تفسير الطبري تفسير الصفحة 465 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 465
466
464
 الآية : 57-58
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنّ اللّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ الْمُتّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنّ لِي كَـرّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }.
يقول تعالى ذكره: وأنيبوا إلى ربكم أيها الناس, وأسلموا له, أن لا تقول نفس يوم القيامة: يا حسرتا على ما فرّطت في جنب الله, في أمر الله, وأن لا تقول نفس أخرى: لو أن الله هداني للحقّ, فوفقني للرشاد لكنت ممن اتقاه بطاعته واتباع رضاه, أو أن لا تقول أخرى حين ترى عذاب الله فتعاينه لَوْ أنّ لي كَرّةً تقول: لو أن لي رجعة إلى الدنيا فأكُونَ مِنَ المُحْسِنينَ الذين أحسنوا في طاعة ربهم, والعمل بما أمرتهم به الرسل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
23258ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة يا حَسْرَتا على ما فَرّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ... الاَية, قال: هذا قول صنف منهم أوْ تَقُولَ لَوْ أنّ اللّهَ هَدَانِي... الاَية, قال: هذا قول صنف آخر: أوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العَذَابَ... الاَية, يعني بقوله لَوْ أنّ لي كَرّةً رجعة إلى الدنيا, قال: هذا صنف آخر.
23259ـ حدثني عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا على ما فَرّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ قال: أخبر الله ما العباد قائلوه قبل أن يقولوه, وعملهم قبل أن يعملوه, قال: وَلا يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرً أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا على ما فَرّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ أوْ تَقُولَ لَوْ أنّ اللّهَ هَدَانِي... إلى قوله: فأكُونَ مِنَ المُحْسِنينَ يقول: من المهتدين, فأخبر الله سبحانه أنهم لو رُدّوا لم يقدروا على الهدي, وقال: وَلَوْ رُدّوا لَعَادُوا لمَا نُهُوا عَنْهُ وَإنّهُمْ لَكَاذِبُونَ وقال: وَنُقَلّبُ أفْئِدَتِهُمْ وأبْصَارَهُمْ كما لم يؤمنوا به أول مرة, قال: ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى, كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا.
وفي نصب قوله فأَكُونَ وجهان أحدهما: أن يكون نصبه على أنه جواب لو والثاني: على الرد على موضع الكرة, وتوجيه الكرة في المعنى إلى: لو أن لي أن أكر, كما قال الشاعر:
فَما لَكَ مِنْها غيرُ ذِكْرى وَحَسْرَةٍوَتَسأَلَ عَنْ رُكْبانِها أيْنَ يَمّمُوا؟
فنصب تسأل عطفا بها على موضع الذكرى, لأن معنى الكلام: فمالك (...) بيرسلَ على موضع الوحي في قوله: إلاّ وَحْيا.
الآية : 59
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {بَلَىَ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ }.
يقول تعالى ذكره مكذبا للقائل: لَوْ أنّ اللّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتّقِينَ, وللقائل: لَوْ أنّ لي كَرّةً فأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ: ما القول كما تقولون بَلَى قَدْ جاءَتْكَ أيها المتمني على الله الرد إلى الدنيا لتكون فيها من المحسنين آياتِي يقول: قد جاءتك حججي من بين رسول أرسلته إليك, وكتاب أنزلته يتلى عليك ما فيه من الوعد والوعيد والتذكر فَكَذّبْتَ بآياتي واسْتَكْبَرْتَ عن قبولها واتباعها وكُنْتُ مِنَ الكافِرِينَ يقول: وكنت ممن يعمل عمل الكافرين, ويسنّ بسنتهم, ويتبع منهاجهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
23260ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: يقول الله ردّا لقولهم, وتكذيبا لهم, يعني لقول القائلين: لَوْ أنّ اللّهَ هَدانِي, والصنف الاَخر: بَلى قَدْ جاءَتْكَ إياتي... الاَية.
وبفتح الكاف والتاء من قوله قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذّبْتَ على وجه المخاطبة للذكور, قرأه القرّاء في جميع أمصار الإسلام. وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ذلك بكسر جميعه على وجه الخطاب للنفس, كأنه قال: أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرّطت في جنب الله, بلى قد جاءتكِ أيتها النفس آياتي, فكذّبتِ بها, أجرى الكلام كله على النفس, إذا كان ابتداء الكلام بها جرى, والقراءة التي لا أستجيز خلافها, ما جاءت به قرّاء الأمصار مجمعة عليه, نقلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو الفتح في جميع ذلك.
الآية : 60
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللّهِ وُجُوهُهُم مّسْوَدّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنّمَ مَثْوًى لّلْمُتَكَبّرِينَ }.
يقول تعالى ذكره: وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرَى يا محمد هؤلاء الّذِينَ كَذَبُوا على اللّهِ من قومك فزعموا أن له ولدا, وأن له شريكا, وعبدوا آلهة من دونه وُجُوهُهُمْ مُسْوَدّةٌ والوجوه وإن كانت مرفوعة بمسودة, فإن فيها معنى نصب, لأنها مع خبرها تمام ترى, ولو تقدّم قوله مسودّة قبل الوجوه, كان نصبا, ولو نصب الوجوه المسودّة ناصب في الكلام لا في القرآن, إذا كانت المسودّة مؤخرة كان جائزا, كما قال الشاعر:
ذَرِينِي إنّ أمْرَكِ لَنْ يُطاعَاوَما ألْفَيْتَنِي حِلْمِي مُضَاعَا
فنصب الحلم والمضاع على تكرير ألفيتني, وكذلك تفعل العرب في كلّ ما احتاج إلى اسم وخبر, مثل ظنّ وأخواتها وفي «مسودّة» للعرب لغتان: مسودّة, ومسوادّة, وهي في أهل الحجاز يقولون فيما ذكر عنهم: قد اسوادّ وجهه, واحمارّ, واشهابّ. وذكر بعض نحويي البصرة عن بعضهم أنه قال: لا يكون أفعالّ إلا في ذي اللون الواحد نحو الأشهب, قال: ولا يكون في نحو الأحمر, لأن الأشهب لون يحدث, والأحمر لا يحدث.
وقوله: ألَيْسَ فِي جَهَنّمَ مَثْوًى للْمُتَكَبّرِينَ يقول: أليس في جهنم مأوى ومسكن لمن تكبر على الله, فامتنع من توحيده, وانتهاء إلى طاعته فيما أمره ونهاه عنه.
الآية : 61-62
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {وَيُنَجّي اللّهُ الّذِينَ اتّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسّهُمُ السّوَءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * اللّهُ خَالِقُ كُـلّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ }.
يقول تعالى ذكره: وينجي الله من جهنم وعذابها, الذين اتقوه بأداء فرائضه, واجتناب معاصيه في الدنيا, بمفازتهم: يعني بفوزهم, وهي مفعلة منه. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل, وإن خالفت ألفاظ بعضهم اللفظة التي قلناها في ذلك ذكر من قال ذلك:
23261ـ حدثني محمد, قال: حدثنا أحمد, قال: حدثنا أسباط, عن السدي, في قوله: وَيُنْجّي اللّهُ الّذِينَ اتّقُوا بِمفَازَتِهِمْ قال: بفضائلهم.
23262ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: وَيُنْجّي اللّهُ الّذِينَ اتّقُوا بِمفَازَتِهِمْ قال: بأعمالهم, قال: والاَخرون يحملون أوزارهم يوم القيامة وَمِنْ أوْزَارِ الّذِينَ يُضِلّونَهُمْ بغَيرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ.
واختلفت القراء في ذلك, فقرأته عامة قراء المدينة, وبعض قراء مكة والبصرة: بِمفَازَتِهِمْ على التوحيد. وقرأته عامة قراء الكوفة: «بِمفَازَاتِهِمْ» على الجماع.
والصواب عندي من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان, قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب, لاتفاق معنييهما والعرب توحد مثل ذلك أحيانا وتجمع بمعنى واحد, فيقول أحدهم: سمعت صوت القوم, وسمعت أصواتهم, كما قال جل ثناؤه: إنّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ, ولم يقل: أصوات الحمير, ولو جاء ذلك كذلك كان صوابا.
وقوله: لا يَمَسّهُمُ السّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يقول تعالى ذكره: لا يمس المتقين من أذى جهنم شيء, وهو السوء الذي أخبر جل ثناؤه أنه لن يمسهم, ولا هم يحزنون يقول: ولا هم يحزنون على ما فاتهم من آراب الدنيا, إذ صاروا إلى كرامة الله ونعيم الجنان.
وقوله: اللّهُ خالِقُ كُلّ شَيْءٍ وهُوَ على كل شيءٍ وَكِيلٌ يقول تعالى ذكره: الله الذي له الألوهة من كل خلقه الذي لا تصلح العبادة إلا له, خالق كل شيء, لا ما لا يقدر على خلق شيء, وهو على كل شيء وكيل يقول: وهو على كل شيء قيم بالحفظ والكلاءة.
الآية : 63
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {لّهُ مَقَالِيدُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ اللّهِ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }.
يقول تعالى ذكره: له مفاتيح خزائن السموات والأرض, يفتح منها على من يشاء, ويمسكها عمن أحب من خلقه واحدها: مقليد. وأما الإقليد: فواحد الأقاليد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
23263ـ حدثني عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: مَقالِيدُ السّمَوَاتِ والأرْضِ مفاتيحها.
23264ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: لَهُ مَقالِيدُ السّمَوَاتِ والأرْضِ أي مفاتيح السموات والأرض.
23265ـ حدثنا محمد, قال: حدثنا أحمد, قال: حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: لَهُ مَقالِيدُ السّمَوَاتِ والأرْضِ قال: خزائن السموات والأرض.
23266ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: لَهُ مَقالِيدُ السّمَوَاتِ والأرْضِ قال: المقاليد: المفاتيح, قال: له مفاتيح خزائن السموات والأرض.
وقوله: وَالّذِينَ كَفَرُوا بآياتِ اللّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ يقول تعالى ذكره: والذين كفروا بحجج الله فكذبوا بها وأنكروها, أولئك هم المغبونون حظوظهم من خير السموات التي بيده مفاتيحها, لأنهم حرموا ذلك كله في الاَخرة بخلودهم في النار, وفي الدنيا بخذلانهم عن الإيمان بالله عزّ وجلّ.
الآية : 64-65
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللّهِ تَأْمُرُونّيَ أَعْبُدُ أَيّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }.
يقول تعالى ذكره لنبيه: قل يا محمد لمشركي قومك, الداعيك إلى عبادة الأوثان: أفَغَيرَ اللّهِ أيها الجاهلون بالله تَأْمُرُونّي أن أعْبُدُ ولا تصلح العبادة لشيء سواه.
واختلف أهل العربية في العامل, في قوله أفَغَيْرَ النصب, فقال بعض نحويي البصرة: قل أفغير الله تأمروني, يقول: أفغير الله أعبد تأمروني, كأنه أراد الإلغاء, والله أعلم, كما تقول: ذهب فلأن يدري, جعله على معنى: فما يدري. وقال بعض نحويي الكوفة: «غير» منتصبة بأعبد, وأن تحذف وتدخل, لأنها علم للاستقبال, كما تقول: أريد أن أضرب, وأريد أضرب, وعسى أن أضرب, وعسى أضرب, فكانت في طلبها الاستقبال, كقولك: زيدا سوف أضرب, فلذلك حُذفت وعمل ما بعدها فيما قبلها, ولا حاجة بنا إلى اللغو.
وقوله: وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وَإلى الّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ يقول تعالى ذكره: ولقد أوحى إليك يا محمد ربك, وإلى الذين من قبلك من الرسل لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنّ عَمَلُكَ يقول: لئن أشركت بالله شيئا يا محمد, ليبطلنّ عملك, ولا تنال به ثوابا, ولا تدرك جزاء إلا حزاء من أشرك بالله, وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم ومعنى الكلام: ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطنّ عملك, ولتكونن من الخاسرين, وإلى الذين من قبلك, بمعنى: وإلى الذين من قبلك من الرسل من ذلك, مثل الذي أوحى إليك منه, فاحذر أن تشرك بالله شيئا فتهلك.
ومعنى قوله: وَلَتَكُونَنّ مِنَ الخاسِرِينَ ولتكونن من الهالكين بالإشراك بالله إن أشركت به شيئا.
الآية : 66-67
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {بَلِ اللّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مّنَ الشّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسّمَاوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىَ عَمّا يُشْرِكُونَ }.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بعبادته, بل الله فاعبد دون كلّ ما سواه من الاَلهة والأوثان والأنداد وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ لله على نعمته عليك بما أنعم من الهداية لعبادته, والبراءة من عبادة الأصنام والأوثان. ونصب اسم الله بقوله فاعْبُدْ وهو بعده, لأنه رد كلام, ولو نصب بمضمر قبله, إذا كانت العرب تقول: زيد فليقم, وزيدا فليقم, رفعا ونصبا, الرفع على فلينظر زيد, فليقم, والنصب على انظروا زيدا فليقم, كان صحيحا جائزا.
وقوله: وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ يقول تعالى ذكره: وما عظّم الله حقّ عظمته, هؤلاء المشركون بالله, الذين يدعونك إلى عبادة الأوثان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
23267ـ حدثني عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ قال: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم, فمن آمن أن الله على كلّ شيء قدير, فقد قدر الله حقّ قدره, ومن لم يؤمن بذلك, فلم يقدر الله حقّ قدره.
23268ـ حدثنا محمد, قال: حدثنا أحمد, قال: حدثنا أسباط, عن السديّ وَما قَدَرُوا اللّهٍ حَقّ قَدْرِهِ: ما عظّموا الله حقّ عظمته.
وقوله: والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ يقول تعالى ذكره: والأرض كلها قبضته في يوم القيامة والسّمَوَاتُ كلها مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ فالخبر عن الأرض متناه عند قوله: يوم القيامة, والأرض مرفوعة بقوله قَبْضَتُهُ, ثم استأنف الخبر عن السموات, فقال: والسّمَوَاتُ مَطْوياتٌ بيَمِينِهِ وهي مرفوعة بمطويات.
ورُوي عن ابن عباس وجماعة غيره أنهم كانوا يقولون: الأرض والسموات جميعا في يمينه يوم القيامة. ذكر الرواية بذلك:
23269ـ حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ يقول: قد قبض الأرضين والسموات جميعا بيمينه, ألم تسمع أنه قال: مَطْوِياتٌ بِيَمِينِهِ يعني: الأرض والسموات بيمينه جميعا, قال ابن عباس: وإنما يستعين بشماله المشغولة يمينه.
23270ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا معاذ بن هشام, قال: ثني أبي عن عمرو بن مالك, عن أبي الجوزاء, عن ابن عباس, قال: ما السموات السبع, والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم,
23271ـ قال: ثنا معاذ بن هشام, قال: ثني أبي, عن قتادة, قال: حدثنا النضر بن أنس, عن ربيعة الجُرْسي, قال: والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسّمَوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ قال: ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء.
23272ـ حدثني عليّ بن الحسن الأزديّ, قال: حدثنا يحيى بن يمان, عن عمار بن عمرو, عن الحسن, في قوله: والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ قال: كأنها جوزة بقضها وقضيضها.
23273ـ حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ يقول: السموات والأرض مطويات بيمينه جميعا.
وكان ابن عباس يقول: إنما يستعين بشماله المشغولة يمينه, وإنما الأرض والسموات كلها بيمينه, وليس في شماله شيء.
23274ـ حدثنا الربيع, قال: حدثنا ابن وهب, قال: أخبرني أُسامة بن زيد, عن أبي حازم, عن عبد الله بن عمر, أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم, على المنبر يخطب الناس, فمر بهذه الاَية: وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَأْخُذُ السّمَوَاتِ والأرْضَينِ السّبْعَ فَيَجْعَلُها في كَفّهِ, ثُمّ يَقُولُ بِهِما كمَا يَقُولُ الغُلامُ بالكُرَةِ: أنا اللّهُ الوَاحِدُ, أنا اللّهُ العَزِيزُ» حتى لقد رأينا المنبر وإنه ليكاد أن يسقط به.
23275ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا يحيى, عن سفيان, قال: ثني منصور وسليمان, عن إبراهيم, عن عبيدة السّلْماني, عن عبد الله, قال: جاء يهوديّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن الله يمسك السموات على أصبع, والأرضين على أصبع, والجبال على أصبع, والخلائق على أصبع, ثم يقول: أنا الملك قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال: وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ.
23276ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا يحيى, قال: حدثنا فضيل بن عياض, عن منصور, عن إبراهيم, عن عبيدة عن عبد الله, قال: فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا.
حدثنا محمد بن الحسين, قال: حدثنا أحمد بن المفضل, قال: حدثنا أسباط, عن السدي, عن منصور, عن خيثمة بن عبد الرحمن, عن علقمة, عن عبد الله بن مسعود, قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, حين جاءه حبر من أحبار اليهود, فجلس إليه, فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حَدّثْنا», قال: إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة, جعل السموات على أصبع, والأرضين على أصبع, والجبال على أصبع, والماء والشجر على أصبع, وجميع الخلائق على أصبع ثم يهزهنّ ثم يقول: أنا الملك, قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لما قال, ثم قرأ هذه الاَية: وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ... الاَية».
23277ـ حدثنا محمد, قال: حدثنا أحمد, قال: حدثنا أسباط, عن السدي, نحو ذلك.
23278ـ حدثني سليمان بن عبد الجبار, وعباس بن أبي طالب, قالا: حدثنا محمد بن الصلت, قال: حدثنا أبو كدنية عن عطاء بن السائب, عن أبي الضحى, عن ابن عباس, قال: مرّ يهوديّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وهو جالس, فقال: «يا يَهُوديّ حَدّثْنا», فقال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماء على ذه, والأرض على ذه, والجبال على ذه, وسائر الخلق على ذه, فأنزل الله وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِه... الاَية.
حدثني أبو السائب, قال: حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة, عن عبد الله, قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أهل الكتاب, فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله يحمل الخلائق على أصبع, والسموات على أصبع, والأرضين على أصبع, والشجر على أصبع, والثرى على أصبع؟ قال فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه, فأنزل الله وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ... إلى آخر الاَية.
وقال آخرون: بل السموات في يمينه, والأرضون في شماله. ذكر من قال ذلك:
23279ـ حدثنا عليّ بن داود, قال: حدثنا ابن أبي مريم, قال: أخبرنا ابن أبي حازم, قال: ثني أبو حازم, عن عبيد الله بن مِقْسَمِ, أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: «يَأْخُذُ الجَبّارُ سَمَوَاتِهِ وأرْضِهِ بِيَدَيْهِ» وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه, وجعل يقبضهما ويبسطهما, قال: ثمّ يَقُولُ: «أنا الرّحْمَنُ أنا المَلِكُ, أيْنَ الجَبّارُونَ, أيْنَ المُتَكَبّرُونَ» وتمايل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه, وعن شماله, حتى نظرت إلى المنبر يتحركّ من أسفل شيء منه, حتى إني لأقول: أساقطٌ هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
حدثني أبو علقمة الفروي عبد الله بن محمد, قال: ثني عبد الله بن نافع, عن عبد العزيز بن أبي حازم, عن أبيه, عن عبيد بن عمير, عن عبد الله بن عمر, أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يَأْخُذُ الجَبّارُ سَمَوَاتِهِ وأرْضَهُ بيَدِهِ», وقبض يده فجعل يقبضها ويبسطها, ثم يقول: «أنا الجَبّارُ, أنا المَلِكُ, أيْن الجَبّارُونَ, أيْنَ المُتَكَبّرُونَ؟» قال: ويميل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله, حتى نظرت إلى المنبر يتحركّ من أسفل شيء منه, حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟».
23280ـ حدثني الحسن بن علي بن عياش الحمصي, قال: حدثنا بشر بن شعيب, قال: أخبرني أبي, قال: حدثنا محمد بن مسلم بن شهاب, قال: أخبرني سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة أنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَقْبِضُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ الأرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَطْوِي السموات بيمينه, ثُمّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟».
حُدثت عن حرملة بن يحيى, قال: حدثنا إدريس بن يحيى القائد, قال: أخبرنا حيوة, عن عقيل, عن ابن شهاب, قال: أخبرني نافع مولى ابن عمر, عن عبد الله بن عمر, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ اللّهَ يَقْبِضُ الأرْضَ يَوْمَ القيامَةِ بِيَدِهِ, وَيَطْوِي السّماءَ بِيَمينهِ وَيَقُولُ: أنا المَلِكُ».
23281ـ حدثني محمد بن عون, قال: حدثنا أبو المغيرة, قال: حدثنا ابن أبي مريم, قال: حدثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي عن أبي أيوب الأنصاري, قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حبرٌ من اليهود, قال: أرأيت إذ يقول الله في كتابه: والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسّمَوَاتُ مَطْوَيّاتٌ بِيَمينهِ فأين الخلق عند ذلك؟ قال: «هُمْ فِيها كَرقْمِ الكِتابِ».
23282ـ حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري, قال: حدثنا أبو أسامة, قال: حدثنا عمرو بن حمزة, قال: ثني سالم, عن أبيه, أنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَطْوِي اللّهُ السّمَوَاتِ فيأْخُذُهُنّ بِيَمِينِهِ وَيَطْوِي الأرْضَ فَيأْخُذُها بِشمالِهِ, ثُمّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ أيْنَ الجَبّارُونَ؟ أينَ المُتَكَبّرُونَ».
وقيل: إن هذه الاَية نزلت من أجل يهودي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة الرب. ذكر من قال ذلك:
23283ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, قال: ثني ابن إسحاق, عن محمد, عن سعيد, قال: أتى رهط من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا: يا محمد, هذا الله خلق الخلق, فمن خلقه؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتُقِع لونه, ثم ساورهم غضبا لربه فجاءه جبريل فسكنه, وقال: اخفض عليك جناحك يا محمد, وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه, قال: يقول الله تبارك وتعالى: قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ اللّهُ الصّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أحَدٌ فلما تلاها عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا: صف لنا ربك كيف خلقه, وكيف عضده, وكيف ذراعه؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول, ثم ساورهم, فأتاه جبريل فقال مثل مقالته, وأتاه بجواب ما سألوه عنه وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسّمَوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد, قال: تكلمت اليهود في صفة الربّ, فقال ما لم يعلموا ولم يروا, فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ ثم بيّن للناس عظمته فقال: والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسّمَوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ, فجعل صفتهم التي وصفوا الله بها شركا.
وقال بعض أهل العربية من أهل البصرة والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسّمَوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ يقول في قدرته نحو قوله: وَما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ: أي وما كانت لكم عليه قدرة وليس الملك لليمين دون سائر الجسد, قال: وقوله قَبْضَتُهُ نحو قولك للرجل: هذا في يدك وفي قبضتك. والأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وغيرهم, تشهد على بطول هذا القول.
23284ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا هارون بن المغيرة, عن عنبسة, عن حبيب بن أبي عمرة, عن مجاهد, عن ابن عباس, عن عائشة, قالت: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم, عن قوله والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ فأين الناس يومئذ؟ قال: «عَلى الصّراطِ».
وقوله سبحانه وتعالى: عَمّا يُشْرِكُونَ يقول تعالى ذكره تنزيها وتبرئة لله, وعلوّا وارتفاعا عما يشرك به هؤلاء المشركون من قومك يا محمد, القائلون لك: اعبد الأوثان من دون الله, واسجد لألهتنا