تفسير الطبري تفسير الصفحة 70 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 70
071
069
 الآية : 154
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ثُمّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الْغَمّ أَمَنَةً نّعَاساً يَغْشَىَ طَآئِفَةً مّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ يَقُولُونَ هَل لّنَا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنّ الأمْرَ كُلّهُ للّهِ يُخْفُونَ فِيَ أَنْفُسِهِم مّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىَ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ }
يعنـي بذلك جل ثناؤه: ثم أنزل الله أيها الـمؤمنون من بعد الغمّ الذي أثابكم ربكم بعد غمّ تقدمه قبله أمنة, وهي الأمان علـى أهل الإخلاص منكم والـيقـين, دون أهل النفـاق والشك. ثم بـين جلّ ثناؤه عن الأمنة التـي أنزلها علـيهم ما هي؟ فقال: نعاسا, بنصب النعاس علـى الإبدال من الأمنة.
ثم اختلفت القراء فـي قراءة قوله: {يَغْشَى} فقرأ ذلك عامة قراء الـحجاز والـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين بـالتذكير بـالـياء: {يَغْشَى}. وقرأ جماعة من قراء الكوفـيـين بـالتأنـيث: {تَغْشَى} بـالتاء. وذهب الذين قرءوا ذلك بـالتذكير إلـى أن النعاس هو الذي يغشى الطائفة من الـمؤمنـين دون الأمنة, فذكره بتذكير النعاس. وذهب الذين قرءوا ذلك بـالتأنـيث إلـى أن الأمنة هي التـي تغشاهم, فأنثوه لتأنـيث الأمنة.
والصواب من القول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان مستفـيضتان فـي قراء الأمصار غير مختلفتـين فـي معنى ولا غيره, لأن الأمنة فـي هذا الـموضع هي النعاس, والنعاس: هو الأمنة. وسواء ذلك, وبأيتهما قرأ القارىء فهو مصيب الـحقّ فـي قراءته, وكذلك جميع ما فـي القرآن من نظائره من نـحو قوله: {إنّ شَجَرَةَ الزّقُومِ طعَامُ الأثِـيـمِ كالـمُهْلِ تَغْلـي فـي البُطُونِ} و {ألَـمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ منّـي تُـمْنَى} {وَهُزّي إلَـيْكِ بِجذْعِ النّـخْـلَةِ تُسَاقِطْ}.
فإن قال قائل: وما كان السبب الذي من أجله افترقت الطائفتان اللتان ذكرهما الله عزّ وجلّ فـيـما افترقتا فـيه من صفتهما, فآمنت إحداهما بنفسها حتـى نعست, وأهمت الأخرى نفسها حتـى ظنت بـالله غير الـحقّ ظنّ الـجاهلـية؟ قـيـل: كان سبب ذلك فـيـما ذكر لنا, كما:
6541ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: أن الـمشركين انصرفوا يوم أُحُد بعد الذي كان من أمرهم وأمر الـمسلـمين, فواعدوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم بدرا من قابل, فقال لهم: «نعم» فتـخوّف الـمسلـمون أن ينزلوا الـمدينة, فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً, فقال: «انْظُر فإنْ رأيتهم قَعدُوا علـى أثْقَالهم وجَنَبُوا خُيُولَهُمْ, فإنّ القَوْمَ ذَاهِبُونَ, وإنْ رأيْتُهمْ قد قعدوا علـى خيولهم وجَنَبُوا علـى أثقالهم, فإنّ القَوْم يَنْزِلُونَ الـمَدِينَةَ, فـاتّقُوا الله واصْبِرُوا!» ووطنهم علـى القتال¹ فلـما أبصرهم الرسول تعدوا علـى الأثقال سراعا عجالاً, نادى بأعلـى صوته بذهابهم¹ فلـما رأى الـمؤمنون ذلك صدّقوا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم, فناموا, وبقـي أناس من الـمنافقـين يظنون أن القوم يأتونهم, فقال الله جلّ وعزّ يذكر حين أخبرهم النبـي صلى الله عليه وسلم إن كانوا ركبوا الأثقال فإنهم منطلقون فناموا: {ثُمّ أنْزَلَ عَلَـيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمنَةً نُعاسا يَغْشَى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ويَظُنّونَ بـاللّهِ غيرِ الـحَقّ ظَنّ الـجاهِلِـيّة}.
6542ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس: أمنهم يومئذ بنعاس غشاهم, وإنـما ينعس من يأمن¹ {يَغْشَى طائِفَةً مِنْكُمْ وطَائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أنْفُسُهُم يَظُنّونَ بـاللّهِ غير ظَنّ الـجاهِلِـيّةِ}.
6543ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا ابن أبـي عديّ, عن حميد, عن أنس بن مالك, عن أبـي طلـحة, قال: كنت فـيـمن أنزل علـيه النعاس يوم أُحد أمنة, حتـى سقط من يدي مرارا.
قال أبو جعفر: يعنـي: سوطه, أو سيفه.
حدثنا عمرو بن علـيّ, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: حدثنا حماد بن سلـمة, عن ثابت, عن أنس, عن أبـي طلـحة, قال: رفعت رأسي يوم أُحد, فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلا تـحت حجفته يـميد من النعاس.
حدثنا ابن بشار وابن الـمثنى, قالا: حدثنا أبو داود, قال: حدثنا عمران, عن قتادة, عن أنس, عن أبـي طلـحة قال: كنت فـيـمن صبّ علـيه النعاس يوم أُحد.
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: حدثنا أنس بن مالك, عن أبـي طلـحة: أنه كان يومئذٍ مـمن غشيه النعاس, قال: كان السيف يسقط من يدي ثم آخذه من النعاس.
6544ـ حُدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: ذكر لنا والله أعلـم عن أنس أن أبـا طلـحة حدثهم أنه كان يومئذٍ مـمن غشيه النعاس, قال: فجعل سيفـي يسقط من يدي وآخذه, ويسقط وآخذه ويسقط, والطائفة الأخرى: الـمنافقون, لـيس لهم همة إلا أنفسهم {يَظُنونَ بـاللّهِ غيرَ الـحَقّ ظَنّ الـجاهِلِـيّةِ}... الاَية كلها.
6545ـ حدثنا أحمد بن الـحسن الترمذي, قال: حدثنا ضرار بن صرد, قال: حدثنا عبد العزيز بن مـحمد, عن مـحمد بن عبد العزيز, عن الزهري, عن عبد الرحمن بن الـمسور بن مخرمة, عن أبـيه قال: سألت عبد الرحمن بن عوف عن قول الله عزّ وجلّ: {ثُمّ أنْزَلَ عَلَـيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمَنَةً نُعاس} قال: ألقـي علـينا النوم يوم أُحد.
6546ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: {ثُمّ أنْزَلَ عَلَـيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمَنَةً نُعاس}... الاَية, وذاكم يوم أُحد, كانوا يومئذٍ فريقـين¹ فأما الـمؤمنون فغشاهم الله النعاس أمنة منه ورحمة.
6547ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس, نـحوه.
حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, قوله: {أمَنَةً نُعاس} قال: ألقـي علـيهم النعاس, فكان ذلك أمنة لهم.
6548ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفـيان, عن عاصم, عن أبـي رزين, قال: قال عبد الله: النعاس فـي القتال أمنة, والنعاس فـي الصلاة من الشيطان.
6549ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق: {ثُمّ أنْزَلَ عَلَـيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمَنَةً نُعاس} قال: أنزل النعاس أمنة منه علـى أهل الـيقـين به, فهم نـيام لا يخافون.
6550ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, فـي قوله: {أمَنَةً نُعاس} قال: ألقـى الله علـيهم النعاس, فكان أمنة لهم. وذكر أن أبـا طلـحة قال: ألقـي علـيّ النعاس يومئذٍ, فكنت أنعس حتـى يسقط سيفـي من يدي.
6551ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا إسحاق بن إدريس, قال: حدثنا حماد بن سلـمة, قال: أخبرنا ثابت, عن أنس بن مالك, عن أبـي طلـحة, وهشام بن عروة بن الزبـير أنهما قالا: لقد رفعنا رءوسنا يوم أُحد, فجعلنا ننظر, فما منهم من أحد إلا وهو يـميـل بجنب حجفته قال: وتلا هذه الاَية: {ثُمّ أنْزَلَ عَلَـيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمّ أمَنَةً نُعاس}.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أنْفُسُهُمْ يَظُنّونَ بـاللّهِ غيرَ الـحَقّ ظَن الـجاهِلِـيّة}.
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وطائفة منكم أيها الـمؤمنون قد أهمتهم أنفسهم, يقول: هم الـمنافقون لا همّ لهم غير أنفسهم, فهم من حذر القتل علـى أنفسهم, وخوف الـمنـية علـيها فـي شغل, قد طار عن أعينهم الكرى, يظنون بـالله الظنون الكاذبة, ظنّ الـجاهلـية من أهل الشرك بـالله, شكا فـي أمر الله, وتكذيبـا لنبـيه صلى الله عليه وسلم, وَمَـحْسَبَةً منهم أن الله خاذل نبـيه, ومعل علـيه أهل الكفر به, يقولون: هل لنا من الأمر شيء. كالذي:
6552ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: والطائفة الأخرى: الـمنافقون, لـيس لهم همّ إلا أنفسهم, أجبن قوم وأرعبه, وأخذله للـحقّ, يظنون بـالله غير الـحقّ ظنونا كاذبة, إنـما هم أهل شكّ وريبة فـي أمر الله, يقولون: {لَوْ كانَ لنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هَهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُـمْ فِـي بُـيُوتِكُمْ لَبرزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَـيْهِمْ القَتْلُ إلـى مَضَاجِعِهِم}.
6553ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, قال: والطائفة الأخرى: الـمنافقون لـيس لهم همة إلا أنفسهم, يظنون بـالله غير الـحقّ ظنّ الـجاهلـية, يقولون: {لَوْ كانَ لنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هَهُن} قال الله عزّ وجلّ: {قُلْ لَوْ كُنْتُـمْ فِـي بُـيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَـيْهِمُ القَتْلُ إلـى مَضَاجِعِهِمْ}... الاَية.
6554ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق: {وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أنْفُسُهُمْ} قال: أهل النفـاق قد أهمتهم أنفسهم تـخوّف القتل, وذلك أنهم لا يرجون عاقبة.
6555ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمّتْهُمْ أنْفسُهُمْ} إلـى آخر الاَية, قال: هؤلاء الـمنافقون.
وأما قوله: {ظَنّ الـجاهِلِـيّةِ} فإنه يعنـي أهل الشرك. كالذي:
6556ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: {ظَنّ الـجاهِلِـيّة} قال: ظنّ أهل الشرك.
6557ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, قوله: {ظَنّ الـجاهِلِـيّة} قال: ظنّ أهل الشرك.
وفـي رفع قوله: {وَطائِفَةٌ} وجهان: أحدهما أن تكون مرفوعة بـالعائد من ذكرها فـي قوله: {قَدْ أهَمّتْهُمْ}, والاَخر بقوله: {يَظُنّونَ بـاللّهِ غيرَ الـحَقّ} ولو كانت منصوبة كان جائزا, وكانت الواو فـي قوله: {وَطائفَةٌ} ظرفـا للفعل, بـمعنى: وأهمت طائفة أنفسهم, كما قال: {وَالسّماءَ بَنَـيْناها بأيْدٍ}.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يَقُولُونَ هَلْ لنَا مِنَ الأمْرِ مِن شَيّءٍ قُلْ إنّ الأمْرَ كُلّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فـي أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ, يَقُولُونَ لَوْ كانَ لنَا مِنَ الأمْرِ شَيّءٌ ما قُتِلْنَا هَهُن}:
يعنـي بذلك: الطائفة الـمنافقة التـي قد أهمتهم أنفسهم, يقولون: لـيس لنا من الأمر من شيء, قل إن الأمر كله لله, ولو كان لنا من الأمر شيء ما خرجنا لقتال من قاتلنا فقتلونا. كما:
6558ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قـيـل لعبد الله بن أبـيّ: قتل بنو الـخزرج الـيوم! قال: وهل لنا من الأمر من شيء؟ قل إن الأمر كله لله.
وهذا أمر مبتدأ من الله عزّ وجلّ, يقول لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمنافقـين إن الأمر كله لله, يصرفه كيف يشاء ويدبره كيف يحبّ, ثم عاد إلـى الـخبر عن ذكر نفـاق الـمنافقـين, فقال: {يُخْفُونَ فـي أنْفُسِهُمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ} يقول: يخفـي يا مـحمد هؤلاء الـمنافقون الذين وصفت لك صفتهم فـي أنفسهم من الكفر والشكّ فـي الله ما لا يبدون لك, ثم أظهر نبـيه صلى الله عليه وسلم علـى ما كانوا يخفونه بـينهم من نفـاقهم, والـحسرة التـي أصابتهم علـى حضورهم مع الـمسلـمين مشهدهم بأحد, فقال مخبرا عن قـيـلهم الكفر, وإعلانهم النفـاق بـينهم, يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا, يعنـي بذلك أن هؤلاء الـمنافقـين يقولون: لو كان الـخروج إلـى حرب من خرجنا لـحربه من الـمشركين إلـينا, ما خرجنا إلـيهم, ولا قتل منا أحد فـي الـموضع الذي قُتلوا فـيه بـأُحد. وذكر أن مـمن قال هذا القول معتب بن قشير أخو بنـي عمرو بن عوف. ذكر الـخبر بذلك:
6559ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: قال ابن إسحاق: ثنـي يحيـى بن عبـاد بن عبد الله بن الزبـير عن أبـيه, عن عبد الله بن الزبـير, عن الزبـير, قال: والله إنـي لأسمع قول معتب بن قشير أخي بنـي عمرو بن عوف, والنعاس يغشانـي ما أسمعه إلا كالـحلـم حين قال: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.
حدثنـي سعيد بن يحيـى بن الأموي, قال: ثنـي أبـي, عن ابن إسحاق, قال: ثنـي يحيـى بن عبـاد بن عبد الله بن الزبـير, عن أبـيه, عن عبد الله بن الزبـير, عن أبـيه, بـمثله.
واختلفت القراء فـي قراءة ذلك, فقرأته عامة قراء الـحجاز والعراق: {قُلْ إنّ الأمْرَ كُلّهُ} بنصب الكلّ علـى وجه النعت للأمر والصفة له. وقرأه بعض قراء أهل البصرة: {قُلْ إنّ الأمْرُ كُلّهُ لِلّهِ} برفع الكلّ علـى توجيه الكلّ إلـى أنه اسم, وقوله «لله» خبره, كقول القائل: إن الأمر بعضه لعبد الله. وقد يجوز أن يكون الكلّ فـي قراءة من قرأه بـالنصب منصوبـا علـى البدل. والقراءة التـي هي القراءة عندنا النصب فـي الكلّ لإجماع أكثر القراء علـيه, من غير أن تكون القراءة الأخرى خطأ فـي معنى أو عربـية. ولو كانت القراءة بـالرفع فـي ذلك مستفـيضة فـي القراء, لكانت سواء عندي القراءة بأيّ ذلك قرىء لاتفـاق معانـي ذلك بأي وجهيه قرىء.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ لَوْ كُنْتُـمْ فِـي بُـيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَـيْهِمُ القَتْلُ إلـى مَضَاجِعِهِمْ وَلِـيَبْتَلِـيَ اللّهُ ما فِـي صُدُورِكُمُ وَلِـيُـمَـحّصَ ما فِـي قُلُوبِكُمُ وَاللّهُ عَلِـيـمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ}:
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: قل يا مـحمد للذين وصفت لك صفتهم من الـمنافقـين: لو كنتـم فـي بـيوتكم لـم تشهدوا مع الـمؤمنـين مشهدهم, ولـم تـحضروا معهم حرب أعدائهم من الـمشركين, فـيظهر للـمؤمنـين ما كنتـم تـخفونه من نفـاقكم, وتكتـمونه من شرككم فـي دينكم, لبرز الذين كتب علـيهم القتل, يقول: لظهر للـموضع الذي كتب علـيه مصرعه فـيه من قد كتب علـيه القتل منهم, ويخرج من بـيته إلـيه, حتـى يصرع فـي الـموضع الذي كتب علـيه أن يصرع فـيه.
وأما قوله: {وَلِـيَبْتَلِـيَ اللّهُ ما فِـي صُدُورِكُمْ}: فإنه يعنـي به: ولـيبتلـي الله ما فـي صدوركم أيها الـمنافقون كنتـم تبرزون من بـيوتكم إلـى مضاجعكم. ويعنـي بقوله: {وَلِـيَبْتَلِـيَ اللّهُ ما فِـي صُدُورِكُم}: ولـيختبر الله الذي فـي صدوركم من الشكّ, فـيـميزكم بـما يظهره للـمؤمنـين من نفـاقكم من الـمؤمنـين.
وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن معانـي نظائر قوله: {لِـيَبْتَلَـيَ اللّهُ} {ولِـيَعْلَـمَ اللّهُ} وما أشبه ذلك, وإن كان فـي ظاهر الكلام مضافـا إلـى الله الوصف به, فمراد به أولـياؤه وأهل طاعته¹ وأن معنى ذلك: ولـيختبر أولـياء الله, وأهل طاعته, الذي فـي صدوركم من الشكّ والـمرض, فـيعرفوكم من أهل الإخلاص والـيقـين. {ولِـيُـمَـحّصَ ما فـي قُلُوبِكُمْ} يقول: ولـيتبـينوا ما فـي قلوبكم من الاعتقاد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللـمؤمنـين من العداوة أو الولاية. {وَاللّهُ عَلِـيـمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ} يقول: والله ذو علـم بـالذي فـي صدور خـلقه من خير وشرّ وإيـمان وكفر, لا يخفـى علـيه شيء من أمورهم, سرائرها وعلانـيتها, وهو لـجميع ذلك حافظ, حتـى يجازي جميعم جزاءهم علـى قدر استـحقاقهم.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك كان ابن إسحاق يقول.
6560ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة. عن ابن إسحاق, قال: ذكر الله تلاومهم, يعنـي: تلاوم الـمنافقـين وحسرتهم علـى ما أصابهم. ثم قال لنبـيه صلى الله عليه وسلم: قل لو كنتـم فـي بـيوتكم لـم تـحضروا هذا الـموضع الذي أظهر الله جلّ ثناؤه فـيه منكم ما أظهر من سرائركم, لأخرج الذي كتب علـيهم القتل إلـى موطن غيره يصرعون فـيه, حتـى يبتلـي به ما فـي صدوركم¹ ولـيـمـحص ما فـي قلوبكم, والله علـيـم بذات الصدور, أي لا يخفـي علـيه شيء مـما فـي صدورهم مـما استـخفوا به منكم.
6561ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا الـحرث بن مسلـم, عن بحر السقاء, عن عمرو بن عبـيد, عن الـحسن, قال: سئل عن قوله: {قُلْ لَوْ كَنْتُـمْ فِـي بُـيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلـيْهمْ القَتْلُ إلـى مَضَاجِعَهُمْ} قال: كتب الله علـى الـمؤمنـين أن يقاتلوا فـي سبـيـله, ولـيس كل من يقاتل يقتل, ولكن يقتل من كتب الله علـيه القتل.
الآية : 155
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إِنّ الّذِينَ تَوَلّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنّمَا اسْتَزَلّهُمُ الشّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ }
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: إن الذين ولوا عن الـمشركين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد وانهزموا عنهم, وقوله: {تَوَلّوْ}: تفّعَلوا, من قولهم: ولّـى فلان ظهره. وقوله: {يَوْمَ الْتَقَـى الـجَمْعانِ} يعنـي: يوم التقـى جمع الـمشركين والـمسلـمين بـأُحد, {إنّـمَا اسْتَنزَلّهُمْ الشّيْطانُ}: أي إنـما دعاهم إلـى الزلة الشيطان. وقوله استزلّ: استفعل, من الزلة, والزلة: هي الـخطيئة. {بِبَعْضِ ما كَسَبُو} يعنـي: ببعض ما عملوا من الذنوب. {وَلَقَدْ عَفـا اللّهُ عَنْهُمْ} يقول: ولقد تـجاوز الله عن عقوبة ذنوبهم فصفح لهم عنه. {إنّ اللّهَ غَفُورٌ} يعنـي به: مغطّ علـى ذنوب من آمن به واتبع رسوله بعفوه عن عقوبته إياهم علـيها. {حَلِـيـمٌ} يعنـي: أنه ذو أناة, لا يعجل علـى من عصاه وخالف أمره بـالنقمة.
ثم اختلف أهل التأويـل فـي أعيان القوم الذين عنوا بهذه الاَية, فقال بعضهم: عنـي بها كلّ من ولـى الدبر عن الـمشركين بـأُحد. ذكر من قال ذلك:
6562ـ حدثنا أبو هشام الرفـاعي, قال: حدثنا أبو بكر بن عياش, قال: حدثنا عاصم بن كلـيب, عن أبـيه, قال: خطب عمر يوم الـجمعة, فقرأ آل عمران, وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها, فلـما انتهى إلـى قوله: {إنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَـى الـجَمْعانِ} قال: لـما كان يوم أحد هزمناهم, ففررت حتـى صعدت الـجبل, فلقد رأيتنـي أنزو كأننـي أَرْوَى, والناس يقولون: قتل مـحمد! فقلت: لا أجد أحدا يقول قتل مـحمد إلا قتلته. حتـى اجتـمعنا علـى الـجبل, فنزلت: {إنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَـى الـجَمْعانِ}... الاَية كلها.
6563ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: {إنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَـى الـجَمْعانِ}... الاَية, وذلك يوم أُحد, ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تولوا عن القتال وعن نبـيّ الله يومئذٍ, وكان ذلك من أمر الشيطان وتـخويفه, فأنزل الله عزّ وجلّ ما تسمعون أنه قد تـجاوز لهم عن ذلك, وعفـا عنهم.
6564ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: ثنـي عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع فـي قوله: {إنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَـى الـجَمَعانِ}... الاَية, فذكر نـحو قول قتادة.
وقال آخرون: بل عنـي بذلك خاصّ مـمن ولـى الدبر يومئذٍ, قالوا: وإنـما عنى به الذين لـحقوا بـالـمدينة منهم دون غيرهم. ذكر من قال ذلك:
6565ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ, قال: لـما انهزوا يومئذٍ تفرّق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه, فدخـل بعضهم الـمدينة, وانطلق بعضهم فوق الـجبل إلـى الصخرة, فقاموا علـيها, فذكر الله عزّ وجلّ الذين انهزموا, فدخـلوا الـمدينة, فقال: {إنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَـى الـجَمْعانِ}... الاَية.
وقال آخرون: بل نزل ذلك فـي رجال بأعيانهم معروفـين. ذكر من قال ذلك:
6566ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال عكرمة, قوله: {إنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَـى الـجَمْعانِ} قال: نزلت فـي رافع بن الـمعلـى وغيره من الأنصار وأبـي حذيفة بن عتبة, ورجل آخر. قال ابن جريج: وقوله: {إنّـمَا اسْتَزلّهُمُ الشّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفـا اللّهُ عَنْهُمْ} إذ لـم يعاقبهم.
6567ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: فرْ عثمان بن عفـان, وعقبة بن عثمان, وسعد بن عثمان ـ رجلان من الأنصار ـ حتـى بلغوا الـجَلَعْب, جبل بناحية الـمدينة مـما يـلـي الأعوص. فأقاموا به ثلاثا, ثم رجعوا إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال لهم: «لقد ذَهَبْتُـمْ فـيها عَرِيضَةً».
6568ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قوله: {إنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَـى الـجَمْعانِ إنّـمَا اسْتَزَلّهُمُ الشّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُو}... الاَية, والذين استزلهم الشيطان: عثمان بن عفـان, وسعد بن عثمان, وعقبة بن عثمان الأنصاريان, ثم الزّرَقـيان.
وأما قوله: {ولَقَدْ عَفَـا اللّهُ عَنْهُمْ} فإن معناه: ولقد تـجاوز الله عن الذين تولوا منكم يوم التقـى الـجمعان, أن يعاقبهم, بتولـيهم عن عدوّهم. كما:
6569ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج: قوله: {وَلَقَدْ عَفـا اللّهُ عَنْهُمْ} يقول: ولقد عفـا الله عنهم إذ لـم يعاقبهم.
6570ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله فـي تولـيهم يوم أُحد: {وَلَقَدْ عَفَـا اللّهُ عَنْهُمْ} فلا أدري أذلك العفو عن تلك العصابة, أم عفو عن الـمسلـمين كلهم.
وقد بـينا تأويـل قوله: {إنّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِـيـمٌ} فـيـما مضى.
الآية : 156
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزّى لّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }
يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله, وأقرّوا بـما جاء به مـحمد من عند الله, لا تكونوا كمن كفر بـالله وبرسوله, فجحد نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم, وقال لإخوانه من أهل الكفر {إذا ضَرَبُوا فـي الأَرْضِ} فخرجوا من بلادهم سفرا فـي تـجارة, {أو كَانُوا غُزّى} يقول: أو كان خروجهم من بلادهم غزاة, فهلكوا فماتوا فـي سفرهم, أو قتلوا فـي غزوهم, {لو كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وما قُتِلُو} يخبر بذلك عن قول هؤلاء الكفـار, أنهم يقولون لـمن غزا منهم فقتل أو مات فـي سفر خرج فـيه فـي طاعة الله أو تـجارة: لو لـم يكونوا خرجوا من عندنا, وكانوا أقاموا فـي بلادهم ما ماتوا وما قتلوا. {لِـيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فـي قُلُوبِهِمْ} يعنـي: أنهم يقولون ذلك, كي يجعل الله قولهم ذلك حزنا فـي قلوبهم وغمّا, ويجهلون أن ذلك إلـى الله جلّ ثناؤه وبـيده. وقد قـيـل: إن الذين نهى الله الـمؤمنـين بهذه الاَية أن يتشبهوا بهم فـيـما نهاهم عنه من سوء الـيقـين بـالله, هم عبد الله بن أبـيّ ابن سَلُول وأصحابه. ذكر من قال ذلك:
6571ـ حدثنـي مـحمد قال: حدثنا أحمد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: {يا أيّها الّذِينَ آمَنُو لا تَكُونُوا كالّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لإخْوَانِهِمْ}... الاَية. قال: هؤلاء الـمنافقون أصحاب عبد الله بن أبـيّ.
6572ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, فـي قوله: {وَقالُوا لإخْوَانِهِمْ إذَا ضَرَبُوا فِـي الأرْضِ أوْ كانُوا غُزّى} قول الـمنافق عبد الله بن أبـيّ ابن سَلُول.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
وقال آخرون فـي ذلك: هم جميع الـمنافقـين. ذكر من قال ذلك:
6573ـ حدثنا ابن حميد. قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق: {يا أيها الّذِينَ آمَنوا لا تَكُونُوا كالّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لإِخْوَانِهِمْ}... الاَية: أي لا تكونوا كالـمنافقـين الذي ينهون إخوانهم عن الـجهاد فـي سبـيـل الله, والضرب فـي الأرض فـي طاعة الله, وطاعة رسوله, ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا, وما قتلوا.
وأما قوله: {إذَا ضَرَبُوا فـي الأرْضِ} فإنه اختُلِف فـي تأويـله, فقال بعضهم: هو السفر فـي التـجارة, والسير فـي الأرض لطلب الـمعيشة. ذكر من قال ذلك:
6574ـ حدثنا مـحمد بن الـحسين, قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ: {إذَا ضَرَبُوا فـي الأرضِ} وهي التـجارة.
وقال آخرون: بل هو السير فـي طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:
6575ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق: {إذَا ضَرَبُوا فِـي الأرْضِ}: الضرب فـي الأرض فـي طاعة الله وطاعة رسوله.
وأصل الضرب فـي الأرض: الإبعاد فـيها سيرا. وأما قوله: {أوْ كانُوا غُزّى} فإنه يعنـي: أو كانوا غُزاة فـي سبـيـل الله. والغُزّى: جمع غاز, جمع علـى فُعّل كما يجمع شاهد: شُهّد, وقائل: قُوّل. وقد ينشد بـيت رؤبة:
فـالـيَوْمَ قَدْ نَهْنَهَنِـي تَنَهْنُهيوأَوْلُ حِلْـمٍ لَـيْسَ بـالـمُسَفّةِ
وَقُوّلٌ إلاّ دَهٍ فَلا دَهِ
وينشد أيضا:
وقولهُمْ إلاّ دَهٍ فَلا دَهِ
وإنـما قـيـل: {لا تَكُونُوا كالّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإخْوَانِهِمْ إذَا ضَرَبُوا فِـي الأرْضِ أوْ كانُوا غُزّى} بإصحاب ماضي الفعل الـحرف الذي لا يصحب مع الـماضي منه إلا الـمستقبل, فقـيـل: وقالوا لإخوانهم ثم قـيـل: إذا ضربوا. وإنـما يقال فـي الكلام: أكرمتك إذ زرتنـي, ولا يقال: أكرمتك إذا زرتنـي, لأن القول الذي فـي قوله: {وَقالُوا لإخْوَانِهِمْ} وإن كان فـي لفظ الـماضي فإنه بـمعنى الـمستقبل, وذلك أن العرب تذهب بـالذين مذهب الـجزاء, وتعاملها فـي ذلك معاملة «مَنْ» و«ما», لتقارب معانـي ذلك فـي كثـير من الأشياء, وإن جمعهن أشياء مـجهولات غير مؤقتات توقـيت عمرو وزيد. فلـما كان ذلك كذلك, وكان صحيحا فـي الكلام فصيحا أن يقال للرجال: أكرم من أكرمك, وأكرم كل رجل أكرمك, فـيكون الكلام خارجا بلفظ الـماضي مع مَن وكل مـجهول, ومعناه الاستقبـال, إذ كان الـموصوف بـالفعل غير موقت, وكان «الذين» فـي قوله: {لا تَكُونُوا كالّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لإخْوَانِهِمْ إذَا ضَرَبُوا فِـي الأرْضِ} غير موقتـين, أجريت مـجرى «من» و«ما» فـي ترجمتها التـي تذهب مذهب الـجزاء وإخراج صلاتها بألفـاظ الـماضي من الأفعال وهي بـمعنى الاستقبـال, كما قال الشاعر فـي «ما»:
وإنـي لاَتِـيكُمْ تَشَكّرَ ما مَضَىمن الأمْرِ وَاسْتـيجابَ ما كان فـي غَدِ
فقال: ما كان فـي غد, وهو يريد: ما يكون فـي غد, ولو كان أراد الـماضي لقال: ما كان فـي أمس, ولـم يجز له أن يقول: ما كان فـي غد. ولو كان الذي موقتا, لـم يجز أن يقال: ذلك خطأ أن يقال لك: من هذا الذي أكرمك إذا زرته؟ لأن الذي ههنا موقت, فقد خرج من معنى الـجزاء, ولو لـم يكن فـي الكلام هذا, لكان جائزا فصيحا, لأن الذي يصير حينئذٍ مـجهولاً غير موقت, ومن ذلك قول الله عزّ وجلّ: {إنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ} فردّ «يصدون» علـى «كفروا», لأن «الذين» غير موقتة, فقوله: {كَفَرُو} وإن كان فـي لفظ ماض, فمعناه الاستقبـال, وكذلك قوله: {إلاّ مَنْ تابَ وآمَنَ وَعِمل صَالِـح}, وقوله: {إلاّ الّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَـيْهِمْ} معناه: إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا علـيهم, وإلا من يتوب ويؤمن, ونظائر ذلك فـي القرآن والكلام كثـير¹ والعلة فـي كل ذلك واحدة. وأما قوله: {لِـيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فـي قُلُوبِهِمْ} فإنه يعنـي بذلك: حزنا فـي قلوبهم. كما:
6576ـ حدثنا مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قوله: {فِـي قُلُوبِهِمْ} قال: يحزنهم قولهم لا ينفعهم شيئا.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
6577ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق: {لِـيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِـي قُلُوبِهِمْ} لقلة الـيقـين بربهم جلّ ثناؤه.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَاللّهْ يُحْيِـي ويُـمِيتُ وَاللّهُ بِـمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {واللّهُ يُحْيـي ويُـمِيتُ}: والله الـمعجل الـموت لـمن يشاء من حيث يشاء, والـمـميت من يشاء كلـما شاء دون غيره من سائر خـلقه. وهذا من الله عزّ وجلّ ترغيب لعبـاده الـمؤمنـين علـى جهاد عدوّه, والصبر علـى قتالهم, وإخراج هيبتهم من صدورهم, وإن قلّ عددهم, وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله, وإعلام منه لهم أن الإماتة والإحياء بـيده, وأنه لن يـموت أحد ولا يقتل إلابعد فناء أجله الذي كتب له, ونهي منه لهم إذ كان كذلك أن يجزعوا لـموت من مات منهم أو قتل من قُتل منهم فـي حرب الـمشركين. ثم قال جلّ ثناؤه: {وَاللّهُ بِـمَا تَعمَلُونَ بَصِيرٌ} يقول: إن الله يرى ما تعملون من خير وشرّ, فـاتقوه أيها الـمؤمنون, فإنه مـحص ذلك كله, حتـى يجازي كل عامل بعمله علـى قدر استـحقاقه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك, قال ابن إسحاق.
6578ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق: {وَاللّهُ يُحيِـي ويُـمِيتُ}: أي يعجل ما يشاء ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته.
الآية : 157
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتّمْ لَمَغْفِرَةٌ مّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمّا يَجْمَعُونَ }
يخاطب جلّ ثناؤه عبـاده الـمؤمنـين يقول لهم: لا تكونوا أيها الـمؤمنون فـي شكّ من أن الأمور كلها بـيد الله, وأن إلـيه الإحياء والإماتة, كما شكّ الـمنافقون فـي ذلك, ولكن جاهدوا فـي سبـيـل الله, وقاتلوا أعداء الله علـى يقـين منكم بأنه لا يقتل فـي حرب, ولا يـموت فـي سفر إلا من بلغ أجله وحانت وفـاته. ثم وعدهم علـى جهادهم فـي سبـيـله الـمغفرة والرحمة, وأخبرهم أن موتا فـي سبـيـل الله وقتلاً فـي الله خير لهم مـما يجمعون فـي الدنـيا من حطامها ورغيد عيشها الذي من أجله يتثاقلون عن الـجهاد فـي سبـيـل الله ويتأخرون عن لقاء العدوّ. كما:
6579ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق: {وَلَئِنْ قُتِلُتْـم فِـي سَبِـيـلِ اللّهِ أوْ مُتّـمْ لـمَغفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَحمَةٌ خَيرٌ مِـمّا يَجمَعُونَ}: أي إن الـموت كائن لا بد منه, فموت فـي سبـيـل الله أو قتل خير لو علـموا فأيقنوا مـما يجمعون فـي الدنـيا التـي لها يتأخرون عن الـجهاد, تـخوّفـا من الـموت والقتل لـما جمعوا من زهيد الدنـيا وزهادة فـي الاَخرة.
وإنـما قال الله عزّ وجلّ: {لَـمَغفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيرٌ مِـمّا يَجْمَعُونَ} وابتدأ الكلام: «ولئن متـم أو قتلتـم» بحذف جزاء «لئن» لأن فـي قوله: {لَـمَغَفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيرٌ مِـمّا يَجْمَعُونَ} معنى جواز للـجزاء, وذلك أنه وعد خرج مخرج الـخبر.
فتأويـل الكلام: ولئن قتلتـم فـي سبـيـل الله أو متـم, لـيغفرنّ الله لكم ولـيرحمنكم, فدلّ علـى ذلك بقوله: {لَـمَغفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيرٌ مِـمّا يَجْمَعُونَ} وجمع مع الدلالة به علـيه الـخبر عن فضل ذلك علـى ما يؤثرونه من الدنـيا, وما يجمعون فـيها.
وقد زعم بعض أهل العربـية من أهل البصرة أنه إن قـيـل: كيف يكون: {لَـمَغفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ} جوابـا لقوله: {وَلَئِنَ قُتِلتُـمْ فِـي سَبِـيـلِ اللّهِ أوْ مُتّـمْ} فإن القول فـيه أن يقال فـيه: كأنه قال: ولئن متـم أو قتلتـم, فذكر لهم رحمة من الله ومغفرة, إذ كان ذلك فـي السبـيـل, فقال: {لَـمَغفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ} يقول: لذلك {خَيرٌ مِـمّا تَـجْمَعُونَ} يعنـي لتلك الـمغفرة والرحمة خير مـما تـجمعون. ودخـلت اللام فـي قوله: {لَـمَغفِرَةٌ مِنَ اللّهِ} لدخولها فـي قوله: «ولئن», كما قـيـل: {وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَـيُولّنّ الأدْبـارَ}