قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون
﴿فسوف﴾: سوف: حرف يخصص الأفعال المضارعة للاستقبال. «And soon»
( قل ) يا محمد ( يا قوم اعملوا على مكانتكم ) قرأ أبو بكر عن عاصم ( مكاناتكم ) بالجمع حيث كان أي : على تمكنكم ، قال عطاء : على حالاتكم التي أنتم عليها . قال الزجاج : اعملوا على ما أنتم عليه . يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة : على مكانتك يا فلان ، أي : اثبت على ما أنت عليه ، وهذا أمر وعيد على المبالغة يقول : قل لهم : اعملوا على ما أنتم عاملون ، ( إني عامل ) ما أمرني به ربي - عز وجل - ، ( فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ) أي : الجنة ، قرأ حمزة والكسائي : يكون بالياء هنا وفي القصص ، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث العاقبة ، ( إنه لا يفلح الظالمون ) قال ابن عباس : معناه لا يسعد من كفر بي وأشرك . قال الضحاك : لا يفوز .
قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون
﴿فسوف﴾: سوف: حرف يخصص الأفعال المضارعة للاستقبال. «But soon»
( قال ) لهم ( فرعون ) حين آمنوا ( آمنتم به ) قرأ حفص " آمنتم " على الخبر هاهنا وفي طه والشعراء ، وقرأ الآخرون بالاستفهام أآمنتم به ، ( قبل أن آذن لكم ) أصدقتم موسى من غير أمري إياكم ، ( إن هذا لمكر مكرتموه ) أي : صنيع صنعتموه أنتم وموسى : ( في المدينة ) في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع لتستولوا على مصر ، ( لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون ) ما أفعل بكم .
ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين
﴿فسوف﴾: سوف: حرف يخصص الأفعال المضارعة للاستقبال. «then»
قوله - عز وجل - : ( ولما جاء موسى لميقاتنا ) أي : للوقت الذي ضربنا له أن نكلمه فيه . قال أهل التفسير : إن موسى عليه السلام تطهر وطهر ثيابه لميعاد ربه لما أتى طور سيناء . وفي القصة : إن الله - عز وجل - أنزل ظلمة على سبعة فراسخ وطرد عنه الشيطان وطرد عنه هوام الأرض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء ورأى الملائكة قياما في الهواء ورأى العرش بارزا وكلمه الله وناجاه حتى أسمعه ، وكان جبريل عليه السلام معه فلم يسمع ما كلمه ربه وأدناه حتى سمع صرير القلم فاستحلى موسى عليه السلام كلام ربه واشتاق إلى رؤيته ( قال رب أرني أنظر إليك ) قال الزجاج : فيه اختصار تقديره : أرني نفسك أنظر إليك . قال ابن عباس : أعطني النظر إليك . فإن قيل: كيف سأل الرؤية وقد علم أن الله تعالى لا يرى في الدنيا؟ قال الحسن : هاج به الشوق فسأل الرؤية . وقيل: سأل الرؤية ظنا منه أنه يجوز أن يرى في الدنيا ( قال ) الله تعالى ( لن تراني ) وليس لبشر أن يطيق النظر إلي في الدنيا من نظر إلي في الدنيا مات ، فقال : إلهي سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك ولأن أنظر إليك ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا أراك فقال الله - عز وجل - : ( ولكن انظر إلى الجبل ) وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير .قال السدي : لما كلم الله موسى غاص الخبيث إبليس في الأرض حتى خرج بين قدمي موسى ، فوسوس إليه : أن يكلمك شيطان فعند ذلك سأل موسى الرؤية فقال الله - عز وجل - : ( لن تراني ) وتعلقت نفاة الرؤية بظاهر هذه الآية ، وقالوا : قال الله تعالى : ( لن تراني ) ولن تكون للتأبيد ، ولا حجة لهم فيها ومعنى الآية : لن تراني في الدنيا أو في الحال ، لأنه كان يسأل الرؤية في الحال و " لن " لا تكون للتأبيد ، كقوله تعالى : ( ولن يتمنوه أبدا ) البقرة - 95 ، إخبارا عن اليهود ، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرة يقولون ( يا مالك ليقض علينا ربك ) الزخرف - 77 ، و ( يا ليتها كانت القاضية ) الحاقة - 27 ، والدليل عليه أنه لم ينسبه إلى الجهل بسؤال الرؤية ولم يقل إني لا أرى حتى تكون لهم حجة بل علق الرؤية على استقرار الجبل واستقرار الجبل على التجلي غير مستحيل إذا جعل الله تعالى له تلك القوة ، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالا .قال الله تعالى : ( ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ) قال وهب وابن إسحاق لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب ، وأمر الله ملائكة السماء أن يعترضوا على موسى فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد ، ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه ، فهبطوا عليه أمثال الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس ، ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى وسمع واقشعرت كل شعرة في رأسه وجسده ، ثم قال : لقد ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له خير الملائكة ورأسهم : يا موسى اصبر لم سألت ، فقليل من كثير ما رأيت .ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه ، فهبطوا أمثال النسور لهم قصف ورجف شديد ، وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كجلب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار ، ففزع موسى واشتد نفسه وأيس من الحياة ، فقال له خير الملائكة : مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا تصبر عليه ، ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى بن عمران فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم ألوانهم كلهب النار ، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم علية بالتقديس والتسبيح لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم ، فاصطكت ركبتاه وأرعد قلبه واشتد بكاؤه فقال له خير الملائكة ورأسهم : يا ابن عمران اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت .ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره ، لم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفا واشتد حزنه وكثر بكاؤه ، فقال له خير الملائكة ورأسهم : يا ابن عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه .ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي الذي طلب ليراني ، فهبطوا عليه في يد كل ملك منهم مثل النخلة الطويلة ، نارا أشد ضوءا من الشمس ، ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السماوات ، كلهم يقولون بشدة أصواتهم : سبوح قدوس ، رب العزة أبدا لا يموت ، في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه ، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا وهو يبكي ويقول : رب اذكرني ولا تنس عبدك لا أدري أأنفلت مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت احترقت وإن مكثت مت ، فقال له كبير الملائكة ورأسهم : قد أوشكت يا ابن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت .ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه في ملائكة السماء السابعة فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب جل جلاله ، ورفعت ملائكة السماوات أصواتهم جميعا يقولون : سبحان القدوس رب العزة أبدا لا يموت بشدة أصواتهم ، فارتج الجبل واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ليس معه روحه ، فأرسل الله برحمته الروح فتغشاه ، وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى ، فأقامه الروح مثل اللامة ، فقام موسى يسبح الله تعالى ويقول آمنت بك ربي وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا ، من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك ، ولا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء ، رب تبت إليك الحمد لك لا شريك لك ما أعظمك وما أجلك رب العالمين ، فذلك قوله تعالى : ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ) قال ابن عباس : ظهر نور ربه للجبل ، جبل زبير . وقال الضحاك : أظهر الله من نور الحجب مثل منخر ثور . وقال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار : ما تجلى من عظمة الله للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار دكا . وقال السدي : ما تجلى إلا قدر الخنصر ، يدل عليه ما روى ثابت عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية وقال : " هكذا " ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر ، فساخ الجبل .وحكي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورا قدر الدرهم فجعل الجبل دكا ، أي : مستويا بالأرض ، قرأ حمزة والكسائي ( دكاء ) ممدودا غير منون هاهنا وفي سورة الكهف ، وافق عاصم في الكهف وقرأ الآخرون ( دكا ) مقصورا منونا ، فمن قصره فمعناه جعله مدقوقا : والدك والدق واحد ، وقيل: معناه دكه الله دكا ، أي : فتته كما قال : ( كلا إذا دكت الأرض دكا دكا ) الفجر - 21 ، ومن قرأ بالمد أي : جعله مستويا أرضا دكاء .وقيل: معناه جعله مثل دكاء وهي الناقة التي لا سنام لها قال ابن عباس : جعله ترابا . وقال سفيان : ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه . وقال عطية العوفي : صار رملا هائلا . وقال الكلبي : جعله دكا أي كسرا جبالا صغارا .ووقع في بعض التفاسير : صار لعظمته ستة أجبل وقعت ثلاثة بالمدينة : أحد وورقان ورضوى ، ووقعت ثلاثة بمكة ثور وثبير وحراء .قوله - عز وجل - : ( وخر موسى صعقا ) قال ابن عباس والحسن : مغشيا عليه . وقال قتادة : ميتا . وقال الكلبي : خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر .قال الواقدي : لما خر موسى صعقا قالت ملائكة السماوات : ما لابن عمران وسؤال الرؤية؟ وفي بعض الكتب أن ملائكة السماوات أتوا موسى وهو مغشي عليه فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة . ( فلما أفاق ) موسى من صعقته وثاب إليه عقله عرف أنه قد سأل أمرا لا ينبغي له ( قال سبحانك تبت إليك ) عن سؤال الرؤية ( وأنا أول المؤمنين ) بأنك لا ترى في الدنيا . وقال مجاهد والسدي : وأنا أول من آمن بك من بني إسرائيل .
يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم
﴿فسوف﴾: سوف: حرف يخصص الأفعال المضارعة للاستقبال. «then soon»
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ) الآية ، قال الضحاك وأبو عبيدة : نجس قذر . وقيل: خبيث . وهو مصدر يستوي فيه الذكر والأنثى والتثنية والجمع ، فأما النجس : بكسر النون وسكون الجيم ، فلا يقال على الانفراد ، إنما يقال : رجس نجس ، فإذا أفرد قيل: نجس ، بفتح النون وكسر الجيم ، وأراد به : نجاسة الحكم لا نجاسة العين ، سموا نجسا على الذم . وقال قتادة : سماهم نجسا لأنهم يجنبون فلا يغتسلون ويحدثون فلا يتوضئون . قوله تعالى : ( فلا يقربوا المسجد الحرام ) أراد منعهم من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام ، وأراد به الحرم وهذا كما قال الله تعالى : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام " [ الإسراء - 1 ] ، وأراد به الحرم لأنه أسري به من بيت أم هانئ .قال الشيخ الإمام الأجل : وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار على ثلاثة أقسام :أحدها : الحرم ، فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال ، ذميا كان أو مستأمنا ، لظاهر هذه الآية ، وإذا جاء رسول من بلاد الكفار إلى الإمام والإمام في الحرم لا يأذن له في دخول الحرم ، بل يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم . وجوز أهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم .والقسم الثاني من بلاد الإسلام : الحجاز ، فيجوز للكافر دخولها بالإذن ولكن لا يقيم فيها أكثر من مقام السفر وهو ثلاثة أيام ، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لئن عشت إن شاء الله تعالى لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما " . فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصى فقال : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " فلم يتفرغ لذلك أبو بكر رضي الله عنه ، وأجلاهم عمر رضي الله عنه في خلافته ، وأجل لمن يقدم منهم تاجرا ثلاثا . وجزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول ، وأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام .والقسم الثالث : سائر بلاد الإسلام ، يجوز للكافر أن يقيم فيها بذمة وأمان ، ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم .قوله : ( بعد عامهم هذا ) يعني : العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه بالناس ، ونادى علي كرم الله وجهه ببراءة ، وهو سنة تسع من الهجرة .قوله ( وإن خفتم عيلة ) وذلك أن أهل مكة كانت معايشهم من التجارات وكان المشركون يأتون مكة بالطعام ويتجرون ، فلما منعوا من دخول الحرم خافوا الفقر ، وضيق العيش ، وذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : ( وإن خفتم عيلة ) فقرا وفاقة . يقال : عال يعيل عيلة ، ( فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم ) قال عكرمة : فأغناهم الله عز وجل بأن أنزل عليهم المطر مدرارا فكثر خيرهم . وقال مقاتل : أسلم أهل جدة وصنعاء وجريش من اليمن وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله ما كانوا يخافون . وقال الضحاك وقتادة : عوضهم الله منها الجزية فأغناهم بها .