تفسير الطبري تفسير الصفحة 460 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 460
461
459
 الآية : 11-13
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ إِنّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصاً لّهُ الدّينَ * وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }.
يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لـمشركي قومك: إن الله أمرنـي أن أعبده مُفْرِدا له الطاعة, دون كلّ ما تدعون من دونه من الاَلهة والأنداد وأُمِرْتُ لإِنْ أكُونَ أوّلَ الـمُسْلَـمِينَ: يقول: وأمرنـي ربـي جلّ ثناؤه بذلك, لأن أكون بفعل ذلك أوّل من أسلـم منكم, فخضع له بـالتوحيد, وأخـلص له العبـادة, وبرىء من كلّ ما دونه من الاَلهة. وقوله تعالـى: قُلْ إنّـي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبّـي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيـمٍ: يقول تعالـى ذكره: قال يا مـحمد لهم إنـي أخاف إن عصيت ربـي فـيـما أمرنـي به من عبـادته, مخـلصا له الطاعة, ومفرده بـالربوبـية. عذابَ يومٍ عَظِيـمٍ: يعنـي عذاب يوم القـيامة, ذلك هو الـيوم الذي يعظم هو له.
الآية : 14-15
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لّهُ دِينِي * فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ قُلْ إِنّ الْخَاسِرِينَ الّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }.
يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لـمشركي قومك: الله أعبد مخـلصا, مفردا له طاعتـي وعبـادتـي, لا أجعل له فـي ذلك شريكا, ولكنـي أُفرده بـالألوهة, وأبرأ مـما سواه من الأنداد والاَلهة, فـاعبدوا أنتـم أيها القوم ما شئتـم من الأوثان والأصنام, وغير ذلك مـما تعبدون من سائر خـلقه, فستعلـمون وبـال عاقبة عبـادتكم ذلك إذا لقـيتـم ربكم.
وقوله: قُلْ إنّ الـخاسِرِينَ الّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ يقول تعالـى ذكره: قل يا مـحمد لهم: إن الهالكين الذين غَبَنوا أنفسهم, وهلكت بعذاب الله أهلوهم مع أنفسهم, فلـم يكن لهم إذ دخـلوا النار فـيها أهل, وقد كان لهم فـي الدنـيا أهلون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
23159ـ حدثنـي علـيّ, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله: قُلْ إنّ الـخَاسِرِينَ الّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ وأهْلِـيهِمْ يَوْمَ القِـيامَةِ قال: هم الكفـار الذين خـلقهم الله للنار, وخـلق النار لهم, فزالت عنهم الدنـيا, وحرّمت علـيهم الـجنة, قال الله: خَسرَ الدّنْـيَا وَالاَخِرَةَ.
23160ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: قُلْ إنّ الـخاسِرينَ الّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ وأهْلِـيهِمْ يَوْمَ القِـيامَةِ قال: هؤلاء أهل النار, خسروا أنفسهم فـي الدنـيا, وخسروا الأهلـين, فلـم يجدوا فـي النار أهلاً, وقد كان لهم فـي الدنـيا أهل.
23161ـ حُدثت عن ابن أبـي زائدة, عن ابن جُرَيج, عن مـجاهد, قال: غبنوا أنفسهم وأهلـيهم, قال: يخسرون أهلـيهم, فلا يكون لهم أهل يرجعون إلـيهم, ويخسرون أنفسم, فـيهلكون فـي النار, فـيـموتون وهم أحياء فـيخسرونهما.
وقوله: ألا ذلكَ هُوع الـخُسْرانُ الـمُبِـينُ يقول تعالـى ذكره: ألا إن خسران هؤلاء الـمشركين أنفسهم وأهلـيهم يوم القـيامة, وذلك هلاكها هو الـخسران الـمبـين, يقول تعالـى ذكره: هو الهلاك الذي يبـين لـمن عاينه وعلـمه أنه الـخسران.
الآية : 16-18
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوّفُ اللّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَعِبَادِ فَاتّقُونِ * وَالّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوَاْ إِلَى اللّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىَ فَبَشّرْ عِبَادِ * الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَـتّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُوْلَـَئِكَ هُمْ أُوْلُو الألْبَابِ }.
يقول تعالـى ذكره لهؤلاء الـخاسرين يوم القامة فـي جهنـم: مِنْ فَوقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّار وذلك كهيئة الظلل الـمبنـية من النار وَمِنْ تَـحْتهمْ ظُلَلٌ يقول: ومن تـحتهم من النار ما يعلوهم, حتـى يصير ما يعلوهم منها من تـحتهم ظللاً, وذلك نظير قوله جلّ ثناؤه لَهُمْ: مِنْ جَهَنَـمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقهِمْ غَواشٍ يغشاهم مـما تـحتهم فـيها من الـمهاد.
وقوله: ذلكَ يخَوّفُ اللّهُ بِهِ عبـادَهُ يا عبـادِ فـاتّقُونِ يقول تعالـى ذكره: هذا الذي أخبرتكم أيها الناس به, مـما للـخاسرين يوم القـيامة من العذاب, تـخويف من ربكم لكم, يخوّفكم به لتـحذروه, فتـجتنبوا معاصيه, وتنـيبوا من كفركم إلـى الإيـمان به, وتصديق رسوله, واتبـاع أمره ونهيه, فتنـجوا من عذابه فـي الاَخرة فـاتّقُونِ يقول: فـاتقونـي بأداء فرائضي علـيكم, واجتناب معاصيّ, لتنـجوا من عذابـي وسخطي.
وقوله: وَالّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ: أي اجتنبوا عبـادة كلّ ما عُبد من دون الله من شيء. وقد بـيّنا معنى الطاغوت فـيـما مضى قبل بشواهد ذلك, وذكرنا اختلاف أهل التأويـل فـيه بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع, وذكرنا أنه فـي هذا الـموضع: الشيطان, وهو فـي هذا الـموضع وغيره بـمعنى واحد عندنا. ذكر من قال ما ذكرنا فـي هذا الـموضع:
23162ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قوله: وَالّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ قال: الشيطان.
23163ـ حدثنا مـحمد, قال: حدثنا أحمد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ وَالّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها قال: الشيطان.
23164ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: وَالّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها قال: الشيطان هو هاهنا واحد وهي جماعة.
والطاغوت علـى قول ابن زيد هذا واحد مؤنث, ولذلك قـيـل: أن يعبدوها. وقـيـل: إنـما أُنثث لأنها فـي معنى جماعة.
وقوله: وأنابُوا إلـى اللّهِ يقول: وتابوا إلـى الله ورجعوا إلـى الإقرار بتوحيده, والعمل بطاعته, والبراءة مـما سواه من الاَلهة والأَنداد. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
23165ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: وأنابُوا إلـى اللّهِ: وأقبلوا إلـى الله.
23166ـ حدثنا مـحمد, قال: حدثنا أحمد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, قوله: وأنابُوا إلـى اللّهِ قال: أجابوا إلـيه.
وقوله: لَهُمُ البُشْرَى يقول: لهم البشرى فـي الدنـيا بـالـجنة فـي الاَخرة فَبَشّرْ عِبـادِ الّذِينَ يَسْتَـمِعُونَ القَوْلَ يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فبشر يا مـحمد عبـادي الذين يستـمعون القول من القائلـين, فـيتبعون أرشده وأهداه, وأدله علـى توحيد الله, والعمل بطاعته, ويتركون ما سوى ذلك من القول الذي لا يدل علـى رشاد, ولا يهدي إلـى سداد. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
23167ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة فَـيَتّبِعُونَ أحْسَنَهُ وأحسنه طاعة: الله.
23168ـ حدثنا مـحمد, قال: حدثنا أحمد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, فـي قوله: فَـيَتّبِعُونَ أحْسَنَهُ قال: أحسن ما يؤمرون به فـيعملون به.
وقوله: أُولَئِكَ الّذِينَ هَداهُمُ اللّهُ يقول تعالـى ذكره: الذين يستـمعون القول فـيتبعون أحسنه, الذين هداهم الله, يقول: وفقهم الله للرشاد وإصابة الصواب, لا الذين يُعْرِضون عن سماع الـحقّ, ويعبدون ما لا يضرّ, ولا ينفع. وقوله: أُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الألْبـابِ يعنـي: أولو العقول والـحجا.
وذُكر أن هذه الاَية نزلت فـي رهط معروفـين وحّدوا الله, وبرئوا من عبـادة كل ما دون الله قبل أن يُبعث نبـيّ الله, فأنزل الله هذه الاَية علـى نبـيه يـمدحهم. ذكر من قال ذلك:
23169ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: وَالّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها... الاَيتـين, حدثنـي أبـي أن هاتـين الاَيتـين نزلتا فـي ثلاثة نفر كانوا فـي الـجاهلـية يقولون: لا إله إلا الله: زيد بن عمرو, وأبـي ذرّ الغفـاري, وسلـمان الفـارسيّ, نزل فـيهم: وَالّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها فـي جاهلـيتهم وأنابُوا إلـى اللّهِ لَهُمُ البُشْرَى فَبَشّرْ عِبـادِ الّذِينَ يَسْتَـمِعُونَ القَوْلَ فَـيَتّبِعُونَ أحْسَنَهُ لا إله إلا الله, أولئك الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبـيّ وأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبـابِ.
الآية : 19-20
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أَفَمَنْ حَقّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النّارِ * لَـَكِنِ الّذِينَ اتّقَواْ رَبّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مّبْنِيّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَعْدَ اللّهِ لاَ يُخْلِفُ اللّهُ الْمِيعَادَ }.
يعنـي تعالـى ذكره بقوله: أَفَمَنْ حَقّ عَلَـيْهِ كَلِـمَةُ العَذَابِ: أفمن وجبت علـيه كلـمة العذاب فـي سابق علـم ربك يا مـحمد بكفره به, كما:
23170ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: أَفَمَنْ حَقّ عَلَـيْه كَلِـمَةُ العَذَابِ بكفره.
وقوله: أَفأنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِـي النّارِ يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: أفأنت تنقذ يا مـحمد من هو فـي النار من حق علـيه كلـمة العذاب, فأنت تنقذه فـاستغنى بقوله: تُنْقِذُ مَنْ فِـي النّارِ عن هذا. وكان بعض نـحويـي الكوفة يقول: هذا مـما يراد به استفهام واحد, فـيسبق الاستفهام إلـى غير موضعه, فـيردّ الاستفهام إلـى موضعه الذي هو له. وإنـما الـمعنى والله أعلـم: أفأنت تنقذ من فـي النار من حقّت علـيه كلـمة العذاب. قال: ومثله من غير الاستفهام: أَيَعِدُكُمْ أنّكُمُ إذا مِتّـمْ وكُنْتُـمْ تُرابـا وَعِظاما أنّكُمْ مُخْرِجُونَ فردّد «أنكم» مرّتـين. والـمعنى والله أعلـم: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متـم ومثله قوله: لا تَـحْسَبنّ الّذِينَ يَفْرَحُونَ بِـمَا أتَوْا ويُحِبّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِـما لَـمْ يَفْعَلُوا فَلا تَـحْسَبَنّهُمْ بِـمَفـازَة مِنَ العَذَابِ. وكان بعضهم يستـخطىء القول الذي حكيناه عن البصريـين, ويقول: لا تكون فـي قوله: أَفَأنْتَ تُتْقِذُ مَنْ فِـي النّارِ كناية عمن تقدم, لا يقال: القوم ضربت من قام, يقول: الـمعنى: ألتـجرئة أفأنت تُنقذ من فـي النار منهم. وإنـما معنى الكلـمة: أفأنت تهدي يا مـحمد من قد سبق له فـي علـم الله أنه من أهل النار إلـى الإيـمان, فتنقذه من النار بـالإيـمان؟ لست علـى ذلك بقادر.
وقوله: لَكِنِ الّذِينَ اتّقُوْا رَبّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِـيّةٌ يقول تعالـى ذكره: لكن الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه واجتناب مـحارمه, لهم فـي الـجنة غرف من فوقها غرف مبنـية علالـيّ بعضها فوق بعض تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهارُ يقول تعالـى ذكره: تـجري من تـحت أشجار جناتها الأنهار. وقوله: وَعَدَ اللّهُ يقول جلّ ثناؤه: وعدنا هذه الغرف التـي من فوقها غرف مبنـية فـي الـجنة, هؤلاء الـمتقـين لا يُخْـلفُ اللّهُ الـمِيعادَ يقول جلّ ثناؤه: والله لا يخـلفهم وعده, ولكنه يوفـي بوعده.
الآية : 21
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ثُمّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمّ يَهِـيجُ فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً ثُمّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىَ لاُوْلِي الألْبَابِ }.
يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ألَـمْ تَرَ يا مـحمد أنّ اللّهَ أنْزَلَ مِنَ السّماءِ ماءً وهو الـمطر فَسَلَكَهُ يَنابِـيعَ فِـي الأرْضِ يقول: فأجراه عيونا فـي الأرض واحدها ينبوع, وهو ما جاش من الأرض. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
23171ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا ابن يـمان, عن سفـيان, عن جابر, عن الشعبـيّ, فـي قوله: فَسَلَكَهُ يَنابِـيعَ فِـي الأرْضِ قال: كلّ ندى وماء فـي الأرض من السماء نزل.
23172ـ قال: ثنا ابن يـمان, عن سفـيان, عن جابر, عن الـحسن بن مسلـم بن بـيان, قال: ثم أنبت بذلك الـماء الذي أنزله من السماء فجعله فـي الأرض عيونا زرعا مُخْتَلِفـا ألْوَانُهُ يعنـي: أنواعا مختلفة من بـين حنطة وشعير وسمسم وأرز, ونـحو ذلك من الأنواع الـمختلفة ثُمّ يَهِيجُ فَتراهُ مُصْفَرّا يقول: ثم يـيبس ذلك الزرع من بعد خُضرته, يقال للأرض إذا يبس ما فـيها من الـخضر وذوي: هاجت الأرض, وهاج الزرع.
وقوله: فَتراه مُصْفَرّا يقول: فتراه من بعد خُضرته ورطوبته قد يبس فصار أصفر, وكذلك الزرع إذا يبس أصفر ثُمّ يَجْعَلُهُ حُطاما والـحُطام: فتات التبن والـحشيش, يقول: ثم يجعل ذلك الزرع بعد ما صار يابسا فُتاتا متكسرا.
وقوله: إنّ فِـي ذلكَ لَذِكْرَى لأُولـي الألْبـابِ يقول تعالـى ذكره: إن فـي فعل الله ذلك كالذي وصف لذكرى وموعظة لأهل العقول والـحجا يتذكرون به, فـيعلـمون أن من فعل ذلك فلن يتعذّر علـيه إحداث ما شاء من الأشياء, وإنشاء ما أراد من الأجسام والأعراض, وإحياء من هلك من خـلقه من بعد مـماته وإعادته من بعد فنائه, كهيئته قبل فَنائه, كالذي فُعِل بـالأرض التـي أنزل علـيها من بعد موتها الـماء, فأنبت بها الزرعَ الـمختلف الألوان بقدرته.)