تفسير الطبري تفسير الصفحة 104 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 104
105
103
 الآية : 163
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إِنّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىَ نُوحٍ وَالنّبِيّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَىَ وَأَيّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً }..
يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: إنّا أوْحَيْنا إلَـيْكَ كمَا أوْحَيْنا إلـى نُوحٍ: إنا أرسلنا إلـيك يا مـحمد بـالنبوّة كما أرسلنا إلـى نوح وإلـى سائر الأنبـياء الذين سميتهم لك من بعده والذين لـم أسمهم لك. كما:
8608ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا جرير, عن الأعمش, عن منذر الثوريّ, عن الربـيع بن خُثَـيْـم فـي قوله: إنّا أوْحَيْنا إلَـيْكَ كمَا أوْحَيْنا إلـى نُوحٍ وَالنّبِـيّـينَ مِنْ بَعْدِه قال: أوحى إلـيك كما أوحى إلـى جميع النبـيـين من قبله.
وذكر أن هذه الاَية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم, لأن بعض الـيهود لـما فضحهم الله بـالاَيات التـي أنزلها علـى رسوله صلى الله عليه وسلم, وذلك من قوله: يَسْئَلُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـا مِنَ السّماءِ فتلا ذلك علـيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, قالوا: ما أنزل الله علـى بشر من شيء بعد موسى. فأنزل الله هذه الاَيات تكذيبـا لهم, وأخبر نبـيه والـمؤمنـين به أنه قد أنزل علـيه بعد موسى وعلـى من سماهم فـي هذه الاَية وعلـى آخرين لـم يسمهم. كما:
8609ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا يونس بن بكير, وحدثنا ابن حيـمد, قال: حدثنا سلـمة, عن مـحمد بن إسحاق, قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, قال: ثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: قال سُكَيْن وعديّ بن زيد: يا مـحمد ما نعلـم الله أنزل علـى بشر من شيء بعد موسى, فأنزل الله فـي ذلك من قولهما: إنّا أوْحَيْنا إلَـيْكَ كمَا أوْحَيْنا إلـى نُوحٍ وَالنّبِـيّـينَ مِنْ بَعْدِه... إلـى آخر الاَيات.
وقال آخرون: بل قالوا: لـما أنزل الله الاَيات التـي قبل هذه فـي ذكرهم ما أنزل الله علـى بشر من شيء, ولا علـى موسى, ولا علـى عيسى, فأنزل الله جلّ ثناؤه: وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أنْزَلَ اللّهُ عَلـى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ولا علـى موسى, ولا علـى عيسى. ذكر من قال ذلك:
8610ـ حدثنـي الـحرث, قال: حدثنا عبد العزيز, قال: حدثنا أبو معشر, عن مـحمد بن كعب القُرَظيّ, قال: أنزل الله: يَسْئَلُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـا مِنَ السّماءِ... إلـى قوله: وَقَوْلِهِمْ علـى مَرْيَـمَ بُهْتانا عَظِيـما, فلـما تلاها علـيهم يعنـي علـى الـيهود وأخبرهم بأعمالهم الـخبـيثة, جحدوا كلّ ما أنزل الله, وقالوا: ما أنزل الله علـى بشر من شيء, ولا علـى موسى, ولا علـى عيسى, وما أنزل الله علـى نبـيّ من شيء. قال: فحل حُبْوَته, وقال: ولا علـى أحد فأنزل الله جلّ ثناؤه: وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أنْزَلَ اللّهُ عَلـى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ.
وأما قوله: وآتَـيْنا دَاوُدَ زَبُورا فإن القراء اختلفت فـي قراءته, فقرأته عامة قرّاء أمصار الإسلام غير نفر من قرّاء الكوفة: وآتَـيْنا دَاوُدَ زَبُورا بفتـح الزاي علـى التوحيد, بـمعنـي: وآتـينا داود الكتاب الـمسمى زبورا. وقرأ ذلك بعض قرّاء الكوفـيـين: «وآتَـيْنا دَاوُدَ زُبُورا» بضمّ الزاي جمع زُبُر, كأنهم وجهوا تأويـله: وآتـينا داود كتبـا وصحفـا مزبورة, من قولهم: زَبَرْت الكتاب أَزْبُرُه زَبْرا, وذَبَرْته أَذْبُرُه ذَبْرا: إذا كتبته.
قال أبو جعفر: وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب عندنا, قراءة من قرأ: وآتَـيْنا دَاوُدَ زَبُورا بفتـح الزاي علـى أنه اسم الكتاب الذي أوتـيه داود, كما سمى الكتاب الذي أوتـيه موسى التوراة, والذي أوتـيه عيسى الإنـجيـل, والذي أوتـيه مـحمد الفرقان, لأن ذلك هو الاسم الـمعروف به ما أوتـي داود, وإنـما تقول العرب زَبور داود, وبذلك يعرف كتابه سائر الأمـم.
الآية : 164
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلّمَ اللّهُ مُوسَىَ تَكْلِيماً }..
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: إنا أوحينا إلـيك, كما أوحينا إلـى نوح, وإلـى رسل قد قصصناهم علـيك, ورسل لـم نقصصهم علـيك. فلعل قائلاً أن يقول: فإذا كان ذلك معناه, فما بـال قوله: وَرُسُلاً منصوبـا غير مخفوض؟ قـيـل: نصب ذلك إذا لـم تعد علـيه «إلـى» التـي خفضت الأسماء قبله, وكانت الأسماء قبلها وإن كانت مخفوضة, فإنها فـي معنى النصب, لأن معنى الكلام: إنا أرسلناك رسولاً كما أرسلنا نوحا والنبـيـين من بعده, فعطفت الرسل علـى معنى الأسماء قبلها فـي الإعراب, لانقطاعها عنها دون ألفـاظها, إذ لـم يعد علـيها ما خفضها, كما قال الشّاعر:
لَوْ جِئْتَ بـالـخُبْزِ لَهُ مُنَشّرَاوالبَـيْضَ مَطْبُوخا مَعا والسّكّرَالـمْ يُرْضِهِ ذَلِكَ حتـى يَسْكَرَا
وقد يحتـمل أن يكون نصب الرسل, لتعلق الواو بـالفعل, بـمعنى: وقصصنا رسلاً علـيك من قبل, كما قال جلّ ثناؤه: يُدْخِـلُ مَنْ يَشاءُ فِـي رَحْمَتِهِ وَالظّالِـمِينَ أعَدّ لَهُمْ عَذَابـا ألِـيـما, وقد ذكر أن ذلك فـي قراءة أُبَـيّ: «وَرُسُلٌ قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَـيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلٌ لَـمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَـيْكَ» فرفع ذلك إذا قرىء كذلك بعائد الذكر فـي قوله: قَصَصْناهُمْ عَلَـيْكَ.
وأما قوله: وكَلّـمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِـيـما فإنه يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وخاطب الله بكلامه موسى خطابـا. وقد:
8611ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا يحيى بن واضح, قال: حدثنا نوح بن أبـي مريـم, وسئل: كيف كلّـم الله موسى تكلـيـما؟ فقال: مشافهة.
8612ـ وقد حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبو أسامة, عن ابن مبـارك, عن معمر ويونس, عن الزهري, عن أبـي بكر بن عبد الرحمن بن الـحرث بن هشام, قال: أخبرنـي جزء بن جابر الـخثعمي, قال: سمعت كعبـا يقول: إن الله جلّ ثناؤه لـمّا كلـم موسى, كلـمه بـالألسنة كلها قبل كلامه يعنـي كلام موسى فجعل يقول: يا ربّ لا أفهم حتـى كلـمه بلسانه آخر الألسنة, فقال: يا ربّ هكذا كلامك؟ قال: لا, ولو سمعت كلامي أي علـى وجهه لـم تك شيئا. قال ابن وكيع, قال أبو أسامة: وزادنـي أبو بكر الصغانـي فـي هذا الـحديث: أن موسى قال: يا ربّ هل فـي خـلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا, وأقرب خـلقـي شبها بكلامي, أشدّ ما تسمع الناس من الصواعق.
8613ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبو أسامة, عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر, قال: سمعت مـحمد بن كعب القُرَظيّ, يقول: سئل موسى: ما شبّهتَ كلام ربك مـما خـلق؟ فقال موسى: الرعد الساكن.
حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: حدثنا عبد الله بن وهب, قال: أخبرنـي يونس, عن ابن شهاب, قال: أخبرنـي أبو بكر بن عبد الرحمن, أنه أخبره عن جزء بن جابر الـخثعمي, قال: لـما كلـم الله موسى بـالألسنة كلها قبل لسانه, فطفق يقول: والله يا ربّ ما أفقه هذا حتـى كلـمه بلسانه آخر الألسنة بـمثل صوته, فقال موسى: يا ربّ هذا كلامك؟ قال: لا, قال: هل فـي خـلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا, وأقرب خـلقـي شبها بكلامي, أشدّ ما يسمع الناس من الصواعق.
حدثنـي أبو يونس الـمكيّ, قال: حدثنا ابن أبـي أُوَيس, قال: أخبرنـي أخي, عن سلـيـمان, عن مـحمد بن أبـي عتـيق, عن ابن شهاب, عن أبـي بكر بن عبد الرحمن بن الـحرث بن هشام, أنه أخبره جَزْء بن جابر الـخثعمي, أنه سمع الأحبـار تقول: لـمّا كلـم الله موسى بـالألسنة كلها قبل لسانه, فطفق موسى يقول: أي ربّ, والله ما أفقه هذا حتـى كلـمه آخر الألسنة بلسانه بـمثل صوته, فقال موسى: أي ربّ, أهكذا كلامك؟ فقال: لو كلـمتك بكلامي لـم تكن شيئا. قال: أي ربّ هل فـي خـلقك شيء يشبه كلامك؟ فقال: لا, وأقرب خـلقـي شبها بكلامي, أشدّ ما يسمع من الصواعق.
حدثنا ابن عبد الرحمين, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا زهير, عن يحيى, عن الزهريّ, عن أبـي بكر ابن عبد الرحمن بن الـحارث بن هشام, عن جزء بن جابر, أنه سمع كعبـا يقول: لـما كلـم الله موسى بـالألسنة قبل لسانه, طفق موسى يقول: أي ربّ, إنـي لا أفقه هذا حتـى كلـمه الله آخر الألسنة بـمثل لسانه, فقال موسى: أي ربّ هذا كلامك؟ قال الله: لو كلـمتك بكلامي لـم تكن شيئا. قال: يا ربّ, فهل من خـلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا, وأقرب خَـلْقـي شبها بكلامي, أشدّ ما يسمع من الصواعق.
الآية : 165
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {رّسُلاً مّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }..
يعنـي جلّ ثناؤه بذلك: إنّا أوْحَيْنا إلَـيْكَ كمَا أوْحَيْنا إلـى نُوحٍ وَالنّبِـيّـينَ مِنْ بَعْدِه ومن ذكر من الرسل رُسُلاً فنصب به الرسل علـى القطع من أسماء الأنبـياء الذين ذكر أسماءهم. مُبَشّرِينَ يقول: أرسلتهم رسلاً إلـى خـلقـي وعبـادي مبشرين بثوابـي من أطاعنـي واتبع أمري وصدّق رسلـي, وَمُنْذِرِينَ عقابـي من عصانـي وخالف أمري وكذّب رسلـي. لِئَلاّ يَكُونَ للنّاسِ علـى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُلِ يقول: أرسلت رسلـي إلـى عبـادي مبشرين ومنذرين, لئلا يحتـجّ من كفر بـي وعبد الأنداد من دونـي, أو ضلّ عن سبـيـلـي بأن يقول إن أردت عقابه: لَوْلاَ أرْسَلْتَ إلَـيْنَا رَسُولاً فَنتَبّعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أنْ نَذِلّ وَنَـخْزَى, فقطع حجة كل مبطل ألـحد فـي توحيده وخالف أمره بجميع معانـي الـحجج القاطعة عذره, إعذارا منه بذلك إلـيهم, لتكون لله الـحجة البـالغة علـيهم وعلـى جميع خـلقه.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
8614ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: لِئَلاّ يَكُونَ للنّاسِ علـى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُلِ فـيقولوا: ما أرسلت إلـينا رسلاً.
وكانَ اللّهُ عَزِيرا حَكِيـما يقول: ولـم يزل الله ذا عزّة فـي انتقامه مـمن انتقم من خـلقه علـى كفره به ومعصيته إياه بعد تثبـيته حجته علـيه برسله وأدلته, حكيـما فـي تدبـيره فـيهم ما دبره.
الآية : 166
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {لّـَكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىَ بِاللّهِ شَهِيداً }..
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: إن يكفر بـالذي أوحينا إلـيك يا مـحمد الـيهود الذين سألوك أن تنزل علـيهم كتابـا من السماء, وقالوا لك: ما أنزل الله علـى بشر من شيء فكذّبوك, فقد كذّبوا ما الأمر, كما قالوا: لكن الله يشهد بتنزيـله إلـيك ما أنزله من كتابه ووحيه, أنزل ذلك إلـيك بعلـم منه بأنك خيرته من خـلقه وصفـيه من عبـاده, ويشهد لك بذلك ملائكته, فلا يحزنك تكذيب من كذّبك, وخلاف من خالفك. وكَفَـى بـاللّهِ شَهِيدا يقول: وحسبك بـالله شاهدا علـى صدقك دون ما سواه من خـلقه, فإنه إذا شهد لك بـالصدق ربك لـم يضرّك تكذيب من كذّبك. وقد قـيـل: إن هذه الاَية نزلت فـي قوم من الـيهود دعاهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلـى أتبـاعه, وأخبرهم أنهم يعلـمون حقـيقة نبوّته, فجحدوا نبوّته وأنكروا معرفته. ذكر الـخبر بذلك:
8615ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا يونس, عن مـحمد بن إسحاق, قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, قال: ثنـي سعيد بن جبـير, أو عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: دخـل علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من يهود, فقال لهم: «إنّى والله أعْلَـمُ أنّكُمْ لَتَعْلَـمُونَ أَنّى رَسُولُ الله» فقالوا: ما نعلـم ذلك. فأنزل الله: لَكِنِ اللّهِ يَشْهَدُ بِـمَا أَنْزَلَ إلَـيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْـمِهِ وَالـمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفَـى بـاللّهِ شَهِيدا.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: ثنـي ابن إسحاق, قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد, عن عكرمة وسعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, قال: دخـلتْ علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم عصابة من الـيهود, ثم ذكر نـحوه.
8616ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: لَكِنِ اللّهِ يَشْهَدُ بِـمَا أَنْزَلَ إلَـيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْـمِهِ وَالـمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفَـى بـاللّهِ شَهِيدا شهود والله غير متهمة.
الآية : 167
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ قَدْ ضَلّواْ ضَلاَلاَ بَعِيداً }..
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: إن الذين جحدوا يا مـحمد نبوّتك بعد علـمهم بها من أهل الكتاب الذين اقتصصت علـيك قصتهم, وأنكروا أن يكون الله جلّ ثناؤه أوحى إلـيك كتابه, وَصدّوا عن سَبِـيـلِ الله يعنـي عن الدين الذي بعثك الله به إلـى خـلقه وهو الإسلام. وكان صدّهم عنه: قـيـلهم للناس الذين يسألونهم عن مـحمد من أهل الشرك: ما نـجد صفة مـحمد فـي كتابنا, وادّعاءهم أنهم عهد إلـيهم أن النبوّة لا تكون إلا فـي ولد هارون ومن ذرية داود, وما أشبه ذلك من الأمور التـي كانوا يثبطون الناس بها عن اتبـاع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق به وبـما جاء به من عند الله. وبـما جاء به من عند الله. وقوله: قَدْ ضَلّوا ضَلالاً بَعِيدا يعنـي: قد جاروا عن قصد الطريق جَوْرا شديدا, وزالوا عن الـمـحجة. وإنـما يعنـي جلّ ثناؤه بجورهم عن الـمـحجة, وضلالهم عنها: إخطاءهم دين الله الذي ارتضاه لعبـاده وابتعث به رسله, يقول: من جحد رسالة مـحمد صلى الله عليه وسلم وصدّ عما بعث به من الـملة من قبل منه, فقد ضلّ فذهب عن الدين الذي هو دين الله الذي ابتعث به أنبـياءه ضلالاً بعيدا.
الآية : 168-169
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاّ طَرِيقَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً }..
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: إنّ الذين جحدوا رسالة مـحمد صلى الله عليه وسلم, وكفروا بـالله بجحود ذلك وظلـموا بـمقامهم علـى الكفر, علـى علـم منهم بظلـمهم عبـاد الله, وحسدا للعرب, وبغيا علـى رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم, لَـمْ يَكُنِ اللّهُ لِـيَغْفِرَ لَهُمْ يعنـي: لـم يكن الله لـيعفو عن ذنوبهم بتركه عقوبتهم علـيها, ولكنه يفضحهم بها بعقوبته إياهم علـيها. وَلا لِـيَهْدِيَهُمْ طَرِيقا يقول: ولـم يكن الله تعالـى ذكره لـيهدى هؤلاء الذين كفروا وظلـموا, الذين وصفنا صفتهم, فـيوفقهم لطريق من الطرق التـي ينالون بها ثواب الله, ويصلون بلزومهم إياه إلـى الـجنة, ولكنه يخذلهم عن ذلك, حتـى يسلكوا طريق جهنـم. وإنـما كنـي بذكر الطريق عن الدين وإنـما معنى الكلام: لـم يكن الله لـيوفقهم للإسلام, ولكنه يخذلهم عنه إلـى طريق جهنـم, وهو الكفر, يعنـي: حتـى يكفروا بـالله ورسله, فـيدخـلوا جهنـم خالدين فـيها أبدا, يقول: مقـيـمين فـيها أبدا. وكانَ ذَلِكَ علـى اللّهِ يَسِيرا يقول: وكان تـخـلـيد هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم فـي جهنـم علـى الله يسيرا, لأنه لا يقدر من أراد ذلك به علـى الامتناع منه, ولا له أحد يـمنعه منه, ولا يستصعب علـيه ما أراد فعله به, من ذلك, وكان ذلك علـى الله يسيرا, لأن الـخـلق خـلقه, والأمر أمره.
الآية : 170
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يَأَيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الرّسُولُ بِالْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنّ للّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً }..
يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: يا أيّها النّاسُ مشركي العرب, وسائر أصناف الكفر. قَدْ جاءَكُمُ الرّسُولُ يعنى: مـحمدا صلى الله عليه وسلم, قد جاءكم بـالـحَقّ مِنْ رَبّكُمْ يقول: بـالإسلام الذى ارتضاه الله لعبـاده دينا, يقول: من ربكم: يعنـي من عند ربكم. فَآمِنُوا خَيْرا لَكُمْ يقول: فصدقوه وصدقّوا بـما جاءكم به من عند ربكم من الدين, فإن الإيـمان بذلك خير لكم من الكفر به. وَإنْ تَكْفُرُوا يقول: وإن تـجحدوا رسالته, وتكذّبوا به وبـما جاءكم به من عند ربكم, فإن جحودكم ذلك وتكذيبكم به لن يضرّ غيركم, وإنـما مكروه ذلك عائد علـيكم دون الذي الله أمركم بـالذي بعث به إلـيكم رسوله مـحمدا صلى الله عليه وسلم, وذلك أن لِلّهِ ما فِـي السّمَوَاتِ والأرْضِ ملكا وخـلقا, لا ينقص كفركم بـما كفرتـم به من أمره, وعصيانكم إياه فـيـما عصيتـموه فـيه من ملكه وسلطانه شيئا. وكانَ اللّهُ عَلِـيـما حَكِيـما يقول: وكان الله علـيـما بـما أنتـم صائرون إلـيه من طاعته فـيـما أمركم به وفـيـما نهاكم عنه ومعصيته فـى ذلك, وعلـى علـم منه بذلك منكم أمركم ونهاكم. حَكِيـما يعنـي: حكيـما فـى أمره إياكم بـما أمركم به وفـي نهيه إياكم عما نهاكم عنه, وفـي غير ذلك من تدبـيره فـيكم وفـي غيركم من خـلقه.
واختلف أهل العربـية فـي الـمعنى الذي من أجله نصب قوله: خَيْرا لَكُمْ فقال بعض نـحويـي الكوفة: نصب خيرا علـى الـخروج مـما قبله من الكلام, لأن ما قبله من الكلام قد تـم, وذلك قوله: فَآمِنُوا, وقال: قد سمعت العرب تفعل ذلك فـي كل خبر كان تامّا ثم اتصل به كلام بعد تـمامه علـى نـحو اتصال «خير» بـما قبله, فتقول: لتقومنّ خيرا لك, ولو فعلت ذلك خيرا لك, واتق الله خيرا لك. قال: وأما إذا كان الكلام ناقصا, فلا يكون إلا بـالرفع كقولك: إن تتق الله خير لك, و وَأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ.
وقال آخر منهم: جاء النصب فـي «خير», لأن أصل الكلام: فآمنوا هو خير لكم, فلـما سقط «هو» الذي هو مصدر اتصل الكلام بـما قبله, والذي قبله معرفة و«خير» نكرة, فـانتصب لاتصاله بـالـمعرفة, لأن الإضمار من الفعل: قم فـالقـيام خير لك, ولا تقم فترك القـيام خير لك فلـما سقط اتصل بـالأوّل. وقال: ألا ترى أنك ترى الكناية عن الأمر تصلـح قبل الـخبر, فتقول للرجل: اتق الله هو خير لك, أي الاتقاء خير لك. وقال: لـيس نصبه علـى إضمار «يكن», لأن ذلك يأتـي بقـياس يبطل هذا, ألا ترى أنك تقول: اتق الله تكن مـحسنا, ولا يجوز أن تقول: اتق الله مـحسنا, وأنت تضمر «كان», ولا يصلـح أن تقول: انصرنا أخانا, وأنت تريد: تكن أخانا. وزعم قائل هذا القول أنه لا يجيز ذلك إلا فـي «أَفْعَل» خاصة, فتقول: افعل هذا خيرا لك, ولا تفعل هذا خيرا لك وأفضلَ لك ولا تقول: صلاحا لك. وزعم أنه إنـما قـيـل مع «أفعل», لأن «أفعل» يدلّ علـى أن هذا أصلـح من ذلك. وقال بعض نـحويـي البصرة: نصب «خيرا» لأنه حين قال لهم: آمنوا, أمرهم بـما هو خير لهم, فكأنه قال: اعملوا خيرا لكم, وكذلك: انتهوا خيرا لكم, قال: وهذا إنـما يكون فـي الأمر والنهي خاصة, ولا يكون فـي الـخبر, لا تقول: أن أنتهي خيرا لـي, ولكن يرفع علـى كلامين لأن الأمر والنهي يضمر فـيهما, فكأنك أخرجته من شيء إلـى شيء, لأنك حين قلت له انْتَهِ, كأنك قلت له: أخرج من ذا, وادخـل فـي آخر واستشهد بقول الشاعر عمر بن أبـي ربـيعة:
فَوَاعِدِيهِ سَرْحَتـيْ مالِكٍأوِ الرّبـا بَـيْنَهُما أسْهَلا
كما تقول: واعديه خيرا لك. قال: وقد سمعت نصب هذا فـي الـخبر, تقول العرب: آتـي البـيت خيرا لـي وأتركه خيرا لـي, وهو علـى ما فسرت لك فـي الأمر والنهي. وقال آخر منهم: نصب «خيرا» بفعل مضمر, واكتفـى من ذلك الـمضمر بقوله: لا تفعل هذا وافعل الـخير, وأجازه فـي غير «أفعل», فقال: لا تفعل ذاك صلاحا لك. وقال آخر منهم: نصب «خيرا» علـى ضمير جواب: يكن خيرا لكم, وقال: كذلك كل أمر ونهي