تفسير الطبري تفسير الصفحة 162 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 162
163
161
 الآية : 88
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَالَ الْمَلاُ الّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنّكَ يَشُعَيْبُ وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنّ فِي مِلّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنّا كَارِهِينَ }..
يقول تعالـى ذكره: قالَ الـمَلأُ الّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعنـي بـالـملأ: الـجماعة من الرجال, ويعنـي بـالذين استكبروا: الذين تكبروا عن الإيـمان بـالله والانتهاء إلـى أمره واتبـاع رسوله شعيب لـما حذّرهم شعيب بأس الله علـى خلافهم أمر ربهم, وكفرهم به. لَنُـخْرِجَنّك يا شُعَيْبُ ومن تبعك وصدّقك وآمن بك, وبـما جئت به معك من قريتنا. أو لَتَعُودُنّ فـي مِلّتِنا يقول: لترجعَنّ أنت وهم فـي ديننا وما نـحن علـيه. قال شعيب مـجيبـا لهم: أَوَ لَوْ كُنّا كارِهِين؟.
ومعنى الكلام: أن شعيبـا قال لقومه: أتـخرجوننا من قريتكم, وتصدّوننا عن سبـيـل الله, ولو كنا كارهين لذلك؟ ثم أدخـلت ألف الاستفهام علـى واو «أوَ لَوْ».
الآية : 89
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نّعُودَ فِيهَآ إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ رَبّنَا وَسِعَ رَبّنَا كُلّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللّهِ تَوَكّلْنَا رَبّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ }..
يقول جلّ ثناؤه: قال شعيب لقومه, إذ دعوه إلـى العود إلـى ملتهم والدخول فـيها, وتوعدوه بطرده ومن اتبعه من قريتهم إن لـم يفعل ذلك هو وهم: قَدِ افْتَرَيْنا علـى اللّهِ كَذِبـا يقول: قد اختلقنا علـى الله كذبـا, وتـخرّصنا علـيه من القول بـاطلاً إن نـحن عدنا فـي ملتكم, فرجعنا فـيها بعد إذ أنقذنا الله منها, بأن بصّرنا خطأها وصواب الهدى الذي نـحن علـيه, وما يكون لنا أن نرجع فـيها فندينَ بها ونترك الـحقّ الذي نـحن علـيه. إلا أنْ يَشاءَ اللّهُ رَبّنا: إلا أن يكون سبق لنا فـي علـم الله أنا نعود فـيها, فـيـمضيَ فـينا حينئذ قضاء الله, فـينفذ مشيئته علـينا. وَسِعَ رَبّنا كُلّ شَيْءٍ عِلْـما يقول: فإن علْـمَ ربنا وسع كل شيء فأحاط به, فلا يخفـى علـيه شيء كان ولا شيء هو كائن فإن يكن سبق لنا فـي علـمه أنا نعود فـي ملتكم ولا يخفـى علـيه شيء كان ولا شيء هو كائن, فلا بد من أن يكون ما قد سبق فـي علـمه, وإلا فإنا غير عائدين فـي ملتكم.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك, قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
11605ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: قَدِ افْتَريْنا علـى اللّهِ كَذِبـا إنْ عُدْنا فِـي مِلّتِكُمْ بَعْدَ إذْ نَـجّانا اللّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِـيها إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ رَبّنا وَسِعَ رَبّنا كُلّ شَيْءٍ عِلْـما علـى اللّهِ تَوَكّلْنا رَبّنا افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ يقول: ما ينبغي لنا أن نعود فـي شرككم بعد إذ نـجانا الله منها إلا أن يشاء الله ربنا, فـالله لا يشاء الشرك, ولكن يقول: إلا أن يكون الله قد علـم شيئا, فإنه وسع كلّ شيء علـما.
وقوله: علـى اللّهِ تَوَكّلْنا يقول: علـى الله نعتـمد فـي أمورنا وإلـيه نستند فـيـما تَعِدوننا به من شرككم أيها القوم, فإنه الكافـي من توكل علـيه. ثم فزع صلوات الله علـيه إلـى ربه بـالدعاء علـى قومه, إذ أيس من فلاحهم, وانقطع رجاؤه من إذعانهم لله بـالطاعة والإقرار له بـالرسالة, وخاف علـى نفسه وعلـى من اتبعه من مؤمنـي قومه من فَسَقِتهم العطب والهلكة بتعجيـل النقمة, فقال: رَبّنا افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ يقول: احكم بـيننا وبـينهم بحكمك الـحقّ الذي لا جور فـيه ولا حيف ولا ظلـم, ولكنه عدل وحقّ وأنْتَ خَيْرُ الفـاتِـحِينَ يعنـي: خير الـحاكمين. ذكر الفراء أن أهل عمان يسمون القاضي: الفـاتـح والفتّاح. وذكر غيره من أهل العلـم بكلام العرب أنه من لغة مراد, وأنشد لبعضهم بـيتا وهو:
ألا أبْلِغْ بَنِـي عُصْمٍ رَسُولاًفإنّـي عَنْ فُتاحَتِكُمْ غَنِـيّ
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك, قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
11606ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبـي, عن مسعر, عن قتادة, عن ابن عبـاس, قال: ما كنت أدري ما قوله: رَبّنا افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ حتـى سمعت ابنة ذي يزن تقول: تعال أُفـاتِـحْكَ, يعنـي: أقاضيك.
11607ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله: رَبّنا افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ يقول: اقض بـيننا وبـين قومنا.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو دكين, قال: حدثنا مِسعر, قال: سمعت قتادة يقول: قال ابن عبـاس: ما كنت أدري ما قوله: رَبّنا افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ حتـى سمعت ابنة ذي يزن تقول: تعال أفـاتـحك.
11608ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ: أي اقض بـيننا وبـين قومنا بـالـحقّ.
حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى, قال: حدثنا مـحمد بن ثور, قال: حدثنا معمر, عن قتادة: افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ: اقض بـيننا وبـين قومنا بـالـحقّ.
11609ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, أما قوله: افْتَـحْ بَـيْنَنا فـيقول: احكم بـيننا.
11610ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال الـحسن البصري: افتـح: احكم بـيننا وبـين قومنا, وإنّا فَتَـحْنَا لَكَ فَتْـحا مُبِـينا: حكمنا لك حكما مبـينا.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس: افتـح: اقض.
حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا أبو أحمد مـحمد بن عبد الله بن الزبـير, قال: حدثنا مسعر, عن قتادة, عن ابن عبـاس, قال: لـم أكن أدري ما افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ حتـى سمعت ابنة ذي يِزن تقول لزوجها: انطلق أفـاتـحك.
الآية : 90
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَقَالَ الْمَلاُ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنّكُمْ إِذاً لّخَاسِرُونَ }..
يقول تعالـى ذكره: وقالت الـجماعة من كَفَرَةِ رجال قوم شعيب, وهم الـملأ الذين جحدوا آيات الله وكذّبوا رسوله وتـمادوا فـي غيهم, لاَخرين منهم: لئن أنتـم اتبعتـم شعيبـا علـى ما يقول وأجبتـموه إلـى ما يدعوكم إلـيه من توحيد الله والانتهاء إلـى أمره ونهيه وأقررتـم بنبوّته, أنّكُمْ إذًا لـخَاسِرُونَ يقول: لـمغبونون فـي فعلكم, وترككم ملتكم التـي أنتـم علـيها مقـيـمون إلـى دينه الذي يدعوكم إلـيه, وهالكون بذلك من فعلكم.
الآية : 91
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ }..
يقول: فأخذت الذين كفروا من قوم شعيب الرجفة, وقد بـينت معنى الرجفة قبل, وأنها الزلزلة الـمـحرّكة لعذاب الله. فأصْبَحُوا فِـي دَارِهِمْ جاثِمِينَ علـى ركبهم موتـى هلكى.
وكانت صفة العذاب الذي أهلكهم الله به كما:
11611ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: وَإلـى مَدْيَنَ أخاهُمْ شُعَيْبـا قال: إن الله بعث شعيبـا إلـى مَدْينَ, وإلـى أصحاب الأيكة والأيكة: هي الغيضة من الشجر وكانوا مع كفرهم يبخَسُون الكيـل والـميزان, فدعاهم فكذّبوه, فقال لهم ما ذكر الله فـي القرآن, وما ردّوا علـيه, فلـما عتوا وكذّبوه, سألوه العذاب, ففتـح الله علـيهم بـابـا من أبواب جهنـم, فأهلكهم الـحرّ منه, فلـم ينفعهم ظلّ ولا ماء, ثم إنه بعث سحابة فـيها ريح طيبة, فوجدوا برد الريح وطيبها, فتنادوا: الظلة, علـيكم بها فلـما اجتـمعوا تـحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبـيانهم, انطبقت علـيهم, فأهلكتهم, فهو قوله: فَأخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمَ الظّلّةِ.
11612ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: كان من خبر قصة شعيب وخبر قومه, ما ذكر الله فـي القرآن, كانوا أهلَ بخْس للناس فـي مكايـيـلهم وموازينهم, مع كفرهم بـالله وتكذيبهم نبـيهم وكان يدعوهم إلـى الله وعبـادته وترك ظلـم الناس وبخسهم فـي مكايـيـلهم وموازينهم فقال نُصْحا لهم وكان صادقا: ما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكُمْ إلـى ما أنهاكُمْ عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلاّ الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِـيقـي إلا بـاللّهِ عَلَـيْهِ تَوَكّلْتُ وَإلَـيْهِ أُنِـيبُ قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما ذكر لـي يعقوب بن أبـي سلـمة إذا ذكر شعيبـا, قال: «ذَاكَ خَطِيبُ الأنْبِـياءِ» لـحسن مراجعته قومه فـيـما يراد بهم, فلـما كذبوه وتوعدوه بـالرجم والنفـي من بلادهم, وعتوا علـى الله, أخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيـم, فبلغنـي أن رجلاً من أهل مدين يقال له عمرو بن جلهاء لـما رآها قال:
يا قَوْمِ إنّ شُعَيْبـا مُرْسَلٌ فَذَرُواعَنْكُمْ سَمِيرا وعِمْرَانَ بْنَ شَدّادِ
إنّـي أرَى غَيْـمَةً يا قومِ قد طَلَعَتْتَدْعُو بصَوْتٍ علـى صَمّانَة الوَادِي
وإنّكم إنْ تَرَوْا فِـيها ضَحاةَ غَدٍإلاّ الرّقِـيـمَ يُـمَشّي بـينَ أنـجادِ
وسمير وعمران: كاهناهم, والرقـيـم: كلبهم.
11613ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: ثنـي ابن إسحاق, قال: فبلغنـي والله أعلـم أن الله سلط علـيهم الـحرّ حتـى أنضجهم, ثم أنشأ لهم الظلة كالسحابة السوداء, فلـما رأوها ابتدروها يستغيثون ببردها مـما هم فـيه من الـحرّ, حتـى إذا دخـلوا تـحتها أُطبقت علـيهم, فهلكوا جميعا, ونـجى الله شعيبـا والذين آمنوا معه برحمته.
11614ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي أبو عبد الله البجلـي, قال: أبو جاد, وهوّز, وحُطي, وسعفص, وقرشت: أسماء ملوك مدين, وكان ملكهم يوم الظلة فـي زمان شعيب كلـمون, فقالت أخت كلـمون تبكيه:
كَلَـمُونُ هَدّ رُكْنِـيهُلْكُهُ وَسْطَ الـمَـحِلّهْ
سَيّدُ القَوْمِ أتاهُ الْحَتْفُ: نارا وَسْطَ ظُلّهُ
جُعِلَتْ نارا عَلَـيْهِمْدَارُهُمْ كالـمُضْمَـحِلّهْ
الآية : 92
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {الّذِينَ كَذّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الّذِينَ كَذّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ }..
يقول تعالـى ذكره: فأهلك الذين كذّبوا شعيبـا فلـم يؤمنوا به, فأبـادهم, فصارت قريتهم منهم خاوية خلاء كأنْ لَـمْ يَغْنَوْا فِـيها يقول: كأن لـم ينزلوا قطّ, ولـم يعيشوا بها حين هلكوا, يقال: غَنِـيَ فلان بـمكان كذا فهو يَغْنَى به غِنًى وغُنِـيّا: إذا نزل به وكان به, كما قال الشاعر:
وَلَقَدْ يَغْنَى بِهِ جِيرانُكِ الْمُـمِسْكُو مِنْكِ بعَهْدٍ وَوِصَالِ
وقال رُؤْبة:
وَعَهْدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ بِضَلْفَعا
إنـما هو مَفْعَل من غَنِـي. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
11615ـ حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى, قال: حدثنا مـحمد بن ثور, قال: حدثنا معمر, عن قتادة: كأنْ لَـمْ يَغْنَوْا فِـيها: كأن لـم يعيشوا, كأن لـم ينعموا.
11616ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس: كأنْ لَـمْ يَغْنَوْا فِـيها يقول: كأن لـم يعيشوا فـيها.
11617ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: كأنْ لَـمْ يَغْنَوْا فِـيها كأن لـم يكونوا فـيها قطّ.
وقوله: الّذِينَ كَذّبُوا شُعَيْبـا كانُوا هُمُ الـخاسِرِينَ يقول تعالـى ذكره: لـم يكن الذين اتبعوا شعيبـا الـخاسرين, بل الذين كذبوه كانوا هم الـخاسرين الهالكين, لأنه أخبر عنهم جلّ ثناؤه أن الذين كذّبوا شعيبـا قالوا للذين أرادوا اتبـاعه: «لَئِنِ اتّبَعْتُـمْ شُعَيْبـا إنّكُمْ إذًا لـخَاسِرُونَ» فكذّبهم الله بـما أحلّ بهم من عاجل نكاله, ثم قال لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ما خسر تُبّـاع شعيب, بل كان الذين كذّبوا شعيبـا لـما جاءت عقوبة الله هم الـخاسرين دون الذين صدّقوا وآمنوا به.
الآية : 93
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَتَوَلّىَ عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَىَ عَلَىَ قَوْمٍ كَافِرِينَ }..
يقول تعالـى ذكره: فأدبر شعيب عنهم شاخصا من بـين أظهرهم حين أتاهم عذاب الله, وقال لـما أيقن بنزول نقمة الله بقومه الذين كذّبوه حزنا علـيهم: يا قوم لَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبّـي وأدّيت إلـيكم ما بعثنـي به إلـيكم من تـحذيركم غضبه علـى إقامتكم علـى الكفر به وظلـم الناس أشياءهم. وَنَصَحْتُ لَكُمْ بأمري إياكم بطاعة الله ونهيكم عن معصيته. فَكَيْفَ آسَى يقول: فكيف أحزن علـى قوم جحدوا وحدانـية الله وكذّبوا رسوله وأتوجع لهلاكهم؟ وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.
11618ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس, قوله: فَكَيْفَ آسَى يعنـي: فكيف أحزن.
11619ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: فَكَيْفَ آسَى يقول: فكيف أحزن.
11620ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: أصاب شعيبـا علـى قومه حزن لـما يرى بهم من نقمة الله, ثم قال يعزّي نفسه فـيـما ذكر الله عنه: يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبّـي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلـى قَوْمٍ كافِرِينَ.
الآية : 94
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مّن نّبِيّ إِلاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضّرّآءِ لَعَلّهُمْ يَضّرّعُونَ }..
يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم معرّفه سنته فـي الأمـم التـي قد خـلت من قبل أمته, ومذكّرَ من كفر به من قريش لـينزجروا عما كانوا علـيه مقـيـمين من الشرك بـالله والتكذيب لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وَما أرْسَلْنا فِـي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِـيّ قبلك, إلاّ أخَذْنا أهْلَها بـالبَأْساءِ والضّراءِ وهو البؤس وشظف الـمعيشة وضيقها والضرّاء: وهي الضر وسوء الـحال فـي أسبـاب دنـياهم. لَعَلّهُمْ يَضّرّعُونَ: يقول: فعلنا ذلك لـيتضرّعوا إلـى ربهم, ويستكينوا إلـيه, وينـيبوا بـالإقلاع عن كفرهم, والتوبة من تكذيب أنبـيائهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.ذكر من قال ذلك.
11621ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن مفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: أخَذْنا أهْلَها بـالبَأْساءِ والضّرّاءِ يقول: بـالفقر والـجوع.
وقد ذكرنا فـيـما مضى الشواهد علـى صحة القول بـما قلنا فـي معنى البأساء والضرّاء بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وقـيـل: يضرّعون, والـمعنى: يتضرّعون, ولكن أدغمت التاء فـي الضاد, لتقارب مخرجهما.
الآية : 95
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ثُمّ بَدّلْنَا مَكَانَ السّيّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّىَ عَفَوْاْ وّقَالُواْ قَدْ مَسّ آبَاءَنَا الضّرّآءُ وَالسّرّآءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }..
يقول تعالـى ذكره: ثم بدّلنا أهل القرية التـي أخذنا أهلها بـالبأساء والضرّاء, مكان السيئة, وهي البأساء والضرّاء. وإنـما جعل ذلك سيئة, لأنه مـما يسوء الناس, ولا تسوؤهم الـحسنة, وهي الرخاء والنعمة والسعة فـي الـمعيشة. حتـى عَفَوْا يقول: حتـى كثروا, وكذلك كلّ شيء كثر, فإنه يقال فـيه: قد عفـا, كما قال الشاعر:
ولكِنّا نُعِضّ السّيْفَ منْهابأسْوُقٍ عافِـياتِ الشّحْمِ كُوم
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.
11622ـ حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى, قال: حدثنا مـحمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: مَكانَ السّيّئَةِ الـحَسَنَةَ قال: مكان الشدّة رخاء حتـى عَفَوْا.
11623ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, فـي قول الله: مَكانَ السّيّئَةِ الـحَسَنَةَ قال: السيئة: الشرّ, والـحسنة: الرخاء والـمال والولد.
حدثنا الـمثنى, قالَ: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: مَكانَ السّيّئةِ الـحَسَنَةَ قال: السيئة: الشرّ, والـحسنة: الـخير.
11624ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله: ثُمّ بَدّلْنا مَكانَ السّيّئَةِ الـحَسَنَةَ يقول: مكان الشدة الرخاء.
11625ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: ثُمّ بدلْنا مَكانَ السّيّئَةِ الـحَسَنَةَ حتـى عَفَوْا قال: بدلنا مكان ما كرهوا ما أحبوا فـي الدنـيا, حتـى عفوا من ذلك العذاب وَقالُوا قَدْ مَسّ آبـاءَنا الضّرّاءُ وَالسّرّاءُ.
واختلفوا فـي تأويـل قوله حتـى عَفَوْا فقال بعضهم نـحو الذي قلنا فـيه. ذكر من قال ذلك.
11626ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله: حتـى عَفَوْا يقول: حتـى كثروا وكثرت أموالهم.
حدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس: حتـى عَفَوْا قال: جمّوا.
11627ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: حتـى عَفَوْا قال: كثرت أموالهم وأولادهم.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
11628ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن مفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: حتـى عَفَوْا حتـى كثروا.
11629ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيـم: حتـى عَفَوْا قال: حتـى جموا وكثروا.
قال: ثنا جابر بن نوح, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: حتـى عَفَوْا قال: حتـى جموا.
11630ـ قال: ثنا الـمـحاربـي, عن جويبر, عن الضحاك: حتـى عَفَوْا يعنـي جموا وكثروا.
قال: ثنا عبد الله بن رجاء, عن ابن جريج, عن مـجاهد: حتـى عَفَوْا قال: حتـى كثرت أموالهم وأولادهم.
11631ـ حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: حتـى عَفَوْا كثروا كما يكثر النبـات والريش, ثم أخذهم عند ذلك بغتة وهم لا يشعرون.
وقال آخرون: معنى ذلك: حتـى سُرّوا. ذكر من قال ذلك.
11632ـ حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى, قال: حدثنا مـحمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: حتـى عَفَوْا يقول: حتـى سرّوا بذلك.
وهذا الذي قاله قتادة فـي معنى عفوا تأويـل لا وجه له فـي كلام العرب, لأنه لا يعرف العفو بـمعنى السرور فـي شيء من كلامها إلاّ أن يكون أراد حتـى سُرّوا بكثرتهم وكثرة أموالهم, فـيكون ذلك وجها وإن بعُد.
وأما قوله: وَقالُوا قَدْ مَسّ آبـاءَنا الضّرّاءُ والسّرّاءُ فإنه خبر من الله عن هؤلاء القوم الذين أبدلهم الـحسنة السيئة التـي كانوا فـيها استدراجا وابتلاءً أنهم قالوا إذ فعل ذلك بهم: هذه أحوال قد أصابت مَن قبلنا من آبـائنا ونالت أسلافنا, ونـحن لا نعدو أن نكون أمثالهم يصيبنا ما أصابهم من الشدّة فـي الـمعايش والرخاء فـيها, وهي السّراء, لأنها تسرّ أهلها. وجهل الـمساكين شكر نعمة الله, وأغفلوا من جهلهم استدامة فضله بـالإنابة إلـى طاعته, والـمسارعة إلـى الإقلاع عما يكرهه بـالتوبة, حتـى أتاهم أمره وهم لا يشعرون. يقول جلّ جلاله: فَأخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يقول: فأخذناهم بـالهلاك والعذاب فجأة, أتاهم علـى غرّة منهم بـمـجيئه, وهم لا يدرون, ولا يعلـمون أنه يجيئهم, بل هم بأنه آتـيهم مكذّبون حتـى يعاينوه ويروه