تفسير الطبري تفسير الصفحة 307 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 307
308
306
 الآية : 26
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرّي عَيْناً فَإِمّا تَرَيِنّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِيَ إِنّي نَذَرْتُ لِلرّحْمَـَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً }.
يقول تعالـى ذكره: فكلـي من الرطب الذي يتساقط علـيك, واشربـي من ماء السريّ الذي جعله ربك تـحتك, لا تـخشي جوعا ولا عطشا وَقَرّي عَيْنا يقول: وطيبـي نفسا وَافرحي بولادتك إياي ولا تـحزنـي. ونصبت العين لأنها هي الـموصوفة بـالقرار. وإنـما معنى الكلام: ولتقرِر عينك بولدك, ثم حوّل الفعل عن العين إلـى الـمرأة صاحبة العين, فنصبت العين إذ كان الفعل لها فـي الأصل علـى التفسير, نظير ما فعل بقوله: فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا وإنـما هو: فإن طابت أنفسهن لكم. وقوله: وَضَاقَ بِهِم ذَرْعا ومنه قوله: «يُساقِطْ عَلَـيْكِ رُطُبـا جَنِـيّا» إنـما هو يساقط علـيك رطب الـجذع, فحوّل الفعل إلـى الـجِذع, فـي قراءة من قرأه بـالـياء. وفـي قراءة من قرأه: تُساقِطْ بـالتاء, معناه: يساقط علـيك رطب النـخـلة, ثم حوّل الفعل إلـى النـخـلة.
وقد اختلفت القراء فـي قراءة قوله: وقَرّي فأما أهل الـمدينة فقرأوه: وَقَرّي بفتـح القاف علـى لغة من قال: قَرِرت بـالـمكان أَقَرّ به, وقَرِرت عينا, أَقَرّ به قُرورا, وهي لغة قريش فـيـما ذكر لـي وعلـيها القراءة. وأما أهل نـجد فإنها تقول قررت به عينا أقربه قرارا وقررت بـالـمكان أقر به, فـالقراءة علـى لغتهم: «وَقرِي عَيْنا» بكسر القاف, والقراءة عندنا علـى لغة قريش بفتـح القاف.
وقوله: فإمّا تَرِيَنّ مِنَ البَشَرِ أحَدا يقول: فإن رأيت من بنـي آدم أحدا يكلـمك أو يسائلك عن شيء من أمرك وأمر ولدك وسبب ولادتكه فَقُولـي إنّـي نَذَرْتُ للرّحْمَنِ صَوْما يقول: فقولـي: إنـي أوجبت علـى نفسي لله صمتا ألاّ أكلـم أحدا من بنـي آدم الـيوم فَلَنْ أُكَلّـمَ الـيَوْمَ إنْسِيّا.
وبنـحو الذي قلنا فـي معنى الصوم, قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
17837ـ حدثنا ابن عبد الأعلـى, قال: حدثنا معتـمر بن سلـيـمان, عن أبـيه, قال: سمعت أنس بن مالك يقول فـي هذه الاَية إنّـي نَذَرْتُ للرّحْمَنِ صَوْما صمتا.
حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة, قال: حدثنا حجاج, قال: أخبرنا ابن جريج, قال: أخبرنـي الـمغيرة بن عثمان, قال: سمعت أنس بن مالك يقول إنّـي نَذَرْتُ للرّحْمَنِ صَوْما قال: صمتا.
17838ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قوله إنّـي نَذَرْتُ للرّحْمَنِ صَوْما قال: يعنـي بـالصوم: الصمت.
17839ـ حدثنـي يعقوب, قال: حدثنا ابن علـية, عن سلـيـمان التـيـميّ, قال: سمعت أنسا قرأ: «إنّـي نَذَرْتُ للرّحْمَنِ صَوْما وَصَمْتا».
17840ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة إنّـي نَذَرْتُ للرّحْمَنِ صَوْما أما قوله: صَوْما فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام.
17841ـ حُدثت عن الـحسين, قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد, قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: نَذَرْتُ للرّحْمَنِ صَوْما قال: كان من بنـي إسرائيـل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم من الطعام, إلا مِن ذكر الله, فقال لها ذلك, فقالت: إنـي أصوم من الكلام كما أصوم من الطعام, إلا من ذكر الله فلـما كلـموها أشارت إلـيه, فقالوا: كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا فأجابهم فقال: إنّـي عَبْدُ اللّهِ آتانِـيَ الكِتابَ حتـى بلغ ذلكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمْ قَوْلَ الـحَقّ الّذِي فِـيهِ يَـمترُونَ.
واختلفوا فـي السبب الذي من أجله أمرها بـالصوم عن كلام البشر, فقال بعضهم: أمرها بذلك لأنه لـم يكن لها حجة عند الناس ظاهرة, وذلك أنها جاءت وهي أيّـم بولد بـالكفّ عن الكلام لـيكفـيها فأمرت الكلام ولدها.. ذكر من قال ذلك:
17842ـ حدثنا هارون بن إسحاق الهمدانـي, قال: حدثنا مصعب بن الـمقدام, قال: حدثنا إسرائيـل, قال: حدثنا أبو إسحاق, عن حارثة, قال: كنت عند ابن مسعود, فجاء رجلان فسلـم أحدهما ولـم يسلـم الاَخر, فقال: ما شأنك؟ فقال أصحابه: حلف أن لا يكلـم الناس الـيوم, فقال عبد الله: كلـم الناس وسلـم علـيهم, فإن تلك امرأة علـمت أن أحدا لا يصدّقها أنها حملت من غير زوج, يعنـي بذلك مريـم علـيها السلام.
17843ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد لـما قال عيسى لـمريـم لا تَـحْزَنِـي قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي, لا ذات زوج ولا مـملوكة, أيّ شيء عذري عند الناس يا لَـيْتَنِـي مِتّ قَبْلَ هَذَا وكُنْتُ نَسْيا مَنْسِيّا فقال لها عيسى: أنا أكفـيك الكلام فإمّا تَرَيِنّ مِنَ البَشَرِ أحَدا فقُولـي إنّـي نَذَرْتُ للرّحْمَنِ صَوْما فَلَنْ أُكَلّـمَ الـيَوْمَ إنْسِيّا قال: هذا كله كلام عيسى لأمه.
17844ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عمن لا يتهم, عن وهب بن منبه فإمّا تَرَيِنّ مِنَ البَشَرِ أحَدا فَقُولـي إنّـي نَذَرْتُ للرّحْمَنِ صَوْما فَلَنْ أُكَلّـمَ الـيَوْمَ إنْسِيّا فإنـي سأكفـيك الكلام.
وقال آخرون: إنـما كان ذلك آية لـمريـم وابنها. ذكر من قال ذلك:
17845ـ حدثنا الـحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, فـي قوله: إنّـي نَذَرْتُ للرّحْمَنِ صَوْما قال فـي بعض الـحروف: صمتا, وذلك أنك لا تلقـي امرأة جاهلة تقول: نذرت كما نذرت مريـم, ألا تكلـم يوما إلـى اللـيـل, وإنـما جعل الله تلك آية لـمريـم ولابنها, ولا يحلّ لأحد أن ينذر صمت يوم إلـى اللـيـل.
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, فقرأ: إنّـي نَذَرْتُ للرّحْمَنِ صَوْما وكانت تقرأ فـي الـحرف الأوّل: صمتا, وإنـما كانت آية بعثها الله لـمريـم وابنها.
وقال آخرون: بل كانت صائمة فـي ذلك الـيوم, والصائم فـي ذلك الزمان كان يصوم عن الطعام والشراب وكلام الناس, فأذن لـمريـم فـي قدر هذا الكلام ذلك الـيوم وهي صائمة. ذكر من قال ذلك:
17846ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ فإمّا تَرَيِنّ مِنَ البَشَرِ أحَدا يكلـمك فَقُولـي إنّـي نَذَرْتُ للرّحْمَنِ صَوْما فَلَنْ أُكَلـمَ الـيَوْمَ إنْسِيّا فكان من صام فـي ذلك الزمان لـم يتكلـم حتـى يـمسي, فقـيـل لها: لا تزيدي علـى هذا.
الآية : 27
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً }.
يقول تعالـى ذكره: فلـما قال ذلك عيسى لأمه اطمأنت نفسها, وسلّـمت لأمر الله, وحملته حتـى أتت به قومها. كما:
17847ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة عن ابن إسحاق, عمن لا يتهم, عن وهب بن منبه, قال: أنساها يعنـي مريـم كرب البلاء وخوف الناس ما كانت تسمع من الـملائكة من البشارة بعيسى, حتـى إذا كلّـمها, يعنـي عيسى, وجاءها مصداق ما كان الله وعدها احتـملته ثم أقبلت به إلـى قومها.
وقال السديّ فـي ذلك ما:
17848ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, قال: لـما ولدته ذهب الشيطان, فأخبر بنـي إسرائيـل أن مريـم قد ولدت, فأقبلوا يشتدّون, فدعوها فأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَـحْمِلُهُ.
وقوله: قالُوا يا مَرْيَـمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئا فَرِيّا يقول تعالـى ذكره: فلـما رأوا مريـم, ورأوا معها الولد الذي ولدته, قالوا لها: يا مريـم لقد جئت بأمر عجيب, وأحدثت حدثا عظيـما. وكلّ عامل عملاً أجاده وأحسنه فقد فراه, كما قال الراجز:
قَدْ أطْعَمَتِنـي دَقَلاً حُجْرِيّاقَدْ كُنْتِ تَفْرِينَ بِهِ الفَرِيّا
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
17849ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله تعالـى: فَرِيّا قال: عظيـما.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد, مثله.
17850ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئا فَرِيّا قال: عظيـما.
17851ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئا فَرِيّا قال: عظيـما.
17852ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عمن لا يتهم, عن وهب بن منبه, قال: لـما رأوها ورأوه معها, قالوا: يا مريـم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئا فَرِيّا: أي الفـاحشة غير الـمقاربة.
الآية : 28
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { يَأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمّكِ بَغِيّاً }.
اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي من أجله قـيـل لها: يا أخت هارون, ومن كان هارون هذا الذي ذكره الله, وأخبر أنهم نسبوا مريـم إلـى أنها أخته, فقال بعضهم: قـيـل لها يا أُخْتَ هارُونَ نسبة منهم لها إلـى الصلاح, لأن أهل الصلاح فـيهم كانوا يسمون هارون, ولـيس بهارون أخي موسى. ذكر من قال ذلك:
17853ـ حدثنا الـحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, فـي قوله: يا أُخْتَ هارُونَ قال: كان رجلاً صالـحا فـي بنـي إسرائيـل يسمى هارون, فشبّهوها به, فقالوا: يا شبـيهة هارون فـي الصلاح.
17854ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرأَ سَوْءٍ وَما كانَتِ أُمّكِ بَغِيّا قال: كانت من أهل بـيت يُعرفون بـالصلاح, ولا يُعرفون بـالفساد ومن الناس من يُعرفون بـالصلاح ويتوالدون به, وآخرون يُعرفون بـالفساد ويتوالدون به, وكان هارون مصلـحا مـحببـا فـي عشيرته, ولـيس بهارون أخي موسى, ولكنه هارون آخر. قال: وذُكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفـا, كلهم يسمون هارون من بنـي إسرائيـل.
17855ـ حدثنـي يعقوب, قال: حدثنا ابن علـية, عن سعيد بن أبـي صدقة, عن مـحمد بن سيرين, قال: نبئت أن كعبـا قال: إن قوله: يا أُخْتَ هارُونَ لـيس بهارون أخي موسى, قال: فقالت له عائشة: كذبت, قال: يا أمّ الـمؤمنـين, إن كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلـم وأخبر, وإلا فإنـي أجد بـينهما ستّ مئة سنة, قال: فسكتت.
17856ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: يا أُخْتَ هارُونَ قال: اسم واطأ اسما, كم بـين هارون وبـينهما من الأمـم أمـم كثـيرة.
17857ـ حدثنا أبو كريب وابن الـمثنى وسفـيان وابن وكيع وأبو السائب, قالوا: حدثنا عبد الله بن إدريس الأودي, قال: سمعت أبـي يذكر عن سماك بن حرب, عن علقمة بن وائل, عن الـمغيرة بن شعبة, قال: بعثنـي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى أهل نـجران, فقالوا لـي: ألستـم تقرأون يا أُخْتَ هارُونَ؟ قلت: بلـى وقد علـمتـم ما كان بـين عيسى وموسى, فرجعت إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأخبرته, فقال: «ألا أخْبَرْتَهُمْ أنّهُمْ كانُوا يُسَمّونَ بأنْبِـيائهِمْ وَالصّالِـحِينَ قَبْلَهُمْ».
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا الـحكم بن بشير, قال: حدثنا عمرو, عن سماك بن حرب, عن علقمة بن وائل, عن الـمغيرة بن شعبة, قال: أرسلنـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي بعض حوائجه إلـى أهل نـجران, فقالوا: ألـيس نبـيك يزعم أن هارون أخو مريـم هو أخو موسى؟ فلـم أدر ما أردّ علـيهم حتـى رجعت إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم, فذكرت له ذلك, فقال: «إنّهُمْ كانُوا يُسَمّونَ بأسْماءِ مَنْ كانَ قَبْلَهُمْ».
وقال بعضهم: عنى به هارون أخو موسى, ونُسبت مريـم إلـى أنها أخته لأنها من ولده, يقال للتـميـميّ: يا أخا تـميـم, وللـمُضَرِيّ: يا أخا مُضَر. ذكر من قال ذلك:
17858ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ يا أُخْتَ هارُونَ قال: كانت من بنـي هارون أخي موسى, وهو كما تقول: يا أخا بنـي فلان.
وقال آخرون: بل كان ذلك رجلاً منهم فـاسقا معلن الفسق, فنسبوها إلـيه.
قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك ما جاء به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه, وأنها نسبت إلـى رجل من قومها.
وقوله: ما كانَ أبُوكِ امْرأَ سَوْءٍ يقول: ما كان أبوك رجل سوء يأتـي الفواحش وَما كانَتْ أُمُكِ بَغِيّا يقول: وما كانت أمك زانـية, كما:
17859ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ وَما كانَتْ أُمّكِ بَغِيّا قال: زانـية. وقال: وَما كانَتْ أُمّكِ بَغِيّا ولـم يقل: بغيّة, لأن ذلك مـما يوصف به النساء دون الرجال, فجري مـجرى امرأة حائض وطالق, وقد كان بعضهم يشبه ذلك بقولهم: ملـحفة جديدة وامرأة قتـيـل.
الآية : 29
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً }.
يقول تعالـى ذكره: فلـما قال قومها ذلك لها قالت لهم ما أمرها عيسى بقـيـله لهم, ثم أشارت لهم إلـى عيسى أن كلّـموه, كما:
17860ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, قال: لـما قالوا لها: ما كانَ أبُوكِ امْرأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمّكِ بَغِيّا قالت لهم ما أمرها الله به, فلـما أرادوها بعد ذلك علـى الكلام أشارت إلـيه, إلـى عيسى.
17861ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: فأشارَتْ إلَـيهِ قال: أمرتهم بكلامه.
17862ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عمن لا يتهم, عن وهب بن منبه فأشارَتْ إلَـيهِ يقول: أشارت إلـيه أن كلّـموه.
17863ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قوله فأشارَتْ إلَـيهِ أن كَلّـموه.
وقوله: قالُوا كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا يقول تعالـى ذكره: قال قومها لها: كيف نكلـم من وُجد فـي الـمهد؟ وكان فـي قوله مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا معناها التـمام, لا التـي تقتضي الـخبر, وذلك شبـيه الـمعنى بكان التـي فـي قوله هَلْ كُنْتُ إلاّ بَشَرا رَسُولاً وإنـما معنى ذلك: هل أنا إلا بشر رسول؟ وهل وجدت أو بعثت وكما قال زهير بن أبـي سُلْـمَى:
زَجَرْتُ علَـيْهِ حُرّةً أرْحَبِـيّةًوَقَدْ كانَ لَوْنُ اللّـيْـلِ مِثْلَ الأرَنْدَجِ
بـمعنى: وقد صار أو وُجد. وقـيـل: إنه عنـي بـالـمهد فـي هذا الـموضع: حجر أمه. ذكر من قال ذلك:
17864ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا والـمهد: الـحجر.
قال أبو جعفر: وقد بـيّنا معنى الـمهد فـيـما مضى بشواهده, فأغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { قَالَ إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصّلاَةِ وَالزّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً }.
يقول تعالـى ذكره: فلـما قال قوم مريـم لها كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا وظنوا أن ذلك منها استهزاء بهم, قال عيسى لها متكلـما عن أمه: إنّـي عَبْدُ اللّهِ آتانِـيَ الكِتاب. وكانوا حين أشارت لهم إلـى عيسى فـيـما ذُكر عنهم غضبوا, كما:
17865ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, قال: لـما أشارت لهم إلـى عيسى غضبوا, وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلـم هذا الصبـيّ أشدّ علـينا من زناها قالُوا كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا.
17866ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عمن لا يتهم, عن وهب بن منبه قالُوا كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا فأجابهم عيسى عنها فقال لهم إنّـي عَبْدُ اللّهِ آتانِـيَ الكِتابَ وَجَعَلَنِـي نَبِـيّا... الاَية.
17867ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: قالُوا كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا قال لهم: إنّـي عَبْدُ اللّهِ آتانِـيَ الكِتابَ وَجَعَلَنِـي نَبِـيّا فقرأ حتـى بلغ ولَـمْ يَجْعَلْنِـي جَبّـارا شَقِـيّا فقالوا: إن هذا لأمر عظيـم.
17868ـ حُدثت عن الـحسين, قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان, قال: سمعت الضحاك يقول: كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا قال إنّـي عَبْدُ اللّهِ لـم يتكلـم عيسى إلا عند ذلك حين قالُوا كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا.
وقوله: آتانِـيَ الكِتابَ يقول القائل: أو آتاه الكتاب والوحي قبل أن يخـلق فـي بطن أمه فإن معنى ذلك بخلاف ما يظنّ, وإنـما معناه: وقضى يوم قضى أمور خـلقه إلـيّ أن يؤتـينـي الكتاب, كما:
17869ـ حدثنـي بشر بن آدم, قال: حدثنا الضحاك, يعنـي ابن مخـلد, عن سفـيان, عن سماك, عن عكرمة قالَ آتانِـيَ الكِتابَ قال: قضى أن يؤتـينـي الكتاب فـيـما مضى.
حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: أخبرنا سفـيان, عن سماك, عن عكرمة, فـي قوله إنّـي عَبْدُ اللّهِ آتانِـيَ الكِتابَ قال: القضاء.
حدثنا الـحسن, قال: أخبرنا عبد الرزّاق, عن إسرائيـل, عن سماك, عن عكرمة, فـي قول الله إنّـي عَبْدُ اللّهِ آتانِـيَ الكِتابَ قال: قضى أن يؤتـينـي الكتاب.
وقوله: وَجَعَلَنِـي نَبِـيّا وقد بـيّنت معنى النبـيّ واختلاف الـمختلفـين فـيه, والصحيح من القول فـيه عندنا بشواهده فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. وكان مـجاهد يقول فـي معنى النبـيّ وحده ما:
17870ـ حدثنا به مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: النبـيّ وحده الذي يكلـم وينزل علـيه الوحي ولا يرسل.
وقوله وَجَعَلَنِـي مُبـارَكا اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك, فقال بعضهم: معناه: وجعلنـي نفـاعا. ذكر من قال ذلك:
17871ـ حدثنـي سلـيـمان بن عبد الرحمن بن حماد الطلـحي, قال: حدثنا العلاء, عن عائشة امرأة لـيث, عن لـيث, عن مـجاهد وَجَعَلَنِـي مُبـارَكا قال: نفـاعا.
وقال آخرون: كانت بركته الأمر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر. ذكر من قال ذلك:
17872ـ حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار, قال: حدثنا مـحمد بن يزيد بن خنـيس الـمخزومي, قال: سمعت وُهيب بن ابن الورد مولـى بنـي مخزوم, قال: لقـي عالـم عالـما لـما هو فوقه فـي العلـم, فقال له: يرحمك الله, ما الذي أعلن من علـمي, قال: الأمر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر, فإنه دين الله الذي بعث به أنبـياءه إلـى عبـاده, وقد اجتـمع الفقهاء علـى قول الله وَجَعَلَنِـي مُبـارَكا أيْنَـما كُنْتُ وقـيـل: ما بركته؟ قال: الأمر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر أينـما كان.
وقال آخرون: معنى ذلك: جعلنـي معلّـم الـخير. ذكر من قال ذلك:
17873ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: حدثنا سفـيان فـي قوله وَجَعَلَنِـي مُبـارَكا أيْنَـما كُنْتُ قال: معلـما للـخير.
17874ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا جرير, عن لـيث, عن مـجاهد, قوله: وَجَعَلَنِـي مُبـارَكا أيْنَـما كُنْتُ قال: معلـما للـخير حيثما كنت.
وقوله: وأوْصَانِـي بـالصّلاةِ وَالزّكاةِ يقول: وقضى أن يوصينـي بـالصلاة والزكاة, يعنـي الـمـحافظة علـى حدود الصلاة وإقامتها علـى ما فرضها علـيّ. وفـي الزكاة معنـيان: أحدهما: زكاة الأموال أن يؤدّيها. والاَخر: تطهير الـجسد من دنس الذنوب فـيكون معناه: وأوصانـي بترك الذنوب واجتناب الـمعاصي.
وقوله: ما دُمْتُ حَيّا يقول: ما كنت حيا فـي الدنـيا موجودا, وهذا يبـين عن أن معنى الزكاة فـي هذا الـموضع: تطهير البدن من الذنوب, لأن الذي يوصف به عيسى صلوات الله وسلامه علـيه أنه كان لا يدّخر شيئا لغد, فتـجب علـيه زكاة الـمال, إلا أن تكون الزكاة التـي كانت فرضت علـيه الصدقة بكلّ ما فضل عن قوته, فـيكون ذلك وجها صحيحا.
الآية : 30 و 31
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً }.
يقول تعالـى ذكره: فلـما قال قومها ذلك لها قالت لهم ما أمرها عيسى بقـيـله لهم, ثم أشارت لهم إلـى عيسى أن كلّـموه, كما:
17860ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, قال: لـما قالوا لها: ما كانَ أبُوكِ امْرأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمّكِ بَغِيّا قالت لهم ما أمرها الله به, فلـما أرادوها بعد ذلك علـى الكلام أشارت إلـيه, إلـى عيسى.
17861ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: فأشارَتْ إلَـيهِ قال: أمرتهم بكلامه.
17862ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عمن لا يتهم, عن وهب بن منبه فأشارَتْ إلَـيهِ يقول: أشارت إلـيه أن كلّـموه.
17863ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قوله فأشارَتْ إلَـيهِ أن كَلّـموه.
وقوله: قالُوا كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا يقول تعالـى ذكره: قال قومها لها: كيف نكلـم من وُجد فـي الـمهد؟ وكان فـي قوله مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا معناها التـمام, لا التـي تقتضي الـخبر, وذلك شبـيه الـمعنى بكان التـي فـي قوله هَلْ كُنْتُ إلاّ بَشَرا رَسُولاً وإنـما معنى ذلك: هل أنا إلا بشر رسول؟ وهل وجدت أو بعثت وكما قال زهير بن أبـي سُلْـمَى:
زَجَرْتُ علَـيْهِ حُرّةً أرْحَبِـيّةًوَقَدْ كانَ لَوْنُ اللّـيْـلِ مِثْلَ الأرَنْدَجِ
بـمعنى: وقد صار أو وُجد. وقـيـل: إنه عنـي بـالـمهد فـي هذا الـموضع: حجر أمه. ذكر من قال ذلك:
17864ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا والـمهد: الـحجر.
قال أبو جعفر: وقد بـيّنا معنى الـمهد فـيـما مضى بشواهده, فأغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { قَالَ إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصّلاَةِ وَالزّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً }.
يقول تعالـى ذكره: فلـما قال قوم مريـم لها كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا وظنوا أن ذلك منها استهزاء بهم, قال عيسى لها متكلـما عن أمه: إنّـي عَبْدُ اللّهِ آتانِـيَ الكِتاب. وكانوا حين أشارت لهم إلـى عيسى فـيـما ذُكر عنهم غضبوا, كما:
17865ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, قال: لـما أشارت لهم إلـى عيسى غضبوا, وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلـم هذا الصبـيّ أشدّ علـينا من زناها قالُوا كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا.
17866ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عمن لا يتهم, عن وهب بن منبه قالُوا كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا فأجابهم عيسى عنها فقال لهم إنّـي عَبْدُ اللّهِ آتانِـيَ الكِتابَ وَجَعَلَنِـي نَبِـيّا... الاَية.
17867ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: قالُوا كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا قال لهم: إنّـي عَبْدُ اللّهِ آتانِـيَ الكِتابَ وَجَعَلَنِـي نَبِـيّا فقرأ حتـى بلغ ولَـمْ يَجْعَلْنِـي جَبّـارا شَقِـيّا فقالوا: إن هذا لأمر عظيـم.
17868ـ حُدثت عن الـحسين, قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان, قال: سمعت الضحاك يقول: كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا قال إنّـي عَبْدُ اللّهِ لـم يتكلـم عيسى إلا عند ذلك حين قالُوا كَيْفَ نُكَلّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيّا.
وقوله: آتانِـيَ الكِتابَ يقول القائل: أو آتاه الكتاب والوحي قبل أن يخـلق فـي بطن أمه فإن معنى ذلك بخلاف ما يظنّ, وإنـما معناه: وقضى يوم قضى أمور خـلقه إلـيّ أن يؤتـينـي الكتاب, كما:
17869ـ حدثنـي بشر بن آدم, قال: حدثنا الضحاك, يعنـي ابن مخـلد, عن سفـيان, عن سماك, عن عكرمة قالَ آتانِـيَ الكِتابَ قال: قضى أن يؤتـينـي الكتاب فـيـما مضى.
حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: أخبرنا سفـيان, عن سماك, عن عكرمة, فـي قوله إنّـي عَبْدُ اللّهِ آتانِـيَ الكِتابَ قال: القضاء.
حدثنا الـحسن, قال: أخبرنا عبد الرزّاق, عن إسرائيـل, عن سماك, عن عكرمة, فـي قول الله إنّـي عَبْدُ اللّهِ آتانِـيَ الكِتابَ قال: قضى أن يؤتـينـي الكتاب.
وقوله: وَجَعَلَنِـي نَبِـيّا وقد بـيّنت معنى النبـيّ واختلاف الـمختلفـين فـيه, والصحيح من القول فـيه عندنا بشواهده فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. وكان مـجاهد يقول فـي معنى النبـيّ وحده ما:
17870ـ حدثنا به مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: النبـيّ وحده الذي يكلـم وينزل علـيه الوحي ولا يرسل.
وقوله وَجَعَلَنِـي مُبـارَكا اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك, فقال بعضهم: معناه: وجعلنـي نفـاعا. ذكر من قال ذلك:
17871ـ حدثنـي سلـيـمان بن عبد الرحمن بن حماد الطلـحي, قال: حدثنا العلاء, عن عائشة امرأة لـيث, عن لـيث, عن مـجاهد وَجَعَلَنِـي مُبـارَكا قال: نفـاعا.
وقال آخرون: كانت بركته الأمر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر. ذكر من قال ذلك:
17872ـ حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار, قال: حدثنا مـحمد بن يزيد بن خنـيس الـمخزومي, قال: سمعت وُهيب بن ابن الورد مولـى بنـي مخزوم, قال: لقـي عالـم عالـما لـما هو فوقه فـي العلـم, فقال له: يرحمك الله, ما الذي أعلن من علـمي, قال: الأمر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر, فإنه دين الله الذي بعث به أنبـياءه إلـى عبـاده, وقد اجتـمع الفقهاء علـى قول الله وَجَعَلَنِـي مُبـارَكا أيْنَـما كُنْتُ وقـيـل: ما بركته؟ قال: الأمر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر أينـما كان.
وقال آخرون: معنى ذلك: جعلنـي معلّـم الـخير. ذكر من قال ذلك:
17873ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: حدثنا سفـيان فـي قوله وَجَعَلَنِـي مُبـارَكا أيْنَـما كُنْتُ قال: معلـما للـخير.
17874ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا جرير, عن لـيث, عن مـجاهد, قوله: وَجَعَلَنِـي مُبـارَكا أيْنَـما كُنْتُ قال: معلـما للـخير حيثما كنت.
وقوله: وأوْصَانِـي بـالصّلاةِ وَالزّكاةِ يقول: وقضى أن يوصينـي بـالصلاة والزكاة, يعنـي الـمـحافظة علـى حدود الصلاة وإقامتها علـى ما فرضها علـيّ. وفـي الزكاة معنـيان: أحدهما: زكاة الأموال أن يؤدّيها. والاَخر: تطهير الـجسد من دنس الذنوب فـيكون معناه: وأوصانـي بترك الذنوب واجتناب الـمعاصي.
وقوله: ما دُمْتُ حَيّا يقول: ما كنت حيا فـي الدنـيا موجودا, وهذا يبـين عن أن معنى الزكاة فـي هذا الـموضع: تطهير البدن من الذنوب, لأن الذي يوصف به عيسى صلوات الله وسلامه علـيه أنه كان لا يدّخر شيئا لغد, فتـجب علـيه زكاة الـمال, إلا أن تكون الزكاة التـي كانت فرضت علـيه الصدقة بكلّ ما فضل عن قوته, فـيكون ذلك وجها صحيحا.

الآية : 32 و 33
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيّاً * وَالسّلاَمُ عَلَيّ يَوْمَ وُلِدْتّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً }.
يقول تعالـى ذكره: مخبرا عن قـيـل عيسى للقوم: وجعلنـي مبـاركا وبرّا: أي جعلنـي برّا بوالدتـي. والبرّ هو البـارّ, يقال: هو برّ بوالده, وبـارّ به, وبفتـح البـاء قرأتْ هذا الـحرف قرّاء الأمصار. وروي عن أبـي نهيك ما:
17875ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا يحيى بن واضح, قال: حدثنا عبد الـمؤمن, عن أبـي نهيك أنه قرأ: وبَرّا بِوَالِدَتـي من قول عيسى علـيه السلام, قال أبو نهيك: أوصانـي بـالصلاة والزكاة والبرّ بـالوالدين, كما أوصانـي بذلك.
فكأنّ أبـا نهيك وجه تأويـل الكلام إلـى قوله وَبَرّا بِوَالِدَتـي هو من خبر عيسى, عن وصية الله إياه به, كما أن قوله: وأوْصَانِـي بـالصّلاةِ والزّكاةِ من خبره عن وصية الله إياه بذلك. فعلـى هذا القول يجب أن يكون نصب البرّ بـمعنى عمل الوصية فـيه, لأن الصلاة والزكاة وإن كانتا مخفوضتـين فـي اللفظ, فإنهما بـمعنى النصب من أجل أنه مفعول بهما.
وقوله: ولَـمْ يَجْعَلْنِـي جَبّـارا شَقِـيّا يقول: ولـم يجعلنـي مستكبرا علـى الله فـيـما أمرنـي به, ونهانـي عنه. شقـيا, ولكن ذللنـي لطاعته, وجعلنـي متواضعا, كما:
17876ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: ذكر لنا أنه يعنـي عيسى, كان يقول: سلونـي, فإن قلبـي لـيّن, وإنـي صغير فـي نفسي مـما أعطاه الله من التواضع.
17877ـ وحدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة وَبَرّا بِوَالِدَتـي ولَـمْ يَجْعَلْنِـي جَبّـارا شَقِـيّا ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مَريـم يحيـي الـموتـى, ويُبرىء الأكمه والأبرص, فـي آيات سلطه الله علـيهنّ, وأذن له فـيهنّ, فقالت: طوبى للبطن الذي حملك, والثدي الذي أُرضعت به, فقال نبـيّ الله ابن مريـم يجيبها: طوبى لـمن تلا كتاب الله, واتبع ما فـيه ولَـمْ يَكُنْ جَبّـارا شَقِـيّا.
17878ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا مـحمد بن كثـير, عن عبد الله بن واقد أبـي رجاء, عن بعض أهل العلـم, قال: لا تـجد عاقّا إلا وجدته جبـارا شقـيا. ثم قرأ وَبَرّا بِوَالِدَتـي ولَـمْ يَجْعَلْنِـي جَبّـارا شَقِـيّا قال: ولا تـجد سيىء الـمِلْكة إلا وجدته مختالاً فخورا, ثم قرأ ومَا مَلَكَتْ أيـمَانُكُمْ إنّ اللّهَ لا يُحِبّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُورا.
وقوله: والسّلامُ عَلـيّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيّا يقول: والأمنة من الله علـيّ من الشيطان وجنده يوم ولدت أن ينالوا منـي ما ينالون مـمن يولد عند الولادة, من الطعن فـيه, ويوم أموت, من هول الـمطلع, ويوم أبعث حيا يوم القـيامة أن ينالنـي الفزع الذي ينال الناس بـمعاينتهم أهوال ذلك الـيوم, كما:
17879ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عمن لايتهم, عن وهب بن منبه وَالسّلامُ عَلـيّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوَمْ أمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّا قال: يخبرهم فـي قصة خبره عن نفسه, أنه لا أب له وأنه سيـموت ثم يُبعث حيا, يقول الله تبـارك وتعالـى: ذلكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمَ قَوْلَ الـحَقّ الّذِي فِـيهِ يَـمْتَرُونَ.

الآية : 34
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقّ الّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ }.
يقول تعالـى ذكره: هذا الذي بـيّنت لكم صفته, وأخبرتكم خبره, من أمر الغلام الذي حملته مريـم, هو عيسى ابن مريـم, وهذه الصفة صفته, وهذا الـخبر خبره, وهو قَوْلَ الـحَقّ يعنـي أن هذا الـخبر الذي قصصته علـيكم قول الـحقّ, والكلام الذي تلوته علـيكم قول الله وخبره, لا خبر غيره, الذي يقع فـيه الوهم والشكّ, والزيادة والنقصان, علـى ما كان يقول الله تعالـى ذكره: فقولوا فـي عيسى أيها الناس, هذا القول الذي أخبركم الله به عنه, لا ما قالته الـيهود, الذين زعموا أنه لغير رِشْدَة, وأنه كان ساحرا كذّابـا, ولا ما قالته النصارى, من أنه كان لله ولدا, وإن الله لـم يتـخذ ولدا, ولا ينبغي ذلك له.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
17880ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنى حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد, قوله ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمَ قَوْلَ الـحَقّ قال: الله الـحقّ.
17881ـ حدثنـي يحيى بن إبراهيـم الـمسعوديّ, قال: ثنى أبـي, عن أبـيه, عن جدّه, عن الأعمش, عن إبراهيـم, قال: كانوا يقولون فـي هذا الـحرف فـي قراءة عبد الله, قال: الّذِي فِـيهِ يَـمْتَرُونَ, قال: كلـمة الله. ولو وُجّه تأويـل ذلك إلـى: ذلك عيسى بن مريـم القول الـحقّ, بـمعنى ذلك القول الـحقّ, ثم حذفت الألف واللام من القول, وأضيف إلـى الـحقّ, كما قـيـل: إنّ هَذَا لَهُوَ حَقّ الـيَقِـينِ. وكما قـيـل: وَعْدَ الصّدْقِ الّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ, كان تأويلاً صحيحا.
وقد اختفلت القرّاء فـي قراءة ذلك, فقرأته عامّة قرّاء الـحجاز والعراق: «قَوْلُ الـحَقّ» برفع القول, علـى ما وصفت من الـمعنى, وجعلوه فـي إعرابه تابعا لعيسى, كالنعت له, ولـيس الأمر فـي إعرابه عندي علـى ما قاله الذين زعموا أنه رفع علـى النعت لعيسى, إلا أن يكون معنى القول الكلـمة, علـى ما ذكرنا عن إبراهيـم, من تأويـله ذلك كذلك, فـيصحّ حينئذٍ أن يكون نعتا لعيسى, وإلا فرفعه عندي بـمضمر, وهو هذا قول الـحقّ علـى الابتداء, وذلك أن الـخبر قد تناهى عن قصة عيسى وأمه عند قوله ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمَ ثم ابتدأ الـخبر بأن الـحقّ فـيـما فـيه تـمتري الأمـم من أمر عيسى, هو هذا القول, الذي أخبر الله به عنه عبـاده, دون غيره. وقد قرأ ذلك عاصم بن أبـي النّـجُود وعبد الله بن عامر بـالنصب, وكأنهما أرادا بذلك الـمصدر: ذلك عيسى ابن مريـم قولاً حقا, ثم أدخـلت فـيه الألف واللام. وأما ما ذُكر عن ابن مسعود من قراءته: «ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـم قالُ الـحقّ», فإنه بـمعنى قول الـحقّ, مثل العاب والعيب, والذام والذيـم.
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: الرفع, لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.
وأما قوله تعالـى ذكره: الّذِي فِـيهِ يَـمْتَرُونَ فإنه يعنـي: الذي فـيه يختصمون ويختلفون, من قولهم: ماريت فلانا: إذا جادلته وخاصمته: وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
17882ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله ذلكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمَ قَوْلَ الـحَقّ الّذِي فـيهِ يَـمْتَرُونَ امَتَرت فـيه الـيهود والنصارى فأما الـيهود فزعموا أنه ساحر كذّاب وأما النصارى فزعموا أنه ابن الله, وثالث ثلاثة, وإله, وكذبوا كلهم, ولكنه عبد الله ورسوله, وكلـمته وروحه.
17883ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قوله: الّذِي فـيهِ يَـمْتَرُونَ قال: اختلفوا, فقالت فرقة: هو عبد الله ونبـيه, فآمنوا به. وقالت فرقة: بل هو الله. وقالت فرقة: هو ابن الله. تبـارك وتعالـى عما يقولون علوّا كبـيرا. قال: فذلك قوله: فـاخْتَلَفَ اْلأحْزَابُ مِنْ بَـيْنِهِمْ والتـي فـي الزخرف. قال دِقْـيوس ونسطور ومار يعقوب, قال أحدهم حين رفع الله عيسى: هو الله, وقال الاَخر: ابن الله, وقال الاَخر: كلـمة الله وعبده, فقال الـمفتريان: إن قولـي هو أشبه بقولك, وقولك بقولـي من قول هذا, فهلـمّ فلنقاتلهم, فقاتلوهم وأوطؤوهم إسرائيـل, فأخرجوا منهم أربعة نفر, أخرج كلّ قوم عالـمهم, فـامتروا فـي عيسى حين رُفع, فقال أحدهم: هو الله هبط إلـى الأرض وأحيا من أحيا, وأمات من أمات, ثم صعد إلـى السماء, وهم الـيعقوبـية, فقال الثلاثة: كذبت, ثم قال اثنان منهم للثالث, قل أنت فـيه, قال: هو ابن الله, وهم النسطورية, فقال الاثنان: كذبت, ثم قال أحد الاثنـين للاَخر: قل فـيه, قال: هو ثالث ثلاثة: الله إله, وهو إله, وأمه إله, وهم الإسرائيـلـية ملوك النصارى قال الرابع: كذبت, هو عبد الله ورسوله وروحه وكلـمته, وهم الـمسلـمون, فكان لكل رجل منهم أتبـاع علـى ما قال, فـاقتتلوا, فظهر علـى الـمسلـمين, وذلك قول الله: وَيَقْتُلُونَ الّذِينَ يأْمُرُونَ بـالقِسْطِ مِنَ النّاسِ قال قتادة: هم الذين قال الله: فـاخْتَلَفَ الأحْزَابُ اختلفوا فـيه فصاروا أحزابـا.
الآية : 35 و 36
القول فـي تأويـل قوله تعالـى.
{ مَا كَانَ للّهِ أَن يَتّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىَ أَمْراً فَإِنّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَإِنّ اللّهَ رَبّي وَرَبّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـَذَا صِرَاطٌ مّسْتَقِيمٌ }.
يقول تعالـى ذكره: لقد كفرت الذين قالوا: إن عيسى ابن الله, وأعظموا الفِرْية علـيه, فما ينبغي لله أن يتـخذ ولدا, ولا يصلـح ذلك له ولا يكون, بل كلّ شيء دونه فخـلقه, وذلك نظير قول عمرو بن أحمر:
فـي رأسِ خَـلْقاءَ مِنْ عَنْقاءَ مُشْرِفَةٍلا يُبْتَغَى دُوَنها سَهْلٌ وَلا جَبَلُ
وأن من قوله أنْ يَتّـخِذَ فـي موضع رفع بكان. وقوله: سُبْحانَهُ يقول: تنزيها لله وتبرئة له أن يكون له ما أضاف إلـيه الكافرون القائلون: عيسى ابن الله. وقوله: إذَا قَضَى أمْرا فإنّـمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ يقول جل ثناؤه: إنـما ابتدأ الله خـلق عيسى ابتداء, وأنشأه إنشاء, من غير فحل افتـحل أمه, ولكنه قال له: كُنْ فَـيَكُونُ لأنه كذلك يبتدع الأشياء ويخترعها, إنـما يقول, إذا قضى خـلق شيء أو إنشاءه: كن فـيكون موجودا حادثا, لا يعظم علـيه خـلقه, لأنه لا يخـلقه بـمعاناة وكلفة, ولا ينشئه بـمعالـجة وشدّة.
وقوله: وَإنّ اللّهَ رَبّـي وَرَبّكُمْ فـاعْبُدُوهُ اختلف القرّاء فـي قراءة ذلك, فقرأته عامّة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة: «وأنّ اللّهَ رَبّـي وَرَبكُمْ» واختلف أهل العربـية فـي وجه فتـح «أن» إذا فتـحت, فقال بعض نـحوّيـي الكوفة: فُتـحت ردّا علـى عيسى وعطفـا علـيه, بـمعنى: ذلك عيسى ابن مريـم, وذلك أن الله ربـي وربكم. وإذا كان ذلك كذلك كانت أن رفعا, وتكون بتأويـل خفض, كما قال: ذَلِكَ أنْ لَـمْ يَكُنْ رَبّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْـمٍ قال: ولو فتـحت علـى قوله: وأوْصَانِـي بأن الله, كان وجها. وكان بعض البصريـين يقول: وذُكر ذلك أيضا عن أبـي عمرو بن العلاء, وكان مـمن يقرؤه بـالفتـح إنـما فتـحت أن بتأويـل وَقَضَى أن الله ربـي وربّكم. وكانت عامة قرّاء الكوفـيـين يقرؤونه: وَإنّ اللّهَ بكسر إن بـمعنى النسق علـى قوله: فإنّـما يَقُولُ لَهُ. وذُكر عن أبـيّ بن كعب أنه كان يقرؤه: «فإنّـما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ إنّ اللّهَ رَبّـي وَرَبّكُمْ» بغير واو.
قال أبو جعفر: والقراءة التـي نـختار فـي ذلك: الكسر علـى الابتداء. وإذا قرىء كذلك لـم يكن لها موضع, وقد يجوز أنّ يكون عطفـا علـى «إنّ» التـي مع قوله قالَ إنّـي عَبْدُ اللّهِ آتانِـيَ الكِتابَ وَإنّ اللّهَ رَبّـي وَرَبّكُمْ ولو قال قائل, مـمن قرأ ذلك نصبـا: نصب علـى العطف علـى الكتاب, بـمعنى: آتانـي الكتاب, وآتانـي أن الله ربـي وربّكم, كان وجها حسنا. ومعنى الكلام: وإنـي وأنتـم أيها القوم جميعا الله عبـيد, فإياه فـاعبدوا دون غيره. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
17884ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عمن لايتهم, عن وهب بن منبه, قال: عهد إلـيهم حين أخبرهم عن نفسه ومولده وموته وبعثه إنّ اللّهَ رَبّـي وَرَبّكُمْ فـاعْبُدُوهُ هذَا صِراطٌ مُسْتَقِـيـمٌ أي إنـي وإياكم عبـيد الله, فـاعبدوه ولا تعبدوا غيره.
وقوله: هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِـيـمٌ يقول: هذا الذي أوصيتكم به, وأخبرتكم أن الله أمرنـي به هو الطريق الـمستقـيـم, الذي من سلكه نـجا, ومن ركبه اهتدى, لأنه دين الله الذي أمر به أنبـياءه.

الآية : 37
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوْيْلٌ لّلّذِينَ كَفَرُواْ مِن مّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ }.
يقول تعالـى ذكره: فـاختلف الـمختلفون فـي عيسى, فصاروا أحزابـا متفرّقـين من بـين قومه, كما:
17885ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: ثنـي الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قوله: فـاخْتَلَفَ اْلأحْزَابُ مِنْ بَـيْنِهِمْ قال: أهل الكتاب.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد, مثله.
17886ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: فـاخْتَلَفَ اْلأحْزَابُ مِنْ بَـيْنِهِمْ ذُكر لنا أن لـما رُفع ابن مريـم, انتـخبت بنو إسرائيـل أربعة من فقهائهم, فقالوا للأوّل: ما تقول فـي عيسى؟ قال: هو الله هبط إلـى الأرض, فخـلق ما خـلق, وأحيا ما أحيا, ثم صَعِد إلـى السماء, فتابعه علـى ذلك ناس من الناس, فكانت الـيعقوبـية من النصارى وقال الثلاثة الاَخرون: نشهد أنك كاذب, فقالوا للثانـي: ما تقول فـي عيسى؟ قال: هو ابن الله, فتابعه علـى ذلك ناس من الناس, فكانت النّسطورية من النصارى وقال الاثنان الاَخران: نشهد أنك كاذب, فقالوا للثالث: ما تقول فـي عيسى؟ قال: هو إله, وأمه إله, والله إله, فتابعه علـى ذلك ناس من الناس, فكانت الإسرائيـلـية من النصارى, فقال الرابع: أشهد أنك كاذب, ولكنه عبد الله ورسوله, هو كلـمة الله وروحه فـاختصم القوم, فقال الـمرء الـمسلـم: أنشُدكم الله ما تعلـمون أن عيسى كان يَطعم الطعام, وأن الله تبـارك وتعالـى: لا يطعم الطعام قالوا: اللهمّ نعم, قال: هل تعلـمون أن عيسى كان ينام؟ قالوا: اللهمّ نعم, قال فخصمهم الـمسلـم قال: فـاقتتل القوم. قال: فذُكر لنا أن الـيعقوبـية ظهرت يومئذٍ وأصيب الـمسلـمون, فأنزل الله فـي ذلك القرآن: إنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بآياتِ الله وَيَقْتُلُونَ النّبِـيّـينَ بغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الّذِينَ يَأمْرُوُنَ بِـالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِـيـمٍ.
حدثنا الـحسن, قال: أخبرنا إسحاق, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـاخْتَلَفَ اْلأحْزَابُ مِنْ بَـيْنِهِمْ اختلفوا فـيه فصاروا أحزابـا..
وقوله: فَوَيْـلٌ للّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيـمٍ يقول: فوادي جهنـم الذي يدعي ويلاً للذين كفروا بـالله, من الزاعمين أن عيسى لله ولد, وغيرهم من أهل الكفر به من شهودهم يوما عظيـما شأنه, وذلك يوم القـيامة. وكان قتادة يقول فـي تأويـل ذلك ما:
17887ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال الله: فَوَيْـلٌ للّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيـمٍ شهدوا هولاً إذا عظيـما.
الآية : 38
القول فـي تأويـل قوله تعالـى { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَـَكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ }.
يقول تعالـى ذكره مخبرا عن حال الكافرين به, الـجاعلـين له أندادا, والزاعمين أن له ولدا يوم ورودهم علـيه فـي الاَخرة: لئن كانوا فـي الدنـيا عميا عن إبصار الـحقّ, والنظر إلـى حجج الله التـي تدلّ علـى وحدانـيته, صما عن سماع آي كتابه, وما دعتهم إلـيه رسل الله فـيها من الإقرار بتوحيده, وما بعث به أنبـياءه, فما أسمعهم يوم قدومهم علـى ربهم فـي الاَخرة, وأبصرهم يومئذٍ حين لا ينفعهم الإبصار والسماع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك, قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
17888ـ حدثنا بشر: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ ذاك والله يوم القـيامة, سمعوا حين لا ينفعهم السمع, وأبصروا حين لا ينفعهم البصر.
17889ـ حدثنا الـحسن, قال أخبرنا عبد الرّزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, فـي قوله أسمِعْ بِهِمْ وأبْصرْ قال: أسمعُ قومٍ وأبصرُهُم.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا أبو سفـيان, عن معمر, عن قتادة, قال أسمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يأْتُوننا يوم القـيامة.
17890ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسن, قال: ثنـي حجاج, عن أبـي جعفر, عن الربـيع بن أنس, عن أبـي العالـية, قال: أسمِعْ بحديثهم الـيوم وأبْصِرْ كيف يصنع بهم يَوْمَ يأْتُونَنا 17891ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: أسمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يأْتُونَنا قال: هذا يوم القـيامة, فأما الدنـيا فلا, كانت علـى أبصارهم غشاوة, وفـي آذانهم وقر فـي الدنـيا فلـما كان يوم القـيامة أبصروا وسمعوا فلـم ينتفعوا, وقرأ: رَبّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فـارْجِعْنا نَعْمَلَ صَالِـحا إنا مُوقِنُونَ.
وقوله: لَكِنِ الظّالِـمُونَ الـيَوْمَ فِـي ضَلالٍ مُبِـينٍ يقول تعالـى ذكره: لكن الكافرون الذين أضافوا إلـيه ما لـيس من صفته, وافتروا علـيه الكذب الـيوم فـي الدنـيا, فـي ضلال مبـين يقول: فـي ذهاب عن سبـيـل الـحقّ, وأخذ علـى غير استقامة, مبـين أنه جائر عن طريق الرشد والهدى, لـمن تأمله وفكّر فـيه, فهُدِي لرشده