﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
[ الأعراف: 54]

سورة : الأعراف - Al-A‘rāf  - الجزء : ( 8 )  -  الصفحة: ( 157 )

Indeed your Lord is Allah, Who created the heavens and the earth in Six Days, and then He Istawa (rose over) the Throne (really in a manner that suits His Majesty). He brings the night as a cover over the day, seeking it rapidly, and (He created) the sun, the moon, the stars subjected to His Command. Surely, His is the Creation and Commandment. Blessed be Allah, the Lord of the 'Alamin (mankind, jinns and all that exists)!


استوى على العرش : إستواءً بالمعنى اللائق به سبحانه
يُغشي الليل النهار : يُغطي النهار بالليل فيذهب ضوءه
يطلبه حثيثاً : يطلب الليل النهار طلباً سريعاً
له الخلقُ : إيجاد جميع الأشياء من العدم
الأمرُ : التدبير والتصرف فيها كما يشاء
تبارك الله : تنزّه أوتعظم أو كثر خيره

إن ربكم -أيها الناس- هو الله الذي أوجد السموات والأرض من العدم في ستة أيام، ثم استوى -سبحانه- على العرش -أي علا وارتفع- استواءً يليق بجلاله وعظمته، يُدخل سبحانه الليل على النهار، فيلبسه إياه حتى يذهب نوره، ويُدخل النهار على الليل فيذهب ظلامه، وكل واحد منهما يطلب الآخر سريعًا دائمًا، وهو -سبحانه- الذي خلق الشمس والقمر والنجوم مذللات له يسخرهن -سبحانه- كما يشاء، وهنَّ من آيات الله العظيمة. ألا له سبحانه وتعالى الخلق كله وله الأمر كله، تعالى الله وتعاظم وتنزَّه عن كل نقص، رب الخلق أجمعين.

إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى - تفسير السعدي

يقول تعالى مبينا أنه الرب المعبود وحده لا شريك له: { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } وما فيهما على عظمهما وسعتهما، وإحكامهما، وإتقانهما، وبديع خلقهما.
{ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، فلما قضاهما وأودع فيهما من أمره ما أودع { اسْتَوَى } تبارك وتعالى { عَلَى الْعَرْشِ } العظيم الذي يسع السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، استوى استواء يليق بجلاله وعظمته وسلطانه، فاستوى على العرش، واحتوى على الملك، ودبر الممالك، وأجرى عليهم أحكامه الكونية، وأحكامه الدينية، ولهذا قال: { يُغْشِي اللَّيْلَ } المظلم { النَّهَارَ } المضيء، فيظلم ما على وجه الأرض، ويسكن الآدميون، وتأوى المخلوقات إلى مساكنها، ويستريحون من التعب، والذهاب والإياب الذي حصل لهم في النهار.
{ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } كلما جاء الليل ذهب النهار، وكلما جاء النهار ذهب الليل، وهكذا أبدا على الدوام، حتى يطوي اللّه هذا العالم، وينتقل العباد إلى دار غير هذه الدار.
{ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ }- أي: بتسخيره وتدبيره، الدال على ما له من أوصاف الكمال، فخلْقُها وعظَمُها دالٌّ على كمال قدرته، وما فيها من الإحكام والانتظام والإتقان دال على كمال حكمته، وما فيها من المنافع والمصالح الضرورية وما دونها دال على سعة رحمته وذلك دال على سعة علمه، وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له.
{ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ }- أي: له الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها، أعيانها وأوصافها وأفعالها والأمر المتضمن للشرائع والنبوات، فالخلق: يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر: يتضمن أحكامه الدينية الشرعية، وثم أحكام الجزاء، وذلك يكون في دار البقاء، { تَبَارَكَ اللَّهُ }- أي: عظم وتعالى وكثر خيره وإحسانه، فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها، وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير، فكل بركة في الكون، فمن آثار رحمته، ولهذا قال: فـ { تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } ولما ذكر من عظمته وجلاله ما يدل ذوي الألباب على أنه وحده، المعبود المقصود في الحوائج كلها أمر بما يترتب على ذلك، فقال: { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }

تفسير الآية 54 - سورة الأعراف

تفسير الجلالين التفسير الميسر تفسير السعدي
تفسير البغوي التفسير الوسيط تفسير ابن كثير
تفسير الطبري تفسير القرطبي إعراب الآية

إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض : الآية رقم 54 من سورة الأعراف

 سورة الأعراف الآية رقم 54

إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى - مكتوبة

الآية 54 من سورة الأعراف بالرسم العثماني


﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ  ﴾ [ الأعراف: 54]


﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ﴾ [ الأعراف: 54]

  1. الآية مشكولة
  2. تفسير الآية
  3. استماع mp3
  4. الرسم العثماني
  5. تفسير الصفحة
فهرس القرآن | سور القرآن الكريم : سورة الأعراف Al-A‘rāf الآية رقم 54 , مكتوبة بكتابة عادية و كذلك بالشكيل و مصورة مع الاستماع للآية بصوت ثلاثين قارئ من أشهر قراء العالم الاسلامي مع تفسيرها ,مكتوبة بالرسم العثماني لمونتاج فيديو اليوتيوب .
  
   

تحميل الآية 54 من الأعراف صوت mp3


تدبر الآية: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى

أيها العباد، إنه سبحانه هو مربِّيكم والمنعم عليكم والهادي لقلوبكم إلى سواء الصراط، فلا ينبغي أن يُعبدَ معه غيرُه.
هو القادرُ سبحانه على خلق ما يشاء كما يشاء في طَرفةِ عين، ولكن كم في التأنِّي من الحكمة ولطف التدبير، وإرشاد الخَلق إلى الأخذ بذلك في أمور حياتهم.
ألا تَرهبُ النفسُ ربًّا استوى على عرش عظيم، وتمتلئ له إجلالًا وإعظامًا، وإكبارًا وتقديسًا؟ كما للخالق كمالُ الخلق وإتقانه، وإبداعُه وإحكامه، فله ذلك سبحانه في أمره ونهيه.
تبارك ربُّنا في نفسه؛ لعظمة أوصافه، وكمالِ ذاته، وباركَ في غيره بإحلال الخير الجزيل فيه، فكلُّ بركةٍ في الكون فمن آثار بركاته ورحماته.

أى: إن سيدكم ومالككم الذي يجب عليكم أن تفردوه بالعبادة هو الله الذي أنشأ السموات والأرض على غير مثال سابق في مقدار ستة أيام.
قال الشهاب: اليوم في اللغة مطلق الوقت، فإن أريد هذا فالمعنى في ستة أوقات.
وإن أريد المتعارف وهو زمان طلوع الشمس إلى غروبها فالمعنى في مقدار ستة أيام، لأن اليوم إنما كان بعد خلق الشمس والسموات فيقدر فيه مضاف .
وقال صاحب فتح البيان: «قيل هذه الأيام من أيام الدنيا، وقيل من أيام الآخرة، قال ابن عباس: يوم مقداره ألف سنة وبه قال الجمهور وقال سعيد ابن جبير، «كان الله قادرا على أن يخلق السموات والأرض وما بينهما في لمحة ولحظة، فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأنى في الأمور» .
وقوله: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال الشيخ القاسمى:ورد الاستواء على معان اشترك لفظه فيها، فجاء بمعنى الاستقرار، ومنه اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وبمعنى القصد ومنه ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ وكل من فرغ من أمر وقصد لغيره فقد استوى له وإليه.
قال الفراء: تقول العرب استوى إلى يخاصمني أى: قصد لي وأقبل على.
ويأتى بمعنى الاستيلاء.
قال الشاعر: ...
قد استوى بشر على العراقويأتى بمعنى العلو ومنه هذه الآية.
قال البخاري في آخر صحيحه في كتاب الرد على الجهمية في باب قوله-تبارك وتعالى-: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ.
قال مجاهد: استوى وعلا على العرش.
وقال ابن راهويه: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أى: علا وارتفع .
وعرش الله- كما قال الراغب- مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، وليس كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له- تعالى الله عن ذلك- لا محمولا.
وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية.
وذكر الاستواء على العرش في سبع آيات.
أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أنه صفة الله-تبارك وتعالى- بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل لاستحالة اتصافه- سبحانه - بصفات المحدثين، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» وأنه يجب الإيمان بها كما وردت وتفويض العلم بحقيقتها إليه-تبارك وتعالى-.
فعن أم سلمة- رضى الله عنها- في تفسير قوله-تبارك وتعالى-: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أنها قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به من الإيمان، والجحود به كفر.
وقال الإمام مالك: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وقال محمد بن الحسن: اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه.
وقال الإمام الرازي: إن هذا المذهب هو الذي نقول به ونختاره ونعتمد عليه.
وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرفه- أى الاستواء- عن ظاهره لاستحالته، وأن المراد منه- كما قال الإمام القفال- أنه استقام ملكه، واطرد أمره ونفذ حكمه-تبارك وتعالى- في مخلوقاته، والله-تبارك وتعالى- دل على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره للعالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم واستقر في قلوبهم «تنبيها على عظمته وكمال قدرته» وذلك مشروط بنفي التشبيه، ويشهد بذلك قوله-تبارك وتعالى-: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ .
هذا وللعلماء كلام طويل حول هذه المسألة التي تتعلق بالمحكم والمتشابه فليرجع إليها من شاء.
وقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ التغشية: التغطية والستر، أى: يجعل الليل غاشيا للنهار مغطيا له فيذهب بنوره، ويصير الكون مظلما بعد أن كان مضيئا، ويجعل النهار غاشيا لليل فيصير الكون مضيئا بعد أن كان مظلما، وفي ذلك من منافع الناس ما فيه وبه تتم الحياة، وهو دليل القدرة والحكمة والتدبير من الإله العلى العظيم.
ولم يذكر في هذه الآية يغشى الليل بالنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخر كقوله-تبارك وتعالى-:سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أو لدلالة الحال عليه، أو لأن اللفظ يحتملهما: يجعل الليل مفعولا أول والنهار مفعولا ثانيا أو بالعكس.
والآية الكريمة من باب أعطيت زيدا عمرا، لأن كلا من الليل والنهار يصلح أن يكون غاشيا ومغشيا، فوجب جعل الليل هو الفاعل المعنوي، والنهار هو المفعول من غير عكس لئلا يلتبس المعنى.
وقد قال-تبارك وتعالى- في آية أخرى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ.
وقوله: يَطْلُبُهُ حَثِيثاً أى: يطلب الليل النهار أو كلاهما بطلب الآخر طلبا سريعا حتى يلحقه ويدركه، وهو كناية عن أن أحدهما يأتى عقب الآخر ويخلفه بلا فاصل، فكأنه يطلبه طلبا سريعا لا يفتر عنه حتى يلحقه.
والحث على الشيء: الحض عليه.
يقال: حث الفرس على العدو يحثه حثا صاح به أو وكزه برجل أو ضرب.
وذهب حثيثا أى: مسرعا.
والجملة حال من الليل، لأنه هو المتحدث عنه أو حال من النهار أى: مطلوب حثيثا، أو من كل منهما على الرأى الثاني الذي يفسر «يطلبه حثيثا» بأن كليهما يطلب الآخر.
وقوله: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أى: وخلق الشمس والقمر والنجوم كونهن مذللات خاضعات لتصرفه، منقادات لمشيئته، كأنهن مميزات أمرن فانقدن، فتسمية ذلك أمر على سبيل التشبيه.
قال الآلوسى: ويصح حمل الأمر على الإرادة.
أى: هذه الأجرام العظيمة والمخلوقات البديعة منقادة لإرادته: ومنهم من حمل الأمر على الأمر الكلامى وقال: إنه- سبحانه - أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة على الوجه المخصوص إلى حيث شاء ولا مانع أن يعطيها الله إدراكا وفهما لذلك » .
وقرأ الجمهور بنصب الألفاظ الثلاثة على أنها معطوفة على السموات، أى: خلق السموات وخلق الشمس والقمر والنجوم.
وبنصب مُسَخَّراتٍ أيضا على أنها حال من هذه الثلاثة.
وقرأ أبو عامر بالرفع في جميعها على الابتداء والخبر مسخرات.
وقوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ألا: أداة يفتتح بها القول الذي يهتم بشأنه لأجل تنبيه المخاطب لمضمونه وحمله على تأمله.
والخلق: إيجاد الشيء من العدم.
والأمر: التدبير والتصرف على حسب الإرادة لما خلقه.
فهو- سبحانه - الخالق والمدبر للعالم على حسب إرادته وحكمته لا شريك له في ذلك.
وهذه الجملة الكريمة كالتدليل للكلام السابق أى: أنه- سبحانه - هو الذي خلق الأشياء كلها ويدخل في ذلك السموات والأرض وغيرهما، وهو الذي دبر هذا الكون على حسب إرادته ويدخل في ذلك ما أشار إليه بقوله: مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ.
وقوله: تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
تبارك: فعل ماض لا يتصرف، أى لم يجيء منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل.
من البركة بمعنى الكثرة من كل خير.
وأصلها النماء والزيادة.
أى: كثر خيره وإحسانه وتعاظمت وتزايدت بركات الله رب العالمين.
أو من البركة بمعنى الثبوت.
يقال: برك البعير، إذا أناخ في موضعه فلزمه وثبت فيه.
وكل شيء ثبت ودام فقد برك.
أى: ثبت ودام خيره على خلقه.
أو المعنى: تعالى الله رب العالمين وتعظم وارتفع وتنزه عن كل نقص.
ثم أمر الله-تبارك وتعالى- عباده أن يكثروا من التضرع إليه بالدعاء الخالص فقال:
قوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمينقوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام بين أنه المنفرد بقدرة الإيجاد ، فهو الذي يجب أن يعبد .
وأصل " ستة " سدسة ، فأرادوا إدغام الدال في السين فالتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليهما .
وإن شئت قلت : أبدل من إحدى السينين تاء وأدغم في الدال ; لأنك تقول في تصغيرها : سديسة ، وفي الجمع أسداس ، والجمع والتصغير يردان الأسماء إلى أصولها .
ويقولون : جاء فلان سادسا وسادتا وساتا ; فمن قال : سادتا أبدل من السين تاء .
واليوم : من طلوع الشمس إلى غروبها .
فإن لم يكن شمس فلا يوم ; قال القشيري .
وقال : ومعنى في ستة أيام أي من أيام الآخرة ، كل يوم ألف سنة ; لتفخيم خلق السماوات والأرض .
وقيل : من أيام الدنيا .
قال مجاهد وغيره : أولها الأحد وآخرها الجمعة .
وذكر هذه المدة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل ; إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون .
ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور ، ولتظهر قدرته للملائكة شيئا بعد شيء .
وهذا عند من يقول : خلق الملائكة قبل خلق السماوات والأرض .
وحكمة أخرى - خلقها في ستة أيام ; لأن لكل شيء عنده أجلا .
وبين بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب ; لأن لكل شيء عنده أجلا .
وهذا كقوله : ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون .
بعد أن قال : وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا .
قوله تعالى ثم استوى على العرش هذه مسألة الاستواء ; وللعلماء فيها كلام وإجراء .
وقد بينا أقوال العلماء فيها في " الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى " وذكرنا فيها هناك أربعة عشر قولا .
والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة ، فليس بجهة فوق عندهم ; لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز ، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز ، والتغير والحدوث .
هذا قول المتكلمين .
وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله .
ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة .
وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته .
قال مالك رحمه الله : الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول ، والسؤال عن هذا بدعة .
وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها .
وهذا القدر كاف ، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء .
والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار .
قال الجوهري : واستوى من اعوجاج ، واستوى على ظهر دابته ; أي استقر .
واستوى إلى السماء أي قصد .
واستوى أي استولى وظهر .
قال :قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراقواستوى الرجل أي انتهى شبابه .
واستوى الشيء إذا اعتدل .
وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى قال : علا .
وقال الشاعر :فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوىأي علا وارتفع .
قلت : فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته .
أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد ، ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه ; لكنه العلي بالإطلاق سبحانه .
على العرش لفظ مشترك يطلق على أكثر من واحد .
قال الجوهري وغيره : العرش سرير الملك .
وفي التنزيل نكروا لها عرشها ، ورفع أبويه على العرش .
والعرش : سقف البيت .
وعرش القدم : ما نتأ في ظهرها وفيه الأصابع .
وعرش السماك : أربعة كواكب صغار أسفل من العواء ، يقال : إنها عجز الأسد .
وعرش البئر : طيها بالخشب ، بعد أن يطوى أسفلها بالحجارة قدر قامة ; فذلك الخشب هو العرش ، والجمع عروش .
والعرش اسم لمكة .
والعرش الملك والسلطان .
يقال : ثل عرش فلان إذا ذهب ملكه وسلطانه وعزه .
قال زهير :تداركتما عبسا وقد ثل عرشها وذبيان إذ ذلت بأقدامها النعلوقد يؤول العرش في الآية بمعنى الملك ، أي ما استوى الملك إلا له جل وعز .
وهو قول حسن وفيه نظر ، وقد بيناه في جملة الأقوال في كتابنا .
والحمد لله .
قوله تعالى يغشي الليل النهار أي يجعله كالغشاء ، أي يذهب نور النهار ليتم قوام الحياة في الدنيا بمجيء الليل .
فالليل للسكون ، والنهار للمعاش .
وقرئ ( يغشي ) بالتشديد ; ومثله في " الرعد " .
وهي قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي .
وخفف الباقون .
وهما لغتان أغشى وغشى .
وقد أجمعوا على فغشاها ما غشى مشددا .
وأجمعوا على فأغشيناهم فالقراءتان متساويتان .
وفي التشديد معنى التكرير والتكثير .
والتغشية والإغشاء : إلباس الشيء الشيء .
ولم يذكر في هذه الآية دخول النهار على الليل ، فاكتفى بأحدهما عن الآخر ، مثل سرابيل تقيكم الحر .
بيدك الخير .
وقرأ حميد بن قيس ( يغشي الليل النهار ) ومعناه أن النهار يغشي الليل .
يطلبه حثيثا أي يطلبه دائما من غير فتور .
و يغشي الليل النهار في موضع نصب على الحال .
والتقدير : استوى على العرش مغشيا الليل النهار .
وكذا يطلبه حثيثا حال من الليل ; أي يغشي الليل النهار طالبا له .
ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة ليست بحال .
حثيثا بدل من طالب المقدر أو نعت له ، أو نعت لمصدر محذوف ; أي يطلبه طلبا سريعا .
والحث : الإعجال والسرعة .
وولى حثيثا أي مسرعا .
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره قال الأخفش : هي معطوفة على السماوات ; أي وخلق الشمس .
وروي عن عبد الله بن عامر بالرفع فيها كلها على الابتداء والخبر .
قوله تعالى ألا له الخلق والأمر فيه مسألتان الأولى : صدق الله في خبره ، فله الخلق وله الأمر ، خلقهم وأمرهم بما أحب .
وهذا الأمر يقتضي النهي .
قال ابن عيينة : فرق بين الخلق والأمر ; فمن جمع بينهما فقد كفر .
فالخلق المخلوق ، والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله : كن إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بين على فساد قول من قال بخلق القرآن ; إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقا لكان قد قال : ألا له الخلق والخلق .
وذلك عي من الكلام ومستهجن ومستغث .
والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه .
ويدل عليه قوله سبحانه .
ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره .
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره .
فأخبر سبحانه أن المخلوقات قائمة بأمره ; فلو كان الأمر مخلوقا لافتقر إلى أمر آخر يقوم به ، وذلك الأمر إلى أمر آخر إلى ما لا نهاية له .
وذلك محال .
فثبت أن أمره الذي هو كلامه قديم أزلي غير مخلوق ; ليصح قيام المخلوقات به .
ويدل عليه أيضا قوله تعالى : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأخبر تعالى أنه خلقهما بالحق ، يعني القول وهو قوله للمكونات : كن .
فلو كان الحق مخلوقا لما صح أن يخلق به المخلوقات ; لأن الخلق لا يخلق بالمخلوق .
يدل عليه ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين .
إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون .
ولكن حق القول مني .
وهذا كله إشارة إلى السبق في القول في القدم ، وذلك يوجب الأزل في الوجود .
وهذه النكتة كافية في الرد عليهم .
ولهم آيات احتجوا بها على مذهبهم ، مثل قوله تعالى : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث الآية .
ومثل قوله تعالى : وكان أمر الله قدرا مقدورا .
و مفعولا وما كان مثله .
قال القاضي أبو بكر : معنى ما يأتيهم من ذكر أي من وعظ من النبي صلى الله عليه وسلم ووعد وتخويف إلا استمعوه وهم يلعبون ; لأن وعظ الرسل صلوات الله عليهم وسلامه وتحذيرهم ذكر .
قال الله تعالى : فذكر إنما أنت مذكر .
ويقال : فلان في مجلس الذكر .
ومعنى وكان أمر الله قدرا مقدورا و مفعولا أراد سبحانه عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره للمؤمنين وما حكم به وقدره من أفعاله .
ومن ذلك قوله تعالى : حتى إذا جاء أمرنا وقال عز وجل : وما أمر فرعون برشيد يعني به شأنه وأفعاله وطرائقه .
قال الشاعر :لها أمرها حتى إذا ما تبوأت بأخفافها مرعى تبوأ مضجعاالثانية : وإذا تقرر هذا فاعلم أن الأمر ليس من الإرادة في شيء .
والمعتزلة تقول : الأمر نفس الإرادة .
وليس بصحيح ، بل يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد .
ألا ترى أنه أمر إبراهيم بذبح ولده ولم يرده منه ، وأمر نبيه أن يصلي مع أمته خمسين صلاة ، ولم يرد منه إلا خمس صلوات .
وقد أراد شهادة حمزة حيث يقول : ويتخذ منكم شهداء .
وقد نهى الكفار عن قتله ولم يأمرهم به .
وهذا صحيح نفيس في بابه ، فتأمله .
قوله تعالى تبارك الله رب العالمين تبارك تفاعل ، من البركة وهي الكثرة والاتساع .
يقال : بورك الشيء وبورك فيه ; قاله ابن عرفة .
وقال الأزهري : تبارك تعالى وتعاظم وارتفع .
وقيل : إن باسمه يتبرك ويتيمن .
وقد مضى في الفاتحة معنى رب العالمين


شرح المفردات و معاني الكلمات : ربكم , الله , خلق , السماوات , الأرض , ستة , أيام , استوى , العرش , يغشي , الليل , النهار , يطلبه , حثيثا , والشمس , القمر , والنجوم , مسخرات , بأمره , الخلق , الأمر , تبارك , الله , رب , العالمين ,
English Türkçe Indonesia
Русский Français فارسی
تفسير انجليزي اعراب

آيات من القرآن الكريم


تحميل سورة الأعراف mp3 :

سورة الأعراف mp3 : قم باختيار القارئ للاستماع و تحميل سورة الأعراف

سورة الأعراف بصوت ماهر المعيقلي
ماهر المعيقلي
سورة الأعراف بصوت سعد الغامدي
سعد الغامدي
سورة الأعراف بصوت عبد  الباسط عبد الصمد
عبد الباسط
سورة الأعراف بصوت أحمد العجمي
أحمد العجمي
سورة الأعراف بصوت محمد صديق المنشاوي
المنشاوي
سورة الأعراف بصوت محمود خليل الحصري
الحصري
سورة الأعراف بصوت مشاري راشد العفاسي
مشاري العفاسي
سورة الأعراف بصوت ناصر القطامي
ناصر القطامي
سورة الأعراف بصوت فارس عباد
فارس عباد
سورة الأعراف بصوت ياسر لدوسري
ياسر الدوسري


الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم


Thursday, June 13, 2024

لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب