يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون
﴿إن﴾: حرف شرط جازم. «if»
قوله - عز وجل - : ( ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ) أي في يوم الجمعة كقوله : " أروني ماذا خلقوا من الأرض أي في الأرض " [ أي في الأرض ] وأراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة .أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا آدم ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري عن السائب بن يزيد قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثاني على الزوراء قرأ الأعمش : " من يوم الجمعة " بسكون الميم ، وقرأ العامة بضمها .واختلفوا في تسمية هذا اليوم جمعة ، منهم من قال : لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم عليه السلام . وقيل: لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات . وقيل: لاجتماع الجماعات فيه . وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة .وقيل: أول من سماها جمعة كعب بن لؤي قال أبو سلمة : أول من قال " أما بعد " كعب بن لؤي وكان أول من سمى الجمعة جمعة ، وكان يقال له يوم العروبة .وعن ابن سيرين قال : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة . وقبل أن ينزل الجمعة وهم الذين سموها الجمعة . وقالوا : لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام ، وللنصارى يوم ، فهلم فلنجعل يوما نجتمع فيه ، فنذكر الله ونصلي فيه ، فقالوا : يوم السبت لليهود ، ويوم الأحد للنصارى ، فاجعلوه يوم العروبة ، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة ، ثم أنزل الله - عز وجل - في ذلك بعد .وروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب ، أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة ، فقلت له : إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة ؟ قال : لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في بقيع يقال له بقيع الخضمات ، قلت له : كم كنتم يومئذ ؟ قال : أربعون وأول جمعة جمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه على ما ذكر أهل السير : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة مهاجرا نزل قباء على بني عمرو بن عوف ، وذلك يوم الاثنين لثنتي عشرة [ ليلة ] خلت من شهر ربيع الأول حين امتد الضحى ، فأقام بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ويوم الخميس ، وأسس مسجدهم ، ثم خرج من بين أظهرهم يوم الجمعة عامدا المدينة ، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم ، وقد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجدا ، فجمع هناك وخطبقوله - عز وجل - : ( فاسعوا إلى ذكر الله ) أي : فامضوا إليه واعملوا له ، وليس المراد من السعي الإسراع ، إنما المراد منها العمل والفعل ، كما قال : " وإذا تولى سعى في الأرض " ( البقرة - 205 ) وقال : " إن سعيكم لشتى " ( الليل - 4 ) .وكان عمر بن الخطاب يقرأ : فامضوا إلى ذكر الله ، وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود . وقال الحسن : أما والله ما هو بالسعي على الأقدام ، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ، ولكن بالقلوب والنية والخشوعوقال قتادة في هذه الآية : " فاسعوا إلى ذكر الله " قال : فالسعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها وكان يتأول قوله : " فلما بلغ معه السعي " ( الصافات - 102 ) يقول فلما مشى معه .أخبرنا الإمام أبو [ علي ] الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أخبرنا محمد بن أحمد بن معقل الميداني ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، ولكن ائتوها تمشون وعليكم السكينة [ والوقار ] فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموها " قوله ( إلى ذكر الله ) أي إلى الصلاة ، وقال سعيد بن المسيب : " فاسعوا إلى ذكر الله " قال هو موعظة الإمام ( وذروا البيع ) يعني البيع والشراء لأن اسم البيع يتناولهما جميعا . وإنما يحرم البيع والشراء عند الأذان الثاني وقال الزهري : عند خروج الإمام . وقال الضحاك : إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء ( ذلكم ) الذي ذكرت من حضور الجمعة وترك البيع ، ( خير لكم ) من المبايعة ( إن كنتم تعلمون ) مصالح أنفسكم . واعلم أن صلاة الجمعة من فروض الأعيان ، فتجب على كل من جمع العقل ، والبلوغ ، والحرية والذكورة والإقامة إذا لم يكن له عذر . ومن تركها استحق الوعيد .وأما الصبي والمجنون فلا جمعة عليهما ، لأنهما ليسا من أهل أن يلزمهما فرض الأبدان لنقصان أبدانهما ، ولا جمعة على النساء بالاتفاق :أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد ، حدثني سلمة بن عبد الله الخطمي عن محمد بن كعب أنه سمع رجلا من بني وائل يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " تجب الجمعة على كل مسلم إلا امرأة أو صبيا أو مملوكا " وذهب أكثرهم إلى أنه لا جمعة على العبيد . وقال الحسن وقتادة والأوزاعي : تجب على العبد المخارج ، ولا تجب على المسافر عند الأكثرين .وقال النخعي والزهري : تجب على المسافر إذا سمع النداء ، وكل من له عذر من مرض أو تعهد مريض أو خوف ، جاز له ترك الجمعة ، وكذلك له تركها بعذر المطر والوحل .أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل [ حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل ] أخبرني عبد الحميد صاحب الزيادي ، حدثنا عبد الله بن الحارث بن عمر ، حدثنا محمد بن سيرين قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير : إذا قلت : أشهد أن محمدا رسول الله ، فلا تقل : حي على الصلاة . قل : صلوا في بيوتكم . فكأن الناس استنكروا فقال : فعله من هو خير مني إن الجمعة عزمة ، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض .وكل من لا يجب عليه حضور الجمعة ، فإذا حضر وصلى مع الإمام [ الجمعة ] سقط عنه فرض الظهر ، ولكن لا يكمل به عدد الجمعة إلا صاحب العذر ، فإنه إذا حضر يكمل به العدد . أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي في سنة إحدى وثمانين وثلثمائة ، أخبرنا عيسى بن عمر بن العباس السمرقندي ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي ، أخبرنا يحيى بن حسان حدثنا معاوية بن سلام ، أخبرني زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول حدثني الحكم بن مينا أن ابن عمر حدثه وأبا هريرة أنهما سمعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على أعواد منبره : " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين "أخبرنا أبو عثمان الضبي ، أخبرنا أبو محمد الجراحي ، حدثنا أبو العباس المحبوبي ، حدثنا أبو عيسى الترمذي ، حدثنا علي بن خشرم ، أخبرنا عيسى بن يونس ، عن محمد بن عمرو عن عبيدة بن سفيان ، عن أبي الجعد يعني الضميري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه "واختلف أهل العلم في موضع إقامة الجمعة ، وفي العدد الذي تنعقد به الجمعة ، وفي المسافة التي يجب أن يؤتى منها : أما الموضع : فذهب قوم إلى أن كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلا من أهل الكمال ، بأن يكونوا أحرارا عاقلين [ بالغين ] مقيمين لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا إلا ظعن حاجة ، تجب عليهم إقامة الجمعة فيها . وهو قول عبيد الله بن عبد الله ، وعمر بن عبد العزيز وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق . وقالوا : لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلا على هذه الصفة ، وشرط عمر بن عبد العزيز مع عدد الأربعين أن يكون فيهم وال ، والوالي غير شرط عند الشافعي . وقال علي : لا جمعة إلا في مصر جامع وهو قول أصحاب الرأي .ثم عند أبي حنيفة ، رضي الله عنه تنعقد بأربعة ، والوالي شرط وقال الأوزاعي وأبو يوسف : تنعقد بثلاثة إذا كان فيهم وال . وقال الحسن وأبو ثور : تنعقد باثنين كسائر الصلوات . وقال ربيعة : تنعقد باثني عشر رجلا . والدليل على جواز إقامتها في القرى ما : أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن المثنى ، أخبرنا أبو عامر العقدي ، حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن أبي حمزة الضبعي عن ابن عباس قال : إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرينوإذا كان الرجل مقيما في قرية لا تقام فيها الجمعة ، أو كان مقيما في برية ، فذهب قوم إلى أنه إن كان يبلغهم النداء من موضع الجمعة يلزمهم حضور الجمعة ، وإن كان لا يبلغهم النداء فلا جمعة عليهم . وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق . والشرط أن يبلغهم نداء مؤذن جهوري الصوت يؤذن في وقت تكون الأصوات فيه هادئة والرياح ساكنة ، وكل قرية تكون في موضع الجمعة في القرب على هذا القدر يجب على أهلها حضور الجمعة .وقال سعيد بن المسيب : تجب على كل من آواه المبيت . وقال الزهري : تجب على من كان على ستة أميال . وقال ربيعة : على أربعة أميال . وقال مالك والليث : على ثلاثة أميال . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا جمعة على أهل السواد قريبة كانت القرية أو بعيدة .وكل من تلزمه صلاة الجمعة لا يجوز له أن يسافر يوم الجمعة بعد الزوال قبل أن يصلي الجمعة ، وجوز أصحاب الرأي أن يسافر بعد الزوال إذا كان يفارق البلد قبل خروج الوقت .أما إذا سافر قبل الزوال بعد طلوع الفجر فيجوز ، غير أنه يكره إلا أن يكون سفره سفر طاعة من حج أو غزو ، وذهب بعضهم إلى أنه إذا أصبح يوم الجمعة مقيما فلا يسافر حتى يصلي الجمعة ، والدليل على جوازه ما :أخبرنا أبو عثمان الضبي ، أخبرنا أبو محمد الجراحي ، أخبرنا أبو العباس المحبوبي ، أخبرنا أبو عيسى ، حدثنا أحمد بن منيع ، حدثنا أبو معاوية عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة ، فغدا أصحابه ، وقال : أتخلف فأصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ألحقهم ، فلما صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - رآه فقال : ما منعك أن تغدو مع أصحابك ؟ قال : أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم ، فقال : " لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت فضل غدوتهم " وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع رجلا عليه هيئة السفر يقول : لولا أن اليوم يوم الجمعة لخرجت ، فقال عمر : اخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفروقد ورد أخبار في سنن يوم الجمعة وفضله منها : ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة أنه قال : خرجت إلى [ الطور ] فلقيت كعب الأحبار ، فجلست معه فحدثني عن التوراة ، وحدثته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكان فيما حدثته أن قلت له : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم ، وفيه أهبط وفيه تيب عليه ، وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حين تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه " قال كعب : ذلك في كل سنة يوم ، فقلت : بل في كل جمعة ، قال : فقرأ كعب التوراة فقال : صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال أبو هريرة : ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته في يوم الجمعة ، فقال عبد الله بن سلام : قد علمت أية ساعة هي ، هي آخر ساعة في يوم الجمعة ، قال أبو هريرة : وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة ! وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي " وتلك ساعة لا يصلى فيها ؟ فقال عبد الله بن سلام : ألم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصليها ؟ قال أبو هريرة : بلى ، قال : فهو ذاك .أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل "أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، حدثنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا آدم ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، أخبرني أبي عن عبد الله بن وديعة عن سلمان الفارسي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ، ويدهن من دهنه ، أو يمس من طيب بيته ، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى " .أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، حدثنا حميد بن زنجويه ، حدثنا أحمد بن خالد ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعن أبي أمامة يعني سهل بن حنيف حدثاه عن أبي سعيد وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من اغتسل يوم الجمعة واستن ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد ، فلم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع ، وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة ما بينها وبين الجمعة التي كانت قبلها " قال أبو هريرة : وزيادة ثلاثة أيام لأن الله تعالى يقول : " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " ( الأنعام - 160 ) .أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني ، أخبرنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي ، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي ، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني ، حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي ، حدثنا ابن المبارك عن الأوزاعي ، حدثني حسان بن عطية ، حدثني أبو الأشعث الصنعاني ، حدثني أوس بن أوس الثقفي قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب ، ودنا من الإمام واستمع ، ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها " أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، حدثنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سفيان ، عن الزهري عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الأول فالأول فإذا خرج الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة والمهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة ، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة ، ثم الذي يليه كالمهدي شاة ثم الذي يليه كالمهدي كبشا حتى ذكر الدجاجة والبيضة " .
إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون
﴿إنك﴾: إن: حرف توكيد ونصب يفيد تأكيد مضمون الجملة. «that you»
مدنية"إذا جاءك المنافقون"، يعني عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، "قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون"، لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروا.
اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون
﴿إنهم﴾: إن: حرف توكيد ونصب يفيد تأكيد مضمون الجملة. «Indeed»
"اتخذوا أيمانهم جنةً"، سترة، "فصدوا عن سبيل الله"، منعوا الناس عن الجهاد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. "إنهم ساء ما كانوا يعملون".
وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون
﴿وإن﴾: إن: حرف شرط جازم. «and if»
( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ) يعني أن لهم أجساما ومناظر ، ( وإن يقولوا تسمع لقولهم ) فتحسب أنه صدق ، قال عبد الله بن عباس : كان عبد الله بن أبي جسيما فصيحا ذلق اللسان ، فإذا قال سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله . ( كأنهم خشب مسندة ) أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام . قرأ أبو عمرو والكسائي : " خشب " بسكون الشين ، وقرأ الباقون بضمها .( مسندة ) ممالة إلى جدار ، من قولهم : أسندت الشيء ، إذا أملته ، والتثقيل للتكثير ، وأراد أنها ليست بأشجار تثمر ، ولكنها خشب مسندة إلى حائط ، ( يحسبون كل صيحة عليهم ) أي لا يسمعون صوتا في العسكر بأن نادى مناد أو انفلتت دابة وأنشدت ضالة ، إلا ظنوا - من جبنهم وسوء ظنهم - أنهم يرادون بذلك ، وظنوا أنهم قد أتوا ، لما في قلوبهم من الرعب .وقيل: ذلك لكونهم على وجل من أن ينزل الله فيهم أمرا يهتك أستارهم ويبيح دماءهم ثم قال : ( هم العدو ) وهذا ابتداء وخبره ، ( فاحذرهم ) ولا تأمنهم ، ( قاتلهم الله ) لعنهم الله ( أنى يؤفكون ) يصرفون عن الحق .
سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين
﴿إن﴾: حرف توكيد ونصب يفيد تأكيد مضمون الجملة. «Indeed»
( سواء عليهم أستغفرت لهم ) يا محمد ، ( أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ) ذكر محمد بن إسحاق وغيره عن جماعة ، من أصحاب السير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلغه : أن بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو [ جويرة ] زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما سمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل ، فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق ، وقتل من قتل منهم ، ونقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءها [ عليهم ] فبينما الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار ، يقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يقود له فرسه فازدحم جهجاه وسنان بن وبرة الجهني ، حليف بني عوف بن الخزرج ، على [ ذلك ] الماء فاقتتلا فصرخ الجهني : يا معشر الأنصار ! وصرخ الغفاري : يا معشر المهاجرين ! وأعان جهجاها الغفاري رجل من المهاجرين يقال له جعال ، وكان فقيرا ، فغضب عبد الله بن أبي ابن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم ، غلام حديث السن ، فقال ابن أبي : أفعلوها ؟ فقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا ، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ثم أقبل على من حضره من قومه فقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم ، ولتحولوا إلى غير بلادكم ، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد ، فقال زيد بن أرقم : أنت - والله - الذليل القليل المبغض في قومك ، محمد - صلى الله عليه وسلم - في عز من الرحمن ومودة من المسلمين ، فقال عبد الله بن أبي : اسكت ، فإنما كنت ألعب . قال : فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ وذلك ] بعد فراغه من الغدو ، فأخبره الخبر ، وعنده عمر بن الخطاب ، فقال : دعني أضرب عنقه يا رسول الله قال : كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ ولكن أذن بالرحيل . وذلك في ساعة لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرتحل فيها فارتحل الناس .وأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عبد الله بن أبي فأتاه فقال : أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني ؟ فقال عبد الله : والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك ، وإن زيدا لكاذب ، وكان عبد الله في قومه شريفا عظيما ، فقال من حضر من الأنصار من أصحابه : يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قاله . فعذره النبي - صلى الله عليه وسلم - وفشت الملامة في الأنصار لزيد ، وكذبوه ، وقال له عمه [ وكان زيد معه ] ما أردت إلى أن كذبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والناس مقتوك ، وكان زيد يساير النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستحيا بعد ذلك أن يدنو من النبي - صلى الله عليه وسلم - .فلما استقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ، ثم قال : يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها .فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أوما بلغك ما قال صاحبكم عبد الله بن أبي ؟ قال : وما قال ؟ قال : زعم إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل . فقال أسيد : فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت ، هو والله الذليل وأنت العزيز ، ثم قال : يا رسول الله ارفق به فوالله لقد جاء الله بك ، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا .وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتلعبد الله بن أبي ، لما بلغك عنه ، فإن كنت فاعلا فمرني به ، فأنا أحمل إليك رأسه ، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني ، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله ، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله ، فأقتل مؤمنا بكافر ، فأدخل النار .فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا .قالوا : وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومهم ذلك حتى أمسى ، وليلتهم حتى أصبح ، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ، [ ثم نزل بالناس ] فلم يكن إلا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما . وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي .ثم راح بالناس حتى نزل [ على ماء ب ] الحجاز فويق النقيع ، يقال له نقعا فهاجت ريح شديدة آذتهم وتخوفوها وضلت ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك ليلا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تخافوا فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار توفي بالمدينة ، قيل: من هو ، قال : رفاعة بن زيد بن التابوت ، فقال رجل من المنافقين : كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته ؟ ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي ! فأتاه جبريل فأخبره بقول المنافق وبمكان الناقة ، وأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ، وقال : ما أزعم أني أعلم الغيب وما أعلمه ، ولكن الله أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي ، هي في الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فخرجوا يسعون قبل الشعب فإذا هي كما قال ، فجاءوا بها وآمن ذلك المنافق .فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت قد مات ذلك اليوم ، وكان من عظماء اليهود وكهفا للمنافقين ، فلما وافى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، قال زيد بن أرقم : جلست في البيت لما بي من الهم والحياء ، فأنزل الله تعالى سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله . فلما نزلت أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأذن زيد وقال : " يا زيد إن الله صدقك وأوفى بأذنك " .وكان عبد الله بن أبي بقرب المدينة ، فلما أراد أن يدخلها جاءه ابنه عبد الله بن عبد الله حتى أناخ على مجامع طرق المدينة ، فلما جاء عبد الله بن أبي قال : [ وراءك ، قال : ] مالك ويلك ؟ قال : لا والله لا تدخلها أبدا إلا بإذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولتعلمن اليوم من الأعز من الأذل ، فشكا عبد الله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما صنع ابنه ، فأرسل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن خل عنه حتى يدخل ، فقال : أما إذا جاء أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنعم ، فدخل فلم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات .قالوا : فلما نزلت الآية وبان كذب عبد الله بن أبي قيل له : يا أبا حباب إنه قد نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستغفر لك ، فلوى رأسه ثم قال : أمرتموني أن أؤمن فآمنت ، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فأنزل الله تعالى : " وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم " الآية .