1. التفسير الميسر
  2. تفسير الجلالين
  3. تفسير السعدي
  4. تفسير البغوي
  5. التفسير الوسيط
تفسير القرآن | باقة من أهم تفاسير القرآن الكريم المختصرة و الموجزة التي تعطي الوصف الشامل لمعنى الآيات الكريمات : سبعة تفاسير معتبرة لكل آية من كتاب الله تعالى , [ التوبة: 28] .

  
   

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
[ سورة التوبة: 28]

القول في تفسير قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ..


تفسير الجلالين التفسير الميسر تفسير السعدي
تفسير البغوي التفسير الوسيط تفسير ابن كثير
تفسير الطبري تفسير القرطبي إعراب الآية

التفسير الميسر : ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا


يا معشر المؤمنين إنما المشركون رِجْس وخَبَث فلا تمكنوهم من الاقتراب من الحرم بعد هذا العام التاسع من الهجرة، وإن خفتم فقرًا لانقطاع تجارتهم عنكم، فإن الله سيعوضكم عنها، ويكفيكم من فضله إن شاء، إن الله عليم بحالكم، حكيم في تدبير شؤونكم.

المختصر في التفسير : شرح المعنى باختصار


يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله واتبعوا ما شرعه لهم، إنما المشركون نجس؛ لما فيهم من الكفر والظلم والأخلاق الذميمة والعادات السيئة؛ فلا يدخلوا الحرم المكي -ومن ضمنه المسجد الحرام - ولو كانوا حُجاجًا أو معتمرين بعد عامهم هذا الذي هو سنة تسع للهجرة، وإن خفتم - أيها المؤمنون- فقرًا بسبب انقطاع ما كانوا يجلبون إليكم من الأطعمة والتجارات المختلفة فإن الله سيكفيكم من فضله إن شاء، إن الله عليم بحالكم التي أنتم عليها، حكيم فيما يدبره لكم.

تفسير الجلالين : معنى و تأويل الآية 28


«يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس» قذر لخبث باطنهم «فلا يقربوا المسجد الحرام» أي لا يدخلوا الحرم «بعد عامهم هذا» عام تسع من الهجرة «وإن خفتم عَيْلةٌ» فقرا بانقطاع تجارتهم عنكم «فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء» وقد أغناهم بالفتوح والجزية «إن الله عليم حكيم».

تفسير السعدي : ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا


يقول تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ‏}‏ باللّه الذين عبدوا معه غيره ‏{‏نَجَسٌ‏}‏ أي‏:‏ خبثاء في عقائدهم وأعمالهم، وأي نجاسة أبلغ ممن كان يعبد مع اللّه آلهة لا تنفع ولا تضر، ولا تغني عنه شيئا‏؟‏‏"‏‏.‏وأعمالهم ما بين محاربة للّه، وصد عن سبيل اللّه ونصر للباطل، ورد للحق، وعمل بالفساد في الأرض لا في الصلاح، فعليكم أن تطهروا أشرف البيوت وأطهرها عنهم‏.‏‏{‏فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا‏}‏ وهو سنة تسع من الهجرة، حين حج بالناس أبو بكر الصديق، وبعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ابن عمه عليا، أن يؤذن يوم الحج الأكبر ب ـ ‏{‏براءة‏}‏ فنادى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان‏.‏وليس المراد هنا، نجاسة البدن، فإن الكافر كغيره طاهر البدن، بدليل أن اللّه تعالى أباح وطء الكتابية ومباشرتها، ولم يأمر بغسل ما أصاب منها‏.‏والمسلمون ما زالوا يباشرون أبدان الكفار، ولم ينقل عنهم أنهم تقذروا منها، تَقَذُّرَهْم من النجاسات، وإنما المراد كما تقدم نجاستهم المعنوية، بالشرك، فكما أن التوحيد والإيمان، طهارة، فالشرك نجاسة‏.‏وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ خِفْتُمْ‏}‏ أيها المسلمون ‏{‏عَيْلَةً‏}‏ أي‏:‏ فقرا وحاجة، من منع المشركين من قربان المسجد الحرام، بأن تنقطع الأسباب التي بينكم وبينهم من الأمور الدنيوية، ‏{‏فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏}‏ فليس الرزق مقصورا على باب واحد، ومحل واحد، بل لا ينغلق باب إلا وفتح غيره أبواب كثيرة، فإن فضل اللّه واسع، وجوده عظيم، خصوصا لمن ترك شيئا لوجهه الكريم، فإن اللّه أكرم الأكرمين‏.‏وقد أنجز اللّه وعده، فإن اللّه قد أغنى المسلمين من فضله، وبسط لهم من الأرزاق ما كانوا به من أكبر الأغنياء والملوك‏.‏وقوله‏:‏ ‏{‏إِنْ شَاءَ‏}‏ تعليق للإغناء بالمشيئة، لأن الغنى في الدنيا، ليس من لوازم الإيمان، ولا يدل على محبة اللّه، فلهذا علقه اللّه بالمشيئة‏.‏فإن اللّه يعطي الدنيا، من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان والدين، إلا من يحب‏.‏‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ علمهواسع، يعلم من يليق به الغنى، ومن لا يليق، ويضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها‏.‏وتدل الآية الكريمة، وهي قوله ‏{‏فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا‏}‏ أن المشركين بعد ما كانوا، هم الملوك والرؤساء بالبيت، ثم صار بعد الفتح الحكم لرسول اللّه والمؤمنين، مع إقامتهم في البيت، ومكة المكرمة، ثم نزلت هذه الآية‏.‏ولما مات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر أن يجلوا من الحجاز، فلا يبقى فيها دينان، وكل هذا لأجل بُعْدِ كل كافر عن المسجد الحرام، فيدخل في قوله ‏{‏فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا‏}‏

تفسير البغوي : مضمون الآية 28 من سورة التوبة


قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ) الآية ، قال الضحاك وأبو عبيدة : نجس قذر .
وقيل: خبيث .
وهو مصدر يستوي فيه الذكر والأنثى والتثنية والجمع ، فأما النجس : بكسر النون وسكون الجيم ، فلا يقال على الانفراد ، إنما يقال : رجس نجس ، فإذا أفرد قيل: نجس ، بفتح النون وكسر الجيم ، وأراد به : نجاسة الحكم لا نجاسة العين ، سموا نجسا على الذم .
وقال قتادة : سماهم نجسا لأنهم يجنبون فلا يغتسلون ويحدثون فلا يتوضئون .
قوله تعالى : ( فلا يقربوا المسجد الحرام ) أراد منعهم من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام ، وأراد به الحرم وهذا كما قال الله تعالى : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام " [ الإسراء - 1 ] ، وأراد به الحرم لأنه أسري به من بيت أم هانئ .
قال الشيخ الإمام الأجل : وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار على ثلاثة أقسام :أحدها : الحرم ، فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال ، ذميا كان أو مستأمنا ، لظاهر هذه الآية ، وإذا جاء رسول من بلاد الكفار إلى الإمام والإمام في الحرم لا يأذن له في دخول الحرم ، بل يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم .
وجوز أهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم .
والقسم الثاني من بلاد الإسلام : الحجاز ، فيجوز للكافر دخولها بالإذن ولكن لا يقيم فيها أكثر من مقام السفر وهو ثلاثة أيام ، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لئن عشت إن شاء الله تعالى لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما " .
فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصى فقال : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " فلم يتفرغ لذلك أبو بكر رضي الله عنه ، وأجلاهم عمر رضي الله عنه في خلافته ، وأجل لمن يقدم منهم تاجرا ثلاثا .
وجزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول ، وأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام .
والقسم الثالث : سائر بلاد الإسلام ، يجوز للكافر أن يقيم فيها بذمة وأمان ، ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم .
قوله : ( بعد عامهم هذا ) يعني : العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه بالناس ، ونادى علي كرم الله وجهه ببراءة ، وهو سنة تسع من الهجرة .
قوله ( وإن خفتم عيلة ) وذلك أن أهل مكة كانت معايشهم من التجارات وكان المشركون يأتون مكة بالطعام ويتجرون ، فلما منعوا من دخول الحرم خافوا الفقر ، وضيق العيش ، وذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : ( وإن خفتم عيلة ) فقرا وفاقة .
يقال : عال يعيل عيلة ، ( فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم ) قال عكرمة : فأغناهم الله عز وجل بأن أنزل عليهم المطر مدرارا فكثر خيرهم .
وقال مقاتل : أسلم أهل جدة وصنعاء وجريش من اليمن وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله ما كانوا يخافون .
وقال الضحاك وقتادة : عوضهم الله منها الجزية فأغناهم بها .

التفسير الوسيط : ويستفاد من هذه الآية


وقوله: نَجَسٌ بالتحريك- مصدر نجس الشيء ينجس فهو نجس إذا كان قذرا غير نظيف، وفعله من باب «تعب» وفي لغة من باب «قتل» .
قال صاحب الكشاف: النجس: مصدر.
يقال نجس نجسا وقذر قذرا، لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فهي ملابسة لهم.
أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها، مبالغة في وصفهم بها .
قيل: وجوز أن يكون لفظ «نجس» صفة مشبهة- وإليه ذهب الجوهري ولا بد حينئذ من تقدير موصوف مفرد لفظا مجموع معنى، ليصح الإخبار به عن الجمع.
أى جنس نجس ونحوه .
وقوله: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فيه ما فيه من التعبير البديع المصور المجسم لهم، حتى لكأنهم بأرواحهم وماهيتهم وكيانهم: النجس يمشى على الأرض فيتحاشاه المتطهرون، ويتحاماه الأتقياء من الناس.
وقوله: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا تفريع على نجاستهم والمراد النهى عن الدخول إلا أنه عبر عنه بالنهى عن القرب مبالغة في إبعادهم عن المسجد الحرام.
والنهى وإن كان موجها إلى المشركين، إلا أن المقصود منه نهى المؤمنين عن تمكينهم من ذلك، والمراد بقوله: بَعْدَ عامِهِمْ هذا العام الذي حصل فيه النداء بالبراءة من المشركين، وبعدم طوافهم بالمسجد الحرام.. وهو العام التاسع من الهجرة.
قال ابن كثير: أمر الله عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتا بنفي المشركين الذين هم نجس دينا- عن المسجد الحرام، وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية.
وكان نزولها في سنة تسع.
ولهذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا صحبة أبى بكر رضى الله عنهما- عامئذ، وأمره أن ينادى في المشركين: أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
فأتم الله ذلك وحكم به شرعا وقدرا .
وقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ بشارة من الله تعالى للمؤمنين بأن سيعطيهم من فضله ما يغنيهم عن المشركين.
والعيلة: الفقر والفاقة: يقال: عال الرجل يعيل عيلة فهو عائل إذا افتقر، ومنه قول الشاعر:وما يدرى الفقير متى غناه ...
وما يدرى الغنى متى يعيلوقرئ «عائلة» بمعنى المصدر كالعافية: اسم فاعل صفة لموصوف مؤنث مقدر أى: حالا عائلة.
قال ابن جرير- بعد أن ساق روايات في سبب نزول الآية-: عن عطية العوفى قال: لما قيل «ولا يحج بعد العام مشرك» قالوا: قد كنا نصيب من بياعاتهم في الموسم، قال فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا، وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ...
الآية .
والمعنى: لا تمكنوا أيها المؤمنون.
المشركين من دخول المسجد الحرام بعد هذه السنة، لأنهم نجس.. ولا تخشوا الفقر والفاقة بسبب عدم تمكينهم، حيث إنكم تتبادلون معهم التجارات والمبايعات.. لأن الله-تبارك وتعالى- قد وعدكم أن يغنيكم من فضله بالعطايا والخيرات التي تكفيكم أمر معاشكم..وقد أنجز الله-تبارك وتعالى- لهم وعده، فأرسل السماء عليهم مدرارا، وفتح لهم البلاد، فكثرت بين أيديهم الغنائم وألوان الخيرات، ودخل في دين الله من هم أيسر حالا وأغنى مالا من هؤلاء المشركين..قال صاحب الكشاف: قوله: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أى: من عطائه أو من تفضله بوجه آخر، فأرسل عليهم السماء مدرارا، فأغزر بها خيرهم، وأكثر مسيرهم.
وأسلم أهل تبالة وجرس فحملوا إلى مكة الطعام وما يعاش به: فكان أعود عليهم مما خافوا العيلة لفواته»والتقييد بالمشيئة في قوله: إِنْ شاءَ ليس للتردد، بل هو لتعليم المؤمنين رعاية الأدب مع الله-تبارك وتعالى- كما في قوله: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ.
ولبيان أن هذا الإغناء بإرادته- سبحانه - وحده، فعليهم أن يجعلوا اعتمادهم عليه، وتضرعهم إليه لا إلى غيره، وللتنبيه على أن عطاءه سبحانه لهم، هو من باب التفضل لا الوجوب، لأنه لو كان واجبا ما قيده بالمشيئة.
ولما كانت مشيئته- سبحانه - تجرى حسب مقتضى علمه وحكمته، فقد ختم الآية بقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
أى: إن الله عليم بأحوالكم ومصالحكم، وبما يكون عليه أمر حاضركم ومستقبلكم حكيم فيما شرعه لكم.
فاستجيبوا له لتنالوا السعادة في دنياكم وآخرتكم.
هذا، ومن الأحكام والآداب التي استنبطها العلماء من هذه الآية ما يأتى:1- أن المراد بالمشركين في الآية ما يتناول عبدة الأوثان وغيرهم من أهل الكتاب.
كما هو مقتضى ظاهر اللفظ، وكما يدل عليه قوله-تبارك وتعالى- إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ..أى: لا يغفر أن يشرك به بأى لون من ألوان الشرك.
ويرى كثير من الفقهاء أن المراد بالمشركين هنا عبدة الأوثان فحسب، لأن الحديث خاص بهم من أول السورة إلى هنا.
2- يرى جمهور الفقهاء أن نجاسة المشركين مرجعها إلى خبث بواطنهم لعبادتهم سوى الله-تبارك وتعالى- أما أبدانهم فطاهرة.
وقد بسط صاحب المنار القول في هذه المسألة فقال ما ملخصه: «قال بعضهم بنجاسة أعيان المشركين، ووجوب تطهير ما تصيبه أبدانهم مع البلل.
حكى هذا القول عن ابن عباس والحسن البصري.. وجمهور الظاهرية..ويرى جمهور السلف والخلف وأصحاب المذاهب الأربعة أن أعيانهم طاهرة.
لأنه من المعلوم أن المسلمين كانوا يعاشرون المشركين ويخالطونهم.
ومع هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بغسل شيء مما أصابته أبدانهم.. بل الثابت أنه صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة، وأكل من طعام اليهود ...
وأطعم هو وأصحابه وفدا من الكفار ولم يأمر بغسل الأوانى التي أكلوا وشربوا فيها..وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله، فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها ولا يعيب ذلك علينا ...
» .
3- اختلف الفقهاء في المراد بالمسجد الحرام في قوله-تبارك وتعالى- فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا....فقال ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعطاء: المراد به الحرم كله فيشمل المسجد الحرام ومكة، لأن المسجد الحرام حيث أطلق في القرآن فالمراد به الحرم كله.
وعليه فالكافر يمنع من دخول الحرم كله..ويرى الشافعى أن المراد المسجد الحرام بخصوصه أخذا بظاهر اللفظ.
قال القرطبي: وقال الشافعى: الآية عامة في سائر المشركين، خاصة في المسجد الحرام، ولا يمنعون من دخول غيره، فأباح دخول اليهودي والنصراني في سائر المساجد» .
ويرى الإمام مالك أن المراد المسجد الحرام بالنص وبقية المساجد تقاس عليه، لأن العلة- وهي النجاسة- موجودة في المشركين، والحرمة موجودة في كل مسجد.
وعليه فلا يجوز تمكينهم لا من المسجد الحرام ولا من غيره من المساجد.
ويرى الأحناف أن المراد بالمسجد الحرم كله، إلا أن النهى هنا ليس منصبا على دخوله وإنما هو منصب على المنع من الحج والعمرة.
ومن الحج إليه أى: لا تمكنوا- أيها المؤمنون- المشركين من الطواف بالمسجد الحرام بعد عامهم هذا.
قال الآلوسى: ويؤيده قوله-تبارك وتعالى- بَعْدَ عامِهِمْ هذا، فإن تقييد النهى يدل على اختصاص المنهي عنه بوقت من أوقات العام.
أى: لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا وهو عام تسعة من الهجرة.. ويدل عليه نداء على- كرم الله وجهه- يوم نادى ببراءة ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك، وكذا قوله- سبحانه - وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً أى: فقرا بسبب منعهم، لما أنهم كانوا يأتون في الموسم بالمتاجر، فإنه إنما يكون إذا منعوا من دخول الحرم كما لا يخفى.
ثم قال: والحاصل أن الإمام الأعظم يقول بالمنع عن الحج والعمرة ويحمل النهى عليه، ولا يمنعون عنده من دخول المسجد الحرام ومن دخول سائر المساجد» .
4- قال القرطبي: في هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب في الرزق جائز، وليس ذلك بمناف للتوكل، وإن كان الرزق مقدرا، ولكنه علقه بالأسباب لتظهر القلوب التي تتعلق بالأسباب، من القلوب التي تتوكل على رب الأرباب وقد تقدم أن السبب لا ينافي التوكل، ففي الحديث الذي أخرجه البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا» - أى: تغدو صباحا وهي جياع، وتعود عشية وهي ممتلئة البطون-.
هذا، وبتدبر آيات السورة الكريمة- من أولها إلى هنا- نراها قد وضحت العلاقات النهائية بين المسلمين وعبدة الأوثان، وفصلت كثيرا من الأحكام التي تخص الفريقين، ومن ذلك أنها قررت:1- براءة الله ورسوله من عهود المشركين الذين مردوا على نقض المواثيق.
2- إعطاءهم مهلة مقدارها أربعة أشهر يتدبرون خلالها أمرهم، دون أن يتعرض المسلمون لهم بسوء.
3- إعلان الناس جميعا يوم الحج الأكبر بهذه البراءة..4- أمر المؤمنين بإتمام مدة العهد لمن حافظ من المشركين على عهده.
5- بيان ما يجب على المؤمنين فعله إذا ما انقضت أشهر الأمان التي أعطيت للمشركين.
6- إرشاد المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم تأمين المشرك المستجير بهم حتى يسمع كلام الله، ويطلع على حقيقة الإسلام.. ثم توصيله إلى موضع أمنه إن لم يسلم.
7- بيان الأسباب التي تدعو إلى قتال المشركين، وإلى وجوب البراءة منهم.
8- بيان بعض الحكم والأسرار التي من أجلها شرع الجهاد في الإسلام.
9- بيان أن المشركين ليسوا أهلا لعمارة مساجد الله.. وأن الذين هم أهل لذلك:المؤمنون الصادقون.
10- توجيه المؤمنين إلى أن إيمانهم يحتم عليهم أن يؤثروا محبة الله ورسوله على أى شيء آخر، من الآباء والأبناء والإخوان.
11- تذكيرهم بجانب من نعم الله عليهم حيث نصرهم في مواطن كثيرة ونصرهم يوم غزوة حنين، بعد أن هزموا في أول المعركة دون أن تنفعهم كثرتهم التي أعجبوا بها.
12- نهيهم عن تمكين المشركين من قربان المسجد الحرام، وإزالة الوساوس التي قد تخطر ببالهم بسبب هذا النهى، بأن وعدهم- سبحانه - بأنه سيعطيهم من فضله ما يغنيهم عن المكاسب التي تأتيهم عن طريق تبادل المنافع مع المشركين في موسم الحج.
هذه أهم الموضوعات التي تعرضت لها سورة التوبة في ثمان وعشرين آية من أولها إلى هنا.
وهي موضوعات وضحت.
كما أسلفنا.
الأحكام النهائية في علاقات المسلمين بالمشركين عبدة الأوثان.
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك سبع آيات بينت فيها ما يجب أن يكون عليه موقف المسلمين من المنحرفين من أهل الكتاب، كما حكت بعض أقوالهم الذميمة، وأفعالهم القبيحة، التي تدعو المسلمين إلى قتالهم حتى يخضعوا لسلطان الإسلام، وقد بدئت هذه الآيات بقوله-تبارك وتعالى-

ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا: تفسير ابن كثير


أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتا بنفي المشركين الذين هم نجس دينا ، عن المسجد الحرام ، وألا يقربوه بعد نزول هذه الآية . وكان نزولها في سنة تسع ؛ ولهذا بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا صحبة أبي بكر - رضي الله عنهما - عامئذ ، وأمره أن ينادي في المشركين : ألا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . فأتم الله ذلك ، وحكم به شرعا وقدرا .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى : { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } إلا أن يكون عبدا ، أو أحدا من أهل الذمة .
وقد روي مرفوعا من وجه آخر ، فقال الإمام أحمد : حدثنا حسين حدثنا شريك ، عن الأشعث - يعني : ابن سوار - عن الحسن ، عن جابر قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك ، إلا أهل العهد وخدمهم .
تفرد به أحمد مرفوعا ، والموقوف أصح إسنادا .
وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي : كتب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - : أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين ، وأتبع نهيه قول الله : { إنما المشركون نجس }
وقال عطاء : الحرم كله مسجد ، لقوله تعالى : { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } .
ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما دلت [ على طهارة المؤمن ، ولما ] ورد في [ الحديث ] الصحيح : المؤمن لا ينجس وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات ؛ لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب ، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم .
وقال أشعث ، عن الحسن : من صافحهم فليتوضأ . رواه ابن جرير .
وقوله : { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } قال ابن إسحاق : وذلك أن الناس قالوا : لتنقطعن عنا الأسواق ، ولتهلكن التجارة وليذهبن ما كنا نصيب فيها من المرافق ، فنزلت { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } من وجه غير ذلك - { إن شاء } إلى قوله : { وهم صاغرون } أي: إن هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق ، فعوضهم الله بما قطع عنهم من أمر الشرك ، ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب ، من الجزية .
وهكذا روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وقتادة والضحاك ، وغيرهم .
{ إن الله عليم } أي: بما يصلحكم ، { حكيم } أي: فيما يأمر به وينهى عنه ؛ لأنه الكامل في أفعاله وأقواله ، العادل في خلقه وأمره ، تبارك وتعالى ؛ ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل الذمة

تفسير القرطبي : معنى الآية 28 من سورة التوبة


قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيمفيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ابتداء وخبر .
واختلف العلماء في معنى وصف المشرك بالنجس ، فقال قتادة ومعمر بن راشد وغيرهما : لأنه جنب إذ غسله من الجنابة ليس بغسل .
وقال ابن عباس وغيره : بل معنى الشرك هو الذي نجسه .
قال الحسن البصري من صافح مشركا فليتوضأ .
والمذهب كله على إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم إلا ابن عبد الحكم فإنه قال : ليس بواجب ؛ لأن الإسلام يهدم ما كان قبله .
وبوجوب الغسل عليه قال أبو ثور وأحمد .
وأسقطه الشافعي وقال : أحب إلي أن يغتسل .
ونحوه لابن القاسم .
ولمالك قول : إنه لا يعرف الغسل ، رواه عنه ابن وهب وابن أبي أويس .
وحديث ثمامة وقيس بن عاصم يرد هذه الأقوال .
رواهما أبو حاتم البستي في صحيح مسنده .
وأن النبي صلى الله عليه وسلم مر بثمامة يوما فأسلم فبعث به إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل ، فاغتسل وصلى ركعتين .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد حسن إسلام صاحبكم وأخرجه مسلم بمعناه .
وفيه : أن ثمامة لما من عليه النبي صلى الله عليه وسلم انطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل .
وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر .
فإن كان إسلامه قبيل احتلامه فغسله مستحب .
ومتى أسلم بعد بلوغه لزمه أن ينوي بغسله الجنابة .
هذا قول علمائنا ، وهو تحصيل المذهب .
وقد أجاز ابن القاسم للكافر أن يغتسل قبل إظهاره للشهادة بلسانه إذا اعتقد الإسلام بقلبه وهو قول ضعيف في النظر مخالف للأثر .
وذلك أن أحدا لا يكون بالنية مسلما دون القول .
هذا قول جماعة أهل السنة في الإيمان : إنه قول باللسان وتصديق بالقلب ، ويزكو بالعمل .
قال الله تعالى : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه .
الثانية : قوله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام ( فلا يقربوا ) نهي ، ولذلك حذفت منه النون .
( المسجد الحرام ) هذا اللفظ يطلق على جميع الحرم ، وهو مذهب عطاء فإذا يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع .
فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى الحل ليسمع ما يقول .
ولو دخل مشرك الحرم مستورا ومات نبش قبره وأخرجت عظامه .
فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز .
وأما جزيرة العرب ، وهي مكة والمدينة واليمامة واليمن ومخاليفها ، فقال مالك : يخرج من هذه المواضع كل من كان على غير الإسلام ، ولا يمنعون من التردد بها مسافرين .
وكذلك قال الشافعي رحمه الله ، غير أنه استثنى من ذلك اليمن .
ويضرب لهم أجل ثلاثة أيام كما ضربه لهم عمر رضي الله عنه حين أجلاهم .
ولا يدفنون فيها ويلجئون إلى الحل .
الثالثة : واختلف العلماء في دخول الكفار المساجد والمسجد الحرام على خمسة أقوال ، فقال أهل المدينة : الآية عامة في سائر المشركين وسائر المساجد .
وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله ونزع في كتابه بهذه الآية .
ويؤيد ذلك قوله تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه .
ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها .
وفي صحيح مسلم وغيره : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر ... الحديث .
والكافر لا يخلو عن ذلك .
وقال صلى الله عليه وسلم : لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب والكافر جنب .
وقوله تعالى : إنما المشركون نجس فسماه الله تعالى نجسا .
فلا يخلو أن يكون نجس العين أو مبعدا من طريق الحكم .
وأي ذلك كان فمنعه من المسجد واجب لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيهم ، والحرمة موجودة في المسجد .
يقال : رجل نجس ، وامرأة نجس ، ورجلان نجس ، وامرأتان نجس ، ورجال نجس ، ونساء نجس ، لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر .
فأما النجس - بكسر النون وجزم الجيم - فلا يقال إلا إذا قيل معه رجس .
فإذا أفرد قيل نجس - بفتح النون وكسر الجيم - ونجس - بضم الجيم - .
وقال الشافعي رحمه الله : الآية عامة في سائر المشركين ، خاصة في المسجد الحرام ، ولا يمنعون من دخول غيره ، فأباح دخول اليهودي والنصراني في سائر المساجد .
قال ابن العربي : وهذا جمود منه على الظاهر ؛ لأن قوله عز وجل : إنما المشركون نجس تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة .
فإن قيل : فقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم ثمامة في المسجد وهو مشرك .
قيل له : أجاب علماؤنا عن هذا الحديث - وإن كان صحيحا - بأجوبة : أحدها : أنه كان متقدما على نزول الآية .
الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد علم بإسلامه فلذلك ربطه .
الثالث : أن ذلك قضية في عين فلا ينبغي أن تدفع بها الأدلة التي ذكرناها ، لكونها مقيدة حكم القاعدة الكلية .
وقد يمكن أن يقال : إنما ربطه في المسجد لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها ، وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد ، فيستأنس بذلك ويسلم ، وكذلك كان .
ويمكن أن يقال : إنهم لم يكن لهم موضع يربطونه فيه إلا في المسجد ، والله أعلم .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام ولا غيره ، ولا يمنع دخول المسجد الحرام إلا المشركون وأهل الأوثان .
وهذا قول يرده كل ما ذكرناه من الآية وغيرها .
قال الكيا الطبري : ويجوز للذمي دخول سائر المساجد عند أبي حنيفة من غير حاجة .
وقال الشافعي : تعتبر الحاجة ، ومع عدم الحاجة لا يجوز دخول المسجد الحرام .
وقال عطاء بن أبي رباح : الحرم كله قبلة ومسجد ، فينبغي أن يمنعوا من دخول الحرم ، لقوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام .
وإنما رفع من بيت أم هانئ .
وقال قتادة : لا يقرب المسجد الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية أو عبدا كافرا لمسلم .
وروى إسماعيل بن إسحاق حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا شريك عن أشعث عن الحسن عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يقرب المسجد مشرك إلا أن يكون عبدا أو أمة فيدخله لحاجة .
وبهذا قال جابر بن عبد الله فإنه قال : العموم يمنع المشرك عن قربان المسجد الحرام ، وهو مخصوص في العبد والأمة .
الرابعة : قوله تعالى بعد عامهم هذا فيه قولان : أحدهما - أنه سنة تسع التي حج فيها أبو بكر .
الثاني سنة عشر قاله قتادة .
ابن العربي : وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ وإن من العجب أن يقال : إنه سنة تسع وهو العام الذي وقع فيه الأذان .
ولو دخل غلام رجل داره يوما فقال له مولاه : لا تدخل هذه الدار بعد يومك لم يكن المراد اليوم الذي دخل فيه .
الخامسة : وإن خفتم عيلة قال عمرو بن فائد : المعنى وإذ خفتم .
وهذه عجمة والمعنى بارع ب ( إن ) .
وكان المسلمون لما منعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات ، قذف الشيطان في قلوبهم الخوف من الفقر وقالوا : من أين نعيش .
فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله .
قال الضحاك : ففتح الله عليهم باب الجزية من أهل الذمة بقوله عز وجل : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية .
وقال عكرمة : أغناهم الله بإدرار المطر والنبات وخصب الأرض فأخصبت تبالة وجرش وحملوا إلى مكة الطعام والودك وكثر الخير وأسلمت العرب : أهل نجد وصنعاء وغيرهم فتمادى حجهم وتجرهم وأغنى الله من فضله بالجهاد والظهور على الأمم .
والعيلة : الفقر .
يقال : عال الرجل يعيل إذا افتقر .
قال الشاعر :وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيلوقرأ علقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود " عائلة " وهو مصدر كالقائلة من قال يقيل .
وكالعافية .
ويحتمل أن يكون نعتا لمحذوف تقديره : حالا عائلة ، ومعناه : خصلة شاقة .
يقال منه : عالني الأمر يعولني : أي شق علي واشتد .
وحكى الطبري أنه يقال : عال يعول إذا افتقر .
السادسة : في هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب في الرزق جائز وليس ذلك بمناف للتوكل وإن كان الرزق مقدرا وأمر الله وقسمه مفعولا ولكنه علقه بالأسباب حكمة ليعلم القلوب التي تتعلق بالأسباب من القلوب التي تتوكل على رب الأرباب .
وقد تقدم أن السبب لا ينافي التوكل قال صلى الله عليه وسلم : لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا .
أخرجه البخاري .
فأخبر أن التوكل الحقيقي لا يضاده الغدو والرواح في طلب الرزق .
ابن العربي : ولكن شيوخ الصوفية قالوا : إنما يغدو ويروح في الطاعات فهو السبب الذي يجلب الرزق .
قالوا : والدليل عليه أمران : أحدهما : قوله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك الثاني : قوله تعالى : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فليس ينزل الرزق من محله ، وهو السماء ، إلا ما يصعد وهو الذكر الطيب والعمل الصالح وليس بالسعي في الأرض فإنه ليس فيها رزق .
والصحيح ما أحكمته السنة عند فقهاء الظاهر وهو العمل بالأسباب الدنيوية من الحرث والتجارة في الأسواق والعمارة للأموال وغرس الثمار .
وقد كانت الصحابة تفعل ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم .
قال أبو الحسن بن بطال : أمر الله سبحانه عباده بالإنفاق من طيبات ما كسبوا إلى غير ذلك من الآي .
وقال : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه .
فأحل للمضطر ما كان حرم عليه عند عدمه للغذاء الذي أمره باكتسابه والاغتذاء به ، ولم يأمره بانتظار طعام ينزل عليه من السماء ، ولو ترك السعي في ترك ما يتغذى به لكان لنفسه قاتلا .
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوى من الجوع ما يجد ما يأكله ، ولم ينزل عليه طعام من السماء ، وكان يدخر لأهله قوت سنته حتى فتح الله عليه الفتوح .
وقد روى أنس بن مالك أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ببعير فقال : يا رسول الله ، أعقله وأتوكل أو أطلقه وأتوكل ؟ قال : اعقله وتوكل .
قلت : ولا حجة لهم في أهل الصفة ، فإنهم كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما يحرثون ولا يتجرون ، ليس لهم كسب ولا مال ، إنما هم أضياف الإسلام عند ضيق البلدان ، ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويسوقون الماء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقرءون القرآن بالليل ويصلون .
هكذا وصفهم البخاري وغيره .
فكانوا يتسببون .
وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءته هدية أكلها معهم ، وإن كانت صدقة خصهم بها ، فلما كثر الفتح وانتشر الإسلام خرجوا وتأمروا - كأبي هريرة وغيره - وما قعدوا .
ثم قيل : الأسباب التي يطلب بها الرزق ستة أنواع : أعلاها كسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ قال : جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري .
خرجه الترمذي وصححه .
فجعل الله رزق نبيه صلى الله عليه وسلم في كسبه لفضله ، وخصه بأفضل أنواع الكسب ، وهو أخذ الغلبة والقهر لشرفه .
الثاني : أكل الرجل من عمل يده ، قال صلى الله عليه وسلم : إن أطيب ما أكل الرجل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده خرجه البخاري .
وفي التنزيل وعلمناه صنعة لبوس لكم وروي أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه .
الثالث : التجارة ، وهي كانت عمل جل الصحابة رضوان الله عليهم ، وخاصة المهاجرين ، وقد دل عليها التنزيل في غير موضع .
الرابع : الحرث والغرس .
وقد بيناه في سورة " البقرة " الخامس : إقراء القرآن وتعليمه والرقية ، وقد مضى في " الفاتحة " السادس : يأخذ بنية الأداء إذا احتاج ، قال صلى الله عليه وسلم : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله .
خرجه البخاري .
رواه أبو هريرة رضي الله عنه .
السابعة : قوله تعالى إن شاء دليل على أن الرزق ليس بالاجتهاد ، وإنما هو من فضل الله تولى قسمته بين عباده وذلك بين في قوله تعالى : نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا الآية .

﴿ ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم ﴾ [ التوبة: 28]

سورة : التوبة - الأية : ( 28 )  - الجزء : ( 10 )  -  الصفحة: ( 191 )

English Türkçe Indonesia
Русский Français فارسی
تفسير انجليزي اعراب

تفسير آيات من القرآن الكريم

  1. تفسير: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين
  2. تفسير: إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا
  3. تفسير: وظن أنه الفراق
  4. تفسير: إن المجرمين في ضلال وسعر
  5. تفسير: وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم
  6. تفسير: سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا
  7. تفسير: قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين
  8. تفسير: إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا
  9. تفسير: خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر
  10. تفسير: يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون

تحميل سورة التوبة mp3 :

سورة التوبة mp3 : قم باختيار القارئ للاستماع و تحميل سورة التوبة

سورة التوبة بصوت ماهر المعيقلي
ماهر المعيقلي
سورة التوبة بصوت سعد الغامدي
سعد الغامدي
سورة التوبة بصوت عبد  الباسط عبد الصمد
عبد الباسط
سورة التوبة بصوت أحمد العجمي
أحمد العجمي
سورة التوبة بصوت محمد صديق المنشاوي
المنشاوي
سورة التوبة بصوت محمود خليل الحصري
الحصري
سورة التوبة بصوت مشاري راشد العفاسي
مشاري العفاسي
سورة التوبة بصوت ناصر القطامي
ناصر القطامي
سورة التوبة بصوت فارس عباد
فارس عباد
سورة التوبة بصوت ياسر لدوسري
ياسر الدوسري

,

لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب