تفسير الشوكاني تفسير الصفحة 356 من المصحف



فتح القدير - صفحة القرآن رقم 356

355

44- "يقلب الله الليل والنهار" أي يعاقب بينهما، وقيل يزيد في أحدهما وينقص الآخر، وقيل يقبلهما باختلاف ما يقدره فيهما من خير وشر ونفع وضر، وقيل بالحر والبرد، وقيل المراد بذلك تغيير النهار بظلمة السحاب مرة وبضوء الشمس أخرى، وتغيير الليل بظلمة السحاب تارة وبضوء القمر أخرى، والإشارة بقوله: "إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار" إلى ما تقدم، ومعنى العبرة: الدلالة الواضحة التي يكون بها الاعتبار، والمراد بـ "أولي الأبصار" كل من له بصر يبصر به. ثم ذكر سبحانه دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان وبديع صنعته.
فقال: 45- "والله خلق كل دابة من ماء" قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي " الله خالق كل شيء " وقرأ الباقون "خلق" والمعنيان صحيحان، والدابة: كل ما دب على الأرض من الحيوان، يقال دب يدب فهو داب، والهاء للمبالغة، ومعنى "من ماء" من نطفة، وهي المني، كذا قال الجمهور. وقال جماعة: إن المراد الماء المعروف، لأن آدم خلق من الماء والطين. وقيل في الآية تنزيل الغالب منزلة الكل على القول الأول، لأن في الحيوانات ما يتولد لا عن نطفة، ويخرج من هذا العموم الملائكة فإنهم خلقوا من نور، والجان فإنهم خلقوا من نار. ثم فصل سبحانه أحوال كل دابة فقال: " فمنهم من يمشي على بطنه " وهي الحيات والحوت والدود ونحو ذلك "ومنهم من يمشي على رجلين" الإنسان والطير "ومنهم من يمشي على أربع" سائر الحيوانات، ولم يتعرض لما يمشي على أكثر من أربع لقلته، وقيل لأن المشي على أربع فقط وإن كانت القوائم كثيرة، وقيل لعدم الاعتداد بما يمشي على أكثر من أربع؟ وقيل ليس في القرآن ما يدل على عدم المشي على أكثر من أربع، لأنه لم ينف ذلك ولا جاء بما يقتضي الحصر، وفي مصحف أبي ومنهم من يمشي على أكثر فعم بهذه الزيادة جميع ما يمشي على أكثر من أربع كالسرطان والعناكب وكثير من خشاش الأرض "يخلق الله ما يشاء" مما ذكره ها هنا ومما لم يذكره كالجمادات مركبها وبسيطها ناميها وغير ناميها "إن الله على كل شيء قدير" لا يعجزه شيء بل الكل من مخلوقاته داخل تحت قدرته سبحانه.
46- "لقد أنزلنا آيات مبينات" أي القرآن، فإنه قد اشتمل على بيان كل شيء وما فرطنا في الكتاب من شيء، وقد تقدم بيان مثل هذا في غير موضع "والله يهدي من يشاء" بتوفيقه للنظر الصحيح وإرشاده إلى التأمل الصادق "إلى صراط مستقيم" إلى طريق مستوي لا عوج فيه، فيتوصل بذلك إلى الخير التام وهو نعيم الجنة. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: "والذين كفروا أعمالهم كسراب" قال: هو مثل ضربه الله كرجل عطش فاشتد عطشه فرأى سراباً فحسبه ماء، فطلبه فظن أنه قدر عليه حتى أتى، فلما أتاه لما يجده شيئاً، وقبض عند ذلك، يقول: الكافر كذلك السراب إذا أتاه الموت لم يجد عمله يغني عنه شيئاً، ولا ينفعه إلا كما نفع السراب العطشان "أو كظلمات في بحر لجي" قال: يعني بالظلمات الأعمال، وبالبحر اللجي قلب الإنسان "يغشاه موج" يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر. وأخرج ابن جرير عنه بقيعة: بأرض مستوية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبيه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الكفار يبعثون يوم القيامة ورداً عطاشاً فيقولون أين الماء؟ فيتمثل لهم السراب فيحسبونه ماء، فينطلقون إليه فيجدون الله عنده فيوفيهم حسابه والله سريع الحساب" وفي إسناده السدي عن أبيه، وفيه مقال معروف. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة في قوله "كل قد علم صلاته وتسبيحه" قال: الصلاة للإنسان والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله "والطير صافات" قال: بسط أجنحتهن. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : " يكاد سنا برقه "يقول : ضوء برقه . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: كل شيء يمشي على أربع إلا الإنسان. وأقول هذه الطيور على اختلاف أنواعها تمشي على رجلين، وهكذا غيرها، كالنعامة فإنها تمشي على رجلين، وليست من الطير، فهذه الكلية المروية عنه رضي الله عنه لا تصح.
شرع سبحانه في بيان أحوال من لم تحصل له الهداية إلى الصراط المستقيم فقال: 47- "ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا" وهؤلاء هم المنافقون الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فإنهم كما حكى الله عنهم ها هنا ينسبون إلى أنفسهم الإيمان بالله وبالرسول والطاعة لله ولرسوله نسبة بمجرد اللسان، لا عن اعتقاد صحيح، ولهذا قال: "ثم يتولى فريق منهم" أي من هؤلاء المنافقين القائلين هذه المقالة "من بعد ذلك" أي من بعد ما صدر عنهم ما نسبوه إلى أنفسهم من دعوى الإيمان والطاعة، ثم حكى عليهم سبحانه وتعالى بعدم الإيمان فقال: "وما أولئك بالمؤمنين" أي ما أولئك القائلون هذه المقالة بالمؤمنين على الحقيقة، فيشمل الحكم بنفي الإيمان جميع القائلين، ويندرج تحتهم من تولى اندراجاً أولياً. وقيل إن الإشارة بقوله "أولئك" راجع إلى من تولى، والأول أولى. والكلام مشتمل على حكمين: الحكم الأول على بعضهم بالتولي، والحكم الثاني على جميعهم بعدم الإيمان. وقيل أراد بمن تولى: من تولى عن قبول حكمه صلى الله عليه وسلم، وقيل أراد بذلك رؤساء المنافقين، وقيل أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين، ولا ينافي ما تحتمله هذه الآية باعتبار لفظها ورودها على سبب خاص كما سيأتي بيانه.
ثم وصف هؤلاء المنافقين بأن فريق منهم يعرضون عن إجابة الدعوة إلى الله وإلى رسوله في خصوماتهم، فقال:48- "وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم" أي ليحكم الرسول بينهم، فالضمير راجع إليه لأنه المباشر للحكم وإن كان الحكم في الحقيقة لله سبحانه، ومثل ذلك قوله تعالى: "والله ورسوله أحق أن يرضوه" و "إذا" في قوله "إذا فريق منهم معرضون" هي الفجائية: أي فاجأ فريق منهم الإعراض عن المحاكمة إلى الله والرسول، ثم ذكر سبحانه أن إعراضهم إنما هو إذا كان الحق عليهم.
وأما إذا كان لهم فإنهم يذعنون لعلمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحكم إلا بالحق فقال: 49- "وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين" قال الزجاج: الإذعان الإسراع مع الطاعة، يقال أذعن لي بحقي: أي طاوعني لما كنت ألتمس منه وصار يسرع إليه، وبه قال مجاهد وقال الأخفش وابن الأعرابي: مذعنين مقرين. وقال النقاش: مذعنين: خاضعين.
ثم قسم الأمر في إعراضهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم فقال: 50- "أفي قلوبهم مرض" وهذه الهمزة للتوبيخ والتقريع لهم، والمرض النفاق: أي أكان هذا الإعراض منهم بسبب النفاق الكائن في قلوبهم "أم ارتابوا" وشكوا في أمر نبوته صلى الله عليه وسلم وعدله في الحكم "أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله" والحيف الميل في الحكم، يقال حاف في قضيته: أي جار فيما حكم به، ثم أضرب عن هذه الأمور التي صدرها بالاستفهام الإنكاري فقال: "بل أولئك هم الظالمون" أي ليس ذلك لشيء مما ذكر، بل لظلمهم وعنادهم، فإنه لو كان الإعراض لشيء مما ذكر لما أتوا إليه مذعنين إذا كان الحق لهم، وفي هذه الآية دليل على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله العادل في حكمه لأن العلماء ورثة الأنبياء، والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم الله العارفين بالكتاب والسنة، العادلين في القضاء هو حكم بحكم الله وحكم رسوله، فالداعي إلى التحاكم إليهم قد دعا إلى الله وإلى رسوله: أي إلى حكمهما. قال ابن خويز منداد: واجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب، ما لم يعلم أن الحاكم فاسق. قال القرطبي: في هذه الآية دليل على وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم، لأن الله سبحانه ذم من دعي إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه بأقبح الذم، فقال: "أفي قلوبهم مرض" الآية انتهى، فإن كان القاضي مقصراً لا يعلم بأحكام الكتاب والسنة، ولا يعقل حجج الله ومعاني كلامه وكلام رسوله، بل كان جاهلاً جهلاً بسيطاً، وهو من لا علم له بشيء من ذلك، أو جهلاً مركباً، وهو من لا علم عنده بما ذكرنا، ولكنه قد عرف بعض اجتهادات المجتهدين، واكلع على شيء من علم الرأي، فهذا في الحقيقة جاهل، وإن اعتقد أنه يعلم بشيء من العلم فاعتقاده باطل، فمن كان من القضاة هكذا فلا تجب الإجابة إليه لأنه ليس ممن يعلم بحكم الله ورسوله حتى يحكم به بين المتخاصمين إليه، بل هو من قضاة الطاغوت وحكام الباطل، فإن ما عرفه من علم الرأي إنما رخص في العمل به للمجتهد الذي هو منسوب إليه عند عدم الدليل من الكتاب والسنة ولم يرخص فيه لغيره ممن يأتي بعده. وإذا تقرر لديك هذا وفهمته حق فهمه علمت أن التقليد والانتساب إلى عالم من العلماء دون غيره والتقيد بجميع ما جاء به من رواية ورأي وإهمال ما عداه من أعظم ما حدث في هذه الملة الإسلامية من البدع المضلة والفواقر الموحشة فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد أوضحنا هذا في مؤلفنا الذي سميناه القول المفيد في حكم التقليد وفي مؤلفنا الذي سميناه أدب الطلب ومنتهى الأرب فمن أراد أن يقف على حقيقة هذه البدعة التي طبقت الأقطار الإسلامية فليرجع إليهما.
ثم لما ذكر ما كان عليه أهل النفاق أتبع بما يجب على المؤمنين أن يفعلوه إذا دعوا إلى حكم الله ورسوله فقال: 51- "إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا" قرأ الجمهور بنصب "قول" على أنه خبر كان واسمها أن يقولوا. وقرأ علي والحسن وابن أبي إسحاق برفع قول على أنه الاسم وأن المصدرية وما في حيزها الخبر، وقد رجحت القراءة الأولى بما تقرر عند النحاة من أنه إذا اجتمع معرفتان وكانت إحداهما أعرف جعلت التي هي أعرف اسماً. وأما سيبويه فقد خير بين كل معرفتين ولم يفرق هذه التفرقة، وقد قدمنا الكلام على الدعوة إلى الله ورسوله للحكم بين المتخاصمين وذكرنا من تجب الإجابة إليه من القضاة ومن لا تجب "أن يقولوا سمعنا وأطعنا" أي أن يقولوا هذا القول لا قولاً آخر، وهذا وإن كان على طريقة الخبر فليس المراد به ذلك، بل المراد به تعليم الأدب الشرعي عند هذه الدعوة من أحد المتخاصمين للآخر. والمعنى: أنه ينبغي للمؤمنين أن يكونوا هكذا بحيث إذا سمعوا الدعاء المذكور قابلوه بالطاعة والإذعان. قال مقاتل وغيره: يقولون سمعنا قول النبي صلى الله عليه وسلم وأطعنا أمره، وإن كان ذلك فيما يكرهونه ويضرهم، ثم أثنى سبحانه عليهم بقوله: "وأولئك" أي المؤمنون الذين قالوا هذا القول "هم المفلحون" أي الفائزون بخير الدنيا والآخرة.
ثم أردف الثناء عليهم بثناء آخر فقال: 52- "ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون" وهذه الجملة مقررة لما قبلها من حسن حال المؤمنين وترغيب من عداهم إلى الدخول في عدادهم والمتابعة لهم في طاعة الله ورسوله والخشية من الله عز وجل والتقوى له. قرأ حفص "ويتقه" بإسكان القاف على نية الجزم. وقرأ الباقون بكسرها، لأن جزم هذا الفعل بحذف آخره، وأسكن الهاء أبو عمرو وأبو بكر واختلس الكسرة يعقوب وقالون عن نافع والمثنى عن أبي عمرو وحفص وأشبع كسرة الهاء الباقون. قال ابن الأنباري: وقراءة حفص هي على لغة من قال: لم أر زيداً، ولم أشتر طعاماً يسقطون الياء للجزم ثم يسكنون الحرف الذي قبلها، ومنه قول الشاعر: ‌قالت سليمى اشتر لنا دقيقا وقول الآخر: عجبت لمولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان وأصله يلد بكسر اللام وسكون الدال للجزم، فلما سكن اللام التقى ساكنان، فلوحرك الأول لرجع إلى ما وقع الفرار منه، فحرك ثانيهما وهو الدال. ويمكن أن يقال إنه حرك الأول على أصل التقاء الساكنين وبقي السكون على الدال لبيان ما عليه أهل هذه اللغة ولا يضر الرجوع إلى ما وقع الفرار منه، فهذه الحركة غير تلك الحركة والإشارة بقوله: "فأولئك هم الفائزون" إلى الموصوفين بما ذكر من الطاعة والخشية والتقوى أي هم الفائزون بالنعيم الدنيوي والأخروي لا من عداهم.
ثم حكى سبحانه عن المنافقين أنهم لما كرهوا حكمه أقسموا بأنه لو أمرهم بالخروج إلى الغزو لخرجوا فقال: 53- "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن" أي لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجن، وجهد أيمانهم منتصب على أنه مصدر مؤكد للفعل المحذوف الناصب له: أي أقسموا بالله يجهدون أيمانهم جهداً. ومعنى جهد أيمانهم: طاقة ما قدروا أن يحلفوا، مأخوذ من قولهم جهد نفسه: إذا بلغ طاقتها وأقصى وسعها. وقيل هو منتصب على الحال والتقدير: مجتهدين في أيمانهم، كقولهم افعل ذلك جهدك وطاقتك، وقد خلط الزمخشري الوجهين فجعلهما واحداً. وجواب القسم قوله "ليخرجن" ولما كانت مقالتهم هذه كاذبة وأيمانهم فاجرة رد الله عليهم، فقال: "قل لا تقسموا" أي رد عليهم زاجراً لهم، وقل لهم لا تقسموا: أي لا تحلفوا على ما تزعمونه من الطاعة والخروج إلى الجهاد إن أمرتم به، وهاهنا تم الكلام. ثم ابتدأ فقال "طاعة معروفة" وارتفاع "طاعة" على أنها خبر مبتدأ محذوف: أي طاعتهم طاعة معروفة بأنها طاعة نفاقية لم تكن عن اعتقاد ويجوز أن تكون ميتدأ، لأنها قد خصصت بالصفة، ويكون الخبر مقدراً: أي طاعة معروفة أولى بكم من أيمانكم، ويجوز أن ترتفع بفعل محذوف: أي لتكن منكم طاعة أو لتوجد، وفي هذا ضعف لأن الفعل لا يحذف إلا إذا تقدم ما يشعر به. وقرأ زيد بن علي والترمذي طاعة بالنصب على المصدر لفعل محذوف: أي أطيعوا طاعة "إن الله خبير بما تعملون" من الأعمال وما تضمرونه من المخالفة لما تنطق به ألسنتكم، وهذه الجملة تعليل لما قبلها من كون طاعتهم طاعة نفاق.