أحاديث عن: كان سليمان بن داود إذا صلى الصلاة طلعت بين عينيه شجرة
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: كان سليمان بن داود إذا صلى الصلاة طلعت بين عينيه شجرة
عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما قالَ: كان سُليمانُ بنُ داودَ عليهما السَّلامُ إذا صَلَّى الصَّلاةَ طلَعَتْ بيْن عَيْنَيْه شَجَرةٌ، فيقولُ لها: ما أنْتِ؟ ولأيِّ شيْءٍ طلَعْتِ؟ فتقولُ: أنا شَجرةُ كذا وكذا، طلَعَتُ لداءِ كذا وكذا، فلمَّا صلَّى ذاتَ يومٍ الغداةَ، طلَعَتْ بيْنَ عَيْنيهِ شَجرةٌ، فقال لها: ما أنْتِ؟ ولأيِّ شَيْءٍ طلَعْتِ؟ قالتْ: أنا الخَرْنُوبُ، طلَعْتُ لخرابِ هذا المسجِدِ، فعَلِمَ سُليمانُ عليه السَّلامُ أنَّ أجَلَهُ قدِ اقترَبَ، وأنَّ بيتَ المَقْدِسِ لا يُخرَبُ وهو حَيٌّ، فدَعا اللهَ تَعالَى أنْ يُعْمِيَ على الشَّيْطانِ مَوتَهُ، وكانتِ الجِنُّ تَزعُمُ أنَّ الشَّياطينَ يَعلَمونَ الغَيْبَ، فماتَ على عَصاهُ، فسُلِّطَتِ الأرَضةُ على عَصاهُ، فأكَلَتْها، فسَقَطَ، فحَقَّ على الشَّياطينِ أنْ تأتِيَ الأَرَضةَ بالماءِ حيْثُ كانتْ؛ تُثْني عليها، تَشَكُّرًا بما صَنَعَتْ بعَصَا سُلَيمانَ
[عن] جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلْنا علَى جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ فلمَّا انتَهَينا إليهِ سألَ عنِ القومِ حتَّى انتَهَى إليَّ ، فقلتُ : أَنا محمَّدُ بنُ عليِّ بنِ حُسَيْنٍ ، فأَهْوَى بيدِهِ إلى رأسي فنزعَ زِرِّي الأعلَى ، ثمَّ نزعَ زِرِّي الأسفلَ ، ثمَّ وضعَ كفَّهُ بينَ ثديَيَّ وأَنا يومئذٍ غلامٌ شابٌّ ، فقالَ : مرحبًا بِكَ ، وأهْلًا يا ابنَ أخي سَلْ عمَّا شئتَ فسألتُهُ وَهوَ أعمَى وجاءَ وقتُ الصَّلاةِ فقامَ في نساجةٍ مُلتحِفًا بِها يعني ثَوبًا مُلفَّقًا كلَّما وضعَها علَى منكبِهِ رجعَ طرَفاها إليهِ مِن صغرِها ، فصلَّى بنا ورداؤُهُ إلى جنبِهِ علَى المشجَبِ ، فقلتُ : أخبِرني عن حجَّةِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ : بيدِهِ فعقدَ تسعًا ، ثمَّ قالَ : إنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ مَكَثَ تسعَ سنينَ لم يحجَّ ، ثمَّ أُذِّنَ في النَّاسِ في العاشرةِ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ حاجٌّ ، فقدِمَ المدينةَ بشرٌ كثيرٌ كلُّهم يلتمسُ أن يأتمَّ برسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ويعملَ بمثلِ عملِهِ ، فخرجَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وخرجْنا معَهُ حتَّى أتَينا ذا الحُلَيْفةِ ، فولدَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيْسٍ محمَّدَ بنَ أبي بكرٍ ، فأرسلَتْ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ كيفَ أصنعُ ؟ فقالَ : اغتَسِلي واستَذفِري بثَوبٍ وأحرِمي ، فصلَّى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ في المسجدِ ، ثمَّ رَكِبَ القصواءَ حتَّى إذا استَوتْ بِهِ ناقتُهُ علَى البَيداءِ ، قالَ : جابرٌ نظرتُ إلى مدِّ بصَري من بينِ يدَيهِ من راكبٍ وماشٍ وعن يمينِهِ مثلُ ذلِكَ وعن يسارِهِ مثلُ ذلِكَ ومن خلفِهِ مثلُ ذلِكَ ، ورسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بينَ أظهرِنا وعلَيهِ ينزلُ القرآنُ ، وَهوَ يعلمُ تأويلَهُ فما عمِلَ بِهِ من شيءٍ ، عمِلْنا بِهِ فأَهَلَّ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بالتَّوحيدِ لبَّيكَ اللَّهمَّ لبَّيكَ ، لبَّيكَ لا شريكَ لَكَ لبَّيكَ ، إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لَكَ والمُلكَ لا شريكَ لَكَ وأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذا الَّذي يُهِلُّونَ بِهِ فلم يردَّ علَيهِم رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ شيئًا منهُ ، ولزِمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ تلبيتَهُ ، قالَ جابرٌ : لسنا نَنْوي إلَّا الحجَّ لسنا نعرفُ العُمرةَ ، حتَّى إذا أتَينا البيتَ معَهُ استلمَ الرُّكنَ فرملَ ثلاثًا ، ومشَى أربعًا ، ثمَّ تقدَّمَ إلى مقامِ إبراهيمَ فقرأَ ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) فجعلَ المقامَ بينَهُ وبينَ البيتِ قالَ : كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقرأُ في الرَّكعتَينِ بِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ثمَّ رجعَ إلى البيتِ فاستلمَ الرُّكنَ ، ثمَّ خرجَ منَ البابِ إلى الصَّفا ، فلمَّا دَنا منَ الصَّفا قرأَ ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) نبدأُ بما بدأَ اللَّهُ بِهِ فبدأَ بالصَّفا فرقيَ علَيهِ حتَّى رأى البيتَ فَكَبَّرَ اللَّهَ ووَحَّدَهُ وقالَ : لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وحدَهُ لا شريكَ لَهُ ، لَهُ المُلكُ ولَهُ الحمدُ ، يُحيي ويميتُ وَهوَ علَى كلِّ شيءٍ قديرٌ ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ أنجزَ وعدَهُ ، ونصرَ عبدَهُ ، وَهَزمَ الأحزابَ وحدَهُ ثمَّ دعا بينَ ذلِكَ ، وقالَ : مثلَ هذا ثلاثَ مرَّاتٍ ، ثمَّ نزلَ إلى المرْوةِ حتَّى إذا انصبَّتْ قدَماهُ رملَ في بطنِ الوادي ، حتَّى إذا صعدَ مشَى حتَّى أتَى المرْوةَ ، فصنعَ علَى المرْوةِ مثلَ ما صنعَ علَى الصَّفا ، حتَّى إذا كانَ آخرُ الطَّوافِ علَى المرْوةِ ، قالَ : إنِّي لوِ استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقْ الهديَ ولجعلتُها عُمرةً ، فمَن كانَ منكُم ليسَ معَهُ هديٌ فليحلِلْ وليجعَلْها عُمرةً فحلَّ النَّاسُ كلُّهم وقصَّروا إلَّا النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، ومن كانَ معَهُ هديٌ فقامَ سُراقةُ بنُ جُعشمٍ ، فقالَ : يا رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ألعامِنا هذا أم للأبدِ ؟ فشبَّكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ أصابعَهُ في الأُخرَى ، ثمَّ قالَ : دخلتِ العُمرةُ في الحجِّ هَكَذا مرَّتَينِ لا بلْ لأبدِ أبدٍ ، لا بلْ لأبدِ أبدٍ قالَ : وقدِمَ عليٌّ رضيَ اللَّهُ عنهُ ، منَ اليمنِ ببدنِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فوجدَ فاطمةَ رضيَ اللَّهُ عنها ممَّن حلَّ ، ولبِسَتْ ثيابًا صبيغًا واكتحلَتْ فأنكرَ عليٌّ ذلِكَ علَيها ، وقالَ : مَن أمرَكِ بِهَذا ، فقالَت : أبي ، فَكانَ عليٌّ يقولُ : بالعراقِ ذَهَبتُ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ محرِّشًا علَى فاطمةَ في الأمرِ الَّذي صنعَتْهُ مُستَفْتيًا لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ في الَّذي ذَكَرتْ عنهُ فأخبرتُهُ ، أنِّي أنكرتُ ذلِكَ علَيها فقالَت : إنَّ أبي أمرَني بِهَذا ، فقالَ : صدقَتْ ، صدقَتْ ، ماذا قُلتَ حينَ فرضتَ الحجَّ قالَ : قُلتُ اللَّهمَّ إنِّي أُهِلُّ بما أهَلَّ بِهِ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قالَ : فإنَّ معيَ الهديَ فلا تحلِلْ قالَ : وَكانَ جماعةُ الهديِ الَّذي قدِمَ بِهِ عليٌّ منَ اليمنِ والَّذي أتَى بِهِ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ منَ المدينةِ مائةً فحلَّ النَّاسُ كلُّهم ، وقصَّروا إلَّا النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، ومَن كانَ معَهُ هَديٌ ، قالَ : فلمَّا كانَ يومُ التَّرويةِ ووجَّهوا إلى منًى أَهَلُّوا بالحجِّ ، فرَكِبَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فصلَّى بمنًى الظُّهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والصُّبحَ ، ثمَّ مَكَثَ قليلًا حتَّى طلعتِ الشَّمسُ وأمرَ بقُبَّةٍ لَهُ من شعرٍ فضُرِبَتْ بنَمرةٍ ، فسارَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ولا تشُكُّ قُرَيْشٌ ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ واقفٌ عندَ المَشعرِ الحرامِ بالمُزدَلفةِ ، كما كانت قُرَيْشٌ تصنعُ في الجاهليَّةِ ، فأجازَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ حتَّى أتَى عرفةَ فوجدَ القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ لَهُ بنَمرةٍ ، فنزلَ بِها حتَّى إذا زاغتِ الشَّمسُ أمرَ بالقصْواءِ فرُحِّلَتْ لَهُ فرَكِبَ حتَّى أتَى بطنَ الوادي فخطبَ النَّاسَ فقالَ : إنَّ دماءَكُم وأموالَكُم علَيكُم حرامٌ كحُرمَةِ يَومِكُم هذا في شَهْرِكُم هذا في بلدِكُم هذا ، ألا إنَّ كلَّ شيءٍ من أمرِ الجاهليَّةِ تحتَ قدميَّ مَوضوعٌ ، ودماءُ الجاهليَّةِ مَوضوعةٌ ، وأوَّلُ دمٍ أضعُهُ دماؤُنا : دمُ ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطَّلبِ كانَ مُستَرضعًا في بَني سعدٍ فقتلَتهُ هُذَيْلٌ ، ورِبا الجاهليَّةِ مَوضوعٌ ، وأوَّلُ رِبًا أضعُهُ رِبانا : رِبا عبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ فإنَّهُ مَوضوعٌ كلُّهُ ، اتَّقوا اللَّهَ في النِّساءِ ، فإنَّكم أخذتُموهنَّ بأمانةِ اللَّهِ ، واستحلَلتُمْ فروجَهُنَّ بِكَلمةِ اللَّهِ ، وإنَّ لَكُم علَيهنَّ أن لا يوطِئنَ فُرشَكُم ، أحدًا تَكْرهونَهُ ، فإن فعلنَ فاضربوهنَّ ضربًا غيرَ مُبرِّحٍ ، ولَهُنَّ علَيكُم رزقُهُنَّ وَكِسوتُهُنَّ بالمعروفِ ، وإنِّي قد ترَكْتُ فيكُم ما لن تضلُّوا بعدَهُ إنِ اعتصَمتُمْ بِهِ : كتابَ اللَّهِ وأنتُمْ مَسئولونَ عنِّي ، فما أنتُمْ قائلونَ قالوا : نشهدُ أنَّكَ قد بلَّغتَ ، وأدَّيتَ ، ونصحْتَ ، ثمَّ قالَ : بأُصبعِهِ السَّبَّابةِ يرفعُها إلى السَّماءِ وينكبُها إلى النَّاسِ : اللَّهمَّ اشهدْ ، اللَّهمَّ اشهدْ ، اللَّهمَّ اشهدْ ، ثمَّ أذَّنَ بلالٌ ثمَّ أقامَ فصلَّى الظُّهرَ ، ثمَّ أقامَ فصلَّى العصرَ ، ولم يصلِّ بينَهُما شيئًا ، ثمَّ رَكِبَ القَصْواءَ حتَّى أتَى الموقفَ فجعلَ بطنَ ناقتِهِ القَصْواءِ إلى الصَّخراتِ ، وجعلَ حبلَ المُشاةِ بينَ يدَيهِ فاستقبلَ القِبلةَ ، فلم يزَلْ واقفًا حتَّى غربَتِ الشَّمسُ وذَهَبتِ الصُّفرةُ قليلًا حينَ غابَ القُرصُ وأردفَ أُسامةَ خلفَهُ ، فدفعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وقد شنقَ للقَصْواءِ الزِّمامَ حتَّى إنَّ رأسَها ليصيبُ مورِكَ رَحلِهِ ، وَهوَ يقولُ بيدِهِ اليُمنَى السَّكينةَ أيُّها النَّاسُ السَّكينةَ أيُّها النَّاسُ كلَّما أتَى حبلًا منَ الحبالِ أرخَى لَها قليلًا حتَّى تصعدَ ، حتَّى أتَى المُزدَلفةَ فجمعَ بينَ المغربِ والعِشاءِ بأذانٍ واحدٍ وإقامتَينِ ولم يسبِّحْ بينَهُما شيئًا ، ثمَّ اضطجعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ حتَّى طلعَ الفجرُ ، فصلَّى الفجرَ حينَ تبَيَّنَ لَهُ الصُّبحُ ، قالَ سُلَيْمانُ : بنداءٍ وإقامةٍ ، ثمَّ رَكِبَ القَصْواءَ حتَّى أتَى المَشعرَ الحرامَ فرَقيَ علَيهِ فاستقبلَ القبلةَ فحمِدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ ، ووحَّدَهُ فلم يزَلْ واقفًا حتَّى أسفرَ جدًّا ، ثمَّ دفعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، قبلَ أن تطلعَ الشَّمسُ وأردفَ الفضلَ بنَ عبَّاسٍ وَكانَ رجلًا حسنَ الشَّعرِ أبيضَ وسيمًا ، فلمَّا دفعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ مرَّ الظُّعنُ يجرينَ ، فطفِقَ الفضلُ ينظرُ إليهنَّ فَوضعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يدَهُ علَى وجهِ الفضلِ ، وصرفَ الفضلُ وجهَهُ إلى الشِّقِّ الآخرِ ، وحوَّلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يدَهُ إلى الشِّقِّ الآخرِ ، وصرفَ الفضلُ وجهَهُ إلى الشِّقِّ الآخرِ ينظرُ حتَّى أتَى محسِّرًا ، فحرَّكَ قليلًا ، ثمَّ سلَكَ الطَّريقَ الوسطَى الَّذي يخرجُكَ إلى الجمرةِ الكُبرَى ، حتَّى أتَى الجمرةَ الَّتي عندَ الشَّجرةِ فرماها بسبعِ حصَياتٍ يُكَبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ منها بمثلِ حصَى الخذفِ فرمَى من بطنِ الوادي ، ثمَّ انصرفَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إلى المَنحرِ فنحرَ بيدِهِ ثلاثًا وستِّينَ ، وأمرَ عليًّا فنحرَ ما غبرَ يقولُ : ما بقيَ ، وأشرَكَهُ في هديِهِ ، ثمَّ أمرَ مِن كلِّ بدنةٍ ببضعةٍ فجُعِلَتْ في قِدرٍ فطُبِخَتْ فأَكَلا مِن لحمِها وشَرِبا ، مِن مَرقِها ثمَّ رَكِبَ ، ثمَّ أفاضَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إلى البيتِ فصلَّى بمَكَّةَ الظُّهرَ ، ثمَّ أتَى بَني عبدِ المطَّلبِ وَهُم يسقونَ علَى زمزمَ فقالَ : انزعوا بَني عبدِ المطَّلبِ ، فلَولا أن يغلبَكُمُ النَّاسُ علَى سقايتِكُم لنزعتُ معَكُم ، فَناولوهُ دلوًا فشرِبَ منهُ
دخلنا على جابر بن عبد الله فلما انتهينا إليه سأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت أنا محمد بن علي بن حسين فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم نزع زري الأسفل ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب فقال مرحبًا بك وأهلا يا ابن أخي سل عما شئت فسألته وهو أعمى وجاء وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفا بها يعني ثوبًا ملفقا كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها فصلى بنا ورداؤه إلى جنبه على المشجب فقلت أخبرني عن حجة رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال بيده فعقد تسعا ثم قال إن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللهِ صلى الله عليه وسلم ويعمل بمثل عمله فخرج رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم كيف أصنع فقال اغتسلي واستذفري بثوب وأحرمي فصلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء قال جابر نظرت إلى مد بصري من بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول اللهِ صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله فما عمل به من شيء عملنا به فأهل رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم بًالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد عليهم رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم شيئا منه ولزم رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم تلبيته قال جابر لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) فجعل المقام بينه وبين البيت قال كان رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين ب { قل هو الله أحد } و{ قل يا أيها الكافرون } ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن ثم خرج من البًاب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) نبدأ بما بدأ الله به فبدأ بًالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فكبر الله ووحده وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة فصنع على المروة مثل ما صنع على الصفا حتى إذا كان آخر الطواف على المروة قال إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي فقام سراقة بن جعشم فقال يا رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم ألعامنا هذا أم للأبد فشبك رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم أصابعه في الأخرى ثم قال دخلت العمرة في الحج هكذا مرتين لا بل لأبد أبد لا بل لأبد أبد قال وقدم علي رضي الله عنه من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه وسلم فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل ولبست ثيابًا صبيغا واكتحلت فأنكر علي ذلك عليها وقال من أمرك بهذا فقالت أبي فكان علي يقول بًالعراق ذهبت إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم محرشا على فاطمة في الأمر الذي صنعته مستفتيا لرسول اللهِ صلى الله عليه وسلم في الذي ذكرت عنه فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقالت إن أبي أمرني بهذا فقال صدقت صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج قال قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال فإن معي الهدي فلا تحلل قال وكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة مائة فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي قال فلما كان يوم التروية ووجهوا إلى منى أهلوا بًالحج فركب رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة له من شعر فضربت بنمرة فسار رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم واقف عند المشعر الحرام بًالمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بًالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس فقال إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وأول دم أضعه دماؤنا دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل وربًا الجاهلية موضوع وأول ربًا أضعه ربًانا ربًا عبًاس ابن عبد المطلب فإنه موضوع كله اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بًالمعروف وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم مسئولون عني فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت ثم قال بأصبعه السبًابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه فاستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص وأردف أسامة خلفه فدفع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله وهو يقول بيده اليمنى السكينة أيها الناس السكينة أيها الناس كلما أتى حبلا من الحبًال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح قال سليمان بنداء وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فرقي عليه فاستقبل القبلة فحمد الله وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ثم دفع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عبًاس وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما فلما دفع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم مر الظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر وحول رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يده إلى الشق الآخر وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر حتى أتى محسرا فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى الذي يخرجك إلى الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها بمثل حصى الخذف فرمى من بطن الوادي ثم انصرف رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى المنحر فنحر بيده ثلاثا وستين وأمر عليا فنحر ما غبر يقول ما بقي وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربًا من مرقها ثم ركب ثم أفاض رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى البيت فصلى بمكة الظهر ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه
ُ عن أبي هريرةَ أو غيره شكّ أبو جعفرُ في قولِ اللهِ عز وجل : { سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ، لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } قال : جاءَ جبريلُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعهُ ميكائيلُ ، فقال جبريلُ لميكائيلَ : ائتنِي بطستٍ من ماءِ زمزمَ ، كيْما أُطهرَ قلبهُ وأشرحَ له صدرهُ ، قال : فشقَّ عنه بطنهُ ، فغسلهُ ثلاثَ مراتٍ . واختلفَ إليهِ ميكائيلُ بثلاثِ طساسٍ من ماءِ زمزمَ فشرحَ صدرهَ ونزعَ ما كان فيهِ من غِلٍّ ، وملأه حلما وعلما ، وإيمانا ويقينا وإسلاما ، وختمَ بين كتفيهِ بخاتمِ النبوةِ ثم أتاهُ بفرسٍ فحُمِلَ عليهِ ، كلُّ خطوةٍ منهُ مُنتهى بصرهِ أو أَقصَى بصرهِ قال : فسارَ وسارَ معهُ جبريلُ عليهما السلام ، قال : فأَتى على قومٍ يزرعونَ في يومٍ ويحصدونَ في يومٍ ، كلما حصدوا عادَ كما كانَ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا جبريلُ ، ما هذا ؟ قال : هؤلاءِ المُجاهدونَ في سبيلِ اللهِ ، تُضاعفُ لهُم الحسنةُ بسبعمائةِ ضعفٍ ، وما أنفقوا من شيء فهو يُخْلِفُه ، وهو خيرُ الرازِقينَ ثم أتَى على قومٍ ترضخُ رؤوسهُم بالصخرِ ، كلما رضختْ عادتْ كما كانتْ ، ولا يُفتّرُ عنهم من ذلكَ شيء فقال : ما هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال : هؤلاءِ الذينَ تتثاقلُ رؤوسهُم عن الصلاةِ المكتوبة ِ. ثم أَتَى على قومٍ على أقبالهٍم رِقاعٌ وعلى أدبارهِم رِقاعٌ ، يسرحُونَ كما تسرحُ الإبلُ والنعم ، ويأكلونَ الضريعَ والزقومَ ورضفَ جهنمَ وحجارتُها ، قال : ما هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال : هؤلاءِ الذين لا يؤدُّونَ صدقاتِ أموالهِم ، وما ظلمهُم اللهُ شيئا ، وما الله بظلّامٍ للعبِيدِ . ثم أَتى على قَوْمٍ بينَ أيديهم لحمٌ نضيجٌ في قدرٍ ، ولحمٌ آخرُ نيىء في قدرٍ خبيثٍ ، فجعلوا يأكلونَ من النيّىءِ الخبيثِ ويدعونَ النضيجَ الطيبَ ، فقال : ما هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ فقال : هذا الرجلُ من أمتكَ ، تكونُ عندهُ المرأَةُ الحلال الطيبُ ، فيأتي امرأةً خبيثةً فيبيتُ عندها حتى يصبِحَ ، والمرأَةُ تقومُ من عندِ زوجها حلالا طيّبا ، فتأتِي رجلا خبيثا فتبيتُ معهُ حتى تصبحَ . قال : ثم أتى على خشبةٍ على الطريقِ ، لا يمرُّ بها ثوبٌ إلا شقتهُ ، ولا شيء إلا خرقتهُ ، قال : ما هذا يا جبريلُ ؟ قال : هذا مثل أقوامٍ من أمتكَ ، يقعدونَ على الطريقِ يقطعونهُ ، ثم تلا : { وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوْعِدُونَ } قال : ثم أتى على رجلٍ قد جمعَ حزمةَ حطبٍ عظيمةٍ لا يستطيعُ حملهُا ، وهو يزيدُ عليها ، فقال : ما هذا يا جبريلُ ؟ فقال : هذا الرجلُ من أمتكَ يكون عليهِ أماناتُ الناسِ لا يقدرُ على أدائها ، وهو يريدُ أن يحملَ عليها . ثم أتى على قومٍ تُقرضُ ألسنتهُم وشفاهُم بمقارِيضَ من حديدٍ ، كلما قُرضتْ عادت كما كانتْ ، لا يُفتّر عنهم من ذلكَ شيء ، قال : ما هؤلاء يا جبريلُ ؟ قال : هؤلاءِ خطباءُ الفتنةِ . ثم أتى على جحرٍ صغيرٍ يخرجُ منه ثورٌ عظيمٌ ، فجعل الثورُ يريدُ أن يرجعَ من حيثُ خرجَ، فلا يستطيعُ ، فقال : ما هذا يا جبريلُ ؟ فقال : هذا الرجلُ يتكلّمُ بالكلمةِ العظيمةِ ، ثم يندمُ عليها فلا يستطيعُ أن يردها . ثم أتى على وادٍ فوجدَ ريحا طيّبة بارِدةً ، وريُْحُ مسكٍ ، وسمعَ صوتا ، فقال : يا جبريلُ ، ما هذه الريحُ الطيبةُ الباردةُ ؟ وما هذا المسكُ ؟ وما هذا الصوتُ ؟ قال : هذا صوتُ الجنةِ ، تقول : يا رب ، آتنِي ما وعدتَني فقد كثَّرتْ غرفِي ، وإستبرقي وحريرِي وسُندسِي ، وعبقَريّي ولُؤلؤي ومُرجاني ، وفضَّتي وذهبِي ، وأكوابي وصحافي ، وأباريقي ومراكبي ، وعسلي ومائي وخمري ولبني فآتني ما وعدتني . فقال : لكِ كل مسلمٍ ومسلمةٍ ، ومؤمنٍ ومؤمنةٍ ، ومن أمنَ بي وبرسُلِي وعملَ صالحا ولم يشركْ بي ، ولم يتخذْ من دوني أندادا . ومن خشيني فهو آمنٌ ، ومن سألني أعطيتُهُ ، ومن أقرضَنِي جزيتهُ ، ومن توكلَ علي كفيتُهُ ، إني أنا اللهُ ، لا إله إلا أنا ، لا أُخلفُ الميعادَ ، وقد أفلحَ المؤمنونَ وتباركَ اللهُ أحسنُ الخالقينَ . قالتْ : قد رضيتُ . قال : ثم أتى على وادٍ فسمعَ صوتا منكرا ، ووجدَ ريحا منتنةً ، فقال : ما هذهِ الريحُ يا جبريلُ ؟ وما هذا الصوتِ ؟ فقال : هذا صوتُ جهنمَ ، تقول : يا رب ، آتني ما وعدتني ، فقد كثرتْ سلاسِلِي وأغلالي ، وسعيري وحميمي ، وضريعي ، وغَسّاقي وعذابي ، وقد بعدُ قَعْرِي واشتدَّ حَرّي ، فآتني كل ما وعدتني . فقال : لكِ كل مشركٍ ومشركةٍ ، وكافرٍ وكافرةٍ ، وكل خبيثٍ وخبيثةٍ وكل جبّارٍ لا يؤمنُ بيومِ الحسابِ . قالت : قد رضيتُ . قال : ثم سارَ حتى أتى بيتَ المقدسِ ، فنزل فربطَ فرسهُ إلى صخرةٍ ، ثم دخلَ فصلى مع الملائكةِ ، فلما قضيتُ الصلاةَ قالوا : يا جبريلُ ، من هذا معكَ ؟ قال : محمد صلى الله عليه وسلم . قالوا : أوقدْ أرسلَ محمد ؟ قال : نعم . قالوا : حيّاهُ الله من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ ، ونعمَ المجيء جاء . قال : ثم لقي أرواحَ الأنبياءِ ، فأثنوا على ربهم ، فقال إبراهيمُ : الحمدُ للهِ الذي اتخذني خليلا ، وأعطاني مُلكا عظيما ، وجعلني أمّةً قانتا يُؤْتَمُّ بي ، وأنْقَذَنِي من النار ، وجعلها عليّ بردا وسلاما . ثم إن موسى عليه السلام أثنى على ربهِ عز وجلَ فقال : الحمدُ للهِ الذي كلمني تكليما ، وجعلَ هلاكَ آل فرعونَ ونجاةَ بني إسرائيلَ على يديَّ ، وجعلَ من أمتي قوما يهدُونَ بالحقِّ وبه يعدِلونَ . ثم إن داود عليه السلام أثنى على ربهِ فقال : الحمدُ للهِ الذي جعل لي ملكا عظيما ، وعلّمني الزبورَ ، وألانَ لي الحديدَ ، وسخَّرَ لي الجبالَ يُسبّحنَ والطيرَ ، وأعطاني الحكمةَ وفصْلَ الخِطَابِ . ثم إن سليمان عليه السلام أثنى على ربه فقال : الحمدُ للهِ الذي سخّرَ لي الرياحَ ، وسخرَ لي الشياطينَ يعملونَ لي ما شئتُ من محاريبَ وتماثيلَ ، وجفانٍ كالجوابِ وقدُورٍ راسياتٍ ، وعلّمني مَنْطِقَ الطيرِ ، وآتاني من كل شيءٍ فضلا ، وسخرَ لي جنودَ الشياطينِ والإنسِ والطيرِ ، وفضلني على كثيرٍ من عبادهِ المؤمنينَ ، وآتاني ملكا عظيما لا ينبغي لأحدٍ من بعدي ، وجعل ملكي ملكا طيبا ليسَ فيه حسابٌ . ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه عز وجل فقال : الحمدُ للهِ الذي جعلني كلمتهُ ، وجعل مثلي مثلُ آدمَ ، خلقهَ من ترابٍ ثم قال له : كنْ فيكونَ ، وعلمني الكتابَ والحكمةَ والتوراةَ والإنجيلَ ، وجعلني أَخلُقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ فأنفخُ فيهِ فيكون طيرا بإذنِ اللهِ ، وجعلني أبْرئُ الأكمهَ والأبرصَ وأحيي الموتَى بإذنهِ ، ورفعني وطهرني ، وأعاذني وأمي من الشيطانِ الرجيمِ ، فلم يكن للشيطانِ علينا سبيلٌ . قال : ثم إنَّ محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه عز وجل فقال : فكلكم أثنى على ربِّهِ ، وإنني مثنٍ على ربي فقال : الحمدُ للهِ الذي أرسلني رحمةً للعالمينَ ، وكافة للناس بشيرا ونذيرا ، وأنزلَ عليّ الفرقانَ فيه بيانٌ لكل شيءٍ ، وجعل أمتي خيرَ أمةٍ أخرجتْ للناسِ ، وجعل أمتي أمةً وسطا، وجعل أمتي هم الأولينَ وهم الآخرينَ ، وشرحَ لي صدري ، ووضعَ عني وِزْرِي ، ورفعَ لي ذِكْري ، وجعلني فاتحا وخاتما . فقال إبراهيم : بهذا فضلكم محمدٌ صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر الرازي : خاتِمُ النبوة فاتِحُ بالشفاعةِ يومَ القيامةِ . ثم أتي بآنيةٍ ثلاثةٍ مغطاةٌ أفواهها ، فأتي بإناءٍ منها فيه ماءٌ فقيل : اشربْ . فشربَ منه يسيرا ، ثم دفعَ إليه إناءٌ آخرَ فيه لبنٌ ، فقيل له : اشربْ فشربَ منه حتى رُوِيَ . ثم دفعَ إليهِ إناءٍ آخر فيه خمرٌ فقيل له : اشربْ . فقال : لا أُريدُهُ قد رويتُ . فقال له جبريل : أما إنها ستحَرّمُ على أمتكَ ، ولو شربتَ منها لم يتبعكَ من أمتك إلا قليلٌ . قال : ثم صعدَ بهِ إلى السماءِ فاستفتحَ ، فقيلَ له : من هذا يا جبريلُ ؟ فقال : محمد . قالوا : أوقدْ أرسلَ ؟ قال : نعم . قالوا : حيّاهُ اللهُ من أخٍ ومن خَليفَةٍ ، فنِعْم الأخُ ونِعَْمَ الخليفةُ ، ونعم المجيءُ جاءَ ، فدخل فإذا هو برجلٍ تامِّ الخلقِ ، لم ينقصْ من خلقهِ شيء كما ينقصْ من خلقِ الناسِ ، عن يمينهِ بابٌ يخرجُ منه ريحٌ طيبةٌ ، وعن شمالهِ بابٌ يخرجُ منه ريحٌ خبيثةٌ ، إذا نظر إلى البابَ الذي عن يمينهِ ضحكَ واستبشرَ ، وإذا نظرَ إلى البابِ الذي عن يسارهِ بكى وحزنَ ، فقلتُ : يا جبريلُ ، من هذا الشيخُ التامُّ الخلقِ الذي لم ينقصْ من خلقهِ شيء ؟ وما هذان البابانِ ؟ فقال : هذا أبوكَ آدمُ ، وهذا البابِ الذي عن يمينهِ بابُ الجنةِ ، إذا نظرَ إلى من يدخلُ من ذريتهِ ضحك واستبشرَ ، والباب الذي عن شمالهِ بابُ جهنمَ ، إذا نظرَ إلى من يدخلهُ من ذريتهِ بكى وحزنَ . ثم صعدَ به جبريلُ إلى السماءِ الثانيةِ فاستفتحَ ، فقيلَ : من هذا معكَ ؟ فقال : محمدٌ رسولُ اللهِ . قالوا : أو قدْ أرسلَ محمدٌ ؟ قال : نعم . قالوا : حياهُ اللهُ من أخٍ ومن خليفةٍ ، فلنعمَ الأخُ ولنعمَ الخليفةُ ، ونِعْمَ المجيءُ جاءَ . قال : فدخلَ ، فإذا هو بشابينِ فقال : يا جبريلُ ، من هذانِ الشابانِ ؟ قال : هذا عيسى بن مريمَ ، ويحيى بن زكريا ، ابنا الخالةِ عليهما السلامُ . قال : فصعدَ بهِ إلى السماءِ الثالثةِ فاستفتحَ ، فقالوا من هذا ؟ قال : جبريلُ . قالوا : ومن معك ؟ قال : محمدٌ . قالوا : أو قدْ أرسلَ ؟ قال : نعم . قالوا : حياهُ اللهُ من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ ، ونعمَ المجيءُ جاءَ . قال : فدخلَ فإذا هو برجلٍ قد فُضِّلَ على الناسِ في الحُسْنِ ، كما فضلَ القمرُ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ ، قال : من هذا يا جبريلُ الذي فُضِّلَ على الناسِ في الحُسْنِ ؟ قال : هذا أخوكَ يُوسُفُ عليهِ السلامُ . قال : ثم صعدَ بهِ إلى السماءِ الرابعةِ فاستفتحَ ، فقالوا : من هذا ؟ قال : جبريلُ ، قالوا : ومن معكَ ؟ قال : محمدٌ ، قالوا : أوقدْ أرسلَ ؟ قال : نعم . قالوا : حياهُ اللهُ من أخٍ ومنْ خليفةٍ ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ ، ونعمَ المجيءُ جاءَ قال : فدخل ، فإذا هو برجلٍ ، قال : من هذا يا جبريلُ ؟ قال : هذا إدْريسُ ، رفعهُ اللهُ مكانا عليّا . ثم صعدَ بهِ إلى السماءِ الخامسةِ فاستفتحَ ، فقالوا : من هذا ؟ قال : جبريلُ . قالوا : ومن معكَ ؟ قال : محمدٌ ، قالوا أوقدْ أرسلَ ؟ قال : نعم . قالوا : حياهُ اللهُ من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ ، ونعمَ المجيءُ جاءَ . ثم دخل فإذا هو برجلٍ جالسٍ وحولهُ قومٌ يقصُ عليهِم ، قال : من هذا يا جبريلُ ؟ ومن هؤلاءِ حولهُ ؟ قال : هذا هارُونُ المُحبّبُ في قومهِ ، وهؤلاءِ بنو إسرائيلَ . ثم صعدَ به إلى السماءِ السادسةِ فاستَفتحَ ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريلُ . قالوا ومن معكَ ؟ قال : محمدٌ ، قالوا : أوقد أرسلَ ؟ قال : نعم . قالوا : حياهُ اللهُ من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ ، ونعمَ المجيءُ ، فإذا هو برجلٍ جالسٍ ، فجاوزهُ فبكى الرجلُ ، فقال : يا جبريلُ ، من هذا ؟ قال : موسى . قال : فما بالهُ يبْكِي ؟ قال : زعمَ بنو إسرائيلَ أني أكرمُ بني آدمَ على اللهِ عز وجل ، وهذا رجلٌ من بني آدمَ قد خلفَنِي في دنيا ، وأنا في أخرى ، فلو أنه بنفسهِ لم أُبَالِ ، ولكن مع كل نبي أمتهِ . قال : ثم صعدَ بهِ إلى السماءِ السابعةِ فاستفتح ، فقيلَ لهُ : من هذا ؟ قال : جبريلُ . قيل : ومن معكَ ؟ قال : محمدٌ . قالوا : أوقدْ أرسلَ ؟ قال : نعم . قالوا : حياهُ اللهُ من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ ، ونعمَ المجيءُ جاءَ . قال : فدخل ، فإذا هو برجلٍ أشْمَطَ جالسٌ عند بابَ الجنةِ على كرسِيّ ، وعندهُ قومٌ جلوسٌ بيضُ الوجوهِ أمثالُ القراطيسِ ، وقومٌ في ألوانهِم شيء ، فقامَ هؤلاءِ الذين في ألوانهِم شيء فدخلوا نهرا فاغْتسلوا فيهِ فخرجوا وقد خَلُصَ من ألوانهِم شيء ، ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيهِ ، فخرجوا وقد خَلُصَ من ألوانهم شيءٌ ، ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه ، فخرجوا وقد خَلُصَتْ ألوانهم فصارتْ مثل ألوانِ أصحابهم ، فجاءوا فجلسوا إلى أصحابهم ، فقال : يا جبريلُ ، من هذا الأشمطُ ؟ ثم من هؤلاءِ البيضُ الوجوهِ ؟ ومن هؤلاءِ الذين في ألوانهم شيء وما هذهِ الأنهارُ التي دخلوا فيها فجاءوا وقد صفتْ ألوانهم ؟ قال : هذا أبوكَ إبراهيمُ ، أولُ من شمّطَ على الأرضِ ، وأما هؤلاء البيضِ الوجوهِ فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ . وأما هؤلاءِ الذينَ في ألوانهم شيء ، فقومٌ خلطوا عملا صالحا وآخرَ سيئا ، فتابوا فتابَ اللهٌ عليهم ، وأما الأنهارٌ فأولها رحمةُ اللهِ ، والثاني نعمةُ اللهِ ، والثالثُ سقاهم ربهم شرابا طهورا . قال : ثم انتهى إلى السدرةِ فقيل له : هذهِ السدرةُ ينْتَهِي إليها كلّ أحدٍ خلا من أمتكَ على سنتكَ . . فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهارٌ من ماءٍ غير آسِنٍ ، وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيَّرْ طعمُهُ ، وأنهارٌ من خمرٍ لذَّةٍ للشاربينَ ، وأنهارٌ من عسلٍ مُصفَّى ، وهي شجرةٌ يسيرُ الراكبُ في ظلها سبعينَ عاما لا يقطعها ، والورقةُ منها مُغطَّيةٌ للأُمةِ كلها ، قال : فغشيها نورُ الخلّاقِ عز وجل ، وغشيَتها الملائكةُ أمثالَ الغِرْبانِ حين يقعنَ على الشجرةِ ، قال : فكلّمهُ تعالى عند ذلكَ ، قالَ له : سلْ ، قال : إنكَ اتخذتَ إبراهيمَ خليلا ، وأعطيتهُ ملكا عظيما ، وكلمتَ موسى تكليما ، وأعطيتَ داودَ ملكا عظيما ، وألنتَ له الحديدَ ، وسخرتَ له الجبالَ ، وأعطيتَ سليمانَ ملكا ، وسخرتَ له الجنَّ والإنسَ والشياطينَ ، وسخرتَ له الرياحَ ، وأعطيتهَ ملكا عظيما لا ينبغي لأحدٍ من بعدهِ . وعلمَّتَ عيسى التوراةَ والإنجيلَ ، وجعلتهُ يُبرئُ الأكمهَ والأبرصَ ويحيي الموتَى بإذنكَ ، وأعذتهُ وأمهُ من الشيطانِ الرجيم ، فلم يكنْ للشيطانِ عليهما سبيلٌ . فقال له ربهُ عز وجلَ : وقد اتخذتُكَ خليلا وهو مكتوبٌ في التوراةِ : حبيبُ الرحمنِ وأرسلتكَ إلى الناسِ كافّة بشيرا ونذيرا ، وشرحتُ لكَ صدركَ ، ووضعتُ عنكَ وزركَ ، ورفعتُ لك ذكركَ ، فلا أُذْكَر إلا ذُكِرْتَ معي ، وجعلتُ أمتكَ خيرُ أمةٍ أخرجتْ للناسِ ، وجعلتُ أمتكَ أمةً وسطا ، وجعلتُ أمتكَ هم الأولينَ والآخرينَ ، وجعلتُ أمتكَ لا تجوزُ لهم خطبةٌ حتى يشهدوا أنكَ عبدي ورسولي ، وجعلتُ من أمتكَ أقواما قلوبهُم أناجيلهُم ، وجعلتكَ أولَ النبيينَ خلقا وآخرهُم بعثا ، وأولهُم يقضى لهُ . وأعطيتكَ سبعا من المثاني لم يعطها نبي قبلكَ ، وأعطيتكَ خواتيمَ سورةِ البقرةِ من كنزٍ تحتَ العرشِ لم أعطِها نبيا قبلكَ ، وأعطيتكَ الكوثرَ ، وأعطيتكَ ثمانيةَ أسهمٍ : الإسلامُ ، والهجرةُ ، والجهادُ ، والصدقةُ ، والصلاةُ ، وصومُ رمضانَ ، والأمرُ بالمعروفِ ، والنهيُ عن المنكرِ . وجعلتكَ فاتحا وخاتما . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فضَّلنِي ربي بستٍّ : أعطاني فواتحِ الكلامِ وخواتيمهَ ، وجوامعَ الحديثِ ، وأرسلني إلى الناسِ كافةً بشيرا ونذيرا . وقذفَ في قلوبِ عدوي الرعبَ من مسيرةِ شهرٍ ، وأُحِلّتْ لي الغنائمَ ولم تُحلّ لأحدٍ قبلي ، وجُعِلَتْ لي الأرض كلها طهورا ومسجدا . قال : وفرضَ عليهِ خمسينَ صلاةً . فلما رجعَ إلى موسى قال : بمَ أُمِرْتَ يا محمدُ ؟ قال : بخمسينَ صلاةً . قال : ارجعْ إلى ربكَ فاسألهُ التخفيفَ ، فإن أمتكَ أضعفُ الأممِ فقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شِدّةً ، قال : فرجعَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربهِ عز وجل فسألهُ التخفيفَ ، فوضعَ عنه عشرا . ثم رجعَ إلى موسى فقال : بكم أمرتَ ؟ قال : بأربعينَ . قال ارجع إلى ربكَ فاسألهُ التخفيفَ ، فإن أمتكَ أضعفُ الأمم ِ، وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدةً قال : فرجعَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربهِ فسألهُ التخفيفَ ، فوضعَ عنه عشرا ، فرجع إلى موسى فقال : بكم أمرتَ ؟ قال : أمرتُ بثلاثينَ . فقال له موسى : ارجع إلى ربكَ فاسألهُ التخفيفَ فإن أمتكَ أضعفُ الأممِ وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدةً قال : فرجعَ إلى ربهِ فسألهَ التخفيفَ ، فوضعَ عنه عشرا . فرجعَ إلى موسى فقال . بكم أمرتَ ؟ قال : أمرتُ بعشرينَ . قال : ارجع إلى ربكَ فاسألهُ التخفيفَ ، فإن أمتكَ أضعفُ الأممِ ، وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدةً . قال : فرجعَ إلى ربهِ فسألهَ التخفيفَ ، فوضعَ عنه عشرا . فرجعَ إلى موسى فقال : بكم أمرتَ ؟ قال : أمرتُ بعشرٍ . قال : ارجع إلى ربكَ فاسألهُ التخفيفَ ، فإن أمتكَ أضعفُ الأممِ ، وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدةً . قال : فرجعَ على حياءٍ إلى ربهِ ، فسألهُ التخفيفَ فوضع عنه خمسا . فرجع إلى موسى فقال : بكم أمرتَ ؟ قال : بخَمْسٍ . فقال : ارجع إلى ربكَ فاسألهُ التخفيفَ ، فإن أمتكَ أضعفُ الأممِ ، وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدةً ، قال : قد رجعتُ إلى ربي حتى استحييْتُ ، فما أنا راجعٌ إليهِ . قيل : أما إنكَ كما صبرتَ نفسكَ على خمسِ صلواتٍ ، فإنهنّ يُجزينَ عنكَ خمسينَ صلاة ، فإن كل حسنةٍ بعشرِ أمثالها ، قال : فرضي محمدٌ صلى الله عليه وسلم كل الرضا ، قال : وكانَ موسى عليه السلام من أشدهم عليهِ حين مرَّ بهِ ، وخيرهِم لهُ حين رجعَ إليهِ
أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أتى بفرسٍ يجعَلُ كلَّ خطوٍ منه أقصى بصرِه فسار وسار معه جبريلُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتى على قومٍ يزرَعونَ في يومٍ ويحصُدونَ في يومٍ كلَّما حصَدوا عاد كما كان فقال جبريلُ : مَن هؤلاءِ قال : هؤلاءِ المجاهِدونَ في سبيلِ اللهِ تُضاعَفُ لهم الحسنةُ بسبعِمائةِ ضعفٍ وما أنفَقوا من شيءٍ فهو يُخلِفُه ثُمَّ أتى على قومٍ تُرضَخُ رؤوسُهم بالصَّخرِ كلَّما رُضِخَت عادت كما كانت ولا يفتُرُ عنهم من ذلك شيءٌ قال يا جبريلُ مَن هؤلاءِ ِ قال : أقبالُهم رقاه يسرَحونَ كما تسرَحُ الأنعامُ إلى الضَّريعِ والزَّقُّومِ ورَضْفِ جهنَّمَ قال : ما هؤلاءِ ِ يا جبريلُ قال : هؤلاءِ الَّذين لا يُؤدُّونَ صدقاتِ أموالِهم وما ظلَمهم اللهُ وما اللهُ بظلَّامٍ للعبيدِ ثُمَّ أتى على قومٍ بينَ أيديهم لحمٌ في قدرٍ نضيجٌ ولحمٌ آخرُ نيِّء خبيثٌ فجعَلوا يأكُلونَ الخبيثَ ويَدَعونَ النَّضيجَ الطَّيِّبَ قال : يا جبريل مَن هؤلاءِ ؟ قال الرَّجلُ : الرَّجلُ من أمَّتِك يقومُ من عند امرأتِه حلالًا فيأتي المرأةَ الخبيثةَ فيَبيتُ معها حتَّى يُصبِحَ والمرأةُ تقومُ من عندِ زوجِها حلالاً طيِّبًا فتأتي الرَّجلَ الخبيثَ فتَبيتُ عندَه حتَّى تُصبِحَ ثُمَّ أتى على رجلٍ قد جمَع حزمةً عظيمةً لا يستطيعُ حملَها وهو يُرِيدُ أن يزيدَ عليها فقال : يا جبريلُ مَن هذا ؟ قال : رجلٌ من أمَّتِك عليه أمانةُ النَّاسِ لا يستطيعُ أداءَها وهو يزيدُ عليها ثُمَّ أتى على قومٍ تُقرَضُ شفاهُم ألسنتُهم بمقاريضَ من حديدٍ كلَّما قُرِضَت عادت كما كانت لا يفتُرُ عنهم من ذلك شيءٌ قال : يا جبريلُ ما هؤلاءِ ؟ قال : خطباءُ الفتنةِ ثُمَّ أتى على جُحرٍ صغيرٍ يخرُجُ منه ثورٌ عظيمٌ فيُرِيدُ الثَّورُ أن يدخُلَ من حيث خرَج فلا يستطيعُ فقال : ما هذا يا جبريلُ قال : هذا الرَّجلُ يتكلَّمُ بالكلمةِ العظيمةِ فيندَمُ عليها فيُرِيدُ أن يرُدَّها فلا يستطيعُ ثُمَّ أتى علي وادٍ فوجَد ريحًا طيِّبةً ووجَد ريحَ مسكٍ مع صوتٍ فقال : ما هذا قال : صوتُ الجنَّةِ تقول يا ربِّ إئتِني بأهلي وبما وعَدْتَني فقد كثُر غرسي وحريري وسندسي وإستبرقي وعَبْقَرِي ومرجاني وقصبي وذَهَبي وأكوابي وصِحافي وأباريقي وفواكهي وعسلي وثيابي ولبني وخمري إئتني بما وَعَدْتَني قال : لك كلُّ مسلمٍ ومسلمةٍ ومؤمنٍ ومؤمنةٍ ومَن آمن بي وبرسلي وعمِل صالحًا ولم يُشرِكْ بي شيئًا ولم يتَّخذْ من دوني أندادًا فهو آمنٌ ومَن سأَلني أعطَيْتُه ومَن أقرَضني جزَيْتُه ومَن توكَّل عليَّ كفَيْتُه إنِّي أنا اللهُ لا إلهَ إلا أنا لا خُلْفَ لميعادي قد أفلَح المؤمِنونَ تبارَك اللهُ أحسنُ الخالِقينَ فقالت : قد رضيتُ ثُمَّ أتى على وادٍ فسمِع صوتًا منكرًا فقال : يا جبريلُ ما هذا الصَّوتُ ؟ قال : هذا صوتُ جهنَّمَ تقولُ يا ربَّ إئتِني بأهلي وبما وعَدْتَني فقد كثُر سلاسلي وأغلالي وسَعيري وحَميمي وغَسَّاقي وغِسْلِيني وقد بعُد قعري واشتدَّ حرِّي ائتِني بما وعَدْتَني قال : لكِ كلُّ مشركٍ ومشركةٍ وخبيثٍ وخبيثةٍ وكلُّ جبَّارٍ لا يُؤمِنُ بيومِ الحسابِ قالت : قد رضيتُ ثُمَّ سار حتَّى أتى ببيت المقدسِ فنزَل فربَط فرسَه إلى صخرةٍ فصلَّى مع الملائكةِ فلَّما قُضِيَتِ الصَّلاةُ قالوا : يا جبريلُ مَن هذا معك ؟ قال : هذا محمَّدٌ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خاتمُ النَّبيِّينَ قالوا : وقد أُرسِل إليه قال : نَعَم قالوا : حيَّاه اللهُ من أخٍ وخليفةٍ فنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخليفةُ ثُمَّ لقوا أرواحَ الأنبياءِ فأثنَوْا على ربِّهم تعالى فقال إبراهيمُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : الحمدُ للهِ الَّذي اتَّخذني خليلًا وأعطاني مُلكًا عظيمًا وجعَلني أمَّةً قانتًا واصطفاني برسالتِه وأنقَذني من النَّارِ وجعَلها عليَّ بردًا وسلامًا ثُمَّ إنَّ موسى عليه السَّلامُ أثنى على ربِّه فقال : الحمدُ للهِ الَّذي كلَّمني تكليمًا واصطفاني وأنزَل على التَّوراةِ وجعَل هلاكَ فرعونَ على يديَّ ونجاةَ بني إسرائيلَ على يديَّ ثُمَّ إنَّ داودَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أثنى على ربِّه فقال : الحمدُ للهِ الَّذي جعَل لي مُلكًا وأنزَل عليَّ الزَّبورَ وألان لي الحديدَ وسخَّر لي الجبالَ يُسبِّحْنَ معي والطَّيرَ وآتاني الحكمةَ وفصلَ الخطابِ ثُمَّ إنَّ سليمانَ عليه السَّلامُ أثنى على ربِّه تبارَك وتعالى فقال : الحمدُ لله الَّذي سخَّر لي الرِّياحَ والجنَّ والإنسَ وسخَّر لي الشياطينَ يعمَلونَ ما شِئْتُ من محاريبَ وتماثيلَ وجِفانٍ كالجوابي وقُدورٍ راسياتٍ وعلَّمني منطقَ الطَّيرِ وأسال لي عينَ القِطْرِ وأعطاني مُلكًا لا ينبَغي لأحدٍ من بعدي ثُمَّ إنَّ عيسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أثنى على ربِّه فقال : الحمدُ للهِ الَّذي علَّمني التَّوراةَ والإنجيلَ وجعَلني أبريء الأكمهَ والأبرصَ وأحي الموتى بإذنِه ورفَعني وطهَّرني من الَّذين كفَروا وأعاذني وأمِّي من الشَّيطانِ الرَّجيمِ ولم يجعَلْ للشَّيطانِ علينا سبيلًا ، وأنَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أثنى على ربِّه فقال : كلُّكم أثنى على ربِّه وأنا مُثْنٍ على ربِّي الحمدُ للهِ الَّذي أرسَلني رحمةً للعالَمينَ وكافَّةً للنَّاسِ بشيرًا ونذيرًا وأنزل عليَّ القرآنَ فيه تبيانُ كلِّ شيءٍ وجعَل أمَّتي خيرَ أمَّةٍ أُخرِجَت للنَّاسِ وجعَل أمَّتي وسطًا وجعَل أمَّتي هم الأوَّلونَ وهم الآخِرونَ وشرَح لي صدري ووضَع عنِّي وِزْري ورفَع لي ذكري وجعَلني فاتحًا وخاتمًا فقال إبراهيمُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : بهذا فضَلكم محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثُمَّ أتى بآنيةٍ ثلاثةٍ مغطَّاةٍ فدُفِع إليه أناءٌ فيه ماءٌ فقيل له أشرَبْ ثُمَّ دُفِع إليه أناءٌ آخرُ فيه لبنٌ فشرِب حتَّى روَى ثُمَّ دُفِع إليه إناءٌ فيه خمرٌ فقال : قد رويتُ لا أذوقُه فقيل له أصَبْتَ أمَا إنَّها ستُحرَّمُ على أمَّتِك ولو شرِبْتَها لم يتَّبِعْك من أمَّتِك إلَّا قليلٌ ثُمَّ صعِد به إلى السَّماءِ فاستَفْتَح جبريلُ فقيل : مَن هذا ؟ قال : جبريلُ قيل ومَن معك ؟ قال : محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالوا : وقد أُرسِل إليه قال : نَعَم قالوا : حيَّاه اللهُ من أخٍ وخليفةٍ فنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخليفةُ ونِعْمَ المجيءُ جاء فدخَل فإذا بشيخٍ جالسٍ تامِّ الخلقِ لم ينقُصْ من خلقِه شيئًا كما ينقُصُ من خلقِ البشرِ عن يمينِه بابٌ يخرُجُ منه ريحٌ طيِّبةٌ وعن شمالِه بابٌ تخرُجُ منه ريحٌ خبيثةٌ إذا نظَر إلى البابِ الَّذي عن يمينِه ضحِك وإذا نظَر إلى البابِ الَّذي عن يسارِه بكى وحزِن فقال : يا جبريلُ مَن هذا الشَّيخُ وما هذانِ البابانِ ؟ قال : هذا أبوك آدمُ وهذا البابُ عن يمينِه بابُ الجنَّةِ إذا رأى مَن يدخُلُه من ذرِّيَّتِه ضحِك واستَبْشَر وإذا نظَر إلى البابِ عن شمالِه بابِ جهنَّمَ مَن يدخُلُه من ذرِّيَّتِه بكى وحزِن ثُمَّ صعِد إلى السَّماءِ الثَّانيةِ فاستَفْتَح فقال مَن هذا ؟ فقال : جبريلُ قالوا : ومَن معك ؟ قال : محمَّدٌ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالوا وقد أُرسِل إليه قال : نَعَم ، قالوا : حيَّاه اللهُ من أخٍ وخليفةٍ فنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخليفةُ ونِعْمَ المجيءُ جاء ، فدخَل فإذا هو بشابَّينِ فقال : يا جبريلُ : ما هذان الشابَّانِ ؟ قال : هذا عيسى ويحيى ابنا الخالةِ ، ثُمَّ صعِد إلى السَّماءِ الثَّالثةِ فاستَفتَح جبريلُ فقالوا : مَن هذا معك ؟ قال : محمَّدٌ ، قالوا : وقد أُرسِل إليه ؟ قال : نَعَم ، قالوا : حيَّاه اللهُ من أخٍ وخليفةٍ فنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخليفةُ ونِعْمَ المجيءُ جاء ، فدخَل فإذا هو برجلٍ جالسٍ قد فُضِّل على النَّاسِ في الحُسنِ كما فُضِّل القمرُ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ ، فقال : يا جبريلُ مَن هذا ؟ قال : هذا أخوك يوسُفُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، ثُمَّ صعِد إلى السَّماءِ الرَّابعةِ فاستَفتَح جبريلُ فقالوا : مَن هذا معك ؟ قال : محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، قالوا : وقد أُرسِل غليه ؟ قال : نَعَم . قالوا : حيَّاه اللهُ من أخٍ وخليفةٍ ونِعْمَ المجيءُ جاء ، فدخَل فإذا هو برجلٍ فقال : يا جبريلُ ما هذا الرَّجلُ الجالسُ ؟ قال : هذا أخوك إدريسُ رفَعه اللهُ مكانًا عَلِيًّا ، ثُمَّ صعِد به إلى السَّماءِ الخامسةِ فاستَفتَح جبريلُ فقالوا : مَن هذا معك ؟ قال : محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، قالوا : وقد أُرسِل إليه ؟ قال : نَعَم ، قالوا : حيَّاه اللهُ من أخٍ وخليفةٍ فنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخليفةُ ونِعْمَ المجيءُ جاء ، فدخَل فإذا هو برجلٍ جالسٍ يقُصُّ عليهم ، قال : يا جبريلُ مَن هذا ؟ ومَن هؤلاءِ الَّذين حولَه ؟ قال : هذا هرونُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المخلَّفُ في قومِه وهؤلاءِ قومُه من بني إسرائيلَ ، ثُمَّ صعِد به إلى السَّماءِ السَّادسةِ فاستَفتَح جبريلُ فقالوا : مَن هذا معك ؟ قال : محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، قالوا : وقد أُرسِل إليه ؟ قال : نَعَم ، قالوا : حيَّاه اللهُ من أخٍ ومن خليفةٍ فنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخليفةُ ونِعْمَ المجيءُ جاء ، فإذا هو برجلٍ جالسٍ فجاوَزه فبكى الرَّجلُ ، فقال : يا جبريلُ مَن هذا ؟ قال : موسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، قال : ما يُبْكِيه ؟ قال : تزعُمُ بنو إسرائيلَ أنِّي أفضلُ الخلقِ وهذا قد خلَفني فلو أنَّه وحدَه ولكن معه كلُّ أمَّتِه ، ثُمَّ صعِد بنا إلى السَّماءِ السَّابعةِ فاستَفتَح جبريلُ فقالوا : مَن معك ؟ قال : محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، قالوا : وقد أُرسِل إليه ؟ قال : نَعَمْ ، قالوا : حيَّاه اللهُ من أخٍ ومن خليفةٍ فنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخليفةُ ونِعْمَ المجيءُ جاء ، فإذا هو برجلٍ أشمطَ جالسٍ على كرسيٍّ عندَ بابِ الجنَّةِ وعندَه قومٌ جلوسٌ في ألوانِهم شيءٌ ، قال عيسى – يَعْني أبا جعفرٍ الرَّازيَّ - : وسمِعْتُه مرَّةً يقولُ : سودُ الوجوهِ ، فقام هؤلاءِ الَّذين في ألوانِهم شيءٌ فدخَلوا نهرًا يُقالُ له : نعمةُ اللهِ ، فاغتَسَلوا فيه فخرَجوا وقد خلَص من ألوانِهم شيءٌ ، فدخَلوا نهرًا آخرَ يُقالُ له رحمةُ اللهِ فاغتَسَلوا فيه فخرَجوا وقد خلَص من ألوانِهم شيءٌ فدخَلوا نهرًا آخرَ فذلك قولُه تعالى {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} فخرَجوا وقد خلَصت ألوانُهم مثلَ ألوانِ أصحابِهم فجلَسوا إلى أصحابِهم ، فقال : يا جبريلُ مَن هذا الأشمطُ الجالسُ ومَن هؤلاءِ البِيضُ الوجوهِ ومَن هؤلاءِ الَّذين في ألوانِهم شيءٌ فدخَلوا هذه الأنهارَ فاغتَسَلوا فيها ثُمَّ خرَجوا وقد خلَصت ألوانُهم ، قال : هذا أبوك إبراهيمُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أوَّلُ مَن شمط على الأرضِ ، وهؤلاءِ القومُ البيضُ الوجوهِ قومٌ لم يلبِسوا إيمانَهم بظلمٍ ، وهؤلاءِ الَّذين في ألوانِهم شيءٌ قد خلَطوا عملًا صالحًا وآخرَ سيِّئًا تابوا فتاب اللهُ عليهم ، ثُمَّ مضى إلى السِّدرةِ فقيل له : هذه السِّدرةُ المنتهى ينتهي كلُّ أحدٍ من أمَّتِك خلا على سبيلِك وهي السِّدرةُ المنتهى يخرُجُ من أصلِها أنهارٌ من ماءٍ غيرِ آسِنٍ وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيَّر طعمُه وأنهارٌ من خمرٍ لذَّةٍ للشَّارِبينَ وأنهارٌ من عسلٍ مصفًّى ، وهي شجرةٌ يسيرُ الرَّاكبُ في ظلِّها سبعينَ عامًا ، وإنَّ ورقةً منها مُظلَّةٌ الخلقَ فغشِيها نورٌ وغشيها الملائكةُ ، قال عيسى : فذلك قولُه {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} فقال تبارَك وتعالى له : سَلْ . فقال : إنَّك اتَّخَذْتَ إبراهيمَ خليلًا وأعطَيْتَه مُلكًا عظيمًا وكلَّمْتَ موسى تكليمًا وأعطَيْتَ داودَ مُلكًا عظيمًا وألَنْتَ له الحديدَ وسخَّرتَ له الجبالَ وأعطَيْتَ سليمانَ مُلكًا عظيمًا وسخَّرْتَ له الجنَّ والإنسَ والشَّياطينَ والرِّياحَ وأعطَيْتَه مُلكًا لا ينبَغي لأحدٍ من بعدِه وعلَّمْتَ عيسى التَّوراةَ والإنجيلَ وجعَلْتَه يُبرِئُ الأكمهَ والأبرصَ وأعَذْتَه وأمَّه من الشَّيطانِ الرَّجيمِ فلم يكُنْ له عليهما سبيلٌ ، فقال له ربُّه تبارَك وتعالى : قد اتَّخَذْتُك خليلًا وهو مكتوبٌ في التَّوراةِ محمَّدٌ حبيبُ الرَّحمنِ ، وأرسَلْتُك إلى النَّاسِ كافَّةً وجعَلْتُ أمَّتَك هم الأوَّلونَ وهم الآخِرونَ وجعَلْتُ أمَّتَك لا تجوزُ لهم خُطبةٌ حتَّى يشهَدوا أنَّك عبدي ورسولي وجعَلْتُك أوَّلَ النَّبيِّينَ خَلقًا وآخرَهم بعثًا وأعطَيْتُك سبعًا من المثاني ولم أُعطِها نبيًّا قبلَك وأعطَيْتُك خواتيمَ سورةِ البقرةِ من كنزٍ تحتَ العرشِ لم أُعطِها نبيًّا قبلَك وجعَلْتُك فاتحًا وخاتمًا . وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : فضَّلني ربِّي تبارَك وتعالى بستٍّ : قذَف في قلوبِ عدوِّي الرُّعبَ من مسيرةِ شهرٍ ، وأُحِلَّت لي الغنائمُ ولم تُحَلَّ لأحدٍ قبلي ، وجُعِلَت لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا ، وأُعطِيتُ فواتحَ الكلامِ وجوامعَه ، وعُرِض عليَّ أمَّتي فلم يَخْفَ عليَّ التَّابعُ والمتبوعُ منهم ورأَيْتُهم أتَوْا على قومٍ ينتَعِلونَ الشَّعرَ ورأَيْتُهم أتَوْا على قومٍ عراضِ الوجوهِ صغارِ الأعينِ فعرَفْتُهم ما هم ، وأُمِرْتُ بخمسينَ صلاةً . فرجَع إلى موسى فقال له موسى بكم أُمِرْتَ من الصَّلاةِ ؟ قال : بخمسينَ صلاةً ، قال : ارجِعْ إلى ربِّك فسَلْه التَّخفيفَ فإنَّ أمَّتَك أضعفُ الأممِ وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدَّةً ، فرجَع محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسأَل اللهَ التَّخفيفَ فوضَع عنه عشرًا ، فرجَع إلى موسى فقال له : بكم أُمِرْتَ ؟ قال : بأربعينَ صلاةً ، قال : ارجِعْ إلى ربِّك فسَلِ التَّخفيفَ لأمَّتِك فإنَّ أمَّتَك أضعفُ الأممِ وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدَّةً ، فرجَع محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسأَله التَّخفيفَ فوضَع عنه عشرًا ، فرجَع إلى موسى فقال : بكم أُمِرْتَ ؟ قال : بثلاثينَ ، قال : ارجِعْ إلى ربِّك فسَلْه التَّخفيفَ عن أمَّتِك فإنَّ أمَّتَك أضعفُ الأممِ وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدَّةً فرجَع فسأَل ربَّه التَّخفيفَ فوضَع عنه عشرًا فرجَع إلى موسى فقال له : بكم أُمِرْتَ ؟ قال : بعشرينَ . قال : ارجِعْ إلى ربِّك فسَلْه التَّخفيفَ عن أمَّتِك فإنَّ أمَّتَك أضعفُ الأممِ وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدَّةً ، فرجَع محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسأَل ربَّه التَّخفيفَ فوضَع عنه عشرًا فرجَع إلى موسى فقال له : بكم أُمِرْتَ ؟ قال : بعشرٍ ، قال : ارجِعْ إلى ربِّك فسَلْه التَّخفيفَ عن أمَّتِك فإنَّ أمَّتَك أضعفُ الأممِ وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدَّةً ، فرجَع محمَّدٌ فسأَل ربَّه التَّخفيفَ فوضَع عنه خمسًا ، فرجَع إلى موسى فقال له : بكم أُمِرْتَ ؟ قال : بخمسٍ ، قال : ارجِعْ إلى ربِّك فسَلْه التَّخفيفَ فإنَّ أمَّتَك أضعفُ الأممِ وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدَّةً ، قال : قد رجَعْتُ إلى ربِّي حتَّى استحيَيْتُ منه وما أنا براجعٍ إليه ، فقيل له : كما صبَرْتَ نفسَك على الخمسِ فإنَّه يُجزِئُ عنك بخمسينَ ، يُجزِئُ عنك كلُّ حسنةٍ بعشرِ أمثالِها . فقال عيسى بلَغني أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : كان موسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أشدَّهم عليَّ أولًا وخيرَهم آخرًا
كانَ سُليمانُ بنُ داودَ عليهِ السَّلامُ إذا قامَ في رمَضانَ رأى شَجَرةً نابتةً بيْنَ يدَيْهِ، فقالَ: ما اسْمُكِ؟ فتقولُ: كذا، فيقولُ: لأيِّ شَيْءٍ أنتِ؟ فتقولُ: لكذا، فإنْ كانتْ لدواءٍ كُتِبَ، وإنْ كانتْ لغَرْسٍ غُرِسَتْ، فبيْنَما هو يُصَلِّي ذاتَ يوْمٍ، إذا شَجرةٌ نابتةٌ بينَ يدَيْهِ، فقالَ لها: ما اسمُكِ؟ قالتِ: الخَرْنوبُ، قالَ: لأيِّ شيءٍ أنتِ؟ قالتْ: لِخرابِ أهلِ هذا البَيْتِ، فقالَ سُليمانُ عليه السَّلامُ: اللَّهُمَّ غُمَّ على الجِنِّ مَوْتي حتَّى يَعلَمَ الإنسُ أنَّ الجِنَّ لا تعْلَمُ الغَيْبَ. قالَ: فنَحَتَها عصًا، فتَوَكَّأَ عليها حَوْلًا مَيِّتًا، والجِنُّ تَعمَلُ، فأكلَتْها الأرَضةُ فسَقَطَ، فلمَّا خَرَّ تبيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لا يَعلَمونَ الغَيبَ، قالَ: فشَكَرتِ الجِنُّ الأرَضةَ، فكانتْ تأتِيها بالماءِ، وكان ابنُ عبَّاسٍ يقْرَؤُها هكذا
حديثُ أنَّهُ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ طافَ يومَ النَّحرِ بالنَّهارِ [يعني حديث: دَخَلْنَا علَى جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، فَسَأَلَ عَنِ القَوْمِ حتَّى انْتَهَى إلَيَّ، فَقُلتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ، فأهْوَى بيَدِهِ إلى رَأْسِي، فَنَزَعَ زِرِّي الأعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الأسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَومَئذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقالَ: مَرْحَبًا بكَ يا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ، وَهو أَعْمَى، وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ في نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بهَا، كُلَّما وَضَعَهَا علَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إلَيْهِ؛ مِن صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إلى جَنْبِهِ علَى المِشْجَبِ، فَصَلَّى بنَا، فَقُلتُ: أَخْبِرْنِي عن حَجَّةِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ بيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا، فَقالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ في النَّاسِ في العَاشِرَةِ أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حَاجٌّ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ برَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ. فَخَرَجْنَا معهُ، حتَّى أَتَيْنَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بنَ أَبِي بَكْرٍ، فأرْسَلَتْ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: كيفَ أَصْنَعُ؟ قالَ: اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بثَوْبٍ وَأَحْرِمِي. فَصَلَّى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في المَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ، حتَّى إذَا اسْتَوَتْ به نَاقَتُهُ علَى البَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إلى مَدِّ بَصَرِي بيْنَ يَدَيْهِ، مِن رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذلكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذلكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذلكَ، وَرَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعليه يَنْزِلُ القُرْآنُ، وَهو يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَما عَمِلَ به مِن شَيءٍ عَمِلْنَا بهِ. فَأَهَلَّ بالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لكَ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بهذا الذي يُهِلُّونَ به، فَلَمْ يَرُدَّ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عليهم شيئًا منه، وَلَزِمَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ تَلْبِيَتَهُ. قالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: لَسْنَا نَنْوِي إلَّا الحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ العُمْرَةَ، حتَّى إذَا أَتَيْنَا البَيْتَ معهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إلى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ عليه السَّلَام، فَقَرَأَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]، فَجَعَلَ المَقَامَ بيْنَهُ وبيْنَ البَيْتِ، فَكانَ أَبِي يقولُ -وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إلَّا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ-: كانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَ{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}. ثُمَّ رَجَعَ إلى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البَابِ إلى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]، أَبْدَأُ بما بَدَأَ اللَّهُ به، فَبَدَأَ بالصَّفَا، فَرَقِيَ عليه، حتَّى رَأَى البَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهو علَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بيْنَ ذلكَ، قالَ مِثْلَ هذا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلى المَرْوَةِ، حتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ في بَطْنِ الوَادِي سَعَى، حتَّى إذَا صَعِدَتَا مَشَى، حتَّى أَتَى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ علَى المَرْوَةِ كما فَعَلَ علَى الصَّفَا، حتَّى إذَا كانَ آخِرُ طَوَافِهِ علَى المَرْوَةِ، فَقالَ: لو أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِن أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فمَن كانَ مِنكُم ليسَ معهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعْشُمٍ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هذا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً في الأُخْرَى، وَقالَ: دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ –مَرَّتَيْنِ- لا، بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ. وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ ببُدْنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فأنْكَرَ ذلكَ عَلَيْهَا، فَقالَتْ: إنَّ أَبِي أَمَرَنِي بهذا، قالَ: فَكانَ عَلِيٌّ يقولُ بالعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مُحَرِّشًا علَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فِيما ذَكَرَتْ عنْه، فأخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذلكَ عَلَيْهَا، فَقالَ: صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الحَجَّ؟ قالَ: قُلتُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُهِلُّ بما أَهَلَّ به رَسولُكَ، قالَ: فإنَّ مَعِيَ الهَدْيَ، فلا تَحِلُّ، قالَ: فَكانَ جَمَاعَةُ الهَدْيِ الذي قَدِمَ به عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ وَالَّذِي أَتَى به النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مِائَةً. قالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إلَّا النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَمَن كانَ معهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فأهَلُّوا بالحَجِّ، وَرَكِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَصَلَّى بهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ تُضْرَبُ له بنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ كما كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ في الجَاهِلِيَّةِ، فأجَازَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قدْ ضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بهَا، حتَّى إذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بالقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ له، فأتَى بَطْنَ الوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقالَ: إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ علَيْكُم، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، أَلَا كُلُّ شَيءٍ مِن أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وإنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِن دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ، كانَ مُسْتَرْضِعًا في بَنِي سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا؛ رِبَا عَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، فإنَّه مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ؛ فإنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عليهنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فإنْ فَعَلْنَ ذلكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ علَيْكُم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمَعروفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ ما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنِ اعْتَصَمْتُمْ به؛ كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَما أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قالوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقالَ بإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بيْنَهُما شيئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حتَّى أَتَى المَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ إلى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حتَّى غَابَ القُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، ويقولُ بيَدِهِ اليُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّما أَتَى حَبْلًا مِنَ الحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حتَّى تَصْعَدَ، حتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بهَا المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بأَذَانٍ وَاحِدٍ وإقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بيْنَهُما شيئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، وَصَلَّى الفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ بأَذَانٍ وإقَامَةٍ. ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الفَضْلَ بنَ عَبَّاسٍ، وَكانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مَرَّتْ به ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَدَهُ علَى وَجْهِ الفَضْلِ، فَحَوَّلَ الفَضْلُ وَجْهَهُ إلى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ علَى وَجْهِ الفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، حتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الوُسْطَى الَّتي تَخْرُجُ علَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الَّتي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كُلِّ حَصَاةٍ منها، مِثْلِ حَصَى الخَذْفِ، رَمَى مِن بَطْنِ الوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ ما غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ ببَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فأكَلَا مِن لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِن مَرَقِهَا. ثُمَّ رَكِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فأفَاضَ إلى البَيْتِ، فَصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهْرَ، فأتَى بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، يَسْقُونَ علَى زَمْزَمَ، فَقالَ: انْزِعُوا بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ علَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ معكُمْ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ منه.]
دَخَلنا على جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، فسَألَ عَنِ القَومِ حتَّى انتَهى إليَّ، فقُلتُ: أنا مُحَمَّدُ بنُ عَليِّ بنِ حُسَينٍ، فأهوى بيَدِه إلى رَأسي، فنَزَعَ زِرِّي الأعلى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الأسفَلَ، ثُمَّ وضَعَ كَفَّه بينَ ثَديَيَّ وأنا يَومَئذٍ غُلامٌ شابٌّ، فقال: مَرحَبًا بكَ يا ابنَ أخي، سَلْ عَمَّا شِئتَ، فسَألتُه، وهو أعمى، وحَضَرَ وقتُ الصَّلاةِ، فقامَ في نِساجةٍ مُلتَحِفًا بها، كُلَّما وضَعَها على مَنكِبِه رَجَعَ طَرَفاها إليه؛ مِن صِغَرِها، ورِداؤُه إلى جَنبِه على المِشجَبِ، فصَلَّى بنا، فقُلتُ: أخبِرني عن حَجَّةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال بيَدِه فعَقدَ تِسعًا، فقال: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَكَثَ تِسعَ سِنينَ لم يَحُجَّ، ثُمَّ أذَّنَ في النَّاسِ في العاشِرةِ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حاجٌّ، فقدِمَ المَدينةَ بَشَرٌ كَثيرٌ، كُلُّهم يَلتَمِسُ أن يَأتَمَّ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويَعمَلَ مِثلَ عَمَلِه. فخَرَجنا معهُ، حتَّى أتَينا ذا الحُلَيفةِ، فولَدَت أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ مُحَمَّدَ بنَ أبي بَكرٍ، فأرسَلَت إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كيفَ أصنَعُ؟ قال: اغتَسِلي، واستَثفِري بثَوبٍ وأحرِمي. فصَلَّى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المَسجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ القَصواءَ، حتَّى إذا استَوت به ناقَتُه على البَيداءِ نَظَرتُ إلى مَدِّ بَصَري بينَ يَدَيه، مِن راكِبٍ وماشٍ، وعَن يَمينِه مِثلَ ذلك، وعَن يَسارِه مِثلَ ذلك، ومِن خَلفِه مِثلَ ذلك، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بينَ أظهُرِنا، وعليه يَنزِلُ القُرآنُ، وهو يَعرِفُ تَأويلَه، وما عَمِلَ به مِن شَيءٍ عَمِلنا بهِ. فأهَلَّ بالتَّوحيدِ: لَبَّيكَ اللَّهمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لا شَريكَ لكَ لَبَّيكَ، إنَّ الحَمدَ والنِّعمةَ لَكَ والمُلكَ، لا شَريكَ لكَ، وأهَلَّ النَّاسُ بهذا الذي يُهِلُّونَ به، فلم يَرُدَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليهم شيئًا منه، ولَزِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَلبيَتَه. قال جابِرٌ رَضيَ اللهُ عنه: لَسنا نَنوي إلَّا الحَجَّ، لَسنا نَعرِفُ العُمرةَ، حتَّى إذا أتَينا البَيتَ معهُ استَلَمَ الرُّكنَ، فرَمَلَ ثَلاثًا ومَشى أربَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إلى مَقامِ إبراهيمَ عليه السَّلام، فقَرَأ: {واتَّخِذوا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]، فجَعَلَ المَقامَ بينَه وبينَ البَيتِ، فكانَ أبي يقولُ -ولا أعلَمُه ذَكَرَه إلَّا عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: كان يَقرَأُ في الرَّكعَتَينِ {قُل هو اللهُ أحَدٌ} و{قُل يا أيُّها الكافِرونَ}. ثُمَّ رَجَعَ إلى الرُّكنِ فاستَلَمَه، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البابِ إلى الصَّفا، فلَمَّا دَنا مِنَ الصَّفا قَرَأ: {إنَّ الصَّفا والمَروةَ مِن شَعائِرِ اللهِ} [البقرة: 158]، أبدَأُ بما بَدَأ اللهُ به، فبَدَأ بالصَّفا، فرَقيَ عليه، حتَّى رَأى البَيتَ فاستَقبَلَ القِبلةَ، فوحَّدَ اللهَ وكَبَّرَه، وقال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، له المُلكُ وله الحَمدُ، وهو على كُلِّ شَيءٍ قديرٌ، لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه، أنجَزَ وعدَه، ونَصَرَ عَبدَه، وهَزَمَ الأحزابَ وحدَه، ثُمَّ دَعا بينَ ذلك، قال مِثلَ هذا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلى المَروةِ، حتَّى إذا انصَبَّت قدَماه في بَطنِ الوادي سَعى، حتَّى إذا صَعِدَتا مَشى حتَّى أتى المَروةَ، ففَعَلَ على المَروةِ كما فعَلَ على الصَّفا، حتَّى إذا كان آخِرُ طَوافِه على المَروةِ، فقال: لو أنِّي استَقبَلتُ مِن أمري ما استَدبَرتُ لم أسُقِ الهَديَ، وجَعَلتُها عُمرةً، فمَن كان مِنكُم ليس معهُ هَديٌ فليَحِلَّ، وليَجعَلْها عُمرةً، فقامَ سُراقةُ بنُ مالِكِ بنِ جُعشُمٍ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، ألِعامِنا هذا أم لأبَدٍ؟ فشَبَّكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصابِعَه واحِدةً في الأُخرى، وقال: دَخَلَتِ العُمرةُ في الحَجِّ -مَرَّتَينِ- لا، بَل لأبَدِ أبَدٍ. وقدِمَ عَليٌّ مِنَ اليَمَنِ ببُدنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فوجَدَ فاطِمةَ رَضيَ اللهُ عنها مِمَّن حَلَّ، ولَبِسَت ثيابًا صَبيغًا، واكتَحَلَت، فأنكَرَ ذلك عليها، فقالت: إنَّ أبي أمَرَني بهذا، قال: فكانَ عَليٌّ يقولُ بالعِراقِ: فذَهَبتُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُحَرِّشًا على فاطِمةَ للذي صَنَعَت، مُستَفتيًا لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما ذَكَرَت عنه، فأخبَرتُه أنِّي أنكَرتُ ذلك عليها، فقال: صَدَقَت صَدَقَت، ماذا قُلتَ حينَ فرَضتَ الحَجَّ؟ قال: قُلتُ: اللَّهمَّ إنِّي أُهِلُّ بما أهَلَّ به رَسولُكَ، قال: فإنَّ مَعيَ الهَديَ، فلا تَحِلُّ، قال: فكانَ جَماعةُ الهَديِ الذي قدِمَ به عَليٌّ مِنَ اليَمَنِ والذي أتى به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِائةً. قال: فحَلَّ النَّاسُ كُلُّهم وقَصَّروا، إلَّا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومَن كان معهُ هَديٌ، فلَمَّا كان يَومُ التَّرويةِ تَوجَّهوا إلى مِنًى، فأهَلُّوا بالحَجِّ، ورَكِبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فصَلَّى بها الظُّهرَ والعَصرَ، والمَغرِبَ والعِشاءَ، والفَجرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَليلًا حتَّى طَلَعَتِ الشَّمسُ، وأمَرَ بقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ تُضرَبُ له بنَمِرةَ، فسارَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا تَشُكُّ قُرَيشٌ إلَّا أنَّه واقِفٌ عِندَ المَشعَرِ الحَرامِ كما كانَت قُرَيشٌ تَصنَعُ في الجاهِليَّةِ، فأجازَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى أتى عَرَفةَ، فوجَدَ القُبَّةَ قد ضُرِبَت له بنَمِرةَ، فنَزَلَ بها، حتَّى إذا زاغَتِ الشَّمسُ أمَرَ بالقَصواءِ، فرُحِلَت له، فأتى بَطنَ الوادي، فخَطَبَ النَّاسَ وقال: إنَّ دِماءَكُم وأموالَكُم حَرامٌ علَيكُم كَحُرمةِ يَومِكُم هذا، في شَهرِكُم هذا، في بَلَدِكُم هذا، ألا كُلُّ شَيءٍ مِن أمرِ الجاهِليَّةِ تَحتَ قدَمَيَّ مَوضوعٌ، ودِماءُ الجاهِليَّةِ مَوضوعةٌ، وإنَّ أوَّلَ دَمٍ أضَعُ مِن دِمائِنا دَمُ ابنِ رَبيعةَ بنِ الحارِثِ، كان مُستَرضِعًا في بَني سَعدٍ، فقَتَلَتْه هُذَيلٌ، ورِبا الجاهِليَّةِ مَوضوعٌ، وأوَّلُ رِبًا أضَعُ رِبانا؛ رِبا عَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ؛ فإنَّه مَوضوعٌ كُلُّه، فاتَّقوا اللهَ في النِّساءِ؛ فإنَّكُم أخَذتُموهنَّ بأمانِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهنَّ بكَلِمةِ اللهِ، ولَكُم عليهنَّ أن لا يوطِئنَ فُرُشَكُم أحَدًا تَكرَهونَه، فإن فعَلنَ ذلك فاضرِبوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، ولَهنَّ علَيكُم رِزقُهنَّ وكِسوتُهنَّ بالمَعروفِ، وقد تَرَكتُ فيكُم ما لَن تَضِلُّوا بَعدَه إنِ اعتَصَمتُم به؛ كِتابُ اللهِ، وأنتُم تُسألونَ عَنِّي، فما أنتُم قائِلونَ؟ قالوا: نَشهَدُ أنَّكَ قد بَلَّغتَ وأدَّيتَ ونَصَحتَ، فقال بإصبَعِه السَّبَّابةِ، يَرفَعُها إلى السَّماءِ ويَنكُتُها إلى النَّاسِ: اللَّهمَّ اشهَدْ، اللَّهمَّ اشهَدْ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أذَّنَ، ثُمَّ أقامَ فصَلَّى الظُّهرَ، ثُمَّ أقامَ فصَلَّى العَصرَ، ولم يُصَلِّ بينَهما شيئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى أتى المَوقِفَ، فجَعَلَ بَطنَ ناقَتِه القَصواءِ إلى الصَّخَراتِ، وجَعَلَ حَبلَ المُشاةِ بينَ يَدَيه، واستَقبَلَ القِبلةَ، فلم يَزَلْ واقِفًا حتَّى غَرَبَتِ الشَّمسُ، وذَهَبَتِ الصُّفرةُ قَليلًا، حتَّى غابَ القُرصُ، وأردَفَ أُسامةَ خَلفَه، ودَفَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقد شَنَقَ للقَصواءِ الزِّمامَ، حتَّى إنَّ رَأسَها لَيُصيبُ مَورِكَ رَحلِه، ويقولُ بيَدِه اليُمنى: أيُّها النَّاسُ، السَّكينةَ السَّكينةَ، كُلَّما أتى حَبلًا مِنَ الحِبالِ أرخى لَها قَليلًا حتَّى تَصعَدَ، حتَّى أتى المُزدَلِفةَ، فصَلَّى بها المَغرِبَ والعِشاءَ بأذانٍ واحِدٍ وإقامَتَينِ، ولم يُسَبِّحْ بينَهما شيئًا، ثُمَّ اضطَجَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى طَلَعَ الفَجرُ، وصَلَّى الفَجرَ حينَ تَبَيَّنَ له الصُّبحُ بأذانٍ وإقامةٍ. ثُمَّ رَكِبَ القَصواءَ حتَّى أتى المَشعَرَ الحَرامَ، فاستَقبَلَ القِبلةَ، فدَعاه وكَبَّرَه وهَلَّله ووحَّدَه، فلم يَزَلْ واقِفًا حتَّى أسفَرَ جِدًّا، فدَفَعَ قَبلَ أن تَطلُعَ الشَّمسُ، وأردَفَ الفَضلَ بنَ عَبَّاسٍ، وكانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعرِ أبيَضَ وسيمًا، فلَمَّا دَفَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَرَّت به ظُعُنٌ يَجرينَ، فطَفِقَ الفَضلُ يَنظُرُ إليهنَّ، فوضَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدَه على وجهِ الفَضلِ، فحَوَّلَ الفَضلُ وجهَه إلى الشِّقِّ الآخَرِ يَنظُرُ، فحَوَّلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدَه مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ على وجهِ الفَضلِ، يَصرِفُ وجهَه مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ يَنظُرُ، حتَّى أتى بَطنَ مُحَسِّرٍ، فحَرَّكَ قَليلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّريقَ الوُسطى التي تَخرُجُ على الجَمرةِ الكُبرى، حتَّى أتى الجَمرةَ التي عِندَ الشَّجَرةِ، فرَماها بسَبعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ مع كُلِّ حَصاةٍ منها، مِثلِ حَصى الخَذفِ، رَمى مِن بَطنِ الوادي، ثُمَّ انصَرَفَ إلى المَنحَرِ، فنَحَرَ ثَلاثًا وسِتِّينَ بيَدِه، ثُمَّ أعطى عَليًّا، فنَحَرَ ما غَبَرَ، وأشرَكَه في هَديِه، ثُمَّ أمَرَ مِن كُلِّ بَدَنةٍ ببَضعةٍ، فجُعِلَت في قِدرٍ، فطُبِخَت، فأكَلا مِن لَحمِها وشَرِبا مِن مَرَقِها. ثُمَّ رَكِبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأفاضَ إلى البَيتِ، فصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهرَ، فأتى بَني عبدِ المُطَّلِبِ، يَسقونَ على زَمزَمَ، فقال: انزِعوا بَني عبدِ المُطَّلِبِ، فلَولا أن يَغلِبَكُمُ النَّاسُ على سِقايَتِكُم لَنَزَعتُ معكُم، فناولوه دَلوًا فشَرِبَ منه
عَن أبي أُمامةَ الباهِليِّ، عَن هِشامِ بنِ العاصِ الأُمَويِّ، قال: بُعِثتُ أنا ورَجُلٌ آخَرُ إلى هِرَقلَ صاحِبِ الرُّومِ نَدعوهُ إلى الإسلامِ، فخَرَجنا حَتَّى قدِمنا الغوطةَ -يَعني دِمَشقَ- فنَزَلنا على جَبَلةَ بنِ الأيهَمِ الغَسَّانيِّ، فدَخَلنا عليه فإذا هو على سَريرٍ له، فأرسَلَ إلَينا برَسولٍ نُكَلِّمُه، فقُلنا [له]: واللَّهِ لا نُكَلِّمُ رَسولًا، إنَّما بُعِثنا إلى المَلِكِ، فإن أذِنَ لَنا كَلَّمناهُ، وإلَّا لَم نُكَلِّمِ الرَّسولَ. فرَجَعَ إلَيه الرَّسولُ فأخبَرَه بذلك، قال: فأذِنَ لَنا، فقال: تَكَلَّموا. فكَلَّمَه هِشامُ بنُ العاصِ، ودَعاهُ إلى الإسلامِ، فإذا عليه ثيابُ سَوادٍ، فقال له هِشامٌ: وما هذه التي عليكَ؟ فقال: لَبِستُها، وحَلَفتُ أن لا أنزِعَها حَتَّى أُخرِجَكُم مِنَ الشَّامِ! قُلنا: ومَجلِسُكَ هذا، فواللَّهِ لَنَأخُذَنَّه مِنكَ، ولَنَأذَنَنَّ مُلكَ المَلِكِ الأعظَمِ إن شاءَ اللَّه، أخبَرَنا بذلك نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: لَستُم بهم، بَل هُم قَومٌ يَصومونَ بالنَّهارِ ويَقومونَ باللَّيلِ، فكَيفَ صَومَتُكُم؟ فأخبَرناهُ، فمَلَأ وجهَه سَوادًا، فقال: قوموا. وبَعَثَ مَعَنا رَسولًا إلى المَلِكِ، فخَرَجنا حَتَّى إذا كُنَّا قَريبًا مِنَ المَدينةِ قال لَنا الذي مَعَنا: إنَّ دَوابَّكُم هذه لا تَدخُلُ مَدينةَ المَلِكِ، فإن شِئتُم حَمَلناكُم على بَراذينَ وبِغالٍ. قُلنا: واللَّهِ لا نَدخُلُ إلَّا عليها. فأرسَلوا إلى المَلِكِ: إنَّهم يَأبَونَ. فدَخَلنا على رَواحِلِنا مُتَقَلِّدينَ سُيوفَنا حَتَّى انتَهَينا إلى غُرفةٍ لَه، فأنَخنا في أصلِها -وهو يَنظُرُ إلَينا- فقُلنا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أكبَرُ. واللَّهُ يَعلَمُ، لَقد تَنَفَّضَتِ الغُرفةُ حَتَّى صارَت كَأنَّها عِذقٌ تَصفِقُه الرِّياحُ، فأرسَلَ إلَينا: ليس لَكُم أن تَجهَروا علينا بدينِكُم. وأرسَلَ إلَينا: أنِ ادخُلوا. فدَخَلنا عليه وهو على فِراشٍ لَه، وعِندَه بَطارِقَتُه مِنَ الرُّومِ، وكُلُّ شَيءٍ في مَجلِسِه أحمَرُ، وما حَولَه حُمرةٌ، وعليه ثيابٌ مِنَ الحُمرِ، فدَنَونا مِنهُ فضَحِكَ، وقال: ما كانَ عليكُم لَو حَيَّيتُموني بتَحيَّتِكُم فيما بَينَكُم، فإذا عِندَه رَجُلٌ فصيحٌ بالعَرَبيَّةِ، كَثيرُ الكَلامِ، فقُلنا: إنَّ تَحيَّتَنا فيما بَينَنا لا تَحِلُّ لَكَ، وتَحيَّتَكَ التي تُحَيَّا بها لا يَحِلُّ لَنا أن نُحَيِّيَكَ بها. قال: كَيفَ تَحيَّتُكُم فيما بَينَكُم؟ قُلنا: السَّلامُ عليكَ. قال: فكَيفَ تُحيُّونَ مَلِكَكُم؟ قُلنا: بها. قال: وكَيفَ يَرُدُّ عليكُم. قُلنا: بها. قال: فما أعظَمُ كَلامِكُم؟ قُلنا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أكبَرُ. فلَمَّا تَكَلَّمنا بها قال: واللَّهُ يَعلَمُ لَقد تَنَفَّضَتِ الغُرفةُ حَتَّى رَفَعَ رَأسَه إلَيها، قال: فهذه الكَلِمةُ التي قُلتُموها حَيثُ تَنَفَّضَتِ الغُرفةُ كُلَّما قُلتُموها في بُيوتِكُم تَنَفَّضَت بُيوتُكُم عليكُم؟ قُلنا: لا، ما رَأيناها فعَلَت هذا قَطُّ إلَّا عِندَكَ! قال: لَودِدتُ أنَّكُم كُلَّما قُلتُم تَنَفَّضَ كُلُّ شَيءٍ عليكُم، وإنِّي خَرَجتُ مِن نِصفِ مُلكي. قُلنا: لمَ؟ قال: لأنَّه كانَ أيسَرَ لشَأنِها، وأجدَرَ أن لا يَكونَ مِن أمرِ النُّبوَّةِ، وأن يَكونَ مِن حيَلِ النَّاسِ. ثُمَّ سَألَنا عَمَّا أرادَ فأخبَرناهُ، ثُمَّ قال: كَيفَ صَلاتُكُم وصَومُكُم؟ فأخبَرناهُ، فقال: قوموا، فأمَرَ لَنا بمَنزِلٍ حَسَنٍ ونُزُلٍ كَثيرٍ، فأقَمنا ثَلاثًا، فأرسَلَ إلَينا لَيلًا، فدَخَلنا عليه، فاستَعادَ قَولَنا فأعَدناهُ، ثُمَّ دَعا بشَيءٍ كَهَيئةِ الرَّبعةِ العَظيمةِ مُذهَبةٍ، فيها بُيوتٌ صِغارٌ، عليها أبوابٌ، ففَتَحَ بَيتًا وقُفلًا، فاستَخرَجَ حَريرةً سَوداءَ فنَشَرَها، فإذا فيها صورةٌ حَمراءُ، وإذا فيها رَجُلٌ ضَخمُ العَينَينِ عَظيمُ الأليَتَينِ، لَم أرَ مِثلَ طولِ عُنُقِه، وإذا لَيسَت له لحيةٌ، وإذا له ضَفيرَتانِ أحسَنُ ما خَلَقَ اللَّهُ، قال: تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا آدَمُ عليه السَّلامُ. وإذا هو أكثَرُ النَّاسِ شَعرًا. ثُمَّ [فتَحَ] بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً سَوداءَ، وإذا فيها صورةٌ بَيضاءُ، وإذا له شَعرٌ كَشَعرِ القِطَطِ، أحمَرُ العَينَينِ، ضَخمُ الهامةِ، حَسَنُ اللِّحيةِ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا نوحٌ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً سَوداءَ، وإذا فيها رَجُلٌ شَديدُ البَياضِ، حَسَنُ العَينَينِ، صَلتُ الجَبينِ، طَويلُ الخَدِّ، أبيَضُ اللِّحيةِ، كَأنَّه يَبتَسِمُ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا إبراهيمُ عليه السَّلامُ، ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ فإذا فيها صورةٌ بَيضاءُ، وإذا -واللَّهِ- رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: أتَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: نَعَم، مُحَمَّدٌ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: وبَكَينا، قال: واللَّهُ يَعلَمُ أنَّه قامَ قائِمًا ثُمَّ جَلَسَ وقال: واللَّهِ إنَّه لَهو؟ قُلنا: نَعَم، إنَّه لَهو، كَأنَّما نَنظُرُ إلَيه. فأمسَكَ ساعةً يَنظُرُ إلَيها، ثُمَّ قال: أما إنَّه كانَ آخِرَ البُيوتِ، ولَكِن عَجَّلتُه لَكُم لأنظُرَ ما عِندَكُم. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً سَوداءَ، وإذا فيها صورةٌ أدماءُ سَحماءُ، وإذا رَجُلٌ جَعدٌ قَطَطٌ، غائِرُ العَينَينِ، حَديدُ النَّظَرِ، عابِسٌ، مُتَراكِبُ الأسنانِ، مُقَلَّصُ الشَّفةِ، كَأنَّه غَضبانُ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا موسى عليه السَّلامُ. وإلى جَنبِه صورةٌ تُشبِهُه، إلَّا أنَّه مدهانُ الرَّأسِ، عَريضُ الجَبينِ، في عَينَيه قَبَلٌ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا هارونُ بنُ عِمرانَ، ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً بَيضاءَ، فإذا فيها صورةُ رَجُلٍ آدَمَ، سَبطٍ، رَبعةٍ، كَأنَّه غَضبانُ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا لوطٌ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً بَيضاءَ، فإذا فيها صورةُ رَجُلٍ أبيَضَ، مُشرَبٍ حُمرةً، أقنى، خَفيفِ العارِضَينِ، حَسَنِ الوجهِ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا إسحاقُ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ حَريرةً بَيضاءَ، فإذا فيها صورةٌ تُشبِهُ إسحاقَ إلَّا أنَّه على شَفَتِه السُّفلى خالٌ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا يَعقوبُ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً سَوداءَ فيها صورةُ رَجُلٍ أبيَضَ، حَسَنِ الوجهِ، أقنى الأنفِ، حَسَنِ القامةِ، يَعلو وجهَه نورٌ، يُعرَفُ في وجهِه الخُشوعُ، يَضرِبُ إلى الحُمرةِ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا إسماعيلُ جَدُّ نَبيِّكُم (عليهما السَّلامُ). ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ حَريرةً بَيضاءَ، فيها صورةٌ كَأنَّها صورةُ آدَمَ، كَأنَّ وجهَه الشَّمسُ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا يوسُفُ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ حَريرةً بَيضاءَ، فيها صورةُ رَجُلٍ أحمَرَ، حَمشِ السَّاقَينِ، أخفَشِ العَينَينِ، ضَخمِ البَطنِ، رَبعةٍ، مُتَقَلِّدٍ سَيفًا، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا داوُدُ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً بَيضاءَ فيها صورةُ رَجُلٍ، ضَخمِ الأليَتَينِ، طَويلِ الرِّجلَينِ، راكِبٍ فرَسًا، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا سُلَيمانُ بنُ داوُدَ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ منه حَريرةً سَوداءَ فيها صورةٌ بَيضاءُ، وإذا رَجُلٌ شابٌّ، شَديدُ سَوادِ اللِّحيةِ، كَثيرُ الشَّعرِ، حَسَنُ العَينَينِ، حَسَنُ الوجهِ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا عيسى ابنُ مَريَمَ عليه السَّلامُ. قُلنا: مِن أينَ لَكَ هذه الصُّوَرُ؟ لأنَّا نَعلَمُ أنَّها على ما صُوِّرَت عليه الأنبياءُ عليهمُ السَّلامُ؛ لأنَّا رَأينا صورةَ نَبيِّنا عليه السَّلامُ. فقال: إنَّ آدَمَ عليه السَّلامُ سَألَ رَبَّه أن يُريَه الأنبياءَ مِن ولَدِه، فأنزَلَ (اللَّهُ) عليه صُوَرَهم، فكانَ في خِزانةِ آدَمَ عليه السَّلامُ عِندَ مَغرِبِ الشَّمسِ، فاستَخرَجَها ذو القَرنَينِ مِن مَغرِبِ الشَّمسِ، فدَفَعَها إلى دانيالَ. ثُمَّ قال: أما واللَّهِ إنَّ نَفسي طابَت بالخُروجِ مِن مُلكي، وإنِّي كُنتُ عَبدًا لا يَترُكُ مُلكَه حَتَّى أموتَ. ثُمَّ أجازَنا فأحسَنَ جائِزَتَنا، وسَرَّحَنا، فلَمَّا أتَينا أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رَضيَ اللهُ عنه حَدَّثَنا بما رَأينا، وما قال لَنا وما أجازَنا، فبَكى أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، وقال: مِسكينٌ، لَو أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ به خَيرًا لَفَعَلَ. ثُمَّ قال: أخبَرَنا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّهم واليَهودَ يَجِدونَ نَعتَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَهم
عن هشامِ بنِ العاصِ الأُموَيِّ قال : بُعثتُ أنا ورَجلٌ آخرَ إلى هِرَقلَ صاحبِ الرومِ نَدعوه إلى الإسلامِ ، فخرجنا حتَّى قدِمنا الغوطةَ يَعني غوطةَ دمشقَ فنزَلنا على جَبلةَ بنِ الأَيهمِ الغسَّانيِّ ، فدَخلنا عليهِ ، فإذا هوَ علَى سريرٍ لهُ ، فأرسل إلينا بِرَسولٍ نكلِّمُه ، فقُلنا : واللَّهِ لا نكلِّمُ رسولًا ، إنَّما بُعِثْنا إلى المَلِكِ ، فإن أذِنَ لنا كلَّمناهُ ، وإلا لَم نكلِّمِ الرَّسولَ ، فرجع إليهِ الرَّسولُ فأخبرَه بذلكَ ، قال : فأذِنَ لنا فقال : تكلَّموا : فكلَّمَه هشامُ بنُ العاصِ ، ودعاه إلى الإسلامِ ، فإذا عليهِ ثيابُ سَوادٍ ، فقال لهُ هشامٌ ، وما هذهِ الَّتي عليكَ ؟ فقال : لبِستُها وحلفتُ أن لا أنزِعَها حتَّى أُخْرِجَكُم مِنَ الشَّامِ . قلنا : ومَجلِسَك هذا، واللهِ لَنأخذَنَّه مِنكَ ، ولَنأخذَنَّ مُلْكَ المَلِكِ الأعظَمِ ، إن شاء اللهُ ، أخبَرَنا بذلك نبيُّنَا صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ . قال : لستُم بِهِم . بل هم قومٌ يَصومونَ بالنَّهارِ ويَقومونَ باللَّيلِ ، فكيف صومُكم ؟ فأخبرناهُ ، فمُلِئَ وجهُه سَوادًا فقالَ : قوموا . وبعَث معنا رسولًا إلى المَلِكِ ، فخرَجنا، حتَّى إذا كنَّا قريبًا من المدينةِ، قال لنا الَّذي معَنا : إنَّ دوابَّكم هذهِ لا تَدخُلُ مدينةَ المَلِكِ، فإن شئتُم حَملناكُم على براذينَ و بِغالٍ ؟ قُلنا، واللهِ لا ندخلُ إلَّا علَيها . فأرسَلوا إلى المَلِكِ أنَّهم يأبَوْنَ ذلكَ فدخَلنا على رواحِلِنا مُتقلِّدِينَ سيوفَنا، حتَّى انتهَينا إلى غُرفةٍ، فأنَخْنَا في أصلِها وهوَ ينظرُ إلينا، فقُلنا : لا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، فاللهُ يعلمُ قد تنفَّضَتِ الغُرفةُ حتَّى صارَت كأنَّها عِذقٌ تَصفِقُهُ الرِّياحُ . فأرسلَ إلَينا : ليسَ لكم أن تجهَرُوا علَينا بدِينِكُم، و أرسلَ إلَينا : أن ادخُلوا ،فدخَلنا عليهِ وهوَ على فِراشٍ له، وعندَه بطارقتُه مِن الرُّومِ ، وكلُّ شيءٍ في مجلِسِهِ أحمرُ، و ما حولَه حُمرةٌ، وعليهِ ثيابٌ من الحُمرةِ، فدَنَونا منه فضحِكَ، فقالَ : ما كان عليكُم لَو حيَّيتمُوني بتحيَّتِكُم فيما بَينكُم ؟ . وإذا عندَه رجلٌ فَصيحٌ بالعربيةِ كثيرُ الكَلامِ، فقُلنا : إنَّ تحيَّتَنا فيما بينَنا لا تحلُّ لك، و تحيَّتُكَ الَّتي تُحَيَّي بِها لا تحلُّ لنا أن نُحيِّيَكَ بِها . قال : [ كيف ] تحيَّتُكم فيما بينَكم ؟ قلنا : السَّلامُ عليكَ . قالَ : وكيفَ تُحيُّونَ مَلِكَكُمْ ؟ قُلنا : بها . قال : وكيف يَردُّ عليكُم ؟ قُلنا : بِها . قالَ : فما أعظمُ كلامُكُم ؟ قُلنا : لا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ . فلمَّا تكلَّمنا بِها و اللهُ يعلَمُ لقد تنفَّضتِ الغرفةُ حتَّى رفَعَ رأسَه إليها، قال : فهذِهِ الكَلِمةُ الَّتي قلتُموها حيثُ تنفَّضَتِ الغُرفةُ، كلَّما قُلتُموها في بيوتِكم تنفَّضَتْ عليكم غُرَفُكُم ؟ قُلنا : لا، ما رأيناها فعَلَت هذا قطُّ إلَّا عِندَك . قالَ : لودِدتُ أنَّكُم كلَّما قلتُم تنفَّضَ كلُّ شيءٍ عليكُم . وأنِّي خرجتُ من نِصفِ مُلْكِي . قُلنا : لَم ؟ قال : لأنَّهُ كانَ أيسرَ لشأنِها، وأجدرَ ألَّا تكونَ مِن أمرِ النُّبَوَّةِ ، وأنها تكونُ من حِيَلِ النَّاسِ . ثمَّ سألَنا عمَّا أرادَ، فأخبَرناهُ . ثمَّ قال : كيف صلاتُكم وصومُكم ؟ فأخبرناهُ . فقال : قوموا . [ فقُمنا ] فأمر لنا بمنزلٍ حسَنٍ ونُزُلٍ [ كثيرٍ ] ، فأقمنا ثلاثًا ، فأرسل إلَينا ليلًا فدخَلنا عليهِ، فاستعادَ قولَنا، فأعَدناهُ . ثمَّ دعا بشَيءٍ كهيئةِ الرِّبعةِ العَظيمةِ مذهَّبَةً، فيها بيوتٌ صِغارٌ علَيها أبوابٌ ، ففَتح بيتًا وقُفلًا، فاستخرج حريرةً سوداءَ، فنشَرها، فإذا فيها صورةٌ حمراءُ، وإذا فيها رجلٌ ضخمُ العينيْنِ عظيمُ الأَليتيْنِ، لَم أر مثلَ طولِ عنقِه، وإذا لبِسَت لهُ لِحيةٌ، وإذا لَهُ ضَفيرتان أحسنَ ما خلق اللهُ . قال : أتعرِفون هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا آدمُ عَليهِ السَّلامُ : و إذ هوَ أكثرُ النَّاسِ شَعرًا . ثمَّ فتح بابًا آخَرَ، فاستخرج منه حَريرةً سوداءَ، وإذا فيها صورةٌ بيضاءُ ، وإذا لهُ شَعْرٌ [ كشعرِ ] القِططِ ، أحمرَ العينيْنِ ، ضخمَ الهامةِ ، حسَنَ اللحيةِ ، فقال : أتعرِفون هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا نُوحٌ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ، فاستخرجَ حريرةً سوداءَ ، وإذا فيها رجلٌ شديدُ البياضِ، حسَنَ العينيْنِ صلتَ الجبينِ ، طويلَ الخدِّ ، أبيضَ اللحيةِ كأنَّهُ يبتَسِمُ ، فقال : أتعرِفونَ هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا إبراهيمُ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ فإذا فيهِ صورةٌ بيضاءُ ، وإذا و اللهِ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ، فقال : أتعرِفون هذا ؟ قُلنا : نعَم ، مُحمَّدٌ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ قال : وبَكَيْنا . قال : و اللهُ يعلَمُ أنَّهُ قام قائمًا ثمَّ جلَس ، وقال : و اللهِ إنَّهُ لهوَ ؟ قُلنا : نعَم إنَّهُ لهُوَ ،كأنَّكَ تنظرُ إليهِ . فأمسكَ ساعةً ينظرُ إليها ، ثمَّ قال : أمَّا إنَّهُ كان آخرَ البُيوتِ ، ولكنِّي عجَّلْتُه لكُم لأنظرَ ما عِندَكم . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ، فاستخرج منه حريرةً سوداءَ ، فإذا فيها صورةٌ أدماءَ سحماءَ ، وإذا رجلٌ جعدٌ قَطَطٌ، غائرُ العينيْنِ،حديدُ النَّظرِ ، عابِسٌ متراكبُ [ الأسنانِ ] مقلِّصُ الشَّفةِ كأنَّهُ غَضبانٌ ، فقال : هل تعرِفون هذا ؟ قلنا : لا : قال : هذا موسَى عليهِ السَّلامُ . وإلى جانبِه صورةٌ تُشبِهُه،إلا أنَّه مُدهانُّ الرأسِ ، عَريضُ الجبينِ، في عينيه قَبلٌ ، فقال : هل تعرِفونَ هذا : قُلنا : لا . قالَ : هذا هارونُ بنُ عِمرانَ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ، فاستخرج منه حريرةً بيضاءَ ، فإذا فيها صورةُ رجُلٍ آدَمَ سبطٍ ربعةٍ . كأنَّهُ غضبانُ ،فقالَ : هل تعرفونَ هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا لُوطٌ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ،فاستخرَجَ منه حريرةً بيضاءَ، فإذا فيها صورةُ رجلٍ أبيضَ مُشرَبٌ حُمرةً، أقنَى، خفيفَ العارضيْنِ حسنَ الوجهِ ، فقال : هل تعرِفونَ هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا إسحاقُ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ، فاستخرَجَ حريرةً بيضاءَ ، فإذا فيها صورةٌ تُشبِهُ إسحاقَ، إلَّا أنَّهُ على شَفتِه خالٌ، فقالَ : هل تعرِفون هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا يَعقوبُ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ، فاستخرَجَ منه حريرةً سوداءَ فيها صورةُ رجلٍ أبيضَ حسَنَ الوجهِ ، أقنَى الأنفِ ، حسَنَ القامةِ ، يعلو في وجهِه نورٌ، يُعْرَفُ في وجهِه الخُشوعُ ،يضرِبُ إلى الحمرةِ ، قال : هل تعرِفون هذا ؟ قلنا : لا، قال : هذا إسماعيلُ جدُّ نبيِّكم عليهِما السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ، فاستخرَج منه حَريرةً بيضاءَ فيها صورةٌ كأنَّها آدَمُ عليهِ السَّلامُ ، كأنَّ وجهَه الشَّمسُ ، فقال : هل تعرِفونَ هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا يوسُفُ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ، فاستَخرجَ منه حريرةً بيضاءَ ، فإذا فيها صورةُ رجلٍ أحمرَ حَمِشِ السَّاقيْنِ ،أخفشِ العَينيْنِ، ضَخمَ البَطنِ ربعةٍ متقلِّد سيفًا، فَقالَ : هل تعرِفونَ هذا ؟ قُلنا : لا . قال : هذا داودُ عليهِ السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ، فاستَخرج حريرةً بيضاءَ ، فيها صورةُ رجلٍ ضخمِ الأليتيْنِ ، طويلِ الرِّجليْنِ ، راكبٍ فرسًا ،فقال : هل تعرِفونَ هذا ؟ قلنا : لا قال : هذا سُلَيمانُ بنُ داودَ عليهِما السَّلامُ . ثمَّ فتح بابًا آخرَ ، فاستخرَجَ منه حريرةً سوداءَ، فيها صورةٌ بيضاءُ، وإذا شابٌّ شديدُ سَوادِ اللِّحيةِ ، كثيرُ الشَّعْرِ،حسنُ العينينِ، حَسنُ الوجهِ، فقالَ : هل تعرِفون هذا ؟ قُلنا : لا . قالَ : هذا عيسَى بنُ مريمَ عليهِ السَّلامُ، قُلنا : من أينَ لكَ هذهِ الصُّورُ ؟ لأنَّا نَعلمُ أنَّها على ما صوَّرْتَ عليهِ الأنبياءَ عليهِ السَّلامُ ، لأنَّا رأينا صورةَ نبيِّنا عليهِ السَّلامُ مِثلَه ،فقال : إنَّ آدمَ عليهِ السَّلامُ سأل ربَّهُ أن يُريهِ الأنبياءَ من ولَدِه ،فأنزلَ عليهِ صوُرَهُم،فكانَ في خزانةِ آدمَ عليهِ السَّلامُ عند مَغربِ الشَّمسِ ، فاستخرَجَها ذو القَرنينِ من مغرِبِ الشَّمسِ فدفَعها إلى دانيالَ . ثمَّ قال : أمَا و اللهِ إنَّ نفسي طابَت بالخروجِ من مُلكي وإنِّي كُنتُ عبدًا لأَشرِّكُم مَلَكةً ، حتَّى أموتُ . ثمَّ أجازَنا فأَحسنَ جائزتَنا، وسرَّحَنا،فلمَّا أتينا أبا بكرٍ الصديقَ رضيَ اللهُ عنهُ [ فحدَّثناه بما أرانا ، وبما قالَ لَنا، و ما أجازَنا ، قال : فبكى أبو بكرٍ ] و قال : مِسكينٌ ! لَو أراد اللهُ بهِ خيرًا لفَعلَ . ثمَّ قال : أخبرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ أنَّهم واليَهودُ يجِدونَ نَعتَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ عندَهُم
حديث : أنَّه استلمَ الحجرَ ، ثمَّ أخذَ عن يمينِهِ ممَّا يلي البابَ ، فطافَ سبعةَ أشواطٍ [يعني حديث: دَخَلْنَا علَى جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، فَسَأَلَ عَنِ القَوْمِ حتَّى انْتَهَى إلَيَّ، فَقُلتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ، فأهْوَى بيَدِهِ إلى رَأْسِي، فَنَزَعَ زِرِّي الأعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الأسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَومَئذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقالَ: مَرْحَبًا بكَ يا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ، وَهو أَعْمَى، وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ في نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بهَا، كُلَّما وَضَعَهَا علَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إلَيْهِ؛ مِن صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إلى جَنْبِهِ علَى المِشْجَبِ، فَصَلَّى بنَا، فَقُلتُ: أَخْبِرْنِي عن حَجَّةِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ بيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا، فَقالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ في النَّاسِ في العَاشِرَةِ أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حَاجٌّ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ برَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ. فَخَرَجْنَا معهُ، حتَّى أَتَيْنَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بنَ أَبِي بَكْرٍ، فأرْسَلَتْ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: كيفَ أَصْنَعُ؟ قالَ: اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بثَوْبٍ وَأَحْرِمِي. فَصَلَّى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في المَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ ، حتَّى إذَا اسْتَوَتْ به نَاقَتُهُ علَى البَيْدَاءِ ، نَظَرْتُ إلى مَدِّ بَصَرِي بيْنَ يَدَيْهِ، مِن رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذلكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذلكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذلكَ، وَرَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعليه يَنْزِلُ القُرْآنُ، وَهو يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَما عَمِلَ به مِن شَيءٍ عَمِلْنَا بهِ. فَأَهَلَّ بالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لكَ لَبَّيْكَ ، إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لكَ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بهذا الذي يُهِلُّونَ به، فَلَمْ يَرُدَّ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عليهم شيئًا منه، وَلَزِمَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ تَلْبِيَتَهُ. قالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: لَسْنَا نَنْوِي إلَّا الحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ العُمْرَةَ، حتَّى إذَا أَتَيْنَا البَيْتَ معهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إلى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ عليه السَّلَام، فَقَرَأَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]، فَجَعَلَ المَقَامَ بيْنَهُ وبيْنَ البَيْتِ، فَكانَ أَبِي يقولُ -وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إلَّا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ-: كانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَ{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}. ثُمَّ رَجَعَ إلى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البَابِ إلى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]، أَبْدَأُ بما بَدَأَ اللَّهُ به، فَبَدَأَ بالصَّفَا، فَرَقِيَ عليه، حتَّى رَأَى البَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهو علَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بيْنَ ذلكَ، قالَ مِثْلَ هذا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلى المَرْوَةِ، حتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ في بَطْنِ الوَادِي سَعَى، حتَّى إذَا صَعِدَتَا مَشَى، حتَّى أَتَى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ علَى المَرْوَةِ كما فَعَلَ علَى الصَّفَا، حتَّى إذَا كانَ آخِرُ طَوَافِهِ علَى المَرْوَةِ، فَقالَ: لو أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِن أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فمَن كانَ مِنكُم ليسَ معهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعْشُمٍ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هذا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً في الأُخْرَى، وَقالَ: دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ –مَرَّتَيْنِ- لا، بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ. وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ ببُدْنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فأنْكَرَ ذلكَ عَلَيْهَا، فَقالَتْ: إنَّ أَبِي أَمَرَنِي بهذا، قالَ: فَكانَ عَلِيٌّ يقولُ بالعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مُحَرِّشًا علَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فِيما ذَكَرَتْ عنْه، فأخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذلكَ عَلَيْهَا، فَقالَ: صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الحَجَّ؟ قالَ: قُلتُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُهِلُّ بما أَهَلَّ به رَسولُكَ، قالَ: فإنَّ مَعِيَ الهَدْيَ ، فلا تَحِلُّ، قالَ: فَكانَ جَمَاعَةُ الهَدْيِ الذي قَدِمَ به عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ وَالَّذِي أَتَى به النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مِائَةً. قالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إلَّا النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَمَن كانَ معهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فأهَلُّوا بالحَجِّ، وَرَكِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَصَلَّى بهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ تُضْرَبُ له بنَمِرَةَ ، فَسَارَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ كما كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ في الجَاهِلِيَّةِ، فأجَازَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قدْ ضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ ، فَنَزَلَ بهَا، حتَّى إذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بالقَصْوَاءِ ، فَرُحِلَتْ له، فأتَى بَطْنَ الوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقالَ: إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ علَيْكُم، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، أَلَا كُلُّ شَيءٍ مِن أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ ، وإنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِن دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ، كانَ مُسْتَرْضِعًا في بَنِي سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا؛ رِبَا عَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، فإنَّه مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ؛ فإنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عليهنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فإنْ فَعَلْنَ ذلكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ ، وَلَهُنَّ علَيْكُم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمَعروفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ ما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنِ اعْتَصَمْتُمْ به؛ كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَما أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قالوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقالَ بإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ ، يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بيْنَهُما شيئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حتَّى أَتَى المَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ إلى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حتَّى غَابَ القُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ ، ويقولُ بيَدِهِ اليُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّما أَتَى حَبْلًا مِنَ الحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حتَّى تَصْعَدَ، حتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ ، فَصَلَّى بهَا المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بأَذَانٍ وَاحِدٍ وإقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بيْنَهُما شيئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، وَصَلَّى الفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ بأَذَانٍ وإقَامَةٍ. ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الفَضْلَ بنَ عَبَّاسٍ، وَكانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مَرَّتْ به ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَدَهُ علَى وَجْهِ الفَضْلِ، فَحَوَّلَ الفَضْلُ وَجْهَهُ إلى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ علَى وَجْهِ الفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، حتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الوُسْطَى الَّتي تَخْرُجُ علَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الَّتي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كُلِّ حَصَاةٍ منها، مِثْلِ حَصَى الخَذْفِ ، رَمَى مِن بَطْنِ الوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ ما غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ ببَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فأكَلَا مِن لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِن مَرَقِهَا. ثُمَّ رَكِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فأفَاضَ إلى البَيْتِ، فَصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهْرَ، فأتَى بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، يَسْقُونَ علَى زَمْزَمَ، فَقالَ: انْزِعُوا بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ علَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ معكُمْ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ منه.]
قال جابرٌ رضيَ اللهُ تعالَى عنهُ : إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مكث [ بالمدينةِ ] تسعَ سنين لم يحجَّ . ثم أذَّنَ في الناسِ في العاشرةِ : أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حاجٌّ [ هذا العامَ ] . فقدم المدينةَ بشرٌ كثيرٌ ( وفي روايةٍ : فلم يبق أحدٌ يقدرُ أن يأتيَ راكبًا أو راجلًا إلا قَدِمَ ) [ فتدارك الناسُ ليخرجوا معهُ ] كلُّهم يلتمسُ أن يَأْتَمَّ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ويعملَ مثلَ عملِه . [ وقال جابرٌ رضيَ اللهُ عنهُ : سمعتُ – قال الراوي : أحسبُه رُفِعَ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، ( وفي روايةٍ قال : خطَبَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ) فقال : مَهِلُّ أهلِ المدينةِ من ذي الحليفةِ ، و [ مَهِلُّ أهلِ ] الطريقِ الآخرِ الجحفةُ ، ومَهِلُّ أهلِ العراقِ من ذاتِ عرقٍ ومَهِلُّ أهلِ نجدٍ من قرنٍ ، ومَهِلُّ أهلِ اليمنِ من يلملمَ ] . [ قال فخرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ] [ لخمسٍ بَقَيْنَ من ذي القعدةِ أو أربعٍ ] . [ وساق هديًا ] . فخرجنا معه [ معنا النساءُ والولدانُ ] . حتى أتينا ذا الحليفَةَ فولدتْ أسماءُ بنتُ عميسٍ محمدَ بنَ أبي بكرٍ . فأرسلت إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : كيف أصنعُ ؟ [ ف ] قال : اغتَسِلي واستثفري بثوبٍ وأحْرِمي . فصلى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في المسجدِ [ وهو صامتٌ ] . ثم ركب القصواءَ حتى إذا استوت به ناقتُه على البيداءِ [ أهلَّ بالحجِّ ( وفي روايةٍ : أفرد الحجَّ ) هو وأصحابُه ] . [ قال جابرٌ ] : فنظرتُ إلى مَدِّ بصري [ من ] بين يديهِ من راكبٍ وماشٍ ، وعن يمينِه مثلَ ذلك ، وعن يسارِه مثلَ ذلك ، ومن خلفِه مثلَ ذلك ، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بين أَظْهُرِنا وعليه ينزلُ القرآنُ ، وهو يعرفُ تأويلَه ، وما عمل بهِ من شيٍء عمِلْنا به . فأَهَلَّ بالتوحيدِ : لبيكَ اللهمَّ لبيكَ ، لبيكَ لا شريكَ لك لبيكَ ، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لك والمُلْكُ ، لا شريكَ لك . وأهلُ الناسِ بهذا الذي يُهِلُّونَ به ، ( وفي روايةٍ : ولبَّى الناسُ [ والناسُ يزيدون ] [ لبيكَ ذا المعارجِ لبيكَ ذا الفواصلِ ] فلم يَرُدَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عليهم شيئًا منه . ولزم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم تلبِيَتَه . قال جابرٌ : [ ونحنُ نقولُ [ لبيكَ اللهمَّ ] لبيكَ بالحجِّ ] [ نصرخُ صراخًا ] لسنا ننوي إلا الحجَّ [ مفردًا ] [ لا نخلطُه بعمرةٍ ] ( وفي روايةٍ : لسنا نعرفُ العمرةَ ) وفي أخرى : أَهْلَلْنَا أصحابَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بالحجِّ خالصًا ليس معهُ غيرُه ، خالصًا وحدَه ) [ قال : وأقبلت عائشةُ بعمرةٍ حتى إذا كانت ب ( ( سَرَفَ ) ) عركتْ ] . حتى إذا أتينا البيتَ معَهُ [ صُبْحَ رابعةٍ مضتْ من ذي الحجةِ ] ( وفي روايةٍ : دخلنا مكةَ عند ارتفاعِ الضحى ) فأتى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بابَ المسجدِ فأناخ راحلتَه ثم دخل المسجدَ ، ف ) استلمَ الركنَ ( وفي روايةٍ : الحجرَ الأسودَ ) [ ثم مضى عن يمينِه ] . فرَمَلَ [ حتى عاد إليهِ ] ثلاثًا ، ومشى أربعًا [ على هينتِه ] . ثم نفذ إلى مقامِ إبراهيمَ عليه السلامُ فقرأ ( وَاتَّخِذُوْا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى ) ، [ ورفع صوتَه يُسْمِعُ الناسَ ] . فجعل المقامَ بينَه وبين البيتِ . [ فصلى ركعتينِ ] . [ قال ] : فكان يقرأُ في الركعتينِ : ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) و ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) ( وفي روايةٍ : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) . [ ثم ذهب إلى زمزمَ فشرب منها ، وصبَّ على رأسِه ] . ثم رجع إلى الركنِ فاستلمَه . ثم خرج من البابِ ( وفي روايةٍ : بابِ الصفا ) إلى الصفا . فلما دنا من الصفا قرأ : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) أبدأُ ( وفي روايةٍ : نبدأُ ) بما بدأ اللهُ به ، فبدأَ بالصفا فرقى عليهِ حتى رأى البيتَ . فاستقبل القِبلةَ فوحَّدَ اللهَ وكبَّرَه [ ثلاثًا ] و [ حمدَه ] وقال : لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ ، له المُلْكُ وله الحمدُ [ يُحْيِي ويُمِيتُ ] ، وهو على كلِّ شيٍء قديرٌ ، لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه [ لا شريكَ له ] ، أنجزَ وعدَه ، ونصر عبدَه ، وهزم الأحزابَ وحدَه ، ثم دعا بين ذلك ، وقال مثلَ هذا ثلاثَ مراتٍ . ثم نزل [ ماشيًا ] إلى المروةِ ، حتى إذا انصبَّتْ قدماهُ في بطنِ الوادي سعى ، حتى إذا صعَدْنا [ يعني ] [ الشِّقَّ الآخرَ ] مشى حتى أتى المروةَ [ فرقى عليها حتى نظرَ إلى البيتِ ] ففعل على المروةِ كما فعل على الصفا . حتى إذا كان آخرَ طوافِه ( وفي روايةٍ : كان السابعَ ) على المروةِ فقال : [ يا أيها الناسُ ] لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أَسُقِ الهَدْيَ و [ ل ] جعلتُها عمرةً ، فمن كان منكم معَهُ هَدْيٌ فليُحِلَّ وليجعَلْها عمرةً ، ( وفي روايةٍ : فقال : أحِلُّوا من إحرامِكم ، فطوفوا بالبيتِ ، وبين الصفا والمروةِ وقصرُوا ، وأقيموا حلالًا . حتى إذا كان يومَ الترويةِ فأهِلُّوا بالحجِّ واجعلوا التي قدِمْتُمْ بها متعةً ) . فقام سراقةُ بنُ مالكِ بنُ جعشمٍ ( وهو في أسفلِ المروةَ ) فقال : يا رسولَ اللهِ [ أرأيتَ عُمْرَتَنا ( وفي لفظٍ : مُتْعَتَنا ) هذه ] [أ]لعامِنا هذا أم لأبدِ [ الأبدِ ] ؟ [ قال ] فشبَّك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أصابعَه واحدةً في أخرى وقال : دخلتِ العمرةُ في الحجِّ [ إلى يومِ القيامةِ ] لا بل لأبدِ الأبدِ ، [ لا بل لأبدِ الأبدِ ] ، [ ثلاثَ مراتٍ ] . [ قال : يا رسولَ اللهِ بيِّنْ لنا دِينَنا كأنَّا خُلِقْنا الآن ، فيما العملُ اليومَ ؟ أفيما جفَّت به الأقلامُ وجرَتْ به المقاديرُ أفيما نستقبلُ ؟ قال : لا بل فيما جفَّتْ به الأقلامُ وجرَتْ به المقاديرُ . قال : ففيم العملُ [ إذن ] ؟ قال : اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ ] ، ( لِمَا خُلِقَ له ] . ( قال جابرٌ : فأُمِرْنَا إذا حَلَلْنَا أن نُهْدِيَ ، ويجتمعُ النفرُ منا في الهديةِ ] [ كلُّ سبعةٍ منا في بدنةٍ ] [ فمن لم يكن معَه هديٌ ، فليصم ثلاثةَ أيامٍ وسبعةً إذا رجع إلى أهلِه ] . [ قال : فقلنا : حَلَّ ماذا ؟ قال : الحِلُّ كلُّه ] . [ قال : فكبُرَ ذلك علينا ، وضاقت به صدُورُنا ] . [ قال : فخرجنا إلى البطحاءِ ، قال : فجعل الرجلُ يقول : عهدي بأهلي اليومَ ] . [ قال : فتذاكَرْنا بيننا فقلنا : خرجنا حُجَّاجًا لا نُرِيدُ إلا الحجَّ ، ولا ننوي غيرَه ، حتى إذا لم يكن بيننا وبين عرفةَ إلا أربعٌ ] ( وفي روايةٍ : خمسَ [ ليالٍ ] أمرنا أن نُفْضِي إلى نسائِنا فنأتيَ عرفةَ تقطرُ مذاكيرُنا المنيَّ [ من النساءِ ] ، قال : يقولُ جابرٌ بيدِه ، ( قال الرواي ) : كأني أنظرُ إلى قولِه بيدِه يُحرِّكُها ، [ قالوا : كيف نجعلُها متعةً وقد سمَّيْنا الحجَّ ؟ ] . قال : [ فبلغ ذلك النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فما ندري أشيٌء بلغَه من السماءِ . أم شيءٌ بلغَه من قِبَلِ السماءِ ] . [ فقام ] [ فخطب الناسَ فحمد اللهَ وأثنى عليهِ ] فقال : [ أباللهِ تُعلموني أيها الناسُ ! ؟ ] قد علمتُم أني أتقاكُم للهِ وأصدَقُكم وأبرُّكم ، [ افعلوا ما آمُرُكم به فإني ] لولا هَدْيِي لحللتُ لكم كما تُحِلُّونَ [ ولكن لا يحلُّ مني حرامٌ حتى يبلغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ] ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أَسُقِ الهَدْيَ ، فحُلُّوا ] . [ قال : فواقعنا النساءَ وتطيَّبْنَا بالطِّيبِ ولبسنا ثيابَنا ] [ وسمِعْنا وأطعنا ] . فحلَّ الناسُ كلُّهم وقصَّرُوا إلا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ومن كان معه هديٌ ] . [ قال : وليس مع أحدٍ منهم هديٌ غيرَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وطلحةَ ] . وقدم علي [ من سعايَتِه ] من اليمنِ ببدنِ النبيِّ ص . فوجد فاطمةَ رضيَ اللهُ عنها ممن حلَّ : [ ترجَّلَتْ ] ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلتْ ، فأنكرَ ذلك عليها ، [ وقال : من أمرَكِ بهذا ؟ ! ] ، فقالت أبي أمرَنِي بهذا . قال : فكان عليٌّ يقول بالعراقِ : فذهبتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم محرشًا على فاطمةَ للذي صنعتْ مستفتيًا لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فيما ذكرتُ عنه ، فأخبرتُه أني أنكرتُ ذلك عليها [ فقالت : أبي أمرَني بهذا ] فقال : صدقتْ ، صدقتْ ، [ صدقتْ ] [ أنا أمرتُها به ] . قال جابرٌ : وقال لعليٍّ : ماذا قلتَ حين فُرِضَ الحجُّ ؟ قال قلتُ : اللهمَّ إني أُهِلُّ بما أهلَّ به رسولُ اللهِ ص . قال : فإنَّ معيَ الهديَ فلا تحلُّ ، [ وامكث حرامًا كما أنت ] . قال : فكان جماعةُ الهديِ الذي قدم به عليٌّ من اليمنِ ، والذي أتى به النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم [ من المدينةِ ] مائةَ [ بدنةٍ ] . قال : فحلَّ الناسُ كلُّهم وقصرُوا ، إلا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ومن كان معه هديٌ . فلما كان يومُ الترويةِ [ وجعلنا مكةَ بظهرٍ ] توجهوا إلى مِنى فأهِلُّوا بالحجِّ [ من البطحاءِ ] . [ قال : ثم دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم على عائشةَ رضيَ اللهُ عنها فوجدها تبكي فقال : ما شأنُكِ ؟ قالت : شأني أني قد حِضْتُ ، وقد حلَّ الناسُ ولم أحلُلْ ، ولم أَطُفْ بالبيتِ ، والناسُ يذهبون إلى الحجِّ الآن ، فقال : إنَّ هذا أمرٌ كتبَه اللهُ على بناتِ آدمَ ، فاغتسلي ثم أهِلِّي بالحجِّ [ ثم حُجِّي واصنعي ما يصنعُ الحاجُّ غيرَ أن لا تطوفي بالبيتِ ولا تصلي ] ففعلتْ ] . ( وفي روايةٍ : فنسكتِ المناسكَ كلَّها غيرَ أنها لم تَطُفْ بالبيتِ ) وركب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وصلى بها ( يعني مِنَى ، وفي روايةٍ : بنا ) الظهرَ والعصرَ والمغربِ والعشاءِ والفجرِ . ثم مكث قليلًا حتى طلعتِ الشمسُ وأمر بقُبَّةٍ [ له ] من شعرٍ تُضْرَبُ له بنَمِرَةَ . فسار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ولا تشكُّ قريشٌ إلا أنَّهُ واقفٌ عند المشعرِ الحرامِ [ بالمزدلفةِ ] [ ويكونُ منزلُه ثم ] كما كانت قريشٌ تصنعُ في الجاهليةِ – فأجاز رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حتى أتى عرفةَ فوجد القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ ، فنزل بها . حتى إذا زاغتِ الشمسُ أمر بالقصواءِ فرُحِّلَتْ له ، ف [ ركب حتى ] أتى بطنَ الوادي . فخطب الناسَ وقال : إنَّ دماءَكم وأموالَكم حرامٌ عليكم ، كحُرْمَةِ يومِكم هذا ، في شهرِكم هذا ، في بلدِكم هذا ، ألا [ و ] [ إنَّ ] كلَّ شيٍء من أمرِ الجاهليةِ تحت قدمي [ هاتين ] موضوعٌ ، ودماءُ الجاهليةِ موضوعةٌ ، وإنَّ أولَ دمٍ أضعُ من دمائِنا دمَ ابنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ [ ابنِ عبدِ المطلبِ ] – كان مسترضعًا في بني سعدٍ فقتَلَتْه هذيلٌ - . وربا الجاهليةِ موضوعٌ ، وأولُ ربًا أضعُ رِبَانَا : ربا العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ فإنَّهُ موضوعٌ كلُّه فاتّقوا اللهَ في النساءِ ، فإنكم أخذتموهنَّ بأمانِ [ ة ] اللهِ واستحللتُم فروجهنَّ بكلمةِ اللهِ و [ إنَّ ] لكم عليهنَّ أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحدًا تكرهونَه ، فإن فعلْنَ ذلك فاضربوهنَّ ضربًا غيرَ مبرِّحٍ ولهنَّ عليكم رزقُهُنَّ وكسوتُهُنَّ بالمعروفِ ، و [ إني ] قد تركتُ فيكم ما لن تضلُّوا بعدُ إن اعتصمتُم به كتابَ اللهِ وأنتم تسألون ( وفي لفظٍ مسؤولونَ ) عني ، فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهدُ أنك قد بلَّغْتَ [ رسالاتِ ربكَ ] وأدَّيْتَ ، ونصحتَ [ لأُمَّتِكَ ، وقضيتَ الذي عليك ] فقال بأصبعِه السبابةِ يرفعُها إلى السماءِ ويُنْكِتُها إلى الناسِ : اللهمَّ اشهد ، اللهمَّ اشهدْ . ثم أذَّنَ [ بلالٌ ] [ بنداءٍ واحدٍ ] ، ثم أقام فصلى الظهرَ ، ثم أقام فصلى العصرَ ، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا ، ثم ركب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم [ القصواءَ ] حتى أتى الموقفَ فجعل بطنَ ناقتِه القصواءَ إلى الصخراتِ ، وجعل حبلَ المشاةِ بين يديهِ ، واستقبلَ القِبلةَ . فلم يزل واقفًا حتى غربتِ الشمسُ وذهبت الصُّفرةُ قليلًا حتى غاب القرصُ . [ وقال : وقفتُ ههنا وعرفةُ كلُّها موقفٌ ] . وأردف أسامةَ [ ابنَ زيدٍ ] خلفَه . ودفع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ( وفي روايةٍ : أفاض وعليه السكينةُ : ) وقد شنق للقصواءِ الزمامَ ، حتى إنَّ رأسَها ليُصيبُ مورِكَ رَحْلَه ويقول بيدِه اليمنى [ هكذا : وأشار بباطنِ كفِّهِ إلى السماءِ ] أيها الناسُ السكينةُ السكينةُ . كلما أتى حبلًا من الحبالِ أرخى لها قليلًا حتى تصعدَ حتى أتى المزدلفةَ فصلى بها [ فجمع بين ] المغربِ والعشاءِ ، بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ . ولم يُسَبِّحْ بينهما شيئًا . ثم اضطجع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حتى طلع الفجرُ وصلى الفجرَ حين تبيَّنَ له الفجرُ ، بأذانٍ وإقامةٍ . ثم ركب القصواءَ حتى أتى المشعرَ الحرامَ [ فرقى عليه ] . فاستقبلَ القِبلةَ ، فدعاه ( وفي لفظٍ : فحمد اللهَ ) وكبَّرَه وهلَّلَه ووحَّدَه . فلم يزل واقفًا حتى أسفرَ جدًّا . ( وقال : وقفتُ ههنا ، والمزدلفةُ كلُّها موقفٌ ) . فدفع [ من جمعٍ ] قبل أن تطلعَ الشمسُ [ وعليه السكينةُ ] . وأردف الفضلَ بنَ عباسٍ – وكان رجلًا حسنَ الشعرِ أبيضَ وسيمًا - ، فلما دفع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مرَّتْ به ظُعُنٌ تَجْرِينَ ، فطفق الفضلُ ينظرُ إليهنَّ ، فوضع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يدَه على وجهِ الفضلِ ، فحوَّلَ الفضلُ وجهَه إلى الشِّقِّ الآخرِ ، فحوَّلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يدَه من الشقِّ الآخرِ على وجهِ الفضلِ ، يصرفُ وجهَه من الشقِّ الآخرِ ينظرُ ! حتى أتى بطنَ مُحَسِّرٍ ، فحرك قليلًا [ وقال : عليكم السكينةَ ] . ثم سلك الطريقَ الوسطى التي تخرجُ [ ك ] على الجمرةِ الكبرى [ حتى أتى الجمرةَ التي ] عند الشجرةِ ، فرماها [ ضُحًى ] بسبعِ حصياتٍ ، يُكبِّرُ مع كلِّ حصاةٍ منها ، مثل حصى الخذفِ [ ف ] رمى من بطنِ الوادي [ وهو على راحلتِه [ وهو ] يقول : لِتَأْخُذوا مناسِكَكم ، فإني لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حجَّتي هذه ] . [ قال : ورمى بعدَ يومِ النحرِ [ في سائرِ أيامِ التشريقِ ] إذا زالتِ الشمسُ ] . [ ولقيَه سراقةُ وهو يرمي جمرةَ العقبةِ ، فقال : يا رسولَ اللهِ ، ألنا هذه خاصةً ؟ قال : لا ، بل لأبدٍ ] . ثم انصرف إلى المنحرِ فنحر ثلاثًا وستين [ بدنةً ] بيدِه ، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غَبَرَ [ يقول : ما بقيَ ] ، وأشرَكَه في هدْيِهِ . ثم أمر من كلِّ بدنةٍ ببضعةٍ فجُعِلَتْ في قِدْرٍ فطُبِخَتْ فأكلا من لحمِها ، وشربا من مَرَقِها . ( وفي روايةٍ قال : نحر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عن نسائِه بقرةً ) . ( وفي أخرى قال : فنحرنا البعيرَ ( وفي أخرى : نحر البعيرَ ) عن سبعةٍ ، والبقرةَ عن سبعةٍ ) ( وفي روايةٍ خامسةٍ عنه قال : فاشتركنا في الجزورِ سبعةً ، فقال له رجلٌ : أرأيتَ البقرةَ أيُشْتَرَكُ فيها ؟ فقال ما هيَ إلا من البُدْنِ ) ( وفي روايةٍ : قال جابرٌ : كنا لا نأكلُ من البُدْنِ إلا ثلاثَ مِنًى ، فأرخص لنا رسولُ اللهِ ص ، قال : كُلُوا وتزوَّدُوا ) . قال : فأكلنا وتزوَّدْنا ] ، [ حتى بَلَغْنَا بها المدينةَ ] ( وفي روايةٍ : نحر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم [ فحلق ] ، وجلس [ بمنى يومَ النحرِ ] للناسِ ، فما سُئِلَ [ يومئذٍ ] عن شيٍء [ قُدِّمَ قبلَ شيٍء ] إلا قال : لا حرجَ ، لا حرجَ . حتى جاءَه رجلٌ فقال : حلقتُ قبلَ أن أنحرَ ؟ قال : لا حرجَ . ثم جاء آخرُ فقال : حلقتُ قبل أن أرمي ؟ قال : لا حرجَ . [ ثم جاءَه آخرُ فقال : طُفْتُ قبل أن أرمي ؟ قال لا حرج ] . [ قال آخرُ : طُفْتُ قبل أن أذبحَ ، قال : اذبح ولا حرجَ ] . [ ثم جاءَه آخرُ فقال : إني نحرتُ قبل أن أرميَ ؟ قال : [ ارْمِ و ] لا حرج ] . ثم قال نبيُّ اللهِ ص : قد نحرتُ ههنا ، ومِنَى كلُّها منحرٌ . [ وكلُّ فِجاجِ مكةَ طريقٌ ومنحرٌ ] . [ فانحروا من رِحالِكُم ] . [ وقال جابرٌ رضيَ اللهُ عنه : خَطَبَنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يومَ النحرِ فقال : أيُّ يومٍ أعظمُ حُرْمةً ؟ فقالوا : يومُنا هذا ، قال : فأيُّ شهرٍ أعظمُ حُرْمَةً ؟ قالوا : شهرُنا هذا ، قال : أيُّ بلدٍ أعظمُ حُرْمَةً ؟ قالوا بلدُنا هذا ، قال : فإنَّ دماءَكم وأموالَكم عليكم حرامٌ كحُرْمَةِ يومكم هذا في بلدِكم هذا في شهرِكم هذا ، هل بلَّغْتُ ؟ قالوا : نعم . قال : اللهمَّ اشهدْ ] . ثم ركب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فأفاض إلى البيتِ [ فطافوا ولم يطوفوا بين الصفا والمروةِ ] . فصلى بمكةَ الظهرَ . فأتى بني عبدِ المطلبِ [ وهم ] يسقون على زمزمَ فقال : انزعوا بني عبدِ المطلبِ ، فلولا أن يَغْلِبَكُمُ الناسُ على سِقَايَتِكُمْ لنزعتُ معكم ، فناولوهُ دَلْوًا فشرب منهُ . [ وقال جابرٌ رضيَ اللهُ عنهُ : وإنَّ عائشةَ حاضت فنسكتِ المناسكَ كلَّها غيرَ أنها لم تَطُفْ بالبيتِ ] . [ قال : حتى إذا طهرت طافت بالكعبةِ والصفا والمروةِ ، ثم قال : قد حللتِ من حجِّكِ وعمرتِكِ جميعًا ] ، [ قالت : يا رسولَ اللهِ أتنطلقون بحجٍّ وعمرةٍ وأنطلقُ بحجٍّ ؟ ] [ قال : إنَّ لكِ مثلَ ما لهم ] . [ فقالت : إني أجدُ في نفسي أني لم أَطُفْ بالبيتِ حتى حججتُ ] . [ قال : وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم رجلًا سهلًا إذا هويَتِ الشيءَ تابعَها عليه ] [ قال : فاذهب بها يا عبدَ الرحمنِ فأَعْمِرْها من التنعيمِ [ فاعتمرت بعد الحجِّ ] [ ثم أقبلت ] وذلك ليلةَ الحصبةِ ] . [ وقال جابرٌ : طاف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بالبيتِ في حجةِ الوداعِ على راحلتِه يستلمُ الحجرَ بمحجَنِه لأن يراهُ الناسُ ، وليُشْرِفَ ، وليسألوهُ ، فإنَّ الناسَ غشُوهُ ] . [ وقال : رفعت امرأةٌ صبيًّا لها إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فقالت يا رسولَ اللهِ ألهذا حجٌّ ؟ قال : نعم ، ولكِ أجرٌ ]
قدِمنا الحُدَيبيةَ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونَحنُ أربَعَ عَشرةَ مِائةً، وعليها خَمسونَ شاةً لا تُرويها، قال: فقَعَدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على جَبا الرَّكيَّةِ، فإمَّا دَعا وإمَّا بَصَقَ فيها، قال: فجاشَت، فسَقَينا واستَقَينا، قال: ثُمَّ إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَعانا للبَيعةِ في أصلِ الشَّجَرةِ، قال: فبايَعتُه أوَّلَ النَّاسِ، ثُمَّ بايَعَ، وبايَعَ، حتَّى إذا كان في وسَطٍ مِنَ النَّاسِ، قال: بايِعْ يا سَلَمةُ، قال: قُلتُ: قد بايَعتُكَ يا رَسولَ اللهِ في أوَّلِ النَّاسِ، قال: وأيضًا، قال: ورَآني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَزِلًا، يَعني: ليس معهُ سِلاحٌ، قال: فأعطاني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَجَفةً -أو دَرَقةً- ثُمَّ بايَعَ، حتَّى إذا كان في آخِرِ النَّاسِ، قال: ألا تُبايِعُني يا سَلَمةُ؟ قال: قُلتُ: قد بايَعتُكَ يا رَسولَ اللهِ في أوَّلِ النَّاسِ، وفي أوسَطِ النَّاسِ، قال: وأيضًا، قال: فبايَعتُه الثَّالِثةَ، ثُمَّ قال لي: يا سَلَمةُ، أينَ حَجَفَتُكَ -أو دَرَقَتُكَ- التي أعطَيتُكَ؟ قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، لَقيَني عَمِّي عامِرٌ عَزِلًا، فأعطَيتُه إيَّاها، قال: فضَحِكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال: إنَّكَ كالذي قال الأوَّلُ: اللَّهمَّ أبغِني حَبيبًا هو أحَبُّ إليَّ مِن نَفسي، ثُمَّ إنَّ المُشرِكينَ راسَلونا الصُّلحَ حتَّى مَشى بَعضُنا في بَعضٍ، واصطَلَحنا. قال: وكُنتُ تَبيعًا لطَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ أسقي فرَسَه، وأحُسُّه، وأخدِمُه، وآكُلُ مِن طَعامِه، وتَرَكتُ أهلي ومالي مُهاجِرًا إلى اللهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فلَمَّا اصطَلَحنا نَحنُ وأهلُ مَكَّةَ، واختَلَطَ بَعضُنا ببَعضٍ، أتَيتُ شَجَرةً فكَسَحتُ شَوكَها فاضطَجَعتُ في أصلِها، قال: فأتاني أربَعةٌ مِنَ المُشرِكينَ مِن أهلِ مَكَّةَ، فجَعَلوا يَقَعونَ في رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأبغَضتُهم، فتَحَوَّلتُ إلى شَجَرةٍ أُخرى، وعَلَّقوا سِلاحَهم واضطَجَعوا، فبينَما هُم كَذلك إذ نادى مُنادٍ مِن أسفَلِ الوادي: يا لَلمُهاجِرينَ، قُتِلَ ابنُ زُنَيمٍ، قال: فاختَرَطتُ سَيفي، ثُمَّ شَدَدتُ على أولَئِكَ الأربَعةِ وهم رُقودٌ، فأخَذتُ سِلاحَهم، فجَعَلتُه ضِغثًا في يَدي، قال: ثُمَّ قُلتُ: والذي كَرَّمَ وجهَ مُحَمَّدٍ لا يَرفَعُ أحَدٌ مِنكُم رَأسَه إلَّا ضَرَبتُ الذي فيه عَيناه، قال: ثُمَّ جِئتُ بهم أسوقُهم إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: وجاءَ عَمِّي عامِرٌ برَجُلٍ مِنَ العَبَلاتِ، يُقالُ له: مِكرَزٌ، يَقودُه إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على فرَسٍ مُجَفَّفٍ في سَبعينَ مِنَ المُشرِكينَ، فنَظَرَ إليهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: دَعوهم، يَكُنْ لهم بَدءُ الفُجورِ وثِناه، فعَفا عنهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنزَلَ اللهُ: {وهو الذي كَفَّ أيديَهم عَنكُم وأيديَكُم عَنهُم ببَطنِ مَكَّةَ مِن بَعدِ أن أظفَرَكُم عليهم} [الفتح: 24] الآيةَ كُلَّها. قال: ثُمَّ خَرَجنا راجِعينَ إلى المَدينةِ، فنَزَلنا مَنزِلًا بينَنا وبينَ بَني لَحيانَ جَبَلٌ، وهمُ المُشرِكونَ، فاستَغفَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَن رَقيَ هذا الجَبَلَ اللَّيلةَ، كَأنَّه طَليعةٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه، قال سَلَمةُ: فرَقيتُ تلك اللَّيلةَ مَرَّتَينِ أو ثَلاثًا، ثُمَّ قدِمنا المَدينةَ، فبَعَثَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بظَهرِه مع رَباحٍ، غُلامِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنا معهُ، وخَرَجتُ معهُ بفَرَسِ طَلحةَ، أُنَدِّيه مع الظَّهرِ، فلَمَّا أصبَحنا إذا عبدُ الرَّحمَنِ الفَزاريُّ قد أغارَ على ظَهرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فاستاقَه أجمَعَ، وقَتَلَ راعيَه، قال: فقُلتُ: يا رَباحُ، خُذْ هذا الفَرَسَ فأبلِغْه طَلحةَ بنَ عُبَيدِ اللهِ، وأخبِرْ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ المُشرِكينَ قد أغاروا على سَرحِه، قال: ثُمَّ قُمتُ على أكَمةٍ، فاستَقبَلتُ المَدينةَ، فنادَيتُ ثَلاثًا: يا صَباحاه! ثُمَّ خَرَجتُ في آثارِ القَومِ أرميهم بالنَّبلِ وأرتَجِزُ، أقولُ: أنا ابنُ الأكوعِ... واليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ، فألحَقُ رَجُلًا منهم فأصُكُّ سَهمًا في رَحلِه، حتَّى خَلَصَ نَصلُ السَّهمِ إلى كَتِفِه، قال: قُلتُ: خُذْها وأنا ابنُ الأكوعِ... واليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ، قال: فواللهِ، ما زِلتُ أرميهم وأعقِرُ بهم، فإذا رَجَعَ إليَّ فارِسٌ أتَيتُ شَجَرةً، فجَلَستُ في أصلِها، ثُمَّ رَمَيتُه فعَقَرتُ به، حتَّى إذا تَضايَقَ الجَبَلُ فدَخَلوا في تَضايُقِه، عَلَوتُ الجَبَلَ فجَعَلتُ أُرَدِّيهم بالحِجارةِ، قال: فما زِلتُ كَذلك أتبَعُهم حتَّى ما خَلَقَ اللهُ مِن بَعيرٍ مِن ظَهرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا خَلَّفتُه وراءَ ظَهري، وخَلَّوا بَيني وبينَه، ثُمَّ اتَّبَعتُهم أرميهم حتَّى ألقَوا أكثَرَ مِن ثَلاثينَ بُردةً، وثَلاثينَ رُمحًا؛ يَستَخِفُّونَ، ولا يَطرَحونَ شيئًا إلَّا جَعَلتُ عليه آرامًا مِنَ الحِجارةِ يَعرِفُها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه، حتَّى أتَوا مُتَضايِقًا مِن ثَنيَّةٍ، فإذا هُم قد أتاهم فُلانُ بنُ بَدرٍ الفَزاريُّ، فجَلَسوا يَتَضَحَّونَ، يَعني يَتَغَدَّونَ، وجَلَستُ على رَأسِ قَرنٍ، قال الفَزاريُّ: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لَقينا مِن هذا البَرحَ! واللهِ ما فارَقَنا مُنذُ غَلَسٍ يَرمينا حتَّى انتَزَعَ كُلَّ شَيءٍ في أيدينا، قال: فليَقُمْ إليه نَفَرٌ مِنكُم أربَعةٌ، قال: فصَعِدَ إليَّ منهم أربَعةٌ في الجَبَلِ، قال: فلَمَّا أمكَنوني مِنَ الكَلامِ، قال: قُلتُ: هل تَعرِفوني؟ قالوا: لا، ومَن أنتَ؟ قال: قُلتُ: أنا سَلَمةُ بنُ الأكوعِ، والذي كَرَّمَ وجهَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لا أطلُبُ رَجُلًا مِنكُم إلَّا أدرَكتُه، ولا يَطلُبُني رَجُلٌ مِنكُم فيُدرِكَني، قال أحَدُهم: أنا أظُنُّ. قال: فرَجَعوا، فما بَرِحتُ مَكاني حتَّى رَأيتُ فوارِسَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَخَلَّلونَ الشَّجَرَ، قال: فإذا أوَّلُهمُ الأخرَمُ الأسَديُّ، على إثرِه أبو قَتادةَ الأنصاريُّ، وعلى إثرِه المِقدادُ بنُ الأسودِ الكِنديُّ، قال: فأخَذتُ بعِنانِ الأخرَمِ، قال: فولَّوا مُدبِرينَ، قُلتُ: يا أخرَمُ، احذَرهُم؛ لا يَقتَطِعوكَ حتَّى يَلحَقَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه، قال: يا سَلَمةُ، إن كُنتَ تُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، وتَعلَمُ أنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، والنَّارَ حَقٌّ، فلا تَحُلْ بَيني وبينَ الشَّهادةِ، قال: فخَلَّيتُه، فالتَقى هو وعَبدُ الرَّحمَنِ، قال: فعَقَرَ بعَبدِ الرَّحمَنِ فرَسَه، وطَعَنَه عبدُ الرَّحمَنِ فقَتَلَه، وتَحَوَّلَ على فرَسِه، ولَحِقَ أبو قَتادةَ فارِسُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَبدِ الرَّحمَنِ، فطَعَنَه فقَتَلَه، فوالذي كَرَّمَ وجهَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَتَبِعتُهم أعدو على رِجلَيَّ حتَّى ما أرى ورائي مِن أصحابِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا غُبارِهم شيئًا، حتَّى يَعدِلوا قَبلَ غُروبِ الشَّمسِ إلى شِعبٍ فيه ماءٌ يُقالُ له: ذو قَرَدٍ؛ ليَشرَبوا منه، وهم عِطاشٌ، قال: فنَظَروا إليَّ أعدو وراءَهم، فخَلَّيتُهم عنه -يَعني أجلَيتُهم عنه- فما ذاقوا منه قَطرةً. قال: ويَخرُجونَ فيَشتَدُّونَ في ثَنيَّةٍ، قال: فأعدو فألحَقُ رَجُلًا منهم، فأصُكُّه بسَهمٍ في نُغضِ كَتِفِه، قال: قُلتُ: خُذها وأنا ابنُ الأكوعِ... واليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ، قال: يا ثَكِلَتْه أُمُّه! أكوَعُه بُكرةَ؟! قال: قُلتُ: نَعَم يا عَدوَّ نَفسِه، أكوعُكَ بُكرةَ، قال: وأردَوا فرَسَينِ على ثَنيَّةٍ، قال: فجِئتُ بهما أسوقُهما إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ولَحِقَني عامِرٌ بسَطيحةٍ فيها مَذقةٌ مِن لَبَنٍ، وسَطيحةٍ فيها ماءٌ، فتَوضَّأتُ وشَرِبتُ، ثُمَّ أتَيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على الماءِ الذي حَلَّأتُهم عنه، فإذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أخَذَ تلك الإبِلَ وكُلَّ شَيءٍ استَنقَذتُه مِنَ المُشرِكينَ، وكُلَّ رُمحٍ وبُردةٍ، وإذا بلالٌ نَحَرَ ناقةً مِنَ الإبِلِ الذي استَنقَذتُ مِنَ القَومِ، وإذا هو يَشوي لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن كَبِدِها وسَنامِها، قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، خَلِّني فأنتَخِبُ مِنَ القَومِ مِائةَ رَجُلٍ فأتَّبِعُ القَومَ، فلا يَبقى منهم مُخبِرٌ إلَّا قَتَلتُه، قال: فضَحِكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى بَدَت نَواجِذُه في ضَوءِ النَّارِ، فقال: يا سَلَمةُ، أتُراكَ كُنتَ فاعِلًا؟ قُلتُ: نَعَم، والذي أكرَمَكَ، فقال: إنَّهمُ الآنَ لَيُقرَونَ في أرضِ غَطَفانَ، قال: فجاءَ رَجُلٌ مِن غَطَفانَ، فقال: نَحَرَ لهم فُلانٌ جَزورًا، فلَمَّا كَشَفوا جِلدَها رَأوا غُبارًا، فقالوا: أتاكُمُ القَومُ، فخَرَجوا هارِبينَ، فلَمَّا أصبَحنا قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كان خَيرَ فُرسانِنا اليومَ أبو قَتادةَ، وخَيرَ رَجَّالَتِنا سَلَمةُ، قال: ثُمَّ أعطاني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَهمَينِ: سَهمَ الفارِسِ، وسَهمَ الرَّاجِلِ، فجَمعهُما لي جَميعًا، ثُمَّ أردَفَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وراءَه على العَضباءِ راجِعينَ إلى المَدينةِ. قال: فبينَما نَحنُ نَسيرُ، قال: وكانَ رَجُلٌ مِنَ الأنصارِ لا يُسبَقُ شَدًّا، قال: فجَعَلَ يقولُ: ألا مُسابِقٌ إلى المَدينةِ؟ هل مِن مُسابِقٍ؟ فجَعَلَ يُعيدُ ذلك، قال: فلَمَّا سَمِعتُ كَلامَه، قُلتُ: أما تُكرِمُ كَريمًا، ولا تَهابُ شَريفًا؟! قال: لا، إلَّا أن يَكونَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، بأبي وأُمِّي، ذَرني فلِأُسابِق الرَّجُلَ، قال: إن شِئتَ، قال: قُلتُ: اذهَبْ إليكَ، وثَنَيتُ رِجلَيَّ، فطَفَرتُ فعَدَوتُ، قال: فرَبَطتُ عليه شَرَفًا أو شَرَفَينِ، أستَبقي نَفَسي، ثُمَّ عَدَوتُ في إثرِه، فرَبَطتُ عليه شَرَفًا أو شَرَفَينِ، ثُمَّ إنِّي رَفَعتُ حتَّى ألحَقَه، قال: فأصُكُّه بينَ كَتِفَيه، قال: قُلتُ: قد سُبِقتَ واللهِ! قال: أنا أظُنُّ، قال: فسَبَقتُه إلى المَدينةِ، قال: فواللهِ، ما لَبِثنا إلَّا ثَلاثَ لَيالٍ حتَّى خَرَجنا إلى خَيبَرَ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فجَعَلَ عَمِّي عامِرٌ يَرتَجِزُ بالقَومِ: تاللهِ لَولا اللهُ ما اهتَدَينا... ولا تَصَدَّقنا ولا صَلَّينا ونَحنُ عن فضلِكَ ما استَغنَينا... فثَبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينا وأنزِلَنْ سَكينةً علينا، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن هذا؟ قال: أنا عامِرٌ، قال: غَفَرَ لكَ رَبُّكَ، قال: وما استَغفَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لإنسانٍ يَخُصُّه إلَّا استُشهِدَ، قال: فنادى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وهو على جَمَلٍ له: يا نَبيَّ اللهِ، لَولا ما مَتَّعتَنا بعامِرٍ! قال: فلَمَّا قدِمنا خَيبَرَ، قال: خَرَجَ مَلِكُهم مَرحَبٌ يَخطِرُ بسَيفِه، ويقولُ: قد عَلِمَت خَيبَرُ أنِّي مَرحَبُ... شاكي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إذا الحُروبُ أقبَلَت تَلَهَّبُ، قال: وبَرَزَ له عَمِّي عامِرٌ، فقال: قد عَلِمَت خَيبَرُ أنِّي عامِرُ... شاكي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغامِرُ، قال: فاختَلَفا ضَربَتَينِ، فوقَعَ سَيفُ مَرحَبٍ في تُرسِ عامِرٍ، وذَهَبَ عامِرٌ يَسفُلُ له، فرَجَعَ سَيفُه على نَفسِه، فقَطَعَ أكحَلَه، فكانَت فيها نَفسُه. قال سَلَمةُ: فخَرَجتُ، فإذا نَفَرٌ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولونَ: بَطَلَ عَمَلُ عامِرٍ؛ قَتَلَ نَفسَه! قال: فأتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا أبكي، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، بَطَلَ عَمَلُ عامِرٍ! قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن قال ذلك؟ قال: قُلتُ: ناسٌ مِن أصحابِكَ، قال: كَذَبَ مَن قال ذلك، بَل له أجرُه مَرَّتَينِ، ثُمَّ أرسَلَني إلى عَليٍّ وهو أرمَدُ، فقال: لأُعطيَنَّ الرَّايةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ ورَسولَه، أو يُحِبُّه اللهُ ورَسولُه، قال: فأتَيتُ عَليًّا، فجِئتُ به أقودُه وهو أرمَدُ، حتَّى أتَيتُ به رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبَسَقَ في عَينَيه فبَرَأ وأعطاه الرَّايةَ، وخَرَجَ مَرحَبٌ، فقال: قد عَلِمَت خَيبَرُ أنِّي مَرحَبُ... شاكي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إذا الحُروبُ أقبَلَت تَلَهَّبُ فقال عَليٌّ: أنا الذي سَمَّتني أُمِّي حَيدَرَه... كَلَيثِ غاباتٍ كَريهِ المَنظَرَه أوفيهمُ بالصَّاعِ كَيلَ السَّندَرَه. قال: فضَرَبَ رَأسَ مَرحَبٍ فقَتَلَه، ثُمَّ كان الفَتحُ على يَدَيه
دخَلْنا على جابرِ بنِ عبدِ اللهِ فسأَل عن القومِ حتَّى انتهى إليَّ فقُلْتُ: أنا محمَّدُ بنُ عليِّ بنِ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ فأهوى بيدِه إلى رأسي فنزَع زِرِّي الأعلى ثمَّ نزَع زِرِّي الأسفلَ ثمَّ وضَع كفَّه بينَ ثدييَّ وأنا غلامٌ يومَئذٍ شابٌّ فقال: مرحبًا يا ابنَ أخي سَلْ عمَّا شِئْتَ فسأَلْتُه وهو أعمى وجاء وقتُ الصَّلاةِ فقام في نِسَاجةٍ ملتحف بها كلَّما وضَعها على مَنكِبيه رجَع طرَفاها إليه مِن صِغَرِها ورداؤُه إلى جنبِه على المِشجَبِ فصلَّى بنا فقُلْتُ: أخبِرْني عن حجَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال بيدِه وعقَد تسعًا وقال: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مكَث تسعَ سنينَ لم يحُجَّ ثمَّ أذَّن في النَّاسِ في العاشرِ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حاجٌّ فقدِم المدينةَ بشَرٌ كثيرٌ كلُّهم يلتمِسُ أنْ يأتَمَّ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويعمَلَ مِثلَ عملِه فخرَجْنا معه حتَّى أتَيْنا ذا الحُليفةِ فولَدَتْ أسماءُ بنتُ عُميسٍ محمَّدَ بنَ أبي بكرٍ فأرسَلَتْ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كيف أصنَعُ ؟ فقال: ( اغتسلي واستَثْفِري بثوبٍ وأحرِمي ) فصلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المسجدِ ثمَّ ركِب القصواءَ حتَّى إذا استَوَت به ناقتُه على البيداءِ نظَرْتُ إلى مَدِّ بصري بينَ يديه مِن راكبٍ وماشي، وعن يمينِه مثلُ ذلك، وعن يسارِه مثلُ ذلك، ومِن خلفِه مثلُ ذلك ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بينَ أظهُرِنا وعليه ينزِلُ القرآنُ وهو يعرِفُ تأويلَه وما عمِل به مِن شيءٍ عمِلْنا به فأهَلَّ بالتَّوحيدِ: ( لبَّيْكَ اللَّهمَّ لبَّيْكَ، لبَّيْكَ لا شريكَ لك لبَّيْكَ إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لك والمُلكَ لا شريكَ لك ) وأهَلَّ النَّاسُ بهذا الَّذي يُهِلُّونَ به فلم يرُدَّ عليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم منه شيئًا ولزِم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تلبيتَه قال جابرٌ: لسنا ننوي إلَّا الحجَّ لسنا نعرِفُ العمرةَ حتَّى أتَيْنا البيتَ معه، استَلَم الرُّكنَ فرمَل ثلاثًا ومشى أربعًا ثمَّ تقدَّم إلى مقامِ إبراهيمَ فقرَأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] فجعَل المقامَ بينَه وبينَ البيتِ فكان أبي يقولُ: - ولا أعلَمُه ذكَره [ إلَّا عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ] - إنَّه كان يقرَأُ في الرَّكعتينِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] و{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] ثمَّ رجَع إلى الرُّكنِ فاستلَمه ثمَّ خرَج مِن البابِ إلى الصَّفا فلمَّا دنا مِن الصَّفا قرَأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] ( أبدَأُ بما بدَأ اللهُ به ) فبدَأ بالصَّفا فرقِي عليه حتَّى رأى البيتَ فاستقبَل القِبلةَ ووحَّد اللهَ وكبَّره وقال: ( لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له له المُلكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه نجَز وعدَه ونصَر عبدَه وهزَم الأحزابَ وحدَه ) ثمَّ دعا بينَ ذلك، قال مِثْلَ هذا ثلاثَ مرَّاتٍ، ثمَّ نزَل إلى المروةِ، حتَّى انصبَّت قدماه إلى بطنِ الوادي، سعى، حتَّى إذا صعِد مشى، حتَّى أتى المروةَ ففعَل على المروةِ كما فعَل على الصَّفا حتَّى إذا كان آخِرُ طوافٍ على المروةِ قال: ( لو أنِّي استقبَلْتُ مِن أمري ما استدبَرْتُ لم أسُقِ الهَديَ وجعَلْتُها عمرةً فمَن كان منكم ليس معه هَديٌ فلْيحِلَّ ولْيجعَلْها عمرةً ) فقام سُراقةُ بنُ جُعشُمٍ فقال: يا رسولَ اللهِ ألعامِنا هذا أم للأبدِ ؟ قال: فشبَّك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصابعَه واحدةً في الأخرى وقال: ( دخَلتِ العمرةُ في الحجِّ ( مرَّتينِ ) لا بل لأبدِ الأبدِ لا بل لأبدِ الأبدِ ) وقدِم عليٌّ مِن اليمنِ ببُدْنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فوجَد فاطمةَ ممَّن قد حلَّ ولبِسَت ثيابَ صِبغٍ واكتحَلَت فأنكَر ذلك عليها فقالت: أبي أمَرني بهذا قال: فكان عليٌّ يقولُ بالعراقِ: فذهَبْتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُحرِّشًا على فاطمةَ للَّذي صنَعَتْ وأخبَرْتُه أنِّي أنكَرْتُ ذلك عليها فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( صدَقَتْ، ما قُلْتَ حينَ فرَضْتَ الحجَّ ؟ ) قال: قُلْتُ: اللَّهمَّ إنِّي أُهِلُّ بما أهَلَّ به رسولُك قال: ( فإنَّ معي الهَديَ فلا تحِلَّ ) قال: فكان جماعةُ الهَديِ الَّذي قدِم به عليٌّ مِن اليَمنِ والَّذي أتى به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مئةً قال: فحلَّ النَّاسُ كلُّهم وقصَّروا إلَّا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومَن كان معه هَديٌ فلمَّا كان يومُ التَّرويةِ توجَّهوا إلى منًى فأهَلُّوا بالحجِّ، ركِب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فصلَّى بها الظُّهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والصُّبحَ ثمَّ مكَث قليلًا حتَّى طلَعتِ الشَّمسُ وأمَر بقبَّةٍ مِن شَعَرٍ فضُرِبت له بنَمِرةَ، فسار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا تشُكُّ قريشٌ إلَّا أنَّه واقفٌ عندَ المشعَرِ الحرامِ كما كانت قريشٌ تصنَعُ في الجاهليَّةِ فأجاز رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى أتى عرفةَ فوجَد القُبَّةَ قد ضُرِبت له بنَمِرةَ فنزَل بها حتَّى إذا زاغتِ الشَّمسُ أمَر بالقصواءِ فرُحِلت له فأتى بطنَ الوادي يخطُبُ النَّاسَ ثمَّ قال: ( إنَّ دماءَكم وأموالَكم حرامٌ عليكم كحُرمةِ يومِكم هذا في شهرِكم هذا في بلدِكم هذا ألَا كلُّ شيءٍ مِن أمرِ الجاهليَّةِ تحتَ قدَميَّ موضوعٌ ودماءُ الجاهليَّةِ موضوعةٌ وإنَّ أوَّلَ دمٍ أضَعُ مِن دمائِنا دمُ ابنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ وكان مسترضَعًا في بني ليثٍ فقتَلَتْه هُذيلٌ، وربا الجاهليَّةِ موضوعٌ وأوَّلُ ربًا أضَعُ ربا العبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ فإنَّه موضوعٌ كلُّه فاتَّقوا اللهَ في النِّساءِ فإنَّكم أخَذْتُموهنَّ بأمانِ اللهِ واستحلَلْتُم فروجَهنَّ بكلمةِ اللهِ ولكم عليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فُرشَكم أحدًا تكرَهونَه فإنْ فعَلْنَ ذلك فاضرِبوهنَّ ضربًا غيرَ مُبرِّحٍ ولهنَّ عليكم رزقُهنَّ وكسوتُهنَّ بالمعروفِ وقد ترَكْتُ فيكم ما لنْ تضِلُّوا بعدَه إنِ اعتصَمْتُم به: كتابَ اللهِ، وأنتم تُسأَلونَ عنِّي فما أنتم قائلونَ ؟ ) قالوا: نشهَدُ أنْ قد بلَّغْتَ وأدَّيْتَ ونصَحْتَ فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأُصبُعِه السَّبَّابةِ يرفَعُها إلى السَّماءِ وينكُتُها إلى النَّاسِ: ( اللَّهمَّ اشهَدْ ) - ثلاثَ مرَّاتٍ - ثمَّ أذَّن ثمَّ أقام فصلَّى الظُّهرَ ثمَّ أقام فصلَّى العصرَ ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا ثمَّ ركِب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى أتى الموقفَ فجعَل باطنَ ناقتِه القصواءِ إلى الصَّخَراتِ وجعَل حبلَ المُشاةِ بينَ يديه فاستقبَل القِبلةَ فلم يزَلْ واقفًا حتَّى غرَبتِ الشَّمسُ وذهَبتِ الصُّفرةُ قليلًا وغاب القرصُ أردَف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أسامةَ خلْفَه ودفَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقد شنَق للقصواءِ الزِّمامَ حتَّى إنَّ رأسَها لَيُصيبُ مَورِكَ رَحلِه ويقولُ بيدِه اليُمنى: ( أيُّها النَّاسُ السَّكينةَ السَّكينةَ ) كلَّما أتى حبلًا مِن الحبالِ أرخى لها قليلًا حتَّى تصعَدَ حتى أتى المزدَلِفةَ فصلَّى بها المغربَ والعشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ ولم يُسبِّحْ بينهما شيئًا ثم اضطجَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى طلَع الفجرُ فصلَّى الفجرَ حتَّى تبيَّن له الصُّبحُ بأذانٍ وإقامةٍ ثمَّ ركِب القصواءَ حتَّى أتى المشعَرَ الحرامَ فاستقبَل القِبلةَ فدعاه وكبَّره وهلَّله ووحَّده فلم يزَلْ واقفًا حتَّى أسفَر جدًّا، دفَع قبْلَ أنْ تطلُعَ الشَّمسُ وأردَف الفضلَ بنَ العبَّاسِ وكان رجُلًا حسَنَ الشَّعرِ أبيضَ وسيمًا فلمَّا دفَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مرَّت ظُعُنٌ يجرينَ فطفِق الفضلُ ينظُرُ إليهنَّ فوضَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدَه على وجهِ الفضلِ فحوَّل الفضلُ وجهَه مِن الشِّقِّ الآخَرِ فحوَّل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدَه إلى الشِّقِّ الآخَرِ على وجهِ الفضلِ فصرَف وجهَه مِن الشِّقِّ الآخَرِ حتَّى أتى محسِّرًا فحرَّك قليلًا ثمَّ سلَك الطَّريقَ الوسطى الَّتي تخرُجُ إلى الجمرةِ الكبرى حتَّى أتى الجمرةَ فرماها بسبعِ حصَياتٍ يُكبِّرُ مع كلِّ حصاةٍ منها، مثلِ حصا الخَذْفِ، رمى مِن بطنِ الوادي ثمَّ انصرَف إلى المنحَرِ فنحَر ثلاثًا وستِّينَ بيدِه ثمَّ أعطى عليًّا رضوانُ اللهِ عليه فنحَر ما غبَر منها وأشرَكه في هَديِه وأمَر مِن كلِّ بدَنةٍ ببَضعةٍ فجُعِلت في قِدرٍ فطُبِخت فأكَلا مِن لحمِها وشرِبا مِن مرَقِها ثمَّ ركِب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأفاض إلى البيتِ فصلَّى بمكَّةَ الظُّهرَ فأتى بني عبدِ المطَّلبِ يستَقُون على زمزمَ فقال: ( انزِعوا يا بني عبدِ المطَّلبِ فلولا أنْ يغلِبَكم النَّاسُ على سقايتِكم لنزَعْتُ معكم ) فناوَلوه دلوًا فشرِب منه
أخبِرْنا عَن حَجَّةِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ بيدِهِ فعقدَ تِسعًا وقالَ إنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ مكثَ تِسعَ سنينَ لم يحُجَّ فأذَّنَ في النَّاسِ في العاشرةِ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ حاجٌّ فقدِمَ المدينةَ بَشَرٌ كثيرٌ كلُّهم يلتمِسُ أن يأتمَّ برسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ ويعملَ بمِثلِ عملِهِ فخرجَ وخرَجنا معَهُ فأتَينا ذا الحُلَيفةِ فَولدَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ محمَّدَ بنَ أبي بكرٍ فأرسلَت إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ كيفَ أصنعُ قالَ اغتسِلي واستَثفِري بثَوبٍ وأحرِمي فصلَّى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ في المسجدِ ثمَّ ركِبَ القَصْواءَ حتَّى إذا استَوت بهِ ناقتُهُ علَى البَيداءِ قالَ جابرٌ نظرتُ إلى مدِّ بَصري مِن بينِ يدَيهِ بينَ راكبٍ وماشٍ وعن يمينِهِ مثلُ ذلِكَ وعن يسارِهِ مثلُ ذلِكَ ومن خلفِهِ مثلُ ذلِكَ ورسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ بينَ أظهُرِنا وعلَيهِ ينزلُ القرآنُ وَهوَ يعرِفُ تأويلَهُ ما عمِلَ بهِ مِن شيءٍ عمِلْنا بهِ فأهلَّ بالتَّوحيدِ لبَّيْكَ اللَّهمَّ لبَّيْكَ لبَّيْكَ لا شريكَ لَكَ لبَّيْكَ إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لَك والمُلكَ لا شريكَ لَك وأهلَّ النَّاسُ بِهذا الَّذي يُهلُّونَ بهِ فلم يردَّ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ علَيهِم شيئًا مِنهُ ولزِمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ تلبيتَهُ قالَ جابرٌ لَسنا نَنوي إلَّا الحجَّ لَسنا نعرِفُ العُمرةَ حتَّى إذا أتَينا البيتَ معَهُ استلمَ الرُّكنَ فرملَ ثلاثًا ومشَى أربعًا ثمَّ قامَ إلى مقامِ إبراهيمَ فقالَ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فجعلَ المقامَ بينَهُ وبينَ البيتِ فكانَ أبي يقولُ - ولا أعلمُهُ إلَّا ذكرَهُ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ - إنَّهُ كانَ يقرأُ في الرَّكعتَينِ قُلْ يَا أيُّهَا الْكَافِرُونَ وقُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ ثمَّ رجعَ إلى البيتِ فاستلمَ الرُّكنَ ثمَّ خرجَ منَ البابِ إلى الصَّفا حتَّى إذا دنا منَ الصَّفا قرأَ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ نبدأُ بما بدأ اللَّهُ بِه فبدأ بالصَّفا فرَقِيَ علَيهِ حتَّى رأى البيتَ فَكبَّرَ اللَّهَ وَهلَّلَهُ وحمِدَهُ وقالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لَه لَه المُلكُ ولَهُ الحمدُ يُحيي ويميتُ وَهوَ علَى كلِّ شيءٍ قديرٌ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لَه أنجَزَ وعدَهُ ونصرَ عبدَهُ وَهزمَ الأحزابَ وحدَه ثمَّ دعا بينَ ذلِكَ وقالَ مثلَ هذا ثلاثَ مرَّاتٍ ثمَّ نزلَ إلى المرْوةِ فمشَى حتَّى إذا انصبَّت قدماهُ رمَلَ في بطنِ الوادي حتَّى إذا صعِدَتا - يعني قدَماهُ - مشَى حتَّى أتَى المرْوةَ ففَعلَ علَى المرْوةِ كما فعلَ علَى الصَّفا فلمَّا كانَ آخرُ طَوافِهِ علَى المرْوةِ قالَ لَو أنِّي استَقبلتُ مِن أمري مَا استدبَرتُ لم أسُقِ الهَديَ وجعلتُها عُمرةً فمَن كانَ مِنكم ليسَ معَهُ هَديٌ فلْيحلُلْ وليجَعلْها عُمرةً فحلَّ النَّاسُ كلُّهم وقصَّروا إلَّا النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ ومَن كانَ معَهُ الهَديُ فقامَ سُراقةُ بنُ مالِكِ بنِ جُعشُمٍ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ ألِعامِنا هذا أم لأبدِ الأبَدِ قالَ فشبَّكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ أصابعَهُ في الأخرَى وقالَ دخلَتِ العُمرةُ في الحجِّ هَكذا مرَّتَينِ لا بَل لأبَدِ الأبدِ قالَ وقدِمَ عليٌّ ببُدنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ فوجدَ فاطمةَ مِمَّن حلَّ ولبسَت ثيابًا صَبيغًا واكتحَلَت فأنكرَ ذلِكَ علَيها عليٌّ فقالَت أمرَني أبي بِهذا فكانَ عليٌّ يقولُ بالعراقِ فذَهبتُ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ مُحرِّشًا علَى فاطمةَ في الَّذي صنعَتْهُ مُستَفتيًا رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ في الَّذي ذكرَت عنهُ وأنكرتُ ذلِكَ علَيها فقالَ صدَقَت صدَقَت ماذا قلتَ حينَ فرضتَ الحجَّ قالَ قلتُ اللَّهمَّ إنِّي أُهِلُّ بما أهلَّ بهِ رسولُكَ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ قالَ فإنَّ معيَ الهَديَ فلا تُحلَّ قالَ فكانَ جماعةُ الهَديِ الَّذي جاءَ بهِ عليٌّ منَ اليمنِ والَّذي أتَى بهِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ منَ المدينةِ مائةً ثمَّ حلَّ النَّاسُ كلُّهم وقصَّروا إلَّا النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ ومَن كانَ معَهُ هَديٌ فلمَّا كانَ يومُ التَّرْويةِ وتَوجَّهوا إلى منًى أهلُّوا بالحجِّ فركِبَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ فصلَّى بمنًى الظُّهرَ والعصرَ والمغربَ والعِشاءَ والصُّبحَ ثمَّ مكثَ قليلًا حتَّى طلَعتِ الشَّمسُ وأمرَ بقُبَّةٍ مِن شَعرٍ فضُرِبَت لَه بنمِرةَ فسارَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ لا تشُكُّ قرَيشٌ إلَّا أنَّهُ واقفٌ عندَ المَشعرِ الحرامِ أوِ المُزدَلفةِ كما كانت قرَيشٌ تصنعُ في الجاهليَّةِ فأجازَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ حتَّى أتَى عرفةَ فوجدَ القُبَّةَ قد ضُرِبَت لَه بنمِرَةَ فنزلَ بِها حتَّى إذا زاغتِ الشَّمسُ أمرَ بالقَصْواءِ فرُحِلَت لَه فركِبَ حتَّى أتَى بطنَ الوادي فخطبَ النَّاسَ فقالَ إنَّ دماءَكم وأموالَكم علَيكُم حرامٌ كحُرمةِ يَومِكم هذا في شَهرِكم هذا في بلدِكم هَذا ألا وإنَّ كلَّ شيءٍ مِن أمرِ الجاهليَّةِ مَوضوعٌ تحتَ قدميَّ هاتَينِ ودماءُ الجاهليَّةِ مَوضوعةٌ وأوَّلُ دمٍ أضعُهُ دمُ ربيعةَ بنِ الحارثِ - كانَ مُستَرضَعًا في بني سعدٍ فقتلَتهُ هُذَيلٌ - وربا الجاهليَّةِ موضوعٌ وأوَّلُ ربًا أضعُهُ رِبانا رِبا العبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ فإنَّهُ مَوضوعٌ كلُّهُ فاتَّقوا اللَّهَ في النِّساءِ فإنَّكم أخذتُموهنَّ بأمانةِ اللَّهِ واستَحللتُم فروجَهنَّ بِكلمةِ اللَّهِ وإنَّ لَكم علَيهنَّ أن لا يوطِئنَ فُرُشَكم أحدًا تكرَهونَهُ فإن فعلنَ ذلِكَ فاضرِبوهنَّ ضربًا غيرَ مُبرِّحٍ ولَهنَّ علَيكُم رزقُهنَّ وَكسْوتُهنَّ بالمعروفِ وقد ترَكتُ فيكُم ما لم تضِلُّوا إنِ اعتَصمتُم بهِ كتابَ اللَّهِ وأنتُم مسئولونَ عنِّي فما أنتُم قائلونَ قالوا نشْهدُ أنَّكَ قد بلَّغتَ وأدَّيتَ ونصَحتَ فقالَ بإصبعِهِ السَّبَّابةِ إلى السَّماءِ وينْكُبُها إلى النَّاسِ اللَّهمَّ اشْهَد اللَّهمَّ اشْهَد ثلاثَ مرَّاتٍ ثمَّ أذَّنَ بلالٌ ثمَّ أقامَ فصلَّى الظُّهرَ ثمَّ أقامَ فصلَّى العصرَ ولم يصلِّ بينَهُما شيئًا ثمَّ رَكبَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ حتَّى أتى الموقفَ فجعلَ بطنَ ناقتِهِ إلى الصَّخراتِ وجعلَ حبلَ المُشاةِ بينَ يديْهِ واستقبلَ القبلةَ فلم يزَلْ واقفًا حتَّى غرَبتِ الشَّمسُ وذَهبتِ الصُّفرةُ قَليلًا حتَّى غابَ القُرصُ وأردفَ أسامةَ بنَ زيدٍ خلفَهُ فدفعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ وقد شَنقَ القصواءَ بالزِّمامِ حتَّى إنَّ رأسَها ليُصيبُ مورِكَ رحلِهِ ويقولُ بيدِهِ اليُمنَى أيُّها النَّاسُ السَّكينةَ السَّكينةَ كلَّما أتى حَبلًا منَ الحبالِ أرخى لَها قليلًا حتَّى تصعَدَ ثمَّ أتى المزدَلفةَ فصلَّى بِها المغربَ والعشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامَتينِ ولم يصلِّ بينَهما شيئًا ثمَّ اضطجعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ حتَّى طلعَ الفجرُ فصلَّى الفجرَ حينَ تبيَّنَ لَه الصُّبحُ بأذانٍ وإقامةٍ ثمَّ رَكبَ القصواءَ حتَّى أتى المشعَرَ الحرامَ فرقيَ علَيهِ فحمدَ اللَّهَ وَكبَّرَهُ وَهلَّلَهُ فلم يزَلْ واقِفًا حتَّى أسفرَ جدًّا ثمَّ دفعَ قبلَ أن تطلُعَ الشَّمسُ وأردفَ الفضلَ بنَ العبَّاسِ وَكانَ رجلًا حسَنَ الشَّعرِ أبيضَ وسيمًا فلمَّا دفعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ مرَّ الظُّعنُ يَجرينَ فطفِقَ ينظرُ إليْهنَّ فوضعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ يدَهُ منَ الشِّقِّ الآخرِ فصَرفَ الفضلُ وجْهَهُ منَ الشِّقِّ الآخرِ ينظُرُ حتَّى أتى مُحسِّرًا حرَّكَ قليلًا ثمَّ سلَكَ الطَّريقَ الوُسطى الَّتي تُخرِجُكَ إلى الجمرةِ الْكُبرى حتَّى أتى الجمرةَ الَّتي عندَ الشَّجرةِ فرمى بسَبعِ حصَياتٍ يُكبِّرُ معَ كلِّ حَصاةٍ منْها مثلِ حصى الخَذْفِ ورمى من بطنِ الوادي ثمَّ انصرفَ إلى المنحَرِ فنحرَ ثلاثًا وستِّينَ بدَنةً بيدِهِ وأعطى عليًّا فنَحرَ ما غبرَ وأشرَكَهُ في هديِهِ ثمَّ أمرَ من كلِّ بَدنةٍ ببِضعةٍ فجَعلَت في قِدرٍ فطبَخَت فأكلا من لَحمِها وشَرِبا من مرقِها ثمَّ أفاضَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ إلى البيتِ فصلَّى بمَكَّةَ الظُّهرَ فأتى بني عبدِ المطَّلبِ وَهم يَسقونَ علَى زمزمَ فقالَ انزِعوا بَني عبدِ المطَّلبِ لَولا أن يَغلبَكمُ النَّاسُ علَى سِقايتِكم لنزعتُ معَكم فناوَلوهُ دلوًا فشربَ منْهُ
كان سُليمانُ نَبيُّ اللهِ عليه السَّلامُ إذا قام في مُصلَّاهُ رَأى شَجرةً نابتةً بيْن يَدَيه، فيَقولُ: ما اسْمُكِ؟ فتَقولُ: كذا، فيَقولُ: لأيِّ شَيءٍ أنتِ؟ فتَقولُ: لِكذا وكذا، فإنْ كانت لِدَواءٍ كُتِب، وإنْ كانتْ لغَرْسٍ غُرِسَت، فبيْنما هو يُصلِّي يومًا إذْ رأى شَجرةً نابتةً بيْن يَدَيه، فقال لها: ما اسْمُكِ؟ قالت: الخَرْنوبُ، قال: لأيِّ شَيءٍ أنتِ؟ قالت: لِخَرابِ هذا البيتِ، قال سُلَيمانُ عليه السَّلامُ: اللَّهمَّ عَمِّ على الجنِّ مَوْتي؛ حتَّى يَعلَمَ الإنسُ أنَّ الجنَّ لا تَعلَمُ الغيْبَ، قال: فنَحَتَها عصًا فتَوكَّأَ عليها، قال: فأكَلَتْها الأرَضةُ، فسَقَط فخَرَّ، فوَجَدوه حَوْلًا، فتَبيَّنَت الإنسُ أنَّ الجنَّ لوْ كانوا يَعلَمون الغيْبَ ما لَبِثوا حَوْلًا في العذابِ المُهينِ -وكان ابنُ عبَّاسٍ يَقْرؤها هكذا- فشَكَرت الجِنُّ الأرَضةَ، فكانت تَأْتيها بالماءِ حيثُ كانت
أنَّ عائشةَ زوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالت لم أعقِلْ أبويَّ قطُّ إلا وهما يَدِينانِ الدِّينَ ، ولم يمُرَّ علينا يومٌ إلا أتينا فيه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ طرَفَي النهارِ بُكرةً وعشِيَّةً ، فلما ابتُلِيَ المسلمونَ ، خرج أبو بكرٍ مُهاجرًا نحو أرضِ الحبشةِ حتى إذا بلغ برْكَ الغَمادِ لقِيَه ابنُ الدَّغِنَةَ وهو سيِّدُ القارَةِ قال : أين تريدُ يا أبا بكرٍ ؟ قال أبو بكرٍ : أَخْرَجَني قومي ، فأريدُ أن أسيحَ في الأرضِ ، وأعبدُ ربي ، قال ابنُ الدَّغِنَةَ : فإنَّ مثلَك – يا أبا بكرٍ – لا يخرجُ ، ولا يخرجُ ، أنت تَكسِبُ المُعدَمَ ، وتَصِلُ الرَّحِمَ ، وتَحمِلُ الكَلَّ ، وتُقرِي الضَّيفَ ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ ، فأنا لك جارٌ . ارجِعْ واعبُدْ ربَّك ببلدِك ، فرجع ، وارتحل معه ابنُ الدَّغِنَةَ ، فطاف ابنُ الدَّغِنةَ عشيَّةً في أشرافِ قريشٍ ، فقال لهم : إنَّ أبا بكرٍ لا يُخرَجُ مثله ، ولا يَخرُجُ ، أَتُخرِجونَ رجُلًا يُكسبُ المُعدَمَ ، ويَصِلُ الرَّحِمَ ، ويَحمِلُ الكَلَّ ، ويُقرِي الضَّيفَ ، ويعينُ على نوائبِ الحقِّ . فلم تَكذِبْ قريشٌ بجوارِ ابنِ الدَّغِنَةَ ، وقالوا لابنِ الدَّغِنَةَ : مُرْ أبا بكرٍ ، فلْيعبُدْ ربَّه في دارِه ، فلْيُصلِّ فيها ، وليقرأْ ما شاء ، ولا يُؤذِينا بذلك ، ولا يَستَعْلِنْ به ، فإنا نخشى أن يَفتِنَ نساءَنا وأبناءَنا . فقال ذلك ابنُ الدَّغِنَةَ لأبي بكرٍ ، فلبثَ أبو بكرٍ بذلك يعبدُ ربَّه في دارِه ، ولا يَستَعْلِنْ بصلاتِه ، ولا يقرأُ في غيرِ دارِه ، ثم بدا لأبي بكرٍ ، فابتَنى مسجدًا بفناءِ دارِه ، وكان يُصلِّي فيه ، ويقرأُ القرآنَ ، فيتقذَّفُ عليه نساءُ المُشركينَ وأبناؤهم يعجَبون منه ، وينظرون إليه ، وكان أبو بكرٍ رجلًا بكَّاءً لا يملِكُ عينَيه إذا قرأ القرآنَ ، وأفزَع ذلك أشرافَ قريشٍ من المشركين ، فأرسَلوا إلى ابنِ الدَّغِنَةَ ، فقدِم عليهم ، فقالوا : إنا أَجَرْنا أبا بكرٍ بجوارِك على أن يعبدَ ربَّه في دارِه ، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناءِ دارِه ، فأعلنَ الصلاةَ والقراءةَ فيه ، وإنا قد خشِينا أن يَفتِنَ نساءَنا وأبناءَنا ، فانْهَه ، فإن أحَبَّ أن يقتصرَ على أن يعبدَ ربَّه في دارِه ، فعل ، وإن أبى إلا أن يُعلِنَ بذلك ، فسَلْه أن يَرُدَّ إليك ذِمَّتَك ، فإنا قد كَرِهنا أن نَخفِرَك ، ولسنا مُقِرِّينَ لأبي بكرٍ الاستعلانَ . قالت عائشةُ : فأتى ابنُ الدَّغِنَةَ إلى أبي بكرٍ ، فقال : قد علمتَ الذي عاقدتُ لك عليه ، فإما أن تقتصرَ على ذلك ، وإما أن تُرجِعَ إليَّ ذِمَّتي ، فإني لا أُحبُّ أن تسمعَ العربُ أني أُخفِرْتُ في رجُلٍ عَقدتُ له ، فقال أبو بكرٍ : فإني أرُدُّ إليك جوارَك ، وأَرْضَى بجوارِ اللهِ ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومئذٍ بمكةَ ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للمسلمينَ : إني أُريتَ دارَ هجرتِكم ذاتَ نَخْلٍ بين لابَتَينِ ، وهي الحَرَّتانِ ، فهاجر من هاجر قبلَ المدينةِ ، ورجع عامَّةُ من كان هاجر بأرضِ الحبشةِ إلى المدينةِ ، وتجهَّز أبو بكرٍ قِبَلَ المدينةِ ، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : على رِسلِك ، فإني أرجو أن يُؤذَنَ لي . فقال أبو بكرٍ : وهل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال : نعم فحَبس أبو بكرٍ نفسَه على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليصحَبَه ، وعلق راحلتَينِ كانتا عند ورَقِ السَّمُرِ – وهو الخَبطُ – أربعةَ أشهرٍ . قال ابنُ شهابٍ : قال عروةُ : قالت عائشةُ : فبينما نحن يومًا جلوسٌ في بيتِ أبي بكرٍ في نَحْرِ الظهيرةِ ، قال قائلٌ لأبي بكرٍ : هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مُتَقَنِّعًا في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها ، فقال أبو بكرٍ : فدى له أبي وأمي ، واللهِ ما جاء به في هذه الساعةِ إلا أمْرٌ ، قالت فجاء رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، واستأذَن ، فأذِن له ، فدخل ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأبي بكرٍ : أَخرِجْ مَن عندَك . فقال أبوبكرٍ : إنما هم أَهلك بأبي أنت يا رسولَ اللهِ ، قال : فإني قد أُذِنَ لي في الخروجِ . قال أبو بكرٍ : الصحابةَ بأبي أنت يا رسولَ اللهِ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : نعم ، قال أبو بكرٍ : فخُذْ بأبي أنت يا رسولَ اللهِ إحدى راحلتيَّ هاتَينِ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : بالثَّمنِ . قالت عائشةُ : فجهَّزْناهما أَحَثَّ الجهازِ ، وصنَعْنا لهما سُفرةً في جِرابٍ ، فقطعتْ أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ قطعةً من نِطاقِها ، فربطَتْ به على فَمِ الجِرابِ ، فبذلك سُمِّيَتْ ذاتُ النِّطاقَينِ ، قالت : ثم لحِقَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبو بكرٍ بغارٍ في جبلِ ثَوْرٍ ، فمكَثا فيه ثلاثَ ليالٍ ، يبيتُ عندهما عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ ، وهو غلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ ، فيَدَّلِجُ من عندهما بسَحَرٍ ، فيصبحُ مع قريشٍ بمكةَ كبائتٍ ، فلا يسمعُ أمرًا يكتادانِ به إلا وعاه حتى يأتيَهما بخبرِ ذلك حين يختلِطُ الظلامُ ، ويرعى عليهما عامرُ بنُ فُهَيرَةَ مولى أبي بكرٍ مِنحةً من غنمٍ ، فيَريحُها عليهما حين يذهبُ ساعةٌ من العشاءِ ، فيبيتان في رِسْلٍ ، وهو لبنٌ منَحَتْهما ورضَيفَهما حتى يَنعِقَ بهما عامرُ بنُ فُهَيرةَ بغَلَسٍ يفعلُ ذلك في كلِّ ليلةٍ من تلك الليالي الثلاثةِ ، واستأجر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبو بكرٍ رجلًا من بني الدِّيلِ وهو من بني عبدٍ بنِ عديٍّ هاديًا خِرِّيتًا – والخِرِّيتُ : الماهرُ بالهدايةِ – قد غمَس حِلفًا في آلِ العاصِ بنِ وائلِ السَّهميِّ ، وهو على دِينِ كفارِ قريشٍ فأمِناه ، فدفعا إليه راحلَتَيهما ، وواعداه غارَ ثورٍ بعد ثلاثِ ليالٍ براحلتَيهما صبحَ ثلاثٍ ، فانطلق معهما عامرُ بنُ فُهَيرةَ والدَّليلُ ، فأخذ بهم طريقَ الساحلِ . قال ابنُ شهابٍ : وأخبَرني عبدُ الرَّحمنِ بنُ مالكٍ المُدَّلَجِيِّ وهو ابنُ أخي سراقةَ بنَ مالكٍ بنِ جُعشُمٍ يقول : جاءنا رسلُ كفارِ قريشٍ يجعلونَ في رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبي بكرٍ دِيَةَ كل ِّواحدٍ منهما لمن قتلَه أو أسره ، فبينما أنا جالسٌ في مجلسٍ من مجالس قومي بني مدلجٍ ، أقبل رجلٌ منهم حتى قام علينا ، ونحن جلوسٌ فقال : يا سراقةُ إني قد رأيتُ آنفًا أسودةً بالساحلِ أراها محمدًا وأصحابَه . قال سراقةُ : فعرفتُ أنهم هم ، فقلتُ له : إنهم ليسوا بهم ، ولكنك رأيتَ فلانًا وفلانًا انطلَقوا بأعيُنِنا ، ثم لبثتُ في المجلسِ ساعةً ، ثم قمتُ ، فدخلتُ فأمرتُ جاريتي أن تخرجَ بفرسي وهي من وراءِ أَكَمَةٍ ، فتحبِسُها عليَّ ، وأخذتُ رُمْحي ، فخرجتُ به من ظهرِ البيتِ ، فخططتُ بزَجِّه الأرضَ وخفضتُ عاليه حتى أتيتُ فرَسي فركبتُها ، فدفعتُها تقرب بي حتى دنَوتُ منهم ، فعثُرَتْ بي فرَسي ، فخررتُ عنها ، فقمتُ فأهويتُ يدي إلى كنانَتي ، فاستخرجتُ منها الأزلامَ ، فاستقسمتُ بها أَضُرُّهم أم لا ، فخرج الذي أكْرَه ، فركبتُ فرسي ، وعصيتُ الأزلامَ تقربُ بي حتى إذا سمعتُ قراءةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وهو لا يلتفتُ ، وأبو بكرٍ يكثرُ الالتفاتَ ، ساخت يدا فرسي في الأرضِ حتى بلغَتا الرُّكبتَينِ ، فخررتُ عنها ، ثم زجَرتُها ، فنهضتُ ، فلم تَكَدْ تُخرجُ يدَيها ، فلما استوتْ قائمةً إذا لأَثَرِ يدَيها غبارٌ ساطعٌ في السماءِ مثلُ الدُّخانِ ، فاستقسمتُ بالأزلامِ ، فخرج الذي أَكْرَهُ ، فناديتُهم بالأمانِ ، فوقفوا فركبتُ فرسي حتى جئتُهم ، ووقع في نفسي حين لقيتُ ما لقيتُ من الحبسِ عنهم أن سيظهرُ أمرُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقلتُ له : إنَّ قومَك قد جعلوا فيك الدِّيَةَ ، وأخبرتُهم أخبارَ ما يريد الناسُ بهم ، وعرضتُ عليهم الزادَ والمتاعَ ، فلم يرْزَآني ، ولم يسأَلاني إلا أن قال : أَخْفِ عنا . فسألتُه أن يكتُبَ لي كتابَ أمنٍ ، فأمر عامرَ بنَ فُهَيرَةَ ، فكتب في رقعةٍ من أَدمٍ ، ثم مضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . قال ابنُ شهابٍ : فأخبرَني عروةُ بنُ الزبيرِ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لقِيَ الزبيرَ في ركبٍ من المسلمين كانوا تُجارًا قافلينَ من الشامِ ، فكسا الزبيرُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبا بكرٍ ثيابَ بياضٍ ، ويسمع المسلمون بالمدينةِ مَخرجَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من مكةَ ، فكانوا يَغدونَ كلَّ غداةٍ إلى الحَرَّةِ ، فينتظرونه حتى يَرُدَّهم حَرُّ الظهيرةِ ، فانطلقوا أيضًا بعد ما أطالوا انتظارَهم ، فلما أووا إلى بيوتِهم ، أوفَى رجلٌ من اليهودِ على أَطَمٍ من آطامِهم لأمرٍ ينظرُ إليه ، فبصر برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابِه مُبيضِينَ ، يزولُ بهم السَّرابُ ، فلم يملِكِ اليهوديُّ ، أن قال بأعلى صوتِه : يا معشرَ العربِ هذا جَدُّكم الذي تنتظرونَ . فثار المسلمون إلى السِّلاحِ ، فتلقَّوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بظَهرِ الحَرَّةِ ، فعدل بهم ذاتَ اليمينِ حتى نزل بهم في بني عَمرو بنِ عوفٍ ، وذلك يومَ الاثنينِ من شهرِ ربيعٍ الأوَّلِ ، فقام أبو بكرٍ للناسِ ، وجلس رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صامتًا ، فطفِق من جاء من الأنصارِ ممن لم يرَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُحَيِّي أبا بكرٍ حتى أصابتِ الشمسُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فأقبل أبو بكرٍ حتى ظلَّلَ عليه برِدائِه ، فعرف الناسُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عند ذلك ، فلبِثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في بني عَمرو بنِ عَوفٍ بضعَ عشرةَ ليلةً ، وأسَّس المسجدَ الذي أُسِّسَ على التقوَى ، وصلَّى فيه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثم ركب راحلتَه ، فسار يمشي معه الناسُ حتى بركَتْ عند مسجدِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالمدينةِ ، وهو يُصلي فيه يومئذٍ رجالٌ من المُسلمين ، وكان مَربَدًا للتَّمرِ لسُهيلٍ وسهلٍ غلامَينِ يتيمينِ في حِجرِ سعدِ بنِ زُرارةَ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حين بركَت به راحلتُه : هذا – إن شاء اللهُ – المنزلُ . ثم دعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الغلامَينِ ، فساومَهما بالمَربَدِ ، لِيَتَّخِذَه مسجدًا ، فقالا : بل نَهَبُه لك يا رسولَ اللهِ ، ثم بناه مسجدًا ، وطفِق رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ينقلُ معهم اللَّبِنَ في بُنيانِه ، ويقول وهو ينقُلُ اللَّبِنَ : هذا الحِمالُ لا حِمالُ خيبرَ*هذا أَبَرُّ ربَّنا وأطهرُ . ويقول : اللهمَّ إنَّ الأجرَ أجرُ الآخرةِ*فارحَمِ الأنصارَ والمُهاجِرَةِ . فتمثَّل ببيتِ رجلٍ من المسلمين لم يُسمَّ لي . قال ابنُ شهابٍ : ولم يَبلُغْنا في الأحاديثِ أنَّ رسولَ الله ِصلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تمثَّلَ ببيتِ شِعرٍ تامٍّ غيرِ هذه الأبياتِ
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وحُذَيفَةَ، وابنِ عبَّاسٍ أنَّهم كانوا جُلوسًا ذاتَ يَومٍ، فجاءَ رَجُلٌ فقال: إنِّي سَمِعتُ العَجَبَ، فقال له حُذَيفَةُ: وما ذاك؟ قال: سَمِعتُ رِجالًا يَتَحدَّثون في الشَّمسِ والقَمَرِ، فقال: وما كانوا يَتَحدَّثون؟ فقال: زَعَموا أنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ يُجاءُ بهما يَومَ القيامةِ كأنَّهما ثَورانِ عُفَيرانِ، فيُقذَفانِ في جَهنَّمَ، فقال عليٌّ، وابنُ عبَّاسٍ، وحُذَيفَةُ: كَذَبوا، اللهُ أجَلُّ وأكرَمُ من أنْ يُعذِّبَ على طاعَتِه، ألَمْ تَرَ إلى قَولِه تَعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} [إبراهيم: 33]، يعني: دائِبَينِ في طاعَةِ اللهِ، فكيف يُعذِّبُ اللهُ عَبدَينِ يُثني عليهما أنَّهما دائبانِ في طاعَتِه؟! فقالوا لحُذَيفَةَ: حَدِّثْنا رَحِمَك اللهُ، فقال حُذَيفَةُ: بينَما نحن عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ سُئِلَ عن ذلك، فقال: إنَّ اللهَ لمَّا أبرَمَ خَلقَه أحكامًا، فلم يَبْقَ من غَيرِه غَيرُ آدَمَ، خَلَقَ شَمسينِ من نورِ عَرشِه، فأمَّا ما كان في سابِقِ عِلمِه أنَّه يَدَعُها شَمسًا، فإنَّه خَلَقَها مِثلَ الدُّنيا على قَدْرِها، وأمَّا ما كان في سابِقِ عِلمِه أنْ يَطمِسَها ويُحوِّلَها قَمَرًا، فإنَّه خَلَقَها دونَ الشَّمسِ في الضَّوءِ، ولكن إنَّما يَرى النَّاسُ صِغَرَهما؛ لشِدَّةِ ارتِفاعِ السَّماءِ وبُعدِها عنِ الأرضِ، ولو تَرَكَهما اللهُ كما خَلَقَهما في بَدءِ الأمْرِ لم يُعرَفِ اللَّيلُ من النَّهارِ، ولا النَّهارُ من اللَّيلِ، ولكان الأجيرُ ليس له وَقتٌ يَستريحُ فيه، ولا وَقتٌ يأخُذُ فيه أجْرَه، ولكان الصَّائمُ لا يَدري إلى متى يَصومُ ومتى يُفطِرُ، ولكانتِ المرأةُ لا تَدري كيف تَعتَدُّ، ولكان الدُّيَّانُ لا يَدرون متى تَحِلُّ دُيونُهم، ولكان النَّاس لا يَدرون أحوالَ مَعايِشِهم، ولا يَدرون متى يَسْكُنون لراحَةِ أجْسامِهِم، ولكانتِ الأَمَةُ المُضطَهَدةُ، والمَملوكُ المَقهورُ، والبَهيمةُ المُسخَّرةُ ليس لهم وَقتُ راحَةٍ، فكان اللهُ أنظَرَ لعبادِه وأرحَمَ بهم، فأرسَلَ جِبريلَ فأمَرَ بجَناحِه على وَجهِ القَمَرِ ثَلاثَ مرَّاتٍ، وهو يَومَئذٍ شَمسٌ، فمَحا عنه الضَّوءَ وبَقِيَ فيه النورُ؛ فذلك قَولُه تَعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12]، فالسَّوادُ الذي تَرَونَه في القَمَرِ شِبْهَ الخُيوطِ إنَّما هو أثَرُ ذلك المَحوِ. قال: وخلَقَ اللهُ الشَّمسَ على عَجَلةٍ من ضَوءِ نورِ العَرشِ، لها ثلاثُ مِئَةٍ وسِتَّونَ عُروَةً، وخلَقَ اللهُ القَمَرَ مِثلَ ذلك، ووكَّلَ بالشَّمسِ وعَجَلتَها ثَلاثَ مِئَةٍ وسِتِّينَ مَلَكًا من ملائكةِ أهلِ السَّماءِ الدُّنيا، قد تعلَّقَ كلُّ مَلَكٍ منهم بعُروَةٍ مِن تلك العُرَى، والقَمَرُ مِثلُ ذلك، وخلَقَ لهما مَشارِقَ ومَغارِبَ في قُطرَيِ الأرضِ وكَنَفَيِ السَّماءِ؛ ثَمانينَ ومِئَةَ عَينٍ في المَشرِقِ، وثَمانينَ ومِئَةَ عَينٍ في المَغرِبِ، فكلُّ يَومٍ لهما مَطلَعٌ جَديدٌ، ومَغرِبٌ جَديدٌ، ما بين أوَّلِها مَطلَعًا وأوَّلِها مَغرِبًا، فأطوَلُ ما يكونُ النَّهارُ في الصَّيفِ إلى آخِرِها مَطلعًا وآخِرِها مَغرِبًا، وأقصَرُ ما يكونُ النَّهارُ في الشِّتاءِ؛ وذلك قولُ اللهِ تَعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن: 17]، يعني: آخِرَ هَاهنا وهَاهنا، لم يَذكُرْ ما بين ذلك من عِدَّةِ العُيونِ، ثم جمَعَهما بعدُ فقالَ: {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} [المعارج: 40]، فذكَرَ عِدَّةَ تلك العُيونِ كُلِّها. قال: وخلَقَ اللهُ بَحرًا بينَه وبين السَّماءِ مِقدارُ ثَلاثِ فَراسِخَ، وهو قائِمٌ بأمْرِ اللهِ في الهَواءِ، لا يَقطُرُ منه قَطرَةٌ، والبِحارُ كُلُّها ساكنةٌ، وذَنَبُ البَحرِ جارٍ في سُرعَةِ السَّهمِ، ثم انطِباقُه ما بينَ المَشرِقِ والمَغرِبِ، فتَجري الشَّمسُ والقَمَرُ والنُّجومُ الخُنَّسُ في حَنَكِ البَحْرِ، فوالذي نفسُ مُحمَّدٍ بيَدِه، لو أنَّ الشَّمسَ دَنَتْ من ذلك البَحرِ، لأحرَقَتْ كُلَّ شَيءٍ على وَجهِ الأرضِ حتى الصُّخورَ والحِجارةَ، ولو بَدا القَمَرُ من ذلك البَحرِ حتى تُعايِنَه النَّاسُ كهَيئَتِه لافتُتِنَ به أهلُ الأرضِ إلَّا مَن شاءَ اللهُ أنْ يَعصِمَه من أوْليائِه. فقال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، إنَّك ما ذَكَرتَ مَجرى الخُنَّسِ في القُرآنِ إلَّا ما كان من ذِكرِكَ اليَومَ، فما الخُنَّسُ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: يا حُذَيفَةُ، هي خَمسَةُ كَواكِبَ: البَرجيسُ، وعُطارِدُ، وبَهرامُ، والزُّهَرةُ، وزُحَلُ، فهذه الكَواكِبُ الخَمسَةُ الطَّالِعاتُ الغارِباتُ الجارياتُ مِثلُ الشَّمسِ والقَمَرِ، وأمَّا سائِرُ الكَواكِبِ فإنَّها مُعلَّقةٌ بين السَّماءِ تَعليقَ القَناديلِ من المَساجِدِ ونُجومِ السَّماءِ، لَهنَّ دَوَرانٌ بالتَّسبيحِ والتَّقديسِ، فإنْ أحبَبتُم أنْ تَستَبينوا ذلك، فانظُروا إلى دَوَرانِ الفُلكِ مرَّةً هنا ومرَّةً هَاهنا؛ فإنَّ الكَواكِبَ تَدورُ معه، وكُلُّها تَزولُ سوى هذه الخَمسَةِ. ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما أعجَبَ خَلْقَ الرحمنِ! وما بَقِيَ من قُدرتِه فيما لم نَرَ أعجَبُ من ذلك وأعجَبُ، وذلك قَولُ جِبريلَ لسارَةَ: {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود: 73]؛ وذلك أنَّ للهِ مَدينَتَينِ: إحْداهما بالمَشرِقِ، والأخرى بالمَغرِبِ، على كُلِّ مَدينةٍ منها عَشَرةُ آلافِ بابٍ، بينَ كُلِّ بابينِ فَرسَخٌ، ينوبُ كُلَّ يَومٍ على كُلِّ بابٍ من أبوابِ تلك المَدينَتَينِ عَشَرةُ آلافٍ في الحِراسَةِ عليهم السِّلاحُ ومعهم الكُراعُ، ثم لا تَنوبُهم تلك الحِراسَةُ إلى يَومِ يُنفَخُ في الصُّورِ، اسمُ إحْداهما: جابرسا، والأُخرى: جابلقا، ومن وَرائِهِما ثَلاثُ أُمَمٍ: تنسك، وتارس، وتأويل، ومِن ورائِهِم: يَأجوجُ ومَأجوجُ. وإنَّ جِبريلَ عليه السَّلامُ انطَلَقَ بي لَيلَةَ أُسرِيَ بي من المَسجِدِ الحَرامِ إلى المَسجِدِ الأقْصى، فدَعَوتُ يَأجوجَ ومَأجوجَ إلى دِينِ اللهِ عزَّ وجلَّ وعِبادَتِه، فأنْكَروا ما جِئتُهُم به، فهُمْ في النَّارِ، ثم انطَلَقَ بي إلى أهلِ المَدينَتَينِ، فدَعَوتُهم إلى دِينِ اللهِ تَعالى وعِبادَتِه، فأجابوا وأنابوا، فهُمْ إخْوانُنا في الدِّينِ؛ مَن أحسَنَ منهم فهو مع المُحسِنين منكم، ومَن أساءَ منهم فهو مع المُسيئينَ منكم، فأهلُ المَدينَةِ التي بالمَشرِقِ من بَقايا عادٍ من نَسلِ ثَمودَ، من نَسلِ مُؤمِنيهم الذين كانوا آمَنوا بصالِحٍ. ثم انطَلَقَ بي إلى الأُمَمِ الثَّلاثِ، فدَعَوتُهم إلى دِينِ اللهِ، فأنكَروا ما دَعَوتُهم إليه، فهُمْ في النَّار مع يَأجوجَ ومَأجوجَ، فإذا طَلَعتِ الشَّمسُ، فإنَّها تَطلُعُ من بَعضِ تلك العُيونِ على عَجَلتِها، ومعها ثَلاثُ مِئَةٍ وسِتَّون مَلَكًا يَجُرُّونَها في ذلك البَحرِ الغَمْرِ راكِبُهُ، فإذا أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَرى العِبادُ آيَةً من الآياتِ يَستَعتِبُهم رُجوعًا عن مَعصِيَتِه وإقبالًا إلى طَاعَتِه، خَرَّتِ الشَّمسُ عن عَجَلتِها، فتَقَعُ في غَمرِ ذلك البَحرِ، فإنْ أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يُعظِّمَ الآيةَ ويَشتَدَّ تَخويفُ العِبادِ، خَرَّتِ الشَّمسُ كُلُّها عن العَجَلةِ، حتى لا يَبقى على العَجَلةِ منها شَيءٌ، فذلك حين يُظلِمُ النَّهارُ وتَبدو النُّجومُ، وإذا أرادَ اللهُ أنْ يُعجِّلَ آيةً دونَ آيَةٍ، خَرَّ منها النِّصفُ، أو الثُّلُثُ، أو أقَلُّ من ذلك، أو أكثَرُ في الماءِ، ويَبقى سائِرُ ذلك على العَجَلةِ، فإذا كان ذلك صارتِ الملائكةُ المُوكَّلون بالعَجَلةِ فِرقَتَينِ: فِرقَةٌ يُقلِّبون الشَّمسَ ويَجُرُّونَها نحوَ العَجَلةِ، وفِرقَةٌ يُقلِّبون الشَّمسَ على العَجَلةِ يَجُرُّونَها نحوَ البَحرِ، وهُمْ في ذلك يَقودونَها على مِقدارِ ساعاتِ النَّهارِ، لَيلًا كان ذلك أو نَهارًا حتى يَبدُوَ في طُلوعِها شَيءٌ، فإذا حَمَلوا الشَّمسَ فوَضَعوها على العَجَلةِ، حَمِدوا اللهَ على ما قوَّاهم من ذلك، وقد جعَلَ لهم تلك القُوَّةَ وأفهَمَهم عِلمَ ذلك، فهُم لا يَقصُرون عن ذلك شَيئًا، ثم يَجُرُّونَها بإذْنِ اللهِ تَعالى حتى يَبلُغوا بها إلى المَغرِبِ، ثم يُدخِلونَها بابَ العَينِ التي تَغرُبُ فيها، فتَسقُطُ من أُفُقِ السَّماءِ خَلفَ البَحرِ، ثم تَرتَفِعُ في سُرعَةِ طَيَرانِ الملائكةِ إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ العُليا، فتَسجُدُ تحت العَرشِ مِقدارَ اللَّيلِ، ثم تُؤمَرُ بالطُّلوعِ من المَشرِقِ، فتَطلُعُ من العَينِ التي وقَّتَ اللهُ لها، فلا تَزالُ الشَّمسُ والقَمَرُ كذلك من طُلوعِهما إلى غُروبِهما، وقد وكَّلَ اللهُ تَعالى باللَّيلِ مَلَكًا من الملائكَةِ، وخلَقَ اللهُ حُجُبًا من ظُلمَةٍ من المَشرِقِ عَدَدَ اللَّيالي في الدُّنيا على البَحرِ السَّابِعِ، فإذا غَرَبتِ الشَّمسُ أقبَلَ ذلك المَلَكُ، فقَبَضَ قَبضَةً من ظُلمَةِ ذلك الحِجابِ، ثم استقبَلَ المَغرِبَ، فلا يَزالُ يُراعي الشَّفَقَ، ويُرسِلُ تلك الظُّلمَةَ من خِلالِ أصابِعِه قَليلًا قَليلًا، حتى إذا غابَ الشَّفَقُ أرسَلَ الظُّلمَةَ كُلَّها، ثم نَشَرَ جَناحَيهِ فيَبلُغانِ قُطرَيِ الأرضِ وكَنَفيِ السَّماءِ، ثم يَسوقُ ظُلمَةَ اللَّيلِ بجَناحَيهِ إلى المَغرِبِ قَليلًا قَليلًا، حتى إذا بلَغَ المَغرِبَ انفَجَرَ الصُّبحُ من المَشرِقِ، ثم ضَمَّ الظُّلمَةَ بعضَها إلى بعضٍ، ثم قبَضَ عليها بكَفٍّ واحدةٍ نحوَ قَبضَتِه إذا تَناوَلَها من الحِجابِ بالمَشرِقِ، ثم يَضَعُها عندَ المَغرِبِ على البَحرِ السَّابِعِ، فإذا نَقَلَ تلك الظُّلمَةَ من المَشرِقِ إلى المَغرِبِ نفَخَ في الصُّورِ وانصَرَفتِ الدُّنيا. فلا تَزالُ الشَّمسُ والقَمَرُ كذلك حتى يَأتيَ الوَقتُ الذي ضُرِبَ لتَوبَةِ العِبادِ، فتَنتَشِرُ المعاصي في الأرضِ وتَكثُرُ الفَواحِشُ، ويَظهُرُ المَعروفُ فلا يَأمُرُ به أحَدٌ، ويَظهَرُ المُنكَرُ فلا يَنهى عنه أحَدٌ، وتَكثُرُ أولادُ الخَبَثةِ، ويَلي أُمُورَهم السُّفَهاءُ، ويَكثُرُ أتباعُهم من السُّفَهاءِ، وتَظهُرُ فيهم الأباطيلُ، ويَتَعاونون على رِيَبِهم ويَتَزيَّنون بألسِنَتِهم، ويَعيبون العُلَماءَ من أُولي الألبابِ، ويَتَّخِذونَهم سُخْريًّا حتى يَصيرَ الباطِلُ منهم بمَنزِلَةِ الحَقِّ، ويَصيرَ الحَقُّ بمَنزِلَةِ الباطِلِ، ويَكثُرَ فيهم ضَربُ المَعازِفِ واتِّخاذُ القَيناتِ، ويَصيرَ دِينُهم بألسِنَتِهم، ويُصْغوا قُلوبَهم إلى الدُّنيا يُحادُّون اللهَ ورسولَه، ويَصيرَ المُؤمِنُ بينَهم بالتَّقيَّةِ والكِتمانِ، ويَستَحِلُّون الرِّبا بالبَيعِ، والخَمرَ بالنَّبيذِ، والسُّحتَ بالهَديَّةِ، والقِيلَ بالمَوعِظَةِ، فإذا فَعَلوا ذلك، قَلَّتِ الصَّدَقةُ، حتى يَطوفَ السَّائِلُ ما بين الجُمُعةِ إلى الجُمُعةِ، فلا يُعطى دينارًا ولا دِرهَمًا، ويَبخَلُ النَّاسُ بما عندَهم حتى يَظُنَّ الغَنيُّ أنَّه لا يَكفيهِ ما عندَه، ويَقطَعَ كُلُّ ذي رَحِمٍ رَحِمَه، فإذا فَعَلوا ذلك واجتَمَعتْ هذه الخِصالُ فيهم، حُبِسَتِ الشَّمسُ تحت العَرشِ مِقدارَ لَيلَةٍ، كما سجَدَتْ واستَأذَنَتْ مِن أين تُؤمَرُ أنْ تَطلُعَ، فلا تُجابُ حتى يُوافيَها القَمَرُ. فتكونُ الشَّمسُ مِقدارَ ثَلاثِ لَيالٍ، والقَمَرُ مِقدارَ لَيلتينِ، ولا يَعلَمُ طُولَ تلك اللَّيلةِ إلَّا المُتهجِّدون، وهم حَنيفيَّةٌ عِصابَةٌ قَليلَةٌ في ذِلَّةٍ من النَّاسِ، وهَوانٍ من أنْفُسِهم، وضِيقٍ من مَعايِشِهم، فيقومُ أحَدُهم بقيَّةَ تلك اللَّيلَةِ يُصلِّي مِقدارَ وِردِه كُلَّ لَيلَةٍ، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَستَنكِرُ ذلك، ثم يقولُ: لَعَلِّي قد خَفَّفتُ قِراءَتي، إذ قُمتُ قَبلَ حِيني، فيَنظُرُ إلى السَّماءِ، فإذا هو باللَّيلِ كما هو، والنُّجومُ قدِ استَدارتْ مع السَّماءِ، فصارت مَكانَها من أوَّلِ اللَّيلِ، ثم يدخُلُ فيأخُذُ مَضجَعَه، فلا يأخُذُه النَّومُ، فيقومُ فيُصلِّي الثَّانيةَ مِقدارَ وِردِه كُلَّ لَيلَةٍ، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَزيدُه ذلك إنْكارًا، ثم يَخرُجُ فيَنظُرُ إلى النُّجومِ، فإذا هي قد صارتْ كهَيئَتِها من اللَّيلِ، ثم يدخُلُ فيأخُذُ مَضجَعَه الثَّالثةَ، فلا يأخُذُه النَّومُ، ثم يقومُ أيضًا فيُصلِّي مِقدارَ وِردِه، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَخرُجُ ويَنظُرُ إلى السَّماءِ، فيَخنُقُهم البُكاءُ، فيُنادي بعضُهم بعضًا، فيَجتَمِعُ المُتهجِّدونُ في كُلِّ مَسجِدٍ بحَضرَتِهم، وهُم قَبلَ ذلك كانوا يَتَواصَلون ويَتَعارَفون، فلا يَزالون في غَفلَتِهم، فإذا تَمَّ للشَّمسِ مِقدارُ ثَلاثِ لَيالٍ وللقَمَرِ مِقدارُ لَيلَتَينِ، أرسَلَ اللهُ تَعالى إليهما جِبريلَ، فقال لهما: إنَّ الرَّبَّ يَأمُرُكما أنْ تَرجِعا إلى المَغرِبِ؛ لِتَطلُعا منه، فإنَّه لا ضَوءَ لكما عندَنا اليَومَ ولا نورَ، فيَبكيانِ عندَ ذلك وَجَلًا مِن اللهِ تَعالى، وتَبكي الملائكةُ لبُكائِهِما مع ما يُخالِطُهما من الخَوفِ، فيَرجِعانِ إلى المَغرِبِ فيَطلُعانِ من المَغرِبِ. فبينَما النَّاسُ كذلك، إذ نادَى مُنادٍ: ألَا إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ قد طَلَعا من المَغرِبِ، فيَنظُرُ النَّاس إليهِما، فإذا هُما أسوَدانِ كهَيئَتِهِما في حالِ كُسوفِهِما قَبلَ ذلك، لا ضَوءَ للشَّمسِ ولا نورَ للقَمَرِ، فذَلك قَولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1]، وقَولُه تَعالى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة: 8]، وقَولُه تَعالى: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة: 9]، قال: فيَرتَفِعانِ يُنازِعُ كُلُّ واحِدٍ منهما صاحِبَه حتى يَبلُغا سَهوَةَ السَّماءِ وهو مَنصِفُهما، فيَجيئُهما جِبريلُ عليه السَّلامُ، فيأخُذُ بقَرنَيْهِما فيَرُدُّهما إلى المَغرِبِ آفِلًا، ويُغرِبُهما في تلك العُيونِ، ولكن يُغرِبُهما في بابِ التَّوبَةِ فقال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: بأبي وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، وما بابُ التَّوبَةِ؟ قال: يا عُمَرُ، خلَقَ اللهُ تَعالى خَلفَ المَغرِبِ مِصراعَينِ من ذَهَبٍ، مُكلَّلينِ بالجَوهَرِ للتَّوبَةِ، فلا يَتوبُ أحَدٌ من وَلَدِ آدَمَ تَوبَةً نَصوحًا إلَّا وَلِجتْ تَوبَتُه في ذلك البابِ، ثم تُرفَعُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. فقال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، وما التَّوبَةُ النَّصوحُ؟ قال: النَّدَمُ على ما فاتَ منه، فلا يَعودُ إليه كما لا يَعودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، قال حُذَيفَةُ: يا رسولَ اللهِ، كيف بالشَّمسِ والقَمَرِ بعدَ ذلك؟ وكيف بالنَّاس بعدَ ذلك؟ قال: يا حُذَيفَةُ، أمَّا الشَّمسُ والقَمَرُ فإنَّهما يَعودانِ، فإذا أغرَبَهما اللهُ في ذلك البابِ ردَّ المِصراعَينِ، فالْتَأَمَ ما بينَهما كأنْ لم يكن فيما بينَهما صَدْعٌ قَطُّ، فلا يَنفَعُ نَفْسًا بعدَ ذلك إيمانُها لم تكن آمَنَتْ مِن قَبلُ أو كَسَبتْ في إيمانِها خَيرًا، ولا تُقبَلُ مِن عَبدٍ حَسَنةٌ إلَّا مَن كان قَبلُ مُحسِنًا، فإنَّه يَجزي له وعليه، فتَطلُعُ الشَّمسُ عليهم وتَغرُبُ كما كانت قبلُ. فأمَّا النَّاسُ فإنَّهم بعدَما يَرَونَ من فَظيعِ تلك الآيَةِ وعِظَمِها، يُلِحُّون على الدُّنيا حتى يَغرِسوا فيها الأشجارَ ويُشقِّقوا فيها الأنهارَ، ويَبنوا فَوقَ ظُهورِها البُنيانَ. وأمَّا الدُّنيا فلو أنتَجَ رَجُلٌ مُهرًا لم يَركَبْه من لَدُن طُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها إلى أنْ تَقومَ السَّاعَةُ، والذي نَفْسُ مُحمَّدٍ بيَدِه، إنَّ الأيَّامَ واللَّياليَ أسرَعُ من مَرِّ السَّحابِ، لا يَدري الرَّجُلُ متى يُمسي ومتى يُصبِحُ، ثم تَقومُ السَّاعَةُ، فوالذي نَفْسي بيَدِه لَتَأتينَّهم، وإنَّ الرَّجُلَ قدِ انصَرَفَ بلَبَنِ لِقحَتِه من تَحتِها، فما يَذوقُه ولا يَطعَمُه، وإنَّ الرَّجُلَ في فيه اللُّقمَةُ فما يُسيغُها، فذلك قَولُ اللهِ تَعالى: {وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [العنكبوت: 53]. قال: وأمَّا الشَّمسُ والقَمَرُ فإنَّهما يَعودانِ إلى ما خلَقَهما اللهُ منه، فذَلك قَولُه تَعالى: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} [البروج: 13]، فيُعيدُهما إلى ما خلَقَهما منه. قال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي، فكيف قيامُ السَّاعةِ؟ وكيف النَّاسُ في تلك الحالِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا حُذَيفَةُ، بينَما النَّاسُ في أسواقِهم أسَرُّ ما كانوا بدُنياهم، وأحرَصُ ما كانوا عليها، فبيْن كيَّالٍ يَكيلُ، ووزَّانٍ يَزِنُ، وبين مُشتَرٍ وبائِعٍ، إذ أتَتْهم الصَّيحَةُ، فخَرَّتِ الملائكةُ صَرْعى مَوْتى على خُدودِهم، وخَرَّ الآدَميُّون صَرْعى مَوْتى على خُدودِهم، فذلك قَولُه تَعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 49]. قال: فلا يَستطيعُ أحدُهم أنْ يَرى صاحِبَه، ولا يَرجِعَ إلى أهلِه، وتَخِرُّ الوُحوشُ على جُنوبِها مَوْتى، وتَخِرُّ الطَّيرُ مِن أوْكارِها ومن جَوِّ السَّماءِ مَوْتى، وتَموتُ السِّباعُ في الغِياضِ والآجامِ والفَيافي، وتَموتُ الحيتانُ في لُجَجِ البِحارِ، والهَوامُّ في بُطونِ الأرضِ، فلا يَبقى من خَلقِ ربِّنا عزَّ وجلَّ إلَّا أربعَةٌ: جِبريلُ، وميكائيلُ، وإسرافيلُ، ومَلَكُ المَوتِ، فيقولُ اللهُ لجِبريلَ: مُتْ، فيموتُ، ثم يقولُ لإسرافيلَ: مُتْ، فيموتُ، ثم يقولُ لميكائيلَ: مُتْ، فيَموتُ، ثم يقولُ لمَلَكِ المَوتِ: يا مَلَكَ المَوتِ، ما مِن نَفْسٍ إلَّا وهي ذائِقَةُ المَوتِ، فمُتْ، فيَصيحُ مَلَكُ المَوتِ صَيحَةً، فيَخِرُّ، ثم يُنادي السَّمواتِ، فتَنطَوي على ما فيها كطَيِّ السِّجِلِّ للكِتابِ، والسَّمواتُ السَّبعُ والأرَضون السَّبعُ مع ما فيهِنَّ لا تَستَبينُ في قَبضَةِ ربِّنا تَبارك وتَعالى، كما لو أنَّ حَبَّةً مِن خَردَلٍ أُرسِلَتْ في رِمالِ الأرضِ وبُحورِها لم تَستَبِنْ، فكذلك السَّمواتُ السَّبعُ والأرَضون السَّبعُ مع ما فيهِنَّ لا تَستَبينُ في قَبضَةِ ربِّنا عزَّ وجلَّ. ثم يقولُ اللهُ تَبارك وتَعالى: أين المُلوكُ؟ أين الجَبابِرَةُ؟ لمَنِ المُلْكُ اليَومَ؟ ثم يَرُدُّ على نَفْسِه: للهِ الواحِدِ القهَّارِ، ثم يقولُها الثَّانيةَ والثَّالثةَ، ثم يَأذَنُ اللهُ للسَّمواتِ فيَتَمسَّكنَ كما كُنَّ، ويَأذَنُ للأرَضين فيَنسَطِحنَ كما كُنَّ، ثم يَأذَنُ اللهُ لصاحِبِ الصُّورِ، فيَقومُ فيَنفُخُ نَفخَةً، فتَقشَعِرُّ الأرضُ منها، وتَلفِظُ ما فيها، ويَسعى كلُّ عُضوٍ إلى عُضوِه، ثم يُمطِرُ اللهُ عليهم من نَهرٍ يُقالُ له: الحَيَوانُ، وهو تحت العَرشِ، فيُمطِرُ عليهم شَبيهًا بمَنيِّ الرِّجالِ أربَعينَ يَومًا ولَيلَةً، حتى تَنبُتَ اللُّحومُ على أجسامِها، كما تَنبُتُ الطَّراثيثُ على وَجهِ الأرضِ، ثم يُؤذَنُ له في النَّفخَةِ الثَّانيةِ، فيَنفُخُ في الصُّورِ، فتَخرُجُ الأرواحُ، فتَدخُلُ كُلُّ رُوحٍ في الجَسَدِ الذي خرَجَتْ منه. قال حُذَيفَةُ: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، هل تَعرِفُ الرُّوحُ الجَسَدَ؟ قال: نَعَمْ يا حُذَيفَةُ؛ إنَّ الرُّوحَ لَأعرَفُ بالجَسَدِ الذي خرَجَتْ منه مِن أحَدِكم بمَنزِلِه، فيقومُ النَّاسُ في ظُلمَةٍ، لا يُبصِرُ أحدُهم صاحِبَه، فيَمكُثون مِقدارَ ثَلاثينَ سَنَةً، ثم تَنْجلي عنهمُ الظُّلمَةُ، وتَنفَجِرُ البِحارُ، وتُضرَمُ نارًا، ويُحشَرُ كُلُّ شَيءٍ فَوجًا لَفيفًا، ليس يَختَلِطُ المُؤمِنُ بالكافِرِ، ولا الكافِرُ بالمُؤمِنِ، ويقومُ صاحِبُ الصُّورِ على صَخرَةِ بَيتِ المَقدِسِ، فيُحشَرُ النَّاسُ حُفاةً عُراةً، مُشاةً غُرلًا، ما على أحَدٍ منهم طِحلِبَةٌ، وقد دَنَتِ الشَّمسُ فَوقَ رُؤوسِهم، فبينَهم وبينَهما سَنَتانِ، وقد أُمِدَّتْ بِحَرِّ عَشْرِ سِنينَ، فيُسمَعُ لأجوافِ المُشرِكينَ: غِقْ غِقْ، فيَنتَهون إلى أرضٍ يُقالُ لها: السَّاهِرَةُ، وهي بناحيةِ بَيتِ المَقدِسِ تَسَعُ النَّاسَ وتَحمِلُهم بإذْنِ اللهِ، فيقومُ النَّاسُ عليها، ثم جَثا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على رُكبَتَيهِ، فقال: ليس قيامًا على أقدامِهم، ولكن شاخِصَةً أبصارُهم إلى السَّماءِ، لا يَلتَفِتُ أحدٌ منهم يَمينًا، ولا شِمالًا، ولا خَلفًا، وقدِ اشتَغَلتْ كلُّ نَفْسٍ بما أتاها، فذلك قَولُه عزَّ وجلَّ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6]، فيقومُون مِقدارَ مِئَةِ سَنَةٍ، فوالذي نَفْسي بيَدِه، إنَّ تلك المِئَةَ سَنَةٍ كقَومَةٍ في صَلاةٍ واحدةٍ، فإذا تَمَّ مِقدارُ مِئَةِ سَنَةٍ، انشَقَّتِ السَّماءُ الدُّنيا، وهبَطَ سُكَّانُها، وهُم أكثَرُ مِن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، فيُحيطون بالخَلْقِ، ثم تَنشَقُّ السَّماءُ الثَّانيةُ ويَهبِطُ سُكَّانُها، وهُم أكثَرُ ممَّن هبَطَ مِن سَماءِ الدُّنيا ومِن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، ولا تَزالُ تَنشَقُّ سَماءً سَماءً، ويَهبِطُ سُكَّانُها أكثَرَ ممَّن هبَطَ مِن سِتِّ سَمواتٍ ومن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، ثم يَجيءُ الرَّبُّ تَبارك وتَعالى في ظُلَلٍ مِن الغَمامِ، فأوَّلُ شَيءٍ يُكلِّمُ البَهائِمَ، فيقولُ: يا بَهائِمي، إنَّما خلَقْتُكم لوَلَدِ آدَمَ، فكيف كانت طاعَتُكم لهم؟! وهو أعلَمُ بذلك، فتقولُ البَهائِمُ: ربَّنا، خلَقْتَنا لهم، فكَلَّفونا ما لم نُطِقْ، وصَبَرْنا طَلَبًا لمَرضاتِكَ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: صَدَقتُم يا بَهائِمي، إنَّكم طَلَبتُم رِضايَ، فأنا عنكم راضٍ، ومِن رِضايَ عنكم اليَومَ أنِّي لا أُريكم أهوالَ جَهنَّمَ، فكونوا تُرابًا ومَدَرًا، فعندَ ذلك يقولُ الكافِرُ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [النبأ: 40]. ثم تَذهَبُ الأرضُ السُّفلى، والثَّانيةُ، والثَّالثةُ، والرَّابعةُ، والخامسةُ، والسَّادسةُ، وتَبقى هذه الأرضُ فتُكفَأُ بأهْلِها كما تُكفَأُ السَّفينةُ في لُجَّةِ البَحرِ إذا خَفَقتَها الرِّياحُ، فيقولُ الآدَميُّون: أليست هذه الأرضُ التي كُنَّا نَزرَعُ عليها، ونَمشي على ظَهرِها، ونَبني عليها البُنيانَ؛ فما لها اليَومَ لا تَقِرُّ؟! فتُجاوِبُهم، فتَقولُ: يا أهْلاهُ، أنا الأرضُ التي مهَّدَني الرَّبُّ لكم، كان لي ميقاتٌ مَعلومٌ، فأنا شاهِدَةٌ عليكم بما عَمِلتُم على ظَهري، ثم عليكم السَّلامُ، فلا تَرَوني أبدًا ولا أراكم، فتَشهَدُ على كُلِّ عبدٍ وأَمَةٍ بما عَمِلَ على ظَهرِها؛ إنْ خَيرًا فخَيرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، ثم تَذهَبُ هذه الأرضُ، وتَأتي أرضٌ بيضاءُ، لم يُعمَلْ عليها المعاصي، ولم يُسفَكْ عليها الدِّماءُ، فعليها يُحاسَبُ الخَلقُ. ثم يُجاءُ بالنَّارِ مَزمومةً بسَبعينَ أَلْفَ زِمامٍ، يأخُذُ بكُلِّ زِمامٍ سَبعون أَلْفَ مَلَكٍ من الملائكَةِ، لو أنَّ مَلَكًا منهم أُذِنَ له لالتَقَمَ أهلَ الجَمعِ، فإذا كانت من الآدَميِّين على مَسيرةِ أربعِ مِئَةِ سَنَةٍ زفَرَتْ زَفرَةً، فيَتَجلَّى النَّاسَ السَّكَرُ، وتَطيرُ القُلوبُ إلى الحَناجِرِ، فلا يَستطيعُ أحَدٌ منهم النَّفَسَ إلَّا بعدَ جُهدٍ جَهيدٍ، ثم يأخُذُهم من ذلك الغَمِّ حتى يُلجِمَهم العَرَقُ في مكانِهم، فتَستَأذِنُ الرحمنَ في السُّجودِ، فيَأذَنُ لها، فتقولُ: الحَمدُ للهِ الذي جعَلَني أنتَقِمُ للهِ ممَّن عَصاه، ولم يَجعَلْني آدَميًّا فيَنتَقِمَ منِّي، ثم تُزيَّنُ الجَنَّةُ، فإذا كانت من الآدَميِّين على مَسيرةِ خَمسِ مِئَةِ سَنَةٍ، يَجِدُ المُؤمِنونَ رِيحَها ورَوحَها، فتَسكُنُ نُفوسُهم، ويَزدادون قُوَّةً على قُوَّتِهم، فتَثبُتُ عُقولُهم، ويُلقِّنُهم اللهُ حُجَجَ ذُنوبِهم، ثم تُنصَبُ المَوازينُ، وتُنشَرُ الدَّواوينُ، ثم يُنادى: أين فُلانٌ؟ أين فُلانٌ؟ قُمْ إلى الحِسابِ، فيقومُون، فيَشهَدون للرُّسُلِ أنَّهم قد بَلَّغوا رِسالاتِ ربِّهم، فأنتُم حُجَّةُ الرُّسُلِ يَومَ القيامةِ، فيُنادى رَجُلٌ رَجُلٌ، فيا لها من سَعادَةٍ لا شِقوَةَ بعدَها! ويا لها من شِقوَةٍ لا سعادَةَ بعدَها! فإذا قَضى بين أهلِ الدَّارينِ، ودخَلَ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ؛ بعَثَ اللهُ عزَّ وجلَّ ملائكةً إلى أُمَّتي خاصَّةً، وذلك في مِقدارِ يَومِ الجُمُعةِ معهم التُّحُفُ والهَدايا من عندِ ربِّهم، فيقولُون: السَّلامُ عليكم، إنَّ ربَّكم ربَّ العِزَّةِ يَقرَأُ عليكم السَّلامَ، ويقولُ لكم: أَرضيتُم الجَنَّةَ قَرارًا ومَنزِلًا؟ فيقولُون: هو السَّلامُ، ومنه السَّلامُ، وإليه يَرجِعُ السَّلامُ، فيقولُون: إنَّ الرَّبَّ قد أَذِنَ لكم في الزِّيارةِ إليه، فيَركَبون نُوقًا صُفرًا وبِيضًا، رِحالاتُها الذَّهَبُ، وأَزِمَّتُها الياقوتُ، تَخطُرُ في رِمالِ الكافورِ، أنا قائِدُهم، وبِلالٌ على مُقدَّمَتِهم، ووَجهُ بِلالٍ أشَدُّ نورًا من القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ، والمُؤذِّنون حَولَه بتلك المَنزِلَةِ، وأهلُ حَرَمِ اللهِ تَعالى أدنى النَّاسِ منِّي، ثم أهلُ حَرَمي الذين يَلونَهم، ثم بعدَهم الأفضَلُ فالأفضَلُ، فيَسيرون ولهم تَكبيرٌ وتَهليلٌ، لا يَسمَعُ سامِعٌ في الجَنَّةِ أصواتَهم إلَّا اشتاقَ إلى النَّظَرِ إليهم، فيَمُرُّون بأهلِ الجِنانِ في جَنَّاتِهم، فيقولون: مَن هَؤلاءِ الذين مَرُّوا بنا؟ قدِ ازدادتْ جنَّاتُنا حُسنًا على حُسنِها، ونورًا على نورِها، فيقولون: هذا مُحمَّدٌ وأُمَّتُه يَزورون رَبَّ العِزَّةِ، فيقولون: لَئن كان مُحمَّدٌ وأُمَّتُه بهذه المَنزِلَةِ والكَرامَةِ، ثم يُعاينون وَجهَ رَبِّ العِزَّةِ، فيا ليتنا كُنَّا من أُمَّةِ مُحمَّدٍ، فيَسيرون حتى يَنتَهُوا إلى شَجَرةٍ يُقالُ لها: شَجَرةُ طُوبى، وهي على شَطِّ نَهرِ الكَوثَرِ، وهي لمُحمَّدٍ، ليس في الجَنَّةِ قَصرٌ مِن قُصورِ أُمَّةِ مُحمَّدٍ إلَّا وفيه غُصنٌ من أغصانِ تلك الشَّجَرةِ، فيَنزِلون تحتَها، فيقولُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، اكْسُ أهلَ الجَنَّةِ، فيُكسى أحدُهم مِئَةَ حُلَّةٍ، لو أنَّها جُعِلتْ بين أصابِعِه لَوَسِعَتْها مِن ثيابِ الجَنَّةِ. ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، عَطِّرْ أهلَ الجَنَّةِ، فيَسعى الوِلدانُ بالطِّيبِ، فيُطيِّبون، ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، فَكِّهْ أهلَ الجَنَّةِ، فيَسعى الوِلدانُ بالفاكهةِ، ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: ارفَعوا الحُجُبَ عنِّي حتى يَنظُرَ أوليائي إلى وَجْهي، فإنَّهم عَبَدوني ولم يَرَوْني، وعرَفَتْني قُلوبُهم ولم تَنظُرْ إليَّ أبصارُهم، فتقولُ الملائكةُ: سُبحانَك نحن ملائكتُك، ونحن حَمَلةُ عَرشِك، لم نَعصِكَ طَرْفةَ عَينٍ، لا نَستطيعُ النَّظَرَ إلى وَجهِكَ، فكيف يَستطيعُ الآدَميُّون ذلك؟! فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا ملائكتي، إنِّي طالما رأيتُ وُجوهَهم مُعفَّرَةً في التُّرابِ لوَجْهي، وطالما رأيتُهم صُوَّامًا لوَجْهي في يَومٍ شَديدِ الظَّمَأِ، وطالما رأيتُهم يَعمَلون الأعمالَ ابتِغاءَ رَحْمتي ورَجاءَ ثَوابي، وطالما رأيتُهم يَزوروني إلى بَيتي من كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ، وطالما رأيتُهم وعُيونُهم تَجري بالدُّموعِ من خَشيَتي يَحِقُّ للقَومِ عليَّ أنْ أُعطيَ أبصارَهم من القُوَّةِ ما يَستطيعون به النَّظَرَ إلى وَجْهي، فرفَعَ الحُجُبَ، فيَخِرُّون سُجَّدًا، فيقولون: سُبحانَك لا نُريدُ جِنانًا، ولا أزواجًا، ولا نُريدُ إلَّا النَّظَرَ إلى وَجْهِك، فيقولُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ: ارفَعوا رُؤوسَكم يا عبادي؛ فإنَّها دارُ جَزاءٍ، وليست بدارِ عِبادَةٍ، وهذا لكم عندي مِقدارُ كُلِّ جُمُعةٍ، كما كُنتُم تَزوروني في بَيتي
19
✘ ضعيف📌 إن اللهَ تبارك وتعالى لما أبرم خلقَه إحكامًا فلم يبقِ من خلقِه غيرَ آدمَ خلق شمسين من نورِ عرشِه
حديث الشمسِ والقمرِ [يعني حديث: بينا ابن عباسٍ ذات يومٍ جالس إذ جاءه رجلٌ فقال : يا ابنَ عباسٍ، سمعتُ العجبَ من كعبٍ الحبرِ ، يذكرُ في الشمسِ والقمرِ. قال : وكان متكئًا فاحتفز، ثم قال: وما ذاك؟ قال: زعم أنه يجاءُ بالشمسِ والقمرِ يومَ القيامةِ كأنهما ثوران عقيران، فيقذفان في جهنَّمَ، قال عكرمةُ: فطارت من ابنِ عباسٍ شقةٌ ووقعت أخرى غضبًا، ثم قال : كذب كعبٌ! كذب كعبٌ! كذب كعبٌ! ثلاثَ مرَّاتٍ، بل هذه يهوديةٌ يريدُ إدخالَها في الإسلامِ، اللهُ أجلُّ وأكرمُ من أن يعذبَ على طاعتِه، ألم تسمعْ لقولِ اللهِ تبارك وتعالى : {وسخر لكم الشمسَ والقمرَ دائبين}؟ إنما يعني دءوبَهما في الطاعةِ، فكيف يعذبُ عبدين يثني عليهما أنهما دائبان في طاعتِه؟! قاتل اللهُ هذا الحبرَ وقبح حبريتَه! ما أجرأه على اللهِ وأعظمَ فريتَه على هذين العبدين المطيعين للهِ! قال : ثم استرجع مرارًا، وأخذ عويدًا من الأرضِ، فجعل ينكتُه في الأرضِ، فظل كذلك ما شاء اللهُ، ثم إنه رفع رأسَه ورمى بالعويدِ فقال : ألا أحدثُكم بما سمعتُ من رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ في الشمسِ والقمرِ وبدءِ خلقهما ومصيرِ أمرِهما ؟ فقلنا : بلى رحمَك اللهُ ! فقال : إن رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سئل عن ذلك فقال : إن اللهَ تبارك وتعالى لما أبرم خلقَه إحكامًا فلم يبقِ من خلقِه غيرَ آدمَ خلق شمسين من نورِ عرشِه، فأما ما كان في سابقِ علمِه أنه يدعُها شمسًا فإنه خلقها مثل الدنيا ما بين مشارقِها ومغاربِها، وأما ما كان في سابقِ علمِه أن يطمسَها ويحولُها قمرًا، فإنه دون الشمسِ في العظمِ، ولكن إنما يرى صغرَهما من شدةِ ارتفاعِ السماءِ وبعدها من الأرضِ. قال : فلو تركَ اللهُ الشمسين كما كان خلقهما في بدءِ الأمرِ لم يكنْ يعرفُ الليلُ من النهارِ، ولا النهارُ من الليلِ، وكان لا يدري الأجيرُ إلى متى يعملُ، ومتى يأخذُ أجرَه. ولا يدري الصائمُ إلى متى يصومُ، ولا تدري المرأةُ كيف تعتدُّ، ولا يدري المسلمون متى وقتُ الحجِّ، ولا يدري الديان متى تحلُّ ديونُهم، ولا يدري الناسُ متى ينصرفون لمعايشِهم، ومتى يسكنون لراحةِ أجسادِهم، وكان الربُّ عز وجل أنظرَ لعبادِه وأرحمَ بهم، فأرسل جبرئيلَ عليه السلام فأمر جناحَه على وجهِ القمرِ - وهو يومئذ شمسٌ - ثلاثَ مراتٍ، فطمس عنه الضوءَ، وبقي فيه النورُ، فذلك قوله عز وجل : { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً }. قال : فالسوادُ الذي ترونه في القمرِ شبهُ الخطوطِ فيه فهو أثرُ المحوِ. ثم خلق اللهُ للشمسِ عجلةً من ضوءِ نورِ العرشِ لها ثلاثمائةٌ وستون عروةً ووكل بالشمسِ وعجلتها ثلاثمائةً وستين ملكًا من الملائكةِ من أهلِ السماءِ الدنيا، قد تعلق كلُّ ملكٍ منهم بعروةٍ من تلك العرا، ووكل بالقمرِ وعجلته ثلاثمائةً وستين ملكًا من الملائكةِ من أهلِ السماءِ، قد تعلق بكلِّ عروةٍ من تلك العرا ملكٌ منهم. ثم قال : وخلق اللهُ لهما مشارقَ ومغاربَ في قطري الأرضِ وكنفي السماءِ ثمانين ومائةَ عينٍ في المغربِ، طينةً سوداءَ، فلذلك قولُه عز وجل : { وجدها تغربُ في عينٍ حمئةٍ } إنما يعني حمأةً سوداءَ من طينٍ، وثمانين ومائةَ عينٍ في المشرقِ مثل ذلك طينةً سوداءَ تفورُ غليًا كغلي القدرِ إذا ما اشتد غلّيُها. قال : فكلُّ يومٍ وكلُّ ليلةٍ لها مطلعٌ جديدٌ ومغربٌ جديدٌ، ما بين أولِها مطلعًا وآخرِها مغربًا أطولُ ما يكونُ النهارِ في الصيفِ إلى آخرِها مطلعًا، وأولُها مغربًا أقصرُ ما يكونُ النهارِ في الشتاءِ، فذلك قولُه تعالى : { رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ } يعني : آخرَها هاهنا وآخرَها ثم، وترك ما بين ذلك من المشارقِ والمغاربِ، ثم جمعهما فقال : { بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ } فذكر عدةَ تلك العيونِ كلِّها. قال : وخلق اللهُ بحرًا، فجرى دون السماءِ مقدارُ ثلاثِ فراسخٍ، وهو موجٌ مكفوفٌ قائمٌ في الهواءِ بأمرِ اللهِ عز وجل لا يقطرُ منه قطرةٌ، والبحارُ كلُّها ساكنةٌ، وذلك البحرُ جارٍ في سرعةِ السهمِ ثم انطلاقه في الهواءِ مستويًا، كأنه حبلٌ ممدودٌ ما بين المشرقِ والمغربِ، فتجري الشمسُ والقمرُ والخنسُ في لجةِ غمرِ ذلك البحرِ، فذلك قوله تعالى : { كلٌّ في فلكٍ يسبحون } والفلكُ دورانُ العجلةِ، في لجةِ غمرِ ذلك البحرِ. والذي نفسُ محمدٍ بيدِه لو بدت الشمسُ من ذلك البحرِ لأحرقت كلَّ شيءٍ في الأرضِ، حتى الصخورِ والحجارةِ ولو بدا القمرُ من ذلك لافتتن أهلُ الأرضِ حتى يعبدونه من دونِ اللهِ، إلا من شاء اللهُ أن يعصمَ من أوليائِه. قال ابنُ عباسٍ : فقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه : بأبي أنت وأمي يا رسولَ اللهِ ! ذكرت مجرى الخنسِ مع الشمسِ والقمرِ، وقد أقسم اللهُ بالخنسِ في القرآنِ إلى ما كان من ذكرِك، فما الخنس ؟ قال : يا عليُّ ! هن خمسةُ كواكبٍ : البرجيسُ، وزحلُ، وعطاردُ، وبهرامُ، والزهرةُ، فهذه الكواكبُ الخمسةُ الطالعاتُ الجارياتُ، مثلُ الشمسِ والقمرِ العادياتِ معهما، فأما سائرُ الكواكبِ فمعلقاتٌ من السماءِ كتعليقِ القناديلِ من المساجدِ، وهي تحومُ مع السماءِ دورانًا بالتسبيحِ والتقديسِ والصلاةِ للهِ، ثم قال النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : فإن أحببتم أن تستبينوا ذلك، فانظروا إلى دورانِ الفلكِ مرةً هاهنا ومرةً هاهنا، فذلك دورانُ السماءِ، ودورانُ الكواكبِ معها كلِّها سوى هذه الخمسةِ، ودورانُها اليوم كما ترون، وتلك صلاتُها، ودورانُها إلى يومِ القيامةِ في سرعةِ دورانِ الرحا من أهوالِ يومِ القيامةِ وزلازلِه، فذلك قولُه عز وجل : { يوم تمورُ السماءُ مورًا * وتسيرُ الجبالُ سيرًا * فويلٌ يومئذٍ للمكذبين }. قال : فإذا طلعت الشمسُ فإنها تطلعُ من بعضِ تلك العيونِ على عجلتِها ومعها ثلاثمائةٌ وستون ملكًا ناشري أجنحتِهم، يجرونها في الفلكِ بالتسبيحِ والتقديسِ والصلاةِ للهِ على قدرِ ساعاتِ الليلِ وساعاتِ النهارِ ليلًا كان أو نهارًا، فإذا أحب اللهَ أن يبتليَ الشمسَ والقمرَ فيري العبادَ آيةً من الآياتِ فيستعتبُهم رجوعًا عن معصيتِه وإقبالًا على طاعتِه، خرتِ الشمسُ من العجلةِ فتقعُ في غمرِ ذلك البحرِ وهو الفلكُ، فإذا أحب اللهُ أن يعظمَ الآيةَ ويشددَ تخويفَ العبادِ وقعتِ الشمسُ كلُّها فلا يبقى منها على العجلةِ شيءٌ، فذلك حين يظلمُ النهارُ وتبدو النجومُ، وهو المنتهى من كسوفِها. فإذا أراد أن يجعلَ آيةً دون آيةٍ وقع منها النصفُ أو الثلثُ أو الثلثان في الماءِ، ويبقى سائرُ ذلك على العجلةِ، فهو كسوفٌ دون كسوفٍ، وبلاءٌ للشمسِ أو للقمرِ، وتخويفٌ للعبادِ، واستعتابٌ من الربِّ عز وجل، فأي ذلك كان صارت الملائكةُ الموكلون بعجلتِها فرقتين : فرقةٍ منها يقبلون على الشمسِ فيجرونها نحو العجلةِ، والفرقةِ الأخرى يقبلون على العجلةِ فيجرونها نحو الشمسِ، وهم في ذلك يقرونُها في الفلكِ بالتسبيحِ والتقديسِ والصلاةِ للهِ على قدرِ ساعاتِ النهارِ أو ساعاتِ الليلِ، ليلًا كان أو نهارًا، في الصيفِ كان ذلك أو في الشتاءِ، أو ما بين ذلك في الخريفِ والربيعِ، لكيلا يزيدَ في طولِهما شيءٌ، ولكن قد ألهمهم اللهُ علمَ ذلك، وجعل لهم تلك القوةَ، والذي ترون من خروجِ الشمسِ أو القمرِ بعد الكسوفِ قليلًا قليلًا، من غمر ذلك البحرِ الذي يعلوهما، فإذا أخرجوها كلَّها اجتمعت الملائكةُ كلُّهم، فاحتملوها حتى يضعوها على العجلةِ، فيحمدون اللهَ على ما قواهم لذلك، ويتعلقون بعرا العجلةِ، ويجرونها في الفلكِ بالتسبيحِ والتقديسِ والصلاةِ للهِ حتى يبلغوا بها المغربَ، فإذا بلغوا بها المغربَ أدخلوها تلك العينَ، فتسقط من أفقِ السماءِ في العينِ. ثم قال النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعجب من خلقِ اللهِ : وللعجبِ من القدرةِ فيما لم نرَ أعجبَ من ذلك؛ وذلك قولُ جبرئيل عليه السلام لسارةَ : { أتعجبين من أمرِ اللهِ } وذلك أن اللهَ عز وجل خلق مدينتين إحداهما بالمشرقِ والأخرى بالمغربِ، أهلُ المدينةِ التي بالمشرقِ من بقايا عادٍ من نسلِ مؤمنيهم، وأهلُ التي بالمغربِ من بقايا ثمودَ من نسلِ الذين آمنوا بصالحٍ، اسم التي بالمشرقِ بالسريانيةِ ( مرقيسيا ) وبالعربيةِ ( جابلق ) واسم التي بالمغربِ بالسريانيةِ ( برجيسيا ) وبالعربيةِ ( جابرس ) ولكلِّ مدينةٍ منهما عشرةُ آلافِ بابٍ، ما بين كلِّ بابين فرسخٌ، ينوبُ كلُّ يومٍ على كلِّ بابٍ من أبوابِ هاتين المدينتين عشرةُ آلافِ رجلٍ من الحراسةِ، عليهم السلاحُ، لا تنوبُهم الحراسةُ بعد ذلك إلى يومِ ينفخُ في الصورِ ، فوالذي نفسُ محمدٍ بيدِه لولا كثرةُ هؤلاءِ القومِ وضجيجُ أصواتِهم لسمع الناسُ من جميعِ أهلِ الدنيا هذه وقعةَ الشمسِ حين تطلعُ وحين تغربُ، ومن ورائِهم ثلاثُ أممٍ، منسك، وتافيل، وتاريس، ومن دونهم يأجوجُ ومأجوجُ . وإن جبرئيلَ عليه السلام انطلق بي إليهم ليلةَ أسري بي من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى، فدعوت يأجوجَ ومأجوجَ إلى عبادةِ اللهِ عز وجل فأبوْا أن يجيبوني، ثم انطلق بي إلى أهلِ المدينتين، فدعوتهم إلى دينِ اللهِ عز وجل وإلى عبادتِه فأجابوا وأنابوا، فهم في الدينِ إخوانُنا، من أحسن منهم فهو مع محسنِكم، ومن أساء منهم فأولئك مع المسيئين منكم. ثم انطلق بي إلى الأممِ الثلاثِ، فدعوتهم إلى دينِ اللهِ وإلى عبادتِه فأنكروا ما دعوتهم إليه، فكفروا باللهِ عز وجل، وكذبوا رسلَه، فهم مع يأجوجَ ومأجوجَ وسائرِ من عصى اللهَ في النارِ؛ فإذا ما غربت الشمسُ رفع بها من سماءٍ إلى سماءٍ في سرعةِ طيرانِ الملائكةِ؛ حتى يبلغَ بها إلى السماءِ السابعةِ العليا، حتى تكونَ تحت العرشِ فتخرَّ ساجدةً، وتسجدُ معها الملائكةُ الموكلون بها، فيحدرُ بها من سماءٍ إلى سماءٍ؛ فإذا وصلت إلى هذه السماءِ فذلك حين ينفجرَ الفجرُ، فإذا انحدرت من بعضِ تلك العيونِ، فذاك حين يضيءَ الصبحُ، فإذا وصلت إلى هذا الوجهِ من السماءِ فذاك حين يضيءَ النهارُ. قال : وجعل اللهُ عند المشرقِ حجابًا من الظلمةِ على البحرِ السابعِ، مقدار عدةَ الليالي منذ يومَ خلق اللهُ الدنيا إلى يومِ تصرمُ، فإذا كان عند الغروبِ أقبل ملكٌ قد وكل بالليلِ فيقبض قبضةً من ظلمةِ ذلك الحجابِ، ثم يستقبلُ المغربَ؛ فلا يزالُ يرسلُ من الظلمةِ من خللِ إصابعِه قليلًا قليلًا وهو يراعي الشفقَ، فإذا غاب الشفقُ أرسل الظلمةَ كلَّها ثم ينشرُ جناحيه، فيبلغان قطري الأرضِ وكنفي السماءِ، ويجاوزان ما شاء اللهُ عز وجل خارجًا في الهواءِ، فيسوقُ ظلمةَ الليلِ بجناحيه بالتسبيحِ والتقديسِ والصلاةِ للهِ حتى يبلغَ المغربَ، فإذا بلغ المغربَ انفجر الصبحُ من المشرقِ، فضم جناحيه، ثم يضمُّ الظلمةَ بعضُها إلى بعضٍ بكفيه، ثم يقبضُ عليها بكفٍ واحدةٍ نحو قبضته إذا تناولها من الحجابِ بالمشرقِ، فيضعُها عند المغربِ على البحرِ السابعِ من هناك ظلمةُ الليلِ. فإذا ما نقل ذلك الحجابَ من المشرقِ إلى المغربِ نفخ في الصورِ ، وانتقضت الدنيا، فضوءُ النهارِ من قبل المشرقِ، وظلمةُ الليلِ من قبل ذلك الحجابِ، فلا تزال الشمسُ والقمرُ كذلك من مطالعِهما إلى مغاربِهما إلى ارتفاعِهما، إلى السماءِ السابعةِ العليا، إلى محبسِهما تحت العرشِ ، حتى يأتيَ الوقتُ الذي ضرب اللهُ لتوبةِ العبادِ، فتكثرُ المعاصي في الأرضِ ويذهبُ المعروفُ، فلا يأمرُ به أحدٌ، ويفشو المنكرُ فلا ينهى عنه أحدٌ. فإذا كان ذلك حبست الشمسُ مقدارَ ليلةٍ تحت العرشِ ، فكلما سجدت واستأذنت من أين تطلعُ ؟ لم يحر إليها جوابٌ؛ حتى يوافيها القمرُ ويسجدُ معها، ويستأذنُ من أين يطلعُ ؟ فلا يحارُ إليه جوابٌ، حتى يحبسُهما مقدارُ ثلاثِ ليالٍ للشمسِ، وليلتين للقمرِ، فلا يعرفُ طول تلك الليلةِ إلا المتهجدون في الأرضِ؛ وهم حينئذٍ عصابةٌ قليلةٌ في كلِّ بلدةٍ من بلادِ المسلمين؛ في هوانٍ من الناسِ وذلةٍ من أنفسِهم، فينامُ أحدُهم تلك الليلةَ قدر ما كان ينامُ قبلها من الليالي، ثم يقومُ فيتوضأُ ويدخلُ مصلاه فيصلي وردَه، كما كان يصلي قبل ذلك، ثم يخرجُ فلا يرى الصبحَ، فينكرُ ذلك ويظنُّ فيه الظنونَ من الشرِّ ثم يقولُ : فلعلي خففت قراءتي، أو قصرت صلاتي، أو قمت قبل حيني ! قال : ثم يعودُ أيضًا فيصلي وردَه كمثلِ وردِه، الليلة الثانية، ثم يخرجُ فلا يرى الصبحَ، فيزيدُه ذلك إنكارًا، ويخالطُه الخوفُ، ويظنُّ في ذلك الظنونَ من الشرِّ، ثم يقولُ : فلعلي خففت قراءتي، أو قصرت صلاتي، أو قمت من أولِ الليلِ ! ثم يعودُ أيضًا الثالثة وهو وجلٌ مشفقٌ لما يتوقعُ من هولِ تلك الليلةِ، فيصلي أيضًا مثل وردِه، الليلة الثالثة، ثم يخرجُ فإذا هو بالليلِ مكانه والنجومُ قد استدارت وصارت إلى مكانِها من أولِ الليلِ، فيشفقُ عند ذلك شفقةَ الخائفِ العارفِ بما كان يتوقعُ من هولِ تلك الليلةِ فيستلحمُه الخوفُ، ويستخفُه البكاءُ، ثم ينادي بعضُهم بعضًا، وقبل ذلك كانوا يتعارفون ويتواصلون، فيجتمعُ المتهجدون من أهلِ كلِّ بلدةٍ إلى مسجدٍ من مساجدِها، ويجأرون إلى اللهِ عز وجل بالبكاءِ والصراخِ بقيةَ تلك الليلةِ، والغافلون في غفلتِهم، حتى إذا ما تم لهما مقدارُ ثلاثِ ليالٍ للشمسِ وللقمرِ ليلتين، أتاهما جبرئيلُ فيقولُ : إن الربَّ عز وجل يأمرُكما أن ترجعا إلى مغاربِكما فتطلعا منها، وأنه لا ضوءَ لكما عندنا ولا نورَ. قال : فيبكيان عند ذلك بكاءً يسمعُه أهلُ سبعِ سمواتٍ من دونهما وأهلِ سرادقاتِ العرشِ وحملةِ العرشِ من فوقهما، فيبكون لبكائهما مع ما يخالطُهم من خوفِ الموتِ، وخوفِ يومِ القيامةِ. قال : فبينا الناسُ ينتظرون طلوعَهما من المشرقِ إذا هما قد طلعا خلف أقفيتِهم من المغربِ أسودين مكورين كالغرارتين، ولا ضوءَ للشمسِ ولا نورَ للقمرِ، مثلُهما في كسوفِهما قبل ذلك؛ فيتصايحُ أهلُ الدنيا وتذهلُ الأمهاتُ عن أولادِها، والأحبةُ عن ثمرةِ قلوبِها، فتشتغلُ كلُّ نفسٍ بما أتاها. قال : فأما الصالحون والأبرارُ فإنه ينفعُهم بكاؤُهم يومئذٍ، ويكتبُ ذلك لهم عبادةً، وأما الفاسقون والفجارُ فإنه لا ينفعُهم بكاؤُهم يومئذ، ويكتبُ ذلك عليهم خسارةً. قال : فيرتفعان مثل البعيرين القرينين ، ينازعُ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه استباقًا، حتى إذا بلغا سرةَ السماءِ، وهو منصفُهما أتاهما جبرئيلُ فأخذ بقرونِهما ثم ردهما إلى المغربِ، فلا يغربُهما في مغاربِهما من تلك العيونِ، ولكن يغربُهما في بابِ التوبةِ. فقال عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه : أنا وأهلي فداؤُك يا رسولَ اللهِ ! فما باب التوبةِ ؟ قال : يا عمرُ ! خلق اللهُ عز وجل بابًا للتوبةِ خلف المغربِ، مصراعين من ذهبٍ، مكللًا بالدرِ والجوهرِ، ما بين المصراعِ إلى المصراعِ الآخرِ مسيرةَ أربعين عامًا للراكبِ المسرعِ؛ فذلك البابُ مفتوحٌ منذ خلق اللهُ خلقَه إلى صبيحةِ تلك الليلةِ عند طلوعِ الشمسِ والقمرِ من مغاربِهما، ولم يتبْ عبدٌ من عبادِ اللهِ توبةً نصوحًا من لدن آدمَ إلى صبيحةِ تلك الليلةِ إلا ولجت تلك التوبةُ في ذلك البابَ، ثم ترفعُ إلى اللهِ عز وجل. قال معاذُ بنُ جبلٍ : بأبي أنت وأمي يا رسولَ اللهِ ! وما التوبةُ النصوحُ ؟ قال : أن يندمَ المذنبُ على الذنبِ الذي أصابَه فيعتذرُ إلى اللهِ ثم لا يعودُ إليه، كما لا يعودُ اللبنُ إلى الضرعِ، قال : فيردُّ جبرئيلُ بالمصراعينِ فيلأمُ بينهما ويصيرُهما كأنه لم يكن فيما بينهما صدعٌ قط، فإذا أُغْلِق بابُ التوبةِ لم يُقبلْ بعد ذلك توبةٌ، ولم ينفعْ بعد ذلك حسنةٌ يعلمُها في الإسلامِ إلا من كان قبل ذلك محسنًا، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري قبل ذلك، قال : فذلك قوله عز وجل : ?يوم يأتي بعضُ آياتِ ربِّك لا ينفعُ نفسًا إيمانُها لم تكنْ آمنت من قبل أو كسبت في إيمانِها خيرًا?. فقال أبيّ بنُ كعبٍ : بأبي أنت وأمي يا رسولَ اللهِ ! فكيف بالشمسِ والقمرِ بعد ذلك ! وكيف بالناسِ والدنيا ؟ فقال : يا أبي ! إن الشمسَ والقمرَ بعد ذك يكسيان النورَ والضوءَ، ويطلعان على الناسِ ويغربان كما كانا قبل ذلك، وأما الناسُ فإنهم نظروا إلى ما نظروا إليه من فظاعةِ الآيةِ، فيلحون على الدنيا حتى يجروا فيها الأنهارَ، ويغرسوا فيها الشجرَ، ويبنوا فيها البنيانَ، وأما الدنيا فإنه لو أنتج رجلٌ مهرًا لم يركبْه من لدن طلوعِ الشمسِ من مغربِها إلى يومِ ينفخُ في الصورِ . فقال حذيفةُ بنُ اليمانِ : أنا وأهلي فداؤُك يا رسولَ اللهِ ! فكيف هم عند النفخِ في الصورِ ؟ ! فقال : يا حذيفةُ ! والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، لتقومن الساعةُ ولينفخن في الصورِ والرجلُ قد لط حوضَه فلا يسقى منه، ولتقومن الساعةُ والثوبُ بين الرجلين فلا يطويانه، ولا يتبايعانه. ولتقومن الساعةُ والرجلُ قد رفع لقمتَه إلى فيه فلا يطعمُها، ولتقومن الساعةُ والرجلُ قد انصرف بلبنِ لقحتِه من تحتها فلا يشربُه، ثم تلا رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ هذه الآيةَ : ?وليأتينهم بغتةً وهم لا يشعرون?. فإذا نفخ في الصورِ ، وقامت الساعةُ، وميز اللهُ بين أهلِ الجنةِ وأهلِ النارِ ولما يدخلوهما بعد، إذ يدعو اللهُ عز وجل بالشمسِ والقمرِ، فيجاءُ بهما أسودين مكورين قد وقعا في زلزالٍ وبلبالٍ، ترعدُ فرائصُهما من هولِ ذلك اليومِ ومخافةِ الرحمنِ، حتى إذا كانا حيالَ العرشِ خرا للهِ ساجدين؛ فيقولان : إلهنا قد علمت طاعتَنا ودءوبَنا في عبادتِك، وسرعتَنا للمضي في أمرِك أيامَ الدنيا، فلا تعذبْنا بعبادةِ المشركين إيانا، فإنا لم ندعُ إلى عبادتِنا، ولم نذهلْ عن عبادتِك ! قال : فيقولُ الربُّ تبارك وتعالى : صدقتما، وإني قضيت على نفسي أن أبدئَ وأعيدَ، وإني معيدُكما فيما بدأتُكما منه، فارجعا إلى ما خلقتما منه، قالا : إلهنا ومم خلقتنا ؟ قال : خلقتكما من نورِ عرشي فارجعا إليه. قال : فليتمعْ من كلِّ واحدٍ منهما برقةٍ تكادُ تخطفُ الأبصارَ نورًا، فتختلطُ بنورِ العرشِ . فذلك قوله عز وجل : ?يبدئُ ويعيدُ?. قال عكرمةُ : فقمت مع النفرِ الذين حدثوا به، حتى أتينا كعبًا فأخبرناه بما كان من وجد ابن عباسٍ من حديثِه، وبما حدث عن رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ؛ فقام كعبٌ معنا حتى أتينا ابنَ عباسٍ، فقال : قد بلغني ما كان من وجدِك من حديثي، وأستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه، وإني إنما حدثت عن كتابِ دارسٍ قد تداولته الأيدي، ولا أدري ما كان فيه من تبديلِ اليهودِ، وإنك حدثت عن كتابٍ جديدٍ حديث العهد بالرحمنِ عز وجل وعن سيدِ الأنبياءِ وخيرِ النبيين، فأنا أحب أن تحدثني الحديثَ فأحفظُه عنك، فإذا حدثت به كان مكان حديثي الأول. قال عكرمةُ : فأعاد عليه ابنُ عباسٍ الحديث، وأنا أستقريه في قلبي بابا بابا، فما زاد شيئًا ولا نقص، ولا قدم شيئًا ولا أخر، فزادني ذلك في ابنِ عباسٍ رغبةً، وللحديثِ حفظا]
عن الجارودِ: أنَّه أخَذَ هذه النُّسخةَ: عَهْدُ العَلاءِ بنِ الحَضْرميِّ الَّذي كتَبَهُ له النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حين بعَثَه إلى البحرينِ: بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، هذا كتابٌ مِن محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، الأُمِّيِّ، القُرشيِّ الهاشميِّ، رسولِ اللهِ ونَبيِّه إلى خلْقِه كافَّةً، للعَلاءِ بنِ الحَضْرميِّ ومَن معه مِن المُسلِمين، عَهدًا عَهِدَه إليهم: اتَّقوا اللهَ أيُّها المُسلِمون ما اسْتطعْتُم، فإنِّي قد بَعَثْتُ عليكم العَلاءَ بنَ الحَضْرميِّ، وأمَرْتُه أنْ يتَّقِيَ اللهَ وحدَه لا شَريكَ له، ويُلِينَ لكم الجَناحَ، ويُحسِنَ فيكم السِّيرةَ بالحقِّ، ويَحكُمَ بيْنكم وبيْن مَن لقِيَ مِن النَّاسِ بما أنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ في كتابِه مِن العدْلِ، وأمرْتُكم بطاعتِه إذا فعَلَ ذلك، وقسَمَ فينا فأقسَطَ، واسْتُرْحِمَ فرَحِمَ، فاسْمَعوا له وأطِيعوا، وأحْسِنوا مُؤازرتَه ومُعاونتَه؛ فإنَّ لي عليكم مِن الحقِّ طاعةً وحقًّا عظيمًا لا تَقْدُرونهُ كلَّ قَدْرِه، ولا يَبلُغُ القولُ كُنْهَ حَقِّ عظمةِ اللهِ وحَقِّ رسولِه، وكما أنَّ للهِ ورسولِه على النَّاسِ عامَّةً وعليكم خاصَّةً حقًّا واجبًا بطاعتِه والوفاءِ بعهْدِه، ورضِيَ اللهُ عمَّن اعتصَمَ بالطَّاعةِ، وعظَّمَ حَقَّ أهْلِها وحَقَّ ولائِها، كذلك للمُسلِمين على وُلاتِهم حقًّا واجبًا وطاعةً؛ فإنَّ في الطَّاعةِ دَركًا لكلِّ خَيرٍ يُبْتَغى، ونجاةً مِن كلِّ شَرٍّ يُتَّقى، وأنا أُشْهِدُ اللهَ على مَن ولَّيْتُه شيئًا مِن أُمورِ المُسلِمين قليلًا وكثيرًا، فلم يَعدِلْ فيهم؛ فلا طاعةَ له، وهو خَليعٌ ممَّا ولَّيْتُه، وقد بَرِئَتْ للَّذين معه مِن المُسلِمين أيمانُهم وعهْدُهم وذِمَّتُهم، فلْيَسْتَخيروا اللهَ عندَ ذلك، ثمَّ لِيَستَعْمِلوا عليهم أفضَلَهم في أنفُسِهم. ألَا وإنْ أصابتِ العَلاءَ بنَ الحَضْرميِّ مُصيبةٌ، فخالدُ بنُ الوليدِ سيْفُ اللهِ خلَفٌ فيهم للعلاءِ بنِ الحَضْرميِّ، فاسْمَعوا له وأطِيعوا ما عرَفْتُم أنَّه على الحقِّ حتَّى يُخالِفَ الحقَّ إلى غيرِه، فسِيروا على بركةِ اللهِ، وعَونِه، ونصْرِه، وعافيتِه، ورُشْدِه، وتَوفيقِه. فمَن لَقِيتُم مِن النَّاسِ فادْعُوهم إلى كتابِ اللهِ المُنزَّلِ، وسُنَّةِ رسولِه، وإحلالِ ما أحَلَّ اللهُ لهم في كتابِه، وتَحريمِ ما حرَّمَ اللهُ عليهم في كتابِه، وأنْ يَخْلَعوا الأندادَ، ويتبَرَّؤوا مِن الشِّركِ والكُفْرِ، وأنْ يَكْفُروا بعِبادةِ الطَّاغوتِ واللَّاتِ والعُزَّى، وأنْ يَترُكوا عِبادةَ عيسى بنِ مريمَ، وعُزيرِ بنِ حَرْوةَ، والملائكةِ، والشَّمسِ والقمرِ، والنِّيرانِ، وكلِّ شَيءٍ يُتَّخَذُ ضِدًّا مِن دونِ اللهِ، وأنْ يَتولَّوا اللهَ ورسولَه، وأنْ يَتبَرَّؤوا ممَّن برِئَ اللهُ ورسولُه منه. فإذا فعَلوا ذلك، وأقرُّوا به، ودَخَلوا في الولايةِ؛ فبَيِّنوا لهم عندَ ذلك ما في كتابِ اللهِ الَّذي تَدْعونهُم إليهِ، وأنَّه كتابُ اللهِ المُنزَّلُ مع الرُّوحِ الأمينِ، على صَفوتِه مِن العالمينَ محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ، ورسولِه ونَبيِّه وحَبيبِه، أرسَلَه رحمةً للعالمينَ عامَّةً؛ الأبيضِ منهم والأسودِ، والإنسِ والجنِّ، كتابٌ فيه نبَأُ كلِّ شَيءٍ كان قبْلَكم، وما هو كائنٌ بعدَكم؛ لِيَكونَ حاجِزًا بيْن النَّاسِ؛ يَحجُزُ اللهُ به بعضَهم عن بَعضٍ، وأعراضَ بعضِهم عن بعضٍ، وهو كِتابُ اللهِ مُهيمِنًا على الكُتبِ، مُصدِّقًا لِما فيها مِن التَّوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ، يُخبِرُكم اللهُ فيه ما كان قبْلَكم ممَّا قد فاتَكُم دَرَكُه في آبائِكم الأوَّلينَ الَّذين منهم رُسلُ اللهِ وأنبياؤُهُ، كيف كان جوابُهم ثَمَّ لرُسلِهم، وكيف تَصديقُهم بآياتِ اللهِ، وكيف كان تَكذيبُهم بآياتِ اللهِ، فأخبَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ في كتابِه هذا أنسابَهم وأعمالَهم، وأعمالَ مَن هلَكَ منهم بذَنْبِه؛ لِيَجْتَنِبوا ذلك أنْ يَعْملوا بمِثْلِه؛ كي لا يَحِقَّ عليهم في كتابِ اللهِ مِن عقابِ اللهِ وسَخَطِه ونِقْمتِه مِثْلُ الَّذي حَلَّ عليهم مِن سُوءِ أعمالِهم وتَهاوُنِهم بأمْرِ اللهِ. وأخبَرَكم في كتابِه هذا بأعمالِ مَن نجَا ممَّن كان قبْلَكم؛ لكي تَعْملوا بمِثْلِ أعمالِهم، يُبيِّنُ لكم في كِتابِه هذا شأْنَ ذلك كلِّه؛ رَحمةً منه لكم، وشَفقةً مِن ربِّكم عليكم، وهو هدًى مِن الضَّلالةِ، وتِبيانٌ مِن العَمى، وإقالةٌ مِن العَثرةِ، ونَجاةٌ مِن الفِتنةِ، ونورٌ مِن الظُّلمةِ، وشِفاءٌ عندَ الأحداثِ، وعِصمةٌ مِن الهلكةِ، ورُشدٌ مِن الغوايةِ، وأمانٌ مِن النَّفْسِ، ومَفازةٌ مِن الدُّنيا والآخرةِ، فيه دِينُكم. فإذا عرَضْتُم هذا عليهم، فأقَرُّوا لكم به، [فقدِ اسْتَكْمَلوا] الولايةَ، فاعْرِضوا عليهم عندَ ذلك الإسلامَ، والإسلامُ: الصَّلواتُ الخمْسُ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وحَجُّ البيتِ، وصِيامُ رمضانَ، والغُسْلُ مِن الجَنابةِ، والطُّهورُ قبْلَ الصَّلاةِ، وبِرُّ الوالدينِ، وصِلةُ الرَّحمِ المُسلمةِ، وحُسْنُ صُحبةِ الوالدينِ المُشركَينِ. فإذا فَعَلوا ذلك فقدْ أسْلَموا. فادْعُوهم مِن بعدِ ذلك إلى الإيمانِ، وانْصِبوا لهم شَرائِعَه ومَعالِمَه، ومعالمُ الإيمانِ: شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحْدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ ما جاء به محمَّدٌ الحقُّ، وأنَّ ما سِواه الباطلُ، والإيمانُ باللهِ، وملائكتِه، وكُتبِه، ورُسلِه وأنبيائِه، واليومِ الآخرِ، والإيمانُ بما بيْن يَديْهِ وما خلْفَه مِن التَّوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ، والإيمانُ بالبيِّناتِ والحسابِ، والجنَّةِ والنَّارِ، والموتِ والحياةِ، والإيمانُ للهِ ولرسولِه وللمُؤمنين كافَّةً. فإذا فَعَلوا ذلك وأقَرُّوا به فهم مُسلِمون مُؤمِنون. ثمَّ تَدُلُّوهم بعدَ ذلك على الإحسانِ، وعَلِّموهم أنَّ الإحسانَ: أنْ يُحْسِنوا فيما بيْنهم وبيْن اللهِ في أداءِ الأمانةِ، وعهْدِه الَّذي عهِدَه إلى رُسلِه، وعهْدِ رُسلِه إلى خلْقِه وأئمَّةِ المُؤمنينَ، والتَّسليمِ وسَلامةِ المُسلِمين مِن كلِّ غائلةِ لِسانٍ، وأنْ يَبْتغوا لِبَقيَّةِ المُسلِمين كما يَبْتغي المرْءُ لِنفْسِه، والتَّصديقِ بمواعيدِ الرَّبِّ ولقائِه ومُعايَنتِه، والوداعِ مِن الدُّنيا في كلِّ ساعةٍ، والمُحاسَبةِ للنَّفْسِ عندَ استيفاءِ كلِّ يومٍ وليلةٍ، وتَزوُّدٍ مِن اللَّيلِ والنَّهارِ، والتَّعاهُدِ لِما فرَضَ اللهُ تأْديِتَه إليه في السِّرِّ والعَلانيةِ. فإذا فَعَلوا ذلك، فهم مُسلِمون مُؤمِنون مُحسِنون. ثمَّ انْصِبوا وانْعَتوا لهم الكبائرَ ودُلُّوهم عليها، وخوِّفُوهم مِن الهَلكةِ في الكبائرِ، وأنَّ الكبائرَ هي المُوبقاتُ، وأولاهنَّ الشِّركُ باللهِ؛ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، والسِّحرُ؛ وما للسَّاحرِ مِن خَلاقٍ، وقَطيعةُ الرَّحمِ؛ يَلْعَنُهم اللهُ، والفِرارُ مِن الزَّحْفِ؛ فقدْ باؤوا بغضَبٍ مِن اللهِ، والغُلولَ؛ يأْتوا بما غَلُّوا يومَ القيامةِ، وقِتالُ النَّفْسِ المُؤمنةِ؛ {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93]، وقذْفُ المُحصَنةِ؛ {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور: 23]، وأكْلُ مالِ اليتيمِ؛ {يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، وأكْلُ الرِّبا؛ {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279]، فإذا انتهَوْا عن الكبائرِ فهم مُسلِمون مُؤمِنون، مُحسِنون، مُتَّقون، وقد اسْتَكْملوا التَّقوى. فادْعُوهم عندَ ذلك إلى العِبادةِ، والعِبادةُ: الصِّيامُ، والصَّلاةُ، والخُشوعُ، والرُّكوعُ والسُّجودُ، واليقينُ، والإنابةُ، والإخباتُ، والتَّهليلُ، والتَّسبيحُ، والتَّحميدُ، والتَّكبيرُ، والصَّدقةُ بعدَ الزَّكاةِ، والتَّواضعُ والسُّكونُ والمُواساةُ، والدُّعاءُ، والتَّضرُّعُ، والإقرارُ بالملك، والعُبوديَّةُ، والاستقلالُ [بما كَثُرَ] مِن العملِ الصَّالحِ. فإذا فعَلوا ذلك فهم مُسلِمون، مُؤمِنون، مُحسِنون، مُتَّقون، عابِدون، وقد استَكْملوا العِبادةَ. فادْعُوهم عندَ ذلك إلى الجِهادِ، وبَيِّنوه لهم، ورَغِّبوهم فيما رغَّبَهم اللهُ مِن فَضيلةِ الجهادِ وثَوابِه عندَ اللهِ، فإنِ انْتَدَبُوا فبايِعُوهم، وادْعُوهم حتَّى تُبايعوهم إلى سُنَّةِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِه، عليكم عَهْدُ اللهِ وذِمَّتُه، وسبْعُ كَفالاتٍ -قال داودُ بنُ المُحبَّرِ: يقولُ اللهُ: كَفيلٌ عليَّ بالوفاءِ سبْعَ مرَّاتٍ- لا تَنْكُثون أيدِيَكم مِن بَيعةٍ، ولا تنْقُضون أمْرَ والٍ مِن وُلاةِ المُسلِمين، فإذا أقرُّوا بهذا فبايِعُوهم، واستغْفِروا اللهَ لهم. فإذا خَرَجوا يُقاتِلون في سَبيلِ اللهِ، غضَبًا للهِ، ونصْرًا لدِينِه، فمَن لَقُوا مِن النَّاسِ، فلْيَدْعُوهم إلى مِثْلِ ذلك ما دُعُوا إليه مِن كتابِ اللهِ إجابتِه، وإسلامِه وإيمانِه وإحسانِه، وتَقْواهُ، وعِبادتِه وهِجْرتِه، فمَن اتَّبعَهُم فهو المُستجيبُ، المِسكينُ، المُسلِمُ، المُؤمِنُ، المُحسِنُ، المُتَّقي، العابِدُ، المُجاهِدُ، له ما لكم، وعليه ما عليكم، ومَن أبَى هذا عليكم، فَقاتِلوهم حتَّى يَفِيءَ إلى أمْرِ اللهِ، وإلى دِينِه، ومَن عاهدْتُم وأعطَيْتُموه ذِمَّةَ اللهِ، فوَفُّوا إليه بها، ومَن أسلَمَ وأعْطاكُم الرِّضا، فهو منكم وأنتم مِنه، ومَن قاتَلَكم على هذا بعدَما سمَّيْتُموه له فقاتِلوهم، ومَن حارَبَكم فحارِبُوه، ومَن كابَدَكُم فكابِدوهُ، ومَن جمَعَ لكم فاجْمَعوا له، أو غالَكُم فغِيلُوه، أو خادَعَكم فخادِعوهُ، مِن غيرِ أنْ تَعْتَدُوا، أو ماكَرَكم فامْكُروا به، مِن غيرِ أنْ تَعْتدوا سِرًّا أو علانيةً، فإنَّه مَن يَنتصِرُ بعدَ ظُلْمِه فأولئكَ ما عليهم مِن سَبيلٍ. واعْلَموا أنَّ اللهَ معكم؛ يَراكم ويَرى أعمالَكم، ويَعلَمُ ما تَصْنعون كلَّه، فاتَّقوا اللهَ وكُونوا على حذَرٍ، فإنَّما هذه أمانةٌ ائْتَمنَني عليها ربِّي، أُبَلِّغُها عِبادَه عُذْرًا منه إليهم، وحُجَّةً منه، احتجَّ بها على مَن بلَغَه هذا الكتابُ مِن الخلْقِ جميعًا، فمَن عمِلَ بما فيه نجَا، ومَن اتَّبعَ ما فيه اهْتَدى، ومَن خاصَمَ به أفلَحَ، ومَن قاتَلَ به نُصِرَ، ومَن ترَكَهُ ضَلَّ حتَّى يُراجِعَه، فتعَلَّموا ما فيه، وأسْمِعوهُ آذانَكم، وأوْعُوهُ أجوافَكم، واسْتحْفِظوهُ قُلوبَكم؛ فإنَّه نُورُ الأبصارِ، ورَبيعٌ للقُلوبِ، وشِفاءٌ لِما في الصُّدورِ، وكَفى بهذا أمْرًا ومُعْتَبرًا، وزاجِرًا وعِظةً، وداعيًا إلى اللهِ ورسولِه، فهذا هو الخيرُ الَّذي لا شَرَّ فيه. كِتابُ محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ، رسولِ اللهِ ونَبيِّه، للعَلاءِ بنِ الحَضْرميِّ حين بعَثَه إلى البحرينِ، يَدْعو إلى اللهِ ورسولِه، يأمُرُه إلى ما فيه مِن حلالٍ، ويَنْهى عمَّا فيه مِن حرامٍ، ويدُلُّ على ما فيه مِن رُشدٍ، ويَنْهى عمَّا فيه مِن غَيٍّ، كِتابٌ ائْتَمَنَ عليه نَبِيُّ اللهِ العَلاءَ بنَ الحضرميِّ، وخَليفتَه خالدَ بنَ الوليدِ سيْفَ اللهِ، وقد أعذَرَ إليهما في الوصيَّةِ ممَّا في هذا الكتابِ إلى مَن معهما مِن المُسلِمين، ولم يَجعَلْ لأحدٍ منهم عُذْرًا في إضاعةِ شَيءٍ منه؛ لا الولاةِ، ولا المُتولَّى عليهم، فمَن بلَغَه هذا الكتابُ مِن الخلْقِ جميعًا، فلا عُذْرَ له، ولا حُجَّةَ، ولا يُعْذَرُ بجَهالةِ شَيءٍ ممَّا في هذا الكتابِ. كُتِبَ هذا الكتابُ لثلاثٍ مِن ذي القعدةِ، لأربعِ سِنينَ مَضَيْنَ مِن مُهاجَرةِ نَبيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَّا شَهرينِ، شَهِدَ الكتابَ يومَ كتَبَه ابنُ أبي سُفيانَ، وعُثمانُ بنُ عفَّانَ يُمْلِيه عليه، ورسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جالسٌ، والمُختارُ بنُ قيسٍ القُرشيُّ، وأبو ذَرٍّ الغِفاريُّ، وحُذيفةُ بنُ اليَمانِ العبْسيُّ، وقُصيُّ بنُ أبي عمرٍو الحِمْيريُّ، وشَبيبُ بنُ أبي مَرْثدٍ الغسَّانيُّ، والمُستنيرُ بنُ أبي صَعْصعةَ الخُزاعيُّ، وعَوانةُ بنُ شمَّاخٍ الجُهنيُّ، وسعْدُ بنُ مالكٍ الأنصاريُّ، وسعْدُ بنُ عُبادةَ الأنصاريُّ، وزيدُ بنُ عمرٍو، والنُّقباءُ: رجُلٌ مِن قُريشٍ، ورجُلٌ مِن جُهينةَ، وأربعةٌ مِن الأنصارِ، حين دفَعَه رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى العَلاءِ بنِ الحضرميِّ وخالدِ بنِ الوليدِ سيفِ اللهِ
كان سليمانُ نبيُّ اللهِ إذا صلَّى ، رأى شجرةً نابتةً بينَ يدَيه ، فيقولُ لها : ما اسمُك ؟ فتقولُ : كذا ، فيقولُ : لأيِّ شيٍء أنتِ ؟ فإن كانت تُغرسُ ، غُرِسَتْ ، وإن كانت لدواءٍ ، كُتبَت ، فبينما هو يُصلِّي ذاتَ يومٍ ، إذ رأى شجرةً بينَ يدَيهِ ، فقال لها : ما اسمُكِ ؟ قالت : الخرنوبُ ، قال : لأيِّ شيٍء أنتِ ؟ قالت : لخرابِ هذا البيتِ ، فقال سليمانُ : اللهمَّ عَمِّ على الجِنِّ مَوْتِي ، حتى يعلمَ الإنسُ أنَّ الجِنَّ لا يعلمونَ الغَيْبَ ، فَنَحَتَهَا عصًا ، فتوكَّأَ عليها حولًا ميتًا ، والجِنُّ تعملُ ، فأَكَلَتْها الأَرَضَةُ ، فسقطَ ، فتبيَّنَتِ الإنسُ أنَّ الجِنَّ لو كان يعلمونَ الغَيْبَ ما لبثوا حولًا في العذابِ المُهينِ ، وكان ابنُ عباسٍ يقرأُهَا كذلكَ ، قال : فشكرتِ الجِنُّ للأَرَضَةِ ، فكانتْ تأتيها بالماءِ
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
لا إله إلا الله وحده لا شريك لهالسعي بين الصفا والمروةطلوع الشمس من المغربالجن لا يعلمون الغيبالحسنة بعشر أمثالهادخلت العمرة في الحجخواتيم سورة البقرةسهم الفارس والراجلالجن لا تعلم الغيبكسوف الشمس والقمرالعلاء بن الحضرميعم على الجن موتيلبيك اللهم لبيكلا إله إلا اللهسليمان بن داودالعمرة في الحجسبع من المثانيالسدرة المنتهىجبلة بن الأيهمسلمة بن الأكوععامر بن الأكوعجابرسا وجابلقاخالد بن الوليدالمشعر الحرامصدقات الأموالصومكم وصلاتكمشجرة الحديبيةسراقة بن مالكالتوبة النصوحسنة رسول اللهالعذاب المهينخطباء الفتنةالغرفة تنفضتتحية الإسلامالسلام عليكمبيعة الرضوانذات النطاقينالشمس والقمريأجوج ومأجوججابلق وجابرسخراب المسجديوم الترويةرمي الجمراتخاتم النبوةيوم القيامةبيت المقدسحجة الوداعلا شريك لكخمسين صلاةخراب البيتوالله أكبرصورة النبيذو القرنينمناسك الحجخطبة النبيابن الدغنةبرك الغمادباب التوبةاتقوا اللهما استطعتمنحر الهديكتاب اللهالمجاهدونيوم النحرخطبة عرفةالله أكبرغزوة خيبرخاب البيتمسجد قباءخلق شمسينطاعة اللهنور العرشطمس الضوءالشياطينلأبد أبدالأنبياءالمزدلفةيوم عرفةابن عباسالخرنوبالسكينةالتخفيفالشفاعةالقصواءالإفاضةالعضباءأبو بكرغار ثورالمدينةالأزلامالإسلامالإيمانالإحسانالأرضةالكوثردانيالالمتعةلا حرجذو قردسليمان
تخريج حديث كان سليمان بن داود إذا صلى الصلاة طلعت بين عينيه شجرة
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








