ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون
﴿وأنتم﴾: أنتم: ضمير رفع منفصل لجماعة المخاطبين. «while you (were)»
قوله تعالى : ( ولقد نصركم الله ببدر ) وبدر موضع بين مكة والمدينة وهو اسم لموضع ، وعليه الأكثرون وقيل: اسم لبئر هناك ، وقيل: كانت بدر بئرا لرجل يقال له بدر ، قاله الشعبي وأنكر الآخرون عليه .يذكر الله تعالى في هذه الآية منته عليهم بالنصرة يوم بدر ، ( وأنتم أذلة ) جمع : ذليل وأراد به قلة العدد فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فنصرهم الله مع قلة عددهم ، ( فاتقوا الله لعلكم تشكرون )
إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين
﴿تقول﴾: تتكلم مخاطبا. «you said»
( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ) اختلفوا في هذه الآية فقال قتادة : كان هذا يوم بدر أمدهم الله تعالى بألف من الملائكة كما قال : " فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة " ( الأنفال - 9 ) ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف كما ذكر هاهنا ( بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) .
بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين
﴿تصبروا﴾: تتجلدوا ولا تجزعوا. والصبر: حبس النفس عن الجزع، والتجلد وحسن الاحتمال. «you are patient»
( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) فصبروا يوم بدر فاتقوا فأمدهم الله بخمسة آلاف كما وعد قال الحسن : وهؤلاء الخمسة آلاف ردء المؤمنين إلى يوم القيامة .وقال ابن عباس ومجاهد : لم تقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر ، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون ، إنما يكونون عددا ومددا .قال محمد بن إسحاق : لما كان يوم أحد انجلى القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي سعد بن مالك يرمي وفتى شاب يتنبل له كلما فني النبل أتاه به فنثره فقال ارم أبا إسحاق مرتين ، فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل فلم يعرف .أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد العزيز بن عبد الله ، أنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن جده ، عن سعد بن أبي وقاص قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد .ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، قال أخبرنا محمد بن بشر وأبو أسامة ، عن مسعر ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن سعد يعني ابن أبي وقاص قال : " رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد " يعني : جبريل وميكائيل .وقال الشعبي : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر : أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك عليهم ، فأنزل الله تعالى : ( ألن يكفيكم أن يمدكم ) إلى قوله ( مسومين ) فبلغ كرزا الهزيمة فرجع فلم يأتهم ولم يمدهم فلم يمدهم الله أيضا بالخمسة آلاف ، وكانوا قد أمدوا بألف .وقال الآخرون : إنما وعد الله تعالى المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته واتقوا محارمه : أن يمدهم أيضا في حروبهم كلها فلم يصبروا إلا في يوم الأحزاب ، فأمدهم الله حتى حاصروا قريظة والنضير ، قال عبد الله بن أبي أوفى : كنا محاصري قريظة والنضير ما شاء الله فلم يفتح علينا فرجعنا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبريل عليه السلام ، فقال : وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله ، ثم نادى فينا فقمنا حتى أتينا قريظة والنضير فيومئذ أمدنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة ، ففتح لنا فتحا يسيرا .وقال الضحاك وعكرمة : كان هذا يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا فلم يصبروا فلم يمدوا به .قوله تعالى : ( أن يمدكم ربكم ) والإمداد : إعانة الجيش بالجيش ، وقيل: ما كان على جهة القوة والإعانة يقال فيه : أمده إمدادا وما كان على جهة الزيادة يقال : مده مدا ، ومنه قوله تعالى : " والبحر يمده " ( لقمان - 27 ) وقيل: المد في الشر والإمداد في الخير ، يدل عليه قوله تعالى : " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " ( البقرة - 15 ) " ونمد له من العذاب مدا " ( مريم - 79 ) وقال في الخير : ( أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) وقال : " وأمددناكم بأموال وبنين " ( الإسراء - 26 ) .قوله تعالى : ( بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) قرأ ابن عامر بتشديد الزاي على التكثير لقوله تعالى : " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة " ( سورة الأنعام - 111 ) وقرأ الآخرون بالتخفيف دليله قوله تعالى : " لولا أنزل علينا الملائكة " ( الفرقان - 21 ) وقوله : " وأنزل جنودا لم تروها " ( التوبة - 26 ) .ثم قال : ( بلى ) نمدكم ( إن تصبروا ) لعدوكم ( وتتقوا ) أي : مخالفة نبيكم ( ويأتوكم ) يعني المشركين ( من فورهم هذا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والحسن وأكثر المفسرين : من وجههم هذا ، وقال مجاهد والضحاك : من غضبهم هذا ، لأنهم إنما رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر ، ( يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ) لم يرد خمسة آلاف سوى ما ذكر من ثلاثة آلاف بل أراد معهم وقوله ( مسومين ) أي : معلمين قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو وقرأ الآخرون بفتحها فمن كسر الواو فأراد أنهم سوموا خيلهم ومن فتحها أراد به أنفسهم ، والتسويم : الإعلام من السومة وهي العلامة .واختلفوا في تلك العلامة فقال عروة بن الزبير : كانت الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر ، وقال علي وابن عباس رضي الله عنهم : كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم ، ( وقال هشام بن عروة والكلبي : عمائم صفر مرخاة على أكتافهم ) وقال الضحاك وقتادة : كانوا قد أعلموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر : " تسوموا فإن الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم " .
وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم
﴿ولتطمئن﴾: تطمئن القلوب: تسكن وترضى. «and to reassure»
قوله تعالي ( وما جعله الله ) يعني هذا الوعد والمدد ، ( إلا بشرى لكم ) أي : بشارة لتستبشروا به ( ولتطمئن ) ولتسكن ( قلوبكم به ) فلا تجزعوا من كثرة عدوكم وقلة عددكم ( وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) يعني : لا تحيلوا بالنصر على الملائكة والجند ، فإن النصر من الله تعالى فاستعينوا به وتوكلوا عليه ، لأن العز والحكم له .
ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين
﴿يكبتهم﴾: يذلهم ويخزيهم ويغيظهم ويغمهم بالهزيمة. «suppress them»
قوله تعالى : ( ليقطع طرفا من الذين كفروا ) يقول : لقد نصركم الله ببدر ليقطع طرفا أي : لكي يهلك طائفة من الذين كفروا وقال السدي : معناه ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر ، فقتل من قادتهم وسادتهم يوم بدر سبعون وأسر سبعون ومن حمل الآية على حرب أحد فقد قتل منهم يومئذ ستة عشر وكانت النصرة للمسلمين حتى خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فانقلب عليهم ، ( أو يكبتهم ) قال الكلبي : يهزمهم وقال يمان : يصرعهم لوجوههم ، قال السدي : يلعنهم ، وقال أبو عبيدة : يهلكهم ، وقيل: يحزنهم ، والمكبوت : الحزين وقيل أصله : يكبدهم أي : يصيب الحزن والغيظ أكبادهم ، والتاء والدال يتعاقبان كما يقال سبت رأسه وسبده : إذا حلقه ، وقيل: يكبتهم بالخيبة ، ( فينقلبوا خائبين ) ينالوا شيئا مما كانوا يرجون من الظفر بكم .