﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
[ المائدة: 96]

سورة : المائدة - Al-Mā’idah  - الجزء : ( 7 )  -  الصفحة: ( 124 )

﴿ Lawful to you is (the pursuit of) water-game and its use for food - for the benefit of yourselves and those who travel, but forbidden is (the pursuit of) land-game as long as you are in a state of Ihram (for Hajj or 'Umrah). And fear Allah to Whom you shall be gathered back. ﴾


للسيارة : للمسافرين

أحل الله لكم -أيها المسلمون- في حال إحرامكم صيد البحر، وهو ما يصاد منه حيًّا، وطعامه: وهو الميت منه؛ من أجل انتفاعكم به مقيمين أو مسافرين، وحرم عليكم صيد البَرِّ ما دمتم محرمين بحج أو عمرة. واخشوا الله ونفذوا جميع أوامِره، واجتنبوا جميع نواهيه؛ حتى تظفَروا بعظيم ثوابه، وتَسْلموا من أليم عقابه عندما تحشرون للحساب والجزاء.

تفسير الآية 96 - سورة المائدة

تفسير الجلالين التفسير الميسر تفسير السعدي
تفسير البغوي التفسير الوسيط تفسير ابن كثير
تفسير الطبري تفسير القرطبي إعراب الآية

أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم : الآية رقم 96 من سورة المائدة

 سورة المائدة الآية رقم 96

الآية 96 من سورة المائدة مكتوبة بالرسم العثماني


﴿ أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ  ﴾ [ المائدة: 96]

﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون ﴾ [ المائدة: 96]

  1. الآية مشكولة
  2. تفسير الآية
  3. استماع mp3
  4. الرسم العثماني
  5. تفسير الصفحة
فهرس القرآن | سور القرآن الكريم : سورة المائدة Al-Mā’idah الآية رقم 96 , مكتوبة بكتابة عادية و كذلك بالشكيل و مصورة مع الاستماع للآية بصوت ثلاثين قارئ من أشهر قراء العالم الاسلامي مع تفسيرها ,مكتوبة بالرسم العثماني لمونتاج فيديو اليوتيوب .
  
   

تحميل الآية 96 من المائدة صوت mp3

والمراد بصيد البحر: ما توالده ومثواه في الماء.
والمراد بالبحر: ما يشمل جميع المياه العذبة والملحة سواء أكانت أنهارا أم غدرانا أم غيرهما.
والمراد بالصيد: الاصطياد أو ما يصاد منه.
والمراد بطعامه: ما يطعم من صيده.
وهو عطف على صَيْدُ من عطف الخاص على العام، ويكون الحل الواقع على الصيد المقصود به حل الانتفاع مطلقا ثم عطف عليه ما يفيد حل الأكل خاصة من باب إظهار الامتنان بالإنعام بما هو قوام الحياة وهو الأكل فإن صيد البحر قد يقصد لمنافع أخرى غير الأكل، كالانتفاع بزيت بعض أنواع المصيد منه.
ويرى ابن أبى ليلى أن المراد بالصيد والطعام المعنى المصدري، وقدر مضافا في صيد البحر، وجعل الضمير في طَعامُهُ يعود إليه لا إلى البحر، فيكون المعنى:أحل لكم صيد حيوان البحر كما أحل لكم أن تأكلوا ما صدتموه منه.
فهو يرى حل الأكل من جميع حيوانات البحر.
وقيل: بل المراد بصيد البحر ما أخذ بحيلة، وبطعامه ما ألقاه البحر من حيواناته أو انحسر عنه الماء وأخذه الآخذ من غير حيلة أو معالجة.
وقوله: مَتاعاً مفعول لأجله.
وقوله: وَلِلسَّيَّارَةِ متعلق بأحل.
وهو جمع سيار باعتبار الجماعة.
والمراد بالسيارة: القوم المسافرون.
والمعنى: أحل الله لكم أيها المحرمون صيد البحر كما أحل لكم أكل ما يؤكل منه، لأجل تمتعكم وانتفاعكم بذلك في حال إقامتكم وفي حال سفركم فأنتم تتمتعون بهذه النعم مقيمين ومسافرين، وذلك يقتضى منكم الشكر لله لكي يزيدكم من هذه النعم.
قال ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل الجمهور على حل ميتة البحر بهذه الآية وبما أخرجه الشيخان عن جابر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة وهم ثلاثمائة- قال: وأنا فيهم- قال فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فنى الزاد.
قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت كبير.
فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة.
فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه الله لكم.
هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله» .
وأخرج الإمام أحمد وأهل السنن ومالك والشافعى عن أبى هريرة: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله!! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء.
فإن توضأنا به عطشنا أنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» .
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال» .
رواه الشافعى وأحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وله شواهد.
وقد احتج بهذه الآية أيضا من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر ولم يستثن من ذلك شيئا.
وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها.
وقال أبو حنيفة: لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر لعموم قوله- تعالى-: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ .
ثم أكد- سبحانه- حرمة صيد البر للمحرمين فقال.
وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً والمراد بصيد البر: ما كان توالده ومأواه في البر مما هو متوحش بأصل خلقته.
وبعض الفقهاء يرى أن التحريم هنا منصب على الفعل، وعليه فالآية إنما تدل على حرمة الاصطياد فقط، وأما الأكل منه- أى من الصيد- بأن يصيده حلال فلا تدل عليه الآية.
وبعضهم يرى أن التحريم هنا منصب على ذات الصيد.
وعليه فتكون الآية تقتضي تحريم جميع وجوه الانتفاع بالصيد إلا ما يخرجه الدليل.
وقد بسط القرطبي الكلام في هذه المسألة فقال ما ملخصه: قوله- تعالى- وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً التحريم ليس صفة للأعيان وإنما يتعلق بالأفعال فمعنى قوله: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ أى فعل الصيد وهو المنع من الاصطياد.
أو يكون الصيد بمعنى المصيد وهو الأظهر لإجماع العلماء أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له، ولا يجوز له شراؤه، ولا اصطياده، ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه.
وقد اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد، فقال مالك والشافعى وأحمد.
إنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ولا من أجله، لما رواه الترمذي والنسائي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم» وقال أبو حنيفة: أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال- سواء صيد من أجله أو لم يصد لظاهر قوله- تعالى- لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ فحرم صيده وقتله على المحرمين دون ما صاده غيرهم.
وروى عن على بن أبى طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال سواء صيد من أجله أو لم يصد.
لحديث الصعب بن جثامة الليثي، أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فلما أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهى قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» خرجه الأثمة واللفظ لمالك .
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بالدعوة إلى خشيته وتقواه وبالتذكير بالحشر وما فيه من حساب وعقاب فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.
أى: واتقوا الله في كل أحوالكم، وقفوا عند حدوده فلا تتجاوزوها، واعلموا أن مرجعكم وحشركم إليه وحده، وسيجازيكم على أعمالكم التي عملتموها في دنياكم.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أحلت للمحرم صيد البحر- فضلا من الله ورحمة- لأن البحر بعيد عن الحرم، والمحرم قد يحرم في منطقة قد تكون فيها بحار فتحريم صيد البحر عليه قد يؤدى إلى تعبه وإجهاده دون أن تكون هناك فائدة تعود على سكان الحرم.
أما الحكمة من وراء تحريم الصيد البرى على المحرمين فمنها: أن البيت الحرام بواد غير زرع، وسكان هذه المنطقة من وسائل حياتهم الصيد، فلو أبيح الصيد للمحرمين القادمين لزيارة البيت من كل فج عميق.
.
لأدى ذلك إلى قتل الكثير من الصيد البرى الذي هو مصدر انتفاع للقاطنين في تلك المناطق.
وفضلا عن كل ذلك ففي تحريم الصيد البرى الذي يعيش في مناطق الحرم، تكريم لهذه المناطق، وتشريف لها، وإعلاء لشأنها ومكانتها.
فهي أماكن الأمان والاطمئنان والسلام.
لا للبشر وحدهم، بل للبشر ولغير البشر من مخلوقات الله التي نهت شريعته عن التعرض لها بسوء.
وبعد هذا النهى الشديد للمحرمين عن صيد البر وهم على هذه الحالة بين- سبحانه- المنزلة السامية للكعبة التي هي أشرف مكان، وأصلحه لأمان الناس واطمئنانهم كما بين- سبحانه- مكانة الأشهر الحرم وما يقدم فيها من خيرات لسكان الحرم- فقال- تعالى-:
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِهذا حكم بتحليل صيد البحر , وهو كل ما صيد من حيتانه والصيد هنا يراد به المصيد , وأضيف إلى البحر لما كان منه بسبب , وقد مضى القول في البحر في " البقرة " والحمد لله .
و " متاعا " نصب على المصدر أي متعتم به متاعا .
وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْالطعام لفظ مشترك يطلق على كل ما يطعم , ويطلق على مطعوم خاص كالماء وحده , والبر وحده , والتمر وحده , واللبن وحده , وقد يطلق على النوم كما تقدم ; وهو هنا عبارة عما قذف به البحر وطفا عليه ; أسند الدارقطني عن ابن عباس في قول الله عز وجل : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة " الآية صيده ما صيد وطعامه ما لفظ البحر , وروي عن أبي هريرة مثله ; وهو قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين , وروي عن ابن عباس ميتته وهو في ذلك المعنى , وروي عنه أنه قال : طعامه ما ملح منه وبقي ; وقاله معه جماعة , وقال قوم : طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات وغيره .
قال أبو حنيفة : لا يؤكل السمك الطافي ويؤكل ما سواه من السمك , ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك وهو قول الثوري في رواية أبي إسحاق الفزاري عنه , وكره الحسن أكل الطافي من السمك .
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كرهه , وروي عنه أيضا أنه كره أكل الجري وروي عنه أكل ذلك كله وهو أصح ; ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن جعفر بن محمد عن علي قال : الجراد والحيتان ذكي ; فعلي مختلف عنه في أكل الطافي من السمك ولم يختلف عن جابر أنه كرهه , وهو قول طاوس ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد , واحتجوا بعموم قوله تعالى : " حرمت عليكم الميتة " [ المائدة : 3 ] , وبما رواه أبو داود والدارقطني عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كلوا ما حسر عنه البحر وما ألقاه وما وجدتموه ميتا أو طافيا فوق الماء فلا تأكلوه ) .
قال الدارقطني : تفرد به عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب بن كيسان عن جابر , وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به .
وروى سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ; قال الدارقطني : لم يسنده عن الثوري غير أبي أحمد الزبيري وخالفه وكيع والعدنيان , وعبد الرزاق ومؤمل وأبو عاصم وغيرهم ; رووه عن الثوري موقوفا وهو الصواب , وكذلك رواه أيوب السختياني , وعبيد الله بن عمر وابن جريج , وزهير وحماد بن سلمة وغيرهم عن أبي الزبير موقوفا قال أبو داود : وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال الدارقطني : وروي عن إسماعيل بن أمية وابن أبي ذئب عن أبي الزبير مرفوعا , ولا يصح رفعه , رفعه يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية ووقفه غيره , وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري في رواية الأشجعي : يؤكل كل ما في البحر من السمك والدواب , وسائر ما في البحر من الحيوان , وسواء اصطيد أو وجد ميتا , واحتج مالك ومن تابعه بقوله عليه الصلاة والسلام في البحر : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) وأصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد حديث جابر في الحوت الذي يقال له : ( العنبر ) وهو من أثبت الأحاديث خرجه الصحيحان , وفيه : فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال : ( هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا ) فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله ; لفظ مسلم وأسند الدارقطني عن ابن عباس أنه قال أشهد على أبي بكر أنه قال : السمكة الطافية حلال لمن أراد أكلها , وأسند عنه أيضا أنه قال : أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على الماء , وأسند عن أبي أيوب أنه ركب البحر في رهط من أصحابه , فوجدوا سمكة طافية على الماء فسألوه عنها فقال : أطيبة هي لم تتغير ؟ قالوا : نعم قال : فكلوها وارفعوا نصيبي منها ; وكان صائما , وأسند عن جبلة بن عطية أن أصحاب أبي طلحة أصابوا سمكة طافية فسألوا عنها أبا طلحة فقال : أهدوها إلي , وقال عمر بن الخطاب : الحوت ذكي والجراد ذكي كله ; رواه عنه الدارقطني فهذه الآثار ترد قول من كره ذلك وتخصص عموم الآية , وهو حجة للجمهور ; إلا أن مالكا كان يكره خنزير الماء من جهة اسمه ولم يحرمه وقال : أنتم تقولون خنزيرا ! وقال الشافعي : لا بأس بخنزير الماء وقال الليث : ليس بميتة البحر بأس .
قال : وكذلك كلب الماء وفرس الماء .
قال : ولا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء .
اختلف العلماء في الحيوان الذي يكون في البر والبحر هل يحل صيده للمحرم أم لا ؟ فقال مالك وأبو مجلز وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم : كل ما يعيش في البر وله فيه حياة فهو صيد البر , إن قتله المحرم وداه , وزاد أبو مجلز في ذلك الضفادع والسلاحف والسرطان .
الضفادع وأجناسها حرام عند أبي حنيفة ولا خلاف عن الشافعي في أنه لا يجوز أكل الضفدع , واختلف قوله فيما له شبه في البر مما لا يؤكل كالخنزير والكلب وغير ذلك , والصحيح أكل ذلك كله ; لأنه نص على الخنزير في جواز أكله , وهو له شبه في البر مما لا يؤكل , ولا يؤكل عنده التمساح ولا القرش والدلفين , وكل ما له ناب لنهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب .
قال ابن عطية : ومن هذه أنواع لا زوال لها من الماء فهي لا محالة من صيد البحر , وعلى هذا خرج جواب مالك في الضفادع في " المدونة " فإنه قال : الضفادع من صيد البحر , وروي عن عطاء بن أبي رباح خلاف ما ذكرناه , وهو أنه يراعى أكثر عيش الحيوان ; سئل عن ابن الماء أصيد بر هو أم صيد بحر ؟ فقال : حيث يكون أكثر فهو منه , وحيث يفرخ فهو منه ; وهو قول أبي حنيفة , والصواب في ابن الماء أنه صيد بر يرعى ويأكل الحب .
قال ابن العربي : الصحيح في الحيوان الذي يكون في البر والبحر منعه ; لأنه تعارض فيه دليلان , دليل تحليل ودليل تحريم , فيغلب دليل التحريم احتياطا , والله أعلم .
وَلِلسَّيَّارَةِفيه قولان : أحدهما للمقيم والمسافر كما جاء في حديث أبي عبيدة أنهم أكلوه وهم مسافرون وأكل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم , فبين الله تعالى أنه حلال لمن أقام , كما أحله لمن سافر .
الثاني : أن السيارة هم الذين يركبونه , كما جاء في حديث مالك والنسائي : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء , فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) قال ابن العربي قاله علماؤنا : فلو قال له النبي صلى الله عليه وسلم ( نعم ) لما جاز الوضوء به إلا عند خوف العطش ; لأن الجواب مرتبط بالسؤال , فكان يكون محالا عليه , ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ تأسيس القاعدة , وبيان الشرع فقال : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) .
قلت : وكان يكون الجواب مقصورا عليهم لا يتعدى لغيرهم , لولا ما تقرر من حكم الشريعة أن حكمه على الواحد حكمه على الجميع , إلا ما نص بالتخصيص عليه , كقوله لأبي بردة في العناق : ( ضح بها ولن تجزئ عن أحد غيرك ) .
وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًافيه سبع مسائل : الأولى : التحريم ليس صفة للأعيان , إنما يتعلق بالأفعال فمعنى قوله : " وحرم عليكم صيد البر " أي فعله الصيد , وهو المنع من الاصطياد , أو يكون الصيد بمعنى المصيد , على معنى تسمية المفعول بالفعل كما تقدم , وهو الأظهر لإجماع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له , ولا يجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه , ولا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك ; لعموم قوله تعالى : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " ولحديث الصعب بن جثامة على ما يأتي .
الثانية : اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد فقال مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد وروي عن إسحاق , وهو الصحيح عن عثمان بن عفان : إنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له , ولا من أجله , لما رواه الترمذي والنسائي والدارقطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم ) قال أبو عيسى : هذا أحسن حديث في الباب ; وقال النسائي : عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث , وإن كان قد روى عنه مالك .
فإن أكل من صيد صيد من أجله فداه , وبه قال الحسن بن صالح والأوزاعي , واختلف قول مالك فيما صيد لمحرم بعينه , والمشهور من مذهبه عند أصحابه أن المحرم لا يأكل مما صيد لمحرم معين أو غير معين ولم يأخذ بقول عثمان لأصحابه حين أتي بلحم صيد وهو محرم : كلوا فلستم مثلي لأنه صيد من أجلي ; وبه قالت طائفة من أهل المدينة , وروي عن مالك , وقال أبو حنيفة وأصحابه : أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال , سواء صيد من أجله أو لم يصد لظاهر قوله تعالى : " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " فحرم صيده وقتله على المحرمين , دون ما صاده غيرهم .
واحتجوا بحديث البهزي - واسمه زيد بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حمار الوحش العقير أنه أمر أبا بكر فقسمه في الرفاق , من حديث مالك وغيره .
وبحديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه ( إنما هي طعمة أطعمكموها الله ) , وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في رواية عنه , وأبي هريرة والزبير بن العوام ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير , وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال , سواء صيد من أجله أو لم يصد ; لعموم قوله تعالى : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " .
قال ابن عباس : هي مبهمة وبه قال طاوس وجابر بن زيد أبو الشعثاء وروي ذلك عن الثوري وبه قال إسحاق .
واحتجوا بحديث الصعب بن جثامة الليثي , أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا , وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ; قال : فلما أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي قال : ( إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ) خرجه الأئمة واللفظ لمالك .
قال أبو عمر : وروى ابن عباس من حديث سعيد بن جبير ومقسم وعطاء وطاوس عنه , أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحش ; وقال سعيد بن جبير في حديثه : عجز حمار وحش فرده يقطر دما كأنه صيد في ذلك الوقت ; وقال مقسم في حديثه رجل حمار وحش .
وقال عطاء في حديثه : أهدى له عضد صيد فلم يقبله وقال : ( إنا حرم ) وقال طاوس في حديثه : عضدا من لحم صيد ; حدث به إسماعيل عن علي بن المديني , عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج , عن الحسن بن مسلم , عن طاوس , عن ابن عباس , إلا أن منهم من يجعله عن ابن عباس عن زيد بن أرقم .
قال إسماعيل : سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه صيد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم , ولولا ذلك لكان أكله جائزا ; قال سليمان : ومما يدل على أنه صيد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم قولهم في الحديث : فرده يقطر دما كأنه صيد في ذلك الوقت .
قال إسماعيل : إنما تأول سليمان هذا الحديث لأنه يحتاج إلى تأويل ; فأما رواية مالك فلا تحتاج إلى التأويل ; لأن المحرم لا يجوز له أن يمسك صيدا حيا ولا يذكيه ; قال إسماعيل : وعلى تأويل سليمان بن حرب تكون الأحاديث المرفوعة كلها غير مختلفة فيها إن شاء الله تعالى .
الثالثة : إذا أحرم وبيده صيد أو في بيته عند أهله فقال مالك : إن كان في يده فعليه إرساله , وإن كان في أهله فليس عليه إرساله , وهو قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل , وقال الشافعي في أحد قوليه : سواء كان في يده أو في بيته ليس عليه أن يرسله , وبه قال أبو ثور , وروي عن مجاهد وعبد الله بن الحارث مثله وروي عن مالك , وقال ابن أبي ليلى والثوري والشافعي في القول الآخر : عليه أن يرسله , سواء كان في بيته أو في يده فإن لم يرسله ضمن , وجه القول بإرساله قوله تعالى : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " وهذا عام في الملك والتصرف كله , ووجه القول بإمساكه : أنه معنى لا يمنع من ابتداء الإحرام فلا يمنع من استدامة ملكه , أصله النكاح .
الرابعة : فإن صاده الحلال في الحل فأدخله الحرم جاز له التصرف فيه بكل نوع من ذبحه , وأكل لحمه , وقال أبو حنيفة : لا يجوز .
ودليلنا أنه معنى يفعل في الصيد فجاز في الحرم للحلال , كالإمساك والشراء ولا خلاف فيها .
الخامسة : إذا دل المحرم حلا على صيد فقتله الحلال اختلف فيه , فقال مالك والشافعي وأبو ثور : لا شيء عليه , وهو قول ابن الماجشون , وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين : عليه الجزاء ; لأن المحرم التزم بإحرامه ترك التعرض ; فيضمن بالدلالة كالمودع إذا دل سارقا على سرقة .
السادسة : واختلفوا في المحرم إذا دل محرما آخر ; فذهب الكوفيون وأشهب من أصحابنا إلى أن على كل واحد منهما جزاء , وقال مالك والشافعي وأبو ثور : الجزاء على المحرم القاتل ; لقوله تعالى : " ومن قتله منكم متعمدا " فعلق وجوب الجزاء بالقتل , فدل على انتفائه بغيره ; ولأنه دال فلم يلزمه بدلالته غرم كما لو دل الحلال في الحرم على صيد في الحرم , وتعلق الكوفيون وأشهب بقوله عليه السلام في حديث أبي قتادة : ( هل أشرتم أو أعنتم ) ؟ وهذا يدل على وجوب الجزاء , والأول أصح , والله أعلم .
السابعة : إذا كانت شجرة نابتة في الحل وفرعها في الحرم فأصيب ما عليه من الصيد ففيه الجزاء ; لأنه أخذ في الحرم وإن كان أصلها في الحرم وفرعها في الحل فاختلف علماؤنا فيما أخذ عليه على قولين : الجزاء نظرا إلى الأصل , ونفيه نظرا إلى الفرع .
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَتشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم , ثم ذكر بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير , والله أعلم .


شرح المفردات و معاني الكلمات : أحل , صيد , البحر , وطعامه , متاعا , للسيارة , وحرم , صيد , البر , دمتم , حرما , اتقوا , الله , تحشرون ,
English Türkçe Indonesia
Русский Français فارسی
تفسير انجليزي اعراب

تحميل سورة المائدة mp3 :

سورة المائدة mp3 : قم باختيار القارئ للاستماع و تحميل سورة المائدة

سورة المائدة بصوت ماهر المعيقلي
ماهر المعيقلي
سورة المائدة بصوت سعد الغامدي
سعد الغامدي
سورة المائدة بصوت عبد  الباسط عبد الصمد
عبد الباسط
سورة المائدة بصوت أحمد العجمي
أحمد العجمي
سورة المائدة بصوت محمد صديق المنشاوي
المنشاوي
سورة المائدة بصوت محمود خليل الحصري
الحصري
سورة المائدة بصوت مشاري راشد العفاسي
مشاري العفاسي
سورة المائدة بصوت ناصر القطامي
ناصر القطامي
سورة المائدة بصوت فارس عباد
فارس عباد
سورة المائدة بصوت ياسر لدوسري
ياسر الدوسري


الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم


Thursday, December 1, 2022
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب