قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة
حصن المسلم | ما يقول المسلم إذا مدح المسلم | قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا صَاحِبَهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ – إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَاكَ – كَذَا وَكَذَا (1).
He (Peace Be Upon Him) said: ‘If anyone of you is impelled to praise his brother, then he should say: ‘I deem so-and-so to be…and Allah is his reckoner…and I don’t praise anyone, putting it (i.e. my praising) forward, in front of Allah’s commendation, however I assume him so and so’…if he knows that of him.
📖 شرح معنى قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة
لفظ الحديث الذي ورد فيه:
903- لفظ مسلم عن أبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: مَدَحَ رَجُلٌ رَجُلاً، عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَقَالَ: «وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ» مِرَارًا «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا صَاحِبَهُ لاَ مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلاَنًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَاكَ، كَذَا وَكَذَا» (1) .904- وفي لفظٍ آخر لمسلم عن أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ، بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَفْضَلُ مِنْهُ فِي كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ» مِرَارًا يَقُولُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ، لاَ مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلاَنًا، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا» (2) .
905- وحديث البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ، وَيُطْرِيهِ فِي مَدْحِهِ، فَقَالَ: «أَهْلَكْتُمْ - أَوْ قَطَعْتُمْ - ظَهْرَ الرَّجُلِ» (3) .
شرح مفردات الحديث:
1- قوله: «إذا كان أحدكم مادحاً»: مدح: المدح هو المبالغة في الثناء، وقال ابن منظور :« المَدْح نقيض الهجاءِ، وهو حُسْنُ الثناءِ... ومَدَح الشاعرُ وامْتَدَح، وتَمَدَّح الرجل بما ليس عنده: تَشَبَّع، وافتخر، ويقال: فلان يَتَمَدَّحُ: إِذا كان يُقَرِّظُ نفسه، ويثني عليها، والمَمادِحُ ضدّ المَقابح» (4) .2- قوله: «ويثني»: قال الفيومي : «وَأَثْنَيْتُ عَلَى زَيْدٍ بِالْأَلِفِ، وَالِاسْمُ الثَّنَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ، يُقَالُ: أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ خَيْرًا، وَبِخَيْرٍ، وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ شَرًّا، وَبِشَرٍّ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى، وَصَفْتُهُ هَكَذَا» (5) .
3- قوله: «ويطريه»: قال الفيومي : «أَطْرَيْتُ فُلَانًا: مَدَحْتُهُ بِأَحْسَنِ مَا فِيهِ، وَقِيلَ: بَالَغْتُ فِي مَدْحِهِ، وَجَاوَزْتُ الْحَدَّ، ... أَطْرَأْتُهُ: مَدَحْتُهُ، وَأَطْرَيْتُهُ: أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ» (6) .
4- قوله: «صاحبه»: الصاحب: الرفيق الملازم لصاحبه، قال الرازي : «أَصْحَبَهُ الشَّيْءَ: جَعَلَهُ لَهُ صَاحِبًا، وَاسْتَصْحَبَهُ الْكِتَابَ وَغَيْرَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ لَازَمَ شَيْئًا فَقْدِ اسْتَصْحَبَهُ» (7) .
5- قوله: « ويحك»: كلمة رحمة وتوجع، وويل كلمة عذاب، وقد تأتي موضع ويح على حسب السياق، قال الداودي: ويل، وويح، وويس: كلمات تقولها العرب عند الذم (8) ، وقال ابن حجر : «ويحَكَ: بَدَلَ ويلَكَ، قالَ الهَرَوِيّ: ويل، يُقالُ لِمَن وقَعَ فِي هَلَكَة يَستَحِقُّها، وويح لِمَن وقَعَ فِي هَلَكَة لا يَستَحِقُّها» (9) .
6- قوله: «أهلكتم»: قال ابن فارس : «هَلَكَ: الْهَاءُ وَاللَّامُ وَالْكَافُ: يَدُلُّ عَلَى كَسْرٍ، وَسُقُوطٍ، مِنْهُ: الْهَلَاكُ: السُّقُوطُ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لِلْمَيِّتِ: هَلَكَ» (10) .
7- قوله: «قطعت عنق صاحبك»: أي: أهلكتموه بقولكم هذا، وقال ابن الأثير : «قطعت عنق صاحبك: أي: أهلكته بالإطراء، والمدح الزائد، وتعظيمك شأنه عند نفسه، فإنه يعجب بنفسه، فيهلك، كأنك قد قطعت عنقه» (11) ، وقال القاضي عياض : « ومعنى قطع العنق هنا، وقطع الظهر: الهلاك، وأصله القتل، وهذا استعارة له من ذلك بهلاكه من جهة الدين، وربما كان من جهة الدنيا أيضاً، وما يسببه عليه عجبه» (12) .
8- قوله: «واللَّه حسيبه»: قال الطيبي : « اللَّه حسيبه: يعني: محاسبه على عمله الذي يحيط بحقيقة حاله، ويعلم سره، وهي جملة اعتراضية» (13) ، وقال ابن الملقن : «وقوله: « أي: أعلم بحقيقة أمره» (14) ، وقال ابن الجوزي : «أي: محاسبه على أعماله؛ فإن شاء عاقبه بذنوبه» (15) ، وقال الحافظ ابن حجر : « قَوله: «واللَّه حَسِيبه» بِفَتحِ أَوَّله، وكَسر ثانِيه، وبَعد التَّحتانِيَّة السّاكِنَة مُوحَّدَة، أَي: كافِيهِ، ويَحتَمِل أَن يَكُون هُنا فَعِيل مِنَ الحِساب، أَي: مُحاسَبَه عَلَى عَمَله الَّذِي يَعلَم حَقِيقَته، وهِيَ جُملَة اعتِراضِيَّة» (16) .
9- قوله: «ولا أزكي على اللَّه أحدًا»: أي: لا أقطع على ذلك يقينًا؛ لأن ذلك من الغيب؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (17) ، وقال الطيبي : «ولا يزكي على اللَّه أحداً: منعٌ له عن الجزم، وهو عطف على قوله: «فليقل»، أي: من كان منكم مادحاً فليقل: أحسب فلاناً كذا إن كان يرى أنه كذلك، ولا يجزم بالمدح، ولا يزكي على اللَّه أحداً بالجزم بمدحه» (13) .
وقال ابن حجر : «بِهَمزَةِ بَدَل التَّحتانِيَّة، أَي: لا أَقطَع عَلَى عاقِبَة أَحَد، ولا عَلَى ما فِي ضَمِيره؛ لِكَونِ ذَلِكَ مُغَيَّبًا عَنهُ، وجِيءَ بِذَلِكَ بِلَفظِ الخَبَر، ومَعناهُ النَّهي، أَي: لا تُزَكُّوا أَحَدًا عَلَى اللَّه؛ لأَنَّهُ أَعلَم بِكُم مِنكُم» (16) .
10- وقوله: «إن كان يرى»: قال الطيبي : «الجملة الشرطية وقعت حالاً من فاعل «فليقل»، و«على» في «على اللَّه» فيه معنى الوجوب والقطع، المعنى: فليقل: أحسب أن فلاناً كيت وكيت، واللَّه يعلم سره فيما فعل، وهو يجازيه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ولا يقل: أتيقن أنه محسن، واللَّه شاهد عليه على الجزم والقطع» (13) .
11- قوله: «لا محالة»: أي: لابد له من ذلك، قال ابن الملقن : «وقوله: لا محالة: هو بفتح الميم أي: لا بد منه» (14) .
12- قوله: «أحسبه»: أي: أظنه هكذا، قال الحافظ ابن حجر : «والمَعنَى فَليَقُل: أَحسِب أَنَّ فُلانًا كَذا، إِن كانَ يُحسَب ذَلِكَ مِنهُ، واللَّه يَعلَم سِرّه؛ لأَنَّهُ هُو الَّذِي يُجازِيه، ولا يَقُل: أَتَيَقَّن، ولا أَتَحَقَّق جازِمًا بِذَلِكَ» (16) .
13- قوله: «قطعتم ظهر الرجل»: قال ابن الجوزي : « قطعتم ظهر الرجل إلى تأذيه في دينه فجعله كقطع ظهره» (18) ، وقال الحافظ ابن حجر : «أَو قَطَعتُم، ظَهر الرَّجُل، كَذا فِيهِ بِالشَّكِّ، وكَذا لِمُسلِمٍ... «قَطَعت عُنُق صاحِبك» وهُما بِمَعنًى، والمُراد بِكُلٍّ مِنهُما الهَلاك؛ لأَنَّ مَن يُقطَع عُنُقه يُقتَل، ومَن يُقطَع ظَهره يَهلَك» (16) .
14- قوله: «إن كان يعلم ذاك كذا وكذا»: قال القرطبي : «قال ابن السيِّد البطليوسي : كذا وكذا : كناية عن الأعداد المعطوف بعضها على بعض؛ من أحد وعشرين إلى تسعة وتسعين، والمميز بعد هذه الأعداد حقه أن ينصب» (19) .
ما يستفاد من الحديث:
1- النهي عن أن يمدح المسلم أخاه في وجهه، فيما يتعلق بالأمور الدينية: كحسن صلاة، أو بذل مالٍ، أو صيام نافلة، أو نحو ذلك؛ لأن في هذا هلاك للممدوح، فقد يجره هذا إلى العجب، والكبر، ولذلك جاء في الحديث: «قطعتم ظهر الرجل» (20) أي: قتلتموه بقولكم هذا.2- بعض الناس يُلَبِّس عليهم الشيطان أعمالهم فيمدحون بالباطل وقد كره السلف ذلك، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب» (21) وقال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والتمادح، فإنه الذبح» (22) .
3- الذي يجوز مدحه هو من جاء التنصيص عليه؛ لأنه قد أمنت عليه الفتنة، وعلى هذا تحمل أحاديث مدح النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر رضي الله عنه: «إنَّ مِنْ أمَنِّ الناسِ عليَّ في صحبته وماله أبو بكر» (23) ، وهكذا ما جاء في مدح بقيتهم رضي الله عنهم.
4- قول هذا الدعاء الذي أرشدنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم أمان لصاحبه من التقول على اللَّه بغير علم؛ فإن السرائر، والخواتيم لا يعلم بها إلا من بيده مقاليد كل شيء، وهو بكل شيء عليم، وانظر كيف ربَّى الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه لما بالغوا في مدحه، وهو من هو؟ قال لهم: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد اللَّه ورسوله» (24) .
5- قال القاضي عياض : «قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قطعت عنق أخيك»: قال أهل العلم: هذا كله في التفاوت في المدح، ووصف الإنسان مما ليس فيه، أو لمن يخشى عليه العجب، والفساد بسماع المدح، وإلا فقد مدح صلى الله عليه وسلم، ومدح بحضرته غيره بالنظم والنثر، فلم ينكر، بل قد حض كعب بن زهير..وفي الحديث أنه كان صلى الله عليه وسلم لا يقبل الثناء إلا من مكافئ، أي: من مقتصد فى المدح على أحد التأويلات، احتج أيضاً لهذا بقوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» (25) ، وأما قوله: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب» (26) ، فقد حمله المقداد وغيره - ممن جاء بعد - على ظاهره، وقال: خيِّبوهم، ولا تعطوهم شيئاً لأجل مدحهم» (27) .
6- قال الحافظ ابن حجر : «قالَ ابن بَطّال: حاصِل النَّهي أَنَّ مَن أَفرَطَ فِي مَدح آخَر بِما لَيسَ فِيهِ، لَم يَأمَن عَلَى المَمدُوح العُجب؛ لِظَنِّهِ أَنَّهُ بِتِلكَ المَنزِلَة، فَرُبَّما ضَيَّعَ العَمَل، والازدِياد مِنَ الخَير اتِّكالاً عَلَى ما وُصِفَ بِهِ، ولِذَلِكَ تَأَوَّلَ العُلَماء فِي الحَدِيث الآخَر «احثُوا فِي وُجُوه المَدّاحِينَ التُّراب» أَنَّ المُراد مَن يَمدَح النّاس فِي وُجُوههم بِالباطِلِ، وقالَ عُمَر: المَدح هُو الذَّبح، قالَ: وأَمّا مَن مُدِحَ بِما فِيهِ، فَلا يَدخُل فِي النَّهي، فَقَد مُدِحَ صلى الله عليه وسلم فِي الشِّعر، والخُطَب، والمُخاطَبَة، ولَم يَحثُ فِي وجه مادِحه تُرابًا، انتَهَى مُلَخَّصًا» (16) .
📖 قراءة القرآن الكريم
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Saturday, July 25, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








