تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن تفسير الصفحة 163 من المصحف



تفسير القرطبي - صفحة القرآن رقم 163

163- تفسير الصفحة رقم163 من المصحف
الآية: 96 {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}
قوله تعالى: "ولو أن أهل القرى" يقال للمدينة قرية لاجتماع الناس فيها. من قريت الماء إذا جمعته. وقد مضى في "البقرة" مستوفى. "آمنوا" أي صدقوا. "واتقوا" أي الشرك. "لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" يعني المطر والنبات. وهذا في أقوام على الخصوص جرى ذكرهم. إذ قد يمتحن المؤمنون بضيق العيش ويكون تكفيرا لذنوبهم. ألا ترى أنه أخبر عن نوح إذ قال لقومه "استغفروا ربكم إنه كان غفارا. يرسل السماء عليكم مدرارا" [نوح: 10، 11] وعن هود "ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا" [هود: 52]. فوعدهم المطر والخصب على التخصيص. يدل عليه "ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون" أي كذبوا الرسل. والمؤمنون صدقوا ولم يكذبوا.
الآيتان: 97 - 98 {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون}
قوله تعالى: "أفأمن أهل القرى" الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف. نظيره: "أفحكم الجاهلية" [المائدة: 50]. والمراد بالقرى مكة وما حولها؛ لأنهم كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وقيل: هو عام في جميع القرى. "أن يأتيهم بأسنا" أي عذابنا. "بياتا" أي ليلا "وهم نائمون" "أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا" قرأه الحرميان وابن عامر بإسكان الواو للعطف، على معنى الإباحة؛ مثل "ولا تطع منهم آثما أو كفورا" [الإنسان: 24]. جالس الحسن أو ابن سيرين. والمعنى: أو أمنوا هذه الضروب من العقوبات. أي إن أمنتم ضربا منها لم تأمنوا الآخر. ويجوز أن يكون "أو" لأحد الشيئين، كقولك: ضربت زيدا أو عمرا. وقرأ الباقون بفتحها بهمزة بعدها. جعلها واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام؛ نظيره "أوكلما عاهدوا عهدا" [البقرة: 100]. ومعنى "ضحى وهم يلعبون" أي وهم فيما لا يجدي عليهم؛ يقال لكل من كان فيما يضره ولا يجدي عليه لاعب، ذكره النحاس. وفي الصحاح. اللعب معروف، واللعب مثله. وقد لعب يلعب. وتلعب: لعب مرة بعد أخرى. ورجل تلعابة: كثير اللعب، والتلعاب بالفتح المصدر. وجارية لعوب.
الآية: 99 {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}
قوله تعالى: "أفأمنوا مكر الله" أي عذابه وجزاءه على مكرهم. وقيل: مكره استدراجه بالنعمة والصحة.
الآية: 100 {أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون}
قوله تعالى: "أولم يهد" أي يبين. "للذين يرثون الأرض" يريد كفار مكة ومن حولهم. "أصبناهم" أي أخذناهم "بذنوبهم" أي بكفرهم وتكذيبهم. "ونطبع" أي ونحن نطبع؛ فهو مستأنف. وقيل: هو معطوف على أصبنا، أي نصيبهم ونطبع، فوقع الماضي موقع المستقبل.
الآية: 101 {تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين}
قوله تعالى: "تلك القرى" أي هذه القرى التي أهلكناها؛ وهي قرى نوح وعاد ولوط وهود وشعيب المتقدمة الذكر. "نقص" أي نتلو. "عليك من أنبائها" أي من أخبارها. وهي تسلية للنبي عليه السلام والمسلمين. "فما كانوا ليؤمنوا" أي فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا بعد هلاكهم لو أحييناهم؛ قاله مجاهد. نظيره "ولو ردوا لعادوا" [الأنعام: 28]. وقال ابن عباس والربيع: كان في علم الله تعالى يوم أخذ عليهم الميثاق أنهم لا يؤمنون بالرسل. "بما كذبوا من قبل" يريد يوم الميثاق حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرها لا طوعا. قال السدي: آمنوا يوم أخذ عليهم الميثاق كرها فلم يكونوا ليؤمنوا الآن حقيقة. وقيل: سألوا المعجزات، فلما رأوها ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل رؤية المعجزة. نظيره "كما لم يؤمنوا به أول مرة". [الأنعام: 110]. "كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين" أي مثل طبعه على قلوب هؤلاء المذكورين كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم.
الآية: 102 {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين}
قوله تعالى: "وما وجدنا لأكثرهم من عهد" "من" زائدة، وهي تدل على معنى الجنس؛ ولولا "من" لجاز أن يتوهم أنه واحد في المعنى. قال ابن عباس: يريد العهد المأخوذ عليهم وقت الذر، ومن نقض العهد قيل له إنه لا عهد له، أي كأنه لم يعهد. وقال الحسن: العهد الذي عهد إليهم مع الأنبياء أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وقيل: أراد أن الكفار منقسمون؛ فالأكثرون منهم من لا أمانة له ولا وفاء، ومنهم من له أمانة مع كفره وإن قلوا؛ روي عن أبي عبيدة.
الآية: 103 {ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين}
قوله تعالى: "ثم بعثنا من بعدهم" أي من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. "موسى" أي موسى بن عمران. "بآياتنا" بمعجزاتنا. "فظلموا بها" أي كفروا ولم يصدقوا بالآيات. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. "فانظر كيف كان عاقبة المفسدين" أي آخر أمرهم.
الآية: 104 {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين}