﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
[ المائدة: 4]

سورة : المائدة - Al-Mā’idah  - الجزء : ( 6 )  -  الصفحة: ( 107 )

They ask you (O Muhammad SAW) what is lawful for them (as food). Say: "Lawful unto you are At-Tayyibat [all kind of Halal (lawful-good) foods which Allah has made lawful (meat of slaughtered eatable animals, milk products, fats, vegetables and fruits, etc.)]. And those beasts and birds of prey which you have trained as hounds, training and teaching them (to catch) in the manner as directed to you by Allah; so eat of what they catch for you, but pronounce the Name of Allah over it, and fear Allah. Verily, Allah is Swift in reckoning."


الطيباتُ : ما أَذِن الشارعُ في أكله
الجوارح : الكواسب للصيد من السباع والطير
مُكلبين : مُعلمين لها الصيد ومُضرّينها به

يسألك أصحابك -أيها النبي-: ماذا أُحِلَّ لهم أَكْلُه؟ قل لهم: أُحِلَّ لكم الطيبات وصيدُ ما دَرَّبتموه من ذوات المخالب والأنياب من الكلاب والفهود والصقور ونحوها مما يُعَلَّم، تعلمونهن طلب الصيد لكم، مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن لكم، واذكروا اسم الله عند إرسالها للصيد، وخافوا الله فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه. إن الله سريع الحساب.

يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح - تفسير السعدي

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ْ} من الأطعمة؟ { قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ْ} وهي كل ما فيه نفع أو لذة, من غير ضرر بالبدن ولا بالعقل، فدخل في ذلك جميع الحبوب والثمار التي في القرى والبراري، ودخل في ذلك جميع حيوانات البحر وجميع حيوانات البر، إلا ما استثناه الشارع، كالسباع والخبائث منها.
ولهذا دلت الآية بمفهومها على تحريم الخبائث، كما صرح به في قوله تعالى: { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ْ} { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ ْ}- أي: أحل لكم ما علمتم من الجوارح إلى آخر الآية.
دلت هذه الآية على أمور: أحدها: لطف الله بعباده ورحمته لهم، حيث وسع عليهم طرق الحلال، وأباح لهم ما لم يذكوه مما صادته الجوارح، والمراد بالجوارح: الكلاب، والفهود، والصقر، ونحو ذلك، مما يصيد بنابه أو بمخلبه.
الثاني: أنه يشترط أن تكون معلمة، بما يعد في العرف تعليما، بأن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لم يأكل، ولهذا قال: { تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ْ}- أي: أمسكن من الصيد لأجلكم.
وما أكل منه الجارح فإنه لا يعلم أنه أمسكه على صاحبه، ولعله أن يكون أمسكه على نفسه.
الثالث: اشتراط أن يجرحه الكلب أو الطير ونحوهما، لقوله: { مِنَ الْجَوَارِحِ ْ} مع ما تقدم من تحريم المنخنقة.
فلو خنقه الكلب أو غيره، أو قتله بثقله لم يبح [هذا بناء على أن الجوارح اللاتي يجرحن الصيد بأنيابها أو مخالبها، والمشهور أن الجوارح بمعنى الكواسب- أي: المحصلات للصيد والمدركات لها فلا يكون فيها على هذا دلالة - والله أعلم-] الرابع: جواز اقتناء كلب الصيد، كما ورد في الحديث الصحيح، مع أن اقتناء الكلب محرم، لأن من لازم إباحة صيده وتعليمه جواز اقتنائه.
الخامس: طهارة ما أصابه فم الكلب من الصيد، لأن الله أباحه ولم يذكر له غسلا، فدل على طهارته.
السادس: فيه فضيلة العلم، وأن الجارح المعلم -بسبب العلم- يباح صيده، والجاهل بالتعليم لا يباح صيده.
السابع: أن الاشتغال بتعليم الكلب أو الطير أو نحوهما، ليس مذموما، وليس من العبث والباطل.
بل هو أمر مقصود، لأنه وسيلة لحل صيده والانتفاع به.
الثامن: فيه حجة لمن أباح بيع كلب الصيد، قال: لأنه قد لا يحصل له إلا بذلك.
التاسع: فيه اشتراط التسمية عند إرسال الجارح، وأنه إن لم يسم الله متعمدا، لم يبح ما قتل الجارح.
العاشر: أنه يجوز أكل ما صاده الجارح، سواء قتله الجارح أم لا.
وأنه إن أدركه صاحبه، وفيه حياة مستقرة فإنه لا يباح إلا بها.
ثم حث تعالى على تقواه، وحذر من إتيان الحساب في يوم القيامة، وأن ذلك أمر قد دنا واقترب، فقال: { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ْ}

تفسير الآية 4 - سورة المائدة

تفسير الجلالين التفسير الميسر تفسير السعدي
تفسير البغوي التفسير الوسيط تفسير ابن كثير
تفسير الطبري تفسير القرطبي إعراب الآية

يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم : الآية رقم 4 من سورة المائدة

 سورة المائدة الآية رقم 4

يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح - مكتوبة

الآية 4 من سورة المائدة بالرسم العثماني


﴿ يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ  ﴾ [ المائدة: 4]


﴿ يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب ﴾ [ المائدة: 4]

  1. الآية مشكولة
  2. تفسير الآية
  3. استماع mp3
  4. الرسم العثماني
  5. تفسير الصفحة
فهرس القرآن | سور القرآن الكريم : سورة المائدة Al-Mā’idah الآية رقم 4 , مكتوبة بكتابة عادية و كذلك بالشكيل و مصورة مع الاستماع للآية بصوت ثلاثين قارئ من أشهر قراء العالم الاسلامي مع تفسيرها ,مكتوبة بالرسم العثماني لمونتاج فيديو اليوتيوب .
  
   

تحميل الآية 4 من المائدة صوت mp3

أورد المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير عن عدى بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين أنهما سألا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالا: يا رسول الله، قد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت هذه الآية .
والمعنى: يسألك أصحابك يا محمد ما الذي أحل لهم من المطاعم بعد أن عرفوا ما حرم منها؟ قل لهم أحل الله لكم الطيبات.
والطيبات: جمع طيب وهو الشيء المستلذ.
وفسره بعضهم بالحلال.
أى: قل لهم أحل الله لكم الأطعمة الطيبة التي تستلذها النفوس المستقيمة وتستطيبها ولا تستقذرها، والتي لم يرد في الشرع ما يحرمها ويمنع من تناولها.
وفي قوله يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ التفات من الحاضر إلى الغائب، لأن في السياق حكاية عنهم كما يقال: أقسم فلان ليفعلن كذا، لأن هذا الالتفات أدعى إلى تنبيه الأذهان، وتوجيهها إلى ما يراد منها.
وقد أمر الله-تبارك وتعالى- نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن يتولى الجواب عن سؤالهم لأنه هو المبلغ للرسالة وهو المبين لهم ما حفى؟؟؟ عليهم من أمور دينهم ودنياهم.
وقوله ماذا اسم استفهام مبتدأ، وقوله أُحِلَّ لَهُمْ خبره كقولك: أى شيء أحل لهم.
وجواب سؤالهم جاء في قوله تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ.
وقوله: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ معطوف على الطيبات بتقدير مضاف وما موصولة.
والعائد محذوف.
والْجَوارِحِ جمع جارحة.
وهي- كما يقول ابن جرير- الكواسب من سباع البهائم والطير.
سميت جوارح لجرحها لأربابها، وكسبها إياهم أقواتهم من الصيد.
يقال منه: جرح فلان لأهله خيرا.
إذا أكسبهم خيرا وفلان جارحة أهله.
يعنى بذلك: كاسبهم، ويقال:لا جارحة لفلانة إذا لم يكن لها كاسب» .
ومنه قوله-تبارك وتعالى- وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ أى: كسبتم بالنهار.
وقيل: سميت جوارح لأنها تجرح الصيد عند إمساكه.
وقوله: مُكَلِّبِينَ أى: مؤدبين ومعودين لها على الصيد.
فالتكليب: تعليم الكلاب وما يشبهها الصيد.
فهو اسم فاعل مشتق من اسم هذا الحيوان المعروف لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب.
أو هو مشتق من الكلب بمعنى الضراوة.
يقال: كلب الكلب يكلب واستكلب أى: ضرى وتعود نهش غيره وهو حال من فاعل علمتم.
والمعنى: أحل الله لكم الطيبات، وأحل لكم صيد ما علمتموه من الجوارح حال كونكم مؤدبين ومعودين لها على الصيد.
وقوله: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ في محل نصب على أنه حال ثانية من فاعل عَلَّمْتُمْ أو من الضمير المستتر في مُكَلِّبِينَ.
أى: تعلمون هذه الجوارح بعض ما علمكم الله إياه من فنون العلم والمعرفة بأن تدربوهن على وسائل التحايل وعلى الطرق المتنوعة للاصطياد وعلى الانقياد لأمركم عند الإرسال وعند الطلب، وعلى عدم الأكل من المصيد بعد صيده.
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة بيان بعض مظاهر فضل الله على الناس، حيث منحهم العلم الذي عن طريقه علموا غيرهم ما يريدونه منه، وسخروا هذا الغير لمنفعتهم ومصلحتهم.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: قوله: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ عطف على الطيبات: أى: أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح، فحذف المضاف أو تجعل «ما» شرطية وجوابها فَكُلُوا والجوارح: الكواسب من سباع البهائم والطير، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي، والمكلب: مؤدب الجوارح ومغريها بالصيد لصاحبها، ورائضها ذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب.
وانتصاب مُكَلِّبِينَ على الحال من عَلَّمْتُمْ.
فإن قلت: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ قلت: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرا في علمه، مدربا فيه، موصوفا بالتكليب.
قوله-تبارك وتعالى- تُعَلِّمُونَهُنَّ حال ثانية أو استئناف.
وفيه فائدة جليلة وهي أن على كل آخذ علما أن لا يأخذه إلا من أبرع أهله علما وأكثرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل.
فكم من آخذ عن غير متقن، قد ضيع أيامه، وعض عند لقاء النحارير أنامله .
وقوله فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ جملة متفرعة على بيان حل صيد الجوارح المعلمة، ومشيرة إلى نتيجة التعليم وأثره والأمر فيه للإباحة.
ومن في قوله مِمَّا أَمْسَكْنَ تبعيضية إذ من الممسك ما لا يؤكل كالجلد والعظم ونحوهما.
ويحتمل أن تكون بيانية أى: فكلوا الصيد وهو ما أمسكن عليكم.
وما موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أى: أمسكنه.
وقوله أَمْسَكْنَ أى: حبس وصدن، والضمير المؤنث يعود للجوارح.
وقوله عَلَيْكُمْ متعلق بأمسكن، وهو هنا بمعنى لكم، والاستعلاء مجازى.
والتقييد بذلك، لإخراج ما أمسكنه لأنفسهن لا لأصحابهن.
والمعنى: إذا علمتم الجوارح وتوفرت شروط الحل فيما تصيده، فكلوا مما أمسكنه محبوسا عليكم ولأجلكم.
والضمير في عَلَيْهِ من قوله: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يعود إلى ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ.
أى: عند إرسالكم الجوارح للصيد فسموا عليها، ويدل عليه قوله صلّى الله عليه وسلّم لعدي بن حاتم: «وإذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم- الله تعالى- فكل مما أمسك عليك» .
وقال بعضهم إنه يعود على المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل.
فكأنه قيل: واذكروا اسم الله عند الأكل مما صدن لكم.
وقيل: يعود على قوله مِمَّا أَمْسَكْنَ أى: اذكروا اسم الله على ما أدركتم ذكاته مما أمسكن عليكم الجوارح، ولا بأس من عود الضمير إلى كل ما ذكر، بأن يذكر اسم الله عند إرسال الجوارح، وعند الأكل مما صادته.
وعند تذكية الحيوان الذي صادته الجوارح.
ثم ختم- سبحانه - الآية بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ.
أى: واتقوا الله وراقبوه واخشوه في كل شئونكم واحذروا مخالفة أمره فيما شرع لكم وفيما كلفكم به فإنه-تبارك وتعالى- لا يعجزه شيء، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر.
فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير من مخالفة أمر الله، وانتهاك محارمه.
هذا ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى:1- إباحة التمتع بالطيبات التي أحلها الله-تبارك وتعالى- لعباده، والتي تستطيبها النفوس الكريمة، والعقول القويمة، من مطعومات ومشروبات وغير ذلك مما أحله- سبحانه - لعباده.
وفي هذا المعنى وردت آيات كثيرة منها، قوله-تبارك وتعالى-: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ، وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ .
2- إباحة الصيد بالجوارح بشرط كونها معلمة، وعلامة كونها معلمة أن تسترسل إذا أرسلت، وتنزجر إذا زجرت، وتمسك الصيد ولا تأكل منه، وتعود إلى صاحبها متى دعاها.
ويدخل في الجوارح- عند جمهور الفقهاء- كل حيوان يصنع صنيع الكلب، وكل طير كذلك، لأن قوله-تبارك وتعالى- مِنَ الْجَوارِحِ، يعم كل حيوان يصنع صنيع الكلب.
وكان التعبير بمكلبين، لأن الكلاب أكثر الحيوانات استعمالا للصيد.
وقد جاء في حديث عدى بن حاتم الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال له: «ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك» .
ويرى بعض الفقهاء أن الصيد لا يكون إلا بالكلاب خاصة.
قال القرطبي ما ملخصه: وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تتناول ما علمناه من الجوارح وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير.
وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع، فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها وبسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل.
وهو الأكل من الجوارح.
أى: الكواسب من الكلاب وسباع الطير.
وليس في قوله مُكَلِّبِينَ دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة، وإن كان قد تمسك به من قصر الإباحة على الكلاب خاصة» .
3- استدل بعض الفقهاء بقوله-تبارك وتعالى- فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ على أن الكلب وما يشبهه من الجوارح إذا أكل من الصيد الذي أمسكه، فإنه في هذه الحالة لا يحل الأكل منه، لأنه لم يمسك لمن أرسله وإنما أمسك لنفسه وبهذا قال الشافعية والحنابلة.
ويرى المالكية أن الجارح مادام قد عاد بالصيد ولو مأكولا منه، فإنه يجوز الأكل منه، لأنه بعودته بما صاده قد أمسكه على صاحبه.
أما الأحناف فقالوا: إن عاد بأكثره جاز الأكل منه، لأنه في هذه الحالة يكون قد أمسك لصاحبه، وإن عاد بأقله لا يجوز الأكل منه، لأنه يكون قد أمسك لنفسه.
وهذه المسألة بأدلتها الموسعة مبسوطة في كتب الفقه وفي بعض كتب التفسير .
4- استدل بعض العلماء بقوله-تبارك وتعالى- وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ على وجوب التسمية عند إرسال الجوارح للصيد، ولقوله-تبارك وتعالى- في آية أخرى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ .
ويرى بعضهم أن الأمر للندب، ويرى فريق ثالث أن التسمية إن تركت عمدا لا يحل الأكل من الصيد.
قال القرطبي: وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا بد منها بالقول عند الإرسال لقوله صلّى الله عليه وسلّم لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك» فلو لم توجد التسمية على أى وجه كان لم يؤكل الصيد.
وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة أهل الحديث.
وذهب جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه وإن ترك التسمية عمدا، وحملوا الأمر بالتسمية على الندب.
وذهب مالك في المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا فقال لا تؤكل مع العمد، وتؤكل مع السهو، وهو قول فقهاء الأمصار، وأحد قولي الشافعى» .
ثم حكى- سبحانه - جانبا آخر من مظاهر نعمه على عباده، ورحمته بهم وتيسيره عليهم في أمور دينهم ودنياهم فقال:
قوله تعالى : يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب .
فيه تسع عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : يسألونك .
الآية نزلت بسبب عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير ; قالا : يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة ، وإن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباء فمنه ما ندرك ذكاته ، ومنه ما تقتله فلا ندرك ذكاته ، وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا ؟ فنزلت الآية .
الثانية : قوله تعالى : ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ما في موضع رفع بالابتداء ، والخبر أحل لهم وذا زائدة ، وإن شئت كانت بمعنى الذي ، ويكون الخبر قل أحل لكم الطيبات وهو الحلال ، وكل حرام فليس بطيب .
وقيل : ما التذه آكله وشاربه ولم يكن عليه فيه ضرر في الدنيا ولا في الآخرة .
وقيل : الطيبات الذبائح ، لأنها طابت بالتذكية .
الثالثة : قوله تعالى : وما علمتم أي : وصيد ما علمتم ; ففي الكلام إضمار لا بد منه ، ولولاه لكان المعنى يقتضي أن يكون الحل المسئول عنه متناولا للمعلم من الجوارح المكلبين ، وذلك ليس مذهبا لأحد ; فإن الذي يبيح لحم الكلب فلا يخصص الإباحة بالمعلم ; وسيأتي ما للعلماء في أكل الكلب في " الأنعام " إن شاء الله تعالى .
وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تتناول ما علمناه من الجوارح ، وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير ، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع ، فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل ، وهو الأكل من الجوارح أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير ; وكان لعدي كلاب خمسة قد سماها بأسماء أعلام ، وكان أسماء أكلبه سلهب وغلاب والمختلس والمتناعس ، قال السهيلي : وخامس أشك ، قال فيه : أخطب ، أو قال فيه : وثاب .
الرابعة : أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود وعلمه مسلم فينشلي إذا أشلي ويجيب إذا دعي ، وينزجر بعد ظفره بالصيد إذا زجر ، وأن يكون لا يأكل من صيده الذي صاده ، وأثر فيه بجرح أو تنييب ، وصاد به مسلم وذكر اسم الله عند إرساله أن صيده صحيح يؤكل بلا خلاف ; فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف .
فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه وكالبازي والصقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب .
يقال : جرح فلان واجترح إذا اكتسب ; ومنه الجارحة لأنها يكتسب بها ، ومنه اجتراح السيئات ، وقال الأعشى :ذا جبار منضجا ميسمه يذكر الجارح ما كان اجترحوفي التنزيل ويعلم ما جرحتم بالنهار وقال : أم حسب الذين اجترحوا السيئات .
الخامسة : قوله تعالى : مكلبين معنى مكلبين أصحاب الكلاب وهو كالمؤدب صاحب التأديب ، وقيل : معناه مصرين على الصيد كما تصرى الكلاب ; قال الرماني : وكلا القولين محتمل .
وليس في مكلبين دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة ; لأنه بمنزلة قوله : مؤمنين وإن كان قد تمسك به من قصر الإباحة على الكلاب خاصة .
روي عن ابن عمر فيما حكى ابن المنذر عنه قال : وأما ما يصاد به من البزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فذكه فهو لك حلال ، وإلا فلا تطعمه .
قال ابن المنذر : وسئل أبو جعفر عن البازي يحل صيده قال : لا ; إلا أن تدرك ذكاته ، وقال الضحاك والسدي : وما علمتم من الجوارح مكلبين هي الكلاب خاصة ; فإن كان الكلب أسود بهيما فكره صيده الحسن وقتادة والنخعي ، وقال أحمد : ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما ; وبه قال إسحاق بن راهويه ; فأما عوام أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم ، أما من منع صيد الكلب الأسود فلقوله صلى الله عليه وسلم : الكلب الأسود شيطان ، أخرجه مسلم .
احتج الجمهور بعموم الآية ، واحتجوا أيضا في جواز صيد البازي بما ذكر من سبب النزول ، وبما خرجه الترمذي عن عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال : ما أمسك عليك فكل .
في إسناده مجالد ولا يعرف إلا من جهته وهو ضعيف ، وبالمعنى وهو أن كل ما يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلا فلا فارق إلا فيما لا مدخل له في التأثير ; وهذا هو القياس في معنى الأصل ، كقياس السيف على المدية والأمة على العبد ، وقد تقدم .
السادسة : وإذا تقرر هذا فاعلم أنه لابد للصائد أن يقصد عند الإرسال التذكية والإباحة ، وهذا لا يختلف فيه ; لقوله عليه السلام : إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل وهذا يقتضي النية والتسمية ; فلو قصد مع ذلك اللهو فكرهه مالك وأجازه ابن عبد الحكم ، وهو ظاهر قول الليث : ما رأيت حقا أشبه بباطل منه ، يعني الصيد ; فأما لو فعله بغير نية التذكية فهو حرام ; لأنه من باب الفساد وإتلاف حيوان لغير منفعة ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الحيوان إلا لمأكلة ، وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا بد منها بالقول عند الإرسال ; لقوله : وذكرت اسم الله فلو لم توجد على أي وجه كان لم يؤكل الصيد ; وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة أهل الحديث ، وذهبت جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه وإن ترك التسمية عمدا ; وحملوا الأمر بالتسمية على الندب ، وذهب مالك في المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا فقال : لا تؤكل مع العمد وتؤكل مع السهو ; وهو قول فقهاء الأمصار ، وأحد قولي الشافعي ، وستأتي هذه المسألة في " الأنعام " إن شاء الله تعالى .
ثم لا بد أن يكون انبعاث الكلب بإرسال من يد الصائد بحيث يكون زمامه بيده .
فيخلي عنه ويغريه عليه فينبعث ، أو يكون الجارح ساكنا مع رؤيته الصيد فلا يتحرك له إلا بالإغراء من الصائد ، فهذا بمنزلة ما زمامه بيده فأطلقه مغريا له على أحد القولين ; فأما لو انبعث الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال ولا إغراء فلا يجوز صيده ولا يحل أكله عند الجمهور ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ; لأنه إنما صاد لنفسه من غير إرسال وأمسك عليها ، ولا صنع للصائد فيه ، فلا ينسب إرساله إليه ; لأنه لا يصدق عليه قوله عليه السلام : إذا أرسلت كلبك المعلم ، وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي : يؤكل صيده إذا كان أخرجه للصيد .
السابعة : قرأ الجمهور " علمتم " بفتح العين واللام ، وابن عباس ومحمد بن الحنفية بضم العين وكسر اللام ، أي : من أمر الجوارح والصيد بها .
والجوارح الكواسب ، وسميت أعضاء الإنسان جوارح لأنها تكسب وتتصرف .
وقيل : سميت جوارح لأنها تجرح وتسيل الدم ، فهو مأخوذ من الجراح ، وهذا ضعيف ، وأهل اللغة على خلافه ، وحكاه ابن المنذر عن قوم .
و " مكلبين " قراءة الجمهور بفتح الكاف وشد اللام ، والمكلب معلم الكلاب ومضريها ، ويقال لمن يعلم غير الكلب : مكلب ; لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب ; حكاه بعضهم ، ويقال للصائد : مكلب فعلى هذا معناه صائدين ، وقيل : المكلب صاحب الكلاب ، يقال : كلب فهو مكلب وكلاب ، وقرأ الحسن " مكلبين " بسكون الكاف وتخفيف اللام ، ومعناه أصحاب كلاب ، يقال : أمشى الرجل كثرت ماشيته ، وأكلب كثرت كلابه ، وأنشد الأصمعي :وكل فتى وإن أمشى فأثرى ستخلجه عن الدنيا منونالثامنة : قوله تعالى : تعلمونهن مما علمكم الله أنث الضمير مراعاة للفظ الجوارح ; إذ هو جمع جارحة ، ولا خلاف بين العلماء في شرطين في التعليم وهما : أن يأتمر إذا أمر وينزجر إذا زجر ; لا خلاف في هذين الشرطين في الكلاب وما في معناها من سباع الوحوش ، واختلف فيما يصاد به من الطير ; فالمشهور أن ذلك مشترط فيها عند الجمهور ، وذكر ابن حبيب أنه لا يشترط فيها أن تنزجر إذا زجرت ; فإنه لا يتأتى ذلك فيها غالبا ، فيكفي أنها إذا أمرت أطاعت .
وقال ربيعة : ما أجاب منها إذا دعي فهو المعلم الضاري ; لأن أكثر الحيوان بطبعه ينشلي ، وقد شرط الشافعي وجمهور من العلماء في التعليم أن يمسك على صاحبه ، ولم يشترطه مالك في المشهور عنه ، وقال الشافعي : المعلم هو الذي إذا أشلاه صاحبه انشلى ; وإذا دعاه إلى الرجوع رجع إليه ، ويمسك الصيد على صاحبه ولا يأكل منه ; فإذا فعل هذا مرارا وقال أهل العرف : صار معلما فهو المعلم ، وعن الشافعي أيضا والكوفيين : إذا أشلي فانشلى وإذا أخذ حبس وفعل ذلك مرة بعد مرة أكل صيده في الثالثة .
ومن العلماء من قال : يفعل ذلك ثلاث مرات ويؤكل صيده في الرابعة ، ومنهم من قال : إذا فعل ذلك مرة فهو معلم ويؤكل صيده في الثانية .
التاسعة : قوله تعالى : فكلوا مما أمسكن عليكم أي : حبسن لكم ، واختلف العلماء في تأويله ; فقال ابن عباس وأبو هريرة والنخعي وقتادة وابن جبير وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان وأصحابه : المعنى ولم يأكل ; فإن أكل لم يؤكل ما بقي ، لأنه أمسك على نفسه ولم يمسك على ربه ، والفهد عند أبي حنيفة وأصحابه كالكلب ولم يشترطوا ذلك في الطيور بل يؤكل ما أكلت منه ، وقال سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وسلمان الفارسي وأبو هريرة أيضا : المعنى وإن أكل ; فإذا أكل الجارح كلبا كان أو فهدا أو طيرا أكل ما بقي من الصيد وإن لم يبق إلا بضعة ; وهذا قول مالك وجميع أصحابه ، وهو القول الثاني للشافعي ، وهو القياس ، وفي الباب حديثان بمعنى ما ذكرنا أحدهما : حديث عدي في الكلب المعلم ( وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه ) أخرجه مسلم .
الثاني : حديث أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيد الكلب : إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يداك أخرجه أبو داود ، وروي عن عدي ولا يصح ; والصحيح عنه حديث مسلم ; ولما تعارضت الروايتان رام بعض أصحابنا وغيرهم الجمع بينهما فحملوا حديث النهي على التنزيه والورع ، وحديث الإباحة على الجواز ، وقالوا : إن عديا كان موسعا عليه فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بالكف ورعا ، وأبا ثعلبة كان محتاجا فأفتاه بالجواز ; والله أعلم ، وقد دل على صحة هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عدي : فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه هذا تأويل علمائنا .
وقال أبو عمر في كتاب " الاستذكار " : وقد عارض حديث عدي هذا حديث أبي ثعلبة ، والظاهر أن حديث أبي ثعلبة ناسخ له ; فقوله : وإن أكل يا رسول الله ؟ قال : وإن أكل .
قلت : هذا فيه نظر ; لأن التاريخ مجهول ; والجمع بين الحديثين أولى ما لم يعلم التاريخ ; والله أعلم .
وأما أصحاب الشافعي فقالوا : إن كان الأكل عن فرط جوع من الكلب أكل وإلا لم يؤكل ; فإن ذلك من سوء تعليمه ، وقد روي عن قوم من السلف التفرقة بين ما أكل منه الكلب والفهد فمنعوه ، وبين ما أكل منه البازي فأجازوه ، قاله النخعي والثوري وأصحاب الرأي وحماد بن أبي سليمان ، وحكي عن ابن عباس وقالوا : الكلب والفهد يمكن ضربه وزجره ، والطير لا يمكن ذلك فيه ، وحد تعليمه أن يدعى فيجيب ، وأن يشلى فينشلي ; لا يمكن فيه أكثر من ذلك ، والضرب يؤذيه .
العاشرة : والجمهور من العلماء على أن الجارح إذا شرب من دم الصيد أن الصيد يؤكل ; قال عطاء : ليس شرب الدم بأكل ; وكره أكل ذلك الصيد الشعبي وسفيان الثوري ، ولا خلاف بينهم أن سبب إباحة الصيد الذي هو عقر الجارح له لا بد أن يكون متحققا غير مشكوك فيه ، ومع الشك لا يجوز الأكل ، وهي :الحادية عشرة : فإن وجد الصائد مع كلبه كلبا آخر فهو محمول على أنه غير مرسل من صائد آخر ، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه ، ولا يختلف في هذا ; لقوله عليه الصلاة والسلام : وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل - في رواية - فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره .
فأما لو أرسله صائد آخر فاشترك الكلبان فيه فإنه للصائدين يكونان شريكين فيه .
فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله ثم جاء الآخر فهو للذي أنفذ مقاتله ، وكذلك لا يؤكل ما رمي بسهم فتردى من جبل أو غرق في ماء ; لقوله عليه الصلاة والسلام لعدي : وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك ، وهذا نص .
الثانية عشرة : لو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بضع لم يؤكل ; لأنه مات خنقا فأشبه أن يذبح بسكين كالة فيموت في الذبح قبل أن يفرى حلقه .
ولو أمكنه أخذه من الجوارح وذبحه فلم يفعل حتى مات لم يؤكل ، وكان مقصرا في الذكاة ; لأنه قد صار مقدورا على ذبحه ، وذكاة المقدور عليه تخالف ذكاة غير المقدور عليه ، ولو أخذه ثم مات قبل أن يخرج السكين ، أو تناولها وهي معه جاز أكله ; ولو لم تكن السكين معه فتشاغل بطلبها لم تؤكل ، وقال الشافعي : فيما نالته الجوارح ولم تدمه قولان : أحدهما : ألا يؤكل حتى يجرح ; لقوله تعالى : من الجوارح وهو قول بن القاسم ; والآخر : أنه حل وهو قول أشهب ، قال أشهب : إن مات من صدمة الكلب أكل .
الثالثة عشرة : قوله : ( فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل ) ونحوه في حديث أبي ثعلبة الذي خرجه أبو داود ، غير أنه زاد ( فكله بعد ثلاث ما لم ينتن ) يعارضه قوله عليه السلام : كل ما أصميت ودع ما أنميت .
فالإصماء ما قتل مسرعا وأنت تراه ، والإنماء أن ترمي الصيد فيغيب عنك فيموت وأنت لا تراه ; يقال : قد أنميت الرمية فنمت تنمي إذا غابت ثم ماتت قال امرؤ القيس :فهو لا تنمي رميته ماله لا عد من نفرهوقد اختلف العلماء في أكل الصيد الغائب على ثلاثة أقوال : يؤكل ، وسواء قتله السهم أو الكلب .
الثاني : لا يؤكل شيء من ذلك إذا غاب ; لقوله : كل ما أصميت ودع ما أنميت ، وإنما لم يؤكل مخافة أن يكون قد أعان على قتله غير السهم من الهوام .
الثالث : الفرق بين السهم فيؤكل وبين الكلب فلا يؤكل ، ووجهه أن السهم يقتل على جهة واحدة فلا يشكل ; والجارح على جهات متعددة فيشكل ، والثلاثة الأقوال لعلمائنا ، وقال مالك في غير الموطأ : إذا بات الصيد ثم أصابه ميتا لم ينفذ البازي أو الكلب أو السهم مقاتله لم يأكله ; قالأبو عمر : فهذا يدلك على أنه إذا بلغ مقاتله كان حلالا عنده أكله وإن بات ، إلا أنه يكرهه إذا بات ; لما جاء عن ابن عباس : " وإن غاب عنك ليلة فلا تأكل " ونحوه عن الثوري قال : إذا غاب عنك يوما كرهت أكله ، وقال الشافعي : القياس ألا يأكله إذا غاب عنه مصرعه ، وقال الأوزاعي : إن وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهمه أو أثرا من كلبه فليأكله ; ونحوه قال أشهب وعبد الملك وأصبغ ; قالوا : جائز أكل الصيد وإن بات إذا نفذت مقاتله ، وقوله في الحديث : ما لم ينتن تعليل ; لأنه إذا أنتن لحق بالمستقذرات التي تمجها الطباع فيكره أكلها ; فلو أكلها لجاز ، كما أكل النبي صلى الله عليه وسلم الإهالة السنخة وهي المنتنة ، وقيل : هو معلل بما يخاف منه الضرر على آكله ، وعلى هذا التعليل يكون أكله محرما إن كان الخوف محققا ، والله أعلم .
الرابعة عشرة : واختلف العلماء من هذا الباب في الصيد بكلب اليهودي والنصراني إذا كان معلما ، فكرهه الحسن البصري ; وأما كلب المجوسي وبازه وصقره فكره الصيد بها جابر بن عبد الله والحسن وعطاء ومجاهد والنخعي والثوري وإسحاق ، وأجاز الصيد بكلابهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إذا كان الصائد مسلما ; قالوا : وذلك مثل شفرته ، وأما إن كان الصائد من أهل الكتاب فجمهور الأمة على جواز صيده غير مالك ، وفرق بين ذلك وبين ذبيحته ; وتلا : يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ، قال : فلم يذكر الله في هذا اليهود ولا النصارى ، وقال ابن وهب وأشهب : صيد اليهودي والنصراني حلال كذبيحته ; وفي كتاب محمد لا يجوز صيد الصابئ ولا ذبحه ، وهم قوم بين اليهود والنصارى ولا دين لهم ، وأما إن كان الصائد مجوسيا فمنع من أكله مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وجمهور الناس ، وقال أبو ثور فيها قولان : أحدهما : كقول هؤلاء ، والآخر : أن المجوس من أهل الكتاب وأن صيدهم جائز ، ولو اصطاد السكران أو ذبح لم يؤكل صيده ولا ذبيحته ; لأن الذكاة تحتاج إلى قصد ، والسكران لا قصد له .
الخامسة عشرة : واختلف النحاة في " من " في قوله تعالى : مما أمسكن عليكم فقال الأخفش : هي زائدة كقوله : كلوا من ثمره ، وخطأه البصريون وقالوا : " من " لا تزاد في الإثبات وإنما تزاد في النفي والاستفهام ، وقوله : من ثمره ، ويكفر عنكم من سيئاتكم و يغفر لكم من ذنوبكم للتبعيض ; أجاب فقال : قد قال : يغفر لكم ذنوبكم بإسقاط " من " فدل على زيادتها في الإيجاب ; أجيب بأن " من " هاهنا للتبعيض ; لأنه إنما يحل من الصيد اللحم دون الفرث والدم .
قلت : هذا ليس بمراد ولا معهود في الأكل فيعكر على ما قال ، ويحتمل أن يريد مما أمسكن أي : مما أبقته الجوارح لكم ; وهذا على قول من قال : لو أكل الكلب الفريسة لم يضر وبسبب هذا الاحتمال اختلف العلماء في جواز أكل الصيد إذا أكل الجارح منه على ما تقدم .
السادسة عشرة : ودلت الآية على جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد ، وثبت ذلك في صحيح السنة وزادت الحرث والماشية ; وقد كان أول الإسلام أمر بقتل الكلاب حتى كان يقتل كلب المرية من البادية يتبعها ; روى مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان ، وروي أيضا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط .
قال الزهري : وذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال : يرحم الله أبا هريرة ، كان صاحب زرع ; فقد دلت السنة على ما ذكرنا ، وجعل النقص من أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة ; إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم بنباحه - كما قال بعض شعراء البصرة ، وقد نزل بعمار فسمع لكلابه نباحا فأنشأ يقول :نزلنا بعمار فأشلى كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكلفقلت لأصحابي أسر إليهم أذا اليوم أم يوم القيامة أطولأو لمنع دخول الملائكة البيت ، أو لنجاسته على ما يراه الشافعي ، أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعة فيه ; والله أعلم ، وقال في إحدى الروايتين : ( قيراطان ) وفي الأخرى ( قيراط ) وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر ; كالأسود الذي أمر عليه الصلاة والسلام بقتله ، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها فقال : عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان أخرجه مسلم ، ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع ، فيكون ممسكه بالمدينة مثلا أو بمكة ينقص قيراطان ، وبغيرهما قيراط ; والله أعلم ، وأما المباح اتخاذه فلا ينقص أجر متخذه كالفرس والهر ، ويجوز بيعه وشراؤه ، حتى قال سحنون : ويحج بثمنه ، وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها لا الذي يحفظها في الدار من السراق ، وكلب الزرع هو الذي يحفظه من الوحوش بالليل والنهار لا من السراق ، وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشية والزرع والدار في البادية .
السابعة عشرة : وفي هذه الآية دليل على أن العالم له من الفضيلة ما ليس للجاهل ; لأن الكلب إذا علم يكون له فضيلة على سائر الكلاب ، فالإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس ، لا سيما إذا عمل بما علم ; وهذا كما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال : لكل شيء قيمة وقيمة المرء ما يحسنه .
الثامنة عشرة : قوله تعالى : واذكروا اسم الله عليه أمر بالتسمية ; قيل : عند الإرسال على الصيد ، وفقه الصيد والذبح في معنى التسمية واحد ، يأتي بيانه في " الأنعام " ، وقيل : المراد بالتسمية هنا التسمية عند الأكل ، وهو الأظهر ، وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن أبي سلمة : يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ، وروي من حديث حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان ليستحل الطعام إلا يذكر اسم الله عليه الحديث .
فإن نسي التسمية أول الأكل فليسم آخره ; وروى النسائي عن أمية بن مخشي - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يأكل ولم يسم الله ، فلما كان في آخر لقمة قال : بسم الله أوله وآخره ; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما زال الشيطان يأكل معه فلما سمى قاء ما أكله .
التاسعة عشرة : قوله تعالى : واتقوا الله أمر بالتقوى على الجملة ، والإشارة القريبة هي ما تضمنته هذه الآيات من الأوامر ، وسرعة الحساب هي من حيث كونه تعالى قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا ; فلا يحتاج إلى محاولة عد ولا عقد كما يفعله الحساب ; ولهذا قال : وكفى بنا حاسبين فهو سبحانه يحاسب الخلائق دفعة واحدة .
ويحتمل أن يكون وعيدا بيوم القيامة كأنه قال : إن حساب الله لكم سريع إتيانه ; إذ يوم القيامة قريب ، ويحتمل أن يريد بالحساب المجازاة ; فكأنه توعد في الدنيا بمجازاة سريعة قريبة إن لم يتقوا الله .


شرح المفردات و معاني الكلمات : يسألونك , أحل , أحل , الطيبات , علمتم , الجوارح , مكلبين , تعلمونهن , علمكم , الله , فكلوا , أمسكن , اذكروا , اسم , الله , اتقوا , الله , سريع , الحساب ,
English Türkçe Indonesia
Русский Français فارسی
تفسير انجليزي اعراب

تحميل سورة المائدة mp3 :

سورة المائدة mp3 : قم باختيار القارئ للاستماع و تحميل سورة المائدة

سورة المائدة بصوت ماهر المعيقلي
ماهر المعيقلي
سورة المائدة بصوت سعد الغامدي
سعد الغامدي
سورة المائدة بصوت عبد  الباسط عبد الصمد
عبد الباسط
سورة المائدة بصوت أحمد العجمي
أحمد العجمي
سورة المائدة بصوت محمد صديق المنشاوي
المنشاوي
سورة المائدة بصوت محمود خليل الحصري
الحصري
سورة المائدة بصوت مشاري راشد العفاسي
مشاري العفاسي
سورة المائدة بصوت ناصر القطامي
ناصر القطامي
سورة المائدة بصوت فارس عباد
فارس عباد
سورة المائدة بصوت ياسر لدوسري
ياسر الدوسري


الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم


Tuesday, January 31, 2023
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب