تفسير الشوكاني تفسير الصفحة 164 من المصحف



فتح القدير - صفحة القرآن رقم 164

163

قوله: 105- "حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق" قرئ (حقيق علي أن لا أقول): أي واجب علي ولازم لي أن لا أقول فيما أبلغكم عن الله إلا القول الحق، وقرئ "حقيق على أن لا أقول" بدون ضمير في علي، قيل: في توجيهه أن على معنى الباء: أي حقيق بأن لا أقول، ويؤيده قراءة أبي والأعمش فإنهما قرآ (حقيق بأن لا أقول) وقيل: إن "حقيق" مضمن معنى حريص، وقيل: إنه لما كان لازماً للحق كان الحق لازماً له، فقول الحق حقيق عليه وهو حقيق على قول الحق، وقيل: إنه أغرق في وصف نفسه في ذلك المقام حتى جعل نفسه حقيقة على قول الحق كأنه وجب على الحق أن يكون موسى هو قائله. وقرأ عبد الله بن مسعود حقيق أن لا أقول بإسقاط على، ومعناه واضح ثم قال بعد هذا: "قد جئتكم ببينة من ربكم" أي بما يتبين به صدقي وأني رسول من رب العالمين. وقد طوى هنا ذكر ما دار بينهما من المحاورة كما في موضع آخر أنه قال فرعون "فمن ربكما يا موسى" ثم قال بعد جواب موسى "وما رب العالمين" الآيات الحاكية لما دار بينهما. قوله: "فأرسل معي بني إسرائيل" أمره بأن يدع بني إسرائيل يذهبون معه ويرجعون إلى أوطانهم وهي الأرض المقدسة. وقد كانوا باقين لديه مستعبدين ممنوعين من الرجوع إلى وطنهم والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
فلما قال ذلك 106- "قال" له فرعون "إن كنت جئت بآية" من عند الله كما تزعم " فأت بها " حتى نشاهدها وننظر فيها "إن كنت من الصادقين" في هذه الدعوى التي جئت بها.
قوله: 107- "فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين" أي وضعها على الأرض فانقلبت ثعباناً: أي حية عظيمة من ذكور الحيات، ومعنى "مبين" أن كونها حية في تلك الحال أمر ظاهر واضح لا لبس فيه.
108- "ونزع يده" أي أخرجها وأظهرها من جيبه أو من تحت إبطه، وفي التنزيل: "وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء". قوله: "فإذا هي بيضاء للناظرين" أي فإذا يده التي أخرجها بيضاء تتلألأ نوراً يظهر لكل مبصر.
109- "قال الملأ" أي الأشراف "من قوم فرعون" لما شاهدوا انقلاب العصى حية، ومصير يده بيضاء من غير سوء "إن هذا" أي موسى "لساحر عليم" أي كثير العلم بالسحر ولا تنافي بين نسبة هذا القول إلى الملأ هنا وإلى فرعون في سورة الشعراء فكلهم قد قالوه، فكان ذلك مصححاً لنسبته إليهم تارة وإليه أخرى.
وجملة 110- "يريد أن يخرجكم من أرضكم" وصف لساحر، والأرض المنسوبة إليهم هي أرض مصر: وهذا من كلام الملأ، وأم "فماذا تأمرون" فقيل: هو من كلام فرعون، قال: للملأ لما قالوا بما تقدم: أي بأي شيء تأمرونني، وقيل: هو من كلام الملأ: أي قالوا لفرعون فبأي شيء تأمرنا وخاطبوه بما تخاطب به الجماعة تعظيماً له كما يخاطب الرؤساء أتباعهم، وما في موضع نصب بالفعل الذي بعدها، ويجوز أنتكون ذا بمعنى الذي كما ذكره النحاة في ماذا صنعت.
وكون هذا من كلام فرعون هو الأولى بدليل ما بعده وهو 111- "قالوا أرجه وأخاه" قال: الملأ جواباً لكلام فرعون حيث استشارهم وطلب ما عندهم من الرأي أرجه: أي أخره وأخاه يقال: أرجأته وأرجيته: أخرته. قرأ عاصم والكسائي وحمزة وأهل المدينة "أرجه" بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز، وقرأ أهل الكوفة إلا الكسائي "أرجه" بسكون الهاء. قال الفراء: هي لغة للعرب يقفون على الهاء في الوصل، وأنكر ذلك البصريون، وقيل معنى أرجه: احبسه، وقيل: هو من رجا يرجو: أي أطمعه ودعه يرجوك، حكاه النحاس عن محمد بن يزيد المبرد "وأرسل في المدائن حاشرين" أي أرسل جماعة حاشرين في المدائن التي فيها السحرة، وحاشرين مفعول أرسل، وقيل: هو منصوب على الحال.
و 112- "يأتوك" جواب الأمر: أي يأتوك هؤلاء الذين أرسلتهم "بكل سحار عليم" أي بكل ماهر في السحر كثير العلم بصناعته. قرأ أهل الكوفة إلا عاصم "سحار" وقرأ من عداهم "ساحر".
قوله: 113- "وجاء السحرة فرعون" في الكلام طي: أي فبعث في المدائن حاشرين وجاء السحرة فرعون. قوله: "قالوا إن لنا لأجراً" أي فلما جاءوا فرعون قالوا له إن لنا لأجراً، والجملة استئنافية جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: أي شيء قالوا له لما جاءوه؟ والأجر الجائزة والجعل، ألزموا فرعون أن يجعل لهم جعلاً إن غلبوا موسى بسحرهم. قرأ نافع وابن كثير "إن لنا" على الإخبار، وقرأ الباقون "أإن لنا" على الاستفهام، استفهموا فرعون عن الجعل الذي سيجعله لهم على الغلبة، ومعنى الاستفهام التقرير. وأما على القراءة الأولى فكأنهم قاطعون بالجعل وأنه لا بد لهم منه.
فأجابهم فرعون بقوله: "نعم وإنكم لمن المقربين" أي إن لكم لأجراً وإنكم مع هذا الأجر المطلوب منكم لمن المقربين لدينا.
قوله: 115- "قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين" هذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فما قالوا لموسى بعد أن قال لهم فرعون: "نعم وإنكم لمن المقربين". والمعنى: أنهم خيروا موسى بين أن يبتدئ بإلقاء ما يلقيه عليهم أو يبتدئوه هم بذلك تأدباً معه وثقة من أنفسهم بأنهم غالبون وإن تأخروا، وأن في موضع نصب، قاله الكسائي والفراء: أي إما أن تفعل الإلقاء أو نفعله نحن.
فأجابهم موسى بقوله: 116- "ألقوا" اختار أن يكونوا المتقدمين عليه بإلقاء ما يلقونه غير مبال بهم ولا هائب لما جاءوا به. قال الفراء: في الكلام حذف، المعنى: قال لهم موسى إنكم لن تغلبوا ربكم ولن تبطلوا آياته، وقيل هو تهديد: أي ابتدئوا بالإلقاء فستنظرون ما يحل بكم من الافتضاح والموجب لهذين التأويلين عند من قال بهما أنه لا يجوز على موسى أن يأمرهم بالسحر "فلما ألقوا" أي حبالهم وعصيهم "سحروا أعين الناس" أي قلبوها وغيروها عن صحة إدراكها بما جاءوا به من التمويه والتخييل الذي يفعله المشعوذون وأهل الخفة "واسترهبوهم" أي أدخلوا الرهبة في قلوبهم إدخالاً شديداً " وجاؤوا بسحر عظيم " في أعين الناظرين لما جاءوا به، وإن كان لا حقيقة له في الواقع.
قوله: 117- "وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك" أمره الله سبحانه عند أن جاء السحرة بما جاءوا به من السحر أن يلقي عصاه "فإذا هي" أي العصا "تلقف ما يأفكون". قرأ حفص "تلقف" بإسكان اللام وتخفيف القاف من لقف يلقف. وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد القاف من تلقف يتلقف، يقال: لقفت الشيء وتلقفته: إذا أخذته أو بلغته. قال أبو حاتم: وبلغني في بعض القراءات تلقم بالميم والتشديد. قال الشاعر: أنت عصا موسى التي لم تزل تلقم ما يأفكه الساحــر و ما في "ما يأفكون" مصدرية أو موصولة: أي إفكهم أو ما يأفكونه، سماه إفكاً، لأنه لا حقيقة له في الواقع بل هو كذب وزور وتمويه وشعوذة.
118- "فوقع الحق" أي ظهر وتبين لما جاء به موسى "وبطل ما كانوا يعملون" من سحرهم: أي تبين بطلانه.
119- "فغلبوا" أي السحرة "هنالك" أي في الموقف الذي أظهروا فيه سحرهم "وانقلبوا" من ذلك الموقف "صاغرين" أذلاء مقهورين.
120- "وألقي السحرة ساجدين" أي خروا ساجدين كأنما ألقاهم ملق على هيئة السجود أو لم يتمالكوا مما رأوا فكأنهم ألقوا أنفسهم.