تفسير الطبري تفسير الصفحة 99 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 99
100
098
 الآية : 128
القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشّحّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتّقُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }..
يعني بذلك جلّ ثناؤه: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِه} يقول: علمت من زوجها {نُشُوز} يعني استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها, أَثَرَة عليها, وارتفاعا بها عنها, إما لبغضة, وإما لكراهة منه بعض أشياء بها, إما دمامتها, وإما سنها وكِبَرها, أو غير ذلك من أمورها. {أوْ إعْرَاض} يعني: انصرافا عنها بوجهه أو ببعض منافعه, التي كانت لها منه {فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْح} يقول فلا حرج عليهما, يعني: على المرأة الخائفة نشوز بعلها أو إعراضَه عنها, أن يصلحا بينهما صلحا, وهو أن تترك له يومها, أو تضع عنه بعض الواجب لها من حقّ عليه, تستعطفه بذلك, وتستديم المُقام في حباله, والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح, يقول: {والصّلْحُ خَيْرٌ} يعني: والصلح بترك بعض الحقّ استدامة للحرمة, وتماسكا بعقد النكاح, خير من طلب الفرقة والطلاق.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
8425ـ حدثنا هنّاد بن السريّ, قال: حدثنا أبو الأحوص, عن سماك, عن خالد بن عُرْعُرة: أن رجلاً أتى عليا رضي الله عنه يستفتيه في امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا, فقال: قد تكون المرأة عند الرجل, فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو فقرها, فتكره فراقه, فإن وضعت له من مهرها شيئا حلّ له, وإن جعلت له من أيامها شيئا فلا حرج.
حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا محمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, عن سماك بن حرب, عن خالد, عن عُرْعرة, قال: سئل عليّ رضي الله عنه: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْح} قال: المرأة الكبيرة أو الدميمة أو لا يحبها زوجها فيصطلحان.
حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا أبو داود, قال: حدثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص, كلهم عن سماك بن حرب, عن خالد بن عُرْعرة, عن عليّ رضي الله عنه بنحوه.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبي عن إسرائيل, عن سماك, عن خالد بن عرعرة: أن رجلاً سأل عليّا رضي الله عنه عن قوله: {فَلاَ جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْح} قال: تكون المرأة عند الرجل دميمة فتنبو عينه من دمامتها أو كبرها, فإن جعلت له من أيامها أو مالها شيئا فليس عليه جناح.
8426ـ حدثنا ابن حميد وابن وكيع, قالا: حدثنا جرير, عن أشعث, عن ابن سيرين, قال: جاء رجل إلى عمر, فسأله عن آية, فكره ذلك وضربه بالدرّة, فسأله آخر عن هذه الاَية: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض} فقال: عن مثل هذا فسلوا! ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سِنّها, فيتزوّج المرأة الشابة يلتمس ولدها, فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
8427ـ حدثنا عمرو بن عليّ, قال: حدثنا عمران بن عيينة, قال: حدثنا عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قوله: {وإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض} قال: هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر, فيريد أن يتزوّج عليها, فيتصالحا بينهما صلحا, عن أن لها يوما ولهذه يومان أو ثلاثة.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا عمران, عن عطاء, عن سعيد, عن ابن عباس بنحوه, إلا أنه قال: حتى تلد أو تكبر, وقال أيضا: فلا جناح عليهما أن يصالحا على ليلة, والأخرى ليلتين.
8428ـ حدثنا ابن وكيع وابن حميد, قالا: حدثنا جرير, عن عطاء, عن سعيد بن جبير, قال: هي المرأة تكون عند الرجل قد طالت صحبتها وكبرت, فيريد أن يستبدل بها فتكره أن تفارقه, فيتزوّج عليها, فيصالحا على أن يجعل لها أياما, وللأخرى الأيام والشهر.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا حكام, عن عمرو بن أبي قيس, عن عطاء, عن سعيد, عن ابن عباس: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلها نُشُوزا أوْ إعْرَاض} قال: هي المرأة تكون عند الرجل, فيريد أن يفارقها, فتكره أن يفارقها, ويريد أن يتزوّج, فيقول: إني لا أستطيع أن أقسم لكِ بمثل ما أقسم لها, فتصالحه على أن يكون لها في الأيام يوم, فيتراضيان على ذلك, فيكونان على ما اصطلحا عليه.
8429ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبي, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحا وَالصّلْحُ خَيْرٌ} قالت هذا في المرأة تكون عند الرجل, فلعله لا يكون يستكثر منها, ولا يكون لها ولد ولها صحبة, فتقول: لا تطلقني وأنت في حلّ من شأني.
حدثني المثنى, قال: حدثنا حجاج بن المنهال, قال: حدثنا حماد بن سلمة, عن هشام بن عروة, عن عروة, عن عائشة في قوله: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض} قال: هذا الرجل يكون له امرأتان: إحداهما قد عجزت, أو هي دميمة لا يستكثر منها, فتقول: لا تطلقني وأنت في حلّ من شأني.
حدثني المثنى, قال: حدثنا حبان بن موسى, أخبرنا ابن المبارك, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة, بنحوه, غير أنه قال: فتقول: أجعلك من شأني في حلّ, فنزلت هذه الاَية في ذلك.
8430ـ حدثني المثنى, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْراض} فتلك المرأة تكون عند الرجل لا يرى منها كثير ما يحبّ, وله امرأة غيرها أحبّ إليه منها, فيؤثرها عليها, فأمره الله إذا كان ذلك أن يقول لها: يا هذه إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي, وإن كرهت خليت سبيلك. فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخيرها فلا جناح عليه, وهو قوله: {والصّلْحُ خَيْرٌ} وهو التخيير.
8431ـ حدثنا الربيع بن سليمان وبحر بن نصر, قالا: حدثنا ابن وهب, قال: ثني ابن أبي الزناد, عن هشام ابن عروة, عن أبيه, عن عائشة, قالت: أنزل الله هذه الاَية في المرأة إذا دخلت في السنّ, فتجعل يومها لامرأة أخرى, قالت: ففي ذلك أنزلت: {فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلْحِا بَيْنَهُما صُلْح}.
8432ـ حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا هشيم, قال: أخبرنا هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة, قال: سألته عن قول الله: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض} قال: هي المرأة تكون مع زوجها, فيريد أن يتزوّج عليها فتصالحه من يومها على صلح. قال: فهما على ما اصطلحا عليه, فإن انتقضت به فعليه أن يعدل عليها أو يفارقها.
8433ـ حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا هشيم, قال: أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم أنه كان يقول ذلك.
8434ـ حدثني يعقوب, قال: حدثنا هشيم, قال: أخبرنا حجاج, عن مجاهد أنه كان يقول ذلك.
حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا ابن علية, عن أيوب, عن ابن سيرين, عن عبيدة في قوله: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض}... إلى آخر الاَية, قال: يصالحها على ما رضيت دون حقها, فله ذلك ما رضيت, فإذا أنكرت أو قالت: غرت, فلها أن يعدل عليها أو يرضيها أو يطلقها.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا عبد الوهاب, عن أيوب, عن محمد, قال: سألت عبيدة عن قول الله: {وإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض} قال: هو الرجل تكون له امرأة قد خلا من سِنها, فتصالحه عن حقها على شيء, فهو له ما رضيت, فإذا كرهت, فلها أن يعدل عليها أو يرضيها من حقها, أو يطلقها.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا جرير, عن هشام, عن ابن سيرين, قال: سألت عبيدة عن قوله: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوز} فذكر نحو ذلك, إلا أنه قال: فإن سخطت فله أن يرضيها, أو يوفيها حقها كله, أو يطلقها.
8435ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا جرير, عن مغيرة, قال: قال إبراهيم: إذا شاءت كانت على حقها, وإن شاءت أبت, فردّت الصلح فذاك بيدها, فإن شاء طلقها, وإن شاء أمسكها على حقها.
8436ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا فَلا جُناحَ عَلْيِهم} قال: قال عليّ: تكون المرأة عند الرجل الزمان الكثير, فتخاف أن يطلقها, فتصالحه على صلح ما شاء وشاءت, يبيت عندها في كذا وكذا ليلة, وعند أخرى ما تراضيا عليه, وأن تكون نفقتها دون ما كانت¹ وما صالحته عليه من شيء فهو جائز.
8437ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا يحيـى بن عبد الملك, عن أبيه, عن الحكم: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض} قال: هي المرأة تكون عند الرجل, فيريد أن يخلي سبيلها, فإذا خافت ذلك منه فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا, تدع من أيامها إذا تزوّج.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: {وَإن امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض}... إلى قوله: {وَالصّلْحُ خَيْرٌ} هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة, فينكح عليها المرأة الشابة, فيكره أن يفارق أم ولده, فيصالحها على عطية من ماله ونفسه, فيطيب له ذلك الصلح.
8438ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ منْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض} فقرأ حتى بلغ {فإنّ اللّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبير} وهذا في الرجل تكون عنده المرأة قد خلا من سِنها وهان عليه بعض أمرها, فيقول: إن كنتِ راضية من نفسي ومالي بدون ما كنت ترضين به قبل اليوم, فإن اصطلحا من ذلك على أمر الله فقد أحلّ لهما ذلك, وإن أبت فإنه لا يصلح له أنْ يحبسها على الخَسْف.
8439ـ حُدثت عن الحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الزهري, عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: أن رافع بن خديج كان تحته امرأة قد خلا من سنّها, فتزوّج عليها شابة, فآثر الشابة عليها, فأبت امرأته الأولى أن تقيم على ذلك, فطلقها تطليقة, حتى إذا بقي من أجلها يسير, قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة, وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك. قالت: بل راجعني وأصبر على الأثرة! فراجعها. ثم آثر عليها فلم تصبر على الأثرة فطلقها أخرى, وآثر عليها الشابة. قال: فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلحا بَيْنَهُما صُلْح}. قال الحسن: قال عبد الرزاق: قال معمر: وأخبرني أيوب عن ابن سيرين, عن عبيدة بمثل حديث الزهري, وزاد فيه, فإن أضرّ بها الثالثة فإن عليه أن يوفيها حقها, أو يطلقها.
8440ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: {مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض} قال: قول الرجل لامرأته: أنت كبيرة, وأنا أريد أن أستبدل امرأة شابة وضيئة, فقرّي على ولدك, فلا أقسم لك من نفسي شيئا. فذلك الصلح بينهما, وهو أبو السنابل بن بعكك.
8441ـ حدثني المثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح: {مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض} ثم ذكر نحوه, قال شبل: فقلت له: فإن كانت لك امرأة فتقسم لها, ولم تقسم لهذه؟ قال: إذا صالحته على ذلك فليس عليه شيء.
8442ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن جبار, قال: سألت عامرا عن الرجل تكون عنده المرأة يريد أن يطلقها فتقول: لا تطلقني, واقسم لي يوما, وللتي تزوّج يومين! قال: لا بأس به هو صلح.
8443ـ حدثنا محمد بن الحسين, قال: حدثنا أحمد بن مفضل, قال: حدثنا أسباط, عن السديّ: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحا والصّلْحُ خَيْرٌ} قال: المرأة ترى من زوجها بعض الجفاء وتكون قد كبرت, أو لا تلد, فيريد زوجها أن ينكح غيرها فيأتيها, فيقول: إني أريد أن أنكح امرأة شابة أنسب منك, لعلها أن تلد لي وأوثرها في الأيام والنفقة. فإن رضيت بذلك وإلا طلقها, فيصطلحان على ما أحبّا.
8444ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض} قال: نشوزا عنها, عَرِضَ بها الرجل تكون له المرأتان ـ أو إعراضا بتركها {فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُمَا صُلْح} إما أن يرضيها فتحللها, وإما أن ترضيه فتعطفه على نفسها.
8445ـ حدثني المثنى, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية بن صالح, عن عليّ بن أبي طلحة, عن ابن عباس, قوله: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض} يعني: البغض.
8446ـ حُدثت عن الحسين بن الفرج, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سلمان, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض} فهو الجرل تكون تحته المرأة الكبيرة, فيتزوّج عليها المرأة الشابة, فيميل إليها, وتكون أعجب إليه من الكبيرة, فيصالح الكبيرة على أن يعطيها من ماله, ويقسم لها من نفسه نصيبا معلوما.
8447ـ حدثنا عمرو بن عليّ وزيد بن أخرم, قالا: حدثنا أبو داود, قال: حدثنا سليمان بن معاذ, عن سماك بن حرب, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت: لا تطلقني على نسائك, ولا تقسم لي! ففعل, فنزلت: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض}.
واختلفت القراء في قراءة قوله: «أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحا» فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة وبعض أهل البصرة بفتح الياء وتشديد الصاد, بمعنى: أن يتصالحا بينهما صلحا, ثم أدغمت التاء في الصاد فصيرتا صادا مشددة. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: {أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْح} بضم الياء وتخفيف الصاد, بمعنى: اصلح الزوج والمرأة بينها. وأعجب القراءتين في ذلك إليّ, قراءة من قرأ: «إلاّ أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحا». بفتح الياء وتشديد الصاد, بمعنى: يتصالحا, لأن التصالح في هذا الموضع أشهر وأوضح معنى وأفصح وأكثر على ألسن العرب من الإصلاح, والإصلاح في خلاف الإفساد أشهر منه في معنى التصالح. فإن ظنّ ظانّ أن في قوله: {صُلْح} دلالة على أن قراءة من قرأ ذلك: {يُصْلِح} بضمّ الياء أولى بالصواب, فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظنّ, وذلك أن الصلح اسم وليس بفعل فيتسدلّ به على أولى القراءتين بالصواب في قوله: {يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْح}.
القول في تأويل قوله تعالى: {وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشّحّ وإنْ تُحْسِنُوا وَتَتّقُوا فإنّ اللّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير}.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه: وأحضرت أنفس النساء الشحّ على أنصبائهن من أنفس أزواجهن وأموالهن. ذكر من قال ذلك:
8448ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا عمران بن عيينة, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: {وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشّحّ} قال: نصيبها منها.
8449ـ حدثنا محمد بن بشار, قال: حدثنا أبو أحمد, وحدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا ابن يمان, قالا: جميعا حدثنا سفيان, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير: {وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشّحّ} قال: في الأيام.
8450ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء: {وأُحْضِرتِ الأنْفُسُ الشّحّ} قال: في الأيام والنفقة.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا ابن مهدي وابن يمان, عن سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء, قال: في النفقة.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا رَوْح, عن ابن جريج, عن عطا, قال: في النفقة.
وحدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء: {وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشّحّ} قال: في الأيام.
8451ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا محمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير في هذه الاَية: {وأحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشّحّ} قال: نفس المرأة على نصيبها من زوجها من نفسه وماله.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبي, عن شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير, بمثله.
حدثني المثنى, قال: حدثنا حبان بن موسى, قال: أخبرنا ابن المبارك, قال: حدثنا شعبة, عن أبي بشر عن سعيد بن جبير, مثله.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا ابن يمان عن سفيان, عن رجل, عن سعيد بن جبير: في النفقة.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا ابن مهديّ, عن سفيان, عن الشيبانيّ, عن بكير بن الأخنس, عن سعيد بن جبير, قال: في الأيام والنفقة.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا ابن مهديّ, عن سفيان, عن الشيبانيّ, عن سعيد بن جبير, قال: في الأيام والنفقة.
حدثني المثنى, قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم, قال: حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير في قوله: {وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشّحّ} قال: المرأة تِشحّ على مال زوجها ونفسه.
8452ـ حدثنا المثنى, قال: أخبرنا حبان بن موسى, قال: أخبرنا ابن المبارك, عن شريك, عن سالم, عن سعيد بن جبير, قال: جاءت المرأة حين نزلت هذه الاَية: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض} قالت: إني أريد أن تقسم لي من نفسك! وقد كانت رضيت أن يدعها فلا يطلقها ولا يأتيها¹ فأنزل الله: {وأُحْضِرَتِ الأنُفسُ الشّحّ}.
8453ـ حدثنا محمد بن الحسين, قال: حدثنا أحمد بن مفضل, قال: حدثنا أسباط, عن السديّ: {وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشّحّ} قال: تطلع نفسها إلى زوجها وإلى نفقته. قال: وزعم أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفي سدوة بنت زمعة كانت قد كبرت, فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلقها, فاصطلحا على أن يمسكها ويجعل يومها لعائشة, فشحت بمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال آخرون: معنى ذلك: وأحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة الشحّ بحقه قبَل صاحبه. ذكر من قال ذلك:
8454ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: {وأُحْضِرَتِ الأنُفسُ الشّحّ} قال: لا تطيب نفسه أن يعطيها شيئا فتحلله, ولا تطيب نفسها أن تعطيه شيئا من مالها, فتعطفه عليها.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب, قول من قال: عني بذلك: أحضرت أنفس النساء الشحّ بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة. والشحّ: الإفراط في الحرص على الشيء, وهو في هذا الموضع: إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها.
فتأويل الكلام: وأحضرت أنفس النساء أهواءهن من فرط الحرص على حقوقهنّ من أزواجهنّ, والشحّ بذلك على ضرائرهن.
وبنحو ما قلنا في معنى الشحّ, ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول.
8455ـ حدثني المثنى, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: {وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشّحّ} والشحّ: هواه في الشيء يحرص عليه.
وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب من قول من قال: عني بذلك: وأحضرت أنفس الرجال والنساء الشحّ, على ما قاله ابن زيد, لأن مصالحة الرجل امرأته باعطائه إياها من ماله جعلاً على أن تصفح له عن القسم لها غير جائزة, وذلك أنه غير معتاض عوضا من جعله الذي بذله لها, والجعل لا يصحّ إلا على عوض: إما عين, وإما منفعة. والرجل متى جَعَل للمرأة جُعْلاً على أن تصفح له عن يومها وليلتها فلم يملك عليها عينا ولا منفعة. وإذا كان ذلك كذلك, كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل. وإذا كان ذلك كذلك, فمعلوم أنه لا وجه لقول من قال: عني بذلك: الرجل والمرأة. فإن ظنّ ظانّ أن ذلك إذ كان حقا للمرأة, ولها المطالبة به, فللرجل افتداؤه منها بجعل, فإن شفعة المستشفع في حصة من دار اشتراها رل من شريك له فيها حقّ, له المطالبة بها, فقد يجب أن يكون للمطلوب افتداء ذلك منه بجعل, وفي إجماع الجميع على أن الصلح في ذلك على عوض غير جائز, إذ كان غير معتاض منه المطلوب في الشفعة عينا ولا نفعا, ما يدلّ على بطول صلح الرجل امرأته على عوض, على أن تصفح عن مطالبتها إياه بالقسمة لها. وإذ فسد ذلك صحّ أن تأويل الاَية ما قلنا. وقد أبان الخبر الذي تركناه عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار, أن قوله: {وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاض}... الاَية, نزلت في أمر رافع بن خديج وزوجته, إذ تزوّج عليها شابة, فآثر الشابة عليها, فأبت الكبيرة أن تقرّ على الأثرة, فطلقها تطليقة وتركها, فلما قارب انقضاء عدتها, خيرها بين الفراق والرجعة والصبر على الأثرة, فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة, فراجعها وآثر عليها, فلم تصبر فطلقها. ففي ذلك دليل واضح على أن قوله: {وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشّحّ} إنما عني به: وأحضرت أنفس النساء الشحّ بحقوقهنّ من أزواجهن على ما وصفنا.
وأما قوله: {وَإنْ تُحْسِنُوا وَتَتّقُو} فإنه يعني: وإن تحسنوا أيها الرجال في أفعالكم إلى نسائكم إذا كرهتم منهنّ دمامة أو خُلُقا, أو بعض ما تكرهون منهنّ بالصبر عليهنّ, وأيفائهنّ حقوقهنّ, وعشرتهنّ بالمعروف {وتَتّقُو} يقول: وتتقوا الله فيهنّ بترك الجور منكم عليهنّ فيما يجب لمن كرهتموه منهنّ عليكم من القسمة له والنفقة والعشرة بالمعروف. {فإنّ اللّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} يقول: فإن الله كان بما تعلمون في أمور نسائكم أيها الرجال من الإحسان إليهنّ, والعشرة بالمعروف, والجور عليهنّ فيما يلزمكم لهنّ ويجب {خَبِير} يعني عالما خابرا, لا يخفي عليه منه شيء, بل هو به عالم, وله محص عليكم, حتى يوفيكم جزاء ذلك المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته.
الآية : 129
القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوَاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتّقُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً }..
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بينَ النّساءِ}: لن تطيقوا أيها الرجال أن تسوّوا بين نسائكم وأزواجكم في حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن في ذلك, مما لا تملكونه. وليس إليكم. {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} يقول: ولو حرصتم في تسويتكم بينهنّ في ذلك. كما:
8456ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بينَ النّساءِ وَلَوح حَرَصْتُمْ} قال: واجب أن لا تستطيعوا العدل بينهن.
{فَلاَ تَمِيلُوا كُلّ المَيْلِ} يقول: فلا تميلوا بأهوائكم إلى من لم تملكوا محبته منهنّ كلّ الميل, حتى يحملكم ذلك على أن تجوروا على صواحبها في ترك أداء الواجب لهنّ عليكم من حقّ في القسم لهنّ, والنفقة عليهنْ, والعشرة بالمعروف. {فَتَذَرُها كالمُعَلّقَةِ} يقول: فتذروا التي هي سوى التي ملتم بأهوائكم إليها كالمعلقة, يعني: كالتي لا هي ذات زوج, ولا هي أيم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ما قلنا في قوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بينَ النّساءِ وَلَوح حَرَصْتُمْ}:
8457ـ حدثنا محمد بن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفيان, عن هشام بن حسان, عن محمد بن سيرين, عن عبيدة: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بينَ النّساءه وَلَوْ حَرَصْتُمْ} قال: بنفسه في الحبّ والجماع.
حدثنا محمد بن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفيان, عن يونس, عن محمد بن سيرين, عن عبيدة: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بينَ النّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} قال بنفسه.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا حفص, عن أشعث, وهشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة, قال: سألته عن قوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بينَ النّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} فقال: في الجماع.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا جرير, عن هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة,قال: في الحبّ والجماع.
8458ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا سهل, عن عمرو, عن الحسن: في الحبّ.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة, قال: في الحبّ والجماع.
حدثنا الحسن بن يحيـى, قال: قال أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن أيوب, عن ابن سيرين, عن عبيدة, عن قوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أن تَعْدِلُوا بينَ النّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} قال: في المودة, كأنه يعني الحبّ.
8459ـ حدثني المثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بينَ النّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} يقول: لا تستطيع أن تعدل بالشهوة فيما بينهنّ ولو حرصت.
8460ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, وحدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الأعلى, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهمّ أما قلبي فلا أملك, وأما سوى ذلك فأرجو أن أعدل.
8461ـ حدثني المثنى, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بينَ النّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} يعني: في الحبّ والجماع.
8462ـ حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا ابن علية, وحدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الوهاب, قالا جميعا: حدثنا أيوب, عن أبي قلابة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل, ثم يقول: «اللّهُمّ هَذَا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ, فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ وَلا أمْلِكُ».
8463ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا حسين بن عليّ, عن زائدة, عن عبد العزيز بن رفيع, عن ابن أبي مليكة قال: نزلت هذه الاَية في عائشة: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بينَ النّساءِ}.
8464ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبو معاوية, عن جويبر, عن الضحاك, قال: في الشهوة والجماع.
حدثنا ابن وكيع, حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك, قال: في الجماع.
8465ـ حدثنا عليّ بن سهل, قال: حدثنا زيد بن أبي الزرقاء, قال: قال سفيان في قوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بينَ النّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} قال: في الحبّ والجماع.
8466ـ حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بينَ النّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} قال: ما يكون من بدنه وقلبه, فذلك شيء لا يستطيع يملكه.
ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله: {فَلا تَمِيلُوا كُلّ المَيْل}:
8467ـ حدثنا يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا ابن علية, قال: حدثنا ابن عون, عن محمد, قال: قلت لعبيدة: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلّ المَيْلِ} قال: بنفسه.
حدثنا سفيان, قال: حدثنا ابن علية, عن ابن عون, عن محمد, عن عبيدة, مثله.
8468ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبو أسامة, عن هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلّ المَيْلِ} قال هشام: أظنه قال: في الحبّ والجماع.
حدثني المثنى, قال: حدثنا حبان بن موسى, قال: أخبرنا ابن المبارك, قال: أخبرنا هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة في قوله: {كُلّ المَيْلِ} قال: بنفسه.
حدثنا بحر بن نصر الخولاني, قال: حدثنا بشر بن بكر, قال: أخبرنا الأوزاعي, عن ابن سيرين, قال: سألت عبيدة عن قول الله: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلّ المَيْلِ} قال: بنفسه.
8469ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا سهل بن يوسف, عن عمرو, عن الحسن: {فَلا تَمِيلُوا كُلّ المَيْلِ} قال: في الغشيان والقسم.
8470ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: {فَلا تَمِيلُوا كُلّ المَيْلِ}: لا تَعَمّدوا الإساءة.
حدثني المثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج, قال: بلغني عن مجاهد: {فَلا تَمِيلُوا كُلّ المَيْلِ} قال: يتعمد أن يسيء ويظلم.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى بن ميمون, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
8471ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: {فَلا تَمِيلُوا كُلّ المَيْل} قال: هذا في العمل في مبيته عندها, وفيما تصيب من خيره.
8472ـ حدثنا محمد بن الحسين, قال: حدثنا أحمد بن مفضل, قال: حدثنا أسباط, عن السديّ: {فَلا تَمِيلُوا كُلّ المَيْل} يقول: يميل عليها فلا ينفق عليها, ولا يقسم لها يوما.
8473ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريج, قال: قال مجاهد: {فَلا تَمِيلُوا كُلّ المَيْل} قال: يتعمد الإساءة, يقول: لا تميلوا كل الميل, قال: بلغني أنه الجماع.
8474ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبي, عن حماد بن زيد, عن أيوب, عن أبي قلابة, قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه, فيعدل ويقول: «اللّهُمّ هَذهِ قِسْمَتِي فِيما أمْلِكُ, فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ وَلا أمْلِكُ».
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا عبد الوهاب, عن أيوب, عن أبي قلابة, عن عبد الله بن يزيد, عن عائشة, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم, بمثله.
8475ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبي, عن همام بن يحيـى, عن قتادة, عن النضر بن أنس, عن بشير بن نهيك, عن أبي هريرة, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم, قال: «مَنْ كانَتْ لَهُ امْرأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْدَاهُمَا على الأُخْرَى جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ أحَدُ شِقّيْهِ ساقِطٌ».
ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله: {فَتَذَرُوها كالمُعَلّقَةِ}:
8476ـ حدثني المثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ بن أبي طلحة, عن ابن عباس: {فَتَذَرُوها كالمُعَلّقَةِ} قال: تذروها لا هي أيّم, ولا ذات زوج.
8477ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا يحيـى بن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد بن جبير: {فَتَذَرُوها كالمُعَلّقَةِ} قال: لا أيما ولا ذات بعل.
8478ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا ابن يمان, عن مبارك, عن الحسن¹ {فَتَذَرُوها كالمُعَلّقَةِ} قال: لا مطلقة, ولا ذات بعل.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا سهل بن يوسف, عن عمرو, عن الحسن, مثله.
8479ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: {فَتَذَرُوها كالمُعَلّقَةِ}: أي كالمحبوسة أو كالمسجونة.
حدثنا الحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: {فَتَذَرُوها كالمُعَلّقَةِ} قال: كالمسجونة.
8480ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا حكام بن سلم, عن أبي جعفر, عن الربيع في قوله: {فَتَذَرُوها كالمُعَلّقَةِ} يقول: لا مطلقة, ولا ذات بعل.
حدثني المثنى, قال: ثني إسحاق, قال: حدثنا عبد الرحمن بن سعد, قال: أخبرنا أبو جعفر, عن الربيع بن أنس في قوله: {فَلا تَمِيلُوا كُلّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلّقَةِ} لا مطلقة, ولا ذات بعل.
8481ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج, قال: بلغني عن مجاهد: {فَتَذَرُها كالمُعَلّقَةِ} قال: لا أيما, ولا ذات بعل.
8482ـ حدثني المثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح: {فَتَذَرُوها كالمُعَلّقَةِ} ليس بأيم, ولا ذات زوج.
8483ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا المحاربي وأبو خالد وأبو معاوية, عن جويبر, عن الضحاك, قال: لا تدعها, كأنها ليس لها زوج.
8484ـ حدثنا محمد بن الحسين, قال: حدثنا أحمد بن مفضل, قال: حدثنا أسباط, عن السدي: {فَتَذَرُوها كالمُعَلّقةِ} قال: لا أيّما, ولا ذات بعل.
8485ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: {فَتَذَرُوها كالمُعَلّقَةِ} قال: المعلقة: التي ليست بمخلاّة ونفسها فتبتغي لها, وليست متهيئة كهيئة المرأة من زوجها, لا هي عند زوجها ولا مفارقة فتبتغي لنفسها, فتلك المعلقة.
قال أبو جعفر: وإنما أمر الله جلّ ثناؤه بقوله: {فَلا تَميلُوا كُلّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلّقَةِ} الرجال بالعدل بين أزواجهن فيما استطاعوا فيه العدل بينهنّ من القسمة بينهنّ والنفقة, وترك الجور في ذلك بإيثار أحداهنّ على الأخرى فيما فرض عليهم العدل بينهن فيه, إذ كان قد صفح لهم عما لا يطيقون العدل فيه بينهن, مما في القلوب من المحبة والهوى.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَإنْ تُصْلِحُوا وَتَتّقُوا فإنّ اللّهَ كانَ غَفُورا رَحِيم}.
يعني بذلك جلّ ثناؤه: وإن تصلحوا أعمالكم أيها الناس, فتعدلوا في قسمكم بين أزواجكم وما فرض الله لهنّ عليكم من النفقة والعشرة بالمعروف, فلا تجوروا في ذلك. {وتَتّقُو} يقول: وتتقوا الله في الميل الذي نهاكم عنه, بأن تميلوا لإحداهنّ على الأخرى, فتظلموها حقها مما أوجبها الله له عليكم. {فإنّ اللّهَ كانَ غَفُور} يقول: فإن الله يستر عليكم ما سلف منكم من ميلكم وجوركم عليهنّ قبل ذلك بتركه عقوبتكم عليه, ويغطي ذلك عليكم بعفوه عنكم ما مضى منكم في ذلك قبل. {رَحِيم} يقول: وكان رحيما بكم إذا تاب عليكم, فقبل توبتكم من الذي سلف منكم من جورتكم في ذلك عليهنّ, وفي ترخيصه لكم الصلح بينكم وبينهن, بصفحهن عن حقوقهنّ لكم من القسم على أن يطلقن.
الآية : 130
القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِن يَتَفَرّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاّ مّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيماً }..
يعني بذلك جلّ ثناؤه: فإن أبت المرأة التي قد نشز عليها زوجها, أو أعرض عنها بالميل منها إلى ضرتها لجمالها أو شبابها, أو غير ذلك مما تميل النفوس به إليها الصلح, لصفحها لزوجها عن يومها وليلتها, وطلبت حقها منه من القسم والنفقة وما أوجب الله لها عليه, وأبي الزوج الأخذ عليها بالإحسان الذي ندبه الله إليه بقوله: وَإنْ تُحْسِنُوا وَتَتّقوا فإنّ اللّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} وإلحاقها في القسم لها والنفقة والعشرة بالتي هو إليها, مائل, فتفرّقا بطلاق الزواج إياها¹ {يُغْنِ اللّهَ كُلاّ مِنْ سَعَتِهِ} يقول يغن الله الزوج والمرأة المطلقة من سعة فضله, أما هذه فبزوج هو أصلح لها من المطلق الأوّل, أو برزق واسع وعصمة¹ وأما هذا فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلقة أو عفة. {وكانَ اللّهُ وَاسِع} يعني: وكان الله واسعا لهما في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه. {حَكِيم} فيما قضى بينه وبينها من الفرقة والطلاق, وسائر المعاني التي عرفناها من الحكم بينهما في هذه الاَيات وغيرها وفي غير ذلك من أحكامه وتدبيره وقضاياه في خلقه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
8486ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: {وَإنْ يَتَفَرّقا يُغْنِ اللّهُ كُلاّ مِنْ سَعَتِهِ} قال: الطلاق يغني الله كلاّ من سعته.
حدثني المثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
الآية : 131
القول في تأويل قوله تعالى: {وَللّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَقَدْ وَصّيْنَا الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اتّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنّ للّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً }..
يعني بذلك جلّ ثناؤه: ولله ملك جميع ما حوته السموات السبع والأرضون السبع من الأشياء كلها. وإنما ذكر جلّ ثناؤه بعقب ذلك قوله: {وَإنْ يَتَفَرّقا يُغْن اللّهُ كُلاّ مِنْ سَعَته} تنبيها منه خلقه على موضع الرغبة عند فراق أحدهم زوجته, ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوحشة بفراق سكنه وزوجته, وتذكيرا منه له أنه الذي له الأشياء كلها وأن من كان له ملك جميع الأشياء فغير متعذّر عليه أن يغنيه, وكل ذي فاقة وحاجة, ويؤنس كل ذي وحشة. ثم رجع جلّ ثناؤه إلى عذل من سعي في أمر بني أبيرق وتوبيخهم ووعيد من فعل ما فعل المرتدّ منهم, فقال: {وَلَقَدْ وَصّيْنا الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإيّاكُمْ} يقول: ولقد أمرنا أهل الكتاب وهم أهل التوراة والإنجيل وإياكم, يقول: وأمرناكم وقلنا لكم ولهم: {اتّقُو اللّهَ} يقول: احذروا أن تعصوه وتخالفوا أمره ونهيه, {وإنْ تَكْفُرُو} يقول: وإن تجحدوا وصيته إياكم أيها المؤمنون فتخالفوها, {فإنّ لِلّهِ ما فِي السّمَوَاتِ وَما فِي الأرْضِ} يقول: فإنكم لا تضرون بخلافكم وصيته غير أنفسكم, ولا تعدون في كفركم ذلك أن تكونوا أمثال اليهود والنصارى في نزول عقوبته بكم وحلول غضبه عليكم كما حلّ بهم, إذ بدلوا عهده ونقضوا ميثاقه, فغير بهم ما كانوا فيه من خفض العيش وأمن السّرْب, وجعل منهم القردة والخنازير¹ وذلك أن له ملك جميع ما حوته السموات والأرض لا يمتنع عليه شيء أراده بجميعه وبشيء منه من إعزاز من أراد إعزازه وإذلال من أراد إذلاله وغير ذلك من الأمور كلها, لأن الخلق خلقه بهم إليه الفاقة والحاجة, وبه قوامهم وبقاؤهم وهلاكهم وفناؤهم, وهو الغنيّ الذي لا حاجة تحلّ به إلى شيء ولا فاقة تنزل به تضطره إليكم أيها الناس ولا إلى غيركم, والحميد الذي استوجب عليكم أيها الخلق الحمد بصنائعه الحميدة إليكم وآلائه الجميلة لديكم, فاستديموا ذلك يها الناس باتقائه, والمسارعة إلى طاعته فيما يأمركم به وينهاكم عنه. كما:
8487ـ حدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا عبد الله بن هاشم, قال: أخبرنا سيف, عن أبي روق عن عليّ رضي الله عنه: {وكانَ اللّهُ غَنِيّا حَميد} قال: غنيّا عن خلقه {حَمِيد} قال: مستحمدا إليهم.
الآية : 132
القول في تأويل قوله تعالى: {وَللّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَىَ بِاللّهِ وَكِيلاً }..
يعني بذلك جلّ ثناؤه: ولله ملك جميع ما حوته السموات والأرض, وهم القيم بجميعه, والحافظ لذلك كله, لا يعزب عنه علم شيء منه, ولا يئوده حفظه وتدبيره. كما:
8488ـ حدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا هشام, عن عمرو, عن سعيد, عن قتادة: {وكَفَى باللّهِ وَكيل} قال: حفيظا.
فإن قال قائل: وما وجه تكرار قوله: {ولِلّهِ ما فِي السّمَوَاتِ وما فِي الأرْضِ} في آيتين إحداهما في إثر الأخرى؟ قيل: كرّر ذلك لاختلاف معنى الخبرين عما في السموات والأرض في الاَيتين, وذلك أن الخبر عنه في إحدى الاَيتين ذكر حاجته إلى بارئه وغنى بارئه عنه, وفي الأخرى حفظ بارئه إياه به وعلمه به وتدبيره. فإن قال: أفلا قيل: وكان الله غنيا حميدا وكفى بالله وكيلاً؟ قيل: إن الذي في الاَية التي قال فيها: {وكانَ اللّهُ غَنِيّا حَمِيد} مما صلح أن يختم ما ختم به من وصف الله بالغني وأنه محمود ولم يذكر فيها ما يصلح أن يختم بوصفه معه بالحفظ والتدبير, فلذلك كرّر قوله: {ولِلّهِ ما فِي السّمَوَاتِ وَما فِي الأرْضِ}.
الآية : 133
القول في تأويل قوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَىَ ذَلِكَ قَدِيراً }..
يعني بذلك جلّ ثناؤه: {إنْ يَشَ} الله أيها الناس {يُذْهِبْكُمْ} أي يذهبكم باهلاككم وإفنائكم. {وَيأْتِ بآخَرِين} يَقول: ويأت بناس آخرين غيركم, لمؤازرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونصرته. {وكانَ اللّهُ على ذَلِكَ قَدِير} يقول: وكان الله على إهلاككم وإفنائكم, واستبدال آخرين غيركم بكم قديرا, يعني: ذا قدرة على ذلك. وإنما وبخ جلّ ثناؤه بهذه الاَيات الخائنين الذين خانوا الدرع التي وصفنا شأنها, الذين ذكرهم الله في قوله: {وَلا تَكُنْ للخائِنِينَ خَصِيم} وحذّر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يكونوا مثلهم, وأن يفعلوا فعل المرتدّ منهم في ارتداده ولحاقه بالمشركين, وعرّفهم أن من فعل فعله منهم فلن يضرّ إلا نفسه ولن يوبق بردّته غير نفسه, لأنه المحتاج مع جميع ما في السموات وما في الأرض إلى الله, والله الغنيّ عنهم. ثم توعدهم في قوله: {إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيّها النّاسُ وَيأْتِ بآخَرينَ} بالهلاك والاستئصال إن هم فعلوا فعل ابن أبيرق طعمة المرتدّ, وباستبدال آخرين غيرهم بهم لنصرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وصحبته ومؤازرته على دينه, كما قال في الاَية الأخرى: {وَإنْ تَتَوَلّوْا يَسْتَبْدْل قَوْما غَيْرَكُمْ ثُمّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ}.
وقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها لما نزلت, ضرب بيده على ظهر سلمان, فقال: «هُمْ قَوْمُ هَذَا» يعني عجم الفرس¹ كذلك.
8489ـ حُدثت عن عبد العزيز بن محمد, عن سهيل بن أبي صالح, عن أبيه, عن أبي هريرة, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وقال قتادة في ذلك بما:
8490ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: {إنْ يشأْ يُذْهِبْكُمْ أيّها النّاسُ وَيأْتِ بآخَرِينَ وكانَ اللّهُ على ذَلِكَ قَدِير} قادر والله ربنا على ذلك, أن يهلك من يشاء من خلقه, ويأتي بآخرين من بعدهم.
الآية : 134
القول في تأويل قوله تعالى: {مّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً بَصِيراً }..
يعني بذلك جلّ ثناؤه: {مَنْ كانَ يُرِيدُ} ممن أظهر الإيمان لمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل النفاق الذين يستبطنون الكفر وهم مع ذلك يظهرون الإيمان. {ثَوَابَ الدّنيْ} يعني: عرض الدنيا, بإظهار ما أظهر من الإيمان بلسانه. {فَعِنْدَ اللّهِ ثَوَابُ الدّنيْ} يعني: جزاؤه في الدنيا منها وثوابه فيها, هو ما يصيب من المغنم إذا شهد مع النبيّ مشهدا, وأمنه على نفسه وذرّيته وماله, وما أشبه ذلك. وأما ثوابه في الاَخرة فنار جهنم. فمعنى الاَية: من كان من العاملين في الدنيا من المنافقين يريد بعمله ثواب الدنيا وجزاءها من عمله, فإن الله مجازيه جزاءه في الدنيا من الدنيا, وجزاءه في الاَخرة من العقاب والنكال وذلك أن الله قادر على ذلك كله, وهو مالك جميعه, كما قال في الاَية الأخرى: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنيْا وَزِينَتَها نُوَفّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الاَخِرَة إلاّ النّارُ وَحبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}. وإنما عنى بذلك جلّ ثناؤه الذين سعوا في أمر بني أبيرق, والذين وصفهم في قوله: {وَلا تُجادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ إنّ اللّهَ لا يُحِبّ مَنْ كانَ خَوّانا أثِيما يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاس وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إذْ يُبَيّنُونَ ما لا يَرْضَى مِنَ القَوْل مِنَ القَوْلِ} ومن كان من نظرائهم في أفعالهم ونفاقهم.
وقوله: {كانَ اللّهُ سَمِيعا بَصِير} يعني: وكان الله سميعا لما يقول هؤلاء المنافقون الذين يريدون ثواب الدنيا بأعمالهم, وإظهارهم للمؤمنين ما يظهرون لهم إذا لقوا المؤمنين وقولهم لهم آمنا. {بَصِير}: يعني: وكان ذا بصر بهم وبما هم عليه منطوون للمؤمنين فيما يكتمونه ولا يبدونه لهم من الغشّ والغلّ الذي في صدورهم