1. التفسير الميسر
  2. تفسير الجلالين
  3. تفسير السعدي
  4. تفسير البغوي
  5. التفسير الوسيط
تفسير القرآن | باقة من أهم تفاسير القرآن الكريم المختصرة و الموجزة التي تعطي الوصف الشامل لمعنى الآيات الكريمات : سبعة تفاسير معتبرة لكل آية من كتاب الله تعالى , [ التوبة: 74] .

  
   

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ۚ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾
[ سورة التوبة: 74]

القول في تفسير قوله تعالى : يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا ..


تفسير الجلالين التفسير الميسر تفسير السعدي
تفسير البغوي التفسير الوسيط تفسير ابن كثير
تفسير الطبري تفسير القرطبي إعراب الآية

التفسير الميسر : يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر


يحلف المنافقون بالله أنهم ما قالوا شيئًا يسيء إلى الرسول وإلى المسلمين، إنهم لكاذبون؛ فلقد قالوا كلمة الكفر وارتدوا بها عن الإسلام وحاولوا الإضرار برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يمكنهم الله من ذلك، وما وجد المنافقون شيئًا يعيبونه، وينتقدونه، إلا أن الله -تعالى- تفضل عليهم، فأغناهم بما فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم من الخير والبركة، فإن يرجع هؤلاء الكفار إلى الإيمان والتوبة فهو خير لهم، وإن يعرضوا، أو يستمروا على حالهم، يعذبهم الله العذاب الموجع في الدنيا على أيدي المؤمنين، وفي الآخرة بنار جهنم، وليس لهم منقذ ينقذهم ولا ناصر يدفع عنهم سوء العذاب.

المختصر في التفسير : شرح المعنى باختصار


يحلف المنافقون بالله كاذبين: ما قالوا ما بلغك عنهم من السب لك والعيب لدينك، ولقد قالوا ما بلغك عنهم مما يكفِّرهم، وأظهروا الكفر بعد إظهارهم الإيمان، ولقد هَمُّوا بما لم يظفروا به من الفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، وما أنكروا شيئًا إلا شيئًا لا يُنْكَر، وهو أن الله تفضل عليهم بإغنائهم من الغنائم التي منّ بها على نبيه، فإن يتوبوا إلى الله من نفاقهم تكن توبتهم منه خيرًا لهم من البقاء عليه، وإن يتولوا عن التوبة إلى الله يعذبهم عذابًا موجعًا في الدنيا بالقتل والأسر، ويعذبهم عذابًا موجعًا في الآخرة بالنار، وليس لهم ولي يتولاهم فينقذهم من العذاب، ولا ناصر يدفع عنهم العذاب.

تفسير الجلالين : معنى و تأويل الآية 74


«يحلفون» أي المنافقون «بالله ما قالوا» ما بلغك عنهم من السب «ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم» أظهروا الكفر بعد إظهار الإسلام «وهمَّوا بما لم ينالوا» من الفتك بالنبي ليلة العقبة عند عوده من تبوك وهم بضعة عشر رجلا فضرب عمار بن ياسر وجوه الرواحل لما غشوه فردوا «وما نقموا» أنكروا «إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله» بالغنائم بعد شدة حاجتهم المعنى: لم ينلهم منه إلا هذا وليس مما ينقم «فإن يتوبوا» عن النفاق ويؤمنوا بك «يكُ خيرا لهم وإن يتولوْا» عن الإيمان «يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا» بالقتل «والآخرة» بالنار «ومالهم في الأرض من ولي» يحفظهم منه «ولا نصير» يمنعهم.

تفسير السعدي : يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر


‏{‏يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ‏}‏ أي‏:‏ إذا قالوا قولا كقول من قال منهم ‏{‏ليخرجن الأعز منها الأذل‏}‏ والكلام الذي يتكلم به الواحد بعد الواحد، في الاستهزاء بالدين، وبالرسول‏.‏فإذا بلغهم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد بلغه شيء من ذلك، جاءوا إليه يحلفون باللّه ما قالوا‏.‏قال تعالى مكذبا لهم ‏{‏وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ‏}‏ فإسلامهم السابق ـ وإن كان ظاهره أنه أخرجهم من دائرة الكفر ـ فكلامهم الأخير ينقض إسلامهم، ويدخلهم بالكفر‏.‏‏{‏وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا‏}‏ وذلك حين هموا بالفتك برسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غزوة تبوك، فقص اللّه عليه نبأهم، فأمر من يصدهم عن قصدهم‏.‏‏{‏و‏}‏ الحال أنهم ‏{‏مَا نَقَمُوا‏}‏ وعابوا من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏{‏إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ‏}‏ بعد أن كانوا فقراء معوزين، وهذا من أعجب الأشياء، أن يستهينوا بمن كان سببا لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومغنيا لهم بعد الفقر، وهل حقه عليهم إلا أن يعظموه، ويؤمنوا به ويجلوه‏؟‏‏"‏ فاجتمع الداعي الديني وداعي المروءة الإنسانية‏.‏ثم عرض عليهم التوبة فقال‏:‏ ‏{‏فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ‏}‏ لأن التوبة، أصل لسعادة الدنيا والآخرة‏.‏‏{‏وَإِنْ يَتَوَلَّوْا‏}‏ عن التوبة والإنابة ‏{‏يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ‏}‏ في الدنيا بما ينالهم من الهم والغم والحزن على نصرة اللّه لدينه، وإعزار نبيه، وعدم حصولهم على مطلوبهم، وفي الآخرة، في عذاب السعير‏.‏‏{‏وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ‏}‏ يتولى أمورهم، ويحصل لهم المطلوب ‏{‏وَلَا نَصِيرٍ‏}‏ يدفع عنهم المكروه، وإذا انقطعوا من ولاية اللّه تعالى، فَثَمَّ أصناف الشر والخسران، والشقاء والحرمان‏.‏

تفسير البغوي : مضمون الآية 74 من سورة التوبة


قوله تعالى : ( يحلفون بالله ما قالوا ) قال ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل حجرة فقال : " إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعيني شيطان ، فإذا جاء فلا تكلموه " ، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " علام تشتمني أنت وأصحابك " ؟ فانطلق الرجل ، فجاء بأصحابه ، فحلفوا بالله ، ما قالوا ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية .
وقال الكلبي : نزلت في الجلاس بن سويد ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك ، فذكر المنافقين وسماهم رجسا وعابهم ، فقال جلاس : لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير .
فسمعه عامر بن قيس ، فقال : أجل إن محمدا لصادق وأنتم شر من الحمير ، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس ، فقال الجلاس : كذب علي يا رسول الله ، وأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلفا عند المنبر ، فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قاله ، ولقد كذب علي عامر ، ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد قاله وما كذبت عليه ، ثم رفع يديه إلى السماء وقال : اللهم أنزل على نبيك تصديق الصادق منا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون : آمين .
فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية ، حتى بلغ : ( فإن يتوبوا يك خيرا لهم ) فقام الجلاس فقال : يا رسول الله أسمع الله عز وجل قد عرض علي التوبة ، صدق عامر بن قيس فيما قاله ، لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه ، فقبل رسول الله ذلك منه وحسنت توبته .
قوله تعالى : ( ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) أي : أظهروا الكفر بعد إظهار الإيمان والإسلام .
وقيل: هي سب النبي صلى الله عليه وسلم .
وقيل: كلمة الكفر قول الجلاس : لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير .
وقيل: كلمة الكفر قولهم " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " ، ( المنافقين - 8 ) وستأتي تلك القصة في موضعها في سورة المنافقين ( وهموا بما لم ينالوا ) قال مجاهد : هم المنافقون بقتل المسلم الذي سمع قولهم : لنحن شر من الحمير ، لكي لا يفشيه .
وقيل: هم اثنا عشر رجلا من المنافقين وقفوا على العقبة في طريق تبوك ليفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء جبريل عليه السلام وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم ، فأرسل حذيفة لذلك .
وقال السدي : قالوا إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي تاجا ، فلم يصلوا إليه .
( وما نقموا ) وما كرهوا وما أنكروا منهم ، ( إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) وذلك أن مولى الجلاس قتل ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألف درهم فاستغنى .
وقال الكلبي : كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضنك من العيش ، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم .
( فإن يتوبوا ) من نفاقهم وكفرهم ( يك خيرا لهم وإن يتولوا ) يعرضوا عن الإيمان ، ( يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ) بالخزي ، ( والآخرة ) أي : وفي الآخرة بالنار ، ( وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ) .

التفسير الوسيط : ويستفاد من هذه الآية


ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها: ما رواه ابن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: نزلت هذه الآية: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا.
الآية في الجلاس بن سويد بن الصامت.
أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء.
فقال الجلاس: إن كان ما يقول محمد حقا لنحن أشر من حمرنا هذه التي نحن عليها!! فقال مصعب: أما والله يا عدو الله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت: قال مصعب:فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم.
وخشيت أن ينزل في القرآن أو تصيبني قارعة.. فقلت يا رسول الله:أقبلت أنا والجلاس من قباء.
فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك.
قال مصعب: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الجلاس فقال له: أقلت الذي قال مصعب؟فحلف الجلاس بأنه ما قال ذلك.
فأنزل الله الآية» .
وأخرج ابن إسحاق وابن أبى حاتم عن كعب بن مالك قال: لما نزل القرآن وفيه ذكر المنافقين قال الجلاس بن سويد: والله لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير.
فسمعه عمير بن سعد فقال: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلى.
وأحسنهم عندي أثرا.
ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك، ولئن سكت عنها هلكت، ولإحداهما أشد على من الأخرى.
فمشى عمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ما قال الجلاس.
فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجلاس عما قاله عمير، فحلف بالله ما قال ذلك، وزعم أن عميرا كذب عليه فنزلت هذه الآية .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبى الطفيل.
قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أمر مناديه فنادى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ طريق العقبة- وهو مكان مرتفع ضيق- فلا يأخذها أحد.
قال: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقود ركابه حذيفة ويسوقه عمار، إذا أقبل رهط ملثمون على الرواحل، فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: «قد، قد» .
أى حسبك حسبك.
حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع عمار.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمار: «هل عرفت القوم» ؟ فقال: لقد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون.
قال: «هل تدرى ما أرادوا» ؟ قال: الله ورسوله أعلم.
قال:«أرادوا أن ينفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فيطرحوه» .. .
هذه بعض الروايات التي وردت في سبب نزول هذه الآية وهي تكشف عن كذب المنافقين وغدرهم.
وقوله.
سبحانه: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ...
استئناف مسوق لبيان جانب مما صدر عنهم من جرائم تستدعى جهادهم والإغلاظ عليهم.
أى: يحلف هؤلاء المنافقون بالله كذبا وزورا أنهم ما قالوا هذا القول القبيح الذي بلغك عنهم يا محمد.
والحق أنهم قد قالوا «كلمة الكفر» وهي تشمل كل ما نطقوا به من أقوال يقصدون بها إيذاءه.
صلى الله عليه وسلم، كقولهم: «هو أذن» وقولهم.
«لئن كان ما جاء به حقا فنحن أشر من حمرنا ...
» وغير ذلك من الكلمات القبيحة التي نطقوا بها.
وأنهم قد «كفروا بعد إسلامهم» أى: أظهروا الكفر بعد إظهارهم الإسلام.
وأنهم قد «هموا بما لم ينالوا» أى: حاولوا إلحاق الأذى برسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنهم لم يستطيعوا ذلك، لأن الله تعالى.
عصمه من شرورهم.
وقوله: وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ توبيخ لهم على جحودهم وكنودهم ومقابلتهم الحسنة بالسيئة.
ومعنى: نقموا: كرهوا وعابوا وأنكروا، يقال نقم منه الشيء إذا أنكره، وكرهه وعابه، وكذا إذا عاقبه عليه.
أى: وما أنكر هؤلاء المنافقون من أمر الإسلام شيئا، إلا أنهم بسببه أغناهم الله ورسوله من فضله بالغنائم وغيرها من وجوه الخيرات التي كانوا لا يجدونها قبل حلول الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بينهم.
وهذه الجملة الكريمة جاءت على الأسلوب الذي يسميه علماء البلاغة: تأكيد المدح بما يشبه الذم.
قال الجمل: كأنه قال- سبحانه - ليس له صلى الله عليه وسلم صفة تكره وتعاب، سوى أنه ترتب على قدومه إليهم وهجرته عندهم، إغناء الله إياهم بعد شدة الحاجة، وهذه ليست صفة ذم- بل هي صفة مدح- فحينئذ ليس له صفة تذم أصلا» .
وشبيه بهذا الأسلوب قول الشاعر يمدح قوما بالشجاعة والإقدام.
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ...
بهن فلول من قراع الكتائبثم ختم- سبحانه - الآية الكريمة بترغيبهم وترهيبهم فقال: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ.
وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ..أى: فإن يتب هؤلاء المنافقون عن نفاقهم وشقاقهم وقبائح أقوالهم وأفعالهم، يكن المتاب خيرا لهم في دنياهم وآخرتهم.
«وإن يتولوا» ويعرضوا عن الحق: ويستمروا في ضلالهم «يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة» .
أما عذاب الدنيا فمن مظاهره: حذرهم وخوفهم من أن يطلع المؤمنون على أسرارهم وجبنهم عن مجابهة الحقائق، وشعورهم بالضعف أمام قوة المسلمين، وإحساسهم بالعزلة والمقاطعة من جانب المؤمنين ومعاقبة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم بالعقوبة المناسبة لجرمهم..وأما عذاب الآخرة، فهو أشد وأبقى، بسبب إصرارهم على النفاق، وإعراضهم عن دعوة الحق.
وقوله: وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ تذييل قصد به تيئيسهم من كل معين أو ناصر.
أى: أن هؤلاء المنافقين ليس لهم أحد في الأرض يدفع عنهم عذاب الله، أو يحميهم من عقابه، لأن عقاب الله لن يدفعه دافع إلا هو، فعليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يتوبوا إلى ربهم قبل أن يحل بهم عذابه.
ثم حكى- سبحانه - بعد ذلك نماذج أخرى من جحودهم، ونقضهم لعهودهم، وبخلهم بما آتاهم الله من فضله فقال- سبحانه -.

يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر: تفسير ابن كثير


وقوله : { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم } قال قتادة : نزلت في عبد الله بن أبي ، وذلك أنه اقتتل رجلان : جهني وأنصاري ، فعلا الجهني على الأنصاري ، فقال عبد الله للأنصار : ألا تنصروا أخاكم ؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : " سمن كلبك يأكلك " ، وقال : { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } [ المنافقون : 8 ] فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليه فسأله ، فجعل يحلف بالله ما قاله ، فأنزل الله فيه هذه الآية .
وروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن عمه موسى بن عقبة قال : فحدثنا عبد الله بن الفضل ، أنه سمع أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقول : حزنت على من أصيب بالحرة من قومي ، فكتب إلي زيد بن أرقم - وبلغه شدة حزني - يذكر أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار - وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار - قال ابن الفضل : فسأل أنسا بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم ، فقال : هو الذي يقول له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أوفى الله له بأذنه . وذاك حين سمع رجلا من المنافقين يقول - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب - : لئن كان هذا صادقا فنحن شر من الحمير ، فقال زيد بن أرقم : فهو والله صادق ، ولأنت شر من الحمار . ثم رفع ذلك إلى رسول الله ، فجحده القائل ، فأنزل الله هذه الآية تصديقا لزيد - يعني قوله : { يحلفون بالله ما قالوا } الآية .
رواه البخاري في صحيحه ، عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة . إلى قوله : هذا الذي أوفى الله له بأذنه ولعل ما بعده من قول موسى بن عقبة ، وقد رواه محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة بإسناده ثم قال : قال ابن شهاب . فذكر ما بعده عن موسى ، عن ابن شهاب .
والمشهور في هذه القصة أنها كانت في غزوة بني المصطلق ، فلعل الراوي وهم في ذكر الآية ، وأراد أن يذكر غيرها فذكرها ، والله أعلم . [ حاشية ]
قال " الأموي " في مغازيه : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن جده قال : لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذني قومي فقالوا : إنك امرؤ شاعر ، فإن شئت أن تعتذر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعض العلة ، ثم يكون ذنبا تستغفر الله منه . وذكر الحديث بطوله إلى أن قال : وكان ممن تخلف من المنافقين ، ونزل فيه القرآن منهم ممن كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الجلاس بن سويد بن الصامت ، وكان على أم عمير بن سعد ، وكان عمير في حجره ، فلما نزل القرآن وذكرهم الله بما ذكر مما أنزل في المنافقين ، قال الجلاس : والله لئن كان هذا الرجل صادقا فيما يقول لنحن شر من الحمير [ قال ] فسمعها عمير بن سعد فقال : والله - يا جلاس - إنك لأحب الناس إلي ، وأحسنهم عندي بلاء ، وأعزهم علي أن يصله شيء يكرهه ، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن كتمتها لتهلكني ، ولإحداهما أهون علي من الأخرى . فمشى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ما قال الجلاس . فلما بلغ ذلك الجلاس خرج حتى يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فحلف بالله ما قال ما قال عمير بن سعد ، ولقد كذب علي . فأنزل الله - عز وجل - فيه : { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم } إلى آخر الآية . فوقفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها . فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته ، ونزع فأحسن النزوع هكذا جاء هذا مدرجا في الحديث متصلا به ، وكأنه - والله أعلم - من كلام ابن إسحاق نفسه ، لا من كلام كعب بن مالك .
وقال عروة بن الزبير : نزلت هذه الآية في الجلاس بن سويد بن الصامت ، أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء ، فقال الجلاس : إن كان ما جاء به محمد حقا فنحن أشر من حمرنا هذه التي نحن عليها . فقال مصعب : أما والله - يا عدو الله - لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قلت : فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وخفت أن ينزل في القرآن أو تصيبني قارعة ، أو أن أخلط بخطيئته ، فقلت : يا رسول الله ، أقبلت أنا والجلاس من قباء ، فقال كذا وكذا ، ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك . قال : فدعا الجلاس فقال : يا جلاس ، أقلت الذي قاله مصعب ؟ فحلف ، فأنزل الله : { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم } الآية .
وقال محمد بن إسحاق : كان الذي قال تلك المقالة - فيما بلغني - الجلاس بن سويد بن الصامت ، فرفعها عليه رجل كان في حجره ، يقال له : عمير بن سعيد ، فأنكرها ، فحلف بالله ما قالها : فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع ، وحسنت توبته ، فيما بلغني .
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا في ظل شجرة فقال : إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني الشيطان ، فإذا جاء فلا تكلموه . فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق ، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : علام تشتمني أنت وأصحابك ؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه ، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم ، فأنزل الله - عز وجل - : { يحلفون بالله ما قالوا } الآية .
وذلك بين فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب " دلائل النبوة " من حديث محمد بن إسحاق ، عن الأعمش عن عمرو بن مرة ، عن [ أبي ] البختري ، عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال : كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقود به ، وعمار يسوق الناقة - أو أنا : أسوقه ، وعمار يقوده - حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوه فيها ، قال : فأنبهت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ بهم ] فصرخ بهم فولوا مدبرين ، فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هل عرفتم القوم ؟ قلنا : لا يا رسول الله ، قد كانوا متلثمين ، ولكنا قد عرفنا الركاب . قال : هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة ، وهل تدرون ما أرادوا ؟ قلنا : لا . قال : أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة ، فيلقوه منها . قلنا : يا رسول الله ، أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال : لا ، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل بقوم حتى [ إذا ] أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم ، ثم قال : اللهم ارمهم بالدبيلة . قلنا : يا رسول الله ، وما الدبيلة ؟ قال : شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك .
وقال الإمام أحمد - رحمه الله - : حدثنا يزيد ، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع ، عن أبي الطفيل قال : لما أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك ، أمر مناديا فنادى : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ العقبة فلا يأخذها أحد . فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوده حذيفة ويسوقه عمار ، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل ، فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله ، وأقبل عمار - رضي الله عنه - يضرب وجوه الرواحل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة : قد ، قد . حتى هبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ فلما هبط ] نزل ورجع عمار ، فقال : يا عمار ، هل عرفت القوم ؟ فقال : قد عرفت عامة الرواحل ، والقوم متلثمون . قال : هل تدري ما أرادوا ؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : أرادوا أن ينفروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيطرحوه . قال : فسار عمار رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة ؟ قال : أربعة عشر . فقال : إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر . قال : فعذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم ثلاثة قالوا : والله ما سمعنا منادي رسول الله ، وما علمنا ما أراد القوم . فقال عمار : أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .
وهكذا روى ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير نحو هذا ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي ، وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة ، فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون ، وهم متلثمون ، فأرادوا سلوك العقبة ، فأطلع الله على مرادهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر حذيفة فرجع إليهم ، فضرب وجوه رواحلهم ، ففزعوا ورجعوا مقبوحين ، وأعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حذيفة وعمارا بأسمائهم ، وما كانوا هموا به من الفتك به ، صلوات الله وسلامه عليه ، وأمرهما أن يكتما عليهم .
وكذلك روى يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، إلا أنه سمى جماعة منهم ، فالله أعلم .
وكذا قد حكي في معجم الطبراني ، قاله البيهقي . ويشهد لهذه القصة بالصحة ، ما رواه مسلم :
حدثنا زهير بن حرب ، حدثنا أبو أحمد الكوفي ، حدثنا الوليد بن جميع ، حدثنا أبو الطفيل قال : كان [ بين ] رجل من أهل العقبة [ وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس ، فقال : أنشدك بالله ، كم كان أصحاب العقبة ] قال : فقال له القوم : أخبره إذ سألك . قال : كنا نخبر أنهم أربعة عشر ، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر ، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ، وعذر ثلاثة قالوا : ما سمعنا منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا علمنا بما أراد القوم . وقد كان في حرة فمشى ، فقال : إن الماء قليل ، فلا يسبقني إليه أحد ، فوجد قوما قد سبقوه ، فلعنهم يومئذ .
وما رواه مسلم أيضا ، من حديث قتادة ، عن أبي نضرة ، عن قيس بن عباد ، عن عمار بن ياسر قال : أخبرني حذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : في أصحابي اثنا عشر منافقا ، لا يدخلون الجنة ، ولا يجدون ريحها حتى يلج [ الجمل ] في سم الخياط : ثمانية تكفيكهم الدبيلة : سراج من نار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم .
ولهذا كان حذيفة يقال له : " صاحب السر ، الذي لا يعلمه غيره " أي: من تعيين جماعة من المنافقين ، وهم هؤلاء ، قد أطلعه عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون غيره ، والله أعلم . وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة ، ثم روى عن علي بن عبد العزيز ، عن الزبير بن بكار أنه قال : هم معتب بن قشير ، ووديعة بن ثابت ، وجد بن عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف ، والحارث بن يزيد الطائي ، وأوس بن قيظي ، والحارث بن سويد ، وسعد بن زرارة وقيس بن فهد ، وسويد وداعس من بني الحبلي ، وقيس بن عمرو بن سهل ، وزيد بن اللصيت ، وسلالة بن الحمام ، وهما من بني قينقاع ، أظهرا الإسلام .
وقوله : { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } أي: وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته ويمن سفارته ، ولو تمت عليهم السعادة لهداهم الله لما جاء به ، كما قال ، عليه السلام للأنصار : ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ؟ وعالة فأغناكم الله بي ؟ كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن .
وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب كما قال تعالى : { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } [ البروج : 8 ] وكما قال - عليه السلام - ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله .
ثم دعاهم الله تبارك وتعالى إلى التوبة فقال : { فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة } أي: وإن يستمروا على طريقهم { يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا } أي: بالقتل والهم والغم ، { والآخرة } أي: بالعذاب والنكال والهوان والصغار ، { وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير } أي: وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم ، ولا يحصل لهم خيرا ، ولا يدفع عنهم شرا .

تفسير القرطبي : معنى الآية 74 من سورة التوبة


قوله تعالى يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصيرفيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى يحلفون بالله ما قالوا روي أن هذه الآية نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت ، ووديعة بن ثابت ; وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : والله لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا لنحن شر من الحمير .
فقال له عامر بن قيس : أجل والله إن محمدا لصادق مصدق ; وإنك لشر من حمار .
وأخبر عامر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم .
وجاء الجلاس فحلف بالله عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم إن عامرا لكاذب .
وحلف عامر لقد قال ، وقال : اللهم أنزل على نبيك الصادق شيئا ، فنزلت .
وقيل : إن الذي سمعه عاصم بن عدي .
وقيل حذيفة .
وقيل : بل سمعه ولد امرأته واسمه عمير بن سعد ; فيما قال ابن إسحاق .
وقال غيره : اسمه مصعب .
فهم الجلاس بقتله لئلا يخبر بخبره ; ففيه نزل : وهموا بما لم ينالوا .
قال مجاهد : وكان الجلاس لما قال له صاحبه إني سأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولك هم بقتله ، ثم لم يفعل ، عجز عن ذلك .
قال ، ذلك هي الإشارة بقوله وهموا بما لم ينالوا .
وقيل : إنها نزلت في عبد الله بن أبي ، رأى رجلا من غفار يتقاتل مع رجل من جهينة ، وكانت جهينة حلفاء الأنصار ، فعلا الغفاري الجهني .
فقال ابن أبي : يا بني الأوس والخزرج ، انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك ، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فجاءه عبد الله بن أبي فحلف أنه لم يقله ; قاله قتادة .
وقول ثالث أنه قول جميع المنافقين ; قاله الحسن .
ابن العربي : وهو الصحيح ; لعموم القول ووجود المعنى فيه وفيهم ، وجملة ذلك اعتقادهم فيه أنه ليس بنبي .
الثانية : قوله تعالى ولقد قالوا كلمة الكفر قال النقاش : تكذيبهم بما وعد الله من الفتح .
وقيل : كلمة الكفر قول الجلاس : إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن أشر من الحمير .
وقول عبد الله بن أبي : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .
قال القشيري : كلمة الكفر سب النبي صلى الله عليه وسلم والطعن في الإسلام .
وكفروا بعد إسلامهم أي بعد الحكم بإسلامهم .
فدل هذا على أن المنافقين كفار ، وفي قوله تعالى : ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا دليل قاطع .
ودلت الآية أيضا على أن الكفر يكون بكل ما يناقض التصديق والمعرفة ; وإن كان الإيمان لا يكون إلا بلا إله إلا الله دون غيره من الأقوال والأفعال إلا في الصلاة .
قال إسحاق بن راهويه : ولقد أجمعوا في الصلاة على شيء لم يجمعوا عليه في سائر الشرائع ; لأنهم بأجمعهم قالوا : من عرف بالكفر ثم رأوه يصلي الصلاة في وقتها حتى صلى صلوات كثيرة ، ولم يعلموا منه إقرارا باللسان أنه يحكم له بالإيمان ، ولم يحكموا له في الصوم والزكاة بمثل ذلك .
الثالثة : قوله تعالى وهموا بما لم ينالوا يعني المنافقين من قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في غزوة تبوك ، وكانوا اثني عشر رجلا .
قال حذيفة : سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عدهم كلهم .
فقلت : ألا تبعث إليهم فتقتلهم ؟ فقال : أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيهم الله بالدبيلة .
قيل : يا رسول الله وما الدبيلة ؟ قال : شهاب من جهنم يجعله على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه .
فكان كذلك .
خرجه مسلم بمعناه .
وقيل هموا بعقد التاج على رأس ابن أبي ليجتمعوا عليه .
وقد تقدم قول مجاهد في هذا .
الرابعة : قوله تعالى : وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله أي ليس ينقمون شيئا ; كما قال النابغة :ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائبويقال : نقم ينقم ، ونقم ينقم ; قال الشاعر في الكسر :ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبواوقال زهير :يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقمينشد بكسر القاف وفتحها .
قال الشعبي : كانوا يطلبون دية فيقضي لهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغنوا .
ذكر عكرمة أنها كانت اثني عشر ألفا .
ويقال : إن القتيل كان مولى الجلاس .
وقال الكلبي : كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضنك من العيش ، لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة ، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم .
وهذا المثل مشهور : اتق شر من أحسنت إليه .
قال القشيري أبو نصر : قيل للبجلي أتجد في كتاب الله تعالى اتق شر من أحسنت إليه ؟ قال نعم ، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله .
الخامسة : قوله تعالى فإن يتوبوا يك خيرا لهم روي أن الجلاس قام حين نزلت الآية فاستغفر وتاب .
فدل هذا على توبة الكافر الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان ; وهو الذي يسميه الفقهاء الزنديق .
وقد اختلف في ذلك العلماء ; فقال الشافعي : تقبل توبته .
وقال مالك : توبة الزنديق لا تعرف ; لأنه كان يظهر الإيمان ويسر الكفر ، ولا يعلم إيمانه إلا بقوله .
وكذلك يفعل الآن في كل حين ، يقول : أنا مؤمن وهو يضمر خلاف ما يظهر ; فإذا عثر عليه وقال : تبت ، لم يتغير حاله عما كان عليه .
فإذا جاءنا تائبا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه قبلت توبته ; وهو المراد بالآية .
والله أعلم .
السادسة : قوله تعالى وإن يتولوا أي يعرضوا عن الإيمان والتوبةيعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا بالقتل ، وفي الآخرة بالنار وما لهم في الأرض من ولي أي مانع يمنعهم ولا نصير أي معين .
وقد تقدم .

﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ﴾ [ التوبة: 74]

سورة : التوبة - الأية : ( 74 )  - الجزء : ( 10 )  -  الصفحة: ( 199 )

English Türkçe Indonesia
Русский Français فارسی
تفسير انجليزي اعراب

تفسير آيات من القرآن الكريم

  1. تفسير: ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين
  2. تفسير: فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو
  3. تفسير: يحسب أن ماله أخلده
  4. تفسير: فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا
  5. تفسير: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون
  6. تفسير: هو الذي ينـزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم
  7. تفسير: فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق
  8. تفسير: طعام الأثيم
  9. تفسير: هو الذي أنـزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون
  10. تفسير: إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم

تحميل سورة التوبة mp3 :

سورة التوبة mp3 : قم باختيار القارئ للاستماع و تحميل سورة التوبة

سورة التوبة بصوت ماهر المعيقلي
ماهر المعيقلي
سورة التوبة بصوت سعد الغامدي
سعد الغامدي
سورة التوبة بصوت عبد  الباسط عبد الصمد
عبد الباسط
سورة التوبة بصوت أحمد العجمي
أحمد العجمي
سورة التوبة بصوت محمد صديق المنشاوي
المنشاوي
سورة التوبة بصوت محمود خليل الحصري
الحصري
سورة التوبة بصوت مشاري راشد العفاسي
مشاري العفاسي
سورة التوبة بصوت ناصر القطامي
ناصر القطامي
سورة التوبة بصوت فارس عباد
فارس عباد
سورة التوبة بصوت ياسر لدوسري
ياسر الدوسري

,

لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب