1. التفسير الميسر
  2. تفسير الجلالين
  3. تفسير السعدي
  4. تفسير البغوي
  5. التفسير الوسيط
تفسير القرآن | باقة من أهم تفاسير القرآن الكريم المختصرة و الموجزة التي تعطي الوصف الشامل لمعنى الآيات الكريمات : سبعة تفاسير معتبرة لكل آية من كتاب الله تعالى , [ المائدة: 34] .

  
   

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[ سورة المائدة: 34]

القول في تفسير قوله تعالى : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور ..


تفسير الجلالين التفسير الميسر تفسير السعدي
تفسير البغوي التفسير الوسيط تفسير ابن كثير
تفسير الطبري تفسير القرطبي إعراب الآية

التفسير الميسر : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم


لكن مَن أتى من المحاربين من قبل أن تقدروا عليهم وجاء طائعًا نادمًا فإنه يسقط عنه ما كان لله، فاعلموا -أيها المؤمنون- أن الله غفور لعباده، رحيم بهم.

المختصر في التفسير : شرح المعنى باختصار


إلا الذين تابوا من هؤلاء المحاربين من قبل قدرتكم - يا أولي الأمر - عليهم، فاعلموا أن الله غفور لهم بعد التوبة، رحيم بهم، ومن رحمته بهم إسقاط العقاب عنهم.

تفسير الجلالين : معنى و تأويل الآية 34


«إلا الذين تابوا» من المحاربين والقطَّاع «من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور» لهم ما أتوه «رحيم» بهم عبر بذلك دون فلا تحدوهم ليفيد أنه لا يسقط عنه بتوبته إلا حدود الله دون حقوق الآدميين كذا ظهر لي ولم أرَ من تعرض له والله أعلم فإذا قتل وأخذ المال يقتل ويقطع ولا يصلب وهو أصح قولي الشافعي ولا تفيد توبته بعد القدرة عليه شيئا وهو أصح قولي الشافعي ولا تفيد توبته بعد القدرة عليه شيئا وهو أصح قوليه أيضا.

تفسير السعدي : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم


إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ أي: من هؤلاء المحاربين، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ أي: فيسقط عنه ما كان لله، من تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ومن حق الآدمي أيضا، إن كان المحارب كافرا ثم أسلم، فإن كان المحارب مسلما فإن حق الآدمي، لا يسقط عنه من القتل وأخذ المال.
ودل مفهوم الآية على أن توبة المحارب -بعد القدرة عليه- أنها لا تسقط عنه شيئا، والحكمة في ذلك ظاهرة.
وإذا كانت التوبة قبل القدرة عليه، تمنع من إقامة الحد في الحرابة، فغيرها من الحدود -إذا تاب من فعلها، قبل القدرة عليه- من باب أولى.

تفسير البغوي : مضمون الآية 34 من سورة المائدة


( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) فمن ذهب إلى أن الآية نزلت في الكفار ، قال معناه : إلا الذين تابوا من شركهم وأسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشيء من الحدود ولا تبعة عليهم فيما أصابوا في حال الكفر من دم أو مال ، وأما المسلمون المحاربون فمن [ تاب ] منهم قبل القدرة عليهم وهو قبل أن يظفر به الإمام تسقط عنه كل عقوبة وجبت حقا لله ، ولا يسقط ما كان من حقوق العباد فإن كان قد قتل في قطع الطريق يسقط عنه بالتوبة قبل القدرة عليه تحتم القتل ، ويبقى عليه القصاص لولي القتيل فإن شاء عفا عنه وإن شاء استوفاه ، وإن كان قد أخذ المال يسقط عنه [ القطع ] وإن كان قد جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب ، ويجب ضمان المال وهو قول الشافعي رضي الله عنه .
وقال بعضهم : إذا جاء تائبا قبل القدرة عليه لا يكون لأحد عليه تبعة في دم ولا مال إلا أن يوجد معه مال بعينه فيرده إلى صاحبه .
وروي عن علي رضي الله عنه في حارثة بن يزيد كان خرج محاربا فسفك الدماء وأخذ المال ، ثم جاء تائبا قبل أن يقدر عليه فلم يجعل علي رضي الله عنه عليه تبعة [ في دم ولا مال ، إلا أن يوجد معه مال فيرد إلى صاحبه ] أما من تاب بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شيء منها .
وقيل : كل عقوبة تجب حقا لله عز وجل من عقوبات قطع الطريق وقطع السرقة وحد الزنا والشرب تسقط بالتوبة بكل حال ، والأكثرون على أنها لا تسقط .

التفسير الوسيط : ويستفاد من هذه الآية


وقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بيان لحكم هؤلاء المحاربين إذا ما تابوا قبل القدرة عليهم.
أى نفذوا- أيها المسلمون- هذه العقوبات على هؤلاء المحاربين لأولياء الله وأولياء رسوله، والساعين في الأرض بالفساد ماداموا مستمرين في غيهم وعدوانهم إِلَّا الَّذِينَ تابُوا منهم مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ أى: من قبل أن تتمكنوا من أخذهم، بأن أتوكم طائعين نادمين، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أى واسع المغفرة والرحمة بعباده.
هذا وهناك مسائل تتعلق بهاتين الآيتين من أهمها ما يأتى:1- احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في أن المحاربة في الأمصار وفي القرى وفي الصحراء على السواء، فحيثما تحققت إخافة المسلمين، كان الفاعلون لتلك الإخافة محاربين لله ولرسوله ويجب إنزال العقاب بهم، لقوله- تعالى- وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وكل هذه الأماكن من الأرض.
وعلى هذا الرأى سار الإمام مالك والشافعى وأحمد وغيرهم.
ويرى الإمام أبو حنيفة أن قطع الطريق لا يتصور في داخل المصر، إذ يمكن الإغاثة عند الاستغاثة ويد السلطان مبسوطة في داخل الأمصار والقرى وإنما يتصور قطع الطريق في الصحراء وخارج المدن والقرى.
والذي نراه متفقا مع الآية الكريمة أنه حيثما تحقق الوصف- وهو محاربة الآمنين واستلاب أموالهم، والاعتداء على أرواحهم- كانت الحرابة، ولزمت العقوبة التي تردع هؤلاء المعتدين على أموال الناس وأنفسهم.
قال القرطبي: واختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة.
فقال مالك: المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم على أنفسهم وأموالهم دون نائرة .
قال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه المسألة فأثبت المحاربة في المصر مرة ونفى ذلك مرة.
وقالت طائفة حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق، وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة.
قال ابن المنذر: كذلك هو، لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة.
والآية على العموم.
وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة.
وقالت طائفة: لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجة عن المصر .
وقال ابن العربي: والذي نختاره أن الحرابة عامة في المصر والقفر، وإن كان بعضها أفحش من بعض.
ولكن اسم الحرابة يتناولها، ومعنى الحرابة موجود فيها.
ولو خرج بعض من في المصر لقتل بالسيف.
ويؤخذ فيه بأشد ذلك لا بأيسره.
فإنه سلب وغيلة، وفعل الغيلة أقبح من فعل الظاهرة ولذلك دخل العفو في قتل المجاهرة فكان قصاصا، ولم يدخل في قتل الغيلة وكان حدا» 2- اختلف الفقهاء في معنى التخيير في قوله- تعالى- أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ.
فقال قوم من السلف: الآية تدل على التخيير بين هذه الأجزية.
فمتى خرج المحاربون بقطع الطريق، وقدر الإمام عليهم، فهو مخير بين أن يوقع بهم أى نوع من العقاب من هذه الأنواع الأربعة: القتل أو الصلب أو التقطيع أو النفي، حتى ولو لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا، ماداموا قد اجتمعوا وقصدوا تهديد أمن الناس.
فالمسألة متروكة لتقدير الحاكم، وعليه أن يوقع بهم ما يراه مناسبا لزجرهم وردعهم وجعلهم عبرة لغيرهم حتى لا يستشرى الشر في الأمة.
قال ابن كثير: قال ابن أبى طلحة عن ابن عباس فيمن شهر السلاح في قبة الإسلام.
وأخاف السبيل ثم ظفر به الإمام وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله، وكذا قال: سعيد بن المسيب ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، كما رواه ابن جرير عن أنس- وهو مذهب المالكية.
ومستند هذا القول أن ظاهر أَوْ للتخيير كما في نظائر ذلك من القرآن، كما في قوله- تعالى- في كفارة الفدية: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فأو هنا للتخيير، وكذلك في الآية التي معنا» .
وقال قوم آخرون من السلف: الآية تدل على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما يليق بها من الجنايات.
أى: أن أَوْ لتنويع العقوبات على حسب طبيعة الجرائم.
فإذا قتل هؤلاء المحاربون غيرهم وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا فقط قتلوا، وإذا أخذوا المال فحسب قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف.
وإذا تجمعوا واتفقوا على ارتكاب الجرائم من غير أن يرتكبوا بالفعل نفوا من الأرض.
وبهذا الرأى قال ابن عباس وقتادة والأوزاعى، وهو مذهب الشافعية والأحناف والحنابلة.
قال ابن كثير: وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال، فعن ابن عباس أنه قال في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض.
ثم قال ابن كثير: ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره أن عبد الله بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين الذين ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل.
.
قال أنس: فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال جبريل:من سرق ما لا وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته ومن قتل فاقتله.
ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه» .
وقال الفخر الرازي: والذي يدل على ضعف القول الأول وجهان:الأول: أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام من الاقتصار على النفي، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس المراد من الآية التخيير.
الثاني: أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقدهم بالمعصية ولم يفعل، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير، فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة فعلا على حدة، فصار التقدير: أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال.
أو ينفوا من الأرض إن أخافوا السبيل» .
والخلاصة أن أصحاب هذا الرأى الثاني يستدلون بأدلة نقلية- سبق بيانها- كما يستدلون بأدلة عقلية منها ما ذكر الإمام الرازي ومنها أن العقل يقضى أن يكون الجزاء مناسبا للجناية بحيث يزداد بازديادها، وينقص بنقصها، وليس من المعقول أن تكون جريمة الاتفاق على الإرهاب بدون تنفيذ، متساوية مع جريمة الإرهاب والقتل والسلب.
إذا فالعدالة توجب تنويع العقوبة.
ومنها أن التخيير الوارد في الأحكام المختلفة بحرف التخيير إنما يجرى على ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحدا كما في كفارة اليمين وكفارة الفدية، أما إذا كان السبب مختلفا فإنه يخرج التخيير عن ظاهره- كما هنا-، ويكون الغرض بيان الحكم لكل واحد في نفسه، وذلك لأن قطع الطريق متنوع وبين أنواعه تتفاوت الجريمة: فقد يكون باستلاب المال فقط، وقد يكون بالقتل فقط، وقد يكون بهما ومادام الأمر كذلك وجب أن يكون العقاب مختلفا ووجب أن يحمل ظاهر النص على غير التخيير.
بأن يحمل على بيان الحكم لكل نوع.
قالوا: ونظير ذلك قوله- تعالى- قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً فإنه ليس الغرض التخيير وإنما الغرض: ليكن شأنك مع قومك تعذيب من جحد وظلم، والإحسان إلى من آمن وعمل صالحا.
وإنما قلنا: ليس الغرض التخيير، لأنه لا يمكن أن يكون له الحق في أى الأمرين من غير مرجح لأحدهما في الاعتبار، إذ منطق العدالة يقتضى أن يكون العذاب لمن فسق وجحد، وأن يكون الإحسان لمن آمن واستقام.
قال بعض العلماء: «وإن الفقه في التفرقة بين الرأيين أن الرأى الثاني يحدد جرائم معينة، ويعتبرها موضوع قطع بفعلها أو بالشروع فيها وهي القتل والسرقة.
وأن الجرائم لا تخلو عن ذلك، ولذلك كانت العقوبات مترددة بين القطع والقتل، وأنه يكون ثمة تغليظ إذا ارتكبت الجريمتان معا.
وإن كان الشروع بالتجمع واتخاذ الأسباب، فإن العقوبة تكون بمنع الجريمة من الوقوع باتخاذ أسباب الوقاية بالنفي من الأرض، ولذلك كان التنويع، وكان تخريج حرف أَوْ على ذلك الأساس، ليكون التكافؤ بين الجريمة والعقوبة، وإن لم تكن جريمة كانت الوقاية.
أما الرأى الأول فهو يتجه إلى أن عقوبة الحرابة لذات الحرابة والسعى في الأرض بالفساد، ومنع الناس من السير والاستمتاع بأموالهم وحرياتهم الشخصية.
وظاهر هذا الرأى أنه لا ينظر إلا إلى ذات الحرابة التي هي التخويف والإرهاب، ولا ينظر إلى الجرائم التي ارتكبوها فعلا، ولذلك يعمم الجرائم ولا يقصرها على القتل والسرقة كالرأى الثاني.
ويرى أن العقوبات في جملتها هي لعلاج ذلك الشر، وحسم مادته، والقضاء على التفكير لمن يهم بمحاكاة من وقعوا فيه، ولذلك يجب إطلاق يد ولى الأمر واعتبار تلك العقوبات في يده كالدواء بين يدي الطبيب، يختار من أصنافه ما يراه أنجح في علاج الآفة التي أصابت الجسم الاجتماعى.
وإنا نرى الرأى الثاني بالنسبة لتنويع العقاب، ونرى الرأى الأول بالنسبة لتعميم الجرائم التي تفسد المجتمع.
فإذا كانت عصابة تعمل لجمع الرجال على النساء وتخطف النساء لذلك الغرض، أو كانت عصابة لتجميع المواد المخدرة المحرم دينا وقانونا تناولها، فإنهم يكونون كقطاع الطريق، ويدخلون في باب الحرابة .
3- تدل الآية بظاهرها على أن المحاربين يعاقبون في الدنيا والآخرة، ولا يكون العقاب الدنيوي طهرة لهم ولو كانوا مسلمين لقوله- تعالى- ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ.
قال القرطبي: فقوله: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا لشناعة المحاربة، وعظم ضررها وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر، لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس.
لأنه إذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت، فانسد باب التجارة عليهم، وانقطعت أكسابهم، فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلظة، وذلك الخزي في الدنيا ردعا لهم عن سوء فعلهم، وفتحا لباب التجارة التي أباحها الله لعباده.
وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي ومستثناة من حديث عبادة بن الصامت في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له» .
ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره.
ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم، ولكن يعظم عقابه لعظم ذنبه، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة وهذا الوعيد كغيره مقيد بالمشيئة، وله- تعالى- أن يغفر هذا الذنب» .
4- دل قوله- تعالى-: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ على أن توبة المحاربين قبل الظفر بهم، تسقط عنهم حد المحاربين المذكور في الآية، إلا أن كثيرا من الفقهاء قالوا إن الذي يسقط عنهم هو ما يتعلق بحقوق الله، أما ما يتعلق بحقوق العباد فلا يسقط عنهم بالتوبة قبل القدرة عليهم.
قال القرطبي: قوله- تعالى-: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ: استثنى- جل شأنه- التائبين قبل أن يقدر عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط، وظاهر الآية أن من تاب بعد القدرة عليه فتوبته لا تنفع، وتقام الحدود عليه كما تقدم» .
وقال الآلوسى: قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله- تعالى- كما ينبئ عنه قوله فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وأما ما هو من حقوق العباد- كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه- فيسقط بالتوبة وجوبه على الإمام من حيث كونه حدا، ولا يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث كونه قصاصا فإنهم إن شاءوا عفوا، وإن أحبوا استوفوا» .
ويرى ابن جرير وابن كثير أن توبة المحاربين قبل القدرة عليهم تسقط عنهم جميع الحدود.
فقد قال ابن جرير- بعد أن ساق الأقوال في ذلك-: «وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي، قول من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه، أو بجماعة معه، قبل القدرة عليه، تضع عنه تبعات الدنيا التي كانت لزمته أيام حربه وحرابته، من حدود الله، وغرم لازم، وقود وقصاص، إلا ما كان قائما في يده من أموال المسلمين والمعاهدين فيرد على أهله» .
وقال ابن كثير: وقوله- تعالى- إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ أما على قول من قال إنها في أهل الشرك، فظاهر.
- أى: فإنهم إذا آمنوا قبل القدرة عليهم سقطت عنهم جميع الحدود المذكورة-: وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم تحتم القتل والصلب وقطع الرجل.
وهل يسقط قطع اليد؟ فيه قولان للعلماء.
وظاهر الآية يقتضى سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة.
ثم ساق آثارا في هذا المعنى منها: ما رواه ابن أبى حاتم عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة- وكان قد أفسد في الأرض وحارب- فكلم رجالا من قريش فكلموا عليا فيه فلم يؤمنه.
فأتى سعيد بن قيس الهمدانى فخلفه في داره ثم أتى عليا فقال:يا أمير المؤمنين: أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا، فقرأ حتى بلغ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فقال على: اكتب له أمانا.
.
» .
وبعد، فهذه بعض الأحكام التي تتعلق بقطاع الطريق الذين سماهم الله- تعالى- محاربين لله ولرسوله، وسمى الفقهاء عملهم حرابة.
وقد رأينا أن الله- تعالى- قد عاقبهم بتلك العقوبات الرادعة في الدنيا.
وأعد لهم العذاب العظيم في الآخرة، ما داموا مستمرين في عدوانهم وتهديدهم لأمن الناس، واستلابهم لأموالهم.
وإن المقصد من هذه العقوبات الشديدة، أن يكف المعتدون عن عدوانهم، وأن يحس الناس في حياتهم بالأمان والاطمئنان على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فإن الأمة التي ترتكب فيها الجرائم بدون خوف أو وجل، ويفتقد أبناؤها الأمان والاطمئنان، هذه الأمة التي هذا شأنها، لا بد أن تضطرب كلمتها، ويهون أمرها، وتنتزع الثقة بين الحاكمين والمحكومين فيها، لذا فقد أوجب الإسلام على أتباعه أن يتكاتفوا ويتعاونوا للقضاء على كل من يحاول إثارة الفتن والاضطراب بين صفوفهم، حتى يعيشوا آمنين مطمئنين، مؤدين لما يجب عليهم نحو دينهم ودنياهم بدون خوف أو إزعاج.
وقد قال القرطبي في هذا المعنى: «وإذا أخاف المحاربون السبيل، وقطعوا الطريق، وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين، فإن انهزموا لم يتبع منهم مدبرا إلا أن يكون قد قتل وأخذ مالا، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته .
وبعد أن بين- سبحانه- سوء عاقبة المحاربين له ولرسوله صلى الله عليه وسلم وأخرج منهم من تاب إليه- سبحانه- قبل القدرة عليه بعد كل ذلك وجه- سبحانه- نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بتقواه، وبالتقرب إليه بالعمل الصالح فقال- تعالى-:

إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم: تفسير ابن كثير


وقوله : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) أما على قول من قال : هي في أهل الشرك فظاهر ، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم ، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل ، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء .وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع ، وعليه عمل الصحابة ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن مجاهد عن الشعبي قال : كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة وكان قد أفسد في الأرض وحارب ، فكلم رجالا من قريش منهم : الحسن بن علي وابن عباس وعبد الله بن جعفر فكلموا عليا فلم يؤمنه . فأتى سعيد بن قيس الهمداني فخلفه في داره ، ثم أتى عليا فقال : يا أمير المؤمنين ، أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا ، فقرأ حتى بلغ : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) قال : فكتب له أمانا . قال سعيد بن قيس : فإنه حارثة بن بدر .وكذا رواه ابن جرير من غير وجه ، عن مجاهد عن الشعبي به . وزاد : فقال حارثة بن بدر :ألا أبلغن همدان إما لقيتها على النأي لا يسلم عدو يعيبها لعمر أبيها إن همدان تتقي الإله ويقضي بالكتاب خطيبهاوروى ابن جرير من طريق سفيان الثوري عن السدي - ومن طريق أشعث كلاهما عن عامر الشعبي قال : جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في إمارة عثمان رضي الله عنه ، بعدما صلى المكتوبة فقال : يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك ، أنا فلان بن فلان المرادي وإني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض فسادا ، وإني تبت من قبل أن يقدر علي . فقام أبو موسى فقال : إن هذا فلان بن فلان ، وإنه كان حارب الله ورسوله ، وسعى في الأرض فسادا ، وإنه تاب من قبل أن يقدر عليه ، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير ، فإن يك صادقا فسبيل من صدق ، وإن يك كاذبا تدركه ذنوبه ، فأقام الرجل ما شاء الله ، ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله .ثم قال ابن جرير : حدثني علي حدثنا الوليد بن مسلم قال : قال الليث وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني وهو الأمير عندنا : أن عليا الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال ، فطلبه الأئمة والعامة ، فامتنع ولم يقدر عليه ، حتى جاء تائبا ، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) [ الزمر : 53 ] ، فوقف عليه فقال : يا عبد الله ، أعد قراءتها . فأعادها عليه ، فغمد سيفه ، ثم جاء تائبا . حتى قدم المدينة من السحر ، فاغتسل ، ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح ، ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار أصحابه ، فلما أسفروا عرفه الناس ، فقاموا إليه ، فقال : لا سبيل لكم علي جئت تائبا من قبل أن تقدروا علي . فقال أبو هريرة : صدق . وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى مروان بن الحكم - وهو أمير على المدينة في زمن معاوية - فقال : هذا علي جاء تائبا ، ولا سبيل لكم عليه ولا قتل . قال : فترك من ذلك كله ، قال : وخرج علي تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر ، فلقوا الروم فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم ، فهربوا منه إلى شقها الآخر ، فمالت به وبهم ، فغرقوا جميعا .

تفسير القرطبي : معنى الآية 34 من سورة المائدة


قوله تعالى : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم استثنى جل وعز التائبين قبل أن يقدر عليهم ، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله : فاعلموا أن الله غفور رحيم .
أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط ، ومن تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع ، وتقام الحدود عليه كما تقدم ، وللشافعي قول إنه يسقط كل حد بالتوبة ، والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه ، وقيل : أراد بالاستثناء المشرك إذا تاب وآمن قبل القدرة عليه فإنه تسقط عنه الحدود ; وهذا ضعيف ; لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل أيضا بالإجماع ، وقيل : إنما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدرة عليهم - والله أعلم - لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام ، أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم فلم تقبل توبتهم ; كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا ، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب ; فأما إذا تقدمت توبتهم القدرة عليهم ، فلا تهمة وهي نافعة على ما يأتي بيانه في سورة " يونس " ; فأما الشراب والزناة والسراق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم ، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم ، وإن رفعوا إليه فقالوا تبنا لم يتركوا ، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا ، والله أعلم .

﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ﴾ [ المائدة: 34]

سورة : المائدة - الأية : ( 34 )  - الجزء : ( 6 )  -  الصفحة: ( 113 )

English Türkçe Indonesia
Русский Français فارسی
تفسير انجليزي اعراب

تحميل سورة المائدة mp3 :

سورة المائدة mp3 : قم باختيار القارئ للاستماع و تحميل سورة المائدة

سورة المائدة بصوت ماهر المعيقلي
ماهر المعيقلي
سورة المائدة بصوت سعد الغامدي
سعد الغامدي
سورة المائدة بصوت عبد  الباسط عبد الصمد
عبد الباسط
سورة المائدة بصوت أحمد العجمي
أحمد العجمي
سورة المائدة بصوت محمد صديق المنشاوي
المنشاوي
سورة المائدة بصوت محمود خليل الحصري
الحصري
سورة المائدة بصوت مشاري راشد العفاسي
مشاري العفاسي
سورة المائدة بصوت ناصر القطامي
ناصر القطامي
سورة المائدة بصوت فارس عباد
فارس عباد
سورة المائدة بصوت ياسر لدوسري
ياسر الدوسري


لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب