1. التفسير الميسر
  2. تفسير الجلالين
  3. تفسير السعدي
  4. تفسير البغوي
  5. التفسير الوسيط
تفسير القرآن | باقة من أهم تفاسير القرآن الكريم المختصرة و الموجزة التي تعطي الوصف الشامل لمعنى الآيات الكريمات : سبعة تفاسير معتبرة لكل آية من كتاب الله تعالى , [ المائدة: 101] .

  
   

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
[ سورة المائدة: 101]

القول في تفسير قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن ..


تفسير الجلالين التفسير الميسر تفسير السعدي
تفسير البغوي التفسير الوسيط تفسير ابن كثير
تفسير الطبري تفسير القرطبي إعراب الآية

التفسير الميسر : ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن


يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تسألوا عن أشياء من أمور الدين لم تؤمروا فيها بشيء، كالسؤال عن الأمور غير الواقعة، أو التي يترتب عليها تشديدات في الشرع، ولو كُلِّفتموها لشقَّتْ عليكم، وإن تسألوا عنها في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحين نزول القرآن عليه تُبيَّن لكم، وقد تُكلَّفونها فتعجزون عنها، تركها الله معافيًا لعباده منها. والله غفور لعباده إذا تابوا، حليم عليهم فلا يعاقبهم وقد أنابوا إليه.

المختصر في التفسير : شرح المعنى باختصار


يا أيها الذين آمنوا، لا تسألوا رسولكم عن أشياء لا حاجة لكم بها، وليست مما يعينكم على أمر دينكم، إن تظهر لكم تسُؤْكم لما فيها من المشقة، وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نُهِيتم عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على الرسول تُبيَّن لكم، وذلك على الله يسير، فقد تجاوز الله عن أشياء سكت عنها القرآن، فلا تسألوا عنها، فإنكم إن سألتم عنها نزل عليكم التكليف بحكمها، والله غفور لذنوب عباده إذا تابوا، حليم عن أن يعاقبهم بها.

تفسير الجلالين : معنى و تأويل الآية 101


ونزل لما أكثروا سؤاله صلىالله عليه وسلم «يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ» تظهر «لكم تسؤكم» لما فيها من المشقة «وإن تسألوا عنها حين ينزَّل القرآن» في زمن النبي صلىالله عليه وسلم «تُبدَ لكم» المعنى إذا سألتم عن أشياء في زمنه ينزل القرآن بإبدائها ومتى أبداها ساءتكم فلا تسألوا عنها قد «عفا الله عنها» من مسألتكم فلا تعودوا «والله غفور رحيم».

تفسير السعدي : ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن


ينهى عباده المؤمنين عن سؤال الأشياء التي إذا بينت لهم ساءتهم وأحزنتهم، وذلك كسؤال بعض المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم، وعن حالهم في الجنة أو النار، فهذا ربما أنه لو بين للسائل لم يكن له فيه خير، وكسؤالهم للأمور غير الواقعة.
وكالسؤال الذي يترتب عليه تشديدات في الشرع ربما أحرجت الأمة، وكالسؤال عما لا يعني، فهذه الأسئلة، وما أشبهها هي المنهي عنها، وأما السؤال الذي لا يترتب عليه شيء من ذلك فهذا مأمور به، كما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ أي: وإذا وافق سؤالكم محله فسألتم عنها حين ينزل عليكم القرآن، فتسألون عن آية أشكلت، أو حكم خفي وجهه عليكم، في وقت يمكن فيه نزول الوحي من السماء، تبد لكم، أي: تبين لكم وتظهر، وإلا فاسكتوا عمّا سكت الله عنه.
عَفَا اللَّهُ عَنْهَا أي: سكت معافيا لعباده منها، فكل ما سكت الله عنه فهو مما أباحه وعفا عنه.
وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ أي: لم يزل بالمغفرة موصوفا، وبالحلم والإحسان معروفا، فتعرضوا لمغفرته وإحسانه، واطلبوه من رحمته ورضوانه.

تفسير البغوي : مضمون الآية 101 من سورة المائدة


قوله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) الآية .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا حفص بن عمر أنا هشام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة ، فغضب فصعد المنبر فقال : " لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم " ، فجعلت أنظر يمينا وشمالا فإذا كان رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي ، فإذا رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه ، فقال : يا رسول الله من أبي؟ قال " حذافة " : ثم أنشأ عمر ، فقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا نعوذ بالله من الفتن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط ، إني صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط " ، وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية ( ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) .
قال يونس عن ابن شهاب : أخبرني عبيد الله بن عبد الله قال : قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة : ما سمعت بابن قط أعق منك ، أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ قال عبد الله بن حذافة والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته .
وروي عن عمر قال : يا رسول الله إنا حديثو عهد بجاهلية فاعف عنا يعف الله سبحانه وتعالى عنك ، فسكن غضبه .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا الفضل بن سهل أخبرنا أبو النضر أنا أبو خيثمة أنا أبو جويرية عن ابن عباس قال : كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء ، فيقول الرجل : من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية ( ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) حتى فرغ من الآية كلها .
وروي عن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت : ( ولله على الناس حج البيت ) قال رجل : يا رسول الله أفي كل عام فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما استطعتم ، فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " ، فأنزل الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) أي : إن تظهر لكم تسؤكم ، أي : إن أمرتم بالعمل بها ، فإن من سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر به في كل عام فيسوءه ، ومن سأل عن نسبه لم يأمن من أن يلحقه بغيره فيفتضح .
وقال مجاهد نزلت حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، ألا تراه ذكرها بعد ذلك؟ ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) معناه صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهي أو حكم ، وليس في ظاهره شرح ما بكم إليه حاجة ومست حاجتكم إليه ، فإذا سألتم عنها حينئذ تبدى لكم ، ( عفا الله عنها والله غفور حليم)

التفسير الوسيط : ويستفاد من هذه الآية


وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات متعددة، منها ما حكاه القرطبي في قوله: روى البخاري ومسلم وغيرهما- واللفظ للبخاري- عن أنس قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله من أبى؟ قال: «أبوك فلان»وخرج البخاري أيضا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: «فو الله لا تسألونى عن شيء إلا أخبرتكم به مادمت في مقامي هذا» فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال «النار» فقام عبد الله بن حذافة- وكان إذا لا حي يدعى إلى غير أبيه- فقال من أبى يا رسول الله؟ فقال: أبوك حذافة.
.
وروى الدّارقطنيّ والترمذي عن على رضى الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت.
فقالوا: أفي كل عام؟ قال: «لا ولو قلت نعم لوجبت» فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ.
.
الآية.
وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
ثم قال القرطبي: ويحتمل أن تكون الآية نزلت جوابا للجميع، فيكون السؤال قريبا بعضه من بعض» .
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله حق الإيمان، لا تسألوا نبيكم صلى الله عليه وسلم أو غيره، عن أشياء تتعلق بالعقيدة أو بالأحكام الشرعية أو بغيرهما.
هذه الأشياء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ وتظهر تَسُؤْكُمْ أى:تغمكم وتحزنكم وتندموا على السؤال عنها لما يترتب عليها من إحراجكم، ومن المشقة عليكم، ومن الفضيحة لبعضكم.
فالآية الكريمة- كما يقول ابن كثير- تأديب من الله لعباده المؤمنين، ونهى لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها، لأنها إن ظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم، وشق عليهم سماعها، كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبلغني أحد عن أحد شيئا، فإنى أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» .
وقد وجه- سبحانه- النداء إليهم بصفة الإيمان، لتحريك حرارة العقيدة في نفوسهم، حتى يستجيبوا بسرعة ورغبة إلى ما كلفوا به.
وقوله: أَشْياءَ اسم جمع من لفظ شيء، فهو مفرد لفظا جمع معنى كطرفاء وقصباء- وهذا رأى الخليل وسيبويه وجمهور البصريين-.
ويرى الفراء أن أشياء جمع لشيء.
وهو ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، ومتعلق بقوله: تَسْئَلُوا.
ومفعول تَسْئَلُوا محذوف للتعميم.
أى: لا تسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم ولا تسألوا غيره عن أشياء لا فائدة من السؤال عنها، بل إن السؤال عنها قد يؤدى إلى إحراجكم وإلى المشقة عليكم.
وقوله: إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ صفة لأشياء داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها.
وعبر «بإن» المفيدة للشك وعدم القطع بوقوع الشرط والجزاء للإشارة إلى أن هذا الشك كاف في تركهم للسؤال عن هذه الأشياء، فإن المؤمن الحق يبتعد عن كل ما لا فائدة من ورائه من أسئلة أو غيرها.
وقوله: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ معطوف على ما قبله وهو قوله: إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.
والضمير في قوله عَنْها يعود على أَشْياءَ وحِينَ ظرف زمان منصوب بالفعل تَسْئَلُوا.
والمعنى: لا تكثروا- أيها المؤمنون- من الأسئلة التي لا خير لكم في السؤال عنها، وإن تسألوا عن أشياء نزل بها القرآن مجملة، فتطلبوا بيانها تبين لكم حينئذ لاحتياجكم إليها.
قال الفخر الرازي: السؤال على قسمين:أحدهما: السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه.
فهذا السؤال منهى عنه بقوله: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.
والنوع الثاني من السؤال: السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فهاهنا السؤال واجب، وهو المراد بقوله: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ.
والفائدة في ذكر هذا القسم، أنه لما منع في الجملة الأولى من السؤال، أو هم أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه، فذكر ذلك تمييزا لهذا القسم عن ذلك القسم.
فإن قيل: إن قوله وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها هذا الضمير عائد على الأشياء المذكورة في قوله:لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ فكيف يعقل في أَشْياءَ بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعا وجائزا معا؟قلنا: الجواب عنه من وجهين:الأول: جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعا قبل نزول القرآن بها ومأمورا به بعد نزول القرآن بها.
والثاني: أنهما وإن كانا نوعين مختلفين، إلا أنهما في حكم شيء واحد، فلهذا حسن اتحاد الضمير، وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين» :وقال القرطبي: قوله- تعالى- وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ فيه غموض.
وذلك أن في أول الآية النهى عن السؤال، ثم قال: وَإِنْ تَسْئَلُوا.
.
إلخ.
فأباحه لهم.
فقيل: المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه، فحذف المضاف ولا يصح حمله على غير الحذف.
قال الجرجانى: الكناية في «عنها» ترجع إلى أشياء أخر، كقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ يعنى آدم، ثم قال: ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً أى: ابن آدم، لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال.
فالمعنى: وإن تسألوا عن أشياء- أخر- حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم، أو مست حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم فقد أباح- سبحانه- هذا النوع من السؤال» .
والضمير في قوله عَفَا اللَّهُ عَنْها يعود إلى أشياء، والجملة في محل جر صفه أخرى لأشياء.
أى: أن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها هي مما عفا الله عنه- رحمة منه وفضلا- حيث لم يكلفكم بها.
ولم يفضحكم ببيانها.
ويجوز أن يعود الضمير إلى الأسئلة المدلول عليها بقوله لا تَسْئَلُوا فتكون الجملة مستأنفة، ويكون المعنى: عفا الله عن أسئلتكم السالفة التي سألتموها قبل النهى، وتجاوز- سبحانه- عن معاقبتكم عليها رحمة منه وكرما فمن الواجب عليكم بعد ذلك ألا تعودوا إلى مثلها أبدا.
قال صاحب المنار: ولا مانع عندنا يمنعنا من إرادة المعنيين معا.
فإن كل ما تدل عليه عبارات القرآن من المعاني الحقيقة والمجازية والكناية يجوز عندنا أن يكون مرادا منها مجتمعة تلك المعاني أو منفردة ما لم يمنع مانع من ذلك كأن تكون تلك المعاني مما لا يمكن اجتماعها شرعا أو عقلا، فحينئذ لا يصح أن تكون كلها مرادة بل يرجح بعضها على بعض بطرق الترجيح المعروفة من لفظية ومعنوية.
وقوله وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ اعتراض تذييلى مقرر لعفوه- سبحانه- أى: عفا الله عن كل ذلك، وهو- سبحانه- واسع المغفرة والحلم والصفح ولذا لم يكلفكم بما يشق عليكم، ولم يؤاخذكم بما فرط منكم من أقوال وأعمال قبل النهى عنها.

ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن: تفسير ابن كثير


ثم قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) هذا تأديب من الله [ تعالى ] لعباده المؤمنين ، ونهي لهم عن أن يسألوا ) عن أشياء ) مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها ; لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها ، كما جاء في الحديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يبلغني أحد عن أحد شيئا ، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " .وقال البخاري : حدثنا منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، عن موسى بن أنس ، عن أنس بن مالك قال : خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبة ما سمعت مثلها قط ، قال " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " قال : فغطى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجوههم لهم حنين . فقال رجل : من أبي؟ قال : " فلان " ، فنزلت هذه الآية : ( لا تسألوا عن أشياء )رواه النضر وروح بن عبادة ، عن شعبة وقد رواه البخاري في غير هذا الموضع ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي من طرق عن شعبة بن الحجاج ، به .وقال ابن جرير : حدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) الآية ، قال : فحدثنا أن أنس بن مالك حدثه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألوه حتى أحفوه بالمسألة ، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر ، فقال : " لا تسألوا اليوم عن شيء إلا بينته لكم " . فأشفق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون بين يدي أمر قد حضر ، فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالا إلا وجدت كلا لافا رأسه في ثوبه يبكي ، فأنشأ رجل كان يلاحى فيدعى إلى غير أبيه ، فقال : يا نبي الله ، من أبي؟ قال : " أبوك حذافة " . قال : ثم قام عمر - أو قال : فأنشأ عمر - فقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا عائذا بالله - أو قال : أعوذ بالله - من شر الفتن قال : وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لم أر في الخير والشر كاليوم قط ، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط " . أخرجاه من طريق سعيد .ورواه معمر ، عن الزهري ، عن أنس بنحو ذلك - أو قريبا منه - قال الزهري : فقالت أم عبد الله بن حذافة : ما رأيت ولدا أعق منك قط ، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس ، فقال : والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته .وقال ابن جرير أيضا : حدثنا الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا قيس ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر ، فقام إليه رجل فقال : أين أبي ؟ فقال : " في النار " فقام آخر فقال : من أبي؟ فقال : " أبوك حذافة " ، فقام عمر بن الخطاب فقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، وبالقرآن إماما ، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك ، والله أعلم من آباؤنا . قال : فسكن غضبه ، ونزلت هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) إسناده جيد .وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف ، منهم أسباط ، عن السدي أنه قال في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) قال : غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما من الأيام ، فقام خطيبا فقال : " سلوني ، فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به " . فقام إليه رجل من قريش ، من بني سهم ، يقال له : عبد الله بن حذافة ، وكان يطعن فيه ، فقال : يا رسول الله ، من أبي؟ فقال : " أبوك فلان " ، فدعاه لأبيه ، فقام إليه عمر بن الخطاب فقبل رجله ، وقال : يا رسول الله ، رضينا بالله ربا ، وبك نبيا ، وبالإسلام دينا ، وبالقرآن إماما ، فاعف عنا عفا الله عنك ، فلم يزل به حتى رضي ، فيومئذ قال : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " .ثم قال البخاري : حدثنا الفضل بن سهل ، حدثنا أبو النضر ، حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا أبو الجويرية ، عن ابن عباس قال : كان قوم يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استهزاء ، فيقول الرجل : من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) حتى فرغ من الآية كلها . تفرد به البخاري .وقال الإمام أحمد : حدثنا منصور بن وردان الأسدي ، حدثنا علي بن عبد الأعلى ، عن أبيه ، عن أبي البختري - وهو سعيد بن فيروز - عن علي قال : لما نزلت هذه الآية : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) [ آل عمران : 97 ] قالوا : يا رسول الله ، كل عام؟ فسكت . فقالوا : أفي كل عام؟ فسكت ، قال : ثم قالوا : أفي كل عام؟ فقال : " لا ولو قلت : نعم لوجبت " ، فأنزل الله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) إلى آخر الآية .وكذا رواه الترمذي وابن ماجه ، من طريق منصور بن وردان ، به وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه ، وسمعت البخاري يقول : أبو البختري لم يدرك عليا .وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن إبراهيم بن مسلم الهجري ، عن أبي عياض ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله كتب عليكم الحج " فقال رجل : أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه ، حتى عاد مرتين أو ثلاثا ، فقال : " من السائل؟ " فقال : فلان . فقال : " والذي نفسي بيده ، لو قلت : نعم لوجبت ، ولو وجبت عليكم ما أطقتموه ، ولو تركتموه لكفرتم " ، فأنزل الله ، عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) حتى ختم الآية .ثم رواه ابن جرير من طريق الحسين بن واقد ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة - وقال : فقام محصن الأسدي - وفي رواية من هذه الطريق : عكاشة بن محصن - وهو أشبه .وإبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف .وقال ابن جرير أيضا : حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري قال : حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر ، حدثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى ، عن صفوان بن عمرو ، حدثني سليم بن عامر قال : سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس فقال : " كتب عليكم الحج " . فقام رجل من الأعراب فقال : أفي كل عام؟ قال : فغلق كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأسكت واستغضب ، ومكث طويلا ثم تكلم فقال : " من السائل؟ " فقال الأعرابي : أنا ذا ، فقال : " ويحك ، ماذا يؤمنك أن أقول : نعم ، والله لو قلت : نعم لوجبت ، ولو وجبت لكفرتم ، ألا إنه إنما أهلك الذين من قبلكم أئمة الحرج ، والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض ، وحرمت عليكم منها موضع خف ، لوقعتم فيه " قال : فأنزل الله عند ذلك : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) إلى آخر الآية . في إسناده ضعف .وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته ، فالأولى الإعراض عنها وتركها . وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال :حدثنا حجاج قال : سمعت إسرائيل بن يونس ، عن الوليد بن أبي هشام مولى الهمداني ، عن زيد بن زائد ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : " لا يبلغني أحد عن أحد شيئا ; فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " الحديث .وقد رواه أبو داود والترمذي ، من حديث إسرائيل - قال أبو داود : عن الوليد - وقال الترمذي : عن إسرائيل - عن السدي ، عن الوليد بن أبي هاشم ، به . ثم قال الترمذي : غريب من هذا الوجه .وقوله : ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) أي : وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على الرسول تبين لكم ، وذلك [ على الله ] يسير .ثم قال ( عفا الله عنها ) أي : عما كان منكم قبل ذلك ( والله غفور حليم )وقيل : ) وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) أي : لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها ، فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق وقد ورد في الحديث : " أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته " ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها حينئذ ، تبينت لكم لاحتياجكم إليها .( عفا الله عنها ) أي : ما لم يذكره في كتابه فهو مما عفا عنه ، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها . وفي الصحيح ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ذروني ما تركتم ; فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " .وفي الحديث الصحيح أيضا : " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها " .

تفسير القرطبي : معنى الآية 101 من سورة المائدة


قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليمفيه ست مسائل :الأولى : روى البخاري ومسلم وغيرهما - واللفظ للبخاري - عن أنس قال ، قال رجل : يا نبي الله ، من أبي ؟ قال : أبوك فلان قال فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم الآية ، وخرج أيضا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا فقام إليه رجل فقال : أين مدخلي يا رسول الله ؟ قال : النار .
فقام عبد الله بن حذافة فقال : من أبي يا رسول الله فقال : أبوك حذافة وذكر الحديث قال ابن عبد البر : عبد الله بن حذافة أسلم قديما ، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ، وشهد بدرا وكانت فيه دعابة ، وكان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أرسله إلى كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه سلم ; ولما قال من أبي يا رسول الله ; قال : أبوك حذافة قالت له أمه : ما سمعت بابن أعق منك آمنت أن تكون أمك قارفت ما يقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس ! فقال : والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به ، وروى الترمذي والدارقطني عن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا .
قالوا : يا رسول الله أفي كل عام ؟ فسكت ، فقالوا : أفي كل عام ؟ قال : لا ولو قلت نعم لوجبت ، فأنزل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم إلى آخر الآية .
واللفظ للدارقطني سئل البخاري عن هذا الحديث فقال : هو حديث حسن إلا أنه مرسل ; أبو البختري لم يدرك عليا ، واسمه سعيد ، وأخرجه الدارقطني أيضا عن أبي عياض عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أيها الناس كتب عليكم الحج فقام رجل فقال : في كل عام يا رسول الله ؟ فأعرض عنه ، ثم عاد فقال : في كل عام يا رسول الله ؟ فقال : ومن القائل ؟ قالوا : فلان ; قال : والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما أطقتموها ولو لم تطيقوها لكفرتم فأنزل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم الآية ، وقال الحسن البصري في هذه الآية : سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور الجاهلية التي عفا الله عنها ولا وجه للسؤال عما عفا الله عنه ، وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ; وهو قول سعيد بن جبير ; وقال : ألا ترى أن بعده : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام .
قلت : وفي الصحيح والمسند كفاية .
ويحتمل أن تكون الآية نزلت جوابا للجميع ، فيكون السؤال قريبا بعضه من بعض ، والله أعلم .
و ( أشياء ) وزنه أفعال ; ولم يصرف لأنه مشبه بحمراء ; قاله الكسائي وقيل : وزنه أفعلاء ; كقولك : هين وأهوناء ; عن الفراء والأخفش ويصغر فيقال : أشياء ; قال المازني : يجب أن يصغر شييآت كما يصغر أصدقاء ; في المؤنث صديقات وفي المذكر صديقون .
الثانية : قال ابن عون : سألت نافعا عن قوله تعالى لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم فقال : لم تزل المسائل منذ قط تكره .
روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات وكره لكم ثلاثا : قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال .
قال كثير من العلماء : المراد بقوله ( وكثرة السؤال ) التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطعا ، وتكلفا فيما لم ينزل ، والأغلوطات وتشقيق المولدات ، وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكليف ، ويقولون : إذا نزلت النازلة وفق المسئول لها .
قال مالك : أدركت أهل هذا البلد وما عندهم علم غير الكتاب والسنة ، فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه ، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : المراد بكثرة المسائل كثرة سؤال الناس الأموال والحوائج إلحاحا واستكثارا ; وقاله أيضا مالك وقيل : المراد بكثرة المسائل السؤال عما لا يعني من أحوال الناس بحيث يؤدي ذلك إلى كشف عوراتهم والاطلاع على مساوئهم .
وهذا مثل قوله تعالى : ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا قال ابن خويز منداد : ولذلك قال بعض أصحابنا متى قدم إليه طعام لم يسأل عنه من أين هذا أو عرض عليه شيء يشتريه لم يسأل من أين هو وحمل أمور المسلمين على السلامة والصحة .
قلت : والوجه حمل الحديث على عمومه فيتناول جميع تلك الوجوه كلها ، والله أعلم .
الثالثة : قال ابن العربي : اعتقد قوم من الغافلين تحريم أسئلة النوازل حتى تقع تعلقا بهذه الآية ; وليس كذلك لأن هذه الآية مصرحة بأن السؤال المنهي عنه إنما كان فيما تقع المساءة في جوابه ولا مساءة في جواب نوازل الوقت فافترقا .
قلت : قوله : اعتقد قوم من الغافلين فيه قبح ، وإنما كان الأولى به أن يقول : ذهب قوم إلى تحريم أسئلة النوازل ، لكنه جرى على عادته ، وإنما قلنا كان أولى به ; لأنه قد كان قوم من السلف يكرهها ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلعن من سأل عما لم يكن ; ذكره الدارمي في مسنده ; وذكر عن الزهري قال : بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر : أكان هذا ؟ فإن قالوا : نعم قد كان حدث فيه بالذي يعلم ، وإن قالوا : لم يكن قال فذروه حتى يكون ، وأسند عن عمار بن ياسر وقد سئل عن مسألة فقال : هل كان هذا بعد ؟ قالوا : لا ; قال : دعونا حتى يكون ، فإذا كان تجشمناها لكم .
قال الدارمي : حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ، قال حدثنا ابن فضيل عن عطاء عن ابن عباس قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ، كلهن في القرآن ; منهن يسألونك عن الشهر الحرام ، ويسألونك عن المحيض وشبهه ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم .
الرابعة : قال ابن عبد البر : السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله ، فمن سأل مستفهما راغبا في العلم ونفي الجهل عن نفسه ، باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه ، فلا بأس به ، فشفاء العي السؤال ; ومن سأل متعنتا غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره ; قال ابن العربي : الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة ، وإيضاح سبل النظر ، وتحصيل مقدمات الاجتهاد ، وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد ; فإذا عرضت نازلة أتيت من بابها ، ونشدت في مظانها ، والله يفتح في صوابها .
الخامسة : قوله تعالى : وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم فيه غموض ، وذلك أن في أول الآية النهي عن السؤال ، ثم قال : وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم فأباحه لهم ; فقيل : المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه ، فحذف المضاف ، ولا يصح حمله على غير الحذف .
قال الجرجاني : الكناية في عنها ترجع إلى أشياء أخر ; كقوله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين يعني آدم ، ثم قال : ثم جعلناه نطفة أي ابن آدم ; لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين ، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله ، وعرف ذلك بقرينة الحال ; فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم ، أو مست حاجتكم إلى التفسير ، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم ; فقد أباح هذا النوع من السؤال : ومثاله أنه بين عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل ، ولم يجر ذكر عدة التي ليست بذات قرء ولا حامل ، فسألوا عنها فنزل واللائي يئسن من المحيض .
فالنهي إذا في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه ; فأما ما مست الحاجة إليه فلا .
السادسة : قوله تعالى : عفا الله عنها أي : عن المسألة التي سلفت منهم ، وقيل : عن الأشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية وما جرى مجراها ، وقيل : العفو بمعنى الترك ; أي : تركها ولم يعرف بها في حلال ولا حرام فهو معفو عنها فلا تبحثوا عنه فلعله إن ظهر لكم حكمه ساءكم ، وكان عبيد بن عمير يقول : إن الله أحل وحرم ، فما أحل فاستحلوه ، وما حرم فاجتنبوه ، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها ، فذلك عفو من الله ، ثم يتلو هذه الآية .
وخرج الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحدد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها والكلام على هذا التقدير فيه تقديم وتأخير ; أي : لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم ، أي : أمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حكما ، وقيل : ليس فيه تقديم ولا تأخير ; بل المعنى قد عفا الله عن مسألتكم التي سلفت وإن كرهها النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا تعودوا لأمثالها .
فقوله : عنها أي : عن المسألة ، أو عن السؤالات كما ذكرناه .

﴿ ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينـزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم ﴾ [ المائدة: 101]

سورة : المائدة - الأية : ( 101 )  - الجزء : ( 7 )  -  الصفحة: ( 124 )

English Türkçe Indonesia
Русский Français فارسی
تفسير انجليزي اعراب

تحميل سورة المائدة mp3 :

سورة المائدة mp3 : قم باختيار القارئ للاستماع و تحميل سورة المائدة

سورة المائدة بصوت ماهر المعيقلي
ماهر المعيقلي
سورة المائدة بصوت سعد الغامدي
سعد الغامدي
سورة المائدة بصوت عبد  الباسط عبد الصمد
عبد الباسط
سورة المائدة بصوت أحمد العجمي
أحمد العجمي
سورة المائدة بصوت محمد صديق المنشاوي
المنشاوي
سورة المائدة بصوت محمود خليل الحصري
الحصري
سورة المائدة بصوت مشاري راشد العفاسي
مشاري العفاسي
سورة المائدة بصوت ناصر القطامي
ناصر القطامي
سورة المائدة بصوت فارس عباد
فارس عباد
سورة المائدة بصوت ياسر لدوسري
ياسر الدوسري


لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب