﴿ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾
[ التوبة: 35]

سورة : التوبة - At-Taubah  - الجزء : ( 10 )  -  الصفحة: ( 192 )

On the Day when that (Al-Kanz: money, gold and silver, etc., the Zakat of which has not been paid) will be heated in the Fire of Hell and with it will be branded their foreheads, their flanks, and their backs, (and it will be said unto them):-"This is the treasure which you hoarded for yourselves. Now taste of what you used to hoard."


يوم القيامة توضع قطع الذهب والفضة في النار، فإذا اشتدت حرارتها أُحرقت بها جباه أصحابها وجنوبهم وظهورهم. وقيل لهم توبيخًا: هذا مالكم الذي أمسكتموه ومنعتم منه حقوق الله، فذوقوا العذاب الموجع؛ بسبب كنزكم وإمساككم.

يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا - تفسير السعدي

‏{‏يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا‏}‏ أي‏:‏ على أموالهم، ‏{‏فِي نَارِ جَهَنَّمَ‏}‏ فيحمى كل دينار أو درهم على حدته‏.‏‏{‏فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ‏}‏ في يوم القيامة كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ويقال لهم توبيخا ولوما‏:‏ ‏{‏هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ‏}‏ فما ظلمكم ولكنكم ظلمتم أنفسكم وعذبتموها بهذا الكنز‏.‏وذكر اللّه في هاتين الآيتين، انحراف الإنسان في ماله، وذلك بأحد أمرين‏:‏إما أن ينفقه في الباطل الذي لا يجدي عليه نفعا، بل لا يناله منه إلا الضرر المحض، وذلك كإخراج الأموال في المعاصي والشهوات التي لا تعين على طاعة اللّه، وإخراجها للصد عن سبيل اللّه‏.‏وإما أن يمسك ماله عن إخراجه في الواجبات، و ‏(‏النهي عن الشيء، أمر بضده‏)‏

تفسير الآية 35 - سورة التوبة

تفسير الجلالين التفسير الميسر تفسير السعدي
تفسير البغوي التفسير الوسيط تفسير ابن كثير
تفسير الطبري تفسير القرطبي إعراب الآية

يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى : الآية رقم 35 من سورة التوبة

 سورة التوبة الآية رقم 35

يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا - مكتوبة

الآية 35 من سورة التوبة بالرسم العثماني


﴿ يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ  ﴾ [ التوبة: 35]


﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنـزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ [ التوبة: 35]

  1. الآية مشكولة
  2. تفسير الآية
  3. استماع mp3
  4. الرسم العثماني
  5. تفسير الصفحة
فهرس القرآن | سور القرآن الكريم : سورة التوبة At-Taubah الآية رقم 35 , مكتوبة بكتابة عادية و كذلك بالشكيل و مصورة مع الاستماع للآية بصوت ثلاثين قارئ من أشهر قراء العالم الاسلامي مع تفسيرها ,مكتوبة بالرسم العثماني لمونتاج فيديو اليوتيوب .
  
   

تحميل الآية 35 من التوبة صوت mp3


تدبر الآية: يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا

مَن أحبَّ شيئًا وقدَّمه على طاعة الله، عُذِّب به.
كم من محبوبٍ كان سببَ هلاكِ مُحبِّه! فاجعل محبوباتِك حبلَ نجاتك، ووسائلَ سعادتك الأبدية.
بقدر ما يكنِز المرءُ من المال، ويمتنع عن إنفاقه في حقِّه الواجب، ينالُه من العذاب، ويصيبه من العقاب.

وقوله يُحْمى يجوز أن يكون من حميت وأحميت- ثلاثيا ورباعيا- يقال: حميت الحديدة وأحميتها، أى: أوقدت عليها لتحمى.
وقوله: عَلَيْها جار ومجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل.
ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل مضمرا، أى: يحمى الوقود أو الجمر عليها.
قال الآلوسى: وأصله تحمى بالنار من قولك: حميت الميسم وأحميته فجعل الإحماء للنار مبالغة لأن النار في ذاتها ذات حمى، فإذا وصفت بأنها تحمى دل على شدة توقدها.
ثم حذفت النار، وحول الإسناد إلى الجار والمجرور تنبيها على المقصود بأتم وجه فانتقل من صيغة التأنيث إلى التذكير كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير.
فإذا طرحت القصة وأسند الفعل إلى الجار والمجرور قلت: رفع إلى الأمير، وقرأ ابن عامر تحمى بالتاء بإسناده إلى النار كأصله» .
والمعنى: بشر- يا محمد- أولئك الذين يكنزون الأموال في الدنيا ولا ينفقونها في سبيل الله، بالعذاب الأليم يوم الحساب يوم تحمى النار المشتعلة على تلك الأموال التي لم يؤدوا حق الله فيها فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ أى: فتحرق بها جباههم التي كانوا يستقبلون بها الناس، والتي طالما ارتفعت غرورا بالمال المكنوز، وتحرق بها- أيضا- «جنوبهم» التي كثيرا ما انتفخت من شدة الشبع وغيرها جائع، وتحرق بها كذلك «ظهورهم» التي نبذت وراءها حقوق الله بجحود وبطر ...
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم خصت هذه الأعضاء بالكي؟قلت: لأنهم لم يطلبوا بأموالهم- حيث لم ينفقوها في سبيل الله- إلا الأغراض الدنيوية، من وجاهة عند الناس، وتقدم، وأن يكون ماء وجوههم مصونا عندهم، يتلقون بالجميل ويحيون بالإكرام، ويبجلون ويحتشمون، ومن أكل طيبات يتضلعون منها وينفخون جنوبهم، ومن لبس ناعمة من الثياب يطرحونها على ظهورهم، كما ترى أغنياء زمانك، هذه أغراضهم وطلباتهم من أموالهم، لا يخطر ببالهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «ذهب أهل الدثور بالأجر كله» .
وقيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه، وتولوا بأركانهم، وولوه ظهورهم..» .
وقوله: هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ مقول لقول محذوف.
والتفسير: تقول لهم ملائكة العذاب على سبيل التبكيت والتوبيخ، وهي تتولى حرق جباههم وجنوبهم وظهورهم: هذا العذاب الأليم النازل بكم في الآخرة هو جزاء ما كنتم تكنزونه في الدنيا من مال لمنفعة أنفسكم دون أن تؤدوا حق الله فيه.
فذوقوا وحدكم وبال كنزكم.
وتجرعوا غصصه، وتحملوا سوء عاقبته فأنتم الذين جنيتم على أنفسكم، لأنكم لم تشكروا الله على هذه الأموال.
بل استعملتموها في غير ما خلقت له.
هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى.
1- التحذير من الانقياد لدعاة السوء، ومن تقليدهم في رذائلهم وقبائحهم ووجوب السير على حسب ما جاء به الإسلام من تعاليم وتشريعات ...
ولذا قال ابن كثير عند تفسيره للآية الأولى: والمقصود التحذير من علماء السوء، وعباد الضلال، كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من أحبار اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من رهبان النصارى.
وفي الحديث الصحيح: «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن» ؟ وفي رواية: فارس والروم؟ قال: «فمن الناس إلا هؤلاء» والحاصل التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم .
هذا، ونص الحديث الصحيح الذي ذكره الإمام ابن كثير- كما رواه الشيخان- هكذا عن أبى سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟قال: فمن؟ .
أما الحديث الذي جاء فيه حذو القذة بالقذة، فقد أخرجه الإمام أحمد عن شداد بن أوس ونصه: «ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم.
أهل الكتاب، حذو القذة بالقذة» .
2- يرى جمهور العلماء أن المقصود بالكنز في قوله، تعالى، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها.. ألخ المال الذي لم تؤد زكاته، أما إذا أديت زكاته فلا يسمى كنزا، ولا يدخل صاحبه تحت الوعيد الذي اشتملت عليه الآية.
وقد وضح الإمام القرطبي هذه المسألة فقال: واختلف العلماء في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزا أولا؟.
فقال قوم: نعم.
رواه أبو الضحى عن جعدة بن هبيرة عن على قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كثر فهو كنز وإن أديت زكاته،،،، ولا يصح.
وقال قوم: ما أديت زكاته منه أو من غيره عنه فليس بكنز، قال ابن عمر: ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض.
ومثله عن جابر، وهو الصحيح.
وروى البخاري عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه- يعنى شدقيه- ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك..» .
وفيه أيضا عن أبى ذر قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «والذي نفسي بيده، ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم، لا يؤدى حقها، إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه، تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها، كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس» .
فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا.
وقد بين ابن عمر في صحيح البخاري هذا المعنى.
قال له أعرابى: أخبرنى عن قول الله.
تعالى- وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ..الآية فقال ابن عمر: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال.
وروى أبو داود عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ.. كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق فقال: يا نبي الله، إنه كبر على أصحابك هذه الآية.
فقال صلى الله عليه وسلم «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم» قال: فكبر عمر.
ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته» .
3- أخذ بعض الصحابة من هذه الآية تحريم اكتناز الأموال التي تفيض عن حاجات الإنسان الضرورية.
قال ابن كثير: كان من مذهب أبى ذر- رضى الله عنه- تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يفتي بذلك، ويحثهم عليه ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية فلم ينته، فخشي أن يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان، وأن يأخذه إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة وأنزله بالربذة- وهي بلدة قريبة من المدينة- وبها مات- رضى الله عنه- في خلافة عثمان.
وروى البخاري في تفسير هذه الآية عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة، فإذا بأبى ذر، فقلت له: ما أنزلك بهذه الأرض؟ قال: كنا بالشام فقرأت وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
فقال معاوية: ما هذه فينا ما هذه إلا في أهل الكتاب.
قال: قلت: إنها لفينا وفيهم.
ثم قال ابن كثير: وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبى ذر: «ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا يمر على ثلاثة أيام وعندي منه شيء إلا دينار أرصده لدين» فهذا- والله أعلم- هو الذي حدا أبا ذر على القول بهذا» .
وقال الشيخ القاسمى: قال ابن عبد البر: وردت عن أبى ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش، فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك.
وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابى حيث قال: هل على غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع» .
وحديث طلحة الذي أشار إليه ابن عبد البر، قد جاء في صحيح البخاري ونصه: عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوى صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل على غيرها؟:قال: «لا.. إلا أن تطوع» ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وصيام رمضان» قال: هل على غيره؟قال: «لا إلا أن تطوع» ، قال.
وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال.
هل على غيرها؟ قال «لا إلا أن تطوع» .
قال، فأدبر الرجل وهو يقول.
والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص.
فقال، رسول الله صلى الله عليه وسلم «أفلح إن صدق».
هذا ومما استدل به جمهور الصحابة ومن بعدهم من العلماء، على عدم حرمة اقتناء الأموال التي تفيض عن الحاجة- مادام قد أدى حق الله فيها- ما يأتى:{أ} أن قواعد الشرع لا تحرم ذلك، وإلا لما شرع الله المواريث لأنه لو وجب إنفاق كل ما زاد عن الحاجة، لما كان لمشروعية المواريث فائدة.
{ب} ثبت في الحديث الصحيح أن سعد بن أبى وقاص عند ما كان مريضا، وزاره رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا رسول الله: أأوصى بمالي كله؟ قال: «لا.
قال سعد: فالشطر؟قال: لا.
قال سعد: فالثلث؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: فالثلث والثلث كثير.
إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ...
» .
ولو كان جمع المال واقتناؤه محرما، لأقر النبي صلى الله عليه وسلم سعدا على التصدق بجميع ماله، ولأمر المسلمين أن يحذوا حذو سعد، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، بل قال لسعد: «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس..» .
وقد كان في عهده صلى الله عليه وسلم من الصحابة من يملكون الكثير من الأموال- كعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما- ومع هذا فلم يأمرهم بإنفاق كل ما زاد عن حاجتهم الضرورية.
قال القرطبي: قرر الشرع ضبط الأموال وأداء حقها، ولو كان ضبط المال ممنوعا، لكان حقه أن يخرج كله، وليس في الأمة من يلزم هذا.
وحسبك حال الصحابة وأموالهم- رضوان الله عليهم- وأما ما ذكر عن أبى ذر فهو مذهب له .
{ج} ما ورد من آثار في ذم الكنز والكانزين كان قبل أن تفرض الزكاة أو هو في حق من امتنع عن أداء حق الله في ماله.
قال صاحب الكشاف.
فإن قلت فما تصنع في قوله صلى الله عليه وسلم «من ترك صفراء أو بيضاء كوى بها» .
قلت.
كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأما بعد فرضيتها، فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالا من حيث أذن له فيه، ويؤدى عنه ما أوجب عليه فيه، ثم يعاقبه.
ولقد كان كثير من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله يقتنون الأموال ويتصرفون فيها، وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن الإعراض اختيار للأفضل، والاقتناء مباح موسع لا يذم صاحبه، ولكل شيء حد » .
4- أن الإسلام وإن كان قد أباح للمسلم اقتناء المال- بعد أداء حق الله فيه- إلا أنه أمر أتباعه أن يكونوا متوسطين في حبهم لهذا الاقتناء، حتى لا يشغلهم حب المال عن طاعة الله.
ورحم الله الإمام الرازي، فقد قال عند تفسيره لهذه الآيات ما ملخصه، اعلم أن الطريق الحق أن يقال، الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير، إلا أنه لم يمنع عنه في ظاهر الشرع.
فالأول محمول على التقوى والثاني على ظاهر الفتوى.
أما بيان أن الأولى الاحتراز عن طلب المال الكثير فلوجوه منها:أن كثرة المال سبب لكثرة الحرص في الطلب، والحرص متعب للروح والنفس والقلب..والعاقل هو الذي يحترز عما يتعب روحه ونفسه وقلبه.
وأن كسب المال شاق شديد وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب، فيبقى الإنسان طول عمره تارة في طلب التحصيل وأخرى في تعب الحفظ وأن كثرة الجاه والمال تورث الطغيان، كما قال-تبارك وتعالى- إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى .
هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث في ذم التكثر من الذهب والفضة، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن حسان بن عطية قال:كان شداد بن أوس- رضى الله عنه- في سفر، فنزل منزلا فقال لغلامه: ائتنا بالسفرة نعبث بها، فأنكرت عليه ذلك.
فقال ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه فلا تحفظوها عنى واحفظوا ما أقول لكم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كنز الناس الذهب والفضة، فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إنى أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما، وأسألك لسانا صادقا، واسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم.
إنك أنت علام الغيوب .
وبعد: فهذه سبع آيات عن أهل الكتاب، بدأت- بقوله تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وانتهت بقوله تعالى: فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ.
وقد بينت هذه الآيات ما يجب أن يكون عليه موقف المؤمنين منهم، وكشفت عن أقوالهم الباطلة، وعن جحود رؤسائهم للحق، وعن انقياد: عامتهم للضلال، وعن استحلال كثير من أحبارهم ورهبانهم لمحارم الله ...
ثم عادت السورة بعد ذلك إلى تكلمة الحديث عن أحوال المشركين السيئة، وعن وجوب مقاتلتهم، فقال تعالى.
قوله تعالى يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزونفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى يوم يحمى عليها في نار جهنم يوم ظرف ، والتقدير : يعذبون يوم يحمى .
ولا يصح أن يكون على تقدير : فبشرهم يوم يحمى عليها ؛ لأن البشارة لا تكون حينئذ .
يقال : أحميت الحديدة في النار ، أي أوقدت عليها .
ويقال : أحميته ، ولا يقال : أحميت عليه .
وهاهنا قال ( عليها ) لأنه جعل " على " من صلة معنى الإحماء ، ومعنى الإحماء الإيقاد .
أي يوقد عليها فتكوى .
الكي : إلصاق الحار من الحديد والنار بالعضو حتى يحترق الجلد .
والجباه : جمع الجبهة ، وهو مستوى ما بين الحاجب إلى الناصية .
وجبهت فلانا بكذا ، أي استقبلته به وضربت جبهته .
والجنوب : جمع الجنب .
والكي في الوجه أشهر وأشنع ، وفي الجنب والظهر آلم وأوجع ، فلذلك خصها بالذكر من بين سائر الأعضاء .
وقال علماء الصوفية : لما طلبوا المال والجاه شان الله وجوههم ، ولما طووا كشحا عن الفقير إذا جالسهم كويت جنوبهم ، ولما أسندوا ظهورهم إلى أموالهم ثقة بها واعتمادا عليها كويت ظهورهم .
وقال علماء الظاهر : إنما خص هذه الأعضاء لأن الغني إذا رأى الفقير زوى ما بين عينيه وقبض وجهه .
كما قال :يزيد يغض الطرف عني كأنما زوى بين عينيه علي المحاجم فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوىولا تلقني إلا وأنفك راغموإذا سأله طوى كشحه ، وإذا زاده في السؤال وأكثر عليه ولاه ظهره .
فرتب الله العقوبة على حال المعصية .
الثانية : واختلفت الآثار في كيفية الكي بذلك ، ففي صحيح مسلم من حديث أبي ذر ما ذكرنا من ذكر الرضف .
وفيه من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ... .
الحديث .
وفي البخاري : أنه يمثل له كنزه شجاعا أقرع .
وقد تقدم في غير الصحيح عن عبد الله بن مسعود أنه قال : من كان له مال فلم يؤد زكاته طوقه يوم القيامة شجاعا أقرع ينقر رأسه ...قلت : ولعل هذا يكون في مواطن : موطن يمثل المال فيه ثعبانا ، وموطن يكون صفائح ، وموطن يكون رضفا .
فتتغير الصفات والجسمية واحدة ؛ فالشجاع جسم والمال جسم .
وهذا التمثيل حقيقة ، بخلاف قوله : يؤتى بالموت كأنه كبش أملح فإن تلك طريقة أخرى ، ولله سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء .
وخص الشجاع بالذكر لأنه العدو الثاني للخلق .
والشجاع من الحيات هو الحية الذكر الذي يواثب الفارس والراجل ، ويقوم على ذنبه وربما بلغ الفارس ، ويكون في الصحاري .
وقيل : هو الثعبان .
قال اللحياني : يقال للحية شجاع ، وثلاثة أشجعة ، ثم شجعان .
والأقرع من الحيات هو الذي تمعط رأسه وابيض من السم .
في الموطإ : له زبيبتان ، أي نقطتان منتفختان في شدقيه كالرغوتين .
ويكون ذلك في شدقي الإنسان إذا غضب وأكثر من الكلام .
قالت أم غيلان بنت جرير ربما أنشدت أبي حتى يتزبب شدقاي .
ضرب مثلا للشجاع الذي كثر سمه فيمثل المال بهذا الحيوان فيلقى صاحبه غضبان .
وقال ابن دريد : نقطتان سوداوان فوق عينيه .
في رواية : مثل له شجاع يتبعه فيضطره فيعطيه يده فيقضمها كما يقضم الفحل .
وقال ابن مسعود : والله لا يعذب الله أحدا بكنز فيمس درهم درهما ولا دينار دينارا ، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل درهم ودينار على حدته وهذا إنما يصح في الكافر - كما ورد في الحديث - لا في المؤمن .
والله أعلم .
الثالثة : أسند الطبري إلى أبي أمامة الباهلي قال : مات رجل من أهل الصفة فوجد في بردته دينار .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كية " .
ثم مات آخر فوجد له ديناران .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيتان .
وهذا إما لأنهما كانا يعيشان من الصدقة وعندهما التبر ، وإما لأن هذا كان في صدر الإسلام ، ثم قرر الشرع ضبط المال وأداء حقه .
ولو كان ضبط المال ممنوعا لكان حقه أن يخرج كله ، وليس في الأمة من يلزم هذا .
وحسبك حال الصحابة وأموالهم رضوان الله عليهم .
وأما ما ذكر عن أبي ذر فهو مذهب له ، رضي الله عنه .
وقد روى موسى بن عبيدة عن عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من جمع دينارا أو درهما أو تبرا أو فضة ولا يعده لغريم ولا ينفقه في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة .
قلت : هذا الذي يليق بأبي ذر رضي الله عنه أن يقول به ، وأن ما فضل عن الحاجة فليس بكنز إذا كان معدا لسبيل الله .
وقال أبو أمامة : من خلف بيضا أو صفرا كوي بها مغفورا له أو غير مغفور له ، ألا إن حلية السيف من ذلك .
وروى ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض إلا جعل الله له بكل قيراط صفيحة يكوى بها من فرقه إلى قدمه مغفورا له بعد ذلك أو معذبا .
قلت : وهذا محمول على ما لم تؤد زكاته بدليل ما ذكرنا في الآية قبل هذا .
فيكون التقدير : وعنده أحمر أو أبيض لم يؤد زكاته .
وكذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه : من ترك عشرة آلاف جعلت صفائح يعذب بها صاحبها يوم القيامة .
أي إن لم يؤد زكاتها ، لئلا تتناقض الأحاديث .
والله أعلم .
الرابعة : قوله تعالى هذا ما كنزتم لأنفسكم أي يقال لهم هذا ما كنزتم ، فحذف .
فذوقوا ما كنتم تكنزون أي عذاب ما كنتم تكنزون .


شرح المفردات و معاني الكلمات : يوم , يحمى , نار , جهنم , فتكوى , جباههم , وجنوبهم , وظهورهم , كنزتم , لأنفسكم , ذوقوا , تكنزون ,
English Türkçe Indonesia
Русский Français فارسی
تفسير انجليزي اعراب

آيات من القرآن الكريم

  1. وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم
  2. الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون
  3. وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون
  4. قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا
  5. لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون
  6. وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون
  7. وناديناه أن ياإبراهيم
  8. ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود
  9. أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون
  10. وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما

تحميل سورة التوبة mp3 :

سورة التوبة mp3 : قم باختيار القارئ للاستماع و تحميل سورة التوبة

سورة التوبة بصوت ماهر المعيقلي
ماهر المعيقلي
سورة التوبة بصوت سعد الغامدي
سعد الغامدي
سورة التوبة بصوت عبد  الباسط عبد الصمد
عبد الباسط
سورة التوبة بصوت أحمد العجمي
أحمد العجمي
سورة التوبة بصوت محمد صديق المنشاوي
المنشاوي
سورة التوبة بصوت محمود خليل الحصري
الحصري
سورة التوبة بصوت مشاري راشد العفاسي
مشاري العفاسي
سورة التوبة بصوت ناصر القطامي
ناصر القطامي
سورة التوبة بصوت فارس عباد
فارس عباد
سورة التوبة بصوت ياسر لدوسري
ياسر الدوسري


الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم


Saturday, June 22, 2024

لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب