1. التفسير الميسر
  2. تفسير الجلالين
  3. تفسير السعدي
  4. تفسير البغوي
  5. التفسير الوسيط
تفسير القرآن | باقة من أهم تفاسير القرآن الكريم المختصرة و الموجزة التي تعطي الوصف الشامل لمعنى الآيات الكريمات : سبعة تفاسير معتبرة لكل آية من كتاب الله تعالى , [ النساء: 94] .

  
   

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾
[ سورة النساء: 94]

القول في تفسير قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ..


تفسير الجلالين التفسير الميسر تفسير السعدي
تفسير البغوي التفسير الوسيط تفسير ابن كثير
تفسير الطبري تفسير القرطبي إعراب الآية

التفسير الميسر : ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله


يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إذا خرجتم في الأرض مجاهدين في سبيل الله فكونوا على بينة مما تأتون وتتركون، ولا تنفوا الإيمان عمن بدا منه شيء من علامات الإسلام ولم يقاتلكم؛ لاحتمال أن يكون مؤمنًا يخفي إيمانه، طالبين بذلك متاع الحياة الدنيا، والله تعالى عنده من الفضل والعطاء ما يغنيكم به، كذلك كنتم في بدء الإسلام تخفون إيمانكم عن قومكم من المشركين فمَنَّ الله عليكم، وأعزَّكم بالإيمان والقوة، فكونوا على بيِّنة ومعرفة في أموركم. إن الله تعالى عليم بكل أعمالكم، مطَّلع على دقائق أموركم، وسيجازيكم عليها.

المختصر في التفسير : شرح المعنى باختصار


يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، إذا خرجتم للجهاد في سبيل الله فتثبتوا في أمر من تقاتلون، ولا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدل على إسلامه: لست مؤمنًا، وإنما حملك على إظهار الإسلام الخوف على دمك ومالك، فتقتلوه تطلبون بقتله متاع الدنيا الزهيد كالغنيمة منه، فعند الله مغانم كثيرة، وهي خير وأعظم من هذا، كذلك كنتم من قبل مثل هذا الذي يخفي إيمانه من قومه، فمنَّ الله عليكم بالإسلام فعصم دماءكم فتثبتوا، إن الله لا يخفى عليه شيء من عملكم وإن دقَّ، وسيجازيكم به.

تفسير الجلالين : معنى و تأويل الآية 94


ونزل لما مر نفر من الصحابة برجل من بني سليم وهو يسوق غنما فسلم عليهم فقالوا ما سلم علينا إلا تقية فقتلوه واستاقوا غنمه «يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم» سافرتم للجهاد «في سبيل الله فتبينوا» وفي قراءة فتثبتوا في الموضعين «ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام» بألف أو دونها أي التحية أو الانقياد بكلمة الشهادة التي هي أمارة على الإسلام «لست مؤمنا» وإنما قلت هذا تقيه لنفسك ومالك فقتلوه «تبتغون» تطلبون لذلك «عرَضَ الحياة الدنيا» متاعها من الغنيمة «فعند الله مغانم كثيرة» تغنيكم عن قتل مثله لماله «كذلك كنتم من قبل» تعصم دماؤكم وأموالكم بمجرد قولكم الشهادة «فمنَّ الله عليكم» بالاشتهار وبالإيمان والاستقامة «فتبينوا» أن تقتلوا مؤمناً وافعلوا بالداخل في الإسلام كما فُعل بكم «إن الله كان بما تعملون خبيرا» فيجازيكم به.

تفسير السعدي : ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله


يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادًا في سبيله وابتغاء مرضاته أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة.
فإن الأمور قسمان: واضحة وغير واضحة.
فالواضحة البيِّنة لا تحتاج إلى تثبت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل.
وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين، ليعرف هل يقدم عليها أم لا؟ فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها قبل أن يتبين له حكمها، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لمـَّا لم يتثبتوا وقتلوا من سلم عليهم، وكان معه غنيمة له أو مال غيره، ظنًّا أنه يستكفي بذلك قتلَهم، وكان هذا خطأ في نفس الأمر، فلهذا عاتبهم بقوله: { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ }- أي: فلا يحملنكم العرض الفاني القليل على ارتكاب ما لا ينبغي فيفوتكم ما عند الله من الثواب الجزيل الباقي، فما عند الله خير وأبقى.
وفي هذا إشارة إلى أن العبد ينبغي له إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى وهي مضرة له، أن يُذَكِّرها ما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها، وقدَّم مرضاة الله على رضا نفسه، فإن في ذلك ترغيبًا للنفس في امتثال أمر الله، وإن شق ذلك عليها.
ثم قال تعالى مذكرًا لهم بحالهم الأولى، قبل هدايتهم إلى الإسلام: { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ }- أي: فكما هداكم بعد ضلالكم فكذلك يهدي غيركم، وكما أن الهداية حصلت لكم شيئًا فشيئًا، فكذلك غيركم.
فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة - من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه، ولهذا أعاد الأمر بالتبين فقال: { فَتَبَيَّنُوا } فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله، ومجاهدة أعداء الله، وقد استعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم، مأمورًا بالتبين لمن ألقى إليه السلام، وكانت القرينة قوية في أنه إنما سلم تعوذا من القتل وخوفا على نفسه - فإن ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت في كل الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه، فيتثبت فيها العبد، حتى يتضح له الأمر ويتبين الرشد والصواب.
{ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } فيجازي كُلًّا ما عمله ونواه، بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم.

تفسير البغوي : مضمون الآية 94 من سورة النساء


قوله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ) الآية ، قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في رجل من بني مرة بن عوف يقال له مرداس بن نهيك ، وكان من أهل فدك وكان مسلما لم يسلم من قومه غيره ، فسمعوا بسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم تريدهم ، وكان على السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي ، فهربوا وأقام الرجل لأنه كان على دين المسلمين ، فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل ، وصعد هو إلى الجبل فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون ، فلما سمع التكبير عرف أنهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكبر ونزل وهو يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، السلام عليكم ، فتغشاه أسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا ، وكان قد سبقهم قبل ذلك الخبر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قتلتموه إرادة ما معه " ؟ ثم قرأ هذه الآية على أسامة بن زيد ، فقال : يا رسول الله استغفر لي ، فقال فكيف بلا إله إلا الله؟ قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، قال أسامة : فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي بعد ثلاث مرات ، وقال : " اعتق رقبة " .
وروى أبو ظبيان عن أسامة رضي الله عنه قال قلت : يا رسول الله إنما قال خوفا من السلاح ، قال : " أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفا أم لا " ؟وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : مر رجل من بني سليم على نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومعه غنم له فسلم عليهم ، قالوا : ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ) .
.
( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ) يعني إذا سافرتم في سبيل الله ، يعني : الجهاد .
( فتبينوا ) قرأ حمزة والكسائي هاهنا في موضعين وفي سورة الحجرات بالتاء والثاء من التثبيت ، أي : قفوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر ، وقرأ الآخرون بالياء والنون من التبين ، يقال : تبينت الأمر إذا تأملته ، ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم ) هكذا قراءة أهل المدينة وابن عامر وحمزة ، أي : المقادة ، وهو قول " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ، وقرأ الآخرون السلام ، وهو السلام الذي هو تحية المسلمين لأنه كان قد سلم عليهم ، وقيل: السلم والسلام واحد ، أي : لا تقولوا لمن سلم عليكم لست مؤمنا ، ( تبتغون عرض الحياة الدنيا ) يعني : تطلبون الغنم والغنيمة ، و " عرض الحياة الدنيا " منافعها ومتاعها ، ( فعند الله مغانم ) أي غنائم ، ( كثيرة ) وقيل: ثواب كثير لمن اتقى قتل المؤمن ، ( كذلك كنتم من قبل ) قال سعيد بن جبير : كذلك كنتم تكتمون إيمانكم من المشركين ( فمن الله عليكم ) بإظهار الإسلام ، وقال قتادة : كنتم ضلالا من قبل فمن الله عليكم بالإسلام والهداية .
وقيل معناه : كذلك كنتم من قبل تأمنون في قومكم بلا إله إلا الله قبل الهجرة فلا تخيفوا من قالها فمن الله عليكم بالهجرة ، فتبينوا أن تقتلوا مؤمنا .
( إن الله كان بما تعملون خبيرا ) قلت : إذا رأى الغزاة في بلد أو قرية شعار الإسلام فعليهم أن يكفوا عنهم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوما فإن سمع أذانا كف عنهم ، وإن لم يسمع أغار عليهم .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان ، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق ، عن ابن عصام ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية قال : " إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا " .

التفسير الوسيط : ويستفاد من هذه الآية


روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات متعددة إلا أنها متقاربة في المعنى.
وقد حكى معظمها الإمام القرطبي فقال ما ملخصه:هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين مروا في سفرهم برجل معه جمل وغنيمة يبيعها فسلم على القوم وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله- ظنا منه أن المقتول نطق بالشهادتين ليأمن القتل- فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم شق عليه ونزلت الآية فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليه غنيماته.
وقد قيل: إن القاتل محلم بن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط.
وقيل: إن القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك من بنى مرة من أهل فدك.
وفي سنن ابن ماجة عن عمران بن حصين قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا من المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالا شديدا فمنح المشركون المسلمين أكتافهم.
فحمل رجل من المسلمين على رجل من المشركين بالرمح.
فلما غشيه قال: أشهد أن لا إله إلا الله إنى مسلم.
فطعنه فقتله.
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت.
قال: «وما الذي صنعت» مرة أو مرتين.
فأخبره بالذي صنع.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه» ؟فقال: «يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما في قلبه؟ قال: لا فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه» ...
ثم قال القرطبي: ولعل هذه الأحوال جرت في زمان متقارب فنزلت الآية في الجميع .
والضرب في الأرض: السير فيها.
تقول العرب: ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيره.
وكأن السير في الأرض سمى بذلك لأنه يضرب الأرض برجليه في سيره.
والمراد بالضرب في الأرض هنا: السفر والسير فيها من أجل الجهاد في سبيل الله.
وقوله فَتَبَيَّنُوا معناه: فتثبتوا وتأكدوا وتأملوا فيما تأتون وتذرون.
وقرأ حمزة «فتثبتوا» .
قال القرطبي: والسلم والسلم والسلام بمعنى واحد.
قال البخاري.
وقرئ بها كلها.
واختار أبو عبيد «السلام» .
وخالفه أهل النظر فقالوا السلم هنا أشبه لأنه بمعنى الانقياد والاستسلام.
كما قال-تبارك وتعالى- فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق، إذا خرجتم من بيوتكم وسرتم في الأرض من أجل الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته فَتَبَيَّنُوا أى فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وما تذرون، واحذروا أن تضعوا سيوفكم في غير موضعها.
فإن الأصل في الدماء الحرمة والصيانة وعدم الاعتداء عليها، وقد حرم الله-تبارك وتعالى- قتل النفس إلا بالحق.
والتبين والتثبت في القتل واجب حضرا وسفرا.
وإنما خص السفر بالذكر لأن الحادثة التي نزلت فيها الآية وقعت في السفر.
وقوله وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً أى: تأكدوا- أيها المؤمنون- وتثبتوا في كل أحكامكم وأفعالكم، ولا تقولوا لمن أظهر الانقياد لدعوتكم ودينكم فنطق بالشهادتين أو حياكم بتحية الإسلام.
لا تقولوا له لست مؤمنا حقا وإنما قلت ما قلت بلسانك فقط لتأمن القتل.
بل الواجب عليكم أن تقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه فإن علم السرائر والبواطن إنما هو لله-تبارك وتعالى- وحده.
وجملة لَسْتَ مُؤْمِناً مقول لقوله لا تَقُولُوا: أى لا تنفوا عنه الإيمان وهو يظهره أمامكم وفي هذا من الفقه- كما يقول القرطبي- باب عظيم، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر.
ولقد كان عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- ينهى عن قتل من أعلن الاستسلام ويحذر من يقتله بأنه سيقتله به، وقد أرسل بذلك إلى قواد جيوشه لأن الذين يقتلون من يطلب الأمان طمعا في ماله لا يكون جهادهم خالصا لله، ولا تكون أعمالهم محل رضا الله-تبارك وتعالى- ولذا قال- سبحانه -:تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ.
والابتغاء: الطلب الشديد والرغبة الملحة.
وعرض الحياة الدنيا: جميع متاعها وأموالها.
وسمى متاع الدنيا عرضا، لأنه مهما كثر فهو زائل غير دائم، وعارض غير باق.
قال الراغب: والعرض- بفتح الراء والعين- مالا يكون له ثبات.
ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر.
وقيل: الدنيا عرض حاضر تنبيها على أنه لا ثبات لها ، والمغانم: جمع مغنم ويطلق على ما يؤخذ من مال العدو، من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول.
والمعنى: تثبتوا- أيها المؤمنون- في كل أقوالكم وأعمالكم، ولا تتعجلوا في أحكامكم، ولا تقولوا لمن حياكم بتحية الإسلام أو نطق بالشهادتين لست مؤمنا، وإنما فعلت ذلك تقية ثم تقتلونه.
مبتغين من وراء قتله متاع الدنيا الزائل، وعرضها الفاني، إن هذا المسلك يتنافى مع الإيمان الصادق والجهاد الخالص.
ومن كان منكم يريد متاع الدنيا فليطلبه من الله وحده- فإن خزائنه لا تنفد، وعطاءه لا يحد- ولا يطلبه عن طريق الاعتداء على من أظهر الإسلام أو التمس منكم الأمان.
وقوله تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا حال من فاعل لا تَقُولُوا لكن لا على أن يكون النهى راجعا للقيد فقط كما في قولك: لا تطلب العلم تبتغى به الجاه والتفاخر، بل على أنه راجع إليهما جميعا.
أى: لا تقولوا له ذلك ولا تبتغوا العرض الفاني.
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة توبيخهم على حرصهم على متاع الدنيا بطريقة لا تتناسب مع الإيمان الكامل، ومع الهدف الذي خرجوا من أجله: وهو إعلاء كلمة الله تعالى- وضم أكبر عدد من الناس إلى دعوة الحق التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ تعليل للنهى عن ابتغاء عرض الحياة الدنيا بهذا الأسلوب فكأنه قال: لا تعودوا إلى ما فعلتموه من قتل من ألقى إليكم السلام طلبا لما له، فإن الله-تبارك وتعالى- عنده مغانم كثيرة، وفي مقدوره أن يغنيكم من فضله فالجأوا إلى جنابه وحده، وخصوه بالسؤال، وأخلصوا له العمل.
وقوله كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا تعليل للنهى عما قالوه وما فعلوه.
أى: أنتم- أيها المؤمنون- كنتم من قبل مثل ذلك الذي ألقى إليكم السلام، فقد كنتم في أول إسلامكم لا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم من النطق بالشهادتين وتبادل تحية الإسلام، فمن الله عليكم بأن قبل منكم تلك المرتبة وعصم بها دماءكم وأموالكم ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم.
وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقد قال: قوله كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت من دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم بالاستقامة والاشتهار بالإيمان فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكانة، ولا تقولوا إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سبيلا إلى استباحة دمه وماله وقد حرمهما الله .
فاسم الإشارة راجع إلى من في قوله: لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ.
ويجوز أن يكون اسم الإشارة راجعا إلى الحالة التي كانوا عليها في ابتداء إسلامهم.
أى كحال هذا الذي يسر إيمانه ويخفيه عن قومه كنتم من قبل.
وقد رجح هذا المعنى ابن جرير فقال ما ملخصه: قوله كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أى كذلك كنتم تخفون إيمانكم في وقومكم من المشركين، وأنتم مقيمون بين أظهرهم، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيما بين أظهر قومه من المشركين مستخفيا بدينه منهم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أى: فرفع منكم ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به من توحيده وعبادته ....والذي يبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع لهذين التفسيرين، إلا أن التفسير الأول الذي جرى عليه صاحب الكشاف أشمل وأنسب لسياق الآية لأن المقصد الرئيسى الذي تدعو إليه الآية الكريمة هو نهى المؤمنين عن سوء الظن بمن أظهر الإسلام وعن الاعتداء عليه.
وأمرهم بان يعاملوا الناس بظواهرهم أما بواطنهم فأمرها إلى الله وحده.
والفاء في قوله فَتَبَيَّنُوا فصيحة.
أى: إذا كان الأمر كذلك فتبينوا نعمة الله عليكم وداوموا على شكرها، وقيسوا أحوال غيركم بما سبق من أحوالكم، واقبلوا ظواهر الناس بدون فحص عن بواطنهم، ولا تصدروا أحكامكم عليهم إلا بعد التثبت والتأكد من صحتها ولا تشهروا سيوفكم في وجوههم إلا بعد التأكد من كفرهم وعدوانهم.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً تذييل قصد به تحذيرهم من مخالفة أمره.
أى: إن الله مطلع على دقيق الأمور وجليلها، خبير بما تسره نفوسكم وما تعلنه، لا يخفى عليه شيء من ظواهركم وبواطنكم، وسيحاسبكم على كل ذلك، وسيجازيكم بما تستحقون من خير أو شر.
هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن الكافر إذا نطق بالشهادتين حرم قتله لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من إهدار دمه وماله وأهله.
كما أخذوا منها وجوب التثبت في الأحكام وفي الأقوال.
وأخذ الناس بظواهرهم حتى يثبت خلاف ذلك.
قال الفخر الرازي: اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل المؤمنين.
وأمر المجاهدين بالتثبت فيه، لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف .
وقال بعض العلماء: وقد دلت الآية على حكمة عظيمة في حفظ الجامعة الدينية، وهي بث الثقة والأمان بين أفراد الأمة وطرح ما من شأنه إدخال الشك لأنه إذا فتح هذا الباب عسر سده، وكما يتهم المتهم غيره فللغير أن يتهم من اتهمه.
وبذلك ترتفع الثقة، ويسهل على ضعفاء الإيمان المروق، إذ قد أصبحت التهمة تظل الصادق والمنافق.
وانظر معاملة النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين معاملة المسلمين.
على أن هذا الدين سريع السريان في القلوب فيكتفى أهله بدخول الداخلين فيه من غير مناقشة.
إذ لا يلبثون أن يألفوه وتخالط بشاشته قلوبهم.
فهم يقتحمونه على شك وتردد فيصير إيمانا راسخا.
ومما يعين على ذلك ثقة السابقين فيه باللاحقين.
ومن أجل ذلك أعاد الله الأمر فقال فَتَبَيَّنُوا تأكيدا لقوله فَتَبَيَّنُوا المذكور قبله .. .
وبعد أن أمر- سبحانه - المؤمنين بأن يعاملوا الناس على حسب ظواهرهم ونهاهم عند جهادهم عن التعجل في القتل.
أتبع ذلك ببيان فضل المجاهدين المخلصين فقال-تبارك وتعالى-

ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله: تفسير ابن كثير


قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن أبي بكير ، وحسين بن محمد ، وخلف بن الوليد ، قالوا : حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنما له ، فسلم عليهم فقالوا : ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا . فعمدوا إليه فقتلوه ، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا [ إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ] } إلى آخرها .
ورواه الترمذي في التفسير ، عن عبد بن حميد ، عن عبد العزيز بن أبي رزمة ، عن إسرائيل ، به . وقال : هذا حديث حسن ، وفي الباب عن أسامة بن زيد . ورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، به . ثم قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم بن سليمان ، كلاهما عن إسرائيل ، به وقال في بعض كتبه غير التفسير - وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط - : وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما ، لعلل منها : أنه لا يعرف له مخرج عن سماك إلا من هذا الوجه ، ومنها : أن عكرمة في روايته عندهم نظر ، ومنها : أن الذي أنزلت فيه الآية مختلف فيه ، فقال بعضهم : أنزلت في محلم بن جثامة ، وقال بعضهم : أسامة بن زيد . وقيل غير ذلك .
قلت : وهذا كلام غريب ، وهو مردود من وجوه أحدها : أنه ثابت عن سماك ، حدث به عنه غير واحد من الكبار . الثاني : أن عكرمة محتج به في الصحيح . الثالث : أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس ، كما قال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } قال : قال ابن عباس : كان رجل في غنيمة له ، فلحقه المسلمون ، فقال : السلام عليكم . فقتلوه وأخذوا غنيمته [ فأنزل الله ذلك إلى قوله : { تبتغون عرض الحياة الدنيا } تلك الغنيمة . قرأ ابن عباس { السلام } وقال سعيد بن منصور : حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال : لحق المسلمون رجلا في غنيمة فقال : السلام عليكم ، فقتلوه وأخذوا غنيمته ] فنزلت : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا }
ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم ، من طريق سفيان بن عيينة ، به
وأما قصة محلم بن جثامة فقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه عبد الله ابن أبي حدرد ، رضي الله عنه ، قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم ، فخرجت في نفر من المسلمين ، فيهم : أبو قتادة الحارث بن ربعي ، ومحلم بن جثامة بن قيس ، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي ، على قعود له ، معه متيع ووطب من لبن ، فلما مر بنا سلم علينا ، فأمسكنا عنه ، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله ، بشيء كان بينه وبينه ، وأخذ بعيره ومتيعه ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر ، نزل فينا القرآن : { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله [ فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون ] خبيرا . }
تفرد به أحمد
وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا جرير ، عن ابن إسحاق ، عن نافع ; أن ابن عمر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثا ، فلقيهم عامر بن الأضبط ، فحياهم بتحية الإسلام وكانت بينهم حنة في الجاهلية ، فرماه محلم بسهم فقتله ، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتكلم فيه عيينة والأقرع ، فقال الأقرع : يا رسول الله ، سن اليوم وغير غدا . فقال عيينة : لا والله ، حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي . فجاء محلم في بردين ، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا غفر الله لك " . فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه ، فما مضت له سابعة حتى مات ، ودفنوه ، فلفظته الأرض ، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له ، فقال : " إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ، ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم " ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة ، ونزلت : { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } الآية .
وقال البخاري : قال حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد : " إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار ، فأظهر إيمانه فقتلته ، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل " .
هكذا ذكر البخاري هذا الحديث معلقا مختصرا وقد روي مطولا موصولا فقال الحافظ أبو بكر البزار :
حدثنا أحمد بن علي البغدادي ، حدثنا جعفر بن سلمة ، حدثنا أبو بكر بن علي بن مقدم ، حدثنا حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ، فيها المقداد بن الأسود ، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا ، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح فقال : أشهد أن لا إله إلا الله . وأهوى إليه المقداد فقتله ، فقال له رجل من أصحابه : أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله ؟ والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم . فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله ، إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله ، فقتله المقداد . فقال : " ادعوا لي المقداد . يا مقداد ، أقتلت رجلا يقول : لا إله إلا الله ، فكيف لك بلا إله إلا الله غدا ؟ " . قال : فأنزل الله : { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد : " كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار ، فأظهر إيمانه ، فقتلته ، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل " .
وقوله : { فعند الله مغانم كثيرة } أي: خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام ، وأظهر إليكم الإيمان ، فتغافلتم عنه ، واتهمتموه بالمصانعة والتقية ; لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ، فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من مال هذا .
وقوله : { كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم } أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه ، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفا ، وكما قال تعالى : { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض [ تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ] } الآية [ الأنفال : 26 ] ، وهذا هو مذهب سعيد بن جبير ، كما رواه الثوري ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير في قوله : { كذلك كنتم من قبل } تخفون إيمانكم في المشركين .
ورواه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، أخبرني عبد الله بن كثير ، عن سعيد بن جبير في قوله : { كذلك كنتم من قبل } تستخفون بإيمانكم ، كما استخفى هذا الراعي بإيمانه .
وهذا اختيار ابن جرير . وقال ابن أبي حاتم : وذكر عن قيس ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير قوله : { كذلك كنتم من قبل } [ تورعون عن مثل هذا ، وقال الثوري عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق : { كذلك كنتم من قبل } ] لم تكونوا مؤمنين { فمن الله عليكم [ فتبينوا } وقال السدي : { فمن الله عليكم } ] أي: تاب عليكم ، فحلف أسامة لا يقتل رجلا يقول : " لا إله إلا الله " بعد ذلك الرجل ، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه .
وقوله : { فتبينوا } تأكيد لما تقدم . وقوله : { إن الله كان بما تعملون خبيرا } قال سعيد بن جبير : هذا تهديد ووعيد .

تفسير القرطبي : معنى الآية 94 من سورة النساء


قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرافيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا هذا متصل بذكر القتل والجهاد .
والضرب : السير في الأرض ؛ تقول العرب : ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيره ؛ مقترنة بفي .
وتقول : ضربت الأرض دون " في " إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان ؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يخرج الرجلان يضربان الغائط يتحدثان كاشفين عن فرجيهما فإن الله يمقت على ذلك .
وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين مروا في سفرهم برجل معه جمل وغنيمة يبيعها فسلم على القوم وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ؛ فحمل عليه أحدهم فقتله .
فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم شق عليه ونزلت الآية .
وأخرجه البخاري عن عطاء عن ابن عباس قال : قال ابن عباس : كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال : السلام عليكم ، فقتلوه وأخذوا غنيمته ؛ فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله : عرض الحياة الدنيا تلك الغنيمة .
قال : قرأ ابن عباس " السلام " .
في غير البخاري : وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليه غنيماته .
واختلف في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة ، فالذي عليه الأكثر وهو في سير ابن إسحاق ومصنف أبي داود والاستيعاب لابن عبد البر أن القاتل محلم بن جثامة ، والمقتول عامر بن الأضبط فدعا عليه السلام على محلم فما عاش بعد ذلك إلا سبعا ثم دفن فلم تقبله الأرض ثم دفن فلم تقبله ثم دفن ثالثة فلم تقبله ؛ فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقوه في بعض تلك الشعاب ؛ وقال عليه السلام : إن الأرض لتقبل من هو شر منه .
قال الحسن : أما إنها تحبس من هو شر منه ولكنه وعظ القوم ألا يعودوا .
وفي سنن ابن ماجه عن عمران بن حصين قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا من المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالا شديدا ، فمنحوهم أكتافهم فحمل رجل من لحمتي على رجل من المشركين بالرمح فلما غشيه قال : أشهد أن لا إله إلا الله ؛ إني مسلم ؛ فطعنه فقتله ؛ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، هلكت ! قال : وما الذي صنعت ؟ مرة أو مرتين ، فأخبره بالذي صنع .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه فقال : يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما في قلبه ؟ قال : لا فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه .
فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات فدفناه ، فأصبح على وجه الأرض .
فقلنا : لعل عدوا نبشه ، فدفناه ثم أمرنا غلماننا يحرسونه فأصبح على ظهر الأرض .
فقلنا : لعل الغلمان نعسوا ، فدفناه ثم حرسناه بأنفسنا فأصبح على ظهر الأرض ، فألقيناه في بعض تلك الشعاب .
وقيل : إن القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك الغطفاني ثم الفزاري من بني مرة من أهل فدك .
وقال ابن القاسم عن مالك .
وقيل : كان مرداس هذا قد أسلم من الليلة وأخبر بذلك أهله ؛ ولما عظم النبي صلى الله عليه وسلم الأمر على أسامة حلف عند ذلك ألا يقاتل رجلا يقول : لا إله إلا الله .
وقد تقدم القول فيه .
وقيل : القاتل أبو قتادة .
وقيل : أبو الدرداء .
ولا خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم الذي ذكرناه .
ولعل هذه الأحوال جرت في زمان متقارب فنزلت الآية في الجميع .
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على أهل المسلم الغنم والجمل وحمل ديته على طريق الائتلاف والله أعلم .
وذكر الثعلبي أن أمير تلك السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي .
وقيل : المقداد حكاه السهيلي .
الثانية : قوله تعالى : " فتبينوا " أي : تأملوا .
و " تبينوا " قراءة الجماعة ، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ، وقالا : من أمر بالتبين فقد أمر بالتثبيت ؛ يقال : تبينت الأمر وتبين الأمر بنفسه ، فهو متعد ولازم .
وقرأ حمزة " فتثبتوا " من التثبت بالثاء مثلثة وبعدها باء بواحدة " وتبينوا " في هذا أوكد ؛ لأن الإنسان قد يتثبت ولا يبين .
وفي إذا معنى الشرط ، فلذلك دخلت الفاء في قوله فتبينوا .
وقد يجازى بها كما قال :وإذا تصبك خصاصة فتجملوالجيد ألا يجازى بها كما قال الشاعر :والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنعوالتبين التثبت في القتل واجب حضرا وسفرا ولا خلاف فيه ، وإنما خص السفر بالذكر لأن الحادثة التي فيها نزلت الآية وقعت في السفر .
الثالثة : قوله تعالى : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا السلم والسلم ، والسلام واحد ، قاله البخاري .
وقرئ بها كلها .
واختار أبو عبيد القاسم بن سلام " السلام " .
وخالفه أهل النظر فقالوا : " السلم " هاهنا أشبه ؛ لأنه بمعنى الانقياد والتسليم ، كما قال عز وجل : فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء فالسلم الاستسلام والانقياد .
أي لا تقولوا لمن ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوتكم لست مؤمنا .
وقيل : السلام قول السلام عليكم ، وهو راجع إلى الأول ؛ لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده ، ويحتمل أن يراد به الانحياز والترك .
قال الأخفش : يقال فلان سلام إذا كان لا يخالط أحدا .
والسلم ( بشد السين وكسرها وسكون اللام ) الصلح .
الرابعة : وروي عن أبي جعفر أنه قرأ " لست مؤمنا " بفتح الميم الثانية ، من آمنته إذا أجرته فهو مؤمن .
الخامسة : والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له جاز له قتله ؛ فإن قال : لا إله إلا الله لم يجز قتله ؛ لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله : فإن قتله بعد ذلك قتل به .
وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام وتأولوا أنه قالها متعوذا وخوفا من السلاح ، وأن العاصم قولها مطمئنا ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاصم كيفما قالها ؛ ولذلك قال لأسامة : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا أخرجه مسلم .
أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب ؟ وذلك لا يمكن فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه .
وفي هذا من الفقه باب عظيم ، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر .
السادسة : فإن قال : سلام عليكم فلا ينبغي أن يقتل أيضا حتى يعلم ما وراء هذا ؛ لأنه موضع إشكال .
وقد قال مالك في الكافر يوجد فيقول : جئت مستأمنا أطلب الأمان : هذه أمور مشكلة ، وأرى أن يرد إلى مأمنه ولا يحكم له بحكم الإسلام ؛ لأن الكفر قد ثبت له فلا بد أن يظهر منه ما يدل على قوله ، ولا يكفي أن يقول أنا مسلم ولا أنا مؤمن ولا أن يصلي حتى يتكلم بالكلمة العاصمة التي علق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بها عليه في قوله : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله .
السابعة : فإن صلى أو فعل فعلا من خصائص الإسلام فقد اختلف فيه علماؤنا ؛ فقال ابن العربي : نرى أنه لا يكون بذلك مسلما ، أما أنه يقال له : ما وراء هذه الصلاة ؟ فإن قال : صلاة مسلم ، قيل له : قل لا إله إلا الله ؛ فإن قالها تبين صدقه ، وإن أبى علمنا أن ذلك تلاعب ، وكانت عند من يرى إسلامه ردة ، والصحيح أنه كفر أصلي ليس بردة .
وكذلك هذا الذي قال : سلام عليكم ، يكلف الكلمة ، فإن قالها تحقق رشاده ، وإن أبى تبين عناده وقتل .
وهذا معنى قوله : فتبينوا أي الأمر المشكل ، أو " تثبتوا " ولا تعجلوا المعنيان سواء .
فإن قتله أحد فقد أتى منهيا عنه .
فإن قيل : فتغليظ النبي صلى الله عليه وسلم على محلم ، ونبذه من قبره كيف مخرجه ؟ قلنا : لأنه علم من نيته أنه لم يبال بإسلامه فقتله متعمدا لأجل الحنة التي كانت بينهما في الجاهلية .
الثامنة : قوله تعالى : تبتغون عرض الحياة أي تبتغون أخذ ماله : ويسمى متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير ثابت .
قال أبو عبيدة : يقال جميع متاع الحياة الدنيا عرض بفتح الراء ؛ ومنه : ( الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ) .
والعرض ( بسكون الراء ) ما سوى الدنانير والدراهم ؛ فكل عرض عرض ، وليس كل عرض عرضا .
وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس .
وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه :تقنع بما يكفيك واستعمل الرضا فإنك لا تدري أتصبح أم تمسيفليس الغنى عن كثرة المال إنما يكون الغنى والفقر من قبل النفسوهذا يصحح قول أبي عبيدة : فإن المال يشمل كل ما يتمول .
وفي كتاب العين : العرض ما نيل من الدنيا ؛ ومنه قوله تعالى : تريدون عرض الدنيا وجمعه عروض .
وفي المجمل لابن فارس : والعرض ما يعترض الإنسان من مرض أو نحوه وعرض الدنيا ما كان فيها من مال قل أو كثر .
والعرض من الأثاث ما كان غير نقد .
وأعرض الشيء إذا ظهر وأمكن .
والعرض خلاف الطول .
التاسعة : قوله تعالى : فعند الله مغانم كثيرة عدة من الله تعالى بما يأتي به على وجهه ومن حله دون ارتكاب محظور ، أي فلا تتهافتوا .
كذلك كنتم من قبل أي كذلك كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم خوفا منكم على أنفسكم حتى من الله عليكم بإعزاز الدين وغلبة المشركين ، فهم الآن كذلك كل واحد منهم في قومه متربص أن يصل إليكم ، فلا يصلح إذ وصل إليكم أن تقتلوه حتى تتبينوا أمره .
وقال ابن زيد : المعنى كذلك كنتم كفرة فمن الله عليكم بأن أسلمتم فلا تنكروا أن يكون هو كذلك ثم يسلم لحينه حين لقيكم فيجب أن تتثبتوا في أمره .
العاشرة : استدل بهذه الآية من قال : إن الإيمان هو القول ، لقوله تعالى : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا .
قالوا : ولما منع أن يقال لمن قال لا إله إلا الله لست مؤمنا منع من قتلهم بمجرد القول .
ولولا الإيمان الذي هو هذا القول لم يعب قولهم .
قلنا : إنما شك القوم في حالة أن يكون هذا القول منه تعوذا فقتلوه ، والله لم يجعل لعباده غير الحكم بالظاهر ؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وليس في ذلك أن الإيمان هو الإقرار فقط ؛ ألا ترى أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول وليسوا بمؤمنين حسب ما تقدم بيانه في " البقرة " وقد كشف البيان في هذا قوله عليه السلام : أفلا شققت عن قلبه ؟ فثبت أن الإيمان هو الإقرار وغيره ، وأن حقيقته التصديق بالقلب ، ولكن ليس للعبد طريق إليه إلا ما سمع منه فقط .
واستدل بهذا أيضا من قال : إن الزنديق تقبل توبته إذا أظهر الإسلام ؛ قال : لأن الله تعالى لم يفرق بين الزنديق وغيره متى أظهر الإسلام .
وقد مضى القول في هذا في أول البقرة .
وفيها رد على القدرية ، فإن الله تعالى أخبر أنه من على المؤمنين من بين جميع الخلق بأن خصهم بالتوفيق ، والقدرية تقول : خلقهم كلهم للإيمان .
ولو كان كما زعموا لما كان لاختصاص المؤمنين بالمنة من بين الخلق معنى .
الحادية عشرة : قوله تعالى : فتبينوا أعاد الأمر بالتبيين للتأكيد .
إن الله كان بما تعملون خبيرا تحذير عن مخالفة أمر الله ؛ أي احفظوا أنفسكم وجنبوها الزلل الموبق لكم .

﴿ ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ [ النساء: 94]

سورة : النساء - الأية : ( 94 )  - الجزء : ( 5 )  -  الصفحة: ( 93 )

English Türkçe Indonesia
Русский Français فارسی
تفسير انجليزي اعراب

تفسير آيات من القرآن الكريم

  1. تفسير: فكيف كان عذابي ونذر
  2. تفسير: قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا
  3. تفسير: ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا
  4. تفسير: ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا
  5. تفسير: إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله
  6. تفسير: فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى
  7. تفسير: ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين
  8. تفسير: وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك
  9. تفسير: ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنـزل الله بها من سلطان
  10. تفسير: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم

تحميل سورة النساء mp3 :

سورة النساء mp3 : قم باختيار القارئ للاستماع و تحميل سورة النساء

سورة النساء بصوت ماهر المعيقلي
ماهر المعيقلي
سورة النساء بصوت سعد الغامدي
سعد الغامدي
سورة النساء بصوت عبد  الباسط عبد الصمد
عبد الباسط
سورة النساء بصوت أحمد العجمي
أحمد العجمي
سورة النساء بصوت محمد صديق المنشاوي
المنشاوي
سورة النساء بصوت محمود خليل الحصري
الحصري
سورة النساء بصوت مشاري راشد العفاسي
مشاري العفاسي
سورة النساء بصوت ناصر القطامي
ناصر القطامي
سورة النساء بصوت فارس عباد
فارس عباد
سورة النساء بصوت ياسر لدوسري
ياسر الدوسري

,

لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب