانت الأرض ماء, وكان زَبْدة علـى الأرض, فلـما خـلق الله الأرض, خـلق البـيت معها, فهو أوّل بـيت وضع فـي الأرض.
5996ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: {إنّ أوّلَ بَـيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ للّذِي بِبكّةَ مُبـارَك} قال: أوّل بـيت وضعه الله عزّ وجلّ, فطاف به آدم ومن بعده.
وقال آخرون موضع الكعبة, موضع أوّل بـيت وضعه الله فـي الأرض. ذكر من قال ذلك:
5997ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: ذُكر لنا أن البـيت هبط مع آدم حين هبط, قال: أهبط معك بـيتـي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي. فطاف حوله آدم ومن كان بعده من الـمؤمنـين, حتـى إذا كان زمن الطوفـان زمن أغرق الله قوم نوح رفعه الله وطهره من أن يصيبه عقوبة أهل الأرض, فصار معمورا فـي السماء. ثم إن إبراهيـم تتبع منه أثرا بعد ذلك, فبناه علـى أساس قديـم كان قبله.
والصواب من القول فـي ذلك: ما قال جلّ ثناؤه فـيه: إن أوّل بـيت مبـارك وهدى وضع للناس, للذي ببكة. ومعنى ذلك: إن أوّل بـيت وضع للناس: أي لعبـادة الله فـيه مبـاركا وهدى, يعنـي: بذلك ومآبا لنسك الناسكين وطواف الطائفـين, تعظيـما لله وإجلالاً له¹ للّذي ببكة¹ لصحة الـخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما:
5998ـ حدثنا به مـحمد بن الـمثنى, قال: حدثنا ابن أبـي عديّ, عن شعبة, عن سلـيـمان, عن إبراهيـم التـيـمي, عن أبـيه, عن أبـي ذر, قال: قلت يا رسول الله, أيّ مسجد وضع أوّل؟ قال: «الـمَسْجدُ الـحَرامُ» قال: ثم أيّ؟ قال: «الـمَسْجدُ الأقْصَى» قال: كم بـينهما؟ قال: أرْبَعُونَ سَنَةٌ».
فقد بـين هذا الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أن الـمسجد الـحرام هو أوّل مسجد وضعه الله فـي الأرض علـى ما قلنا, فأما فـي وضعه بـيتا بغير معنى بـيت للعبـادة والهدى والبركة, ففـيه من الاختلاف ما قد ذكرت بعضه فـي هذا الـموضع وبعض فـي سورة البقرة وغيرها من سور القرآن وبـينت الصواب من القول عندنا فـي ذلك بـما أغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.
وأما قوله: {للّذِي بِبكّةَ مُبـارَك} فإنه يعنـي: للبـيت الذي بـمزدحم الناس لطوافهم فـي حجهم وعمرهم وأصل البكّ: الزحم, يقال منه: بَكّ فلان فلانا: إذا زحمه وصدمه, فهو يَبُكّه بَكّا, وهم يَتَبـاكّون فـيه: يعنـي به: يتزاحمون ويتصادمون فـيه, فكان بَكّة: «فَعْلَة» من بَكّ فلانٌ فلانا: زحمه, سميت البقعة بفعل الـمزدحمين بها. فإذا كانت بكة ما وصفنا, وكان موضع ازدحام الناس حول البـيت, وكان لا طواف يجوز خارج الـمسجد, كان معلوما بذلك أن يكون ما حول الكعبة من داخـل الـمسجد, وأن ما كان خارج الـمسجد فمكة لا بكة¹ لأنه لا معنى خارجه يوجب علـى الناس التبـاكّ فـيه. وإذا كان ذلك كذلك كان بـيّنا بذلك فساد قول من قال بكة: اسم لبطن مكة, ومكة: اسم للـحرم.
ذكر من قال فـي ذلك ما قلنا, من أن بكة فـي موضع مزدحم الناس للطواف:
5999ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا هشيـم, عن حصين, عن أبـي مالك الغفـاري فـي قوله: {إنّ أوّلَ بَـيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ للّذِي بِبكّةَ مُبـارَك} قال: بكة: موضع البـيت, ومكة: ما سوى ذلك.
6000ـ حدثنـي يعقوب, قال: حدثنا هشيـم, قال: أخبرنا مغيرة, عن إبراهيـم مثله.
6001ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا حكام, عن عمرو, عن عطاء, عن أبـي جعفر, قال: مرّت امرأة بـين يدي رجل وهو يصلـي, وهي تطوف بـالبـيت, فدفعها. قال أبو جعفر: إنها بكة يبكّ بعضها بعضا.
6002ـ حدثنا ابن الـمثنى, قال: حدثنا عبد الصمد, قال: حدثنا شعبة, قال: حدثنا سلـمة, عن مـجاهد, قال: إنـما سميت بكّة, لأن الناس يتبـاكّون فـيها, الرجال والنساء.
6003ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبـي, عن سفـيان, عن حماد, عن سعيد, قال: قلت أيّ شيء سميت بكة؟ قال: لأنهم يتبـاكّون فـيها, قال: يعنـي يتزاحمون.
6004ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبـي, عن سفـيان, عن الأسود بن قـيس, عن أخيه, عن ابن الزبـير, قال: إنـما سميت بكة لأنهم يأتونها حجاجا.
6005ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: {إنّ أوّلَ بَـيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ للّذِي بِبكّةَ مُبـارَك} فإن الله بكّ به الناس جميعا, فـيصلـي النساء قدّام الرجال, ولا يصلـح ببلد غيره.
حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: «بكة»: بكّ الناسُ بعضهم بعضا, الرجال والنساء يصلـي بعضهم بـين يدي بعض, لا يصلـح ذلك إلا بـمكة.
6006ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبـي, عن فضيـل بن مرزوق, عن عطية العوفـي, قال: «بكة»: موضع البـيت, و «مكة»: ما حولها.
6007ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنـي يحيـى بن أزهر, عن غالب بن عبـيد الله أنه سأل ابن شهاب عن بكة. قال: «بكة» البـيت والـمسجد. وسأله عن مكة. فقال ابن شهاب: «مكة»: الـحرم كله.
6008ـ حدثنا الـحسين. قال: حدثنا هشيـم, قال: أخبرنا حجاج. عن عطاء ومـجاهد, قالا «بكة»: بكّ فـيها الرجال والنساء.
6009ـ حدثنـي عبد الـجبـار بن يحيـى الرملـي. قال: قال ضمرة بن ربـيعة: «بكة»: الـمسجد. و«مكة»: البـيوت. وقال بعضهم بـما:
6010ـ حدثنـي به يحيـى بن أبـي طالب. قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا جويبر, عن الضحاك فـي قوله: {إنّ أوّلَ بَـيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ للّذِي بِبكّةَ} قال: هي مكة.
وقـيـل: {مُبـارَك} لأن الطواف به مغفرة للذنوب, فأما نصب قوله: {مُبَـارك} فإنه علـى الـخروج من قوله: {وُضِعَ}¹ لأن فـي «وضع» ذكرا من البـيت هو به مشغول وهو معرفة, و «مبـارك» نكرة لا يصلـح أن يتبعه فـي الإعراب. وأما علـى قول من قال: هو أول بـيت وضع للناس علـى ما ذكرنا فـي ذلك قول من ذكرنا قوله, فإنه نصب علـى الـحال من قوله: {للّذِي بِبكّةَ}¹ لأن معنى الكلام علـى قولهم: إن أوّل بـيت وضع للناس, البـيت ببكة مبـاركا. فـالبـيت عندهم من صفته «الذي ببكة», و «الذي» بصلته معرفة, و «الـمبـارك» نكرة¹ فنصب علـى القطع منه فـي قول بعضهم. وعلـى الـحال فـي قول بعضهم. و «هدى» فـي موضع نصب علـى العطف علـى قوله «مبـاركا».
الآية : 97
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيّـنَاتٌ مّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنّ الله غَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ }
اختلفت القراء فـي قراءة ذلك, فقرأه قراء الأمصار: {فِـيهِ آيَاتٌ بَـيّنَاتٌ} علـى جماع آية, بـمعنى: فـيه علامات بـينات. وقرأ ذلك ابن عبـاس: «فـيه آية بـينة» يعنـي بها: مقام إبراهيـم, يراد بها علامة واحدة.
ثم اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {فِـيهِ آيَاتٌ بَـيّنَاتٌ} وما تلك الاَيات. فقال بعضهم: مقام إبراهيـم والـمشعر الـحرام, ونـحو ذلك. ذكر من قال ذلك:
6011ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس قوله: {فِـيهِ آيَاتٌ بَـيّنَاتٌ}: مقام إبراهيـم, والـمشعر.
6012ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة ومـجاهد: {فِـيهِ آيَاتٌ بَـيّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيـمَ} قالا: مقام إبراهيـم من الاَيات البـينات.
وقال آخرون: الاَيات البـينات {مَقَام إبرَاهيـم وَمن دَخَـلَهُ كانَ آمِن}. ذكر من قال ذلك:
6013ـ حدثنـي مـحمد بن سنان, قال: حدثنا أبو بكر الـحنفـي, قال: حدثنا عبـاد, عن الـحسن فـي قوله: {فِـيهِ آيَاتٌ بَـيّنَاتٌ} قال: {مَقَامُ إبْرَاهِيـمَ وَمَنْ دَخَـلَهُ كَانَ آمِن}.
وقال آخرون: الاَيات البـينات: هو مقام إبراهيـم. ذكر من قال ذلك:
6014ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, قوله: {فِـيهِ آيَاتٌ بَـيّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيـمَ} أما الاَيات البـينات: فمقام إبراهيـم.
وأما الذين قرءوا ذلك: {فـيه آية بـينة} علـى التوحيد, فإنهم عنوا بـالاَية البـينة: مقام إبراهيـم. ذكر من قال ذلك:
6015ـ حدثنا مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن بن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: {فِـيهِ آيَاتٌ بَـيّنَاتٌ} قال: قَدَماه فـي الـمقام آية بـينة. يقول: {وَمَنْ دَخَـلَهُ كَانَ آمِن} قال: هذا شيء آخر.
حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن لـيث, عن مـجاهد {فِـيهِ آيَةٌ بَـيّنَةٌ مَقَامُ إبْرَاهِيـمَ} قال: أثر قدميه فـي الـمقام آية بـينة.
وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب, قول من قال: الاَيات البـينات منهن مقام إبراهيـم, وهو قول قتادة ومـجاهد الذي رواه معمر عنهما, فـيكون الكلام مرادا فـيهن «منهنّ», فترك ذكره اكتفـاءً بدلالة الكلام علـيها.
فإن قال قائل: فهذا الـمقام من الاَيات البـينات, فما سائر الاَيات التـي من أجلها قـيـل: {آيَاتٌ بَـيّنَاتٌ}؟ قـيـل: منهنّ: الـمقام, ومنهنّ الـحِجر, ومنهنّ الـحطيـم, وأصحّ القراءتـين فـي ذلك قراءة من قرأ {فِـيهِ آيَاتٌ بَـيّنَاتٌ} علـى الـجماع, لإجماع قراء أمصار الـمسلـمين علـى أن ذلك هو القراءة الصحيحة دون غيرها.
وأما اختلاف أهل التأويـل فـي تأويـل: {مَقَامُ إبْرَاهِيـمَ} فقد ذكرناه فـي سورة البقرة, وبـينا أولـى الأقوال بـالصواب فـيه هنالك, وأنه عندنا: الـمقام الـمعروف به.
فتأويـل الاَية إذا: إن أوّل بـيت وضع للناس مبـاركا وهدًى للعالـمين, للذي ببكة, فـيه علامات من قدرة الله وآثار خـلـيـله إبراهيـم منهن أثر قدم خـلـيـله إبراهيـم صلى الله عليه وسلم فـي الـحجَر الذي قام علـيه.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَنْ دَخَـلَهُ كَانَ آمِن}.
واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك, فقال بعضهم: تأويـله الـخبر عن أن كلّ من جرّ فـي الـجاهلـية جريرة ثم عاذ بـالبـيت لـم يكن يها مأخوذا. ذكر من قال ذلك:
6016ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: {وَمَنْ دَخَـلَهُ كَانَ آمِن} وهذا كان فـي الـجاهلـية, كان الرجل لو جرّ كل جريرة علـى نفسه ثم ألـجأ إلـى حرم الله, لـم يتناول ولـم يطلب¹ فأما فـي الإسلام, فإنه لا يـمنع من حدود الله, من سرق فـيه قُطع, ومن زنى فـيه أقـيـم علـيه الـحدّ, من قتل فـيه قُتل, وعن قتادة أن الـحسن كان يقول: إن الـحرم لا يـمنع من حدود الله, لو أصاب حدّا فـي غير الـحرم فلـجأ إلـى الـحرم ولـم يـمنعه ذلك أن يقام علـيه الـحدّ, ورأى قتادة ما قاله الـحسن.
6017ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, قوله: {وَمَنْ دَخَـلَهُ كَانَ آمِن} قال: كان ذلك فـي الـجاهلـية, فأما الـيوم فإن سرق فـيه أحد قطع, وإن قتل فـيه قتل, ولو قدر فـيه علـى الـمشركين قُتلوا.
6018ـ حدثنا سعيد بن يحيـى الأموي, قال: حدثنا عبد السلام بن حرب, قال: حدثنا خصيف, عن مـجاهد فـي الرجل يقتل, ثم يدخـل الـحرم, قال: يؤخذ فـيخرج من الـحرم, ثم يقام علـيه الـحدّ. يقول: القتل.
6019ـ حدثنا مـحمد بن الـمثنى, قال: حدثنا مـحمد بن جعفر, عن شعبة, عن حماد, مثل قول مـجاهد.
6020ـ حدثنا أبو كريب وأبو السائب, قالا حدثنا ابن إدريس, قال: أخبرنا هشام, عن الـحسن وعطاء فـي الرجل يصيب الـحدّ, ويـلـجأ إلـى الـحرم: يخرج من الـحرم فـيقام علـيه الـحد.
فتأويـل الاَية علـى قول هؤلاء: فـيه آيات بـينات مقام إبراهيـم, والذي دخـله من الناس كان آمنا بها فـي الـجاهلـية.
وقال آخرون: معنى ذلك: ومن يدخـله يكن آمنا بها, بـمعنى الـجزاء, كنـحو قول القائل: من قام لـي أكرمته: بـمعنى من يقم لـي أكرمه. وقالوا: هذا أمر كان فـي الـجاهلـية, كان الـحرم مفزع كل خائف, وملـجأ كلّ جانٍ, لأنه لـم يكن يُهاج له ذو جريرة, ولا يعرض الرجل فـيه لقاتل أبـيه وابنه بسوء. قالوا: وكذلك هو فـي الإسلام, لأن الإسلام زاده تعظيـما وتكريـما. ذكر من قال ذلك:
6021ـ حدثنـي مـحمد بن عبد الـملك بن أبـي الشوارب, قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا خصيف, قال حدثنا مـجاهد, قال: قال ابن عبـاس: إذا أصاب الرجل الـحدّ قَتل أو سَرق, فدخـل الـحرم, ولـم يبـايع ولـم يؤو حتـى يتبرّم فـيخرج من الـحرم, فـيقام علـيه الـحدّ. قال: فقلت لابن عبـاس: ولكنـي لا أرى ذلك, أرى أن يؤخذ برْمّته, ثم يخرج من الـحرم, فـيقام علـيه الـحدّ, فإن الـحرم لا يزيده إلا شدة.
6022ـ حدثنا أبو كريب وأبو السائب, قالا: حدثنا ابن إدريس, قال: حدثنا عبد الـملك, عن عطاء, قال: أخذ ابن الزبـير سعدا مولـى معاوية, وكان فـي قلعة بـالطائف, فأرسل إلـى ابن عبـاس من يشاوره فـيهم, إنهم لنا عين, فأرسل إلـيه, ابن عبـاس: لو وجت قاتل أبـي لـم أعرض له. قال: فأرسل إلـيه, ابن الزبـير: ألا نـخرجهم من الـحرم؟ قال: فأرسل إلـيه ابن عبـاس: أفلا قبل أن تدخـلهم الـحرم؟ زاد أبو السائب فـي حديثه فأخرجه فصلبهم, ولـم يصغ إلـى قول ابن عبـاس.
6023ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا هشيـم, قال: أخبرنا حجاج, عن عطاء, عن ابن عبـاس, قال: من أحدث حدثا فـي غير الـحرم ثم لـجأ إلـى الـحرم ولـم يعرض له ولـم يبـايع ولـم يكلـم ولـم يؤو حتـى يخرج من الـحرم, فإذا خرج من الـحرم أُخذ فأقـيـم علـيه الـحدّ. قال: ومن أحدث فـي الـحرم حدثا أقـيـم علـيه الـحدّ.
حدثنا أبو كريب قال: حدثنا إبراهيـم بن إسماعيـل بن نصر السلـمي, عن ابن أبـي حبـيبة, عن داود بن حصين, عن عكرمة, عن ابن عبـاس أنه قال: من أحدث حدثا ثم استـجار بـالبـيت فهو آمن, ولـيس للـمسلـمين أن يعاقبوه علـى شيء إلـى أن يخرج, فإذا خرج أقاموا علـيه الـحدّ.
6024ـ حدثنـي يعقوب, قال: حدثنا هشيـم, قال: حدثنا حجاج, عن عطاء, عن ابن عمر, قال: لو وجدت قاتل عمر فـي الـحرم ما هِجْتُه.
6025ـ حدثنا أبو كريب وأبو السائب, قالا: حدثنا ابن إدريس, قال: حدثنا لـيث, عن عطاء: أن الولـيد بن عتبة أراد أن يقـيـم الـحدّ فـي الـحرم, فقال له عبـيد بن عمير: لا تقم علـيه الـحدّ فـي الـحرم إلا أن يكون أصابه فـيه.
6026ـ حدثنا أبو كريب وأبو السائب, قالا: حدثنا ابن إدريس, قال: أخبرنا مطرف, عن عامر, قال: إذا أصاب الـحدّ, ثم هرب إلـى الـحرم, فقد أمن, فإذا أصابه فـي الـحرم أقـيـم علـيه الـحد فـي الـحرم.
6027ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا مؤمل, قال: حدثنا سفـيان, عن فراس, عن الشعبـي, قال: من أصاب حدا فـي الـحرم ومن أصابه خارجا من الـحرم ثم دخـل الـحرم, لـم يكلـم ولـم يبـايع حتـى يخرج من الـحرم, فـيقام علـيه.
6028ـ حدثنا سعيد بن يحيـى الأموي, قال: حدثنا عبد السلام بن حرب, قال: حدثنا عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبـير, وعن عبد الـملك, عن عطاء بن أبـي ربـاح فـي الرجل يقتل, ثم يدخـل الـحرم, قال: لا يبـيعه أهل مكة, ولا يشترون منه, ولا يسقونه ولا يطعمونه, ولا يؤوونه ـ عدّ أشياء كثـيرة ـ حتـى يخرج من الـحرم, فـيؤخذ بذنبه.
6029ـ حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبـير عن ابن عبـاس: أن الرجل إذا أصاب حدّا ثم دخـل الـحرم أنه لا يطعم, ولا يسقـى, ولا يؤوى, ولا يكلـم, ولا ينكح, ولا يبـايع, فإذا خرج منه أقـيـم علـيه الـحدّ.
حدثنـي الـمثنى, قال: ثنـي حجاج, قال: حدثنا حماد, عن عمرو بن دينار, عن ابن عبـاس, قال: إذا أحدث الرجل حدثا, ثم دخـل الـحرم, لـم يؤو, ولـم يجالس, ولـم يبـايع, ولـم يطعم, ولـم يسق, حتـى يخرج من الـحرم.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا حجاج, قال: حدثنا حماد, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, مثله.
6030ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: أما قوله: {وَمَنْ دَخَـلَهُ كَانَ آمِن}: فلو أن رجلاً قتل رجلاً, ثم أتـى الكعبة فعاذ بها, ثم لقـيه أخو الـمقتول لـم يحلّ له أبدا أن يقتله.
وقال آخرون: معنى ذلك: ومن دخـله يكن آمنا من النار. ذكر من قال ذلك:
6031ـ حدثنا علـيّ بن مسلـم, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: أخبرنا رزيق بن مسلـم الـمخزومي, قال: حدثنا زياد ابن أبـي عياض, عن يحيـى بن جعدة, فـي قوله: {وَمَنْ دَخَـلَهُ كَانَ آمِن} قال: آمنا من النار.
وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب, قول ابن الزبـير ومـجاهد والـحسن, ومن قال معنى ذلك: ومن دخـله من غيره مـمن لـجأ إلـيه عائذا به كان آمنا ما كان فـيه, ولكنه يخرج منه فـيقام عيه الـحدّ إن كان أصاب ما يستوجبه فـي غيره ثم لـجأ إلـيه, وإن كان أصابه فـيه أقـيـم علـيه فـيه.
فتأويـل الاَية إذا: فـيه آيات بـينات مقام إبراهيـم, ومن يدخـله من الناس مستـجيرا به يكن آمنا مـما استـجار منه ما كان فـيه, حتـى يخرج منه.
فإن قال قائل: وما منعك من إقامة الـحدّ علـيه فـيه؟ قـيـل: لاتفـاق جميع السلف علـى أن من كانت جريرته فـي غيره ثم عاذ به, فإنه لا يؤخذ بجريرته فـيه.
وإنـما اختلفوا فـي صفة إخراجه منه لأخذه بها, فقال بعضهم: صفة ذلك منعه الـمعانـي التـي يضطر مع منعه وفقده إلـى الـخروج منه.
وقال آخرون: لا صفة لذلك غير إخراجه منه بـما أمكن إخراجه من الـمعانـي التـي توصل إلـى إقامة حدّ الله معها, فلذلك قلنا: غير جائز إقامة الـحدّ علـيه فـيه إلا بعد إخراجه منه. فأما من أصاب الـحدّ فـيه, فإنه لا خلاف بـين الـجميع فـي أنه يقام علـيه فـيه الـحدّ, فكلتا الـمسألتـين أصل مـجمع علـى حكمها علـى ما وصفنا.
فإن قال لنا قائل: وما دلالتك علـى أن إخراج العائذ بـالبـيت إذا أتاه مستـجيرا به من جريرة جرّها أو من حدّ أصابه من الـحرم جائز لإقامة الـحدّ علـيه وأخذه بـالـجريرة, وقد أقررت بأن الله عزّ وجلّ قد جعل من دخـله آمنا, ومعنى الاَمن غير معنى الـخائف, فـيـما هما فـيه مختلفـان؟ قـيـل: قلنا ذلك لإجماع الـجميع من الـمتقدمين والـمتأخرين من علـماء الأمة, علـى أن إخراج العائذ به من جريرة أصابها أو فـاحشة أتاها وجبت علـيه به عقوبة منه ببعض معانـي الإخراج لأخذه بـما لزمه, واجبٌ علـى إمام الـمسلـمين وأهل الإسلام معه.
وإنـما اختلفوا فـي السبب الذي يخرج به منه, فقال بعضهم: السبب الذي يجوز إخراجه به منه ترك جميع الـمسلـمين مبـايعته وإطعامه وسقـيه وإيواءة وكلامه وما أشبه ذلك من الـمعانـي التـي لا قرار للعائذ به فـيه مع بعضها, فكيف مع جميعها؟ وقال آخرون منهم: بل إخراجه لإقامة ما لزمه من العقوبة واجب بكل معانـي الإخراج. فلـما كان إجماعا من الـجميع علـى أن حكم الله ـ فـيـمن عاذ بـالبـيت من حدّ أصابه أو جريرة جرّها ـ إخراجه منه لإقامة ما فرض الله علـى الـمؤمنـين إقامته علـيه, ثم اختلفوا فـي السبب الذي يجوز إخراجه به منه كان اللازم لهم ولإمامهم إخراجه منه بأيّ معنى أمكنهم إخراجه منه حتـى يقـيـموا علـيه الـحدّ الذي لزمه خارجا منه إذا كان لـجأ إلـيه من خارج علـى ما قد بـينا قبل.
وبعد: فإن الله عزّ وجلّ لـم يضع حدا من حدوده عن أحد من خـلقه من أجل بقعة وموضع صار إلـيها من لزمه ذلك. وقد تظاهرت الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنّـي حَرّمْتُ الـمَدِينَةَ كَمَا حَرّمَ إبْرَاهِيـمَ مَكّةَ». ولا خلاف بـين جميع الأمة أن عائذا لو عاذ من عقوبة لزمته بحرم النبـي صلى الله عليه وسلميؤاخذ بـالعقوبة فـيه. ولولا ما ذكرت من إجماع السلف علـى أن حرم إبراهيـم لا يقام فـيه علـى من عاذ به من عقوبة لزمته حتـى يخرج منه ما لزمه, لكان أحقّ البقاع أن تؤدى فـيه فرائض الله التـي ألزمها عبـاده من قتل أو غيره, أعظم البقاع إلـى الله كحرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم, ولكنا أمرنا بإخراج من أمرنا بإخراجه من حرم الله لإقامة الـحدّ لـما ذكرنا من فعل الأمة ذلك وراثة.
فمعنى الكلام إذْ كان الأمر علـى ما وصفنا: ومن دخـله كان آمنا ما كان فـيه. فإذا كان ذلك كذلك, فمن لـجأ إلـيه من عقوبة لزمته عائذا به, فهو آمن ما كان به حتـى يخرج منه. وإنـما يصير إلـى الـخوف بعد الـخروج أو الإخراج منه, فحينئذ هو غير داخـله, ولا هو فـيه.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَللّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل}.
يعنـي بذلك جل ثناؤه: وفرض واجب لله علـى من استطاع من أهل التكلـيف السبـيـل إلـى حجّ بـيته الـحرام الـحجّ إلـيه. وقد بـينا فـيـما مضى معنى الـحجّ ودللنا علـى صحة ما قلنا من معناه بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.
واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله عزّ وجلّ: {مَنِ اسْتَطاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل}, وما السبـيـل التـي يجب مع استطاعتها فرض الـحجّ؟ فقال بعضهم: هي الزاد والراحلة. ذكر من قال ذلك:
6032ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا مـحمد بن بكر, قال: أخبرنا ابن جريج, قال: قال عمر بن الـخطاب رضي الله عنه: {مَنِ اسْتَطاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل} قال: الزاد والراحلة.
6033ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا مـحمد بن بكر, قال: أخبرنا ابن جريج, قال: قال عمرو بن دينار: الزاد والراحلة.
6034ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن أبـي جناب, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: {مَنِ اسْتَطاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل} قال: الزاد والبعير.
6035ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله: {وَللّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل}, والسبـيـل: أن يصحّ بدن العبد, ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يُجْحِف به.
6036ـ حدثنا خلاد بن أسلـم, قال: حدثنا النضر بن شميـل, قال: أخبرنا إسرائيـل, عن أبـي عبد الله البجلـي, قال: سألت سعيد بن جبـير عن قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل} قال: قال ابن عبـاس: من ملك ثلثمائة درهم, فهو السبـيـل إلـيه.
6037ـ حدثنـي مـحمد بن سنان, قال: حدثنا أبو عاصم, عن إسحاق بن عثمان, قال: سمعت عطاء يقول: السبـيـل: الزاد والراحلة.
6038ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: أما من استطاع إلـيه سبـيلاً, فإن ابن عبـاس قال: السبـيـل: راحلة وزاد.
6039ـ حدثنـي الـمثنى, وأحمد بن حازم, قالا: حدثنا أبو نعيـم, قال: حدثنا سفـيان, عن مـحمد بن سوقة, عن سعيد بن جبـير: {مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل} قال: الزاد والراحلة.
6040ـ حدثنا أحمد بن حازم, قال: حدثنا أبو نعيـم, قال: أخبرنا الربـيع بن صبـيح, عن الـحسن, قال: الزاد والراحلة.
6041ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن الـحسن, قال: قرأ النبـيّ صلى الله عليه وسلم هذه الاَية: {وَلِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل} فقال رجل: يا رسول الله, ما السبـيـل؟ قال: «الزّادُ وَالرّاحِلَةُ».
واعتلّ قائلو هذه الـمقالة بأخبـار رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو ما قالوا فـي ذلك. ذكر الرواية بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
6042ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا إبراهيـم بن يزيد الـخوزي, قال: سمعت مـحمد بن عبـاد بن جعفر, يحدّث عن ابن عمر, قال: قام رجل إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: ما السبـيـل؟ قال: «الزّادُ وَالرّاحِلَةُ».
حدثنـي مـحمد بن سنان, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا سفـيان, عن إبراهيـم الـخوزي, عن مـحمد بن عبـاد, عن ابن عمر, أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم, قال فـي قوله عزّ وجلّ: {مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل} قال: «السّبِـيـلُ إلـى الـحَجّ الزّادُ وَالرّاحِلَةُ».
حدثنا حميد بن مسعدة, قال: حدثنا بشر بن الـمفضل, قال: حدثنا يونس, وحدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا ابن علـية, عن يونس, عن الـحسن, قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل} قالوا: يا رسول لله, ما السبـيـل؟ قال: «الزّادُ وَالرّاحِلَةُ».
6043ـ حدثنا أبو عثمان الـمقدميّ, والـمثنى بن إبراهيـم, قالا: حدثنا مسلـم بن إبراهيـم, قال: حدثنا هلال بن عبـيد الله مولـى ربـيعة بن عمرو بن مسلـم البـاهلـي, قال: حدثنا أبو إسحاق, عن الـحرث, عن علـيّ, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم, قال: «مَنْ مَلَكَ زَادا وَرَاحِلَةً تُبَلّغُهُ إلـى بَـيْتِ اللّهِ فَلَـمْ يَحُجّ فَلا عَلَـيْهِ أنْ يـمُوتَ يَهُودِيّا أوْ نَصْرَانِـيّا, وذَلِكَ أنّ الله عَزّ وجَلّ يَقُولُ فـي كِتَابِهِ: {وَلِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل}»... الاَية.
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, عن الـحسن, قال: بلغنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم, قال له قائل, أو رجل: يا رسول الله, ما السبـيـل إلـيه؟ قال: «مَنْ وَجَدَ زَدا وَرَاحِلَةً».
حدثنا أحمد بن الـحسن الترمذي, قال: حدثنا شاذ بن فـياض البصري, قال: حدثنا هلال بن هشام, عن أبـي إسحاق الهمدانـي, عن الـحرث, عن علـيّ بن أبـي طالب رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَلَكَ زادا وَرَاحِلَةً فَلَـمْ يَحُجّ ماتَ يُهودِيّا أوْ نَصْرَانِـيّا¹ وَذَلِكَ أنّ اللّهَ يَقُولُ فـي كِتَابِهِ: {وَلِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل}... الاَية.
حدثنـي أحمد بن حازم, قال: حدثنا أبو نعيـم, قال: حدثنا حماد بن سلـمة, عن قتادة وحميد, عن الـحسن, أن رجلاً قال: يا رسول الله, ما السبـيـل إلـيه؟ قال: «الزّادُ وَالرّاحِلَةُ».
حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا الـحجاج بن الـمنهال, قال: حدثنا حماد, عن قتادة, عن الـحسن, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم, مثله.
وقال آخرون: السبـيـل التـي إذا استطاعها الـمرء كان علـيه الـحجّ: الطاقة للوصول إلـيه. قال: وذلك قد يكون بـالـمشي وبـالركوب, وقد يكون مع وجودهما العجز عن الوصول إلـيه, بـامتناع الطريق من العدوّ الـحائل, وبقلة الـماء وما أشبه ذلك. قالوا: فلا بـيان فـي ذلك أبـين مـما بـينه الله عزّ وجلّ بأن يكون مستطيعا إلـيه السبـيـل, وذلك الوصول إلـيه بغير مانع ولا حائل بـينه وبـينه, وذلك قد يكون بـالـمشي وحده, وإن أعوزه الـمركب, وقد يكون بـالـمركب وغير ذلك. ذكر من قال ذلك:
6044ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: حدثنا سفـيان, عن خالد بن أبـي كريـمة, عن رجل, عن ابن الزبـير, قوله: {وَلِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل} قال: علـى قدر القوّة.
6045ـ حدثنا يحيـى بن أبـي طالب, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا جويبر, عن الضحاك فـي قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل} قال: الزاد والراحلة, فإن كان شابـا صحيحا لـيس له مال, فعلـيه أن يؤاجر نفسه بأكله وعقبه حتـى يقضي حجته. فقال له قائل: كلف الله الناس أن يـمشوا إلـى البـيت؟ فقال: لو أن لبعضهم ميراثا بـمكة أكان تاركه؟ والله لأنطلق إلـيه ولو حبوا! كذلك يجب علـيه الـحجّ.
6046ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا مـحمد بن بكر, قال: أخبرنا ابن جريج, قال: قال عطاء: من وجد شيئا يبلغه فقد وجد سبـيلاً, كما قال الله عزّ وجلّ: {مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل}.
6047ـ حدثنا أحمد بن حازم, قال: حدثنا أبو نعيـم, قال: حدثنا أبو هانىء, قال: سئل عامر عن هذه الاَية: {وَلِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل} قال: السبـيـل: ما يسّره الله.
6048ـ حدثنـي مـحمد بن سنان, قال: حدثنا أبو بكر الـحنفـي, قال: حدثنا عبـاد, عن الـحسن: من وجد شيئا يبلغه فقد استطاع إلـيه سبـيلاً.
وقال آخرون: السبـيـل إلـى ذلك: الصحة. ذكر من قال ذلك:
6049ـ حدثنا مـحمد بن حميد ومـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم والـمثنى بن إبراهيـم, قالوا: حدثنا أبو عبد الرحمن الـمقري, قال: حدثنا حيوة بن شريح وابن لهيعة, قالا: أخبرنا شرحبـيـل بن شريك الـمعافري أنه سمع عكرمة مولـى ابن عبـاس يقول فـي هذه الاَية: {ولِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل} قال: السبـيـل: الصحة.
وقال آخرون بـما:
6050ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قول الله عزّ وجلّ: {وَلِلّهِ علـى النّاسَ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل} قال: من وجد قوّة فـي النفقة والـجسد والـحُمْلان, قال: وإن كان فـي جسده ما لا يستطيع الـحجّ فلـيس علـيه الـحجّ, وإن كان له قوّة فـي مال, كما إذا كان صحيح الـجسد ولا يجد مالاً ولا قوّة, يقولون: لا يكلف أن يـمشي.
وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب, قول من قال بقول ابن الزبـير وعطاء, إن ذلك علـى قدر الطاقة, لأن السبـيـل فـي كلام العرب: الطريق, فمن كان واجدا طريقا إلـى الـحجّ لا مانع له منه من زمانة, أو عجز, أو عدوّ, أو قلة ماء فـي طريقه, أو زاد, وضعف عن الـمشي, فعلـيه فرض الـحجّ لا يجزيه إلا أداؤه فإن لـم يكن واجدا سبـيلاً, أعنـي بذلك: فإن لـم يكن مطيقا الـحجّ بتعذّر بعض هذه الـمعانـي التـي وصفناها علـيه, فهو مـمن لا يجد إلـيه طريقا, ولا يستطيعه, لأن الاستطاعة إلـى ذلك هو القدرة علـيه, ومن كان عاجزا عنه ببعض الأسبـاب التـي ذكرنا أو بغير ذلك, فهو غير مطيق ولا مستطيع إلـيه السبـيـل.
وإنـما قلنا هذه الـمقالة أولـى بـالصحة مـما خالفها, لأن الله عزّ وجلّ لـم يخصص إذ ألزم الناس فرض الـحجّ بعض مستطيعي السبـيـل إلـيه بسقوط فرض ذلك عنه فذلك علـى كل مستطيع إلـيه سبـيلاً بعموم الاَية. فأما الأخبـار التـي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي ذلك بأنه الزاد والراحلة, فإنها أخبـار فـي أسانـيدها نظر, لا يجوز الاحتـجاج بـمثلها فـي الدين.
واختلف القراء فـي قراءة الـحجّ, فقرأ ذلك جماعة من قراء أهل الـمدينة والعراق بـالكسر: {وَلِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ}, وقرأ ذلك جماعة أخر منهم بـالفتـح: «وَلِلّهِ علـى النّاسِ حَجّ البَـيْتِ» وهما لغتان معروفتان للعرب, فـالكسر لغة أهل نـجد, والفتـح لغة أهل العالـية, ولـم نر أحدا من أهل العربـية ادّعى فرقا بـينهما فـي معنى ولا غيره غير ما ذكرنا من اختلاف اللغتـين, إلا ما:
6051ـ حدثنا به أبو هشام الرفـاعي, قال: قال حسين الـجعفـي: الـحَجّ مفتوح: اسم, والـحِجّ مكسور: عمل.
وهذا قول لـم أر أهل الـمعرفة بلغات العرب ومعانـي كلامهم يعرفونه, بل رأيتهم مـجمعين علـى ما وصفت من أنهما لغتان بـمعنى واحد. والذي نقول به فـي قراءة ذلك, أن القراءتـين إذ كانتا مستفـيضتـين فـي قراءة أهل الإسلام, ولا اختلاف بـينهما فـي معنى ولا غيره, فهما قراءتان قد جاءتا مـجيء الـحجة, فبأيّ القراءتـين ـ أعنـي بكسر الـحاء من الـحجّ أو فتـحها ـ قرأ القارىء فمصيب الصواب فـي قراءته.
وأما «مَنِ» التـي مع قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ} فإنه فـي موضع خفض علـى الإبدال من الناس, لأن معنى الكلام: ولله علـى من استطاع من الناس سبـيلاً إلـى حجّ البـيت حجه¹ فلـما تقدم ذكر الناس قبل «مَن» بـين بقوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل}, الذي علـيه فرض ذلك منهم, لأن فرض ذلك علـى بعض الناس دون جميعهم.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَنْ كَفَرَ فإنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ}.
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ومن جحد ما ألزمه الله من فرض حجّ بـيته, فأنكره وكفر به, فإن الله غنـيّ عنه, وعن حجه وعمله, وعن سائر خـلقه من الـجنّ والإنس. كما:
6052ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد, عن الـحجاج بن أرطاة, عن مـحمد بن أبـي الـمـجالد, قال: سمعت مقسما, عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَمَنْ كَفَرَ} قال: من زعم أنه لـيس بفرض علـيه.
6053ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا هشيـم, قال: أخبرنا الـحجاج, عن عطاء وجويبر, عن الضحاك فـي قوله: {وَمَنْ كَفَرَ فإنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ} قالا: من جحد الـحجّ وكفر به.
6054ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا هشيـم, عن الـحجاج بن أرطاة, عن عطاء, قال: من جحد به.
6055ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا عمران القطان, يقول: من زعم أن الـحجّ لـيس علـيه.
6056ـ حدثنا مـحمد بن سنان, قال: حدثنا أبو بكر, عن عبـاد, عن الـحسن فـي قوله: {وَمَنْ كَفَرَ فإنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ} قال: من أنكره, ولا يرى أن ذلك علـيه حقا, فذلك كفر.
6057ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: {وَمَنْ كَفَرَ} قال: من كفر بـالـحجّ.
حدثنا عبد الـحميد بن بـيان, قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف, عن أبـي بشر, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قوله: {وَمَنْ كَفَرَ فإنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ} قال: من كفر بـالـحجّ كفر بـالله.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا يعلـى بن أسد, قال: حدثنا خالد, عن هشام بن حسان, عن الـحسن فـي قول الله عزّ وجلّ: {وَلِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَـيْهِ سَبِـيلاً وَمَنْ كَفَرَ} قال: من لـم يره علـيه واجبـا.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: {وَمَنْ كَفَرَ} قال بـالـحجّ.
وقال آخرون: معنى ذلك: أن لا يكون معتقدا فـي حجه أن له الأجر علـيه, ولا أن علـيه بتركه إثما ولا عقوبة. ذكر من قال ذلك:
6058ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا ابن علـية, قال: أخبرنا ابن جريج, قال: ثنـي عبد الله بن مسلـم, عن مـجاهد, فـي قوله: {وَمَنْ كَفَرَ فإنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ} قال: هو ما إن حجّ لـم يره بِرّا, وإن قعد لـم يره مأثما.
حدثنا عبد الـحميد بن بـيان, قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف, عن ابن جريج, عن مـجاهد, قال: هو ما إن حجّ لـم يره بِرّا, وإن قعد لـم يره مأثما.
6059ـ حدثنـي أحمد بن حازم, قال: حدثنا أبو نعيـم, قال: حدثنا مطر, عن أبـي داود نفـيع, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «{وَلِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَـيْهِ سَبِـيلاً وَمَنْ كَفَرَ فإنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ}» فقام رجل من هذيـل, فقال: يا رسول الله من تركه كفر؟ قال: «مَنْ تَرَكَهُ وَلاَ يخافُ عُقُوبَتَهُ, وَمَنْ حَجّ وَلا يَرْجُو ثَوَابَهُ, فَهُوَ ذَاكَ».
6060ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس: {وَمَنْ كَفَرَ فإنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ} يقول: من كفر بـالـحجّ, فلـم ير حجه برّا, ولا تركه مأثما.
وقال آخرون: معنى ذلك: ومن كفر بـالله والـيوم الاَخر. ذكر من قال ذلك:
6061ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن مـجاهد, قال: سألته عن قوله: {وَمَنْ كَفَرَ فإنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ} ما هذا الكفر؟ قال: من كفر بـالله والـيوم الاَخر.
حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: حدثنا سفـيان, عن منصور, عن مـجاهد, فـي قوله: {وَمَنْ كَفَرَ} قالَ من كفر بـالله والـيوم الاَخر.
6062ـ حدثنا يحيـى بن أبـي طالب, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا جويبر, عن الضحاك فـي قوله: {وَلِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل} قال: لـما نزلت آية الـحجّ جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم, فقال: «يا أيّها النّاسُ إنّ اللّهَ عَزّ وجَلّ كَتَبَ عَلَـيْكُمُ الـحَجّ فَحُجّوا!» فآمنت به ملة واحدة, وهي من صدّق النبـيّ صلى الله عليه وسلم وآمن به, وكفرت به خمس ملل, قالوا: لا نؤمن به, ولا نصلـي إلـيه, ولا نستقبله. فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَمَنْ كَفَرَ فإنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ}.
6063ـ حدثنـي أحمد بن حازم, قال: أخبرنا أبو نعيـم, قال: حدثنا أبو هانىء, قال: سئل عامر, عن قوله: {وَمَنْ كَفَرَ} قال: من كفر من الـخـلق, فإن الله غنـيّ عنه.
6064ـ حدثنـي مـحمد بن سنان, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا سفـيان, عن إبراهيـم, عن مـحمد بن عبـاد, عن ابن عمر, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم, فـي قول الله: {وَمَنْ كَفَرَ} قال: «مَنْ كَفَرَ بـالله والَـيْومِ الاَخِرِ».
6065ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن عكرمة مولـى ابن عبـاس فـي قول الله عزّ وجلّ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِين} فقالت الـملل: نـحن مسلـمون! فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَـيْهِ سَبِـيلاً وَمَنْ كَفَرَ فإنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ} فحجّ الـمؤمنون, وقعد الكفـار.
وقال آخرون: معنى ذلك: ومن كفر بهذه الاَيات التـي فـي مقام إبراهيـم. ذكر من قال ذلك:
6066ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَمَنْ كَفَرَ فإنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ}. فقرأ {إنّ أوّلَ بَـيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ مُبـارَك} فقرأ حتـى بلغ: {مَنِ اسْتَطَاعَ إلَـيْهِ سَبِـيلاً وَمَنْ كَفَرَ} قال: من كفر بهذه الاَيات, {فإنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ}. لـيس كما يقولون: إذا لـم يحجّ وكان غنـيا وكانت له قوّة فقد كفر بها. وقال قوم من الـمشركين: فإنا نكفر بها ولا نفعل, فقال الله عزّ وجلّ: {فإنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ}.
وقال آخرون بـما:
6067ـ حدثنـي إبراهيـم بن عبد الله بن مسلـم, قال: أخبرنا أبو عمر الضرير, قال: حدثنا حماد, عن حبـيب بن أبـي بقـية, عن عطاء بن أبـي ربـاح, فـي قوله: {وَمَنْ كَفَرَ فإنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ} قال: من كفر بـالبـيت.
وقال آخرون: كفره به: تركه إياه حتـى يـموت. ذكر من قال ذلك:
6068ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين, قال: ثنـي أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, أما من كفر فمن وجد ما يحجّ به ثم لا يحجّ, فهو كافر.
وأولـى التأويلات بـالصواب فـي ذلك قول من قال: معنى {وَمَنْ كَفَرَ}: ومن جحد فرض ذلك وأنكر وجوبه, فإن الله غنـيّ عنه وعن حجه وعن العالـمين جميعا.
وإنـما قلنا ذلك أولـى به, لأن قوله: {وَمَنْ كَفَرَ} بعقب قوله: {وَلِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَـيْهِ سَبِـيل} بأن يكون خبرا عن الكافر بـالـحجّ, أحقّ منه بأن يكون خبرا عن غيره, مع أن الكافر بفرض الـحجّ علـى من فرضه الله علـيه بـالله كافر, وإن الكفر أصله الـجحود, ومن كان له جاحدا ولفرضه منكرا, فلا شكّ إن حجّ لـم يرج بحجه برّا, وإن تركه فلـم يحجّ لـم يره مأثما. فهذه التأويلات وإن اختلفت العبـارات بها فمتقاربـات الـمعانـي.
الآية : 98
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ }
يعنـي بذلك: يا معشر يهود بنـي إسرائيـل وغيرهم من سائر من ينتـحل الديانة بـما أنزل الله عزّ وجلّ من كتبه, مـمن كفر بـمـحمد صلى الله عليه وسلم, وجحد نبوّته¹ لـم تـجحدون بآيات الله؟ يقول: لـم تـجحدون حجج الله التـي آتاها مـحمدا فـي كتبكم وغيرها, التـي قد ثبتت علـيكم بصدقه ونبوّته وحُجّته.«وأنتـم تعلـمون», يقول: لـم تـجحدون ذلك من أمره, وأنتـم تعلـمون صدقه. فأخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم معتـمدون الكفر بـالله وبرسوله, علـى علـم منهم ومعرفة من كفرهم. وقد:
6069ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: {يا أهْلِ الكِتابِ لِـمَ تَكْفُرونَ بآياتِ اللّهِ} أما آيات الله: فمـحمد صلى الله عليه وسلم.
6070ـ حدثنـي مـحمد بن سنان, قال: حدثنا أبو بكر, قال: حدثنا عبـاد, عن الـحسن فـي قوله: {يا أهْلَ الكِتَابِ لِـمَ تَكْفُرُونَ بآياتِ اللّهِ واللّهُ شَهِيدٌ علـى ما تَعْمَلُونَ} قال: هم الـيهود والنصارى.
الآية : 99
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ }
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: يا معشر يهود بنـي إسرائيـل وغيرهم مـمن ينتـحل التصديق بكتب الله, {لِـمَ تَصُدّونَ عَنْ سَبـيـلِ اللّهِ} يقول: لـم تضلون عن طريق الله ومـحجته التـي شرعها لأنبـيائه وأولـيائه وأهل الإيـمان {مَنْ آمَنَ} يقول: من صدّق بـالله ورسوله, وما جاء به من عند الله {تَبْغُونَها عِوَج} يعنـي تبغون لها عوجا والهاء والألف اللتان فـي قوله: {تَبْغُونَه} عائدتان علـى السبـيـل, وأنثها لتأنـيث السبـيـل.
ومعنى قوله: تبغون لها عوجا, من قول الشاعر, وهو سحيـم عبد بنـي الـحساس:
بغَاكَ وَما تَبْغِيهِ حتـى وَجَدْتَهُكأنّكَ قد وَاعَدْتَهُ أمْسِ مَوْعِدَا
يعنـي طلبك وما تطلبه يقال: ابغنـي كذا¹ يراد: ابتغه لـي, فإذا أرادوا: أعنّـي علـى طلبه, وابتغه معي قالوا: أبْغنـي بفتـح الألف, وكذلك يقال: احْلُبنـي, بـمعنى: اكفنـي الـحلب وأحْلِبْنـي: أعنـي علـيه, وكذلك جميع ما ورد من هذا النوع فعلـى هذا.
وأما العِوَجُ: فهو الأوَدُ والـميـل, وإنـما يعنـي بذلك الضلال عن الهدى يقول جلّ ثناؤه: {ولِـمَ تَصُدّون}عن دين الله من صدّق الله ورسوله, تبغون دين الله اعوجاجا عن سننه واستقامته وخرج الكلام علـى السبـيـل, والـمعنى لأهله, كأن الـمعنى: تبغون لأهل دين الله, ولـمن هو علـى سبـيـل الـحقّ عوجا, يقول: ضلالاً عن الـحقّ وزيغا عن الاستقامة علـى الهدى والـمـحجة. والعِوَج بكسر أوله: الأود فـي الدين والكلام, والعَوَج بفتـح أوله: الـميـل فـي الـحائط والقناة وكل شيء منتصب قائم.
وأما قوله: {وأنْتُـمْ شُهَدَاءُ} فإنه يعنـي: شهداء علـى أن الذي تصدّون عنه من السبـيـل حق تعلـمونه وتـجدونه فـي كتبكم. {وَما اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْلَـمُونَ} يقول: لـيس الله بغافل عن أعمالكم التـي تعلـمونها مـما لا يرضاه لعبـاده, وغير ذلك من أعمالكم حتـى يعاجلكم بـالعقوبة علـيها معجلة, أو يؤخر ذلك لكم, حتـى تلقوه, فـيجازيكم علـيها.
وقد ذكر أن هاتـين الاَيتـين من قوله: {يا أهْلِ الكِتَابِ لِـمَ تَكْفُرُونَ بآياتِ اللّهِ} والاَيات بعدهما إلـى قوله: {فأُولَئِكَ لَهُم عَذَابٌ عَظِيـمٌ} نزلت فـي رجل من الـيهود حاول الإغراء بـين الـحيـين من الأوس والـخزرج بعد الإسلام, لـيراجعوا ما كانوا علـيه فـي جاهلـيتهم من العداوة والبغضاء, فعنفه الله بفعله ذلك وقبح له ما فعل ووبخه علـيه, ووعظ أيضا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ونهاهم عن الافتراق والاختلاف, وأمرهم بـالاجتـماع والائتلاف. ذكر الرواية بذلك:
6071ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن مـحمد بن إسحاق, قال: ثنـي الثقـفة, عن زيد بن أسلـم, قال: مرّ شاس بن قـيس, وكان شيخا قد عسا فـي الـجاهلـية, عظيـم الكفر, شديد الضغن علـى الـمسلـمين شديد الـحسد لهم, علـى نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والـخزرج فـي مـجلس قد جمعهم يتـحدّثون فـيه. فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بـينهم علـى الإسلام بعد الذي كان بـينهم من العداوة فـي الـجاهلـية, فقال: قد اجتـمع ملأ بنـي قـيـلة بهذه البلاد, والله ما لنا معهم إذا اجتـمع ملؤهم لها من قرار فأمر فتـى شابا من الـيهود وكان معه, فقال: اعمد إلـيهم, فـاجلس معهم وذكرهم يوم بُعاث وما كان قبله, وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فـيه من الأشعار. وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فـيه الأوس والـخزرج, وكان الظفر فـيه للأوس علـى الـخزرج. ففعل, فتكلـم القوم عند ذلك, فتنازعوا وتفـاخروا حتـى تواثب رجلان من الـحيـين علـى الركب أوس بن قـيظي أحد بنـي حارثة بن الـحرث من الأوس وجبـار بن صخر أحد بنـي سلـمة من الـخزرج, فتقاولا, ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتـم والله رددناها الاَن جَذَعَةً. وغضب الفريقان, وقالوا: قد فعلنا السلاحَ السلاحَ موعدكم الظاهرة ـ والظاهرة: الـحَرّة ـ فخرجوا إلـيها وتـحاور الناس, فـانضمت الأوس بعضها إلـى بعض, والـخزرج بعضها إلـى بعض علـى دعواهم التـي كانوا علـيها فـي الـجاهلـية. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, فخرج إلـيهم فـيـمن معه من الـمهاجرين من أصحابه حتـى جاءهم, فقال: «يا مَعشرَ الـمسلِـمينَ اللّهَ اللّهَ, أبدَعْوَى الـجاهلـيّةِ وأنَا بـينَ أظهرُكمْ بعدَ إذْ هداكُمُ اللّهُ إلـى الإسلامِ, وأكرَمكُمْ بهِ, وقطعَ بهِ عَنْكُمْ أمْرَ الـجاهلـيّةِ, واستنقذكُمْ بهِ مِنَ الكفرِ وألّفَ بهِ بَـينَكُمْ ترْجعونَ إلـى ما كُنْتـمْ علـيهِ كُفّـارا» فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان, وكيد من عدوّهم, فألقوا السلاح من أيديهم, وبكوا, وعانق الرجال من الأوس والـخزرج بعضهم بعضا. ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين, قد أطفأ الله عنهم كيد عدوّ الله شاس بن قـيس وما صنع فأنزل الله فـي شاس بن قـيس وما صنع {يا أهلَ الكِتَابِ لِـمَ تَكْفُرُونَ بآياتِ اللّهِ واللّهُ شَهِيدٌ علـى ما تَعْمَلُونَ يا أهْلَ الكِتابِ لِـمَ تَصُدّونَ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَج}... الاَية وأنزل الله عزّ وجلّ فـي أوس بن قـيظي وجبـار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا مـما أدخـل علـيهم شاس بن قـيس من أمر الـجاهلـية {يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقا مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ يَرُدّوكُمْ بَعْدَ إيـمانِكُمْ كافِرينَ} إلـى قوله: {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ}.
وقـيـل: إنه عنى بقوله: {يا أهْلَ الكِتابِ لِـمَ تَصُدّونَ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ} جماعة يهود بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـين أظهر مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام نزلت هذه الاَيات والنصارى, وأن صدّهم عن سبـيـل الله كان بإخبـارهم من سألهم عن أمر نبـيّ الله مـحمد صلى الله عليه وسلم, هل يجدون ذكره فـي كتبهم أنهم لا يجدون نعته فـي كتبهم. ذكر من قال ذلك:
6072ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: {يا أهْلَ الكِتابِ لِـمَ تَصُدّونَ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُوَنها عِوَج} كانوا إذا سألهم أحد: هل تـجدون مـحمدا؟ قالوا: لا! فصدّوا عنه الناس, وبغوا مـحمدا عوجا: هلاكا.
6073ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: {يا أهْلَ الكِتابِ لِـمَ تَصُدّونَ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ} يقول: لـم تصدون عن الإسلام, وعن نبـي الله ومن آمن بـالله, وأنتـم شهداء فـيـما تقرءون من كتاب الله أن مـحمدا رسول الله, وأن الإسلام دين الله الذي لا يقبل غيره ولا يجزي إلا به, تـجدونه مكتوبا عندكم فـي التوراة والإنـجيـل.
6074ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, نـحوه.
6075ـ حدثنا مـحمد بن سنان, قال: حدثنا أبو بكر, قال: حدثنا عبـاد, عن الـحسن فـي قوله: {قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِـمَ تَصُدّونَ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ} قال: هم الـيهود والنصارى, نهاهم أن يصدوا الـمسلـمين عن سبـيـل الله, ويريدون أن يعدلوا الناس إلـى الضلالة.
فتأويـل الاَية ما قاله السديّ: يا معشر الـيهود لـم تصدّون عن مـحمد, وتـمنعون من اتبـاعه الـمؤمنـين بكتـمانكم صفته التـي تـجدونها فـي كتبكم. ومـحمد علـى هذا القول: هو السبـيـل {تَبْغُونَها عِوَج}: تبغون مـحمدا هلاكا. وأما سائر الروايات غيره والأقوال فـي ذلك, فإنه نـحو التأويـل الذي بـيناه قبل, من أن معنى السبـيـل التـي ذكرها فـي هذا الـموضع الإسلام وما جاء به مـحمد من الـحقّ من عند الله.
الآية : 100
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ }
اختلف أهل التأويـل فـيـمن عنى بذلك, فقال بعضهم: عنى بقوله: {يا أيّها الّذِين آمَنُو} الأوس والـخزرج, وبـالذين أوتوا الكتاب: شاس بن قـيس الـيهودي, علـى ما قد ذكرنا قبل من خبره عن زيد بن أسلـم.
وقال آخرون: فـيـمن عُنـي بـالذين آمنوا, مثل قول زيد بن أسلـم, غير أنهم قالوا: الذي جرى الكلام بـينه وبـين غيره من الأنصار حتـى هموا بـالقتال ووجدوا الـيهودي به مغمزا فـيهم ثعلبة بن عنـمة الأنصاري. ذكر من قال ذلك:
6076ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ {يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقا مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ يَرُدّوكُمْ بَعْدَ إيـمانِكُمْ كافِرِينَ} قال: نزلت فـي ثعلبة بن عنـمة الأنصاري, كان بـينه وبـين أناس من الأنصار كلام, فمشى بـينهم يهودي من قـينقاع, فحمل بَعْضَهُم علـى بعضٍ حتـى همت الطائفتان من الأوس والـخزرج أن يحملوا السلاح فـيقاتلوا, فأنزل الله عز وجل: {إنْ تُطِيعُوا فَرِيقا مِنَ الّذِينَ أُؤتُوا الكِتَابَ يَرُدّوكُمْ بَعْدَ إيـمانِكُمْ كافِرِينَ} يقول: إن حملتـم السلاح فـاقتتلتـم كفرتـم.
6077ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا جعفر بن سلـيـمان, عن حميد الأعرج عن مـجاهد فـي قوله: {يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقا مِنَ الّذِينَ أُؤتُوا الكِتَابَ} قال: كان جماع قبـائل الأنصار بطنـين الأوس والـخزرج, وكان بـينهما فـي الـجاهلـية حرب ودماء وشنآن, حتـى منّ الله علـيهم بـالإسلام وبـالنبـي صلى الله عليه وسلم, فأطفأ الله الـحرب التـي كانت بـينهم, وألّف بـينهم بـالإسلام قال: فبـينا رجل من الأوس ورجل من الـخزرج قاعدان يتـحدثان, ومعهما يهودي جالس, فلـم يزل يذكّرهما أيامهما والعداوة التـي كانت بـينهم, حتـى استبّـا, ثم اقتتلا. قال: فنادى هذا قومه, وهذا قومه, فخرجوا بـالسلاح, وصفّ بعضهم لبعض. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد يومئذ بـالـمدينة, فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلـم يزل يـمشي بـينهم إلـى هؤلاء وإلـى هؤلاء لـيسكنهم, حتـى رجعوا ووضعوا السلاح, فأنزل الله عزّ وجلّ القرآن فـي ذلك: {يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقا مِنَ الّذِينَ أُؤتُوا الكِتَابَ} إلـى قوله: {عَذَابٌ عَظِيـمٌ}.
فتأويـل الاَية: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله وأقرّوا بـما جاءهم به نبـيهم صلى الله عليه وسلم من عند الله, إن تطيعوا جماعة مـمن ينتـحل الكتاب من أهل التوراة والإنـجيـل, فتقلبوا منهم ما يأمرونكم به, يضلوكم فـيردّوكم بعد تصديقكم رسول ربكم وبعد إقراركم بـما جاء به من عند ربكم كافرين¹ يقول: جاحدين لـما قد آمنتـم به وصدّقتـموه من الـحقّ الذي جاءكم من عند ربكم. فنهاهم جلّ ثناؤه أن ينتصحوهم, ويقبلوا منهم رأيا أو مشورة, ويعلـمهم تعالـى ذكره أنهم لهم منطوون علـى غلّ وغشّ وحسد وبغض. كما:
6078ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: {يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقا مِنَ الّذِينَ أُؤتُوا الكِتَابَ يَرُدّوكُمْ بَعْدَ إيـمانِكُمْ كافِرِينَ}: قد تقدّم الله إلـيكم فـيهم كما تسمعون, وحذركم وأنبأكم يضلالتهم, فلا تأمنوهم علـى دينكم ولا تنصحوهم علـى أنفسكم, فإنهم الأعداء الـحسدة الضلال. كيف تأتـمنون قوما كفروا بكتابهم, وقتلوا رسلهم, وتـحيروا فـي دينهم, وعجزوا عن أنفسهم؟ أولئك والله هم أهل التهمة والعداوة!
6079ـ حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, مثله