تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 532 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 532

532 : تفسير الصفحة رقم 532 من القرآن الكريم

** خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخّارِ * وَخَلَقَ الْجَآنّ مِن مّارِجٍ مّن نّارٍ * فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ * رَبّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ * مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تِكَذّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا الّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ * فَبِأَيّ آلاَءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ * وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَئَاتُ فِي الْبَحْرِ كَالأعْلاَمِ * فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ
يذكر تعالى خلقه الإنسان من صلصال كالفخار, وخلقه الجان من مارج من نار, وهو طرف لهبها, قاله الضحاك عن ابن عباس, وبه يقول عكرمة ومجاهد والحسن وابن زيد, وقال العوفي عن ابن عباس: من مارج من نار من لهب النار من أحسنها, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: من مارج من نار من خالص النار, وكذلك قال عكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلقت الملائكة من نور, وخلق الجان من مارج من نار, وخلق آدم مما وصف لكم» ورواه مسلم عن محمد بن رافع وعبد بن حميد, كلاهما عن عبد الرزاق به.
وقوله تعالى: {فبأي آلاء ربكما تكذبان ؟} تقدم تفسيره {رب المشرقين ورب المغربين} يعني مشرقي الصيف والشتاء ومغربي الصيف والشتاء, وقال في الاَية الأخرى: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم وبروزها منه إلى الناس. وقال في الاَية الأخرى: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيل} وهذا المراد منه جنس المشارق والمغارب, ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس قال: {فبأي آلاء ربكما تكذبان ؟} وقوله تعالى: {مرج البحرين يلتقيان} قال ابن عباس: أي أرسلهما. وقوله: {يلتقيان} قال ابن زيد: أي منعهما أن يلتقيا بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما, والمراد بقوله البحرين: الملح والحلو, فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس, وقد قدمنا الكلام على ذلك في سورة الفرقان عند قوله تعالى: {وهو الذي مرج البحرين هذا عذاب فرات وهذا ملح أجاج * وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجور} وقد اختار ابن جرير ههنا أن المراد بالبحرين: بحر السماء وبحر الأرض, وهو مروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطية وابن أبزى, قال ابن جرير: لأن اللؤلؤ يتولد من ماء السماء وأصداف بحر الأرض وهذا وإن كان هكذا لكن ليس المراد بذلك ما ذهب إليه, فإنه لا يساعده اللفظ فإنه تعالى قد قال: {بينهما برزخ لا يبغيان} أي وجعل بينهما برزخاً, وهو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا على هذا, وهذا على هذا, فيفسد كل واحد منهما الاَخر ويزيله عن صفته التي هي مقصودة منه, وما بين السماء والأرض لا يسمى برزخاً وحجراً محجوراً.
وقوله تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} أي من مجموعهما, فإذا وجد ذلك من أحدهما كفى كما قال تعالى:{يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ؟} والرسل إنما كانوا في الإنس خاصة دون الجن وقد صح هذا الإطلاق. واللؤلؤ معروف, وأما المرجان فقيل هو صغار اللؤلؤ, قاله مجاهد وقتادة وأبو رزين والضحاك وروي عن علي, وقيل كباره وجيده, حكاه ابن جرير عن بعض السلف ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس, وحكاه السدي عمن حدثه عن ابن عباس, وروي مثله عن علي ومجاهد أيضاً ومرة الهمداني, وقيل: هو نوع من الجواهر أحمر اللون, قال السدي عن أبي مالك عن مسروق عن عبد الله قال: المرجان الخرز الأحمر, قال السدي: وهو الكسد بالفارسية, وأما قوله: {ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونه} فاللحم من كل من الأجاج والعذب والحلية إنما هي من المالح دون العذب. قال ابن عباس: ما سقطت قط قطرة من السماء في البحر فوقعت في صدفة إلا صار منها اللؤلؤ, وكذا قال عكرمة, وزاد: فإذا لم تقع في صدفة نبتت بها عنبرة, وروي من غير وجه عن ابن عباس نحوه.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله, عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها فما وقع فيها, يعني من قطر فهو اللؤلؤ. إسناده صحيح, ولما كان اتخاذ هذه الحلية نعمة على أهل الأرض, امتن بها عليهم فقال: {فبأي آلاء ربكما تكذبان}.
وقوله تعالى: {وله الجوار المنشآت} يعني السفن التي تجري {في البحر} قال مجاهد: ما رفع قلعه من السفن فهي منشآت وما لم يرفع قلعه فليس بمنشآت, وقال قتادة: المنشآت يعني المخلوقات, وقال غيره, المنشآت بكسر الشين يعني البادئات {كالأعلام} أي كالجبال في كبرها وما فيها من المتاجر والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم, مما فيه صلاح الناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع, ولهذا قال: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا حماد بن سلمة, حدثنا العرار بن سويد عن عميرة بن سعد قال: كنت مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه على شاطىء الفرات إذ أقبلت سفينة مرفوع شراعها فبسط علي يديه ثم قال: يقول الله عز وجل: {وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام} والذي أنشأها تجري في بحوره ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله.

** كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىَ وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ * فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ * يَسْأَلُهُ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ * فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ
يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون, وكذلك أهل السماوات إلا من شاء الله ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم, فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت بل هو الحي الذي لا يموت أبداً, قال قتادة: أنبأ بما خلق ثم أنبأ أن ذلك كله فان. وفي الدعاء المأثور: يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام, لا إله إلا أنت برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله, ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين, ولا إلى أحد من خلقك. وقال الشعبي: إذا قرأت {كل من عليها فان} فلا تسكت حتى تقرأ {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} وهذه الاَية كقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الاَية بأنه ذو الجلال والإكرام أي هو أهل أن يجل فلا يعصى, وأن يطاع فلا يخالف كقوله تعالى:{واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} وكقوله إخباراً عن المتصدقين: {إنما نطعمكم لوجه الله} قال ابن عباس: ذو الجلال والإكرام ذو العظمة والكبرياء, ولما أخبر تعالى عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة, وأنهم سيصيرون إلى الدار الاَخرة فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل قال: {فبأي آلاء ربكما تكذبان}, وقوله تعالى: {يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن} وهذا إخبار عن غناه عما سواه وافتقار الخلائق إليه في جميع الاَنات وأنهم يسألونه بلسان حالهم وقالهم وأنه كل يوم هو في شأن, قال الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير {كل يوم هو في شأن} قال من شأنه أن يجيب داعياً أو يعطي سائلاً, أو يفك عانياً أو يشفي سقيماً.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كل يوم هو يجيب داعياً ويكشف كرباً ويجيب مضطراً ويغفر ذنباً, وقال قتادة: لا يستغني عنه أهل السموات والأرض يحيي حياً ويميت ميتاً, ويربي صغيراً ويفك أسيراً وهو منتهى حاجات الصالحين وصريخهم ومنتهى شكواهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو اليمان الحمصي, حدثنا جرير بن عثمان عن سويد بن جبلة هو الفزاري قال: إن ربكم كل يوم هو في شأن فيعتق رقاباً, ويعطي رغاباً, ويقحم عقاباً.
وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي, حدثني إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي, حدثني عمرو بن بكر السكسكي, حدثنا الحارث بن عبدة بن رباح الغساني عن أبيه, عن منيب بن عبد الله بن منيب الأزدي عن أبيه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاَية {كل يوم هو في شأن} فقلنا: يا رسول الله وما ذاك الشأن ؟ قال: «أن يغفر ذنباً, ويفرج كرباً, ويرفع قوماً ويضع آخرين».. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا هشام بن عمار وسليمان بن أحمد الواسطي قالا: حدثنا الوزير بن صبيح الثقفي أبو روح الدمشقي والسياق لهشام قال: سمعت يونس بن ميسرة بن حليس, يحدث عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: {كل يوم هو في شأن} ـ قال ـ من شأنه أن يغفر ذنباً, ويفرج كرباً, ويرفع قوماً ويضع آخرين». وقد رواه ابن عساكر من طرق متعددة عن هشام بن عمار به, ثم ساقه من حديث أبي همام الوليد بن شجاع عن الوزير بن صبيح قال: «ودلنا عليه الوليد بن مسلم عن مطرف عن الشعبي عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره قال: والصحيح الأول, يعني إسناده الأول.
قلت: وقد روي موقوفاً كما علقه البخاري بصيغة الجزم فجعله من كلام أبي الدرداء فالله أعلم. وقال البزار: حدثنا محمد بن المثنى, حدثنا محمد بن الحارث, حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: كل يوم هو في شأن قال «يغفر ذنباً, ويكشف كرباً» ثم قال ابن جرير: وحدثنا أبو كريب, حدثنا عبيد الله بن موسى عن أبي حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس إن الله خلق لوحاً محفوظاً من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء قلمه نور, وكتابه نور, وعرضه ما بين السماء والأرض ينظر فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة, يخلق في كل نظرة ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.

** سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيّهَا الثّقَلاَنِ * فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ * يَمَعْشَرَ الْجِنّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مّن نّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان} قال: وعيد من الله تعالى للعباد وليس بالله شغل وهو فارغ, وكذا قال الضحاك: هذا وعيد, وقال قتادة: قد دنا من الله فراغ لخلقه, وقال ابن جريج {سنفرغ لكم} أي سنقضي لكم, وقال البخاري: سنحاسبكم لا يشغله شيء عن شيء, وهو معروف في كلام العرب, يقال لأتفرغن لك وما به شغل, يقول: لاَخذنك على غرتك. وقوله تعالى: {أيها الثقلان} الثقلان: الإنس والجن كما جاء في الصحيح: «ويسمعها كل شيء إلا الثقلين» وفي رواية «إلا الإنس والجن». وفي حديث الصور «الثقلان الإنس والجن» {فبأي آلاء ربكما تكذبان}. ثم قال تعالى: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} أي لا تستطيعون هرباً من أمر الله وقدره بل هو محيط بكم, لا تقدرون على التخلص من حكمه ولا النفوذ عن حكمه فيكم, أينما ذهبتم أحيط بكم, وهذا في مقام الحشر, الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب فلا يقدر أحد على الذهاب {إلا بسلطان} أي إلا بأمر الله {يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر}.
وقال تعالى: {والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ولهذا قال تعالى: {يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الشواظ: هو لهب النار, وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: الشواظ الدخان, وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع, وقال أبو صالح: الشواظ هو اللهب الذي فوق النار ودون الدخان. وقال الضحاك {شواظ من نار} سيل من نار. وقوله تعالى: {ونحاس} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {ونحاس} دخان النار, وروي مثله عن أبي صالح وسعيد بن جبير وأبي سنان. وقال ابن جرير: والعرب تسمي الدخان نحاساً, بضم النون وكسرها, والقراء مجمعة على الضم, ومن النحاس بمعنى الدخان قول نابغة جعدة:
يضيء كضوء سراج السليــط لم يجعل الله فيه نحاساً
يعني دخاناً هكذا قال, وقد روى الطبراني من طريق جويبر عن الضحاك أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الشواظ فقال: هو اللهب الذي لا دخان معه, فسأله شاهداً على ذلك من اللغة, فأنشده قول أمية بن أبي الصلت في حسان:
ألا من مبلغ حسان عنيمغلغلة تدب إلى عكاظأليس أبوك فينا كان قيناًلدى القينات فسلاً في الحفاظيمانياً يظل يشد كيراًوينفخ دائباً لهب الشواظ
قال: صدقت فما النحاس ؟ قال: هو الدخان الذي لا لهب له, قال: فهل تعرفه العرب ؟ قال: نعم, أما سمعت نابغة بني ذبيان يقول:
يضيء كضوء سراج السليــط لم يجعل الله فيه نحاساً
وقال مجاهد: النحاس الأصفر يذاب فيصب على رؤوسهم, وكذا قال قتادة, وقال الضحاك: ونحاس سيل من نحاس, والمعنى على كل قول لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار, والنحاس المذاب عليكم لترجعوا, ولهذا قال: {فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان ؟}.