تفسير الطبري تفسير الصفحة 547 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 547
548
546
 الآية : 10
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {وَالّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاّ لّلّذِينَ آمَنُواْ رَبّنَآ إِنّكَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ }.
يقول تعالى ذكره: والذين جاءوا من بعد الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأوّلين يَقُولُونَ رَبّنا اغْفِرْ لَنا ولإِخْوَانِنا الّذِينَ سَبَقُونا بالإيمَان مِنَ الأنصار. وعنى بالذين جاءوا من بعدهم المهاجرون أنهم يستغفرون لإخوانهم من الأنصار.
وقوله: وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غَلاّ للّذِينَ آمَنُوا يعني غمرا وضغنا. وقيل: عني بالذين جاءوا من بعدهم: الذين أسلموا من بعد الذين تبوّءوا الدار. ذكر من قال ذلك:
26207ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: والّذِينَ جاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ قال: الذين أسلموا نعتوا أيضا.
26208ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: ثم ذكر الله الطائفة الثالثة, فقال: والّذِينَ جاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنا اغْفِرْ لَنا وَلإخْوَانِنا حتى بلغ إنّكَ رَحِيمٌ إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يؤمروا بسببهم.
وذُكر لنا أن غلاما لحاطب بن أبي بلتعة جاء نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبيّ الله ليدخلنّ حاطب في حيّ النار, قال: «كذبت إنه شهد بدرا والحُديبية» وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أغلظ لرجل من أهل بدر, فقال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: «وَما يُدْريكَ يا عُمَرُ لَعَلّهُ قَدْ شَهِدَ مَشْهَدا اطّلَعَ اللّهُ فِيهِ إلى أهْلِهِ, فأشْهَدَ مَلائِكَتَهُ إنُي قَدْ رَضِيتُ عَنْ عِبادي هَؤلاء, فَلْيَعْلَمُوا ما شاءُوا» فما زال بعضُنا منقبضا من أهل بدر, هائبا لهم, وكان عمر رضي الله عنه يقول: وإلى أهل بدر تهالك المتهالكون, وهذا الحيّ من الأنصار, أحسن الله عليهم الثناء.
26209ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غلاّ لِلّذِينَ آمَنُوا قال: لا تورث قلوبنا غلاً لأحد من أهل دينك.
26210ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفيان, عن قيس بن مسلم, عن ابن أبي ليلى, قال: كان الناس على ثلاث منازل: المهاجرون الأوّلون وَالّذِينَ اتّبَعُوهُمْ بإحْسانٍ وَالّذِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوَانِنا الّذِينَ سَبَقُونا بالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاّ لِلّذِينَ آمَنُوا رَبّنا إنّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ يقول جلّ ثناؤه مخبرا عن قيل الذين جاءوا من بعد الذين تبوّءوا الدار والإيمان أنهم قالوا: لا تجعل في قلوبنا غلاً لأحد من أهل الإيمان بك يا ربنا.
قوله: إنّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ يقول: إنك ذو رأفة بخلقك, وذو رحمة بمن تاب واستغفر من ذنوبه.
الآية : 11
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنّكُمْ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ }.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد, فترى إلى الذين نافقوا وهم فيما ذُكر عبد الله بن أبيّ ابن سلول, ووديعة, ومالك ابنا نوفل وسُوَيد وداعس بَعَثوا إلى بني النضير حين نزل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للحرب أن اثبتُوا وتمنّعوا, فإنا لن نسلمكم, وإن قوتلتم قاتلنا معكم, وإن خرجتم, خرجنا معكم, فتربصوا لذلك من نصرهم, فلم يفعلوا, وقذف الله في قلوبهم الرعب, فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم, ويكفّ عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة.
26211ـ حدثنا بذلك ابن حُمَيد, قال: حدثنا سلمة, قال: حدثنا محمد بن إسحاق, عن يزيد بن رُومان.
وقال مجاهد في ذلك ما:
26212ـ حدثني به محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ نافَقُوا قال: عبد الله بن أُبيّ ابن سلول, ورفاعة أو رافعة بن تابوت. وقال الحارث: رفاعة بن تابوت, ولم يشكّ فيه, وعبد الله بن نَبْتل, وأوس بن قَيْظِيّ.
26213ـ حدثنا ابن حُمَيد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جُبَير, عن ابن عباس, قوله ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ نافَقُوا يعني عبد الله بن أُبيّ ابن سلول وأصحابه, ومن كان منهم على مثل أمرهم.
وقوله: يَقُولُون لإخْوَانِهِمُ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الكِتابِ يعني بني النضير, كما:
26214ـ حدثنا ابن حُمَيد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جُبَير, عن ابن عباس يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الكِتابِ يعني: بني النضير.
وقوله: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنّ مَعَكُمْ يقول: لئن أخرجتم من دياركم ومنازلكم, وأُجْليتم عنها لنخرُجَنّ معكم, فنُجلى عن منازلنا وديارنا معكم.
وقوله: وَلا نُطِيعُ فِيُكُمْ أحَدا أبَدا يقول: ولا نطيع أحدا سألنا خذلانكم, وترك نصرتكم, ولكنا نكون معكم وَلَئِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنّكُمْ يقول: وإن قاتلكم محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه لننصرنّكم معشرَ النضير عليهم.
وقوله: واللّهُ يَشْهَدُ إنّهُمْ لَكاذِبُونَ يقول: والله يشهد إن هؤلاء المنافقين الذين وعدوا بني النضير النصرة على محمد صلى الله عليه وسلم لَكَاذِبُونَ في وعدهم إياهم مَا وَعَدُوهم من ذلك.
الآية : 12
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نّصَرُوهُمْ لَيُوَلّنّ الأدْبَارَ ثُمّ لاَ يُنصَرُونَ }.
يقول تعالى ذكره: لئن أُخرج بنو النضير من ديارهم, فأَجْلوا عنها لا يخرج معهم المنافقون الذين وعدوهم الخروج من ديارهم, ولئن قاتلهم محمد صلى الله عليه وسلم لا ينصرهم المنافقون الذين وعدوهم النصر, ولئن نصر المنافقون بني النضير ليولّنّ الأدبار منهزمين عن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه هاربين منهم, قد خذلوهم ثُمّ لا يُنْصَرُونَ يقول: ثم لا ينصر الله بني النضير على محمد صلى الله عليه وسلم, وأصحابه بل يخذلهم.
الآية : 13-14
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {لأنتُمْ أَشَدّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مّنَ اللّهِ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَفْقَهُونَ * لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاّ فِي قُرًى مّحَصّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّىَ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَعْقِلُونَ }.
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأنتم أيها المؤمنون أشدّ رهبة في صدور اليهود من بني النضير من الله: يقول: هم يرهبونهم أشدّ من رهبتهم من الله ذَلكَ بأنّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ يقول تعالى ذكره: هذه الرهبة التي لكم في صدور هؤلاء اليهود التي هي أشد من رهبتهم من الله من أجل أنهم قوم لا يفقهون, قدر عظمة الله, فهم لذلك يستخفّون بمعاصيه, ولا يرهبون عقابه قدر رهبته منكم.
وقوله: لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعا إلاّ فِي قُرًى مُحَصّنَةٍ يقول جلّ ثناؤه: لا يقاتلكم هؤلاء اليهود بني النضير مجتمعين إلا في قرى محصنة بالحصون, لا يبرزون لكم بالبراز, أوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ يقول: أو من خلف حيطان.
واختلف القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الكوفة والمدينة أوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ على الجماع بمعنى الحيطان. وقرأه بعض قرّاء مكة والبصرة: «مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ» على التوحيد بمعنى الحائط.
والصواب من القول عندي في ذلك أنهما قراءاتان معروفتان صحيحتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.
وقوله: بأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ يقول جلّ ثناؤه: عداوة بعض هؤلاء الكفار من اليهود بعضا شديدة تَحْسَبُهُمْ جَمِيعا يعني المنافقين وأهل الكتاب, يقول: تظنهم مؤتلفين مجتمعة كلمتهم, وَقُلُوبُهُمْ شَتّى يقول: وقلوبهم مختلفة لمعاداة بعضهم بعضا.
وقوله: ذَلِكَ بأنّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ يقول جلّ ثناؤه: هذا الذي وصفت لكم من أمر هؤلاء اليهود والمنافقين, وذلك تشتيت أهوائهم, ومعاداة بعضهم بعضا من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظّ لهم مما فيه عليهم البخس والنقص. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
26215ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعا إلاّ فِي قُرًى مُحَصّنَةٍ أوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعا وَقُلُوبُهُمْ شَتّى ذَلكَ بأنّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ قال: تجد أهل الباطل مختلفة شهادتهم, مختلفة أهواؤهم, مختلفة أعمالهم, وهم مجتمعون في عداوة أهل الحقّ.
26216ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعا وَقُلُوبُهُمْ شَتّى قال: المنافقون يخالف دينهم دين النضير.
26217ـ حدثنا ابن حُمَيد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد تَحْسَبُهُمْ جَمِيعا وَقُلُوبُهُمْ شَتّى قال: هم المنافقون وأهل الكتاب.
26218ـ قال: ثنا مهران, عن سفيان, مثل ذلك.
حدثنا ابن حُمَيد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن خصيف, عن مجاهد تَحْسَبُهُمْ جَمِيعا وَقُلُوبُهُمْ شَتّى قال: المشركون وأهل الكتاب.
وذُكر أنها في قراءة عبد الله: وَقُلُوبُهُمْ أشَتّ» بمعنى: أشدّ تشتتا: أي أشدّ اختلافا.
الآية : 15-16
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {كَمَثَلِ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيَءٌ مّنكَ إِنّيَ أَخَافُ اللّهَ رَبّ الْعَالَمِينَ }.
يقول تعالى ذكره: مثل هؤلاء اليهود من بني النضير والمنافقين فيما الله صانع بهم من إحلال عقوبته بهم كَمَثلِ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يقول: كشبههم.
واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بالذين من قبلهم, فقال بعضم: عني بذلك بنو قَيْنُقاع. ذكر من قال ذلك:
26219ـ حدثنا ابن حُمَيد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة أو سعيد بن جُبَير, عن ابن عباس, قوله كَمَثَلِ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبا ذَاقُوا وَبالَ أمْرِهِمْ وَلهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ يعني بني قَيْنُقاع.
وقال آخرون: عُني بذلك مشركو قريش ببدر. ذكر من قال ذلك:
26220ـ حدثني محمد بن عمر, قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: كَمَثَلِ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبا ذَاقُوا وَبالَ أمْرِهِمْ قال: كفار قريش.
وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: إن الله عزّ وجلّ مثل هؤلاء الكفار من أهل الكتاب مما هو مذيقهم من نكاله بالذين من قبلهم من مكذّبي رسوله صلى الله عليه وسلم, الذين أهلكهم بسخطه, وأمر بني قينقاعٍ ووقعة بدر, كانا قبل جلاء بني النضير, وكلّ أولئك قد ذاقوا وبال أمرهم, ولم يخصص الله عزّ وجلّ منهم بعضا في تمثيل هؤلاء بهم دون بعض, وكلّ ذائق وبال أمره, فمن قربت مدته منهم قبلهم, فهم ممثلون بهم فيما عُنُوا به من المثل.
وقوله: ذَاقُو وَبالَ أمْرِهِمْ يقول: نالهم عقاب الله على كفرهم به.
وقوله: وَلهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ يقول: ولهم في الاَخرة مع ما نالهم في الدنيا من الخزي عذاب أليم, يعني: موجع.
وقوله: كَمَثلِ الشّيْطانِ إذْ قالَ للإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قال إنّي بَرِيءٌ مِنْكَ إنّي أخافُ اللّهَ رَبّ العَالمِينَ يقول تعالى ذكره: مثل هؤلاء المنافقين الذين وعدوا اليهود من النضيرة النضرة, إن قوتلوا, أو الخروج معهم إن أُخرجوا, ومثل النضير في غرورهم إياهم بإخلافهم الوعد, وإسلامهم إياهم عند شدّة حاجتهم إليهم, وإلى نُصرتهم إياهم, كمثل الشيطان الذي غرّ إنْسانا, ووعده على اتباعه وكفره بالله, النصرة عند الحاجة إليه, فكفر بالله واتبعه وأطاعه, فلما احتاج إلى نُصرته أسلمه وتبرأ منه, وقال له: إني أخاف الله ربّ العالمين في نُصرتك.
وقد اختلف أهل التأويل في الإنسان الذي قال الله جلّ ثناؤه إذْ قالَ للإنْسانِ اكْفُرْ هو إنسان بعينه, أم أريد به المثل لمن فعل الشيطان ذلك به, فقال بعضهم: عُنِي بذلك إنسان بعينه. ذكر من قال ذلك:
26221ـ حدثنا خلاد بن أسلم, قال: حدثنا النضر بن شميل, قال: أخبرنا شعبة, عن أبي إسحاق, قال: سمعت عبد الله بن نهيك, قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: إن راهبا تعبّد ستين سنة, وإن الشيطان أرداه فأعياه, فعمد إلى امرأة فأجنها, ولها إخوة, فقال لإخوتها: عليكم بهذا القسّ فيداويها, فجاءوا بها, قال: فداواها, وكانت عنده, فبينما هو يوما عندها إذ أعجبته, فأتاها فحملت, فعمد إليها فقتلها, فجاء إخوتها, فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك, إنك أعييتني, أنا صنعت بك هذا فأطعني أنجك مما صنعتُ بك, اسجد لي سجدة, فسجد له فلما سجد له قال: إني بريء منك إني أخاف الله ربّ العالمين فذلك قوله: كمَثَلِ الشّيْطَانِ إذْ قالَ للإنْسانِ اكُفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنّي بَرِيءٌ مِنْكَ إنّي أخافُ اللّهَ رَبّ العالَمِينَ.
26222ـ حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي, قال: حدثنا أبي, عن أبيه, عن جده, عن الأعمش, عن عمارة, عن عبد الرحمن بن زيد, عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية كمَثَلِ الشّيْطَانِ إذْ قالَ للإنْسانِ اكُفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنّي بَرِيءٌ مِنْكَ إنّي أخافُ اللّهَ رَبّ العالَمِينَ قال: كانت امرأة ترعى الغنم, وكان لها أربعة إخوة, وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب, قال: فنزل الراهب ففجر بها, فحملت, فأتاه الشيطان, فقال له اقتلها ثم ادفعها, فإنك رجل مصدّق يسمع كلامك, فقتلها ثم دفنها قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام, فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم فلما أحبلها قتلها, ثم دفنها في مكان كذا وكذا, فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا وما أدري أقصها عليكم أم أترك؟ قالوا: لا, بل قُصّها علينا قال: فقصها, فقال الاَخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك قالوا: فما هذا إلا لشيء, فانطلقوا فاستعدَوْا مَلِكَهُم على ذلك الراهب, فأتَوه فأنزلوه, ثم انطلقوا به, فلقيه الشيطان فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وأنا أنجيك مما أوقعتك فيه قال: فسجد له فلما أَتَوا به ملكَهم تبرأ منه, وأُخِذ فقتل.
26223ـ حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: كمَثَلِ الشّيْطَانِ إذْ قالَ للإنْسانِ اكُفُرْ... إلى وَذَلكَ جزاءُ الظّالِمِينَ قال عبد الله بن عباس: كان راهب من بني إسرائيل يعبد الله فيحسن عبادته, وكان يُؤتى من كلّ أرض فيُسئل عن الفقه, وكان عالما, وإن ثلاثة إخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن الناس, وإنهم أرادوا أن يسافروا, فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة, فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها فقال أحدهم: أدلكم على من تتركونها عنده؟ قالوا: من هو؟ قال: راهب بني إسرائيل, إن ماتت قام عليها. وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليه فعمدوا إليه فقالوا: إنا نريد السفر, ولا نجد أحدا أوثق في أنفسنا, ولا أحفظ لما وُلّيَ منك لما جعل عندك, فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك فإنها ضائعة شديدة الوجع, فإن ماتت فقم عليها, وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع, فقال: أكفيكم إن شاء الله فانطلقوا فقام عليها فداواها حتى بَرَأت, وعاد إليها حسنها, فاطلع إليها فوجدها متصنعة, فلم يزل به الشيطان يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها, فحملت, ثم ندمه الشيطان فزين له قتلها قال: إن لم تقتلها افتضحت وعرف شبهك في الولد, فلم يكن لك معذرة, فلم يزل به حتى قتلها, فلما قدم إخوتها سألوه ما فعلت؟ قال: ماتت فدفنتها, قالوا: قد أحسنت, ثم جعلوا يرون في المنام, ويخبرون أن الراهب هو قتلها, وأنها تحت شجرة كذا وكذا, فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت, فعمدوا إليه فأخذوه, فقال له الشيطان: أنا زيّنت لك الزنا وقتلها بعد الزنا, فهل لك أن أنجيك؟ قال: نعم, قال: أفتطيعني؟ قال: نعم قال: فاسجد لي سجدة واحدة, فسجد له ثم قتل, فذلك قوله كمَثَلِ الشّيْطَانِ إذْ قالَ للإنْسانِ اكُفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنّي بَرِيءٌ مِنْكَ الآية.
26224ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه قال: كان رجل من بني إسرائيل عابدا, وكان ربما داوى المجانين, فكانت امرأة جميلة, فأخذها الجنون, فجيء بها إليه, فتركت عنده, فأعجبته, فوقع عليها فحملت, فجاءه الشيطان فقال: إن عُلم بهذا افتضحت, فاقتلها وادفنها في بيتك, فقتلها ودفنها, فجاء أهلها بعد ذلك بزمان يسألونه, فقال: ماتت, فلم يتهموه لصلاحه فيهم, فجاءهم الشيطان فقال: إنها لم تمت, ولكنه وقع عليها فقتلها ودفنها في بيته في مكان كذا وكذا, فجاء أهلها, فقالوا: ما نتهمك, فأخبرنا أين دفنتها, ومن كان معك, فوجدوها حيث دفنها, فأُخذ وسُجن, فجاءه الشيطان فقال: إن كنت تريد أن أخرجك مما أنت فيه فتخرج منه, فاكفر بالله, فأطاع الشيطان, وكفر بالله, فأُخذ وقتل, فتبرأ الشيطان منه حينئذ. قال: فما أعلم هذه الآية إلا نزلت فيه كمَثَلِ الشّيْطَانِ إذْ قالَ للإنْسانِ اكُفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنّي بَرِيءٌ مِنْكَ إنّي أخافُ اللّهَ رَبّ العالَمِينَ.
وقال آخرون: بل عُنِي بذلك الناس كلهم, وقالوا: إنما هذا مثل ضُرِب للنضير في غرور المنافقين إياهم. ذكر من قال ذلك:
26225ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد كَمَثَلِ الشّيْطَانِ إذْ قالَ للإنْسانِ اكْفُرُ عامّة الناس