تفسير الطبري تفسير الصفحة 163 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 163
164
162
 الآية : 96-99
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَىَ آمَنُواْ وَاتّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مّنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ وَلَـَكِن كَذّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىَ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىَ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ }..
يقول تعالـى ذكره: أفأمن يا مـحمد هؤلاء الذين يكذّبون الله ورسوله ويجحدون آياته, استدراج الله إياهم بـما أنعم به علـيهم فـي دنـياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش, كما استدرج الذين قصّ علـيهم قصصهم من الأمـم قبلهم, فإن مكر الله لا يأمنه, يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجا مع مقامهم علـى كفرهم وإصرارهم علـى معصيتهم إلاّ القوم الـخاسرون وهم الهالكون.
الآية : 100
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ }..
يقول: أو لـم يبـين للذين يستـخـلفون فـي الأرض بعد هلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها, فساروا سيرتهم وعملوا أعمالهم, وعتوا عن أمر ربهم أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهُمْ بِذُنُوبهِمْ يقول: إن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بـمن قبلهم, فأخذناهم بذنوبهم, وعجّلنا لهم بأسنا كما عجلناه لـمن كان قبلهم مـمن ورثوا عنه الأرض, فأهلكناهم بذنوبهم. وَنَطْبَعُ علـى قُلُوبِهِمْ يقول: ونـختـم علـى قلوبهم فهم لا يَسْمَعونَ موعظة ولا تذكيرا سماع منتفع بهما.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.
11633ـ حدثنا مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: أوَ لـمْ يَهْدِ قال: يبّـين.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
11634ـ قال: ثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله: أوَ لَـمْ يَهْدِ أو لـم يبـين.
حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس قوله: أو لَـمْ يَهْدِ للّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أهْلِها يقول: أو لـم يبـين لهم.
11635ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن مفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: أوَ لَـمْ يَهْدِ للّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أهْلِها يقول: أو لـم يتبـين للذين يرثون الأرض من بعد أهلها هم الـمشركون.
11636ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: أوَ لَـمْ يَهْدِ للّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أهْلِها أو لـم نبـين لهم, أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ قالوا: والهدى: البـيان الذي بعث هاديا لهم مبـينا لهم, حتـى يعرفوا, ولولا البـيان لـم يعرفوا.
الآية : 101
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {تِلْكَ الْقُرَىَ نَقُصّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ }..
يقول تعالـى ذكره: هذه القرى التـي ذكرت لك يا مـحمد أمرها وأمر أهلها, يعنـي: قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب نَقُصّ عَلَـيْكَ مِنْ أنْبَـائِها فنـخبرك عنها وعن أخبـار أهلها, وما كان من أمرهم, وأمر رسل الله التـي أرسلت إلـيهم, لتعلـم أنا ننصر رسلنا والذين آمنوا فـي الـحياة الدنـيا علـى أعدائنا وأهل الكفر بنا, ويعلـم مكذّبوك من قومك ما عاقبة أمر من كذّب رسل الله, فـيرتدعوا عن تكذيبك, وينـيبوا إلـى توحيد الله وطاعته. وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهم بـالبـيّناتِ يقول: ولقد جاءت أهل القرى التـي قصصت علـيك نبأها رسلهم بـالبـينات يعنـي بـالـحجج: البـينات. فَمَا كانُوا لِـيُؤْمِنُوا بِـمَا كَذّبُوا مِنْ قَبْلُ.
اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك, فقال بعضهم: معناه: فما كان هؤلاء الـمشركون الذين أهلكناهم من أهل القرى لـيؤمنوا عند إرسالنا إلـيهم بـما كذّبوا من قبل ذلك, وذلك يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم علـيه السلام. ذكر من قال ذلك.
حدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: فَمَا كانُوا لِـيُؤْمِنُوا بِـمَا كَذّبُوا مِنْ قَبْلُ قال: ذلك يوم أخذ منهم الـميثاق فآمنوا كُرْها.
وقال آخرون: معنى ذلك: فما كانوا لـيؤمنوا عند مـجيء الرسل بـما سبق فـي علـم الله أنهم يكذّبون به يوم أخرجهم من صلب آدم علـيه السلام. ذكر من قال ذلك:
11637ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن أبـي جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية, عن أبـيّ بن كعب: فَمَا كانُوا لِـيُؤْمِنُوا بِـمَا كَذّبُوا مِنْ قَبْلُ قال: كان فـي علـمه يوم أقرّوا له بـالـميثاق.
11638ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس, قال: يحقّ علـى العبـاد أن يأخذوا من العلـم ما أبدى لهم ربهم والأنبـياء ويدَعوا علـم ما أخفـى الله علـيهم, فإن علـمه نافذ فـيـما كان وفـيـما يكون, وفـي ذلك قال: وَلَقَدْ جاءتْهُمْ رُسُلُهمْ بـالبَـيّناتِ فَمَا كانُوا لِـيُؤْمِنُوا بِـمَا كَذّبوُا مِنْ قَبْلُ كذلكَ يَطْبَعُ اللّهُ علـى قُلُوبِ الكافِرِينَ قال: نفذ علـمه فـيهم أيهم الـمطيع من العاصي حيث خـلقهم فـي زمان آدم, وتصديق ذلك حيث قال لنوح اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَـيْكَ وَعلـى أُمَـمٍ مِـمّنْ مَعَكَ وأُمَـمٌ سَنُـمَتّعُهُمْ ثُمّ يَـمَسّهُمْ مِنّا عَذابٌ ألِـيـمٌ, وقال فـي ذلك: وَلَوْ رُدّوا لَعادُوا لِـمَا نُهُوا عَنْهُ وَإنّهُمْ لَكاذِبُونَ, وفـي ذلك قال وَما كُنّا مُعَذّبِـينَ حتـى نَبْعَثَ رَسُولاً وفـي ذلك قال: لِئَلاّ يَكُونَ للنّاسِ علـى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُل, ولا حجة لأحد علـى الله.
وقال آخرون: معنى ذلك: فما كانوا لو أحيـيناهم بعد هلاكهم ومعاينتهم ما عاينوا من عذاب الله لـيؤمنوا بـما كذّبوا من قبل هلاكهم, كما قال جلّ ثناؤه: وَلَوْ رُدّوا لَعادُوا لِـمَا نُهُوا عَنْهُ. ذكر من قال ذلك:
11639ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, فـي قول الله: بِـمَا كَذّبوا مِنْ قَبْلُ قال: كقوله: وَلَوْ رُدّوا لَعادُوا لِـمَا نُهُوا عَنْهُ.
قال أبو جعفر: وأشبه هذه الأقوال بتأويـل الاَية وأولاها بـالصواب, القول الذي ذكرناه عن أبـيّ بن كعب والربـيع, وذلك أن من سبق فـي علـم الله تبـارك وتعالـى أنه لا يؤمن به, فلن يؤمن أبدا, وقد كان سبق فـي علـم الله تعالـى لـمن هلك من الأمـم التـي قصّ نبأهم فـي هذه السورة أنه لا يؤمن أبدا, فأخبر جلّ ثناؤه عنهم, أنهم لـم يكونوا لـيؤمنوا بـما هم به مكذّبون فـي سابق علـمه قبل مـجيء الرسل وعند مـجيئهم إلـيهم. ولو قـيـل تأويـله: فما كان هؤلاء الذين ورثوا الأرض يا مـحمد من مشركي قومك من بعد أهلها الذين كانوا بها من عاد وثمود, لـيؤمنوا بـما كذّب به الذين ورثوها عنهم من توحيد الله ووعده ووعيده, كان وجها ومذهبـا, غير أن لا أعلـم قائلاً قاله مـمن يعتـمد علـى علـمه بتأويـل القرآن. وأما الذي قاله مـجاهد من أن معناه: لو ردّوا ما كانوا لـيؤمنوا, فتأويـل لا دلالة علـيه من ظاهر التنزيـل, ولا من خبر عن الرسول صحيح. وإذا كان ذلك كذلك, فأولـى منه بـالصواب ما كان علـيه من ظاهر التنزيـل دلـيـل.
وأما قوله: كذلكَ يَطْبَعُ اللّهُ علـى قُلُوبِ الكافِرِينَ فإنه يقول تعالـى ذكره: كما طبع الله علـى قلوب هؤلاء الذين كفروا بربهم وعصوا رسله من هذه الأمـم التـي قصصنا علـيك نبأهم يا مـحمد فـي هذه السورة حتـى جاءهم بأس الله فهلكوا به, كذلك يطبع الله علـى قلوب الكافرين الذين كُتب علـيهم أنهم لا يؤمنون أبدا من قومك.
الآية : 102
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ }..
يقول تعالـى ذكره: ولـم نـجد لأكثر أهل هذه القرى التـي أهلكناها واقتصصنا علـيك يا مـحمد نبأها من عهد, يقول: من وفـاء بـما وصيناهم به من توحيد الله, واتبـاع رسله, والعمل بطاعته, واجتناب معاصيه وهجر عبـادة الأوثان والأصنام. والعهد: هو الوصية, وقد بـينا ذلك فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. وَإنْ وَجَدْنا أكْثَرَهُمْ لَفَـاسِقِـينَ يقول: وما وجدنا أكثرهم إلا فسقة عن طاعة ربهم, تاركين عهده ووصيته. وقد بـيّنا معنى الفسق قبل.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
11640ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, فـي قول الله تعالـى: وَإنْ وَجَدْنا أكْثَرَهُمْ لَفَـاسِقِـينَ قال: القرون الـماضية.
11641ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد, قوله: وَما وَجَدْنا لاِءَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ... الاَية, قال: القرون الـماضية وعهده الذي أخذه من بنـي آدم فـي ظهر آدم ولـم يفوا به.
11642ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن أبـي جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية, عن أُبـيّ بن كعب: وَما وَجَدْنا لاِءَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ قال: فـي الـميثاق الذي أخذه فـي ظهر آدم علـيه السلام.
11643ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس: وَما وَجَدْنا لاِءَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإنْ وَجَدْنا أكْثَرَهُمْ لَفَـاسِقِـينَ وذلك أن الله إنـما أهلك القُرى لأنهم لـم يكونوا حفظوا ما أوصاهم به.
الآية : 103
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ثُمّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مّوسَىَ بِآيَاتِنَآ إِلَىَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ }..
يقول تعالـى ذكره: ثم بعثنا من بعد نوح وهود وصالـح ولوط وشعيب موسى بن عمران. والهاء والـميـم اللتان فـي قوله: مِنْ بَعْدِهِمْ هي كناية ذكر الأنبـياء علـيهم السلام التـي ذكرت من أوّل هذه السورة إلـى هذا الـموضع. بآيَاتِنَا يقول: بحججنا وأدلتنا إلـى فرعون وملئه, يعنـي: إلـى جماعة فرعون من الرجال. فَظَلَـمُوا بِها يقول: فكفروا بها. والهاء والألف اللتان فـي قوله «بها» عائدتان علـى الاَيات. ومعنى ذلك: فظلـموا بآياتنا التـي بعثنا بها موسى إلـيهم. وإنـما جاز أن يقال: فظلـموا بها, بـمعنى: كفروا بها, لأن الظلـم: وضع الشيء فـي غير موضعه, وقد دللت فـيـما مضى علـى أن ذلك معناه بـما أغنى عن إعادته. والكفر بآيات الله: وضع لها فـي غير موضعها, وصرف لها إلـى غير وجهها الذي عنـيت به. فـانْظُرْ كَيْف كانَ عاقِبَةُ الـمُفْسِدِينَ يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فـانظر يا مـحمد بعين قلبك كيف كان عاقبة هؤلاء الذين أفسدوا فـي الأرض, يعنـي فرعون وملأه, إذ ظلـموا بآيات الله التـي جاءهم بها موسى علـيه السلام, وكان عاقبتهم أنهم أغرقوا جميعا فـي البحر.
الآية : 104
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَقَالَ مُوسَىَ يَفِرْعَوْنُ إِنّي رَسُولٌ مّن رّبّ الْعَالَمِينَ }..
يقول جلّ ثناؤه: وقال موسى لفرعون: يا فرعون إنـي رسول من ربّ العالـمين