تفسير الطبري تفسير الصفحة 61 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 61
062
060
 الآية : 84
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{قُلْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىَ وَعِيسَىَ وَالنّبِيّونَ مِن رّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: أفغير دين الله تبغون يا معشر الـيهود, وله أسلـم من فـي السموات والأرض طوعا وكرها, وإلـيه ترجعون, فإن ابتغوا غير دين الله يا مـحمد, فقل لهم: آمنا بـالله. فترك ذكر قوله: «فإن قالوا نعم», وذكر قوله: «فإن ابتغوا غير دين الله», لدلالة ما ظهر من الكلام علـيه.
وقوله: {قُلْ آمَنّا بِـاللّهِ} يعنـي به: قل لهم يا مـحمد: صدّقنا بـالله أنه ربنا وإلَهنا, لا إلَه غيره, ولا نعبد أحدا سواه¹ {وَمَا أُنْزِلَ عَلَـيْنَ} يقول: وقل: وصدّقنا أيضا بـما أنزل علـينا من وحيه وتنزيـله, فأقررنا به¹ {وَمَا أُنْزِلَ علـى إِبْرَاهِيـمَ} يقول: وصدقنا أيضا بـما أنزل علـى إبراهيـم خـلـيـل الله¹ {و}علـى ابنـيه {إِسْماعيـل وَإِسْحاقَ} وابن ابنه {يَعْقُوبَ} وبـما أنزل علـى الأسبـاط, وهم ولد يعقوب الاثنا عشر, وقد بـينا أسماءهم بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. {وَما أُوتِـيَ مُوسَى وَعِيسَى} يقول: وصدقنا أيضا مع ذلك بـالذي أنزل الله علـى موسى وعيسى من الكتب والوحي, وبـما أنزل علـى النبـيـين من عنده. والذي آتـى الله موسى وعيسى, مـما أمر الله عزّ وجلّ مـحمدا بتصديقهما فـيه والإيـمان به التوراة التـي آتاها موسى, والإنـجيـل الذي أتاه عيسى. {لاَ نُفَرّقُ بَـيْنَ أحَدٍ مِنْهُمْ} يقول: لا نصدّق بعضهم ونكذّب بعضهم, ولا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم, كما كفرت الـيهود والنصارى ببعض أنبـياء الله, وصدّقت بعضا, ولكنا نؤمن بجميعهم, ونصدّقهم. {وَنَـحْنُ لَهُ مُسْلِـمُونَ} يعنـي: ونـحن ندين لله بـالإسلام, لا ندين غيره, بل نتبرأ إلـيه من كل دين سواه, ومن كل ملة غيره. ويعنـي بقوله: {وَنَـحْنُ لَهُ مُسْلِـمُونَ}: ونـحن له منقادون بـالطاعة, متذللون بـالعبودية, مقرّون له بـالألوهة والربوبـية, وأنه لا إلَه غيره. وقد ذكرنا الرواية بـمعنى ما قلنا فـي ذلك فـيـما مضى, وكرهنا إعادته.
الآية : 85
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ومن يطلب دينا غير دين الإسلام لـيدين به, فلن يقبل الله منه, {وَهُوَ فِـي الاَخِرَةِ مِنَ الـخَاسِرِينَ}, يقول: من البـاخسين أنفسهم حظوظها من رحمة الله عزّ وجلّ. وذُكر أن أهل كل ملة ادّعوا أنهم هم الـمسلـمون لـما نزلت هذه الاَية, فأمرهم الله بـالـحجّ إن كانوا صادقـين, لأن من سنة الإسلام الـحجّ, فـامتنعوا, فأدحض الله بذلك حجتهم. ذكر الـخبر بذلك:
5938ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, قال: زعم عكرمة: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلاَمِ دِين} فقالت الـملل: نـحن الـمسلـمون, فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَـيْهِ سَبِـيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَـإِنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العالَـمِينَ} فحجّ الـمسلـمون, وقعد الكفـار.
حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا القعنبـي, قال: حدثنا سفـيان, عن ابن أبـي نـجيح, عن عكرمة, قال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلاَمِ دِينا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} قالت الـيهود: فنـحن الـمسلـمون, فأنزل الله عزّ وجلّ لنبـيه صلى الله عليه وسلم يحجّهم أن {لِلّهِ عَلَـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَـيْهِ سَبِـيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَـإِنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العَالَـمِينَ}.
5939ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا سفـيان, عن ابن أبـي نـجيح, عن عكرمة, قال: لـما نزلت: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِين}... إلـى آخر الاَية, قالت الـيهود: فنـحن مسلـمون, قال الله عزّ وجلّ لنبـيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: إن {لِلّهِ علـى النّاسِ حِجّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَـيْهِ سَبِـيلاً وَمَنْ كَفَرَ} من أهل الـملل {فَـإِنّ اللّهَ غَنِـيّ عَنِ العَالَـمِينَ}.
وقال آخرون فـي هذه الاَية بـما:
5940ـ حدثنا به الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله: {إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هَادُوا وَالنّصَارَى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِـاللّهِ وَالـيَوْمِ الاَخِرِ} إلـى قوله: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} فأنزل الله عزّ وجلّ بعد هذا: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلاَمِ دِينا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}.
الآية : 86-89
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوَاْ أَنّ الرّسُولَ حَقّ وَجَآءَهُمُ الْبَيّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * أُوْلَـَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * إِلاّ الّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنّ الله غَفُورٌ رّحِيمٌ }
اختلف أهل التأويـل فـيـمن عنى بهذه الاَية, وفـيـمن نزلت, فقال بعضهم: نزلت فـي الـحارث بن سويد الأنصاري, وكان مسلـما, فـارتدّ بعد إسلامه. ذكر من قال ذلك:
5941ـ حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن بزيع البصري, قال: حدثنا يزيد بن زريع, قال: حدثنا داود بن أبـي هند, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: كان رجل من الأنصار أسلـم, ثم ارتدّ ولـحق بـالشرك, ثم ندم, فأرسل إلـى قومه: أرسلوا إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لـي من توبة؟ قال: فنزلت: {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إِيـمانِهِمْ} إلـى قوله: {وَجَاءَهُمُ البَـيّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظّالِـمِينَ إِلاّ الّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَـحُوا فَـإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ} فأرسل إلـيه قومه, فأسلـم.
5942ـ حدثنـي ابن الـمثنى, قال: ثنـي عبد الأعلـى, قال: حدثنا داود, عن عكرمة بنـحوه, ولـم يرفعه إلـى ابن عبـاس, إلا أنه قال: فكتب إلـيه قومه, فقال: ما كذبنـي قومي, فرجع.
حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا حكيـم بن جميع, عن علـيّ بن مسهر, عن داود بن أبـي هند, عن عكرمة عن ابن عبـاس, قال: ارتدّ رجل من الأنصار, فذكر نـحوه.
5943ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا جعفر بن سلـيـمان, قال: أخبرنا حميد الأعرج, عن مـجاهد, قال: جاء الـحارث بن سويد, فأسلـم مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم, ثم كفر الـحارث فرجع إلـى قومه, فأنزل الله عزّ وجلّ فـيه القرآن: {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إيـمانِهِمْ} إلـى: {إِلاّ الّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَـحُوا فَـإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ} قال: فحملها إلـيه رجل من قومه, فقرأها علـيه, فقال الـحارث: إنك والله ما عُلِـمْتُ لصدوق, وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك, وإن الله عزّ وجلّ لأصدق الثلاثة! قال: فرجع الـحارث فأسلـم, فحسن إسلامه.
5944ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إيـمانِهِم وَشَهِدُوا أنّ الرّسُولَ حَقّ} قال: أنزلت فـي الـحارث بن سويد الأنصاري كفر بعد إيـمانه, فأنزل الله عزّ وجلّ فـيه هذه الاَيات, إلـى: {أُولَئِكَ أصْحَابُ النّارِ هُمْ فِـيها خالِدُونَ} ثم تاب وأسلـم, فنسخها الله عنه, فـال: {إِلاّ الّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَـحُوا فـإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ}.
5945ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إِيـمانِهِمْ وَشَهِدُوا أنّ الرّسُولَ حَقّ وَجَاءَهُمْ البَـينات} قال رجل من بنـي عمرو بن عوف كفر بعد إيـمانه.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
5946ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريح, عن مـجاهد, قال: هو رجل من بنـي عمرو بن عوف كفر بعد إيـمانه. قال ابن جريج: أخبرنـي عبد الله بن كثـير, عن مـجاهد, قال: لـحق بأرض الروم فتنصر, ثم كتب إلـى قومه: أرسلوا هل لـي من توبة؟ قال: فحسبت أنه آمن ثم رجع. قال: ابن جريج: قال عكرمة: نزلت فـي أبـي عامر الراهب, والـحارث بن سويد بن الصامت, ووَحْوَح بن الأسلت فـي اثنـي عشر رجلاً رجعوا عن الإسلام, ولـحقوا بقريش, ثم كتبوا إلـى أهلهم: هل لنا من توبة؟ فنزلت: {إِلاّ الّذِي تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}... الاَيات.
وقال آخرون: عنى بهذه الاَية أهل الكتاب, وفـيهم نزلت. ذكر من قال ذلك:
5947ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قوله: {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إِيـمانِهِمْ} فهم أهل الكتاب عرفوا مـحمدا صلى الله عليه وسلم, ثم كفروا به.
5948ـ حدثنا مـحمد بن سنان, قال: حدثنا أبو بكر الـحنفـي, قال: حدثنا عبـاد بن منصور, عن الـحسن فـي قوله: {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إيـمانِهِمْ}... الاَية كلها, قال الـيهود والنصارى.
5949ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: كان الـحسن يقول فـي قوله: {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إِيـمانِهِمْ}... الاَية, هم أهل الكتاب من الـيهود والنصارى, رأوا نعت مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي كتابهم, وأقرّوا به, وشهدوا أنه حقّ, فلـما بعث من غيرهم حسدوا العرب علـى ذلك, فأنكروه وكفروا بعد إقرارهم حسدا للعرب حين بعث من غيرهم.
5950ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الـحسن فـي قوله: {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إيـمانِهِمْ} قال: هم أهل الكتاب¹ كانوا يجدون مـحمدا صلى الله عليه وسلم فـي كتابهم, ويستفتـحون به, فكفروا بعد إيـمانهم.
قال أبو جعفر: وأشبه القولـين بظاهر التنزيـل ما قال الـحسن, من أن هذه الاَية معنـيّ بها أهل الكتاب علـى ما قال. غير أن الأخبـار بـالقول الاَخر أكثر, والقائلـين به أعلـم بتأويـل القرآن, وجائز أن يكون الله عزّ وجلّ أنزل هذه الاَيات بسبب القوم الذين ذكر أنهم كانوا ارتدّوا عن الإسلام, فجمع قصتهم وقصة من كان سبـيـله سبـيـلهم فـي ارتداده عن الإيـمان بـمـحمد صلى الله عليه وسلم فـي هذه الاَيات, ثم عرّف عبـاده سنته فـيهم, فـيكون داخلاً فـي ذلك كل من كان مؤمن بـمـحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث, ثم كفر به بعد أن بعث, وكل من كان كافرا ثم أسلـم علـى عهده صلى الله عليه وسلم ثم ارتدّ وهو حيّ عن إسلامه, فـيكون معنـيا بـالاَية جميع هذين الصنفـين وغيرهما مـمن كان بـمثل معناهما, بل ذلك كذلك إن شاء الله.
فتأويـل الاَية إذا: {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إِيـمَانِهِمْ} يعنـي: كيف يرشد الله للصواب, ويوفق للإيـمان, قوما جحدوا نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم, بعد إيـمانهم: أي بعد تصديقهم إيّاهُ, وإقرارهم بـما جاءهم به من عند ربه. {وَشَهِدُوا أنّ الرّسُولَ حَقّ} يقول: وبعد أن أقرّوا أن مـحمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى خـلقه حقا. {وَجَاءَهُمُ البَـيّناتُ} يعنـي: وجاءهم الـحجج من عند الله, والدلائل بصحة ذلك. {وَاللّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظّالِـمِينَ} يقول: والله لا يوفق للـحقّ والصواب الـجماعة الظلـمة, وهم الذين بدّلوا الـحقّ إلـى البـاطل, فـاختاروا الكفر علـى الإيـمان. وقد دللنا فـيـما مضى قبل علـى معنى الظلـم, وأنه وضع الشيء فـي غير موضعه بـما أغنى عن إعادته. {أُولَئِكَ جَزَاوهُمْ} يعنـي: هؤلاء الذين كفروا بعد إيـمانهم, وبعد أن شهدوا أن الرسول حقّ, {جَزَاوهُمْ} ثوابهم من عملهم الذي عملوه, {أنّ عَلَـيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ} يعنـي أن حلّ بهم من الله الإقصاء والبعد, ومن الـملائكة والناس إلا مـما يسوءهم من العقاب {أجْمَعِينَ} يعنـي من جميعهم: لا بعض من سماه جلّ ثناؤه من الـملائكة والناس, ولكن من جميعهم, وإنـما جعل ذلك جلّ ثناؤه ثواب عملهم, لأن عملهم كان بـالله كفرا. وقد بـينا صفة لعنة الناس الكافر فـي غير هذا الـموضع بـما أغنى عن إعادته. {خالِدِينَ فِـيه} يعنـي: ماكثـين فـيها, يعنـي: فـي عقوبة الله. {لاَ يُخَفّفُ عَنْهُمْ العَذَابُ} لا ينقصون من العذاب شيئا فـي حال من الأحوال ولا يُنفّسُون فـيه. {وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ} يعنـي: ولا هم ينظرون لـمعذرة يعتذرون, وذلك كله: أعنـي الـخـلود فـي العقوبة فـي الاَخرة. ثم استثنى جلّ ثناؤه الذين تابوا من هؤلاء الذين كفروا بعد إيـمانهم, فقال تعالـى ذكره: {إِلاّ الّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأصْلَـحُو} يعنـي: إلا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيـمانهم, فراجعوا الإيـمان بـالله وبرسوله, وصدّقوا بـما جاءهم به نبـيهم صلى الله عليه وسلم من عند ربهم. {وأَصْلَـحُو} يعنـي: وعملوا الصالـحات من الأعمال. {فـإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ} يعنـي فإن الله لـمن فعل ذلك بعد كفره {غَفُورٌ} يعنـي: ساتر علـيه ذنبه الذي كان منه من الردّة, فتارك عقوبته علـيه, وفضيحته به يوم القـيامة, غير مؤاخذه به إذا مات علـى التوبة منه, رحيـم متعطف علـيه بـالرحمة.
الآية : 90
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمّ ازْدَادُواْ كُفْراً لّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الضّآلّونَ }
اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك, فقال بعضهم: عنى الله عزّ وجلّ بقوله: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُو} أي ببعض أنبـيائه الذين بعثوا قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيـمانهم. {ثُمّ ازْدَادُوا كُفْر} بكفرهم بـمـحمد. {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} عند حضور الـموت وحشرجته بنفسه. ذكر من قال ذلك:
5951ـ حدثنـي مـحمد بن سنان, قال: حدثنا أبو بكر الـحنفـي, قال: حدثنا عبـاد بن منصور, عن الـحسن فـي قوله: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيـمانِهِمْ ثُمّ ازْدَادُوا كُفْرا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وأُولَئِكَ هُمُ الضّالّونَ} قال: الـيهود والنصارى لن تقبل توبتهم عند الـموت.
5952ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيـمانِهِمْ ثُمّ ازْدَادُوا كُفْر} أولئك أعداء الله الـيهود, كفروا بـالإنـجيـل وبعيسى, ثم ازدادوا كفرا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان.
5953ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: {ثُمّ ازْدَادُوا كُفْر} قال: ازدادوا كفرا حتـى حضرهم الـموت, فلـم تقبل توبتهم حين حضرهم الـموت. قال معمر: وقال مثل ذلك عطاء الـخراسانـي.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن قتادة, قوله: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيـمانِهِمْ ثُمّ ازْدَادُوا كُفْرا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضّالّونَ} وقال: هم الـيهود كفروا بـالإنـجيـل, ثم ازدادوا كفرا حين بعث الله مـحمدا صلى الله عليه وسلم, فأنكروه, وكذّبوا به.
وقال آخرون: معنى ذلك: إن الذين كفروا من أهل الكتاب بـمـحمد بعد إيـمانهم بأنبـيائهم, {ثمّ ازدَادُوا كُفْر}: يعنـي ذنوبـا, {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} من ذنوبهم, وهم علـى الكفر مقـيـمون. ذكر من قال ذلك:
5954ـ حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا عبد الوهاب, قال: حدثنا داود, عن رفـيع: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيـمانِهِمْ ثُمّ ازْدَادُوا كُفْر} ازدادوا ذنوبـا وهم كفـار, {فَلَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} من تلك الذنوب ما كانوا علـى كفرهم وضلالتهم.
5955ـ حدثنا ابن الـمثنى, قال: حدثنا ابن أبـي عديّ, عن داود, قال: سألت أبـا العالـية, قال: قلت: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيـمانِهِمْ ثُمّ ازْدَادُوا كُفْرا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ}؟ قال: إنـما هم هؤلاء النصارى والـيهود الذين كفروا ثم ازدادوا كفرا بذنوب أصابوها, فهم يتوبون منها فـي كفرهم.
حدثنا عبد الـحميد بن بـيان الـيشكري, قال: أخبرنا ابن أبـي عديّ, عن داود, قال: سألت أبـا العالـية عن الذين آمنوا ثم كفروا, فذكر نـحوا منه.
حدثنا ابن الـمثنى, قال: حدثنا عبد الأعلـى, قال: حدثنا داود, قال: سألت أبـا العالـية عن هذه الاَية: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيـمَانِهِمْ ثُمّ ازْدَادُوا كُفْرا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وأُولَئِكَ هُمُ الضّالّونَ} قال: هم الـيهود والنصارى والـمـجوس, أصابوا ذنوبـا فـي كفرهم فأرادوا أن يتوبوا منها, ولن يتوبوا من الكفر, ألا ترى أنه يقول: {وأُولَئِكَ هُمُ الضّالّونَ
5956ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا سفـيان, عن داود, عن أبـي العالـية فـي قوله: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} قال: تابوا من بعض, ولـم يتوبوا من الأصل.
حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن داود بن أبـي هند, عن أبـي العالـية, قوله: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيْـمَانِهِمْ ثُمّ ازْدَادُوا كُفْر} قال: هم الـيهود والنصارى يصيبون الذنوب فـيقولون نتوب وهم مشركون, قال الله عزّ وجلّ: لن تقبل التوبة فـي الضلالة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن الذين كفروا بعد إيـمانهم بأنبـيائهم, ثم ازدادوا كفرا, يعنـي بزيادتهم الكفر: تـمامهم علـيه حتـى هلكوا وهم علـيه مقـيـمون, لن تقبل توبتهم: لن تنفعهم توبتهم الأولـى, وإيـمانهم لكفرهم الاَخر وموتهم. ذكر من قال ذلك:
5957ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة, قوله: {ثُمّ ازْدَادُوا كُفْر} قال: تـمّوا علـى كفرهم. قال ابن جريج: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} يقول: إيـمانهم أوّل مرّة لن ينفعهم.
وقال آخرون: معنى قوله: {ثُمّ ازْدَادُوا كُفْر} ماتوا كفـارا, فكان ذلك هو زيادتهم من كفرهم. وقالوا: معنى {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ}: لن تقبل توبتهم عند موتهم ذكر من قال ذلك:
5958ـ حدثنا مـحمد, قال: حدثنا أحمد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيـمانِهِمْ ثُمّ ازْدَادُوا كُفْرا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وأُولَئِكَ هُمُ الضّالّونَ} أما ازدادوا كفرا: فماتوا وهم كفـار, وأما لن تقبل توبتهم: فعند موته إذا تاب لـم تقبل توبته.
قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل هذه الاَية قول من قال: عنى بها الـيهودَ, وأن يكون تأويـله: إن الذين كفروا من الـيهود بـمـحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه بعد إيـمانهم به قبل مبعثه, ثم ازدادوا كفرا بـما أصابوا من الذنوب فـي كفرهم ومقامهم علـى ضلالتهم, لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التـي أصابوها فـي كفرهم, حتـى يتوبوا من كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم, ويراجعوا التوبة منه بتصديق ما جاء به من عند الله.
وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال فـي هذه الاَية بـالصواب, لأن الاَيات قبلها وبعدها فـيهم نزلت, فأولـى أن تكون هي فـي معنى ما قبلها وبعدها إذ كانت فـي سياق واحد. وإنـما قلنا: معنى ازديادهم الكفر ما أصابوا فـي كفرهم من الـمعاصي, لأنه جلّ ثناؤه قال: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} فكان معلوما أن معنى قوله: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} إنـما هو معنـيّ به: لن تقبل توبتهم مـما ازدادوا من الكفر علـى كفرهم بعد إيـمانهم, لا من كفرهم, لأن الله تعالـى ذكره وعد أن يقبل التوبة من عبـاده, فقال: {وَهُوَ الّذِي يَقْبَلُ التّوْبَةَ عَنْ عِبَـادِهِ} فمـحال أن يقول عزّ وجلّ أقبل, ولا أقبل فـي شيء واحد. وإذ كان ذلك كذلك, وكان من حكم الله فـي عبـاده أنه قابل توبة كل تائب من كل ذنب, وكان الكفر بعد الإيـمان أحد تلك الذنوب التـي وعد قبول التوبة منها بقوله: {إِلاّ الّذِينَ تَابُوا وأصْلَـحُوا فَـإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ} علـم أن الـمعنى الذي لا تقبل التوبة منه, غير الـمعنى الذي تقبل التوبة منه. وإذ كان ذلك كذلك, فـالذي لا تقبل منه التوبة هو الازدياد علـى الكفر بعد الكفر, لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام علـى كفره, لأن الله لا يقبل من مشرك عملاً ما أقام علـى شركه وضلاله, فأما إن تاب من شركه وكفره وأصلـح, فإن الله كما وصف به نفسه, غفور رحيـم.
فإن قال قائل: وما ينكر أن يكون معنى ذلك, كما قال من قال: فلن تقبل توبتهم من كفرهم عند حضور أجله, أو توبته الأولـى؟ قـيـل: أنكرنا ذلك لأن التوبة من العبد غير كائنة إلا فـي حال حياته, فأما بعد مـماته فلا توبة, وقد وعد الله عزّ وجلّ عبـاده قبول التوبة منهم ما دامت أرواحهم فـي أجسادهم, ولا خلاف بـين جميع الـحجة فـي أن كافرا لو أسلـم قبل خروج نفسه بطرفة عين أن حكمه حكم الـمسلـمين فـي الصلاة علـيه والـموارثة, وسائر الأحكام غيرها, فكان معلوما بذلك أن توبته فـي تلك الـحال لو كانت غير مقبولة, لـم ينتقل حكمه من حكم الكفـار إلـى حكم أهل الإسلام, ولا منزلة بـين الـموت والـحياة يجوز أن يقال لا يقبل الله فـيها توبة الكافر, فإذا صحّ أنها فـي حال حياته مقبولة, ولا سبـيـل بعد الـمـمات إلـيها, بطل قول الذي زعم أنها غير مقبولة عند حضور الأجل.
وأما قول من زعم أن معنى ذلك التوبة التـي كانت قبل الكفر فقول لا معنى له, لأن الله عزّ وجلّ لـم يوصف القوم بإيـمان كان منهم بعد كفر, ثم كفر بعد إيـمان, بل إنـما وصفهم بكفر بعد إيـمان, فلـم يتقدم ذلك الإيـمان كفر كان للإيـمان لهم توبة منه, فـيكون تأويـل ذلك علـى ما تأوله قائل ذلك, وتأويـل القرآن علـى ما كان موجودا فـي ظاهر التلاوة إذا لـم تكن حجة تدلّ علـى بـاطن خاصّ أولـى من غيره وإن أمكن توجيهه إلـى غيره.
وأما قوله: {وأُولَئِكَ هُمُ الضّالّونَ} فإنه يعنـي بذلك: وهؤلاء الذين كفروا بعد إيـمانهم, ثم ازدادوا كفرا, هم الذين ضلوا سبـيـل الـحقّ, فأخطئوا منهجه, وتركوا مَنْصَفَ السبـيـل وهدى الله الدين, حيرةً منهم وعَمًى عنه. وقد بـينا فـيـما مضى معنى الضلال بـما فـيه الكفـاية.
الآية : 91
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَىَ بِهِ أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مّن نّاصِرِينَ }
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: {إنّ الذينَ كفرُو} أي جحدوا نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم, ولـم يصدّقوا به, وبـما جاء به من عند الله من أهل كل ملة يهودها ونصاراها ومـجوسها وغيرهم. {وَماتُوا وَهُمْ كُفّـارٌ} يعنـي: وماتوا علـى ذلك من جحود نبوّته, وجحود ما جاء به. {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرض ذَهَبـا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} يقول: فلن يقبل مـمن كان بهذه الصفة فـي الاَخرة جزاء ولا رشوة علـى ترك عقوبته علـى كفره, ولا جعل علـى العفو عنه, ولو كان له من الذهب قدر ما يـملأ الأرض من مشرقها إلـى مغربها, فَرَشَا وجزى علـى ترك عقوبته وفـي العفو عنه علـى كفره عوضا مـما الله مـحلّ به من عذابه, لأن الرّشا إنـما يقبلها من كان ذا حاجة إلـى ما رُشي, فأما من له الدنـيا والاَخرة, فكيف يقبل الفدية, وهو خلاق كل فدية افتدى بها مفتد عن نفسه أو غيره؟ وقد بـينا أن معنى الفدية¹ العوض والـجزاء من الـمفتدى منه بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. ثم أخبر عزّ وجلّ عما لهم عنده, فقال: {أولَئِكَ} يعنـي: هؤلاء الذين كفروا وماتوا وهم كفـار, {لهم عَذَابٌ ألِـيـمٌ} يقول: لهم عند الله فـي الاَخرة عذاب موجع, {وما لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} يعنـي: وما لهم من قريب ولا حميـم ولا صديق ينصره, فـيستنقذه من الله ومن عذابه, كما كانوا ينصرونه فـي الدنـيا علـى من حاول أذاه ومكروهه. وقد:
5959ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: حدثنا أنس بن مالك, أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «يُجاءُ بـالكافر يَوْمَ القِـيامَةِ فـيُقالُ لَهُ: أرأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبـا, أكُنْتَ مُفْتَدِيا بِهِ؟ فَـيَقُولُ نَعَمْ, قال: فَـيُقالُ لَقَدْ سُئِلْتَ ما هُوَ أيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ», فذلك قوله: {إنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّـارٌ فَلَنْ يُقَبْلَ مِنْ أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبـا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ}.
5960ـ حدثنـي مـحمد بن سنان, قال: حدثنا أبو بكر الـحنفـي, قال: حدثنا عبـاد, عن الـحسن, قوله: {إنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفّـارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَب} قال: هو كل كافر.
ونصب قوله «ذهبـا» علـى الـخروج من الـمقدار الذي قبله والتفسير منه, وهو قوله: «ملء الأرض», كقول القائل: عندي قدر زقّ سمنا وقدر رطل عسلاً, فـالعسل مبـين به ما ذكر من الـمقدار, وهو نكرة منصوبة علـى التفسير للـمقدار والـخروج منه.
وأما نـحويو البصرة, فإنهم زعموا أنه نصب الذهب لاشتغال الـملء بـالأرض, ومـجيء الذهب بعدهما, فصار نصبها نظير نصب الـحال, وذلك أن الـحال يجيء بعد فعل قد شغل بفـاعله فـينصب, كما ينصب الـمفعول الذي يأتـي بعد الفعل الذي قد شغل بفـاعله, قالوا: ونظير قوله: {مِلْءُ الأرْض ذَهَب} فـي نصب الذهب فـي الكلام: لـي مثلك رجلاً, بـمعنى: لـي مثلك من الرجال. وزعموا أن نصب الرجل لاشتغال الإضافة بـالاسم, فنصب كما ينصب الـمفعول به لاشتغال الفعل بـالفـاعل, وأدخـلت الواو فـي قوله: {وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} لـمـحذوف من الكلام بعده دلّ علـيه دخول الواو, كالواو فـي قوله: {وَلِـيَكُونَ مِنَ الـمُوقِنِـينَ}. وتأويـل الكلام: ولـيكون من الـموقنـين, أريناه ملكوت السموات والأرض, فكذلك ذلك فـي قوله: {وَلَوِ افْتَدَى بِهِ}, ولو لـم يكن فـي الكلام واو, لكان الكلام صحيحا, ولـم يكن هنالك متروك وكان: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبـا لو افتدى به