تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن تفسير الصفحة 261 من المصحف



تفسير القرطبي - صفحة القرآن رقم 261

261- تفسير الصفحة رقم261 من المصحف
الآية: 43 {مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء}
قوله تعالى: "مهطعين" أي مسرعين؛ قاله الحسن وقتادة وسعيد بن جبير؛ مأخوذ من أهطع يهطع إذا أسرع ومنه قوله تعالى: "مهطعين إلى الداع" [القمر: 8] أي مسرعين. قال الشاعر:
بدجلة دارهم ولقد أراهم بدجلة مهطعين إلى السماع
وقيل: المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع؛ أي ناظرين من غير أن يطرفوا؛ قاله ابن عباس، وقال مجاهد والضحاك: "مهطعين" أي مديمي النظر. وقال النحاس: والمعروف في اللغة أن يقال: أهطع إذا أسرع؛ قال أبو عبيد: وقد يكون الوجهان جميعا يعني الإسراع مع إدامة النظر. وقال ابن زيد: المهطع الذي لا يرفع رأسه. "مقنعي رؤوسهم" أي رافعي رؤوسهم ينظرون في ذل. وإقناع الرأس رفعه؛ قال ابن عباس ومجاهد. قال ابن عرفة والقتبي وغيرهما: المقنع الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه؛ ومنه الإقناع في الصلاة وأقنع صوته إذا رفعه. وقال الحسن: وجوه الناس يومئذ إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. وقيل: ناكسي رؤوسهم؛ قال المهدوي: ويقال أقنع إذا رفع رأسه، وأقنع إذا رأسه ذلة وخضوعا، والآية محتملة الوجهين، وقاله المبرد، والقول الأول أعرف في اللغة؛ قال الراجز:
أنغض نحوي رأسه وأقنعا كأنما أبصر شيئا أطمعا
وقال الشماخ يصف إبلا:
يباكرن العضاه بمقنعات نواجذهن كالحدأ الوقيع
يعني: برؤوس مرفوعات إليها لتتناولهن. ومنه قيل: مقنعة لارتفاعها. ومنه قنع الرجل إذا رضي؛ أي رفع رأسه عن السؤال. وقنع إذا سأل أي أتى ما يتقنع منه؛ عن النحاس. وفم مقنع أي معطوفة أسنانه إلى داخل. ورجل مقنع بالتشديد؛ أي عليه بيضة قاله الجوهري. "لا يرتد إليهم طرفهم" أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر فهي شاخصة النظر. يقال: طرف الرجل يطرف طرفا إذا أطبق جفنه على الآخر، فسمي النظر طرفا لأنه به يكون. والطرف العين. قال عنترة:
وأغض طرفي ما بدت جارتي حتى يواري جارتي مأواها
وقال جميل:
وأقصر طرفي دون جمل كرامة لجمل وللطرف الذي أنا قاصره
قوله تعالى: "وأفئدتهم هواء" أي لا تغني شيئا من شدة الخوف. ابن عباس: خالية من كل خير. السدي: خرجت قلوبهم من صدورهم فنشبت في حلوقهم؛ وقال مجاهد ومرة وابن زيد: خاوية خربة متخرقة ليس فيها خير ولا عقل؛ كقولك في البيت الذي ليس فيه شيء: إنما هو هواء؛ وقال ابن عباس: والهواء في اللغة المجوف الخالي؛ ومنه قول حسان:
ألا أبلغ أبا سفيان عني فأنت مجوفة نخب هواء
وقال زهير يصف صغيرة الرأس:
كأن الرجل منها فوق صعل من الظلمان جؤجؤه هواء
فارغ أي خال؛ وفي التنزيل: "وأصبح فؤاد أم موسى فارغا" [القصص: 10] أي من كل شيء إلا من هم موسى. وقيل: في الكلام إضمار؛ أي ذات هواء وخلاء.
الآية: 44 {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال}
قوله تعالى: "وأنذر الناس" قال ابن عباس: أراد أهل مكة. "يوم يأتيهم العذاب" وهو يوم القيامة؛ أي خوفهم ذلك اليوم. وإنما خصهم بيوم العذاب وإن كان يوم الثواب، لأن الكلام خرج مخرج التهديد للعاصي. "فيقول الذين ظلموا" أي في ذلك اليوم "ربنا أخرنا" أي أمهلنا. "إلى أجل قريب" سألوه الرجوع إلى الدنيا حين ظهر الحق في الآخرة. "نجب دعوتك ونتبع الرسل" أي إلى الإسلام فيجابوا: "أولم تكونوا أقسمتم من قبل" يعني في دار الدنيا. "ما لكم من زوال" قال مجاهد: هو قسم قريش أنهم لا يبعثون. ابن جريج: هو ما حكاه عنهم في قوله: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت" [النحل: 38]. "ما لكم من زوال" فيه تأويلان: أحدهما: ما لكم من انتقال عن الدنيا إلى الآخرة؛ أي لا تبعثون ولا تحشرون؛ وهذا قول مجاهد. الثاني: "ما لكم من زوال" أي من العذاب. وذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي قال: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله أربعة، فإذا كان في الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا، يقولون: "ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل" [غافر: 11] فيجيبهم الله "ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وأن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير" [غافر: 12] ثم يقولون: "ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون" [السجدة: 12] فيجيبهم الله تعالى: "فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون" [السجدة: 14] ثم يقولون: "ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل" فيجيبهم الله تعالى "أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال" فيقولون: "ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل" [فاطر: 37] فيجيبهم الله تعالى: "أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير" [فاطر: 37]. ويقولون: "ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين" [المؤمنون: 106] فيجيبهم الله تعالى: "اخسؤوا فيها ولا تكلمون" [المؤمنون: 108] فلا يتكلمون بعدها أبدا؛ خرجه ابن المبارك في {دقائقه} بأطول من هذا - وقد كتبناه في كتاب {التذكرة} وزاد في الحديث "وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال. وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال" [إبراهيم:44 - 45] قال هذه الثالثة، وذكر الحديث وزاد بعد قوله: "اخسؤوا فيها ولا تكلمون" [المؤمنون: 108] فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء، وأقبل بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجه بعضهم في وجه بعض، وأطبقت عليهم؛ وقال: فحدثني الأزهر بن أبي الأزهر أنه ذكر له أن ذلك قوله: "هذا يوم لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون" [المرسلات:35 - 36].
الآية: 45 {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال}
قوله تعالى: "وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال" أي في بلاد ثمود ونحوها فهلا اعتبرتم بمساكنهم، بعد ما تبين لكم ما فعلنا بهم، وبعد أن ضربنا لكم الأمثال في القرآن. وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي "ونبين لكم" بنون والجزم على أنه مستقبل ومعناه الماضي؛ وليناسب قوله: "كيف فعلنا بهم". وقراءة الجماعة، "وتبين" وهي مثلها في المعنى؛ لأن ذلك لا تبين لهم إلا بتبيين الله إياهم.
الآية: 46 {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال}
قوله تعالى: "وقد مكروا مكرهم" أي بالشرك بالله وتكذيب الرسل والمعاندة؛ عن ابن عباس وغيره. "وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال" "إن" بمعنى "ما" أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه؛ "وإن" بمعنى "ما" في القرآن في مواضع خمسة: أحدها هذا. الثاني: "فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك" [يونس: 94]. الثالث: "لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا" [الأنبياء: 17] أي ما كنا. الرابع: "قل إن كان للرحمن ولد" [الزخرف: 81]. الخامس: "ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه" [الأحقاف: 26]. وقرا الجماعة "وإن كان" بالنون. وقرأ عمرو بن علي وابن مسعود وأبي "وإن كاد" بالدال. والعامة على كسر اللام في "لتزول" على أنها لام الجحود وفتح اللام الثانية نصيبا. وقرأ بن محيصن وابن جريج والكسائي "لتزول" بفتح اللام الأول على أنها لام الابتداء ورفع الثانية "وإن" مخففة من الثقيلة، ومعنى هذه القراءة استعظام مكرهم؛ أي ولقد عظم مكرهم حتى كادت الجبال تزول منه؛ قال الطبري: الاختيار القراءة الأولى؛ لأنها لو كانت زالت لم تكن ثابتة؛ قال أبو بكر الأنباري: ولا حجة على مصحف المسلمين في الحديث الذي حدثناه أحمد بن الحسين: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن بن دانيل قال سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إن جبارا من الجبابرة قال لا أنتهي حتى أعلم من في السماوات، فعمد إلى فراخ نسور، فأمر أن تطعم اللحم، حتى اشتدت وعضلت واستعلجت أمر بأن يتخذ تابوت يسع فيه رجلين؛ وأن يجعل فيه عصا في رأسها لحم شديد حمرته، وأن يستوثق من أرجل النسور بالأوتاد؛ وتشد إلى قوائم التابوت، ثم جلس هو وصاحب له من التابوت وأثار النسور، فلما رأت اللحم طلبته، فجعلت ترفع التابوت حتى بلغت به ما شاء الله؛ فقال الجبار لصاحبه: افتح الباب فانظر ما ترى؟ فقال: أرى الجبال كأنها ذباب، فقال: أغلق الباب؛ ثم صعدت بالتابوت ما شاء الله أن تصعد، فقال الجبار لصاحبه: افتح الباب فانظر ما ترى؟ فقال: ما أرى إلا السماء وما تزداد منا إلا بعدا، فقال: نكس العصا فنكسها، فانقضت النسور. فلما وقع التابوت على الأرض سمعت له هدة كادت الجبال تزول عن مراتبها منها؛ قال: فسمعت عليا رضي الله عنه يقرأ "وإن كان مكرهم لتزول" بفتح اللام الأولى من "لتزول" وضم الثانية. وقد ذكر الثعلبي هذا الخبر بمعناه، وأن الجبار هو النمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، وقال عكرمة: كان معه في التابوت غلام أمرد، وقد حمل القوس والنبل فرمى بهما فعاد إليه ملطخا بالدماء وقال: كفيت نفسك إله السماء. قال عكرمة: تلطخ بدم سمكة من السماء، فذفت نفسها إليه من بحر في الهواء معلق. وقيل: طائر من الطير أصابه السهم ثم أمر نمرود صاحبه أن يضرب العصا وأن ينكس اللحم، فهبطت النسور بالتابوت، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور ففزعت، وظنت أنه قد حدث بها حدث من السماء، وأن الساعة قد قامت، فذلك قوله: "وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال". قال القشيري: وهذا جائز بتقدير خلق الحياة في الجبال. وذكر الماوردي عن ابن عباس: أن النمرود بن كنعان بنى الصرح في قرية الرس من سواد الكوفة، وجعل طول خمسة آلاف ذراع وخمسين ذراعا، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعا، وصعد منه مع النسور، فلما علم أنه لا سبيل له إلى السماء اتخذه حصنا، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه. فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعي الصرح عليهم فهلكوا جميعا، فهذا معنى "وقد مكروا مكرهم" وفي الجبال التي عني زوالها بمكرهم وجهان: أحدهما: جبال الأرض. الثاني: الإسلام والقرآن، لأنه لثبوته ورسوخه كالجبال. وقال القشيري: "وعند الله مكرهم" أي هو عالم بذلك فيجازيهم أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف. "وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال" بكسر اللام؛ أي ما كان مكرهم مكرا يكون له أثر وخطر عند الله تعالى، فالجبال مثل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: "وإن كان مكرهم" في تقديرهم "لتزول منه الجبال" وتؤثر في إبطال الإسلام. وقرئ "لتزول منه الجبال" بفتح اللام الأولى وضم الثانية؛ أي كان مكرا عظيما تزول منه الجبال، ولكن الله حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كقوله تعالى: "ومكروا مكرا كبارا" [نوح: 22] والجبال لا تزول ولكن العبارة عن تعظيم الشيء هكذا تكون.
الآية: 47 {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام}
قوله تعالى: "فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله" اسم الله تعالى و"مخلف" مفعولا تحسب؛ و"رسله" مفعول "وعده" وهو على الاتساع، والمعنى: مخلف وعده رسله؛ قال الشاعر:
ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه وسائره باد إلى الشمس أجمع
قال القتبي: هو من المقدم الذي يوضحه التأخير، والمؤخر الذي يوضحه التقديم، وسواء في قولك: مخلف وعده رسله، ومخلف رسله وعده. "إن الله عزيز ذو انتقام" أي من أعدائه. ومن أسمائه المنتقم وقد بيناه في "الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى".
الآية: 48 {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار}
قوله تعالى: "يوم تبدل الأرض غير الأرض" أي اذكر يوم تبدل الأرض، فتكون متعلقة بما قبله. وقيل: هو صفة لقول: "يوم يقوم الحساب" [إبراهيم: 41]. واختلف في كيفية تبديل الأرض، فقال كثير من الناس: إن تبدل الأرض عبارة عن تغير صفاتها، وتسوية آكامها، ونسف جبالها، ومد أرضها؛ ورواه ابن مسعود رضي الله عنه؛ خرجه ابن ماجة في سننه وذكره ابن المبارك من حديث شهر بن حوشب، قال حدثني ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وزيد في سعتها كذا وكذا؛ وذكر الحديث. وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تبدل الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في الثانية في مثل مواضعهم من الأولى من كان في بطنها ففي بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها) ذكره الغزنوي. وتبديل السماء تكوير شمسها وقمرها، وتناثر نجومها؛ قال ابن عباس. وقيل: اختلاف أحوالها، فمرة كالمهل ومرة كالدهان؛ حكاه ابن الأنباري؛ وقد ذكرنا هذا الباب مبينا في كتاب {التذكرة} وذكرنا ما للعلماء في ذلك، وأن الصحيح إزالة هذه الأرض حسب ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. روى مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك؛ وذكر الحديث، وفيه: فقال اليهودي أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (في الظلمة دون الجسر). وذكر الحديث. وخرج عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات" فأين الناس يومئذ؟ قال: (على الصراط). خرجه ابن ماجة بإسناد مسلم سواء، وخرجه الترمذي عن عائشة وأنها هي لسائلة، قال: هذا حديث حسن صحيح؛ فهذه الأحاديث تنص على أن السماوات والأرض تبدل وتزال، ويخلق الله أرضا أخرى يكون الناس عليها بعد كونهم على الجسر. وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصه النقي ليس فيها علم لأحد). وقال جابر: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قول الله عز وجل: "يوم تبدل الأرض غير الأرض" قال: تبدل خبرة يأكل منها الخلق يوم القيامة، ثم قرأ: "وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام" [الأنبياء: 8]. وقال ابن مسعود: إنه تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة لم يعمل عليها خطيئة. وقال ابن عباس: بأرض من فضة بيضاء. وقال علي رضي الله عنه: تبدل الأرض يومئذ من فضة والسماء من ذهب وهذا تبديل للعين، وحسبك. "وبرزوا لله الواحد القهار" أي من قبورهم، وقد تقدم.
الآية: 49 {وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد}
قوله تعالى: "وترى المجرمين" وهم المشركون. "يومئذ" أي يوم القيامة. "مقرنين" أي مشدودين "في الأصفاد" وهي الأغلال والقيود، وأحدها صفد وصفد. ويقال: صفدته صفدا أي قيدته والاسم الصفد، فإذا أردت التكثير قلت: صفدته تصفيدا؛ قال عمرو بن كلثوم:
فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبنا بالملوك مصفدينا
أي مقيدينا. وقال حسان:
من كل مأسور يشد صفاده صقر إذا لاقى الكريهة حام
أي غله، وأصفدته إصفادا أعطيته. وقيل: صفدته وأصفدته جاريان في القيد والإعطاء جميعا؛ قال النابغة:
فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد
فالصفد العطاء؛ لأنه يقيد ويعبد، قال أبو الطيب:
وقيدت نفسي في ذراك محبة ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا
قيل: يقرن كل كافر مع شيطان في غل، بيانه قوله: "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم" [الصافات: 22] يعني قرناءهم من الشياطين. وقيل: إنهم الكفار يجمعون في الأصفاد كما اجتمعوا في الدنيا على المعاصي.
الآية: 50 {سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار}
قوله تعالى: "سرابيلهم من قطران" أي قميصهم، عن ابن دريد وغيره، واحدها سربال، والفعل تسربلت وسربلت غيري؛ قال كعب بن مالك:
تلقاكم عصب حول النبي لهم من نسج داود في الهيجا سرابيل
"من قطران" يعني قطران الإبل الذي تهنأ به؛ قال الحسن. وذلك أبلغ لاشتعال النار فيهم. وفي الصحيح: أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من فطران ودرع من جرب. وروي عن حماد أنهم قالوا: هو النحاس. وقرأ عيسى بن عمر: "قطران" بفتح القاف وتسكين الطاء. وفيه قراءة ثالثة: كسر القاف وجزم الطاء؛ ومنه قول أبي النجم:
جون كان العرق المنتوحا لبسه القطران والمسوحا
وقراءة رابعة: "من قطران" رويت عن ابن عباس وأبي هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير ويعقوب؛ والقطر النحاس والصفر المذاب؛ ومنه قوله تعالى: "آتوني أفرغ عليه قطرا" [الكهف: 96]. والآن: الذي قد انتهى إلى حره؛ ومنه قوله تعالى: "وبين حميم آن". [الرحمن: 44]. "وتغشى وجوههم النار" أي تضرب "وجوههم النار" فتغشيها.
الآية: 51 {ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب}
قوله تعالى: "ليجزي الله كل نفس ما كسبت" أي بما كسبت. "إن الله سريع الحساب" تقدم.
الآية: 52 {هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب}
قوله تعالى: "هذا بلاغ للناس" أي هذا الذي أنزلنا إليك بلاغ؛ أي تبليغ وعظة. "ولينذروا به" أي ليخوفوا عقاب الله عز وجل، وقرئ. "ولينذروا" بفتح الياء والذال، يقال: نذرت بالشيء أنذر إذا علمت به فاستعددت له، ولم يستعملوا منه مصدرا كما لم يستعملوا من عسى وليس، وكأنهم استغنوا بأن والفعل كقولك: سرني أن نذرت بالشيء. "وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب" أي وليعلموا وحدانية الله بما أقام من الحجج والبراهين. "وليذكر أولو الألباب" أي وليتعظ أصحاب العقول. وهذه اللامات في "ولينذروا" "وليعلموا" "وليذكر" متعلقة بمحذوف، التقدير: ولذلك أنزلناه. وروي يمان بن رئاب أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وسئل بعضهم هل لكتاب الله عنوان؟ فقال: نعم؛ قيل: وأين هو؟ قال قوله تعالى: "هذا بلاغ للناس ولينذروا به" إلى آخرها. تم تفسير سورة إبراهيم عليه السلام والحمد لله.