تفسير الآية - القول في معنى قوله تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ..

  1. تفسير السعدي
  2. تفسير البغوي
  3. التفسير الوسيط
  4. تفسير ابن كثير
  5. تفسير الطبري
الفسير الوسيط | التفسير الوسيط للقرآن الكريم للطنطاوي | تأليف شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي (المتوفى: 1431هـ) : ويعتبر هذا التفسير من التفاسير الحديثة و القيمة لطلاب العلم و الباحثين في تفسير القرآن العظيم بأسلوب منهجي سهل و عبارة مفهومة, تفسير الآية 96 من سورةالمائدة - التفسير الوسيط .
  
   

﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
[ سورة المائدة: 96]

معنى و تفسير الآية 96 من سورة المائدة : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم .


تفسير الجلالين التفسير الميسر تفسير السعدي
تفسير البغوي التفسير الوسيط تفسير ابن كثير
تفسير الطبري تفسير القرطبي إعراب الآية

تفسير السعدي : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم


ولما كان الصيد يشمل الصيد البري والبحري، استثنى تعالى الصيد البحري فقال: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ أي: أحل لكم -في حال إحرامكم- صيد البحر، وهو الحي من حيواناته، وطعامه، وهو الميت منها، فدل ذلك على حل ميتة البحر.
مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ أي: الفائدة في إباحته لكم أنه لأجل انتفاعكم وانتفاع رفقتكم الذين يسيرون معكم.
وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ويؤخذ من لفظ "الصيد" أنه لا بد أن يكون وحشيا، لأن الإنسي ليس بصيد.
ومأكولا، فإن غير المأكول لا يصاد ولا يطلق عليه اسم الصيد.
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي: اتقوه بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، واستعينوا على تقواه بعلمكم أنكم إليه تحشرون.
فيجازيكم، هل قمتم بتقواه فيثيبكم الثواب الجزيل، أم لم تقوموا بها فيعاقبكم؟.

تفسير البغوي : مضمون الآية 96 من سورة المائدة


قوله عز وجل : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ) والمراد بالبحر جميع المياه ، قال عمر رضي الله عنه : " صيده ما اصطيد وطعامه ما رمي به " .
وعن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة : طعامه ما قذفه الماء إلى الساحل ميتا .
وقال قوم : هو المالح منه وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة وسعيد بن المسيب وقتادة والنخعي .
وقال مجاهد : صيده : طريه ، وطعامه : مالحه ، متاعا لكم أي : منفعة لكم ، وللسيارة يعني : المارة .
وجملة حيوانات الماء على قسمين : سمك وغيره ، أما السمك فميتته حلال مع اختلاف أنواعها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أحلت لنا ميتتان [ ودمان : الميتتان ] الحوت والجراد ، والدمان : [ الكبد والطحال ] ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب ، وعند أبي حنيفة لا يحل إلا أن يموت بسبب من وقوع على حجر أو انحسار الماء عنه ونحو ذلك .
أما غير السمك فقسمان : قسم يعيش في البر كالضفدع والسرطان ، فلا يحل أكله ، وقسم يعيش في الماء ولا يعيش في البر إلا عيش المذبوح ، فاختلف القول فيه ، فذهب قوم إلى أنه لا يحل شيء منها إلا السمك ، وهو معنى قول أبي حنيفة رضي الله عنه وذهب قوم إلى أن [ ميت الماء كلها حلال ] لأن كلها سمك ، وإن اختلفت صورها ، [ كالجريث ] يقال له حية الماء ، وهو على شكل الحية وأكله مباح بالاتفاق ، وهو قول أبي بكر وعمر وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة ، وبه قال شريح والحسن وعطاء ، وهو قول مالك وظاهر مذهب الشافعي .
وذهب قوم إلى أن ما له نظير في البر يؤكل ، فميتته من حيوانات البحر حلال ، مثل بقر الماء ونحوه ، وما لا يؤكل نظيره في البر لا يحل ميتته من حيوانات البحر ، مثل كلب الماء والخنزير والحمار ونحوها .
وقال الأوزاعي كل شيء عيشه في الماء فهو حلال ، قيل: فالتمساح؟ قال نعم .
وقال الشعبي : لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم ، وقال سفيان الثوري : أرجو أن لا يكون بالسرطان بأسا .
وظاهر الآية حجة لمن أباح جميع حيوانات البحر ، وكذلك الحديث .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن صفوان بن [ سلمان ] عن سعيد بن سلمة من آل بني الأزرق أن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنا نركب في البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى عن ابن جريج أخبرني عمر أنه سمع جابرا رضي الله عنه يقول : غزوت جيش الخبط وأمر أبو عبيدة ، فجعنا جوعا شديدا فألقى البحر حوتا ميتا لم نر مثله ، يقال له العنبر ، فأكلنا منه نصف شهر ، فأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه ، فمر الراكب تحته .
وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول : قال أبو عبيدة : كلوا فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " كلوا رزقا أخرجه الله إليكم ، أطعمونا إن كان معكم " فأتاه بعضهم بشيء منه فأكلوه .
قوله تعالى : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون ) صيد البحر حلال للمحرم ، كما هو حلال لغير المحرم ، أما صيد البر فحرام على المحرم وفي الحرم ، والصيد هو الحيوان الوحشي الذي يحل أكله ، أما ما لا يحل أكله فلا يحرم بسبب الإحرام ، وللمحرم أخذه وقتله ، ولا جزاء على من قتله إلا المتولد بين ما لا يؤكل لحمه وما يؤكل ، كالمتولد بين الذئب والظبي لا يحل أكله ويجب بقتله الجزاء على المحرم ، لأن فيه جزاء من الصيد .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح : الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور " .
وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يقتل المحرم السبع العادي " وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خمس قتلهن حلال في الحرم : الحية والعقرب والحدأة والفأرة والكلب العقور " .
وقال سفيان بن عيينة : الكلب العقور كل سبع يعقر ، ومثله عن مالك ، وذهب أصحاب الرأي إلى وجوب الجزاء في قتل ما لا يؤكل لحمه ، من الفهد والنمر والخنزير ونحوها إلا الأعيان المذكورة في الخبر ، وقاسوا عليها الذئب فلم يوجبوا فيه الكفارة ، وقاس الشافعي رحمه الله عليها جميع ما لا يؤكل لحمه لأن الحديث يشتمل على أعيان بعضها سباع ضارية وبعضها هوام قاتلة وبعضها طير ، لا يدخل في معنى السباع ولا هي من جملة [ الهوام ] وإنما هي حيوان مستخبث اللحم ، وتحريم الأكل يجمع الكل فاعتبره ورتب الحكم عليه .

التفسير الوسيط : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم


والمراد بصيد البحر: ما توالده ومثواه في الماء.
والمراد بالبحر: ما يشمل جميع المياه العذبة والملحة سواء أكانت أنهارا أم غدرانا أم غيرهما.
والمراد بالصيد: الاصطياد أو ما يصاد منه.
والمراد بطعامه: ما يطعم من صيده.
وهو عطف على صَيْدُ من عطف الخاص على العام، ويكون الحل الواقع على الصيد المقصود به حل الانتفاع مطلقا ثم عطف عليه ما يفيد حل الأكل خاصة من باب إظهار الامتنان بالإنعام بما هو قوام الحياة وهو الأكل فإن صيد البحر قد يقصد لمنافع أخرى غير الأكل، كالانتفاع بزيت بعض أنواع المصيد منه.
ويرى ابن أبى ليلى أن المراد بالصيد والطعام المعنى المصدري، وقدر مضافا في صيد البحر، وجعل الضمير في طَعامُهُ يعود إليه لا إلى البحر، فيكون المعنى:أحل لكم صيد حيوان البحر كما أحل لكم أن تأكلوا ما صدتموه منه.
فهو يرى حل الأكل من جميع حيوانات البحر.
وقيل: بل المراد بصيد البحر ما أخذ بحيلة، وبطعامه ما ألقاه البحر من حيواناته أو انحسر عنه الماء وأخذه الآخذ من غير حيلة أو معالجة.
وقوله: مَتاعاً مفعول لأجله.
وقوله: وَلِلسَّيَّارَةِ متعلق بأحل.
وهو جمع سيار باعتبار الجماعة.
والمراد بالسيارة: القوم المسافرون.
والمعنى: أحل الله لكم أيها المحرمون صيد البحر كما أحل لكم أكل ما يؤكل منه، لأجل تمتعكم وانتفاعكم بذلك في حال إقامتكم وفي حال سفركم فأنتم تتمتعون بهذه النعم مقيمين ومسافرين، وذلك يقتضى منكم الشكر لله لكي يزيدكم من هذه النعم.
قال ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل الجمهور على حل ميتة البحر بهذه الآية وبما أخرجه الشيخان عن جابر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة وهم ثلاثمائة- قال: وأنا فيهم- قال فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فنى الزاد.
قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت كبير.
فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة.
فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه الله لكم.
هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله» .
وأخرج الإمام أحمد وأهل السنن ومالك والشافعى عن أبى هريرة: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله!! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء.
فإن توضأنا به عطشنا أنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» .
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال» .
رواه الشافعى وأحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وله شواهد.
وقد احتج بهذه الآية أيضا من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر ولم يستثن من ذلك شيئا.
وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها.
وقال أبو حنيفة: لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر لعموم قوله-تبارك وتعالى-: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ .
ثم أكد- سبحانه - حرمة صيد البر للمحرمين فقال.
وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً والمراد بصيد البر: ما كان توالده ومأواه في البر مما هو متوحش بأصل خلقته.
وبعض الفقهاء يرى أن التحريم هنا منصب على الفعل، وعليه فالآية إنما تدل على حرمة الاصطياد فقط، وأما الأكل منه- أى من الصيد- بأن يصيده حلال فلا تدل عليه الآية.
وبعضهم يرى أن التحريم هنا منصب على ذات الصيد.
وعليه فتكون الآية تقتضي تحريم جميع وجوه الانتفاع بالصيد إلا ما يخرجه الدليل.
وقد بسط القرطبي الكلام في هذه المسألة فقال ما ملخصه: قوله-تبارك وتعالى- وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً التحريم ليس صفة للأعيان وإنما يتعلق بالأفعال فمعنى قوله: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ أى فعل الصيد وهو المنع من الاصطياد.
أو يكون الصيد بمعنى المصيد وهو الأظهر لإجماع العلماء أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له، ولا يجوز له شراؤه، ولا اصطياده، ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه.
وقد اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد، فقال مالك والشافعى وأحمد.
إنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ولا من أجله، لما رواه الترمذي والنسائي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم» وقال أبو حنيفة: أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال- سواء صيد من أجله أو لم يصد لظاهر قوله-تبارك وتعالى- لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ فحرم صيده وقتله على المحرمين دون ما صاده غيرهم.
وروى عن على بن أبى طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال سواء صيد من أجله أو لم يصد.
لحديث الصعب بن جثامة الليثي، أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فلما أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهى قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» خرجه الأثمة واللفظ لمالك .
ثم ختم- سبحانه - الآية الكريمة بالدعوة إلى خشيته وتقواه وبالتذكير بالحشر وما فيه من حساب وعقاب فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.
أى: واتقوا الله في كل أحوالكم، وقفوا عند حدوده فلا تتجاوزوها، واعلموا أن مرجعكم وحشركم إليه وحده، وسيجازيكم على أعمالكم التي عملتموها في دنياكم.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أحلت للمحرم صيد البحر- فضلا من الله ورحمة- لأن البحر بعيد عن الحرم، والمحرم قد يحرم في منطقة قد تكون فيها بحار فتحريم صيد البحر عليه قد يؤدى إلى تعبه وإجهاده دون أن تكون هناك فائدة تعود على سكان الحرم.
أما الحكمة من وراء تحريم الصيد البرى على المحرمين فمنها: أن البيت الحرام بواد غير زرع، وسكان هذه المنطقة من وسائل حياتهم الصيد، فلو أبيح الصيد للمحرمين القادمين لزيارة البيت من كل فج عميق.. لأدى ذلك إلى قتل الكثير من الصيد البرى الذي هو مصدر انتفاع للقاطنين في تلك المناطق.
وفضلا عن كل ذلك ففي تحريم الصيد البرى الذي يعيش في مناطق الحرم، تكريم لهذه المناطق، وتشريف لها، وإعلاء لشأنها ومكانتها.
فهي أماكن الأمان والاطمئنان والسلام.
لا للبشر وحدهم، بل للبشر ولغير البشر من مخلوقات الله التي نهت شريعته عن التعرض لها بسوء.
وبعد هذا النهى الشديد للمحرمين عن صيد البر وهم على هذه الحالة بين- سبحانه - المنزلة السامية للكعبة التي هي أشرف مكان، وأصلحه لأمان الناس واطمئنانهم كما بين- سبحانه - مكانة الأشهر الحرم وما يقدم فيها من خيرات لسكان الحرم- فقال-تبارك وتعالى-:

تفسير ابن كثير : شرح الآية 96 من سورة المائدة


قال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس - في رواية عنه - وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ، وغيرهم في قوله : يعني : ما يصطاد منه طريا ) وطعامه ) ما يتزود منه مليحا يابسا .وقال ابن عباس في الرواية المشهورة عنه : صيده ما أخذ منه حيا ) وطعامه ) ما لفظه ميتا .وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب الأنصاري ، رضي الله عنهم . وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي والحسن البصري .قال سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن أبي بكر الصديق أنه قال : ( وطعامه ) كل ما فيه . رواه ابن جرير وابن أبي حاتم .وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن سماك قال : حدثت عن ابن عباس قال : خطب أبو بكر الناس فقال : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ) وطعامه ما قذف .قال : وحدثنا يعقوب ، حدثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، عن أبي مجلز ، عن ابن عباس في قوله : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه ) قال ) وطعامه ) ما قذف .وقال عكرمة ، عن ابن عباس قال : ( وطعامه ) ما لفظ من ميتة . ورواه ابن جرير أيضا .وقال سعيد بن المسيب : طعامه ما لفظه حيا ، أو حسر عنه فمات . رواه ابن أبي حاتم .وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أيوب ، عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر فقال : إن البحر قد قذف حيتانا كثيرا ميتا أفنأكله؟ فقال : لا تأكلوه . فلما رجع عبد الله إلى أهله أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة ، فأتى هذه الآية ( وطعامه متاعا لكم وللسيارة ) فقال : اذهب فقل له فليأكله ، فإنه طعامه .وهكذا اختار ابن جرير أن المراد بطعامه ما مات فيه ، قال : وقد روي في ذلك خبر ، وإن بعضهم يرويه موقوفا .حدثنا هناد بن السري قال : حدثنا عبدة بن سليمان ، عن محمد بن عمرو ، حدثنا أبو سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ) قال : طعامه ما لفظه ميتا " .ثم قال : وقد وقف بعضهم هذا الحديث على أبي هريرة :حدثنا هناد ، حدثنا ابن أبي زائدة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة في قوله : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه ) قال : طعامه : ما لفظه ميتا .وقوله : ( متاعا لكم وللسيارة ) أي : منفعة وقوتا لكم أيها المخاطبون ) وللسيارة ) وهو جمع سيار . قال عكرمة : لمن كان بحضرة البحر ، وللسيارة : السفر .وقال غيره : الطري منه لمن يصطاده من حاضرة البحر ، و ) طعامه ) ما مات فيه أو اصطيد منه وملح وقدد زادا للمسافرين والنائين عن البحر .وقد روي نحوه عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم . وقد استدل جمهور العلماء على حل ميتة البحر بهذه الآية الكريمة ، وبما رواه الإمام مالك بن أنس ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر بن عبد الله قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل ، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح ، وهم ثلاثمائة ، قال : وأنا فيهم . قال : فخرجنا ، حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد ، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش ، فجمع ذلك كله ، فكان مزودي تمر ، قال : فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني ، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة . فقلت : وما تغني تمرة؟ فقال : فقد وجدنا فقدها حين فنيت ، قال : ثم انتهينا إلى البحر ، فإذا حوت مثل الظرب ، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة . ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا ، ثم أمر براحلة فرحلت ، ومرت تحتهما فلم تصبهما .وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله طرق عن جابر .وفي صحيح مسلم من رواية أبي الزبير ، عن جابر : فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم ، فأتيناه فإذا بدابة يقال لها : العنبر قال : قال أبو عبيدة : ميتة ، ثم قال : لا نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله ، وقد اضطررتم فكلوا قال : فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا . ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن ، ونقتطع منه الفدر كالثور ، أو : كقدر الثور ، قال : ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه ، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها ، وتزودنا من لحمه وشائق . فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فذكرنا ذلك له ، فقال : " هو رزق أخرجه الله لكم ، هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ " قال : فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله . وفي بعض روايات مسلم : أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حين وجدوا هذه السمكة . فقال بعضهم : هي واقعة أخرى ، وقال بعضهم : بل هي قضية واحدة ، ولكن كانوا أولا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم بعثهم سرية مع أبي عبيدة ، فوجدوا هذه في سريتهم تلك مع أبي عبيدة ، والله أعلم .وقال مالك ، عن صفوان بن سليم ، عن سعيد بن سلمة - من آل ابن الأزرق : أن المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار - أخبره ، أنه سمع أبا هريرة يقول : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إنا نركب البحر ، ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " .وقد روى هذا الحديث الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل ، وأهل السنن الأربعة ، وصححه البخاري والترمذي وابن خزيمة وابن حبان ، وغيرهم . وقد روي عن جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه .وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ، من طرق ، عن حماد بن سلمة : حدثنا أبو المهزم - هو يزيد بن سفيان - سمعت أبا هريرة يقول : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حج - أو عمرة - فاستقبلنا رجل جراد ، فجعلنا نضربهن بعصينا وسياطنا فنقتلهن ، فأسقط في أيدينا ، فقلنا : ما نصنع ونحن محرمون؟ فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " لا بأس بصيد البحر "أبو المهزم ضعيف ، والله أعلم .وقال ابن ماجه : حدثنا هارون بن عبد الله الحمال ، حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا زياد بن عبد الله عن علاثة ، عن موسى بن محمد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن جابر وأنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا على الجراد قال : " اللهم أهلك كباره ، واقتل صغاره ، وأفسد بيضه ، واقطع دابره ، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا ، إنك سميع الدعاء " . فقال خالد : يا رسول الله ، كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال : " إن الجراد نثرة الحوت في البحر " . قال هاشم : قال زياد : فحدثني من رأى الحوت ينثره . تفرد به ابن ماجه .وقد روى الشافعي ، عن سعيد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : أنه أنكر على من يصيد الجراد في الحرم .وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر ، ولم يستثن من ذلك شيئا . وقد تقدم عن الصديق أنه قال : ( طعامه ) كل ما فيه .وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها ; لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية ابن أبي ذئب ، عن سعيد بن خالد ، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن قتل الضفدع " .وللنسائي ، عن عبد الله بن عمرو قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع ، وقال : نقيقها تسبيح .وقال آخرون : يؤكل من صيد البحر السمك ، ولا يؤكل الضفدع . واختلفوا فيما سواهما ، فقيل : يؤكل سائر ذلك ، وقيل : لا يؤكل . وقيل : ما أكل شبهه من البر أكل مثله في البحر ، وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل . وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي ، رحمه الله .قال أبو حنيفة ، رحمه الله : لا يؤكل ما مات في البحر ، كما لا يؤكل ما مات في البر ; لعموم قوله : ( حرمت عليكم الميتة ) [ المائدة : 3 ] .وقد ورد حديث بنحو ذلك ، فقال ابن مردويه :حدثنا عبد الباقي - هو ابن قانع - حدثنا الحسين بن إسحاق التستري وعبد الله بن موسى بن أبي عثمان قالا : حدثنا الحسين بن زيد الطحان ، حدثنا حفص بن غياث ، عن ابن أبي ذئب ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه ، وما ألقى البحر ميتا طافيا فلا تأكلوه " .ثم رواه من طريق إسماعيل بن أمية ويحيى بن أبي أنيسة ، عن أبي الزبير ، عن جابر به . وهو منكر .وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، بحديث " العنبر " المتقدم ذكره ، وبحديث : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " ، وقد تقدم أيضا .وروى الإمام أبو عبد الله الشافعي ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحلت لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان فالحوت والجراد ، وأما الدمان فالكبد والطحال " .ورواه أحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي . وله شواهد ، وروي موقوفا ، والله أعلم .وقوله : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) أي : في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد . ففيه دلالة على تحريم ذلك فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمدا أثم وغرم ، أو مخطئا غرم وحرم عليه أكله ; لأنه في حقه كالميتة ، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين عند مالك والشافعي - في أحد قوليه - وبه يقول عطاء والقاسم وسالم وأبو يوسف ومحمد بن الحسن ، وغيرهم . فإن أكله أو شيئا منه ، فهل يلزمه جزاء؟ فيه قولان للعلماء :أحدهما : نعم ، قال عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : إن ذبحه ثم أكله فكفارتان ، وإليه ذهب طائفة .والثاني : لا جزاء عليه بأكله . نص عليه مالك بن أنس .قال أبو عمر بن عبد البر : وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار ، وجمهور العلماء . ثم وجهه أبو عمر بما لو وطئ ثم وطئ ثم وطئ قبل أن يحد ، فإنما عليه حد واحد .وقال أبو حنيفة : عليه قيمة ما أكل .وقال أبو ثور : إذا قتل المحرم الصيد فعليه جزاؤه ، وحلال أكل ذلك الصيد ، إلا أنني أكرهه للذي قتله ، للخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " صيد البر لكم حلال ، ما لم تصيدوهأو يصد لكم " .وهذا الحديث سيأتي بيانه . وقوله بإباحته للقاتل غريب ، وأما لغيره ففيه خلاف . قد ذكرنا المنع عمن تقدم . وقال آخرون . بإباحته لغير القاتل ، سواء المحرمون والمحلون ; لهذا الحديث . والله أعلم .وأما إذا صاد حلال صيدا فأهداه إلى محرم ، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقا ، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده لأجله أم لا . حكى هذا القول أبو عمر بن عبد البر ، عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة والزبير بن العوام وكعب الأحبار ومجاهد وعطاء - في رواية - وسعيد بن جبير . قال : وبه قال الكوفيون .قال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، أن سعيد بن المسيب حدثه ، عن أبي هريرة ; أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال ، أيأكله المحرم؟ قال : فأفتاهم بأكله . ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره ، فقال : لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك .وقال آخرون : لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية ، ومنعوا من ذلك مطلقا ; لعموم هذه الآية الكريمة .وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس وعبد الكريم بن أبي أمية ، عن طاوس ، عن ابن عباس ; أنه كره أكل لحم الصيد للمحرم . وقال : هي مبهمة . يعني قوله : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) .قال : وأخبرني معمر ، عن الزهري ، عن ابن عمر ; أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال .قال معمر : وأخبرني أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، مثله .قال ابن عبد البر : وبه قال طاوس وجابر بن زيد ، وإليه ذهب الثوري وإسحاق ابن راهويه - في رواية - وقد روي نحوه عن علي بن أبي طالب ، رواه ابن جرير من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب : أن عليا كره لحم الصيد للمحرم على كل حال .وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ابن راهويه - في رواية - والجمهور : إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد ، لم يجز للمحرم أكله ; لحديث الصعب بن جثامة : أنه أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - حمارا وحشيا ، وهو بالأبواء - أو : بودان - فرده عليه ، فلما رأى ما في وجهه قال : " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم " .وهذا الحديث مخرج في الصحيحين ، وله ألفاظ كثيرة قالوا : فوجهه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ظن أن هذا إنما صاده من أجله ، فرده لذلك . فأما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنه يجوز له الأكل منه ; لحديث أبي قتادة حين صاد حمار وحش ، كان حلالا لم يحرم ، وكان أصحابه محرمين ، فتوقفوا في أكله . ثم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " هل كان منكم أحد أشار إليها ، أو أعان في قتلها؟ " قالوا : لا . قال : " فكلوا " . وأكل منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .وهذه القصة ثابتة أيضا في الصحيحين بألفاظ كثيرة .وقال الإمام أحمد : حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - وقال قتيبة في حديثه : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - يقول : " صيد البر لكم حلال - قال سعيد : وأنتم حرم - ما لم تصيدوه أو يصد لكم " .وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي جميعا ، عن قتيبة . وقال الترمذي : لا نعرف للمطلب سماعا من جابر .ورواه الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، من طريق عمرو بن أبي عمرو ، عن مولاه المطلب ، عن جابر ثم قال : وهذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس .وقال مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : رأيت عثمان بن عفان بالعرج ، وهو محرم في يوم صائف ، قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان ، ثم أتي بلحم صيد فقال لأصحابه : كلوا ، فقالوا : أولا تأكل أنت؟ فقال : إني لست كهيئتكم ، إنما صيد من أجلي .

تفسير الطبري : معنى الآية 96 من سورة المائدة


أحل لكم صيد البحرالقول في تأويل قوله تعالى : أحل لكم صيد البحر يقول تعالى ذكره : أحل لكم أيها المؤمنون صيد البحر وهو ما صيد طريا .
كما : 9876 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : قال عمر بن الخطاب في قوله : أحل لكم صيد البحر قال : صيده : ما صيد منه .
9877 - حدثني ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن سماك , قال : حدثت , عن ابن عباس , قال : خطب أبو بكر الناس , فقال : أحل لكم صيد البحر .
قال : فصيده : ما أخذ .
9878 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , في قوله : أحل لكم صيد البحر قال : صيده : ما صيد منه .
9879 - حدثنا سليمان بن عمر بن خالد البرقي , قال : ثنا محمد بن سلمة الحراني , عن خصيف , عن عكرمة , عن ابن عباس , في قوله : أحل لكم صيد البحر قال : صيده الطري .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الهذيل بن بلال , قال : ثنا عبد الله بن عبيد بن عمير , عن ابن عباس , في قوله : أحل لكم صيد البحر قال : صيده : ما صيد .
* - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس أحل لك صيد البحر قال : الطري .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا الحسن بن عكرمة بن الجعفي - أو الحسين , شك أبو جعفر - عن الحكم بن أبان , عن عكرمة , قال : كان ابن عباس يقول : صيد البحر : ما اصطاده .
9880 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : أحل لك صيد البحر قال : الطري .
9881 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن الحجاج , عن العلاء بن بدر , عن أبي سلمة , قال : صيد البحر : ما صيد .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : أحل لكم صيد البحر قال : الطري .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير مثله .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : أحل لكم صيد البحر قال : السمك الطري .
9882 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : أحل لكم صيد البحر أما صيد البحر : فهو السمك الطري , هي الحيتان .
9883 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو سفيان , عن معمر , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب , قال : صيده : ما اصطدته طريا .
قال معمر : وقال قتادة : صيده : ما اصطدته .
9884 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : أحل لك صيد البحر قال : حيتانه .
9885 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا عمر بن أبي سلمة , قال : سئل سعيد عن صيد البحر , فقال : قال مكحول : قال زيد بن ثابت : صيده : ما اصطدت .
9886 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن ليث , عن مجاهد , في قوله : أحل لك صيد البحر وطعامه متاعا لك وللسيارة قال : يصطاد المحرم والمحل من البحر , ويأكل من صيده .
9887 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد , قال : ثنا ابن عيينة , عن عمرو , عن عكرمة , قال : قال أبو بكر : طعام البحر : كل ما فيه .
وقال جابر بن عبد الله : ما حسر عنه فكل .
وقال : كل ما فيه ; يعني : جميع ما صيد .
9888 - حدثنا سعيد بن الربيع , قال : ثنا سفيان , عن عمرو , سمع عكرمة يقول : قال أبو بكر : وطعامه متاعا لك وللسيارة قال : هو كل ما فيه .
وعنى بالبحر في هذا الموضع : الأنهار كلها ; والعرب تسمي الأنهار بحارا , كما قال تعالى ذكره : ظهر الفساد في البر والبحر .
فتأويل الكلام : أحل لكم أيها المؤمنون طري سمك الأنهار الذي صدتموه في حال حلكم وحرمكم , وما لم تصيدوه من طعامه الذي قتله ثم رمى به إلى ساحله .
وطعامهواختلف أهل التأويل في معنى قوله : وطعامه فقال بعضهم : عنى بذلك : ما قذف به إلى ساحله ميتا , نحو الذي قلنا في ذلك .
ذكر من قال ذلك : 9889 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن سماك , قال : حدثت , عن ابن عباس , قال : خطب أبو بكر الناس , فقال : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم , وطعامه : ما قذف .
9890 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : كنت بالبحرين , فسألوني عما قذف البحر , قال : فأفتيتهم أن يأكلوا .
فلما قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه , ذكرت ذلك له , فقال لي : بم أفتيتهم ؟ قال : قلت : أفتيتهم أن يأكلوا , قال : لو أفتيتهم بغير ذلك لعلوتك بالدرة .
قال : ثم قال : إن الله تعالى قال في كتابه : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم فصيده : ما صيد منه , وطعامه : ما قذف .
9891 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم قال : طعامه : ما قذف .
* - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , في قوله : أحل لكم صيد البحر وطعامه قال : طعامه : ما قذف .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , مثله .
9892 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حسين بن علي , عن زائدة , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس قال : طعامه : كل ما ألقاه البحر .
9893 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا الحسن بن علي - أو الحسين بن على الجعفي , شك أبو جعفر - عن الحكم بن أبان , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : طعامه : ما لفظ من ميتته .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الهذيل بن بلال .
قال : ثنا عبد الله بن عبيد بن عمير , عن ابن عباس : أحل لكم صيد البحر وطعامه قال .
طعامه : ما وجد على الساحل ميتا .
* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , قال : طعامه : ما قذف به .
9894 - حدثنا سعيد بن الربيع , قال : ثنا سفيان , عن عمرو , سمع عكرمة يقول : قال أبو بكر رضي الله عنه : وطعامه متاعا لكم قال : طعامه : هو كل ما فيه .
9895 - حدثني محمد بن المثنى , قال : ثنا الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرني عمرو بن دينار عن عكرمة مولى ابن عباس , قال : قال أبو بكر : وطعامه متاعا لكم قال : طعامه : ميتته .
قال عمرو : وسمع أبا الشعثاء يقول : ما كنت أحسب طعامه إلا مالحه .
* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثني الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرني أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد , عن عكرمة , عن ابن عباس , في قوله : .
وطعامه متاعا لكم قال : طعامه : ميتته .
9896 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , عن عثمان , عن عكرمة : وطعامه متاعا لكم قال : طعامه : ما قذف .
9897 - حدثنا بن عبد الأعلى , قال : ثنا معمر بن سليمان , قال : سمعت عبيد الله , عن نافع , قال : جاء عبد الرحمن إلى عبد الله , فقال : البحر قد ألقى حيتانا كثيرة ؟ قال : فنهاه عن أكلها , ثم قال : يا نافع هات المصحف ! فأتيته به , فقرأ هذه الآية : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم قال : قلت : طعامه : هو الذي ألقاه .
قال : فالحقه , فمره بأكله .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا أيوب , عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر , فقال : إن البحر قذف حيتانا كثيرة ميتة أفنأكلها ؟ قال : لا تأكلوها ! فلما رجع عبد الله إلى أهله , أخذ المصحف , فقرأ سورة المائدة , فأتى على هذه الآية : وطعامه متاعا لكم وللسيارة قال : اذهب , فقل له فليأكله , فإنه طعامه .
* - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا أيوب , عن نافع , عن ابن عمر , بنحوه .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرني عمرو بن دينار , عن عكرمة , مولى ابن عباس , قال : قال أبو بكر رضي الله عنه : وطعامه متاعا لكم قال : ميتته , قال عمرو : سمعت أبا الشعثاء يقول : ما كنت أحسب طعامه : إلا مالحه .
* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرنا نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر عن حيتان كثيرة ألقاها البحر , أميتة هي ؟ قال : نعم ! فنهاه عنها .
ثم دخل البيت , فدعا بالمصحف , فقرأ تلك الآية : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم قال : طعامه : كل شيء أخرج منه فكله فليس به بأس , وكل شيء فيه يؤكل ميتا أو بساحله .
9898 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو سفيان , عن معمر , قال قتادة : طعامه : ما قذف منه .
9899 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد , عن ليث , عن شهر , عن أبي أيوب , قال : ما لفظ البحر فهو طعامه , وإن كان ميتا .
9900 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن ليث , عن شهر , قال : سئل أبو أيوب عن قول الله تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا قال : هو ما لفظ البحر .
وقال آخرون : عنى بقوله : وطعامه المليح من السمك .
فيكون تأويل الكلام على ذلك من تأويلهم : أحل لكم سمك البحر ومليحه في كل حال , إحلالكم وإحرامكم .
ذكر من قال ذلك : 9901 - حدثنا سليمان بن عمرو بن خالد البرقي , قال : ثنا محمد بن سلمة , عن خصيف , عن عكرمة , عن ابن عباس : وطعامه قال : طعامه المالح منه .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : وطعامه متاعا لكم يعني بطعامه : مالحه , وما قذف البحر من مالحه .
* - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : وطعامه متاعا لك وهو المالح .
9902 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن مجمع التيمي , عن عكرمة , في قوله : متاعا لكم قال : المليح .
9903 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن سالم الأفطس وأبي حصين , عن سعيد بن جبير , قال : المليح .
9904 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن منصور , عن إبراهيم : وطعامه متاعا لكم قال : المليح وما لفظ .
9905 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن سالم , عن سعيد بن جبير , في قوله : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم قال : يأتي الرجل أهل البحر فيقول : " أطعموني " , فإن قال : " غريضا " , ألقوا شبكتهم فصادوا له , وإن قال : " أطعموني من طعامكم " , أطعموه من سمكهم المالح .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن فضيل : عن عطاء , عن سعيد : أحل لكم صيد البحر وطعامه قال : المنبوذ , السمك المالح .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : وطعامه قال : المالح .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن منصور , عن إبراهيم : وطعامه قال : هو مالحه .
ثم قال : ما قذف .
9906 - حدثنا ابن معاذ , قال : ثنا جامع بن حماد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : وطعامه قال : مملوح السمك .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرني الثوري , عن منصور , قال : كان إبراهيم يقول : طعامه : السمك المليح .
ثم قال بعد : ما قذف به .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا الثوري , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , قال : طعامه المليح .
9907 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا إسرائيل , عن عبد الكريم , عن مجاهد , قال : طعامه السمك المليح .
9908 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير في هذه الآية : وطعامه متاعا لكم قال : الصير .
قال شعبة : فقلت لأبي بشر : ما الصير ؟ قال : المالح .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا هشام بن الوليد , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن جعفر بن أبي وحشية , عن سعيد بن جبير , قوله : وطعامه متاعا لكم قال : الصير .
قال : قلت : ما الصير ؟ قال : المالح .
9909 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : وطعامه متاعا لكم قال : أما طعامه فهو المالح .
9910 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو سفيان , عن معمر , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب : وطعامه متاعا لكم قال : طعامه : ما تزودت مملوحا في سفرك .
9911 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد وسعيد بن الربيع الرازي , قالا : ثنا سفيان عن عمرو , قال : قال جابر بن زيد : كنا نتحدث أن طعامه مليحه , ونكره الطافي منه .
وقال آخرون : طعامه ما فيه ذكر من قال ذلك : 9912 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن عمرو , عن عكرمة , قال : طعام البحر : ما فيه .
9913 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن حريث , عن عكرمة : وطعامه متاعا لكم قال : ما جاء به البحر بوجه .
9914 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن , عن حسن بن صالح , عن ليث , عن مجاهد , قال : طعامه : كل ما صيد منه .
وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا , قول من قال : طعامه : ما قذفه البحر أو حسر عنه فوجد ميتا على ساحله .
وذلك أن الله تعالى ذكر قبله صيد الذي يصاد , فقال : أحل لكم صيد البحر فالذي يجب أن يعطف عليه في المفهوم ما لم يصد منه , فقال : أحل لكم صيد ما صدتموه من البحر وما لم تصيدوه منه .
وأما المليح , فإنه ما كان منه ملح بعد الاصطياد , فقد دخل في جملة قوله : أحل لكم صيد البحر فلا وجه لتكريره , إذ لا فائدة فيه .
وقد أعلم عباده تعالى إحلاله ما صيد من البحر بقوله أحل لكم صيد البحر فلا فائدة أن يقال لهم بعد ذلك : ومليحه الذي صيد حلال لكم ; لأن ما صيد منه فقد بين تحليله طريا كان أو مليحا بقوله : أحل لكم صيد البحر والله يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة .
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا خبر , وإن كان بعض نقلته يقف به على ناقله عنه من الصحابة , وذلك ما : 9915 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا عبدة بن سليمان , عن محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو سلمة , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم قال : " طعامه : ما لفظه ميتا فهو طعامه " .
وقد وقف هذا الحديث بعضهم على أبي هريرة .
9916 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن محمد بن عمرو , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة في قوله : أحل لكم صيد البحر وطعامه قال : طعامه : ما لفظه ميتا .
متاعا لكم وللسيارةالقول في تأويل قوله تعالى : متاعا لكم وللسيارة يعني تعالى ذكره بقوله : متاعا لكم منفعة لمن كان منكم مقيما أو حاضرا في بلده يستمتع بأكله وينتفع به .
وللسيارة يقول : ومنفعة أيضا ومتعة للسائرين من أرض إلى أرض , ومسافرين يتزودونه في سفرهم مليحا .
والسيارة : جمع سيار .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : 9917 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرني أبو إسحاق , عن عكرمة , أنه قال في قوله : متاعا لكم وللسيارة قال : لمن كان بحضرة البحر , وللسيارة السفر .
9918 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن سعيد بن أبي عروبة , عن قتادة , في قوله : وطعامه متاعا لكم وللسيارة ما قذف البحر , وما يتزودون في أسفارهم من هذا المالح .
يتأولها على هذا .
* - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا جامع عن حماد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : وطعامه متاعا لكم وللسيارة مملوح السمك ما يتزودون في أسفارهم .
9919 - حدثنا سليمان بن عمرو بن خالد البرقي , قال : ثنا مسكين بن بكير , قال : ثنا عبد السلام بن حبيب النجاري , عن الحسن في قوله : وللسيارة قال : هم المحرمون .
9920 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : وطعامه متاعا لكم وللسيارة أما طعامه : فهو المالح منه , بلاغ يأكل منه السيارة في الأسفار .
9921 - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : وطعامه متاعا لكم وللسيارة قال : طعامه : مالحه وما قذف البحر منه يتزوده المسافر .
وقال مرة أخرى : مالحه وما قذف البحر , فمالحه يتزوده المسافر .
9922 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : وطعامه متاعا لكم وللسيارة يعني المالح فيتزوده .
وكان مجاهد يقول في ذلك بما : 9923 - حدثني محمد بن عمر , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : وطعامه متاعا لكم قال : أهل القرى , وللسيارة أهل الأمصار .
* - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , قوله : متاعا لكم قال لأهل القرى , وللسيارة قال : أهل الأمصار وأجناس الناس كلهم .
وهذا الذي قاله مجاهد من أن السيارة هم أهل الأمصار لا وجه له مفهوم , إلا أن يكون أراد بقوله هم أهل الأمصار : هم المسافرون من أهل الأمصار , فيجب أن يدخل في ذلك كل سيارة من أهل الأمصار كانوا أو من أهل القرى , فأما السيارة فلا يشمل المقيمين في أمصارهم .
وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماالقول في تأويل قوله تعالى : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما يعني تعالى ذكره : وحرم عليكم أيها المؤمنون صيد البر ما دمتم حرما , يقول : ما كنتم محرمين لم تحلوا من إحرامكم .
ثم اختلف أهل العلم في المعنى الذي عنى الله تعالى ذكره بقوله : وحرم عليكم صيد البر فقال بعضهم : عنى بذلك : أنه حرم علينا كل معاني صيد البر من اصطياد وأكل وقتل وبيع وشراء وإمساك وتملك .
ذكر من قال ذلك : 9924 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن يزيد بن أبي زياد , عن عبد الله بن الحارث , عن نوفل , عن أبيه , قال : حج عثمان بن عفان , فحج علي معه .
قال : فأتي عثمان بلحم صيد صاده حلال , فأكل منه ولم يأكل علي , فقال عثمان : والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا ! فقال علي : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما .
9925 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن عمرو بن أبي قيس , عن سماك , عن صبيح بن عبيد الله العبسي , قال : بعث عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحارث على العروض , فنزل قديدا , فمر به رجل من أهل الشام معه باز وصقر , فاستعاره منه , فاصطاد به من اليعاقيب , فجعلهن في حظيرة .
فلما مر به عثمان طبخهن , ثم قدمهن إليه , فقال عثمان : كلوا ! فقال بعضهم : حتى يجيء علي بن أبي طالب .
فلما جاء فرأى ما بين أيديهم , قال علي : إنا لن نأكل منه ! فقال عثمان : مالك لا تأكل ؟ فقال : هو صيد , ولا يحل أكله وأنا محرم .
فقال عثمان : بين لنا ! فقال علي : يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم فقال عثمان : أونحن قتلناه ؟ فقرأ عليه : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليك صيد البر ما دمتم حرما .
9926 - حدثنا تميم بن المنتصر وعبد الحميد بن بيان القناد , قالا : أخبرنا أبو إسحاق الأزرق , عن شريك , عن سماك بن حرب , عن صبيح بن عبيد الله العبسي , قال : استعمل عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحارث على العروض .
ثم ذكر نحوه , وزاد فيه : .
قال : فمكث عثمان ما شاء الله أن يمكث , ثم أتى فقيل له بمكة : هل لك في ابن أبي طالب أهدي له صفيف حمار فهو يأكل منه ! فأرسل إليه عثمان وسأله عن أكل الصفيف , فقال : أما أنت فتأكل , وأما نحن فتنهانا ؟ فقال : إنه صيد عام أول , وأنا حلال , فليس علي بأكله بأس , وصيد ذلك - يعني اليعاقيب - وأنا محرم , وذبحن وأنا حرام .
9927 - حدثنا عمران بن موسى القزاز , قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد , قال : ثنا يونس , عن الحسن : أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى بأسا بلحم الصيد للمحرم , وكرهه علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
9928 - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب : أن عليا كره لحم الصيد للمحرم على كل حال .
9929 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن يزيد بن أبي زياد , عن عبد الله بن الحارث : أنه شهد عثمان وعليا أتيا بلحم , فأكل عثمان ولم يأكل علي , فقال عثمان : أنحن صدنا أو صيد لنا ؟ فقرأ علي هذه الآية : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما .
9930 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , قال : حج عثمان بن عفان , فحج معه علي , فأتي بلحم صيد صاده حلال , فأكل منه وهو محرم , ولم يأكل منه علي , فقال عثمان : إنه صيد قبل أن نحرم .
فقال له علي : ونحن قد بدا لنا وأهالينا لنا حلال , أفيحللن لنا اليوم .
9931 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو , عن عبد الكريم , عن مجاهد , عن عبد الله بن الحارث بن نوفل : أن عليا أتي بشق عجز حمار وهو محرم , فقال : إني محرم .
9932 - حدثنا ابن بزيع , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا سعيد , عن يعلى بن حكيم , عن عكرمة , عن ابن عباس : أنه كان يكرهه على كل حال ما كان محرما .
9933 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا ابن جريج , قال : أخبرنا نافع أن ابن عمر كان يكره كل شيء من الصيد وهو حرام , أخذ له أو لم يؤخذ له , وشيقة وغيرها .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يحيى بن سعيد القطان , عن عبد الله , قال : أخبرني نافع : أن ابن عمر كان لا يأكل الصيد وهو محرم وإن صاده الحلال .
9934 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : أخبرني الحسن بن مسلم بن يناق : أن طاوسا كان ينهى الحرام عن أكل الصيد وشيقة وغيرها صيد له أو لم يصد له .
9935 - حدثنا عبد الأعلى , قال : ثنا خالد بن الحارث , قال : ثنا الأشعث , قال : قال الحسن : إذا صاد الصيد ثم أحرم لم يأكل من لحمه حتى يحل .
فإن أكل منه وهو محرم لم ير الحسن عليه شيئا .
9936 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام وهارون عن عنبسة , عن سالم , قال : سألت سعيد بن جبير , عن الصيد يصيده الحلال , أيأكل منه المحرم ؟ فقال : سأذكر لك من ذلك , إن الله تعالى قال : يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم فنهى عن قتله , ثم قال : ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ثم قال تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة قال : يأتي الرجل أهل البحر فيقول : أطعموني ! فإن قال : " غريضا " , ألقوا شبكتهم فصادوا له , وإن قال : أطعموني من طعامكم ! أطعموه من سمكهم المالح .
ثم قال : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وهو عليك حرام , صدته أو صاده حلال .
وقال آخرون : إنما عنى الله تعالى بقوله : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ما استحدث المحرم صيده في حال إحرامه أو ذبحه , أو استحدث له ذلك في تلك الحال .
فأما ما ذبحه حلال وللحلال فلا بأس بأكله للمحرم , وكذلك ما كان في ملكه قبل حال إحرامه فغير محرم عليه إمساكه .
ذكر من قال ذلك : 9937 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا سعيد , قال : ثنا قتادة , أن سعيد بن المسيب حدثه , عن أبي هريرة , أنه سئل عن صيد صاده حلال أيأكله المحرم ؟ قال : فأفتاه هو بأكله , ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره , فقال : لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك ! 9938 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي , قال : ثنا أبو عوانة , عن عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , قال : نزل عثمان بن عفان العرج وهو محرم , فأهدى صاحب العرج له قطا , قال : فقال لأصحابه : كلوا فإنه إنما اصطيد على اسمي ! قال : فأكلوا ولم يأكل .
9939 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب : أن أبا هريرة كان بالربذة , فسألوه عن لحم صيد صاده حلال .
ثم ذكر نحو حديث ابن بزيع عن بشر .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , عن أبي هريرة , عن عمر , نحوه .
9940 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن أبي إسحاق , عن أبي الشعثاء , قال : سألت ابن عمر عن لحم صيد يهديه الحلال إلى الحرام , فقال : أكله عمر , وكان لا يرى به بأسا .
قال : قلت : تأكله ؟ قال : عمر خير مني .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن شعبة , قال : ثنا أبو إسحاق .
عن أبي الشعثاء , قال : سألت ابن عمر عن صيد صاده حلال يأكل منه حرام ؟ قال : كان عمر يأكله .
قال : قلت : فأنت ؟ قال : كان عمر خيرا مني .
9941 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن هشام , عن يحيى , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة , قال : استفتاني رجل من أهل الشام في لحم صيد أصابه وهو محرم , فأمرته أن يأكله .
فأتيت عمر بن الخطاب فقلت له : إن رجلا من أهل الشام استفتاني في لحم صيد أصابه وهو محرم .
قال : فما أفتيته ؟ قال : قلت : أفتيته أن يأكله .
قال : فوالذي نفسي بيده لو أفتيته بغير ذلك لعلوتك بالدرة ! وقال عمر : إنما نهيت أن تصطاده .
9942 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا مصعب بن المقدام , قال : ثنا خارجة عن زيد بن أسلم , عن عطاء , عن كعب , قال : أقبلت في أناس محرمين , فأصبنا لحم حمار وحش , فسألني الناس عن أكله , فأفتيتهم بأكله وهم محرمون .
فقدمنا على عمر , فأخبروه أني أفتيتهم بأكل حمار الوحش وهم محرمون , فقال عمر : قد أمرته عليكم حتى ترجعوا .
9943 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا يحيى بن سعيد , عن سعيد بن المسيب , عن أبي هريرة , قال : مررت بالربذة , فسألني أهلها عن المحرم يأكل ما صاده الحلال , فأفتيتهم أن يأكلوه .
فلقيت عمر بن الخطاب , فذكرت ذلك له , قال : فبم أفتيتهم ؟ قال : أفتيتهم أن يأكلوا .
قال : لو أفتيتهم بغير ذلك لخالفتك .
9944 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , عن يونس , عن أبي الشعثاء الكندي , قال : قلت لابن عمر : كيف ترى في قوم حرام لقوا قوما حلالا ومعهم لحم صيد , فإما باعوهم وإما أطعموهم ؟ فقال : حلال .
9945 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي , قال : ثنا محمد بن سعيد , قال : ثنا هشام , يعني ابن عروة , قال : ثنا عروة , عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب , أن عبد الرحمن حدثه : أنه اعتمر مع عثمان بن عفان في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى نزلوا بالروحاء , فقرب إليهم طير وهم محرمون , فقال لهم عثمان : كلوا فإني غير آكله ! فقال عمرو بن العاص : أتأمرنا بما لست آكلا ؟ فقال عثمان : إني لولا أظن أنه صيد من أجلي لأكلت .
فأكل القوم .
9946 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن هشام بن عروة , عن أبيه : أن الزبير كان يتزود لحوم الوحش وهو محرم .
9947 - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا إسحاق , عن شريك , عن سماك بن حرب , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : ما صيد أو ذبح وأنت حلال فهو لك حلال , وما صيد أو ذبح وأنت حرام فهو عليك حرام .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : ما صيد من شيء وأنت حرام فهو عليك حرام , وما صيد من شيء وأنت حلال فهو لك حلال .
9948 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فجعل الصيد حراما على المحرم صيده وأكله ما دام حراما , وإن كان الصيد صيد قبل أن يحرم الرجل فهو حلال , وإن صاده حرام لحلال فلا يحل له أكله .
9949 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : سألت أبا بشر عن المحرم يأكل مما صاده الحلال , قال : كان سعيد بن جبير ومجاهد يقولان : ما صيد قبل أن يحرم أكل منه , وما صيد بعد ما أحرم لم يأكل منه .
9950 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا ابن جريج , قال : كان عطاء يقول إذا سئل في العلانية أيأكل الحرام الوشيقة والشيء اليابس ؟ يقول بيني وبينه : لا أستطيع أن أبين لك في مجلس , إن ذبح قبل أن يحرم فكل , وإلا فلا تبع لحمه ولا تبتع .
وقال آخرون : إنما عنى الله تعالى بقوله : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وحرم عليكم اصطياده .
قالوا : فأما شراؤه من مالك يملكه وذبحه وأكله بعد أن يكون ملكه إياه على غير وجه الاصطياد له وبيعه وشراؤه جائز .
قالوا : والنهي من الله تعالى عن صيده في حال الإحرام دون سائر المعاني ذكر من قال ذلك : 9951 - حدثني عبد الله بن أحمد بن شبوية , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : ثنا يحيى بن أيوب , قال : أخبرني يحيى , أن أبا سلمة اشترى قطا وهو بالعرج وهو محرم ومعه محمد بن المنكدر , فأكله .
فعاب عليه ذلك الناس .
والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال : إن الله تعالى عم تحريم كل معاني صيد البر على المحرم في حال إحرامه من غير أن يخص من ذلك شيئا دون شيء , فكل معاني الصيد حرام على المحرم ما دام حراما بيعه وشراؤه واصطياده وقتله وغير ذلك من معانيه , إلا أن يجده مذبوحا قد ذبحه حلال لحلال , فيحل له حينئذ أكله , للثابت من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , الذي : 9952 - حدثناه يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن ابن جريج .
وحدثني عبد الله بن أبي زياد , قال : ثنا مكي بن إبراهيم , قال : ثنا عبد الملك بن جريج , قال : أخبرني محمد بن المنكدر , عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان , عن أبيه عبد الرحمن بن عثمان , قال : كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم , فأهدي لنا طائر , فمنا من أكل ومنا من تورع فلم يأكل .
فلما استيقظ طلحة وفق من أكل , وقال : أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما روي عن الصعب بن جثامة : أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل حمار وحش يقطر دما , فرده فقال : " إنا حرم " .
وفيما روي عن عائشة : " أن وشيقة ظبي أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم , فردها " , وما أشبه ذلك من الأخبار ؟ قيل : إنه ليس في واحد من هذه الأخبار التي جاءت بهذا المعنى بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد من ذلك ما رد وقد ذبحه الذابح إذ ذبحه , وهو حلال لحلال , ثم أهداه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام فرده وقال : إنه لا يحل لنا لأنا حرم ; وإنما ذكر فيه أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم صيد فرده , وقد يجوز أن يكون رده ذلك من أجل أن ذابحه ذبحه أو صائده صاده من أجله صلى الله عليه وسلم وهو محرم , وقد بين خبر جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " لحم صيد البر للمحرم حلال , إلا ما صاد أو صيد له " .
معنى ذلك كله .
فإن كان كلا الخبرين صحيحا مخرجهما , فواجب التصديق بهما وتوجيه كل واحد منهما إلى الصحيح من وجه , وأن يقال رده ما رد من ذلك من أجل أنه كان صيد من أجله , وإذنه في كل ما أذن في أكله منه من أجل أنه لم يكن صيد لمحرم ولا صاده محرم , فيصح معنى الخبرين كليهما .
واختلفوا في صفة الصيد الذي عنى الله تعالى بالتحريم في قوله : وحرم عليك صيد البر ما دمتم حرما فقال بعضهم : صيد البر : كل ما كان يعيش في البر والبحر ; وإنما صيد البحر ما كان يعيش في الماء دون البر ويأوي إليه ذكر من قال ذلك : 9953 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن عمران بن حدير , عن أبي مجلز : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما قال : ما كان يعيش في البر والبحر لا يصيده , وما كان حياته في الماء فذاك 34 .
9954 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا الحجاج , عن عطاء , قال : ما كان يعيش في البر فأصابه المحرم فعليه جزاؤه , نحو السلحفاة والسرطان والضفادع .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن عمرو بن أبي قيس , عن الحجاج , عن عطاء , قال : كل شيء عاش في البر والبحر , فأصابه المحرم فعليه الكفارة .
9955 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , قال : ثنا يزيد بن أبي زياد , عن عبد الملك , عن سعيد بن جبير , قال : خرجنا حجاجا معنا رجل من أهل السواد معه شصوص طير ماء , فقال له أبي حين أحرمنا : اعزل هذا عنا ! 9956 - وحدثنا به أبو كريب مرة أخرى , قال : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت يزيد بن أبي زياد , قال : ثنا حجاج , عن عطاء : أنه كره للمحرم أن يذبح الدجاج الزنجي ; لأن له أصلا في البر .
وقال بعضهم : صيد البر ما كان كونه في البر أكثر من كونه في البحر ذكر من قال ذلك : 9957 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال ابن جريج : أخبرناه , قال : سألت عطاء عن ابن الماء , أصيد بر , أم بحر ؟ وعن أشباهه , فقال : حيث يكون أكثر فهو صيده .
9958 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني وكيع , عن سفيان , عن رجل , عن عطاء بن أبي رباح , قال : أكثر ما يكون حيث يفرخ , فهو منه .
واتقوا الله الذي إليه تحشرونالقول في تأويل قوله تعالى : واتقوا الله الذي إليه تحشرون وهذا تقدم من الله تعالى ذكره إلى خلقه بالحذر من عقابه على معاصيه , يقول تعالى : واخشوا الله أيها الناس , واحذروه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه وفيما نهاكم عنه في هذه الآيات التي أنزلها على نبيكم صلى الله عليه وسلم من النهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام , وعن إصابة صيد البر وقتله في حال إحرامكم , وفي غيرها , فإن لله مصيركم ومرجعكم فيعاقبكم بمعصيتكم إياه , ومجازيكم فمثيبكم على طاعتكم له .

أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون

سورة : المائدة - الأية : ( 96 )  - الجزء : ( 7 )  -  الصفحة: ( 124 ) - عدد الأيات : ( 120 )

تحميل سورة المائدة mp3 :

سورة المائدة mp3 : قم باختيار القارئ للاستماع و تحميل سورة المائدة

سورة المائدة بصوت ماهر المعيقلي
ماهر المعيقلي
سورة المائدة بصوت سعد الغامدي
سعد الغامدي
سورة المائدة بصوت عبد  الباسط عبد الصمد
عبد الباسط
سورة المائدة بصوت أحمد العجمي
أحمد العجمي
سورة المائدة بصوت محمد صديق المنشاوي
المنشاوي
سورة المائدة بصوت محمود خليل الحصري
الحصري
سورة المائدة بصوت مشاري راشد العفاسي
مشاري العفاسي
سورة المائدة بصوت ناصر القطامي
ناصر القطامي
سورة المائدة بصوت فارس عباد
فارس عباد
سورة المائدة بصوت ياسر لدوسري
ياسر الدوسري


لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب