أحاديث عن: شيء من الجنة
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
24 نتيجة — لكلمة: شيء من الجنة
⭐ حسن
📂 باب ما جاء في بيان...
عن معاذ بن جبل، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فأصبحتُ يوما قريبا منه ونحن نسيرُ، فقلت: يا رسولَ اللَّه، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار. قال: «لقد سألتني عن عظيم، وإنّه ليسيرٌ على من يسّره اللَّه عليه؛ تعبد اللَّه ولا تشركُ به شيئًا، وتقيم الصّلاة، وتُؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت». ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصّومُ جُنّة، والصّدقةُ تُطفئ الخطيئةَ كما يطفئ الماءُ النّارَ، وصلاةُ الرّجل من جوف الليل» قال: ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [سورة السجدة: ١٦ - ١٧]، ثم قال: «ألا أخبرك برأس الأمر كلّه وعموده وذروة سنامه؟» قلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصّلاة، وذروة سنامه الجهاد». ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» قلت: بلى يا نبي اللَّه، فأخذه بلسانه قال: «كفّ عليك هذا» فقلت: يا نبي اللَّه، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمُّك يا معاذ! وهل يكبُّ الناس في النار على وُجُوههم -أو على مناخرهم- إلّا حصائدُ ألسنتهم؟ !».
حسن رواه الترمذي (٢٦١٦) واللّفظ له، وابن ماجه (٣٩٧٣) كلاهما عن محمد بن أبي عمر العدنيّ، حدثنا عبد اللَّه بن معاذ الصنعانيّ، عن معمر، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل، فذكر الحديث.
📚 كتاب الإيمان
📖 اقرأ الشرح
⭐ صحيح
📂 باب من مات على التوحيد...
عن أبي هريرة قال: كنا مع النبي ﷺ في مسير، قال: فنفدتْ أزوادُ القوم، قال: حتى هَمَّ بنحر بعض حمائلهم. قال: فقال عمر: يا رسول اللَّه، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوتَ اللَّه عليها؟ . قال: ففعل. قال: فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره. -قال: وقال مجاهد: وذو النواة بنواه. قلت: وما كانوا يصنعون بالنّوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء- قال: فدعا عليها حتى ملأ القوم أَزْودتَهم. قال: فقال عند ذلك: «أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه لا يلقى اللَّه بهما عبد غير شاكّ فيهما إلا دخل الجنة».
وفي رواية: لما كان غزوة تبوك أصاب الناسَ مجاعةٌ. قالوا: يا رسول اللَّه، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنّا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: افعلوا». قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول اللَّه إن فعلتَ قلّ الظّهرُ ولكن ادعُهم بفضل أزوادهم، ثم ادع اللَّه لهم عليها بالبركة، لعلّ اللَّه أن يجعل في ذلك. فقال رسول اللَّه ﷺ: «نعم». قال: فدعا بنِطَعٍ فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرّجل يجيء بكف ذرّة. قال: ويجيء الآخر بكف تمرٍ. قال: ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النِّطَع من ذلك شيءٌ يسيرٌ. قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ عليه بالبركة ثم قال: «خذوا في أوعيتكم». قال: فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا ملأوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا وفضلتْ فضلةٌ فقال رسول اللَّه ﷺ: «أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، لا يلقى اللَّه بهما عبد غير شاك فيحجَبَ عن الجنة».
وفي رواية: لما كان غزوة تبوك أصاب الناسَ مجاعةٌ. قالوا: يا رسول اللَّه، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنّا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: افعلوا». قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول اللَّه إن فعلتَ قلّ الظّهرُ ولكن ادعُهم بفضل أزوادهم، ثم ادع اللَّه لهم عليها بالبركة، لعلّ اللَّه أن يجعل في ذلك. فقال رسول اللَّه ﷺ: «نعم». قال: فدعا بنِطَعٍ فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرّجل يجيء بكف ذرّة. قال: ويجيء الآخر بكف تمرٍ. قال: ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النِّطَع من ذلك شيءٌ يسيرٌ. قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ عليه بالبركة ثم قال: «خذوا في أوعيتكم». قال: فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا ملأوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا وفضلتْ فضلةٌ فقال رسول اللَّه ﷺ: «أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، لا يلقى اللَّه بهما عبد غير شاك فيحجَبَ عن الجنة».
صحيح رواه مسلم في الإيمان (٢٧) عن أبي بكر بن النّضر بن أبي النّضر، قال: حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا عبيد اللَّه الأشجعيّ، عن مالك بن مِغْول، عن طلحة بن مصرف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
📚 كتاب الإيمان
📖 اقرأ الشرح
⭐ متفق عليه
📂 باب من مات على التوحيد...
عن أبي ذر، قال: خرجت ليلةً من الليالي فإذا رسول اللَّه ﷺ يمشي وحده وليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحدٌ. قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفتَ فرآني فقال: «مَنْ هذا؟». قلت: أبو ذر جعلني اللَّه فداءك. قال: «يا أبا ذر، تعالَ» قال: فمشيت معه ساعة، فقال: «إنّ المكثرين هم المقلُّون يوم القيامة، إلّا من أعطاه اللَّه خيرًا، فنفح فيه يمينَه وشمالَه، وبين يديه ووراءه، وعَمل فيه خيرًا». قال: فمشيتُ معه ساعة فقال لي: «اجلسْ ها هنا». قال: فأجلسني في قاع حوله حجارةٌ، فقال لي: «اجلس ها هنا حتى أرجع إليك». قال: فانطلق في الحرَّة حتى لا أراه، فلبثَ عني فأطال اللُّبْثَ، ثم إنّي سمعتُه وهو مقبلٌ وهو يقول: «وإن سرق وإن زنى». قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلتُ: يا نبي اللَّه جعلني اللَّه فداءك من تُكلِّمُ في جانب الحرَّةِ، ما سمعتُ أحدًا يرجعُ إليك شيئًا؟ قال: «ذلك جبريل عليه السلام عرض لي في جانب الحرّة. قال: بشِّر أُمَّتَك أنه من
مات لا يشرك باللَّه شيئا دخل الجنة. قلت: يا جبريل وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قال: قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم وإن شرب الخمر».
مات لا يشرك باللَّه شيئا دخل الجنة. قلت: يا جبريل وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قال: قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم وإن شرب الخمر».
متفق عليه رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤٣)، ومسلم في الزكاة (٩٤) كلاهما من حديث عبد العزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، فذكره، واللفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه.
📚 كتاب الإيمان
📖 اقرأ الشرح
لولا ما طَبَعَ الرُّكْنَ من أنْجاسِ الجاهِليَّةِ، وأرْجاسِها، وأيدي الظَّلَمةِ، والأَثَمةِ لاستُشفِيَ به من به كُلِّ عاهَةٍ ولأُلفِيَ اليَومَ كهَيئتِه يَومَ خَلَقَه اللهُ، وإنَّما غيَّره بالسَّوادِ لِئَلَّا يَنظُرَ أهلُ النَّارِ إلى زينَةِ الجَنَّةِ، وليَصبِرَنَّ إليها، وإنَّه لَياقوتةٌ من ياقوتِ الجَنَّةِ وَضَعه اللهُ حينَ أنزَلَ آدَمَ في مَوضِعِ الكَعبَةِ [قَبلَ أنْ تكونَ الكَعبَةُ] والأرضُ يَومَئذٍ طاهِرَةٌ، ولم يُعمَلْ فيها شَيءٌ من المعاصي، وليس لها أهلٌ يُنجِّسونَها، فوُضِعَ له صَفٌّ من الملائكَةِ على أطْرافِ الحَرَمِ يَحرُسونَه من سُكَّانِ الأرضِ، وسُكَّانُها يَومَئذٍ الجِنُّ، لا يَنبَغي لهم أنْ يَنظُروا إليه؛ لأنَّه شَيءٌ من الجَنَّةِ [ومَن نظَرَ إلى شَيءٍ من الجَنَّةِ دخَلَها، فليس يَنبَغي أنْ يَنظُرَ إليها إلَّا مَن وَجَبتْ له الجَنَّةُ] والملائكةُ يَذودونَهم عنه، وهم وُقوفٌ على أطْرافِ الحَرَمِ يَقذِفونَ به من كُلِّ جانِبٍ؛ ولذلك سُمِّيَ الحَرَمُ؛ لأنَّهم يَحولون فيما بينَهم وبينَه
لَولا ما طبعَ الرُّكنُ من أنجاسِ الجاهليَّةِ، وأرجاسِها ، وأيدي الظَّلمةِ، والأثَمَةِ لاستُشْفيَ بهِ من كلِّ عاهةٍ، ولَأُلفِيَ اليومَ كَهَيئتِهِ يومَ خلقَهُ اللَّهُ، وإنَّما غيَّرَهُ اللَّهُ بالسَّوادِ لأن لا ينظُرَ أَهْلُ الدُّنيا إلى زينةِ الجنَّةِ، وليصيرنَّ إليها، وإنَّها لَياقوتةٌ بيضاءُ مِن ياقوتِ الجنَّةِ وضعَهُ اللَّهُ حينَ أنزلَ آدمَ في موضعِ الكعبةِ قبلَ أن تَكونَ الكعبةُ ، والأرضُ يومئذٍ طاهرةٌ لم يُعمَل فيها شيءٌ منَ المعاصي، وليسَ لَها أَهْلٌ ينجِّسونَها، فوضعَ لهُ صفٌّ منَ الملائِكَةِ علَى أطرافِ الحرَمِ يَحرُسونَهُ مِن سُكَّانِ الأرضِ وسُكَّانُها يومئذٍ الجنُّ، لا يَنبَغي لَهُم أن ينظُروا إليهِ لأنَّهُ شيءٌ منَ الجنَّةِ، ومَن نظرَ إلى الجنَّةِ، دخلَها، فلَيسَ يَنبغي أن ينظُر إليها إلَّا مَن قد وَجَبت لهُ الجنَّةُ فالملائِكَةُ يذودونَهُم عنهُ وَهُم وُقوفٌ علَى أطرافِ الحرَمِ يُحدِقونَ بهِ من كلِّ جانبٍ ولذلِكَ سمى الحرَمُ لأنَّهم يحولونَ فيما بينَهُم وبينَهُ
إنَّ اللهَ لما فرغَ من خلقِ السمواتِ والأرضِ خلقَ الصورَ فأعطاهُ إسرافيلَ فهو واضعُهُ على فيهِ شاخصٌ ببصرِهِ إلى العرشِ ينتظرُ متى يؤمرُ . قلْتُ : يا رسولَ اللهِ وما الصورُ ؟ قال : قرنٌ . قلْتُ : كيفَ هو ؟ قال : عظيمٌ ، إنَّ عِظمَ دائرةٍ فيه لعرضِ السمواتِ والأرضِ لينفخَ فيه ثلاثَ نفخاتٍ : الأولى نفخةُ الفزعِ والثانيةُ نفخةُ الصعقِ والثالثةُ نفخةُ القيامِ لربِّ العالمينَ ، فيأمرُ اللهُ إسرافيلَ بالنفخةِ الأولى فيقولُ : انفخْ نفخةَ الفزعِ ، فيفزعَ أهلُ السمواتِ والأرضِ إلا من شاءَ اللهُ ، ويأمرُهُ تعالى فيمدُّها ويطيلُها ولا يفترُ وهي التي يقولُ اللهُ فيها : وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ [ ص : 15 ] فتسيرُ الجبالُ سيرَ السحابِ فتكونُ سرابًا وترتجُّ الأرضُ بأهلِها رجًّا فتكونُ كالسفينةِ الموقورةِ في البحرِ تضربُها الأمواجُ تكفأُ بأهلِها كالقنديلِ المعلقِ بالعرشِ ترجحُهُ الأرواحُ وهي التي يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ [ النازعات : 6 - 7 ] فتميدُ الأرضُ بالناسِ على ظهرِها فتذهلُ المراضعُ وتضعُ الحواملُ وتشيبُ الولدانُ وتطيرُ الشياطينُ هاربةً منَ الفزعِ ، حتى تأتيَ الأقطُّارَ ، فتتلْقاها الملائكةُ ، فتضربُ وجوهَها ، فترجعُ ، ويولِّي الناسُ مدبرينَ يُنادي بعضُهم بعضًا ، فهو الذي يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ يَوْمَ التَّنَادِ ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ [ غافر : 32 ، 33 ] فبينَما هم على ذلك إذْ تصدعَتِ الأرضُ ، فانصدعَتْ من قُطرٍ إلى قطُّرٍ ، فرأوا أمرًا عظيمًا ، ثم نظروا إلى السماءِ فإذا هي كالمُهلِ ، ثم انشقَّتْ فانتثرَتْ نجومُها ، وخسفَتْ شمسُها وقمرُها ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ والأمواتُ يومئذٍ لا يعلمونَ بشيءٍ من ذلك ، قلْتُ : يا رسولَ اللهِ فمن استثْنَى اللهُ في قولِهِ إلا مَن شاءَ اللهُ ؟ قال أولئكَ الشهداءُ ، وإنَّما يصلُ الفزعُ إلى الأحياءِ ، وهم أحياءُ عِندَ ربِّهم يرزقونَ فوقاهمُ اللهُ شرَّ ذلك اليومِ ، وأمَّنَهم منه ، وهو عذابٌ يبعثُهُ على شرارِ خلقِهِ ، وهو الذي يقولُ اللهُ فيه يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [ الحج : 1 , 2 ] فيمكثونَ في ذلك العذابِ ما شاء اللهُ ، ثم يأمرُ اللهُ إسرافيلَ فينفخُ نفخةَ الصعقِ ، فيُصعَقُ أهلُ السمواتِ والأرضِ إلا من شاء اللهُ فإذا هم خَمَدوا ، جاء ملكُ الموتِ إلى الجبارِ ، فيقولُ : يا ربِّ . . مات أهلُ السمواتِ والأرضِ إلا من شئْتَ فيقولُ اللهُ وهو أعلمُ بمن بقيَ فمن بقيَ ؟ فيقولُ : أي يا ربِّ بقيتَ أنتَ الحيُّ القيومُ الذي لا يموتُ ، وبقيَتْ حملةُ العرشِ ، وبقيَ جبريلُ وميكائيلُ ، وبقيتُ أنا ، فيقولُ : فليمتْ جبريلُ وميكائيلُ ، فيموتانِ ثم يأتي ملكُ الموتِ إلى الجبارِ فيقولُ : قد مات جبريلُ وميكائيلُ ، فيقولُ اللهُ تعالى : فليمتْ حملةُ العرشِ فيموتونَ ، ويأمرُ اللهُ العرشَ أن يقبضَ الصورَ من إسرافيلَ ، ثم يقولُ : ليمتْ إسرافيلُ فيموتُ ، ثم يأتي ملكُ الموتِ إلى الجبارِ ، فيقولُ : ربِّ قد مات حملةُ العرشِ ، فيقولُ وهو أعلمُ : فمن بقيَ ؟ فيقولُ : بقيتَ أنتَ الحيُّ القيومُ الذي لا يموتُ وبقيتُ أنا ، فيقولُ : أنتَ خلقٌ من خَلقي خُلِقتَ لِمَا رأيْتَ ، فمُتْ ، فيموتُ ، فإذا لم يبقَ إلا اللهُ الواحدُ الأحدُ ، طَوى السماءَ والأرضَ كطيِّ السجلِّ للكتابِ ، وقال : أنا الجبارُ ، لمنِ الملكُ اليومَ ؟ ثلاثَ مراتٍ ، فلم يجبْهُ أحدٌ ، فيقولُ لنفسِهِ : اللهُ الواحدُ القهارُ ، ويبدلُ الأرضَ غيرَ الأرضِ والسمواتِ فيبسطُها ويسطحُها ويمدُّها مدَّ الأديمِ العُكاظيِّ ، لا تَرى فيها عوجًا ولا أمتًا ، ثم يزجرُ اللهُ الخلقَ زجرةً واحدةً ، فإذا هم في مثلِ هذه الأرضِ المُبدَلةِ مثلُ ما كانوا فيه في الأولى من كان في بطنِها ، كان في بطنِها ، ومن كان على ظهرِها ، كان على ظهرِها ، ثم ينزلُ اللهُ عليْهِم ماءً من تحتِ العرشِ ، ثم يأمرُ اللهُ السماءَ أن تمطرَ ، فتمطرُ أربعينَ يومًا ، حتى يكونَ الماءُ فوقَهم اثنيْ عشرَ ذراعًا ، ثم يأمرُ اللهُ الأجسادَ أن تنبتَ فتنبتُ كنباتِ البقلِ ، حتى إذا تكاملَتْ أجسادُهم فكانَتْ كما كانَتْ ، قال اللهُ تعالى : لتحيَا حملةُ العرشِ ، فيحيونَ ، ويأمرُ اللهُ إسرافيلَ فيأخذُ الصورَ فيضعُهُ على فيهِ ، ثم يقولُ : ليحيَا جبريلُ وميكائيلُ فيَحييانِ ، ثم يدعو اللهُ بالأرواحِ فيؤتى بها ، تتوهجُ أرواحُ المسلمينَ نورًا ، والأخرى ظلمةً فيقبضُها جميعًا ، ثم يُلقيها في الصُّورِ ، ثم يأمرُ إسرافيلَ أن ينفخَ نفخةَ البعثِ والنشورِ ، فينفخُ نفخةَ البعثِ ، فتخرجُ الأرواحُ ، كأنَّها النحلُ قد ملأَتْ ما بين السماءِ والأرضِ فيقولُ اللهُ : وعزَّتي وجَلالي ليرجعَنَّ كلُّ روحٍ إلى جسدِهِ فتدخلُ الأرواحُ في الأرضِ إلى الأجسادِ ، فتدخلُ في الخياشيمِ ، ثم تَمشي في الأجسادِ مشيَ السُّمِّ في اللديغِ ، ثم تنشقُ الأرضُ عنكُمْ ، وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه فتخرجونَ منها سراعًا إلى ربِّكم تنسلونَ ، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ حفاةً عراةً غلفًا غُرلًا ثم تقِفونَ موقفًا واحدًا مقدارَ سبعينَ عامًا ، لا ينظرُ إليكمْ ولا يُقضى بينَكم فتبكونَ حتى تنقطعَ الدموعُ ، ثم تدمعونَ دمًا ، وتعرقونَ حتى يبلغَ ذلك منكم أن يُلجمَكم أو يبلغَ الأذقانَ فتضجُّونَ ، وتقولونَ : من يشفعُ لنا إلى ربِّنا ليقضيَ بينَنا ؟ فيقولونَ : من أحقُّ بذلك من أبيكمْ آدمَ ؟ خلقَهُ اللهُ بيدِهِ ، ونفخَ فيه من روحِهِ ، وكلَّمَهُ قبلًا ، فيأتونَ آدمَ فيطلبونَ ذلك إليه ، فيأْبى ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلكَ ، فيأتونَ الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا ، كلما جاءُوا نبيًّا أبى عليْهِم ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : حتى تأتونَ فأنطلقُ حتى آتيَ الفحصَ فأخِرُّ ساجدًا قال أبو هريرةَ : يا رسولَ اللهِ وما الفَحصُ ؟ قال : موضعٌ قُدَّامَ العرشِ حتى يبعثَ اللهُ ملكًا فيأخذَ بعَضُدي ، فيقولُ : يا محمدُ ، فأقولُ : نعم لبيكَ يا ربِّ ، فيقولُ : ما شأنُكَ ؟ وهو أعلمُ فأقولُ : يا ربِّ وعدْتَني الشفاعةَ وشفَّعتَني في خلقِكَ ، فاقضِ بينهم ، فيقولُ اللهُ : قد شفعْتُكَ أنا آتيهُم فأقضيَ بينهم ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : فأرجعُ ، فأقفُ مع الناسِ ، فبينما نحنُ وقوفٌ إذا سمِعْنا حسًّا منَ السماءِ شديدًا ، فينزلُ أهلُ السماء الدُّنيا على من في الأرضِ منَ الجنِّ والإنسِ حتى إذا دَنوْا منَ الأرضِ أشرقَتِ الأرضُ بنورِها ، وأخَذوا مصافَّهم ، وقلْنا لهم : أفيكُمْ ربُّنا ؟ قالوا : لا ، هو آتٍ ، ثم ينزلُ أهلُ كلِّ سماءٍ على قدرِ ذلك منَ التضعيفِ ، ثم ينزلُ الجبارُ تباركَ وتعالى في ظُللٍ منَ الغمامِ والملائكةُ ويحملُ عرشَ ربِّكَ فوقَهم يومئذٍ ثمانيةٌ وهم اليومَ أربعةٌ أقدامُهم على تُخُومِ الأرضِ السُّفلى ، والأرضُ والسمواتُ إلى حُجزِهم والعرشُ على مناكبِهم ، لهم زَجلٌ من تَسبيحِهم ، يقولُ : سبحانَ ذي العزةِ والجبروتِ ، سبحانَ ذي المُلكِ والملكوتِ ، سبحانَ الحيِّ الذي لا يموتُ ، سبحانَ الذي يميتُ الخلائقَ ولا يموتُ ، سبوحٌ قدوسٌ ، سبحانَ ربِّنا الأعلى ربِّ الملائكةِ والروحِ ، سبحانَ ربِّنا الأعلى الذي خلقَ الخلائقَ ولا يموتُ ، فيضعُ اللهُ كرسيَّهُ ، حيث يشاءُ من أرضِهِ ، ثم يهتِفُ فيقولُ : يا معشرَ الجنِّ والإنسِ ، إنِّي قد أنصتُّ لكم من يومِ خلقْتُكم إلى يومِكم هذا ، أسمعُ قولَكم ، وأرى أعمالَكم ، فأنصِتوا إليَّ فإنَّما هي أعمالُكم وصحفُكم تُقرَأُ عليكم ، فمن وجدَ خيرًا فليحمدِ اللهَ ، ومن وجدَ غيرَ ذلك فلا يَلومنَّ غيرَ نفسِهِ ، ثم يأمرُ اللهُ جهنمَ ، فيخرجُ منها عُنقٌ ساطعٌ مظلمٌ ، ثم يقولُ اللهُ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [ يس : 59 , 60 ] فيميزُ اللهُ الناسَ ويُنادي الأممَ داعيًا كلَّ أمةٍ إلى كتابِها والأممُ جاثيةٌ منَ الهولِ ، يقولُ اللهُ تعالى : وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا [ الجاثية : 28 ] فيَقضي اللهُ بين خلقِهِ إلا الثقلينِ الجنَّ والإنسَّ ، فيقضي بين الوحوشِ والبهائمِ حتى إنَّهُ ليقيدُ الجماءَ من ذاتِ القرنِ ، فإذا فرغَ اللهُ من ذلك فلم تبقَ تَبِعَةٌ عِندَ واحدةٍ للأخرى قال اللهُ : كوني ترابًا فعِندَ ذلك يقولُ الكافرُ : يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا . فيقضي بين العبادِ فيكونُ أولُ ما يُقضى فيه الدماءُ ، فيأتي كلُّ قتيلٍ في سبيلِ اللهِ ويأمرُ اللهُ كلَّ قتيلٍ فيحملُ رأسَهُ تشخبُ أوداجُهُ دمًا ، فيقولُ : يا ربِّ فيم قتلَني هذا ؟ فيقولُ اللهُ وهو أعلمُ : فيمَ قتلْتَهُ ؟ فيقولُ : يا ربِّ قتلْتهُ لتكون العزةُ لكَ ، فيقولُ اللهُ : صدقْتَ . فيجعلُ اللهُ وجهَهُ مثلَ نورِ السمواتِ ثم تسبقُهُ الملائكةُ إلى الجنةِ ، ثم يأمرُ اللهُ كلَّ قتيلٍ قُتِلَ على غيرِ ذلك فيأتي من قُتِلَ يحملُ رأسَهُ وتشخبُ أوداجُهُ دمًا فيقولُ : يا ربِّ فيمَ قتلَني هذا ؟ فيقولُ اللهُ وهو أعلمُ : فيم قتلْتَهُ ؟ فيقولُ : يا ربِّ قتلْتهُ لتكونَ العزةُ لي ، فيقولُ اللهُ : تعسْتَ ، ثم ما تبقى نفسٌ قتلَها قاتلٌ إلا قُتِلَ بها ، ولا مظلمةٌ إلا أخِذَ بها وكان في مشيئةِ اللهِ إن شاء عذبَهُ وإن شاء رحمَهُ ، ثم يَقضي اللهُ بين من تبقى من خلقِهِ حتى لا تَبقى مظلمةٌ لأحدٍ عِندَ أحدٍ إلا أخذَها للمظلومِ منَ الظالمِ حتى إنَّهُ ليكلفُ شائِبُ اللبنِ بالماءِ أن يُخلصَ اللبنَ منَ الماءِ ، فإذا فرغَ اللهُ من ذلك نادى منادٍ يُسمِعُ الخلائقَ كلَّهم فقال : ليلحقْ كلُّ قومٍ بآلهتِهم وما كانوا يعبدونَ من دونِ اللهِ فلا يبقى أحدٌ عبَدَ شيئًا من دونِ اللهِ إلا مُثِّلَتْ له آلهتُهُ بين يديْهِ فيُجعلُ يومئذٍ ملكًا منَ الملائكةِ على صورةِ عزيرٍ ويجعلُ اللهُ ملكًا منَ الملائكةِ على صورةِ عيسى ابنِ مريمَ فيتبعُ هذا اليهودُ وهذا النصارى ثم تقودُهم آلهتُهم إلى النارِ ، وهم الذين يقولُ اللهُ : لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [ الأنبياء : 99 ] فإذا لم يبقَ إلا المؤمنونَ ففيهمُ المنافقونَ جاءَهم اللهُ فيما يشاءُ من هيئةٍ فقال : يا أيُّها الناسُ ذهبَ الناسُ فالحَقوا بآلهتِكم وما كنْتم تعبدونَ ، فيقولونَ : واللهِ ما لنا إلهٌ إلا اللهُ وما كُنَّا نعبدُ غيرَهُ ، فينصرفُ اللهُ عنهم وهو اللهُ تبارك وتعالى فيمكثُ ما شاءَ اللهُ أن يمكثَ ثم يأتيهم فيقولُ : يا أيُّها الناسُ ذهب الناسُ فالحقوا بآلهتِكم وما كنْتُم تعبدونَ ، فيقولونَ : واللهِ ما لنا إلهٌ إلا اللهُ وما كُنَّا نعبدُ غيرَهُ ، فيكشفُ عن ساقِهِ ويتجلَّى لهم ويظهرُ لهم من عظمتِهِ ما يعرفونَ أنَّهُ ربُّهم فيخرونَ سُجدًا على وجوهِهم ويخرُّ كلُّ منافقٍ على قفاهُ ويجعلُ اللهُ أصلابَهم كصياصيِّ البقرِ ثم يأذنُ اللهُ لهم فيرفعونَ رؤوسَهم ويضربُ اللهُ الصراطٍ بين ظَهراني جهنمَ كعددِ أو كعقدةِ الشعرِ أو كحدِّ السيفِ عليْهِ كلاليبٌ وخطاطيفٌ وحسكٌ كحسكِ السعدانِ دونَهُ جسرٌ دحضٌ مزلةٌ فيمرونَ كطرفِ البصرِ أو كلمحِ البرقِ أو كمرِّ الريحِ أو كجيادِ الخيلِ أو كجيادِ الرِّكابِ أو كجيادِ الرجالِ ، فناجٍ سالمٍ وناجٍ مخدوشٍ ومكدوحٍ على وجهِهِ في جهنمَ ، فإذا أفضى أهلُ الجنةِ إلى الجنةِ قالوا : من يشفعُ لنا إلى ربِّنا فندخلَ الجنةَ ؟ فيقولونَ : من أحقُّ بذلك من أبيكم آدمَ خلقَهُ اللهُ بيدِهِ ونفخَ فيه من روحِهِ وكلمَهُ قبلًا وأسجدَ له ملائكتَهُ ، فيأتونَ آدمَ فيطلبونَ إليه ذلك فيذكرُ ذنبًا ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ولكن عليكم بنوحٍ فإنَّهُ أولُ رسلِ اللهِ ، فيُؤتى نوحٌ فيطلبونَ إليه ذلك فيذكرُ ذنبًا ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ولكن عليكم بإبراهيمَ فإنَّ اللهَ اتخذَهُ خليلًا ، فيؤتى إبراهيمُ فيطلبونَ ذلك إليه فيذكرُ ذنبًا ويقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ولكنْ عليكم بموسى فإنَّ اللهَ قربَهُ نجيًّا وكلمَهُ تكليمًا وأنزلَ عليْهِ التوراةَ ، فيؤتى موسى ، فيطلبُ ذلك إليه فيقولُ : ما أنا بصاحبِكم ، ولكن عليكم بروحِ اللهِ وكلمتِهِ ، عيسى ابنِ مريمَ ، فيؤتى عيسى ، فيطلبُ ذلك إليه ، فيقولُ : ما أنا بصاحبِ ذلك ، ولكن عليكم بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ، وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فيأتوني ، ولي عِندَ ربِّي ثلاثُ شفاعاتٍ ، وعَدَنيهنَّ ، فأنطلقُ فآتي الجنةَ فآخذُ بحلقةِ البابِ ثم أستفتِحُ فيفتحُ لي فأُحيِّي ويرحبُ بي ، فإذا دخلْتُ الجنةَ ، فنظرْتُ إلى ربِّي عزَّ وجلَّ خررْتُ ساجدًا ، فيأذنَ لي من حمدِهِ وتحميدِهِ ، وتمجيدِهِ ، بشيءٍ ما أذنَ به لأحدٍ من خلقِهِ ، ثم يقولُ اللهُ : ارفعْ رأسَكَ يا محمدُ واشفعْ تشفعْ ، وسلْ تعطَ ، فإذا رفعْتُ رأسي ، قال اللهُ وهو أعلمُ ما شأنُكَ ؟ فأقولُ : يا ربِّ وعدْتَني الشفاعةَ ، فشفِّعْني في أهلِ الجنةِ ، أن يدخلوا الجنةَ ، فيقولُ : قد شفعْتُكَ فيهم ، وأذنْتُ في دخولِ الجنةِ ، فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ يقولُ : والذي بعثَني بالحقِّ ما أنتُم في الدُّنيا بأعرفَ بأزواجِكم ، ومساكنِكم من أهلِ الجنةِ بأزواجِهم ، ومساكنِهم ، فيدخلُ كلُّ رجلٍ منهم على اثنتينِ وسبعينَ زوجةً كما ينشئُهنّ اللهُ ، واثنتينِ آدميتينِ من ولدِ آدمَ لهما فضلٌ على من شاءَ اللهُ لعبادتِهما اللهَ في الدُّنيا ، فيدخلُ على الأولى منهما في غرفةٍ من ياقوتةٍ على سريرٍ من ذهبٍ مكللٍ باللؤلؤِ ، له سبعونَ درجةً من سندسٍ وإستبرقٍ ، ثم يضعُ يدَهُ بين كتفيْها ، ثم ينظرُ إلى يدِهِ من صدرِها من وراءِ ثيابِها وجلدِها ولحمِها ، وإنَّهُ لينظرُ إلى لحمِ ساقِها كما ينظرُ أحدُكم إلى السلكِ في قصبةِ الياقوتِ ، كبدُهُ لها مِرآةٌ ، وكبدُها له مرآةٌ ، فبينما هو عِندَها لا يملُّها ولا تملُّهُ ما يأتيها من مرةٍ إلا وجدَها عذراءَ ، فبينما هو كذلك إذا نوديَ ، إنا قد عرفْنا أنكَ لا تَملُّ ولا تُملُّ ، إلا إنَّهُ لا منيَّ ولا منيةً إلا أن لك أزواجًا غيرَها ، فيخرجُ فيأتيهنَّ واحدةً واحدةً ، كلما جاءَ واحدة قالَتْ : واللهِ ما أرى في الجنةِ شيئًا أحسنَ منك ، وما في الجنةِ شيءٌ أحبَّ إليَّ منك ، فإذا وقعَ أهلُ النارِ في النارِ وقعَ فيها خلقٌ كثيرٌ من خلقِ ربِّك قد أوبقَتْهم أعمالُهم ، فمنهم من تأخذُهُ إلى قدميْهِ ، لا تجاوزُ ذلك ، ومنهم من تأخذُهُ إلى نصفِ ساقيْهِ ، ومنهم من تأخذُهُ إلى ركبتيْهِ ، ومنهم من تأخذُهُ إلى حِقويْهِ ومنهم من تأخذُهُ إلى ركبتيْهِ ، ومنهم من تأخذُهُ إلى حقويْهِ ومنهم من تأخذُ جسدَهُ كلَّهُ ، إلا وجهَهُ قد حرمَ اللهُ صورَهُ عليْها ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : فأقولُ : يا ربِّ شفعْني فيمن وقعَ في النارِ من أمتي ، فيقولُ اللهُ تعالى : أخرجوا من عرفْتم فيخرجُ أولئك حتى لا يبقى منهم واحدٌ ، ثم يأذنُ اللهُ لي في الشفاعةِ ، فلا يبقى نبيٌّ ولا شهيدٌ إلا شفعَ ، فيقولُ اللهُ : أخرجوا من وجدْتُم في قلبِهِ زِنةَ الدينارِ ، فيخرجُ أولئك حتى لا يبقى منهم أحدٌ فيشفعُ اللهُ فيقولُ : أخرِجوا من وجدْتم في قلبِهِ إيمانًا ثلثيْ دينارٍ ، ثم يقولُ : نصفُ دينارٍ ثم يقولُ : ثلثَ دينارٍ ، ثم يقولُ : ربعَ دينارٍ ، ثم يقولُ : قيراطًا ، ثم يقولُ : حبةً من خردلٍ ، فيخرجُ أولئك حتى لا يبقى منهم أحدٌ ، وحتى لا يبقى في النارِ من عملَ للهِ خيرًا قطُّ ، ولا يبقى أحدٌ له شفاعةٌ إلا شُفِّعَ ، حتى أن إبليسَ ليتطاولُ لما يَرى من رحمةِ اللهِ ، رجاءَ أن يُشفَعَ له ثم يقولُ اللهُ تعالى : بقيتُ أنا ، وأنا أرحمُ الراحمينَ ، فيدخلَ اللهُ يدَهُ في جهنمَ فيخرجَ منها ما لا يحصيهُ غيرُهُ ، كأنَّهُم الحممُ على نهرٍ يقالُ له الحياةُ ، فينبتونَ كما تنبتُ الحبةُ في حميلِ السيلِ ما يَلي الشمسَ منها أُخيضرُ ، وما يلي الظلَّ منها أصيفرَ ، فينبتونَ كنباتِ الطراثيثِ حتى يكونوا أمثالَ الدُّرِّ مكتوبًا في رقابِهم الجهنميونَ عتقاءُ اللهِ ، فيعرفُهم أهلُ الجنةِ بذلك الكتابِ ، ما عملوا خيرًا قطُّ فيمكثونَ في الجنةِ ما شاءَ اللهِ وذلك الكتابُ في رقابِهم ثم يقولونَ : ربَّنا امحُ عنَّا هذا الكتابَ فيُمحى عنهم
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو قال إذا قُتِلَ العبدُ في سبيلِ اللهِ فأوَّلُ قطرةٍ تقطُرُ على الأرضِ من دمِهِ يكفِّرُ اللَّهُ ذنوبَهُ كلَّها ثمَّ يرسلُ لهُ اللَّهُ بريطةٍ منَ الجنَّةِ فتُقبَضُ فيها نفسُهُ ويجسَّدُ منَ الجنَّةِ حتَّى تركَّبَ فيهِ روحُهُ ثمَّ يعرِّجُ معَ الملائكةِ كأنَّهُ كانَ معهم منذُ خلقَهُ اللَّهُ حتَّى يُؤتَى بهِ الرَّحمنُ عزَّ وجلَّ ويسجدُ قبلَ الملائكةِ ثمَّ تسجدُ الملائكةُ بعدَهُ ثمَّ يُغفَرُ لهُ ويُطهَّرُ ثمَّ يؤمَرُ بهِ إلى الشُّهداءِ فيجدُهم في رياضٍ خضرٍ وثيابٍ من حريرٍ عندَهم ثَورٌ وحوتٌ يُلغثانِهم كلَّ يومٍ بشيءٍ لم يُلغثاهُ بالأمسِ يظلُّ الحوتُ في أنهارِ الجنَّةِ فيأكلُ من كلِّ رائحةٍ من أنهارِ الجنَّةِ فإذا أمسَى وكزَهُ الثَّورُ بقرنِهِ فذكاهُ فأكلوا من لحمِهِ فوجدوا في طعمِ لحمِهِ كلَّ رائحةٍ من أنهارِ الجنَّةِ ويلبثُ الثَّورُ نافشًا في الجنَّةِ يأكلُ من ثمرِ الجنَّةِ فإذا أصبحَ عدا عليهِ الحوتُ فذكاهُ بذنبِهِ فأكلوا من لحمِهِ فوجدوا في طعمِ لحمِهِ كلَّ ثمرةٍ في الجنَّةِ ينظرونَ إلى منازلِهم يدعونَ اللَّهَ بقيامِ السَّاعةِ فإذا تَوفَّى اللَّهُ العبدَ المؤمنَ أرسلَ إليهِ ملكَينِ بخرقةٍ منَ الجنَّةِ وريحانٍ من ريحانِ الجنَّةِ فقالَ أيَّتُها النَّفسُ المطمئنَّةُ اخرجي إلى رَوحٍ ورَيحانٍ وربٍّ غيرِ غضبانَ اخرجي فنعمَ ما قدَّمتِ فتخرجُ كأطيبِ رائحةِ مسكٍ وجدَها أحدُكم بأنفِهِ وعلى أرجاءِ السَّماءِ ملائكةٌ يقولونَ سبحانَ اللَّهِ لقد جاءَ منَ الأرضِ اليومَ روحٌ طيِّبةٌ فلا يمرُّ ببابٍ إلَّا فُتِحَ لهُ ولا ملكٍ إلَّا صلَّى عليهِ ويشفعُ حتَّى يُؤتَى بهِ إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ فتسجدُ الملائكةُ قبلَهُ ثمَّ يقولونَ ربَّنا هذا عبدُكَ فلانٌ توفَّيناهُ وأنتَ أعلمُ بهِ فيقولُ مروهُ بالسُّجودِ فيسجدُ النَّسَمَةُ ثمَّ يُدعَى ميكائيلُ فيقالُ اجعل هذهِ النَّسَمَةَ معَ أنفُسِ المؤمنينَ حتَّى أسألَكَ عنها يومَ القيامةِ فيؤمَرُ بجسدِهِ فيوسِّعُ لهُ طولُهُ سبعونَ وعرضُهُ سبعونَ وينبتُ فيهِ الرَّيحانَ ويبسطُ لهُ الحريرَ فيهِ وإن كانَ معهُ شيءٌ منَ القرآنِ نوَّرَهُ وإلَّا جعلَ لهُ نورًا مثلَ نورِ الشَّمسِ ثمَّ يُفتَحُ لهُ بابٌ إلى الجنَّةِ فينظرُ إلى مقعدِهِ في الجنَّةِ بكرةً وعشيًّا وإذا تَوفَّى اللَّهُ العبدَ الكافرَ أرسلَ إليهِ ملكَينِ وأرسلَ إليهِ بقطعةٍ بجادٍ أنتنُ من كلِّ نتنٍ وأخشنُ من كلِّ خشنٍ فقالَ أيَّتُها النَّفسُ الخبيثةُ اخرجي إلى جهنَّمَ وعذابٍ أليمٍ وربٍّ عليكِ ساخطٍ اخرجي فساءَ ما قدَّمتِ فتخرجُ كأنتنِ جيفةٍ وجدَها أحدُكم بأنفِهِ قطُّ وعلى أرجاءِ السَّماءِ ملائكةٌ يقولونَ سبحانَ اللَّهِ لقد جاءَ منَ الأرضِ جيفةٌ ونسمةٌ خبيثةٌ لا يُفتَحُ لهُ بابُ السَّماءِ فيؤمَرُ بجسدِهِ فيُضَيَّقُ عليهِ في القبرِ ويُملأُ حيَّاتٌ مثلُ أعناقِ البختِ تأكلُ لحمَهُ فلا يدعنَّ من عظامِهِ شيئًا ثمَّ يرسلُ عليهِ ملائكةٌ صمٌّ عميٌ معهم فطاطيسُ من حديدٍ لا يبصروهُ فيرحمونَهُ ولا يسمعونَ صوتَهُ فيرحمونهُ فيضربونهُ ويخبطونهُ ويفتحُ لهُ بابٌ من نارٍ فينظرُ إلى مقعدهِ منَ النَّارِ بكرةً وعشيَّةً يسألُ اللَّهَ أن يديمَ ذلكَ عليهِ فلا يصلُ إلى ما وراءهُ منَ النَّار
إنَّ الميِّتَ إذا وُضِع في قبرِه إنَّه يسمَعُ خَفْقَ نعالِهم حينَ يولُّونَ عنه فإنْ كان مؤمنًا كانتِ الصَّلاةُ عندَ رأسِه وكان الصِّيامُ عن يمينِه وكانتِ الزَّكاةُ عن شِمالِه وكان فعلُ الخيراتِ مِن الصَّدقةِ والصِّلةِ والمعروفِ والإحسانِ إلى النَّاسِ عندَ رِجْلَيْهِ فيؤتى مِن قِبَلِ رأسِه فتقولُ الصَّلاةُ: ما قِبَلي مدخلٌ ثمَّ يؤتى عن يمينِه فيقولُ الصِّيامُ: ما قِبَلي مدخلٌ ثمَّ يؤتى عن يسارِه فتقولُ الزَّكاةُ: ما قِبَلي مدخلٌ ثمَّ يؤتى مِن قِبَل رِجْليهِ فتقولُ فعلُ الخيراتِ مِن الصَّدقةِ والصِّلةِ والمعروفِ والإحسانِ إلى النَّاسِ: ما قِبَلي مدخلٌ فيُقالُ له: اجلِسْ فيجلِسُ وقد مُثِّلَتْ له الشَّمسُ وقد أُدنِيَت للغروبِ فيُقالُ له: أرأَيْتَك هذا الرَّجلَ الَّذي كان فيكم ما تقولُ فيه وماذا تشهَدُ به عليه ؟ فيقولُ: دعوني حتَّى أُصلِّيَ فيقولونَ: إنَّك ستفعَلُ أخبِرْني عمَّا نسأَلُك عنه أرأَيْتَك هذا الرَّجلَ الَّذي كان فيكم ما تقولُ فيه وماذا تشهَدُ عليه ؟ قال: فيقولُ: محمَّدٌ أشهَدُ أنَّه رسولُ اللهِ وأنَّه جاء بالحقِّ مِن عندِ اللهِ فيُقالُ له: على ذلك حَيِيتَ وعلى ذلك مِتَّ وعلى ذلك تُبعَثُ إنْ شاء اللهُ ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ مِن أبوابِ الجنَّةِ فيُقالُ له: هذا مقعَدُك منها وما أعَدَّ اللهُ لك فيها فيزدادُ غِبطةً وسرورًا ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ مِن أبوابِ النَّارِ فيُقالُ له: هذا مقعَدُك منها وما أعَدَّ اللهُ لك فيها لو عصَيْتَه فيزدادُ غِبطةً وسرورًا ثمَّ يُفسَحُ له في قبرِه سبعونَ ذراعًا ويُنوَّرُ له فيه ويُعادُ الجسدُ لِما بدَأ منه فتُجعَلُ نسَمتُه في النَّسمِ الطَّيِّبِ وهي طيرٌ يعلُقُ في شجرِ الجنَّةِ قال: فذلك قولُه تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] قال: وإنَّ الكافرَ إذا أُتي مِن قِبَل رأسِه لم يوجَدْ شيءٌ ثمَّ أُتي عن يمينِه فلا يوجَدُ شيءٌ ثمَّ أُتي عن شِمالِه فلا يوجَدُ شيءٌ ثمَّ أُتي مِن قِبَلِ رِجْليهِ فلا يوجَدُ شيءٌ فيُقالُ له: اجلِسْ فيجلِسُ خائفًا مرعوبًا فيُقالُ له: أرأَيْتَك هذا الرَّجلَ الَّذي كان فيكم ماذا تقولُ فيه ؟ وماذا تشهَدُ به عليه ؟ فيقولُ: أيُّ رجُلٍ ؟ فيُقالُ: الَّذي كان فيكم فلا يهتدي لاسمِه حتَّى يُقالَ له: محمَّدٌ فيقولُ: ما أدري سمِعْتُ النَّاسَ قالوا قولًا فقُلْتُ كما قال النَّاسُ فيُقالُ له: على ذلك حَيِيتَ وعلى ذلك مِتَّ وعلى ذلك تُبعَثُ إنْ شاء اللهُ ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ مِن أبوابِ النَّارِ فيُقالُ له: هذا مقعَدُك مِن النَّارِ وما أعَدَّ اللهُ لك فيها فيزدادُ حسرةً وثُبورًا ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ مِن أبوابِ الجنَّةِ فيُقالُ له: ذلك مقعَدُك مِن الجنَّةِ وما أعَدَّ اللهُ لك فيه لو أطَعْتَه فيزدادُ حسرةً وثُبورًا ثمَّ يُضيَّقُ عليه قبرُه حتَّى تختلفَ فيه أضلاعُه فتلك المعيشةُ الضَّنْكةُ الَّتي قال اللهُ: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]
خَرَجْنا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جَنازةِ رجلٍ من الأنصارِ ، فانْتَهَيْنا إلى القبرِ ولَمَّا يُلْحَدْ ، فجلس رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ ، وجَلَسْنَا حَوْلَهُ ، وكأنَّ على رُؤُوسِنَا الطَّيْرَ ، وفي يَدِهِ عودٌ يَنْكُتُ في الأرضِ ، فجعل يَنْظُرُ إلى السماءِ ، ويَنْظُرُ إلى الأرضِ ، وجعل يرفعُ بَصَرَهُ ويَخْفِضُهُ ، ثلاثًا ، فقال : اسْتَعِيذُوا باللهِ من عذابِ القَبْرِ ، مَرَّتَيْنِ ، أو ثلاثًا ، ثم قال : اللهم إني أعوذُ بك من عذابِ القبرِ ثلاثًا ، ثم قال: إنَّ العبدَ المؤمنَ إذا كان في انقِطاعٍ من الدنيا ، وإقبالٍ من الآخرةِ ، نَزَلَ إليه ملائكةٌ من السماءِ ، بِيضُ الوُجُوهِ ، كأنَّ وجوهَهُمُ الشمسُ ، معهم كَفَنٌ من أكفانِ الجنةِ ، وحَنُوطٌ من حَنُوطِ الجنةِ ، حتى يَجْلِسُوا منه مَدَّ البَصَرِ ، ثم يَجِىءُ مَلَكُ الموتِ عليه السلامُ حتى يَجْلِسَ عندَ رأسِهِ فيقولُ : أَيَّتُها النَّفْسُ الطيبةُ وفي رواية : المطمئنةُ ، اخْرُجِي إلى مغفرةٍ من اللهِ ورِضْوانٍ ، قال : فتَخْرُجُ تَسِيلُ كما تَسِيلُ القَطْرَةُ من فِي السِّقَاءِ ، فيأخُذُها ، وفي روايةٍ : حتى إذا خَرَجَتْ رُوحُه صلَّى عليه كُلُّ مَلَكٍ بينَ السماءِ والأرضِ ، وكُلُّ مَلَكٍ في السماءِ ، وفُتِحَتْ له أبوابُ السماءِ ، ليس من أهلِ بابٍ إلا وهم يَدْعُونَ اللهَ أن يُعْرَجَ برُوحِهِ من قِبَلِهِمْ ، فإذا أخذها لم يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حتى يأخذوها فيَجْعَلُوها في ذلك الكَفَنِ ، وفي ذلك الحَنُوطِ ، فذلك قولُه تعالى : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ، ويخرجُ منها كأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ على وجهِ الأرضِ ، قال : فيَصْعَدُونَ بها فلا يَمُرُّونَ – يعني – بها على مَلَأٍ من الملائكةِ إلا قالوا : ما هذا الرُّوحُ الطَّيِّبُ ؟ فيقولونَ : فلانُ ابنُ فلانٍ – بأَحْسَنِ أسمائِهِ التي كانوا يُسَمُّونَهُ بها في الدنيا ، حتى يَنْتَهُوا بها إلى السماءِ الدنيا ، فيَسْتَفْتِحُونَ له ، فيُفْتَحُ لهم ، فيُشَيِّعُهُ من كلِّ سماءٍ مُقَرَّبُوها ، إلى السماءِ التي تَلِيها ، حتى يُنْتَهَي به إلى السماءِ السابعةِ ، فيقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ : اكْتُبُوا كتابَ عَبْدِي في عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ . كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ فيُكْتَبُ كتابُه في عِلِّيِّينَ ، ثم يُقَالُ : أَعِيدُوهُ إلى الأرضِ ، فإني وَعَدْتُهُم أني منها خَلَقْتُهُم ، وفيها أُعِيدُهُم ومنها أُخْرِجُهُم تارةً أُخْرَى ، قال : فيُرَدُّ إلى الأرضِ ، و تُعَادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ ، قال : فإنه يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ أصحابِه إذا وَلَّوْا عنه مُدْبِرِينَ ، فيَأْتِيهِ مَلَكانِ شَدِيدَا الانتهارِ فيَنْتَهِرَانِهِ ، ويُجْلِسَانِهِ فيَقُولانِ له : مَن ربُّكَ ؟ فيقولُ : رَبِّيَ اللهُ ، فيقولانِ له : ما دِينُكَ ؟ فيقولُ : دِينِيَ الإسلامُ ، فيقولانِ له : ما هذا الرجلُ الذي بُعِثَ فيكم ؟ فيقولُ : هو رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فيقولانِ له : وما [علمُكَ] ؟ فيقولُ : قرأتُ كتابَ اللهِ ، فآمَنْتُ به ، وصَدَّقْتُ ، فيَنْتَهِرُهُ فيقولُ : مَن رَبُّكَ ؟ ما دِينُكَ ؟ مَن نبيُّكَ ؟ وهي آخِرُ فتنةٍ تُعْرَضُ على المؤمنِ ، فذلك حينَ يقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ : {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، فيقولُ : رَبِّيَ اللهُ ، ودِينِيَ الإسلامُ ، ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فيُنَادِي مُنَادٍ في السماءِ : أن صَدَقَ عَبْدِي ، فأَفْرِشُوهُ من الجنةِ ، وأَلْبِسُوهُ من الجنةِ ، وافْتَحُوا له بابًا إلى الجنةِ ، قال : فيَأْتِيهِ من رَوحِها وطِيبِها ، ويُفْسَحُ له في قبرِه مَدَّ بَصَرِهِ ، قال : ويَأْتِيهِ- وفي روايةٍ : يُمَثَّلُ له- رجلٌ حَسَنُ الوجهِ ، حَسَنُ الثيابِ ، طَيِّبُ الرِّيحِ ، فيقولُ : أَبْشِرْ بالذي يَسُرُّكَ ، أَبْشِرِ برِضْوانٍ من اللهِ ، وجَنَّاتٍ فيها نعيمٌ مُقِيمٌ ، هذا يومُكَ الذي كنتَ تُوعَدُ ، فيقولُ له : وأنت فبَشَّرَكَ اللهُ بخيرٍ مَن أنت ؟ فوَجْهُكَ الوجهُ يَجِئُ بالخيرِ ، فيقولُ : أنا عَمَلُكَ الصالِحُ فواللهِ ما عَلِمْتُكَ إلا كنتَ سريعًا في طاعةِ اللهِ ، بطيئًا في معصيةِ اللهِ ، فجزاك اللهُ خيرًا ، ثم يُفْتَحُ له بابٌ من الجنةِ ، وبابٌ من النارِ ، فيُقالُ : هذا مَنْزِلُكَ لو عَصَيْتَ اللهَ ، أَبْدَلَكَ اللهُ به هذا ، فإذا رأى ما في الجنةِ قال : رَبِّ عَجِّلْ قيامَ الساعةِ ، كَيْما أَرْجِعَ إلى أهلي ومالي ، فيُقالُ له : اسْكُنْ ، قال : وإنَّ العبدَ الكافرَ- وفي روايةٍ : الفاجرَ- إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا ، وإقبالٍ من الآخرةِ ، نَزَل إليه من السماءِ ملائكةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ ، سُودُ الوجوهِ ، معَهُمُ المُسُوحُ من النارِ ، فيَجْلِسُونَ منه مَدَّ البَصَرِ ، ثم يَجِيءُ مَلَكُ الموتِ حتى يَجْلِسَ عند رأسِهِ ، فيقولُ : أَيَّتُهَا النَّفْسُ الخبيثةُ اخْرُجِي إلى سَخَطٍ من اللهِ وغَضَبٍ ، قال : فتفَرَّقُ في جَسَدِهِ فيَنْتَزِعُها كما يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ الكثيرُ الشُّعبِ من الصُّوفِ المَبْلُولِ ، فتَقْطَعُ معها العُرُوقَ والعَصَبَ ، فيَلْعَنُهُ كلُّ مَلَكٍ بينَ السماءِ والأرضِ ، وكلُّ مَلَكِ في السماءِ ، وتُغْلَقُ أبوابُ السماءِ ، ليس من أهلِ بابٍ إلا وهم يَدْعُونَ اللهَ أَلَّا تَعْرُجَ رُوحُهُ من قِبَلِهِمْ ، فيَأْخُذُها ، فإذا أخذها ، لم يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عينٍ حتى يَجْعَلُوها في تِلْكِ المُسُوحِ ، ويخرجُ منها كأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ على وجهِ الأرضِ ، فيَصْعَدُونَ بها ، فلا يَمُرُّونَ بها على مَلَأٍ من الملائكةِ إلا قالوا : ما هذا الرُّوحُ الخَبِيثُ ؟ فيقولونَ : فلانُ ابنُ فلانٍ – بأَقْبَحِ أسمائِهِ التي كان يُسَمَّى بها في الدنيا ، حتى يُنْتَهَي به إلى السماءِ الدنيا ، فيُسْتَفْتَحُ له ، فلا يُفْتَحُ له ، ثم قرأ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} فيقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ : اكْتُبُوا كتابَه في سِجِّينَ في الأرضِ السُّفْلَى ، ثم يُقالُ : أَعِيدُوا عَبْدِي إلى الأرضِ فإني وَعَدْتُهُمْ أني منها خَلَقْتُهُمْ ، وفيها أُعِيدُهُمْ ، ومنها أُخْرِجُهُمْ تارةً أُخْرَى ، فتُطْرَحُ رُوحُهُ من السماءِ طَرْحًا حتى تَقَعَ في جَسَدِهِ ثم قرأ : {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} فتُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ ، قال : فإنه لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ أصحابِهِ إذا وَلَّوْا عنه . ويَأْتِيهِ مَلَكانِ شَدِيدَا الانتهارِ ، فَيَنْتَهِرَانِهِ ، ويُجْلِسَانِهِ ، فيَقُولانِ له : مَن ربُّكَ ؟ فيقولُ : هاه هاه لا أَدْرِي ، فيقولانِ له : مادِينُكَ ؟ فيقولُ : ها هاه لا أَدْرِي ، فيقولانِ : فما تَقُولُ في هذا الرجلِ الذي بُعِثَ فيكم ؟ فلا يَهْتَدِي لاسْمِهِ ، فيُقالُ : مُحَمَّدٌ ! فيقولُ : هاه هاه لا أَدْرِي سَمِعْتُ الناسَ يقولونَ ذاك ! قال : فيُقالُ : لا دَرَيْتَ ، ولا تَلَوْتَ ، فيُنادِي مُنَادٍ من السماءِ أن : كَذَبَ ، فأَفْرِشُوا له من النارِ ، وافْتَحُوا له بابًا إلى النارِ ، فيَأْتِيهِ من حَرِّها وسَمُومِها ، ويُضَيَّقُ عليه قَبْرُهُ حتى تَخْتَلِفَ فيه أضلاعُه ، ويَأْتِيهِ وفي روايةٍ : ويُمَثَّلُ له رجلٌ قبيحُ الوجهِ ، قبيحُ الثيابِ ، مُنْتِنُ الرِّيحِ ، فيقولُ : أَبْشِرْ بالذي يَسُوؤُكَ ، هذا يومُكَ الذي كنتَ تُوعَدُ ، فيقولُ : وأنت فَبَشَّرَكَ اللهُ بالشرِّ مَن أنت ؟ فوجهُك الوجهُ يَجِيءُ بالشرِّ ! فيقولُ : أنا عملُكَ الخبيثُ ، فواللهِ ما عَلِمْتُ إلا كنتُ بطيئًا عن طاعةِ اللهِ ، سريعًا إلى معصيةِ اللهِ ، فجزاك الله شرًّا ، ثم يُقَيَّضُ له أَعْمَى أَصَمُّ أَبْكَمُ في يَدِهِ مِرْزَبَّةٌ ! لو ضُرِبَ بها جبلٌ كان ترابًا ، فيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً حتى يَصِيرَ بها ترابًا ، ثم يُعِيدُهُ اللهُ كما كان ، فيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أُخْرَى ، فيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ كلُّ شيءٍ إلا الثَّقَلَيْنِ ، ثم يُفْتَحُ له بابٌ من النارِ ، ويُمَهَّدُ من فُرُشِ النارِ ، فيقولُ : رَبِّ لا تُقِمِ الساعةَ
7
✔ صحيح📌 ما تُضارُّونَ في رُؤيةِ اللهِ تَبارَك وتَعالى يَومَ القيامةِ إلَّا كما تُضارُّونَ في رُؤيةِ أحَدِهما
أنَّ ناسًا في زَمَنِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هل نَرى رَبَّنا يَومَ القيامةِ؟ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم، قال: هل تُضارُّونَ في رُؤيةِ الشَّمسِ بالظَّهيرةِ صَحوًا ليس معها سَحابٌ؟ وهل تُضارُّونَ في رُؤيةِ القَمَرِ لَيلةَ البَدرِ صَحوًا ليس فيها سَحابٌ؟ قالوا: لا يا رَسولَ اللهِ، قال: ما تُضارُّونَ في رُؤيةِ اللهِ تَبارَك وتَعالى يَومَ القيامةِ إلَّا كما تُضارُّونَ في رُؤيةِ أحَدِهما، إذا كانَ يَومُ القيامةِ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ: ليَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَت تَعبُدُ، فلا يَبقى أحَدٌ كانَ يَعبُدُ غيرَ اللهِ سُبحانَه مِنَ الأصنامِ والأنصابِ إلَّا يَتَساقَطونَ في النَّارِ، حتَّى إذا لَم يَبقَ إلَّا مَن كانَ يَعبُدُ اللهَ مِن بَرٍّ وفاجِرٍ وغُبَّرِ أهلِ الكِتابِ، فيُدعى اليَهودُ، فيُقالُ لهم: ما كُنتُم تَعبُدونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعبُدُ عُزَيرَ ابنَ اللهِ، فيُقالُ: كَذَبتُم، ما اتَّخَذَ اللهُ مِن صاحِبةٍ ولا ولَدٍ، فماذا تَبغونَ؟ قالوا: عَطِشنا يا رَبَّنا، فاسقِنا، فيُشارُ إليهم، ألا تَرِدونَ؟ فيُحشَرونَ إلى النَّارِ كَأنَّها سَرابٌ يَحطِمُ بَعضُها بَعضًا، فيَتَساقَطونَ في النَّارِ، ثُمَّ يُدعى النَّصارى، فيُقالُ لهم: ما كُنتُم تَعبُدونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعبُدُ المَسيحَ ابنَ اللهِ، فيُقالُ لهم، كَذَبتُم، ما اتَّخَذَ اللهُ مِن صاحِبةٍ ولا ولَدٍ، فيُقالُ لهم: ماذا تَبغونَ؟ فيَقولونَ: عَطِشنا يا رَبَّنا، فاسقِنا، قال: فيُشارُ إليهم، ألا تَرِدونَ؟ فيُحشَرونَ إلى جَهَنَّمَ كَأنَّها سَرابٌ يَحطِمُ بَعضُها بَعضًا، فيَتَساقَطونَ في النَّارِ، حتَّى إذا لَم يَبقَ إلَّا مَن كانَ يَعبُدُ اللهَ تَعالى مِن بَرٍّ وفاجِرٍ، أتاهم رَبُّ العالَمينَ سُبحانَه وتَعالى في أدنى صورةٍ مِنَ التي رَأوْه فيها، قال: فما تَنتَظِرونَ؟ تَتبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَت تَعبُدُ، قالوا: يا رَبَّنا، فارَقنا النَّاسَ في الدُّنيا أفقَرَ ما كُنَّا إليهم، ولَم نُصاحِبْهُم، فيَقولُ: أنا رَبُّكُم، فيَقولونَ: نَعوذُ باللهِ مِنك لا نُشرِكُ باللهِ شيئًا، مَرَّتَينِ أو ثَلاثًا، حتَّى إنَّ بَعضَهم لَيَكادُ أن يَنقَلِبَ، فيَقولُ: هل بينَكُم وبينَه آيةٌ فتَعرِفونَه بها؟ فيَقولونَ: نَعَم، فيُكشَفُ عن ساقٍ، فلا يَبقى مَن كانَ يَسجُدُ للَّهِ مِن تِلقاءِ نَفسِه إلَّا أذِنَ اللهُ له بالسُّجودِ، ولا يَبقى مَن كانَ يَسجُدُ اتِّقاءً ورياءً إلَّا جَعَلَ اللهُ ظَهرَه طَبَقةً واحِدةً، كُلَّما أرادَ أن يَسجُدَ خَرَّ على قَفاه، ثُمَّ يَرفَعونَ رُؤوسَهم وقد تَحَوَّلَ في صورَتِه التي رَأوْه فيها أوَّلَ مَرَّةٍ، فقال: أنا رَبُّكُم، فيَقولونَ: أنتَ رَبُّنا، ثُمَّ يُضرَبُ الجِسرُ على جَهَنَّمَ، وتَحِلُّ الشَّفاعةُ، ويقولونَ: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، وما الجِسرُ؟ قال: دَحضٌ مَزِلَّةٌ، فيه خَطاطيفُ وكَلاليبُ، وحَسَكٌ تَكونُ بنَجدٍ فيها شويكةٌ يُقالُ لها السَّعدانُ، فيَمُرُّ المُؤمِنونَ كَطَرفِ العَينِ، وكالبَرقِ، وكالرِّيحِ، وكالطَّيرِ، وكَأجاويدِ الخَيلِ والرِّكابِ؛ فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَخدوشٌ مُرسَلٌ، ومَكدوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ، حتَّى إذا خَلَصَ المُؤمِنونَ مِنَ النَّارِ، فوالذي نَفسي بيَدِه، ما مِنكُم مِن أحَدٍ بأشَدَّ مُناشَدةً للَّهِ في استِقصاءِ الحَقِّ مِنَ المُؤمِنينَ للَّهِ يَومَ القيامةِ لإخوانِهمُ الذينَ في النَّارِ، يقولونَ: رَبَّنا كانوا يَصومونَ معنا ويُصَلُّونَ ويَحُجُّونَ، فيُقالُ لهم: أخرِجوا مَن عَرَفتُم، فتُحَرَّمُ صورُهم على النَّارِ، فيُخرِجونَ خَلقًا كَثيرًا قدِ أخَذَتِ النَّارُ إلى نِصفِ ساقَيه، وإلى رُكبَتَيه، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا ما بَقيَ فيها أحَدٌ مِمَّن أمَرتَنا به، فيَقولُ: ارجِعوا فمَن وجَدتُم في قَلبِه مِثقالَ دينارٍ مِن خَيرٍ فأخرِجوه، فيُخرِجونَ خَلقًا كَثيرًا، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَم نَذَرْ فيها أحَدًا مِمَّن أمَرتَنا، ثُمَّ يقولُ: ارجِعوا فمَن وجَدتُم في قَلبِه مِثقالَ نِصفِ دينارٍ مِن خَيرٍ فأخرِجوه، فيُخرِجونَ خَلقًا كَثيرًا، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَم نَذَرْ فيها مِمَّن أمَرتَنا أحَدًا، ثُمَّ يقولُ: ارجِعوا فمَن وجَدتُم في قَلبِه مِثقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيرٍ فأخرِجوه، فيُخرِجونَ خَلقًا كَثيرًا، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَم نَذَرْ فيها خَيرًا. وكانَ أبو سَعيدٍ الخُدريُّ يقولُ: إن لَم تُصَدِّقوني بهذا الحَديثِ فاقرَؤوا إن شِئتُم: {إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مِثقالَ ذَرَّةٍ وإن تَكُ حَسَنةً يُضاعِفها ويُؤتِ مِن لَدُنْه أجرًا عَظيمًا} [النساء: 40]، فيَقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: شَفَعَتِ المَلائِكةُ، وشَفَعَ النَّبيُّونَ، وشَفَعَ المُؤمِنونَ، ولَم يَبقَ إلَّا أرحَمُ الرَّاحِمينَ، فيَقبِضُ قَبضةً مِنَ النَّارِ، فيُخرِجُ مِنها قَومًا لَم يَعمَلوا خَيرًا قَطُّ قد عادوا حُمَمًا، فيُلقيهم في نَهَرٍ في أفواهِ الجَنَّةِ، يُقالُ له: نَهَرُ الحَياةِ، فيَخرُجونَ كما تَخرُجُ الحِبَّةُ في حَميلِ السَّيلِ، ألا تَرَونَها تَكونُ إلى الحَجَرِ أو إلى الشَّجَرِ، ما يَكونُ إلى الشَّمسِ أُصَيفِرُ وأُخَيضِرُ، وما يَكونُ مِنها إلى الظِّلِّ يَكونُ أبيَضَ؟ فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، كَأنَّك كُنتَ تَرعى بالباديةِ! قال: فيَخرُجونَ كاللُّؤلُؤِ في رِقابِهمُ الخَواتِمُ، يَعرِفُهم أهلُ الجَنَّةِ: هؤلاء عُتَقاءُ اللهِ الذينَ أدخَلَهمُ اللهُ الجَنَّةَ بغيرِ عَمَلٍ عَمِلوه، ولا خَيرٍ قدَّموه، ثُمَّ يقولُ: ادخُلوا الجَنَّةَ فما رَأيتُموه فهو لكم، فيَقولونَ: رَبَّنا، أعطَيتَنا ما لَم تُعطِ أحَدًا مِنَ العالَمينَ، فيَقولُ: لكم عِندي أفضَلُ مِن هذا، فيَقولونَ: يا رَبَّنا، أيُّ شيءٍ أفضَلُ مِن هذا؟ فيَقولُ: رِضايَ، فلا أسخَطُ علَيكُم بَعدَه أبَدًا. قال مُسلِمٌ: قَرَأتُ على عيسى بنِ حَمَّادٍ زُغبةَ المِصريِّ هذا الحَديثَ في الشَّفاعةِ، وقُلتُ له: أُحَدِّثُ بهذا الحَديثِ عَنك أنَّك سَمِعتَ مِنَ اللَّيثِ بنِ سَعدٍ، فقال: نَعَم، قُلتُ لعيسى بنِ حَمَّادٍ: أخبَرَكُمُ اللَّيثُ بنُ سَعدٍ، عن خالِدِ بنِ يَزيدَ، عن سَعيدِ بنِ أبي هِلالٍ، عن زَيدِ بنِ أسلَمَ، عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، أنَّه قال: قُلنا: يا رَسولَ اللهِ، أنَرى رَبَّنا؟ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هل تُضارُّونَ في رُؤيةِ الشَّمسِ إذا كانَ يَومٌ صَحوٌ؟ قُلنا: لا، وسُقتُ الحَديثَ حتَّى انقَضى آخِرُه، وهو نَحوُ حَديثِ حَفصِ بنِ مَيسَرةَ، وزادَ بَعدَ قَولِه: بغيرِ عَمَلٍ عَمِلوه، ولا قدَمٍ قدَّموه، فيُقالُ لهم: لكم ما رَأيتُم ومِثلُه معهُ. قال أبو سَعيدٍ: بَلَغَني أنَّ الجِسرَ أدَقُّ مِنَ الشَّعرةِ، وأحَدُّ مِنَ السَّيفِ. وليسَ في حَديثِ اللَّيثِ، فيَقولونَ: رَبَّنا أعطَيتَنا ما لَم تُعطِ أحَدًا مِنَ العالَمينَ وما بَعدَه، فأقَرَّ به عيسى بنُ حَمَّادٍ
حديثُ أنه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يشفعُ يومَ القيامةِ لكثيرٍ من العصاةِ من أمتِه الذين دخلوا النارَ بذنوبِهم، عدَّةَ شفاعاتٍ، فيحدُّ اللهُ له حدًّا في كلِّ شفاعةٍ، فيخرجُهُم من النارِ، وتشفعُ الملائكةُ، والأنبياءُ والصالحون والأفراطُ بعد إذنِه سبحانه لهم ويبقى في النارِ بقيةٌ من العصاةِ لم تشملْهُم الشَّفاعةُ، فيخرجُهم اللهُ سبحانه من النَّارِ بفضلِه ورحمتِه، ولا يبقى في النَّارِ إلا الكفَّارُ [يعني حديث: أنَّ ناسًا في زَمَنِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هلْ نَرَى رَبَّنا يَومَ القِيامَةِ؟ قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: نَعَمْ قالَ: هلْ تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بالظَّهِيرَةِ صَحْوًا ليسَ معها سَحابٌ؟ وهلْ تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ صَحْوًا ليسَ فيها سَحابٌ؟ قالوا: لا يا رَسولَ اللهِ، قالَ: ما تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالَى يَومَ القِيامَةِ إلَّا كما تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ أحَدِهِما، إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَتْ تَعْبُدُ، فلا يَبْقَى أحَدٌ كانَ يَعْبُدُ غيرَ اللهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأصْنامِ والأنْصابِ إلَّا يَتَساقَطُونَ في النَّارِ، حتَّى إذا لَمْ يَبْقَ إلَّا مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِن بَرٍّ وفاجِرٍ وغُبَّرِ أهْلِ الكِتابِ، فيُدْعَى اليَهُودُ، فيُقالُ لهمْ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ، فيُقالُ: كَذَبْتُمْ ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن صاحِبَةٍ ولا ولَدٍ، فَماذا تَبْغُونَ؟ قالوا: عَطِشْنا يا رَبَّنا، فاسْقِنا، فيُشارُ إليهِم ألا تَرِدُونَ؟ فيُحْشَرُونَ إلى النَّارِ كَأنَّها سَرابٌ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا، فَيَتَساقَطُونَ في النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصارَى، فيُقالُ لهمْ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ، فيُقالُ لهمْ، كَذَبْتُمْ ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن صاحِبَةٍ ولا ولَدٍ، فيُقالُ لهمْ: ماذا تَبْغُونَ؟ فيَقولونَ: عَطِشْنا يا رَبَّنا، فاسْقِنا، قالَ: فيُشارُ إليهِم ألا تَرِدُونَ؟ فيُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ كَأنَّها سَرابٌ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا، فَيَتَساقَطُونَ في النَّارِ حتَّى إذا لَمْ يَبْقَ إلَّا مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالَى مِن بَرٍّ وفاجِرٍ أتاهُمْ رَبُّ العالَمِينَ سُبْحانَهُ وتَعالَى في أدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتي رَأَوْهُ فيها قالَ: فَما تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَتْ تَعْبُدُ، قالوا: يا رَبَّنا، فارَقْنا النَّاسَ في الدُّنْيا أفْقَرَ ما كُنَّا إليهِم، ولَمْ نُصاحِبْهُمْ، فيَقولُ: أنا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: نَعُوذُ باللَّهِ مِنْكَ لا نُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا مَرَّتَيْنِ، أوْ ثَلاثًا، حتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكادُ أنْ يَنْقَلِبَ، فيَقولُ: هلْ بيْنَكُمْ وبيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بها؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، فيُكْشَفُ عن ساقٍ فلا يَبْقَى مَن كانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إلَّا أذِنَ اللَّهُ له بالسُّجُودِ، ولا يَبْقَى مَن كانَ يَسْجُدُ اتِّقاءً ورِياءً إلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً واحِدَةً، كُلَّما أرادَ أنْ يَسْجُدَ خَرَّ علَى قَفاهُ، ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ وقدْ تَحَوَّلَ في صُورَتِهِ الَّتي رَأَوْهُ فيها أوَّلَ مَرَّةٍ، فقالَ: أنا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: أنْتَ رَبُّنا، ثُمَّ يُضْرَبُ الجِسْرُ علَى جَهَنَّمَ، وتَحِلُّ الشَّفاعَةُ ، ويقولونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ، سَلِّمْ قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، وما الجِسْرُ؟ قالَ: دَحْضٌ مَزِلَّةٌ ، فيه خَطاطِيفُ وكَلالِيبُ وحَسَكٌ تَكُونُ بنَجْدٍ فيها شُوَيْكَةٌ يُقالُ لها السَّعْدانُ، فَيَمُرُّ المُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ العَيْنِ، وكالْبَرْقِ، وكالرِّيحِ، وكالطَّيْرِ، وكَأَجاوِيدِ الخَيْلِ والرِّكابِ، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، ومَكْدُوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ، حتَّى إذا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوالذي نَفْسِي بيَدِهِ، ما مِنكُم مِن أحَدٍ بأَشَدَّ مُناشَدَةً لِلَّهِ في اسْتِقْصاءِ الحَقِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَومَ القِيامَةِ لإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ في النَّارِ، يقولونَ: رَبَّنا كانُوا يَصُومُونَ معنا ويُصَلُّونَ ويَحُجُّونَ، فيُقالُ لهمْ: أخْرِجُوا مَن عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ علَى النَّارِ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدِ أخَذَتِ النَّارُ إلى نِصْفِ ساقَيْهِ، وإلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا ما بَقِيَ فيها أحَدٌ مِمَّنْ أمَرْتَنا به، فيَقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ دِينارٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها أحَدًا مِمَّنْ أمَرْتَنا، ثُمَّ يقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ نِصْفِ دِينارٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها مِمَّنْ أمَرْتَنا أحَدًا، ثُمَّ يقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها خَيْرًا. وَكانَ أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ يقولُ: إنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بهذا الحَديثِ فاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: {إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40]، فيَقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: شَفَعَتِ المَلائِكَةُ، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وشَفَعَ المُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَبْقَ إلَّا أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فيُخْرِجُ مِنْها قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قدْ عادُوا حُمَمًا ، فيُلْقِيهِمْ في نَهَرٍ في أفْواهِ الجَنَّةِ يُقالُ له: نَهَرُ الحَياةِ، فَيَخْرُجُونَ كما تَخْرُجُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ ، ألا تَرَوْنَها تَكُونُ إلى الحَجَرِ، أوْ إلى الشَّجَرِ، ما يَكونُ إلى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وأُخَيْضِرُ، وما يَكونُ مِنْها إلى الظِّلِّ يَكونُ أبْيَضَ؟ فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، كَأنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بالبادِيَةِ، قالَ: فَيَخْرُجُونَ كاللُّؤْلُؤِ في رِقابِهِمُ الخَواتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أهْلُ الجَنَّةِ هَؤُلاءِ عُتَقاءُ اللهِ الَّذِينَ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ الجَنَّةَ بغيرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، ولا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يقولُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ فَما رَأَيْتُمُوهُ فَهو لَكُمْ، فيَقولونَ: رَبَّنا، أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فيَقولُ: لَكُمْ عِندِي أفْضَلُ مِن هذا، فيَقولونَ: يا رَبَّنا، أيُّ شيءٍ أفْضَلُ مِن هذا؟ فيَقولُ: رِضايَ، فلا أسْخَطُ علَيْكُم بَعْدَهُ أبَدًا.]
قدِمنا الحُدَيبيةَ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونَحنُ أربَعَ عَشرةَ مِائةً، وعليها خَمسونَ شاةً لا تُرويها، قال: فقَعَدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على جَبا الرَّكيَّةِ، فإمَّا دَعا وإمَّا بَصَقَ فيها، قال: فجاشَت، فسَقَينا واستَقَينا، قال: ثُمَّ إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَعانا للبَيعةِ في أصلِ الشَّجَرةِ، قال: فبايَعتُه أوَّلَ النَّاسِ، ثُمَّ بايَعَ، وبايَعَ، حتَّى إذا كان في وسَطٍ مِنَ النَّاسِ، قال: بايِعْ يا سَلَمةُ، قال: قُلتُ: قد بايَعتُكَ يا رَسولَ اللهِ في أوَّلِ النَّاسِ، قال: وأيضًا، قال: ورَآني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَزِلًا، يَعني: ليس معهُ سِلاحٌ، قال: فأعطاني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَجَفةً -أو دَرَقةً- ثُمَّ بايَعَ، حتَّى إذا كان في آخِرِ النَّاسِ، قال: ألا تُبايِعُني يا سَلَمةُ؟ قال: قُلتُ: قد بايَعتُكَ يا رَسولَ اللهِ في أوَّلِ النَّاسِ، وفي أوسَطِ النَّاسِ، قال: وأيضًا، قال: فبايَعتُه الثَّالِثةَ، ثُمَّ قال لي: يا سَلَمةُ، أينَ حَجَفَتُكَ -أو دَرَقَتُكَ- التي أعطَيتُكَ؟ قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، لَقيَني عَمِّي عامِرٌ عَزِلًا، فأعطَيتُه إيَّاها، قال: فضَحِكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال: إنَّكَ كالذي قال الأوَّلُ: اللَّهمَّ أبغِني حَبيبًا هو أحَبُّ إليَّ مِن نَفسي، ثُمَّ إنَّ المُشرِكينَ راسَلونا الصُّلحَ حتَّى مَشى بَعضُنا في بَعضٍ، واصطَلَحنا. قال: وكُنتُ تَبيعًا لطَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ أسقي فرَسَه، وأحُسُّه، وأخدِمُه، وآكُلُ مِن طَعامِه، وتَرَكتُ أهلي ومالي مُهاجِرًا إلى اللهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فلَمَّا اصطَلَحنا نَحنُ وأهلُ مَكَّةَ، واختَلَطَ بَعضُنا ببَعضٍ، أتَيتُ شَجَرةً فكَسَحتُ شَوكَها فاضطَجَعتُ في أصلِها، قال: فأتاني أربَعةٌ مِنَ المُشرِكينَ مِن أهلِ مَكَّةَ، فجَعَلوا يَقَعونَ في رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأبغَضتُهم، فتَحَوَّلتُ إلى شَجَرةٍ أُخرى، وعَلَّقوا سِلاحَهم واضطَجَعوا، فبينَما هُم كَذلك إذ نادى مُنادٍ مِن أسفَلِ الوادي: يا لَلمُهاجِرينَ، قُتِلَ ابنُ زُنَيمٍ، قال: فاختَرَطتُ سَيفي، ثُمَّ شَدَدتُ على أولَئِكَ الأربَعةِ وهم رُقودٌ، فأخَذتُ سِلاحَهم، فجَعَلتُه ضِغثًا في يَدي، قال: ثُمَّ قُلتُ: والذي كَرَّمَ وجهَ مُحَمَّدٍ لا يَرفَعُ أحَدٌ مِنكُم رَأسَه إلَّا ضَرَبتُ الذي فيه عَيناه، قال: ثُمَّ جِئتُ بهم أسوقُهم إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: وجاءَ عَمِّي عامِرٌ برَجُلٍ مِنَ العَبَلاتِ، يُقالُ له: مِكرَزٌ، يَقودُه إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على فرَسٍ مُجَفَّفٍ في سَبعينَ مِنَ المُشرِكينَ، فنَظَرَ إليهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: دَعوهم، يَكُنْ لهم بَدءُ الفُجورِ وثِناه، فعَفا عنهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنزَلَ اللهُ: {وهو الذي كَفَّ أيديَهم عَنكُم وأيديَكُم عَنهُم ببَطنِ مَكَّةَ مِن بَعدِ أن أظفَرَكُم عليهم} [الفتح: 24] الآيةَ كُلَّها. قال: ثُمَّ خَرَجنا راجِعينَ إلى المَدينةِ، فنَزَلنا مَنزِلًا بينَنا وبينَ بَني لَحيانَ جَبَلٌ، وهمُ المُشرِكونَ، فاستَغفَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَن رَقيَ هذا الجَبَلَ اللَّيلةَ، كَأنَّه طَليعةٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه، قال سَلَمةُ: فرَقيتُ تلك اللَّيلةَ مَرَّتَينِ أو ثَلاثًا، ثُمَّ قدِمنا المَدينةَ، فبَعَثَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بظَهرِه مع رَباحٍ، غُلامِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنا معهُ، وخَرَجتُ معهُ بفَرَسِ طَلحةَ، أُنَدِّيه مع الظَّهرِ، فلَمَّا أصبَحنا إذا عبدُ الرَّحمَنِ الفَزاريُّ قد أغارَ على ظَهرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فاستاقَه أجمَعَ، وقَتَلَ راعيَه، قال: فقُلتُ: يا رَباحُ، خُذْ هذا الفَرَسَ فأبلِغْه طَلحةَ بنَ عُبَيدِ اللهِ، وأخبِرْ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ المُشرِكينَ قد أغاروا على سَرحِه، قال: ثُمَّ قُمتُ على أكَمةٍ، فاستَقبَلتُ المَدينةَ، فنادَيتُ ثَلاثًا: يا صَباحاه! ثُمَّ خَرَجتُ في آثارِ القَومِ أرميهم بالنَّبلِ وأرتَجِزُ، أقولُ: أنا ابنُ الأكوعِ... واليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ، فألحَقُ رَجُلًا منهم فأصُكُّ سَهمًا في رَحلِه، حتَّى خَلَصَ نَصلُ السَّهمِ إلى كَتِفِه، قال: قُلتُ: خُذْها وأنا ابنُ الأكوعِ... واليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ، قال: فواللهِ، ما زِلتُ أرميهم وأعقِرُ بهم، فإذا رَجَعَ إليَّ فارِسٌ أتَيتُ شَجَرةً، فجَلَستُ في أصلِها، ثُمَّ رَمَيتُه فعَقَرتُ به، حتَّى إذا تَضايَقَ الجَبَلُ فدَخَلوا في تَضايُقِه، عَلَوتُ الجَبَلَ فجَعَلتُ أُرَدِّيهم بالحِجارةِ، قال: فما زِلتُ كَذلك أتبَعُهم حتَّى ما خَلَقَ اللهُ مِن بَعيرٍ مِن ظَهرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا خَلَّفتُه وراءَ ظَهري، وخَلَّوا بَيني وبينَه، ثُمَّ اتَّبَعتُهم أرميهم حتَّى ألقَوا أكثَرَ مِن ثَلاثينَ بُردةً، وثَلاثينَ رُمحًا؛ يَستَخِفُّونَ، ولا يَطرَحونَ شيئًا إلَّا جَعَلتُ عليه آرامًا مِنَ الحِجارةِ يَعرِفُها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه، حتَّى أتَوا مُتَضايِقًا مِن ثَنيَّةٍ، فإذا هُم قد أتاهم فُلانُ بنُ بَدرٍ الفَزاريُّ، فجَلَسوا يَتَضَحَّونَ، يَعني يَتَغَدَّونَ، وجَلَستُ على رَأسِ قَرنٍ، قال الفَزاريُّ: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لَقينا مِن هذا البَرحَ! واللهِ ما فارَقَنا مُنذُ غَلَسٍ يَرمينا حتَّى انتَزَعَ كُلَّ شَيءٍ في أيدينا، قال: فليَقُمْ إليه نَفَرٌ مِنكُم أربَعةٌ، قال: فصَعِدَ إليَّ منهم أربَعةٌ في الجَبَلِ، قال: فلَمَّا أمكَنوني مِنَ الكَلامِ، قال: قُلتُ: هل تَعرِفوني؟ قالوا: لا، ومَن أنتَ؟ قال: قُلتُ: أنا سَلَمةُ بنُ الأكوعِ، والذي كَرَّمَ وجهَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لا أطلُبُ رَجُلًا مِنكُم إلَّا أدرَكتُه، ولا يَطلُبُني رَجُلٌ مِنكُم فيُدرِكَني، قال أحَدُهم: أنا أظُنُّ. قال: فرَجَعوا، فما بَرِحتُ مَكاني حتَّى رَأيتُ فوارِسَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَخَلَّلونَ الشَّجَرَ، قال: فإذا أوَّلُهمُ الأخرَمُ الأسَديُّ، على إثرِه أبو قَتادةَ الأنصاريُّ، وعلى إثرِه المِقدادُ بنُ الأسودِ الكِنديُّ، قال: فأخَذتُ بعِنانِ الأخرَمِ، قال: فولَّوا مُدبِرينَ، قُلتُ: يا أخرَمُ، احذَرهُم؛ لا يَقتَطِعوكَ حتَّى يَلحَقَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه، قال: يا سَلَمةُ، إن كُنتَ تُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، وتَعلَمُ أنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، والنَّارَ حَقٌّ، فلا تَحُلْ بَيني وبينَ الشَّهادةِ، قال: فخَلَّيتُه، فالتَقى هو وعَبدُ الرَّحمَنِ، قال: فعَقَرَ بعَبدِ الرَّحمَنِ فرَسَه، وطَعَنَه عبدُ الرَّحمَنِ فقَتَلَه، وتَحَوَّلَ على فرَسِه، ولَحِقَ أبو قَتادةَ فارِسُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَبدِ الرَّحمَنِ، فطَعَنَه فقَتَلَه، فوالذي كَرَّمَ وجهَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَتَبِعتُهم أعدو على رِجلَيَّ حتَّى ما أرى ورائي مِن أصحابِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا غُبارِهم شيئًا، حتَّى يَعدِلوا قَبلَ غُروبِ الشَّمسِ إلى شِعبٍ فيه ماءٌ يُقالُ له: ذو قَرَدٍ؛ ليَشرَبوا منه، وهم عِطاشٌ، قال: فنَظَروا إليَّ أعدو وراءَهم، فخَلَّيتُهم عنه -يَعني أجلَيتُهم عنه- فما ذاقوا منه قَطرةً. قال: ويَخرُجونَ فيَشتَدُّونَ في ثَنيَّةٍ، قال: فأعدو فألحَقُ رَجُلًا منهم، فأصُكُّه بسَهمٍ في نُغضِ كَتِفِه، قال: قُلتُ: خُذها وأنا ابنُ الأكوعِ... واليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ، قال: يا ثَكِلَتْه أُمُّه! أكوَعُه بُكرةَ؟! قال: قُلتُ: نَعَم يا عَدوَّ نَفسِه، أكوعُكَ بُكرةَ، قال: وأردَوا فرَسَينِ على ثَنيَّةٍ، قال: فجِئتُ بهما أسوقُهما إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ولَحِقَني عامِرٌ بسَطيحةٍ فيها مَذقةٌ مِن لَبَنٍ، وسَطيحةٍ فيها ماءٌ، فتَوضَّأتُ وشَرِبتُ، ثُمَّ أتَيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على الماءِ الذي حَلَّأتُهم عنه، فإذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أخَذَ تلك الإبِلَ وكُلَّ شَيءٍ استَنقَذتُه مِنَ المُشرِكينَ، وكُلَّ رُمحٍ وبُردةٍ، وإذا بلالٌ نَحَرَ ناقةً مِنَ الإبِلِ الذي استَنقَذتُ مِنَ القَومِ، وإذا هو يَشوي لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن كَبِدِها وسَنامِها، قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، خَلِّني فأنتَخِبُ مِنَ القَومِ مِائةَ رَجُلٍ فأتَّبِعُ القَومَ، فلا يَبقى منهم مُخبِرٌ إلَّا قَتَلتُه، قال: فضَحِكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى بَدَت نَواجِذُه في ضَوءِ النَّارِ، فقال: يا سَلَمةُ، أتُراكَ كُنتَ فاعِلًا؟ قُلتُ: نَعَم، والذي أكرَمَكَ، فقال: إنَّهمُ الآنَ لَيُقرَونَ في أرضِ غَطَفانَ، قال: فجاءَ رَجُلٌ مِن غَطَفانَ، فقال: نَحَرَ لهم فُلانٌ جَزورًا، فلَمَّا كَشَفوا جِلدَها رَأوا غُبارًا، فقالوا: أتاكُمُ القَومُ، فخَرَجوا هارِبينَ، فلَمَّا أصبَحنا قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كان خَيرَ فُرسانِنا اليومَ أبو قَتادةَ، وخَيرَ رَجَّالَتِنا سَلَمةُ، قال: ثُمَّ أعطاني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَهمَينِ: سَهمَ الفارِسِ، وسَهمَ الرَّاجِلِ، فجَمعهُما لي جَميعًا، ثُمَّ أردَفَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وراءَه على العَضباءِ راجِعينَ إلى المَدينةِ. قال: فبينَما نَحنُ نَسيرُ، قال: وكانَ رَجُلٌ مِنَ الأنصارِ لا يُسبَقُ شَدًّا، قال: فجَعَلَ يقولُ: ألا مُسابِقٌ إلى المَدينةِ؟ هل مِن مُسابِقٍ؟ فجَعَلَ يُعيدُ ذلك، قال: فلَمَّا سَمِعتُ كَلامَه، قُلتُ: أما تُكرِمُ كَريمًا، ولا تَهابُ شَريفًا؟! قال: لا، إلَّا أن يَكونَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، بأبي وأُمِّي، ذَرني فلِأُسابِق الرَّجُلَ، قال: إن شِئتَ، قال: قُلتُ: اذهَبْ إليكَ، وثَنَيتُ رِجلَيَّ، فطَفَرتُ فعَدَوتُ، قال: فرَبَطتُ عليه شَرَفًا أو شَرَفَينِ، أستَبقي نَفَسي، ثُمَّ عَدَوتُ في إثرِه، فرَبَطتُ عليه شَرَفًا أو شَرَفَينِ، ثُمَّ إنِّي رَفَعتُ حتَّى ألحَقَه، قال: فأصُكُّه بينَ كَتِفَيه، قال: قُلتُ: قد سُبِقتَ واللهِ! قال: أنا أظُنُّ، قال: فسَبَقتُه إلى المَدينةِ، قال: فواللهِ، ما لَبِثنا إلَّا ثَلاثَ لَيالٍ حتَّى خَرَجنا إلى خَيبَرَ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فجَعَلَ عَمِّي عامِرٌ يَرتَجِزُ بالقَومِ: تاللهِ لَولا اللهُ ما اهتَدَينا... ولا تَصَدَّقنا ولا صَلَّينا ونَحنُ عن فضلِكَ ما استَغنَينا... فثَبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينا وأنزِلَنْ سَكينةً علينا، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن هذا؟ قال: أنا عامِرٌ، قال: غَفَرَ لكَ رَبُّكَ، قال: وما استَغفَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لإنسانٍ يَخُصُّه إلَّا استُشهِدَ، قال: فنادى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وهو على جَمَلٍ له: يا نَبيَّ اللهِ، لَولا ما مَتَّعتَنا بعامِرٍ! قال: فلَمَّا قدِمنا خَيبَرَ، قال: خَرَجَ مَلِكُهم مَرحَبٌ يَخطِرُ بسَيفِه، ويقولُ: قد عَلِمَت خَيبَرُ أنِّي مَرحَبُ... شاكي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إذا الحُروبُ أقبَلَت تَلَهَّبُ، قال: وبَرَزَ له عَمِّي عامِرٌ، فقال: قد عَلِمَت خَيبَرُ أنِّي عامِرُ... شاكي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغامِرُ، قال: فاختَلَفا ضَربَتَينِ، فوقَعَ سَيفُ مَرحَبٍ في تُرسِ عامِرٍ، وذَهَبَ عامِرٌ يَسفُلُ له، فرَجَعَ سَيفُه على نَفسِه، فقَطَعَ أكحَلَه، فكانَت فيها نَفسُه. قال سَلَمةُ: فخَرَجتُ، فإذا نَفَرٌ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولونَ: بَطَلَ عَمَلُ عامِرٍ؛ قَتَلَ نَفسَه! قال: فأتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا أبكي، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، بَطَلَ عَمَلُ عامِرٍ! قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن قال ذلك؟ قال: قُلتُ: ناسٌ مِن أصحابِكَ، قال: كَذَبَ مَن قال ذلك، بَل له أجرُه مَرَّتَينِ، ثُمَّ أرسَلَني إلى عَليٍّ وهو أرمَدُ، فقال: لأُعطيَنَّ الرَّايةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ ورَسولَه، أو يُحِبُّه اللهُ ورَسولُه، قال: فأتَيتُ عَليًّا، فجِئتُ به أقودُه وهو أرمَدُ، حتَّى أتَيتُ به رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبَسَقَ في عَينَيه فبَرَأ وأعطاه الرَّايةَ، وخَرَجَ مَرحَبٌ، فقال: قد عَلِمَت خَيبَرُ أنِّي مَرحَبُ... شاكي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إذا الحُروبُ أقبَلَت تَلَهَّبُ فقال عَليٌّ: أنا الذي سَمَّتني أُمِّي حَيدَرَه... كَلَيثِ غاباتٍ كَريهِ المَنظَرَه أوفيهمُ بالصَّاعِ كَيلَ السَّندَرَه. قال: فضَرَبَ رَأسَ مَرحَبٍ فقَتَلَه، ثُمَّ كان الفَتحُ على يَدَيه
عن أبي هريرةَ قال إنَّ الميتَ لَيسمعُ خفقَ نعالِهم إذا ولَّوا عنه مُدبرينَ فإذا كان مؤمنًا كانت الصلاةُ عند رأسِه والزكاةُ عن يمينِه وكان الصيامُ عن يسارِه وكان فعلُ الخيراتِ من الصدقةِ والصلةِ والمعروفِ والإحسانِ إلى الناسِ عند رجليه فيؤتَى مِنْ عندِ رأسِهِ فتقولُ الصلاةُ ما قِبَلِي مُدخَلٌ فيؤتَى مِنْ عندِ يمينِهِ فتقولُ الزكاةُ ما قِبَلِي مَدخلٌ فيُؤتَى عن يسارِه فيقولُ الصيامُ ما قِبَلِي مَدخلٌ فيؤتَى مِنْ عندِ رجلَيهِ فيقولُ فعلُ الخيراتِ مِنَ الصدقةِ والصلةِ والمعروفِ والإحسانِ إلى الناسِ ما قِبَلِي مَدخلٌ فيقالُ له اجلسْ فيجلسُ قدْ مُثِّلَتْ له الشمسُ قد دنت للغروبِ فيقالُ له أخبرْنا عما نسألُكَ فيقولُ دَعوني حتى أُصَلِّيَ فيقالُ له إنكَ ستفعلُ فأخبرْنا عمَّ نسألُكَ عنه فيقولُ وعمَّ تسألوني فيقالُ أرأيتَ هذا الرجلَ الذي كان فيكم ماذا تقولُ فيه وما تشهدُ به عليه فيقولُ أمحمدٌ فيقالُ له نعم فيقولُ أشهدُ أنه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأنه جاء بالبيناتِ من عند اللهِ فصدَّقناه فيقالُ له على ذلكَ حييتَ وعلى ذلك متَّ وعلى ذلك تبعثُ إن شاء اللهُ ثم يُفسحُ له في قبرِهِ سبعونَ ذراعًا ويُنوَّرُ له فيه ثم يُفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ فيقالُ له انظُرْ إلى ما أعدَّ اللهُ له لك فيها فيزدادُ غِبطةً وسرورًا ثم يُفتحُ له بابٌ إلى النارِ فيقالُ له انظرْ ما صرف اللهُ عنكَ لو عصيتَه فيزدادُ غِبطةً وسُرورًا ثم يُجعلُ نسَمةً في النسَمِ الطيِّبِ وهي طيرٌ خضرٌ تعلقُ شجرَ الجنةِ ويُعادُ الجسدُ إلى ما بُدئَ منه مِنَ الترابِ وذلك قولُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} عنِ الحكمِ بنِ ثوبانَ ثم يقالُ له نمْ فينامُ نومةَ العروسِ لا يوقظُهُ إلا أحبُّ أهلِهِ إليه قال أبو هريرةَ وإن كان كافرًا فيؤتَى من قِبَلِ رأسِه فلا يوجدُ شيءٌ ثم يؤتَى عن يمينِه فلا يوجدُ شيءٌ ثم يُؤتَى عن شمالِه فلا يوجدُ شيءٌ ثم يُؤتَى من قبلِ رجلَيه فلا يوجدُ شيءٌ فيقالُ له اجلسْ فيجلس فزعًا مرعوبًا فيقال له أخبرْنا عمَّ نسألُكَ عنه فيقولُ وعمَّ تسألونَ قالوا إنا نسألُكَ عن هذا الرجلِ الذي كان فيكم ماذا تقولُ فيه وماذا تشهدُ به عليه فيقولُ أيُّ رجلٍ فيقالُ هذا الرجلُ الذي كان فيكم فلا يهتدي لاسمِه فيقالُ له محمدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيقولُ لا أدري سمعتُ الناسَ يقولون قولًا فقلتُ كما قالوا فيقالُ له على ذلك حييتَ وعلى ذلك متَّ وعلى ذلك تُبعثُ إن شاء اللهُ ثم يُفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ فيقالُ له ذلك مقعدُكَ منها وما أعدَّ اللهُ لكَ فيها لو أطعتَه فيزدادُ حسرةً وثُبورًا ثم يُضَيَّقُ عليه قبرُهُ حتى تختلفَ فيه أضلاعُهُ وهي المعيشةُ الضنكُ قال اللهُ تعالى ذكرُه { مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى }
إذا وُضِع الميتُ في قبرِه قال : إنه يَسمَعُ خفقَ نعالِهم حين يولُّونَ عنه ، فإذا كان مؤمنًا كانتِ الصلاةُ عندَ رأسِه ، والصيامُ عن يمينِه ، والزكاةُ عن يسارِه ، وفِعلُ الخيراتِ منَ الصدَقَةِ والصلةِ والمعروفِ والإحسانِ إلى الناسِ عندَ رِجلَيه ، فيؤتى مِن قبلِ رأسِه فتقولُ الصلاةُ ما قبلي مدخلٌ ، ويؤتى عن يمينِه فيقولُ الصيامُ ما قبلي مدخلٌ ، ويؤتى عن يسارِه فتقولُ الزكاةُ ما قبلي مدخلٌ ، ويؤتى مِن قبلِ رِجلَيه فيقولُ فعلُ الخيراتِ منَ الصدَقَةِ والصلاةِ والمعروفِ والإحسانِ إلى الناسِ ما قبلي مدخلٌ : فيقالُ : اجلِسْ ، فيجلِسُ قد مُثِّلَتْ له الشمسُ قد دنَتْ منَ الغروبِ ، فيُقالُ له : أخبِرْنا عن هذا الرجلِ الذي كان فيكم ؟ ماذا تقولُ فيه ؟ وماذا تشهَدُ به عليه ؟ فيقولُ : دعوني أصلِّي ، فيقالُ : أخبِرْنا عما نسألُكَ عنه ، أخبِرْنا عن هذا الرجلِ الذي كان فيكم ماذا تشهدُ به عليه ؟ فيقولُ : محمدٌ ، أشهدُ أنه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، وأنه جاءنا بالحقِّ مِن عندِ اللهِ ، فيقالُ له : على ذلك حَييتَ ، وعلى ذلك مِتَّ ، وعلى ذلك تُبعَثُ إن شاء اللهُ ثم يفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ فيقالُ له : ذاكَ مَقعَدُكَ فيها وما أعَدَّ اللهُ لكَ فيها فيزدادُ غِبطةً وسرورًا ثم يفتحُ له بابٌ إلى النارِ فيقالُ : ذاكَ مقعدُكَ فيها وما أعَدَّ اللهُ لكَ فيها لو عصيتَه ، فيزدادُ غِبطةً وسرورًا ، ثم يُفسَحُ له سبعونَ ذراعًا في قبرِه وينورُ له فيه فذلك قولُه تعالى : يثبتُ اللهُ الذينَ آمَنوا بالقولِ الثابتِ ... الآية ثم يُعادُ الجسدُ لما بدَأ منه إلى الترابِ - قال محمدٌ : فحدَّثني عُمرُ بنُ الحكَمِ بنِ ثَوبانَ : فنام نومةَ العروسِ لا يوقِظُه إلا أحَبُّ أهلِه إليه ثم عاد إلى حديثِ أبي هريرةَ - قال : وإن كان كافرًا أُتي مِن قِبلِ رأسِه فلا يوجَدُ له شيءٌ ، ويؤتى عن يمينِه فلا يوجَدُ له شيءٌ ، ويؤتَى عن يسارِه فلا يوجَدُ له شيءٌ ، ويؤتى مِن قبلِ رِجلَيه فلا يوجَدُ له شيءٌ ، فقال له : اجلِسْ فيجلِسُ خائفًا مرعوبًا ، فيقالُ له : أخبِرْنا عن هذا الرجلِ الذي كان فيكم ماذا تقولُ فيه ؟ فيقولُ : سمِعتُ الناسَ يقولونَ قولًا فقلتُ كما قالوا ، فيقالُ : على ذلك حَييتَ ، وعلى ذلك مِتَّ وعلى ذلك تُبعَثُ إن شاء اللهُ ، ثم يُفتَحُ له بابٌ إلى النارِ فيقالُ له : هذا مَقعَدُكَ منها ، وما أعَدَّ اللهُ لكَ فيها فيزدادُ حسرةً وثبورًا ، ويضيقُ عليه في قبرِه حتى تختلفَ فيه أضلاعُه ، ثم يفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ ، فيقالُ له : ذاكَ مَقعَدُكَ منها ، وما أعَدَّ اللهُ لكَ فيها لو أطعتَه ، فيزدادُ حسرةً وثبورًا ويضيقُ عليه قبرُه حتى تختلفَ فيه أضلاعُه ، وتلك المعيشةُ الضنكةُ التي قال اللهُ - تعالى - : مَعيشَةً ضَنكًا
قال: كُنتُ في مَجلسٍ فيه رَسولُ اللهِ (إذ أقبَلَ عتيقةُ بنُ الحارِثِ الأنصاريُّ فسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ قال: يا رَسولَ اللهِ، شَهِدتُك يَومَ بَدرٍ وأنتَ تُحَرِّضُ النَّاسَ على الجِهادِ فلَم أستَطِعْ أن أسألَك، وأنا سائِلُك ففَهِّمْني يا رَسولَ اللهِ، قال: سَلْ عَمَّا بَدا لَك يا عتيقةُ، قال: يا رَسولَ اللهِ، ما لمَن تَقَلَّدَ سَيفًا في سَبيلِ اللهِ؟ قال: يُقَلِّدُه اللَّهُ وِشاحًا مِن أوشِحةِ الجَنَّةِ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ولُؤلُؤٍ وزَبَرجَدٍ، قال: يا رَسولَ اللهِ، ما لمَنِ اعتَقَلَ رُمحًا في سَبيلِ اللهِ؟ قال: يَكونُ له به عَلَمٌ يُعرَفُ به يَومَ القيامةِ، قال: فما لمَن تَقَلَّدَ قَوسًا في سَبيلِ اللهِ؟ قال: يَكونُ له رِداءٌ أخضَرُ مِن أرديَةِ الجَنَّةِ يَومَ القيامةِ. قال: فمَن رَمى بسَهمٍ في سَبيلِ اللهِ؟ قال: بَخْ بَخْ يا عتيقةُ، لَقد سَألَتَ عَن خَيرٍ كَثيرٍ، إنَّ اللَّهَ ليُدخِلُ بالسَّهمِ الواحِدِ ثَلاثةً الجَنَّةَ: صانِعَه، والمُقَوِّي به، والرَّامي به في سَبيلِ اللهِ، يا عتيقةُ بنَ الحارِثِ، مَن رَمى بسَهمٍ في سَبيلِ اللهِ بَلَغَ العَدوَّ أو قَصُرَ، عَدَل له عِتقَ رَقَبةٍ، قال: يا رَسولَ اللهِ، فما لمَن لَبِسَ دِرعًا في سَبيلِ اللهِ؟ قال: يَكونُ له جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ، قال: فما لمَن تعَضَّد تُرسًا في سَبيلِ اللهِ؟ قال: يَكونُ له سِترًا مِن حَرِّ شَمسِ الأرض، وقد أُدنِيَت مِنَ النَّاسِ بقَدرِ مِيلٍ، وقد زيدَ في حَرِّها ثَمانيةَ عَشَرَ جُزءًا، ورَهقَ النَّاسَ العَرَقُ على قَدرِ أعمالِهم، فالمُؤمِنُ في ضَحضاحٍ، والكافِرُ مُلجَمٌ. قال: يا رَسولَ اللهِ، فما لمَن رَكِبَ فرَسًا في سَبيلِ اللهِ أمانًا لمَن خَلفَه وهَيبةً لمَن بَينَ يَدَيه؟ قال: بَخْ بَخْ يا عتيقةُ بنَ الحارِثِ، مَنِ ارتَبَطَ فرَسًا في سَبيلِ اللهِ هَيبةً لمَن بَينَ يَدَيه، وأمانًا لمَن خَلفَه إلَّا تَلَقَّته خَزَنةُ الجَنَّةِ بخَيلٍ خُضرٍ مُسرَجةٍ لَم تُلقحْها الفُحولُ، ولَم تَحمِلْها البُطونُ، ولَم يُرَبَّين بالضُّروعِ، خَلَقَهنَّ اللهُ يَومَ خَلَق الجَنَّةَ، ألوانُها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ولُؤلُؤٍ وزَبَرجَدٍ، يَأكُلنَ مِن ثِمارِها، ويَشرَبنَ مِن أنهارِها، لا يَبُلنَ ولا يَرُثْنَ، ولا يَعييَن، ولا يَهرَمنَ، يَقُلنَ: يا ابنَ آدَمَ، رَكِبتَ في الدُّنيا فرَسًا تَموتُ، فدونَك ما لا يَموتُ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، ما تَرى لأحَدٍ مِن أهلِ الجِهادِ في شَيءٍ؟ قال: أجَلْ، ما أعمالُ البرِّ كُلُّها في عَرضِ الجِهادِ إلَّا كتَفلةٍ تَفَلَها عَبدٌ في بَحرٍ لُجِّيٍّ، فماذا زادَت فيه حينَ تَفَلَها؟ وماذا زادَت فيه حينَ حَبَسَها؟ قال: وما خَرَجَ عَبدٌ في سَبيلِ اللهِ غاديًا أو رائِحًا مُهَلِّلًا مُكَبِّرًا حامِدًا ذاكِرًا، إلَّا آبَتِ الشَّمسُ بجَميعِ ذُنوبِه، قال: وما مَرَّ غازٍ ببَطنِ وادٍ حَمِدَ اللَّهَ وسَبَّحَه وكَبَّرَه وهَلَّله إلَّا نادَته أشجارُه بَعضُها بَعضًا، وصَخرُه بَعضُه بَعضًا، ونَباتُه بَعضُه بَعضًا، هذا مُجاهِدٌ في سَبيلِ اللهِ، يَذكُرُ اللَّهَ، فيَمتَلئُ ذلك الوادي حَسَناتٍ، حَتَّى يَفيضَ مِن جانِبَيه. ذَكَرَه في شِفاءِ الصُّدورِ
يُحشَرُ المؤْمِنونَ يَومَ القيامةِ، فيَهتَمُّونَ لذلك، فيَقولونَ: لوِ استَشفَعْنا على ربِّنا حتى يُريحَنا مِن مَكانِنا، فيأتونَ آدَمَ، فيَقولونَ: أنت أبونا، خَلَقَك اللهُ بيَدِه، وأسجَدَ لك مَلائكتَه، وعَلَّمَك أسماءَ كلِّ شَيءٍ، فاشفَعْ لنا عِندَ ربِّك، قال: فيقول: لسْتُ هُناكُم -ويَذكُرُ خَطيئتَه التي أصابَ؛ أكْلَه مِنَ الشجرةِ وقد نُهيَ عنها- ولكنِ ائْتُوا نوحًا، أوَّلَ نبيٍّ بعَثَه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ. قال: فيأتونَ نوحًا، فيقولُ: لسْتُ هُناكُم -ويَذكُرُ خَطيئتَه؛ سؤالَه اللهَ بغيرِ عِلمٍ- ولكنِ ائْتوا إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ، فيأتونَ إبراهيمَ، فيقولُ: لسْتُ هُناكُم -ويَذكُرُ خَطيئتَه التي أصابَ؛ ثلاثَ كَذَباتٍ كَذَبَهُنَّ: قولَه: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، وقولَه: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وأتَى على جبَّارٍ مُتْرَفٍ ومعه امرأتُه، فقال: أَخبِريه أنِّي أخوكِ؛ فإنِّي مُخبِرُه أنَّكِ أُختي- ولكنِ ائْتوا موسى؛ عبْدًا كَلَّمَه اللهُ تكليمًا، وأَعطاهُ التَّوراةَ، وقال: فيأتونَ موسى، فيقولُ: لسْتُ هُناكُم -ويَذكُرُ خَطيئتَه التي أصابَ؛ قَتْلَه الرَّجُلَ- ولكنِ ائْتوا عيسى عبْدَ اللهِ ورسولَه، وكَلِمةَ اللهِ ورُوحَه، فيأتونَ عيسى، فيقولُ: لسْتُ هُناكُم، ولكنِ ائْتوا محمَّدًا عبْدَ اللهِ ورسولَه، غُفِر له ما تَقدَّمَ مِن ذَنْبِه وما تأخَّرَ. قال: فيأْتوني، فأستأذِنُ على ربِّي في دارِه، فيُؤذَنُ لي عليه، فإذا رأيْتُه وقَعْتُ ساجِدًا، فيَدَعُني ما شاء اللهُ أنْ يَدَعَني، ثمَّ يقولُ: ارفَعْ رأسَك محمَّدُ، وقُلْ تُسمَعْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَ. فأرفَعُ رأسي، فأَحمَدُ ربِّي بثَناءٍ وتحميدٍ يُعَلِّمُنيه، ثمَّ أَشفَعُ، فيَحُدُّ لي حَدًّا، فأَخرُجُ فأُدخِلُهم في الجَنَّةِ -قال هَمَّامٌ: وسمِعتُه يقولُ: فأُخرِجُهم مِنَ النارِ، وأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ-، ثمَّ أَستأذِنُ على ربِّي الثانيةَ، فيُؤذَنُ لي عليه، فإذا رأيْتُه وقَعْتُ ساجِدًا، فيَدَعُني ما شاء اللهُ أنْ يَدَعَني، ثمَّ يقولُ: ارفَعْ رأسَك محمَّدُ، وقُلْ تُسمَعْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَ، قال: فأَرفَعُ رأسي، فأَحمَدُ ربِّي بثَناءٍ وتحميدٍ يُعَلِّمُنيه، ثمَّ أَشفَعُ، فيَحُدُّ لي حَدًّا، فأَخرُجُ فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ -قال هَمَّامٌ: وأيضًا سمِعتُه يقولُ: فأُخرِجُهم مِنَ النارِ، فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ- قال: ثمَّ أَستأذِنُ على ربِّي الثالثةَ، فإذا رأيْتُه وقَعْتُ ساجِدًا، فيَدَعُني ما شاء اللهُ أنْ يَدَعَني، ثمَّ يقولُ: ارفَعْ محمَّدُ، وقُلْ تُسمَعْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعطَ، فأَرفَعُ رأسي، فأَحمَدُ ربِّي بثَناءٍ وتحميدٍ يُعَلِّمُنيه، ثمَّ أَشفَعُ، فيَحُدُّ لي حَدًّا، فأَخرُجُ فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ -قال هَمَّامٌ: وسمِعتُه يقولُ: فأُخرِجُهم مِنَ النارِ، فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ- فلا يَبْقى في النارِ إلَّا مَن حَبَسَه القرآنُ. أي: وجَبَ عليه الخُلودُ، ثمَّ تَلا قَتادةُ: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]. قال: هو المَقامُ المحمودُ الذي وَعَدَ اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
كنَّا عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ في صدرِ النَّهار، فجاءَه أقوُمٌ حُفاةٌ عُراةٌ مُجتابي النِّمارِ أوِ العَباءِ، متقلِّدي السُّيوفِ ، [ ولَيس عليهِم أُزُرٌ ولا شَيءٌ غيرَها ] عامَّتُهم من مُضَر، بل كلُّهُم مِن مُضَرَ فتمعَّرَ ( وفي روايةٍ : فتغيَّرَ ومعناهُما واحِدٌ ) وجهُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ لما رأى بِهم منَ الفاقةِ، فدخلَ ثمَّ خرجَ، فأمرَ بلالًا فأذَّنَ وصلَّى [ الظُّهرَ ، ثم صعِدَ منبرًا صغيرًا ] ، فصلَّى ثمَّ خطبَ [ فحمِدَ اللهَ وأثنَى علَيهِ ] فقال : [ أمَّا بعدُ فإنَّ اللهَ أنزلَ في كتابِهِ ] : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا والآيةُ الَّتي في الحَشرِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . [وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ . تصدَّقوا قبلَ أن يُحالَ بينَكُم وبينَ الصَّدَقةِ ] ، تصدَّقَ رجلٌ من دينارِه، من درهمِه، من ثَوبِه، من صاعِ برِّهِ ، [ مِن شعيرِهِ ] ، مِن صاعِ تمرِه حتَّى قالَ : [ ولا يحقِرَنَّ أحدُكُم شيئًا من الصَّدَقةِ ، ولَو بِشقِّ تمرةٍ ، [ فأبطَؤوا حتَّى بانَ في وجهِهِ الغضَبُ ] ، قال فجاءَ رجلٌ منَ الأنصارِ بصُرَّةٍ من وَرِق ( وفي روايةٍ : مِن ذهَبٍ ) كادَت كفُّهُ تعجِزُ عنها، بل قد عَجَزَت [ فناولَها رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ وهو علَى مِنبرِهِ ] ، [ فقال : يا رسولَ اللهِ هذِهِ في سبيلِ اللَّهِ ] ، [ فقبضَها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ] ، [ ثمَّ قامَ أبو بكرٍ فأعطى ، ثمَّ قامَ عمرُ فأَعطى ، ثم قامَ المهاجِرونَ والأنصارُ فأعطَوا ] ، ثم تتابعَ النَّاسُ [ في الصَّدقاتِ ] ، [ فمِن ذي دينارٍ ، ومِن ذي درهَمٍ ، ومِن ذي ، ومِن ذي ] حتَّى رأيتُ كَومينِ من طَعامٍ وثيابٍ، حتَّى رأيتُ وجهَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ يتَهلَّلُ، كأنَّهُ مُذهبةٌ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ: مَن سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسنةً، فلَه أجرُها، و[ مثلُ ] أجرِ مَن عمِلَ بِها بعدَهُ، مِن غيرِ أن ينقُصَ مِن أجورِهم شيءٌ، ومَن سنَّ في الإسلامِ سَيِّئةً، كانَ علَيهِ وزرُها ، و [ مِثلُ ] وِزرِ مَن عمِلَ بِها من بعدِه، من غيرِ أن ينقُصَ مِن أوزارِهم شيءٌ ، [ ثمَّ تلى هذِه الآيةَ : وَنَكتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ] ، [ قال : فقسَمهُ بينَهُم ]
ذُكِر الدَّجَّالُ عندَ عبدِ اللهِ، فقال: تَفترِقون أيُّها النَّاسُ عندَ خُروجِه ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرقةٍ تَتبَعُه، وفِرقةٍ تَلحَقُ بآبائِها بمَنابتِ الشِّيحِ، وفِرقةٍ تَأخُذُ شطَّ هذا الفُراتِ، يُقاتِلُهم ويُقاتِلونه، حتَّى يُقتَلون بغَربيِّ الشَّامِ، فيَبعَثون طَليعةً فيهم فَرسٌ أشقَرُ -أو أبْلَقُ- فيَقتَتِلون، فلا يَرجِعُ منهم أحدٌ، قال: وأخبَرَني أبو صادقٍ، عن رَبيعةَ بنِ ناجذٍ: أنَّه فرَسٌ أشقَرُ. ثمَّ قال عبدُ اللهِ: ويَزعُمُ أهلُ الكتابِ أنَّ المسيحَ عليه السَّلامُ يَنزِلُ فيَقتُلُه، ويَخرُجُ يَأجوجُ ومَأجوجُ، وهمْ مِن كلِّ حَدْبٍ يَنسِلون، فيَموجُون في الأرضِ فيُفسِدون فيها، ثمَّ قَرَأ عبدُ اللهِ {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 96]، فيَبعَثُ اللهُ عليهم دابَّةً مِثلَ النَّغَفِ، فتَلِجُ في أسماعِهِم ومَناخِرِهم، فيَموتونَ منها، فتُنتِنُ الأرضُ منهم، فيَجأَرُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، فيُرسِلُ ماءً، فيُطهِّرُ الأرضُ منهم، ويَبعَثُ اللهُ رِيحًا فيها زَمْهريرٌ باردةٌ، فلا تَدَعُ على الأرضِ مُؤمِنًا إلَّا كفَتْه تلك الرِّيحُ، ثمَّ تقومُ السَّاعةُ على شِرارِ النَّاسِ، ثمَّ يقومُ مَلَكٌ بالصُّورِ بيْن السَّماءِ والأرضِ، فيَنفَخُ فيه، فلا يَبْقى مِن خلْقِ اللهِ في السَّمواتِ والأرضِ إلَّا ماتَ، إلَّا مَن شاء ربُّك، ثمَّ يكونُ بيْن النَّفختينِ ما شاء اللهُ، فليْس مِن بَني آدَمَ أحدٌ إلَّا في الأرضِ منه شَيءٌ، ثمَّ يُرسِلُ اللهُ ماءً مِن تحْتِ العرشِ مَنيًّا كمَنيِّ الرِّجالِ، فتَنبُتُ لُحْمانُهم وجِثمانُهم كما تَنبُتُ الأرضُ مِنَ الثَّرى، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ} حتَّى بلَغَ {كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9]. ثمَّ يقومُ مَلَكٌ بالصُّورِ بيْن السَّماءِ والأرضِ، فيَنفُخُ فيه، فيَنطلِقُ كلُّ رُوحٍ إلى جَسدِها، فتَدخُلُ فيه، فيَقومون فيَجِيئون مَجيئةَ رجُلٍ واحدٍ قِيامًا لرَبِّ العالَمِينَ، ثمَّ يَتمثَّلُ اللهُ تعالَى للخلْقِ، فيَلْقى اليهودَ، فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ عُزيرًا، فيَقولُ: هلْ يَسُرُّكم الماءُ؟ قالوا: نعمْ، فيُرِيهم جَهنَّمَ وهي كَهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} [الكهف: 100]، ثمَّ يَلْقى النَّصارى فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ المسيحَ، فيَقولُ: هلْ يَسُرُّكم الماءُ؟ فيَقولُون: نعمْ، فيُرِيهم جَهنَّمَ وهي كَهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ كذلك مَن كان يَعبُدُ مِن دونِ اللهِ شَيئًا، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24]. حتَّى يَبْقى المسْلِمون فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ اللهَ لا نُشرِكُ به شَيئًا، فيَنتهِرُهم مرَّتينِ أو ثَلاثًا: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ اللهَ لا نُشرِكُ به شَيئًا، فيَقولُ: هلْ تَعرِفون ربَّكم؟ فيَقولُون: سُبحانه! إذا اعتَرَفَ لنا عَرَفْناه، فعندَ ذلكَ يُكشَفُ عن ساقٍ، فلا يَبْقى مُؤمِنٌ إلَّا خرَّ للهِ ساجدًا، ويَبْقى المنافِقون ظُهورُهم طبَقٌ واحدٌ كأنَّما فيها السَّفافيدُ، فيَقولُون: ربَّنا، فيَقولُ: قدْ كُنتُم تُدْعَون إلى السُّجودِ وأنتمْ سالِمون، ثمَّ يَأمُرُ اللهُ بالصِّراطِ، فيُضرَبُ على جَهنَّمَ، فيمُرُّ النَّاسُ بقدْرِ أعمالِهم زُمَرًا؛ أوائلُهم كلَمْحِ البرْقِ، ثمَّ كمَرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمَرِّ الطَّيرِ، ثمَّ كمَرِّ البهائمِ، حتَّى يمُرَّ الرَّجلُ سَعيًا، ثمَّ يَمُرُّ الرَّجلُ مَشْيًا، حتَّى يَجِيءَ آخِرُهم رجُلٌ يَتلبَّطُ على بَطنِه فيَقولُ: يا ربِّ، لِمَ أبْطَأْتَ بي؟ قال: إنِّي لم أُبطِئْ بكَ، إنَّما أبْطَأَ بكَ عمَلُك. ثمَّ يَأذَنُ اللهُ تعالَى في الشَّفاعةِ، فيكونُ أوَّلُ شافعٍ رُوحَ اللهِ القُدسَ جِبريلَ، ثمَّ إبراهيمَ، ثمَّ مُوسى، ثمَّ عِيسى، ثمَّ يقومُ نَبيُّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلا يَشْفَعُ أحدٌ فيما يَشفَعُ فيه، وهو المقامُ المحمودُ الَّذي ذَكَره اللهُ تعالَى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]، فليْس مِن نفْسٍ إلَّا وهي تَنظُرُ إلى بَيتٍ في الجنَّةِ وبَيتٍ في النَّارِ، قال: وهو يومُ الحسْرةِ، فيَرى أهلُ النَّارِ البيتَ الَّذي في الجنَّةِ، قال سُفيانُ: أوَّاهُ، لوْ عَلِمتُم يوْمَ يَرى أهلُ الجنَّةِ الَّذي في النَّارِ! فيَقولُون: لوْلا أنَّ مَنَّ اللهُ علينا! ثمَّ تَشفَعُ الملائكةُ والنَّبيُّون والشُّهداءُ والصَّالِحون والمؤمنونَ، فيُشفِّعُهم اللهُ، ثمَّ يَقولُ: أنا أرحَمُ الرَّاحمينَ، فيُخرِجُ مِنَ النَّارِ أكثَرَ ممَّا أخرَجَ جَميعُ الخلْقِ برَحمتِه، حتَّى لا يَترُكَ أحدًا فيه خَيرٌ، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42]، وقال بيَدِه فعَقَدَه: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المدثر: 43]، هلْ تَرَون في هؤلاء مِن خَيرٍ؟! وما يُترَكُ فيها أحدٌ فيه خيرٌ. فإذا أراد اللهُ ألَّا يُخرِجَ أحدًا غيْرَ وُجوهِهم وألوانِهم، فيَجِيءُ الرَّجلُ، فيَشفَعُ فيَقولُ: مَن عرَفَ أحدًا فلْيُخرِجْه، فيَجِيءُ فلا يَعرِفُ أحدًا، فيُنادِيه رجُلٌ فيَقولُ: أنا فلانٌ، فيَقولُ: ما أعْرِفُك، فعندَ ذلكَ قالوا: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 107]، فإذا قال ذلكَ انطَبَقَت عليهم، فلم يَخرُجْ منهم بشَرٌ
إنَّ المَيِّتَ إذا وُضِعَ في قبرِه إنَّه يسمعُ خفقَ نِعالِهم حين يُولونَ مُدبرينَ ، فإنْ كان مؤمنًا كانتِ الصَّلاةُ عند رأسِهِ ، وكان الصِّيامُ عن يمينِهِ ، وكانتِ الزَّكاةُ عن شمالِهِ وكان فعلُ الخَيراتِ مِن الصَّدقةِ [والصلة] والمَعروفِ والإحسانِ إلى النَّاسِ عندَ رجلَيْهِ فيُؤتَى مِن قِبَلِ رأسِهِ فتقولُ الصَّلاةُ ما قِبَلي مَدخلٌ ، ثمَّ يُؤتَى عن يمينِهِ فيقولُ الصِّيامُ ما قِبَلي مَدخلٌ ، ثمَّ يُؤتَى عن يسارِهِ فتقولُ الزَّكاةُ : ما قِبَلي مَدخلٌ ، ثمَّ يُؤتَى من قِبَلِ رجلَيْهِ فيقولُ فِعلُ الخَيراتِ من الصَّدقةِ والصَّلاةِ والمعروفِ والإحسانِ إلى النَّاسِ : ما قِبَلي مَدخلٌ ، فيُقالُ لهُ ، اجلسْ فيجلسُ قد مُثِلَتْ لهُ الشَّمسُ ، وقد أذِنَتْ للغروبِ ، فيُقالُ لهُ : أرأيتُكَ هذا الَّذي كان قبلَكُم ، ما تقولُ فيهِ ، وماذا تشهدُ عليهِ ؟ فيقولُ : دعوني حتَّى أُصلِّيَ ، فيقولونَ : إنَّكَ ستفعلُ ، أخبِرْنا عمَّا نسألُكَ عنهُ ، أرأيتُكَ هذا الرَّجلُ الَّذي كان قبلَكُم ، ماذا تقولُ فيهِ وماذا تشهدُ عليهِ ؟ قال : فيقولُ : محمَّدٌ ، أشهدُ أنَّهُ رسولُ اللهِ ، وأنَّهُ جاء بالحقِّ مِن عندِ اللهِ ، فيُقالُ لهُ : على ذلكَ حَيِيتَ ، وعلى ذلكَ متَّ ، وعلى ذلكَ تُبعَثُ إن شاءَ اللهُ ثمَّ يُفتَحُ لهُ بابٌ مِن أبوابِ الجنَّةِ فيُقالُ لهُ هذا مقعدُكَ منها وما أعدَّ اللهُ لكَ فيها ، فيزدادُ غِبطةً وسرورًا ثمَّ يُفتَحُ لهُ بابٌ مِن أبوابِ النَّارِ فيُقالُ لهُ : هذا مقعدُكَ وما أعدَّ اللهُ لكَ فيها لَو عصَيتَه فيزدادُ غبطةً وسرورًا ثمَّ يُفسَحُ لهُ في قبرِهِ سبعونَ ذراعًا ، ويُنَوَّرُ لهُ فيهِ ، ويُعادُ الجسدُ لِما بُدِئَ منهُ فتُجعَلُ نسَمتُهُ في النَّسَمِ الطَّيِّبِ وهيَ طيرٌ تُعلَقُ من شجرِ الجنَّةِ فذلكَ قَولُه : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وإنَّ الكافرَ إذا أُتيَ من قِبَلِ رأسِه لَم يُوجَدْ شيءٌ ثمَّ أُتيَ عن يمينِهِ فلا يُوجَدُ شيءٌ ثمَّ أُتيَ عن شمالِهِ فلا يُوجَدُ شيءٌ ثمَّ أُتيَ من قِبَلِ رجلَيْهِ فلا يُوجَدُ شيءٌ فيُقالُ لهُ اجلسْ فيجلسُ مَرعوبًا خائفًا فيُقالُ أرأيتُكَ هذا الرَّجلَ الَّذي كان فيكُم ماذا تقولُ فيهِ وماذا تشهدُ عليهِ فيقولُ : أيُّ رجلٍ ؟ ولا يهتَدي لاسمِهِ ، فيُقالُ لهُ : محمَّدٌ ، فيقولُ : لا أدري ، سمِعتُ النَّاسَ قالوا قَولًا ، فقلتُ كما قال النَّاسُ ! فيُقالُ لهُ : على ذلِكَ حَييتَ وعليهِ متَّ وعليهِ تُبعَثُ إن شاءَ اللهُ ثمَّ يُفتَحُ لهُ بابٌ من أبوابِ النَّارِ فيُقالُ لهُ : هذا مقعدُكَ من النَّارِ وما أعدَ اللهُ لكَ فيها فيزدادُ حسرةً وثُبورًا ثمَّ يُفتَحُ لهُ بابٌ من أبوابِ الجنَّةِ فيُقالُ لهُ : هذا مقعدُكَ منها وما أعدَّ اللهُ لكَ فيها لَو أطعتَهُ فيزدادُ حسرةً وثُبورًا ثمَّ يُضيَّقُ عليهِ قبرُهُ حتَّى تختلفَ فيهِ أضلاعُهُ فتلكَ المَعيشةُ الضَنكةُ الَّتى قال اللهُ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى
إنَّ كلَّ نَبِيٍّ قد أنذَرَ قَومَه الدَّجَّالَ، ألَا وإنَّه قد أكَلَ الطَّعامَ، ألَا إنِّي عاهِدٌ إليكم فيه عهْدًا لم يَعهَدْهُ نَبِيٌّ إلى أُمَّتِه، ألَا وإنَّ عَينَهُ اليُمْنى مَمسوحةٌ كأنَّها نُخاعةٌ في جانبِ حائطٍ، ألَا وإنَّ عينَهُ اليُسرى كأنَّها كوكبٌ دُرِّيٌّ، معه مِثْلُ الجنَّةِ والنَّارِ؛ فالنَّارُ رَوضةٌ خضراءُ، والجنَّةُ غَبراءُ ذاتُ دُخَانٍ، وبيْن يَدَيه رجُلانِ يُنذِرانِ أهْلَ القُرى كلِّها، غيرَ مكَّةَ والمدينةِ حُرِّمَتا عليه، والمُؤمنونَ مُتفرِّقونَ في الأرضِ، فيَجمَعُهم اللهُ، فيقولُ رجُلٌ منهم: واللهِ لَأنطلِقَنَّ، فلَأنْظُرَنَّ هذا الَّذي أنذَرَناهُ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فيقولُ له أصحابُه: إنَّا لا نَدَعُك تأْتيهِ، ولو علِمْنا أنَّه لا يَفتِنُك لَخلَّيْنا سبيلَك، ولكنَّا نخافُ أنْ يَفتِنَك فتَتْبَعَهُ، فيأْبى إلَّا أنْ يأْتِيَهُ، فيَنطلِقُ حتَّى إذا أتى أدْنى مَسْلحةٍ مِن مَسالحِهِ، أخَذوهُ فسَألوهُ: ما شأْنُه؟ وأين يُريدُ؟ فيقولُ: أُرِيدُ الدَّجَّالَ الكذَّابَ، فيقولونَ: أنت تقولُ ذلك؟! فيكتُبونَ إليه: إنَّا أخذْنَا رجُلًا يقولُ: كذا وكذا، فنَقتلُهُ أمْ نَبعَثُ به إليك؟ فيقولُ: أرْسِلوا به إليَّ، فانطَلَقوا به إليه، فلمَّا رآهُ عرَفَه بنَعْتِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال له: أنت الدَّجَّالُ الكذَّابُ الَّذي أنذَرَناهُ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال له الدَّجَّالُ: أنت الَّذي تقولُ ذلك؟ لَتُطِيعُني فيما آمُرُك به، أو لَأشُقَّنَّك شِقَّينِ، فيُنادي العبْدُ المُؤمِنُ في النَّاسِ: يا أيُّها النَّاسُ، هذا المسيحُ الكذَّابُ، فأمَرَ به، فمَدَّ رِجْلَيه، ثمَّ أمَرَ بحَديدةٍ، فوُضِعَت على عجَبِ ذَنَبِه، فشَقَّه شِقَّينِ، ثمَّ قال الدَّجَّالُ لِأوليائِه: أرأيتُمْ إنْ أحيَيْتُ هذا، ألسْتُم تَعلمونَ أنِّي ربُّكم؟ فيقولونَ: نعمْ، فيأخُذُ عصًا، فيَضرِبُ إحدى شِقَّيْه، أو الصَّعيدَ، فاسْتَوى قائمًا، فلمَّا رأى ذلك أولياؤُهُ صَدَّقوه وأحَبُّوه، وأيْقَنوا به أنَّه ربُّهم واتَّبَعوه، فيقولُ الدَّجَّالُ للعبْدِ المُؤمنِ: ألَا تُؤمِنُ بي؟ فقال: أنا الآنَ فيكَ أشَدُّ بصيرةً، ثمَّ نادى في النَّاسِ: يا أيُّها النَّاسُ، هذا المسيحُ الكذَّابُ، مَن أطاعَهُ فهو في النَّارِ، ومَن عصاهُ فهو في الجنَّةِ، فقال الدَّجَّالُ: لَتُطِيعُني أو لَأذبحَنَّك، فقال: واللهِ لا أُطِيعُك أبدًا؛ إنَّك لأنتَ الكذَّابُ، فأمَرَ به، فاضْطجعَ، وأمَرَ بذَبْحِه، فلا يَقدِرُ عليه ولا يُسلَّطُ عليه إلَّا مرَّةً واحدةً، فأخَذَ بيَدَيْهِ ورِجْليه، فأُلْقِيَ في النَّارِ، وهي غَبراءُ ذاتُ دُخَانٍ، فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ذلك الرَّجلُ أقرَبُ أُمَّتي مِنِّي، وأرفَعُهم دَرجةً يومَ القيامةِ. قال أبو سعيدٍ: كان يَحسَبُ أصحابُ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ ذلك الرَّجلَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ، حتَّى مَضى لِسَبيلِه رضِيَ اللهُ عنه. قلْتُ: فكيف يَهلِكُ؟ قال: اللهُ أعلَمُ، قلْتُ: إنَّ عيسى ابنَ مَريمَ هو يُهلِكُه، قال: اللهُ أعلَمُ، غيرَ أنَّ اللهَ يُهلِكُه ومَن معه، قلْتُ: فماذا يكونُ بعْدَه؟ قال: حدَّثَنا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ النَّاسَ يَغرِسونَ مِن بعْدِه الغُروسَ، ويتَّخِذون مِن بعْدِه الأموالَ، قلْتُ: سُبحانَ اللهِ! أبعْدَ الدَّجَّالِ؟ قال: نعمْ، فيَمكُثونَ ما شاء اللهُ أنْ يَمْكُثوا، ثمَّ يُفْتَحُ يأْجوجُ ومأْجوجُ، فيُهلِكونَ مَن في الأرضِ إلَّا مَن تعلَّقَ بحِصْنٍ، فلمَّا فَرَغوا مِن أهْلِ الأرضِ، أقبَلَ بعضُهم على بعضٍ، فقالوا: إنَّما بقِيَ مَن في الحُصونِ ومَن في السَّماءِ، فيَرْمُونَ سِهامَهم، فخرَّتْ عليهم مُنغمِرةً دمًا، فقالوا: قدِ استرحتُمْ ممَّن في السَّماءِ، وبقِيَ مَن في الحُصونِ، فحاصَروهم حتَّى اشتَدَّ عليهم الحَصْرُ والبلاءُ، فبيْنما هم كذلك إذ أرسَلَ اللهُ عليهم نَغَفًا في أعناقِهم، فقصَمَتْ أعناقَهم، فمال بعضُهم على بعضٍ مَوتى، فقال رجُلٌ منهم: قتَلَهم اللهُ وربِّ الكعبةِ، قالوا: إنَّما يَفعلونَ هذا مُخادَعةً، فنَخرُجُ إليهم، فيُهلِكُونا كما أهْلَكوا إخوانَنا، فقال: افتَحوا لي البابَ، فقال أصحابُه: لا نَفتَحُ، فقال: دَلُّوني بحَبْلِ، فلمَّا نزَلَ وجَدَهم موتَى، فخرَجَ النَّاسُ مِن حُصونِهم. فحَدَّثني أبو سَعيدٍ: أنَّ مَواشِيَهم جعَلَ اللهُ لهم حياةً يَقْضَمونها ما يَجِدون غيرَها. قال: وحَدَّثنا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنَّ النَّاسَ يَغرِسون بعْدَهم الغُروسَ ويتَّخِذون الأموالَ. قلْتُ: سُبحانَ اللهِ! أبعْدَ يأجوجَ ومأْجوجَ؟ قال: نعمْ، حدَّثنا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. فبيْنما هم في تِجارَتِهم، إذ نادى مُنادٍ مِن السَّماءِ: أتى أمْرُ اللهِ، ففَزِعَ مَن في الأرضِ حين سَمِعوا الدَّعوةَ، وأقبَلَ بعضُهم على بعضٍ، وفَزِعوا فزَعًا شديدًا، ثمَّ أقْبَلوا بعْدَ ذلك على تِجارَتِهم وأسواقِهم وضِياعِهم، فبيْنما هم كذلك إذ نُودوا ناديةً أُخرى: يا أيُّها النَّاسُ، أتى أمْرُ اللهِ، فانطَلَقوا نحوَ الدَّعوةِ الَّتي سَمِعوا، وجعَلَ الرَّجلُ يَفِرُّ مِن غنَمِهِ وبَيعِه، ودَخَلوا في مَواشيهم، وعندَ ذلك عُطِّلَتِ العِشارُ، فبيْنما هم كذلك يَسْعَون قِبَلَ الدَّعوةِ، إذ لَقُوا اللهَ في ظُللٍ مِن الغَمامِ {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [الزمر: 68]، فمَكَثوا ما شاء اللهُ، {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}، ثمَّ يَجِيءُ بجهنَّمَ لها زَفيرٌ وشَهيقٌ، ثمَّ جاء آتٍ؛ عُنُقٌ مِن النَّارِ يَسيرُ، يُكلِّمُ يقولُ: إنِّي وُكِّلْتُ اليومَ بثلاثٍ: إنِّي وُكِّلْتُ بكلِّ جبَّارٍ عَنيدٍ، ومَن دعَا مع اللهِ إلهًا آخَرَ، ومَن قتَلَ نفْسًا بغَيرِ نفْسٍ، فتُطْوى عليهم، فتَقْذِفُهم في غَمراتِ جهنَّمَ. وحدَّثَني: أنَّها أشَدُّ سَوادًا مِن اللَّيلِ، ثمَّ يُنادي آدَمَ، فيقولُ: لبَّيكَ وسَعْدَيك، فيُقالُ: أخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ مِن ولَدِك، قال: يا ربِّ وما هو؟ قال: مِن كلِّ ألْفٍ تِسعُ مئةٍ وتِسعةٌ وتِسعونَ إلى النَّارِ، وواحدٌ إلى الجنَّةِ، فذلك حين شابَ الوِلدانِ. وكَبُرَ ذلك في صُدورِنا حتَّى عرَفَهُ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في وُجوهِنا، فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أبْشِروا؛ فإنَّ مَن سِواكم -أهْلَ الشِّرْكِ- كَثيرٌ، ويُحْبَسُ النَّاسُ حتَّى يَبلُغَ العرَقُ يَدَيْهُم، فبيْنما هم كذلك إذ عرَفَ رجُلٌ أباهُ وهو مُؤمِنٌ وأبوهُ كافرٌ، فقال: يا أبَهْ، ألمْ أكُنْ آمُرُك أنْ تُقدِّمَ ليَومِك هذا؟ فقال: يا بُنَيَّ، اليومَ لا أعْصيكَ شيئًا، والأُمَمُ جُثوًّا، كلُّ أُمَّةٍ على ناحيتِها، فأتى اليهودُ، فقِيلَ لهم: ما كنتُم تَعْبُدون؟ قالوا: كنَّا نَعبُدُ كذا وكذا، فقيل له وقِيلَ لهم: رِدُوا، فوَرَدوا يَحْسَبونه ماءً، فوَجَدوا اللهَ فوفَّاهم حِسابَه، واللهُ سَريعُ الحسابِ، ثمَّ فُعِلَ بالنَّصارى والمجوسِ وسائرِ الأُمَمِ ما فُعِلَ باليهودِ، ثمَّ أتى المُسلمونَ، فقيل لهم: مَن ربُّكم؟ فقالوا: اللهُ ربُّنا، قِيل: ومَن نَبِيُّكم؟ قالوا: نَبِيُّنا محمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وعلى الصِّراطِ مَحاجِنُ مِن حَديدٍ، والملائكةُ يَختطِفونَ رِجالًا، فيُلْقونَهم في جهنَّمَ، وجعَلَتِ المحاجِنُ تُمسِكُ رِجالًا تأْكُلُهم النَّارُ، إلَّا صُورةَ وَجْهِه لا تَمسُّه النَّارُ، فإذا خلُصَ مِن جهنَّمَ ما شاء اللهُ أنْ يَخلُصَ، وخلُصَ ذلك الرَّجلُ بأبِيه فيمَن خلُصَ، قِيل له: هذه الجنَّةُ، فادخُلْ مِن أيِّ أبوابِها شِئْتَ، وأرسِلْ هذا الرَّجلَ، فقال: ربِّ، هذا أبي، ووصَّيتَ لي ألَّا تُخْزِيَني، فشَفِّعْني في أبي، فقيل: انظُرْ أسفَلَ منك، فإذا هو بدابَّةٍ خَبيثةِ الرِّيحِ، تُشبِهُ اللَّوْنَ في مَراغةٍ خَبيثةٍ. فرَأيتُه مُمْسِكًا بأنْفِه وَجَبْهتِه، قال: يقولُ ذلك الرَّجلُ وهو آخِذٌ بأنْفِه وَجبْهَتِه مِن خُبْثِ رِيحِه: أيْ ربِّ، ليس هذا أبي، فأُخِذَ أبوهُ، فأُلْقِيَ في النَّارِ، وحرَّمَ اللهُ الجنَّةَ على الكافرينَ، فلمَّا خلُصَ مَن شاء اللهُ أنْ يَخلُصَ، تَفقَّدَ النَّاسُ بعضُهم بعضًا، فقالوا: ربَّنا، إنَّ رِجالًا كانوا يُصلُّونَ ويَصومونَ ويُجاهِدون معنا، أين هم؟ فقيل لهم: ادْخُلوا، فمَن عرَفْتُم فأخْرِجُوه، فوَجَدوا المحاجِنَ الَّتي على الصِّراطِ قد أمسَكَتْ رِجالًا قد أكلَتْهُم النَّارُ، إلَّا صُورةَ أحَدِهم يُعْرَفُ بها، فالْتَبَسوا، فأُلْقُوا على الجنَّةِ، قالوا: ربَّنا نحن الآنَ في مَسألتِنا أشَدُّ رَغبةً، أرأيتَ رِجالًا كانوا يُصلُّون ويَصومونَ ويُجاهِدون معنا، أين هم؟ قيل لهم: ادْخُلوا، فمَن عرَفْتُم فأخرِجُوهُ، فثَلَجَتْ حتَّى بَرُدَتْ على المُؤمنينَ، فدَخَلوا ووَجَدوا الَّذين تَخطَفُهم الملائكةُ يَمينًا وشِمالًا قد أكلَتْهُم النَّارُ، إلَّا صُورةَ أحَدِهم يُعرَفُ بها، فألْبَسوهم، فأخْرَجُوهم، فأَلْقُوهم على بابِ الجنَّةِ. قال: وحدَّثَني أنَّ نَبِيَّ اللهَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ألَا كلُّ نَبِيٍّ قد أُعْطِيَ عطيَّةً ويُنجِزُها، وإنِّي اختَبَأْتُ عَطيَّتي شَفاعةً لِأُمَّتي يومَ القيامةِ، ووُضِعَتِ الموازينُ، وأُذِنَ في الشَّفاعةِ، فأُعْطِيَ كلُّ مَلَكٍ، أو نَبِيٍّ، أو صِدِّيقٍ، أو شَهيدٍ شفاعَتَهُ حتَّى يَرْضى، فقال لهم ربُّهم: أقدْ رَضِيتُم؟ قالوا: نعمْ، قد رَضِينا ربَّنا، قال: أنا أرحَمُ بخَلْقي منكم، أخْرِجوا مِن النَّارِ مَن في قَلبِه وزْنُ خَردلةٍ مِن إيمانٍ، فأُخْرِجَ مِن ذلك شَيءٌ لا يَعْلَمُ بعَددِه إلَّا اللهُ، فأُلْقُوا على بابِ الجنَّةِ، فأرسَلَ عليهم مِن ماءِ الجنَّةِ، فيَنْبُتون فيها نَباتَ الثَّعاريرِ، وأُدْخِلَ الَّذين أُخْرِجوا مِن النَّارِ الجنَّةَ كلُّهم إلَّا رجُلًا واحدًا، وأُغْلِقَ بابُ الجنَّةِ دُونَه، ووَجْهُه تِلْقاءَ النَّارِ، فقال ذلك الرَّجلُ: يا ربِّ، لا أكونُ أشْقى خَلْقِك، بلِ اصْرِفْ وَجْهي عن النَّارِ إلى الجنَّةِ، فقِيل له: لعلَّك تسأَلُ غيرَ هذا؟ فقال: لا، فصَرَفَ وَجْهَه عن النَّارِ إلى الجنَّةِ، فيقولُ: أيْ ربِّ، قَرِّبني مِن هذا البابِ، ألْزَقُ به وأكونُ في ظِلِّه، فقِيل له: ألمْ تَزعُمْ أنَّك لا تسأَلُ شيئًا إلَّا أنْ يُصرَفَ وَجْهُك عن النَّارِ؟ قال: يا ربِّ، لا أسأَلُك غيرَ هذا، فقُرِّبَ إلى البابِ، فلَزِقَ به، فكان في ظلِّه، ففُرِجَ مِن البابِ فُرجةٌ إلى الجنَّةِ. فحدَّثَني أنَّ فيها شِراط أبيضَ، في أدناهُ شَجرةٌ، وفي أوسَطِه شَجرةٌ، وفي أقصاهُ شَجرةٌ، فقال: يا ربِّ، أَدْنِني مِن هذه الشَّجرةِ، فأكونَ في ظِلِّها، فقِيلَ لهُ: ألمْ تَزعُمْ أنَّك لستَ تَسأَلُ شيئًا؟ قال: يا ربِّ، أسأَلُك هذا، ثمَّ لا أسأَلُك غيرَه، قال: قَرِّبني إلى تلك الشَّجرةِ، فكانت تلك مَسألَتَه، حتَّى صار إلى الوُسْطى، وإلى القُصوى، فلمَّا أتى القُصوى، أرسَلَ اللهُ رَسولينِ، فقالَا له: سَلْ ربَّك، فقال: فما أسأَلُه سِوى ما أنا فيه، فقالا: نعمْ، سَلْ ربَّك، فسألَهُ، وجعَلَ الرَّسولانِ يقولانِ له: سَلْ ربَّك مِن كذا وكذا، وسَلْ ربَّك مِن كذا وكذا، لشَيءٍ لم يَخطُرْ على قَلْبِه أنَّه خُلِقَ، أو أنَّه كان، فسأَلَ ربَّه ممَّا يَعلَمُ وممَّا يأمُرانِ الرَّسولانِ حتَّى انتهَتْ نَفْسُه، فقِيل له: فإنَّه لك وعشَرةَ أمثالِه. قال: وحدَّثني أبو سعيدٍ أنَّ ذلك الرَّجلَ هو أدْنى أهْلِ الجنَّةِ مَنزِلًا
ُ عن أبي هريرةَ أو غيره شكّ أبو جعفرُ في قولِ اللهِ عز وجل : { سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ، لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } قال : جاءَ جبريلُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعهُ ميكائيلُ ، فقال جبريلُ لميكائيلَ : ائتنِي بطستٍ من ماءِ زمزمَ ، كيْما أُطهرَ قلبهُ وأشرحَ له صدرهُ ، قال : فشقَّ عنه بطنهُ ، فغسلهُ ثلاثَ مراتٍ . واختلفَ إليهِ ميكائيلُ بثلاثِ طساسٍ من ماءِ زمزمَ فشرحَ صدرهَ ونزعَ ما كان فيهِ من غِلٍّ ، وملأه حلما وعلما ، وإيمانا ويقينا وإسلاما ، وختمَ بين كتفيهِ بخاتمِ النبوةِ ثم أتاهُ بفرسٍ فحُمِلَ عليهِ ، كلُّ خطوةٍ منهُ مُنتهى بصرهِ أو أَقصَى بصرهِ قال : فسارَ وسارَ معهُ جبريلُ عليهما السلام ، قال : فأَتى على قومٍ يزرعونَ في يومٍ ويحصدونَ في يومٍ ، كلما حصدوا عادَ كما كانَ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا جبريلُ ، ما هذا ؟ قال : هؤلاءِ المُجاهدونَ في سبيلِ اللهِ ، تُضاعفُ لهُم الحسنةُ بسبعمائةِ ضعفٍ ، وما أنفقوا من شيء فهو يُخْلِفُه ، وهو خيرُ الرازِقينَ ثم أتَى على قومٍ ترضخُ رؤوسهُم بالصخرِ ، كلما رضختْ عادتْ كما كانتْ ، ولا يُفتّرُ عنهم من ذلكَ شيء فقال : ما هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال : هؤلاءِ الذينَ تتثاقلُ رؤوسهُم عن الصلاةِ المكتوبة ِ. ثم أَتَى على قومٍ على أقبالهٍم رِقاعٌ وعلى أدبارهِم رِقاعٌ ، يسرحُونَ كما تسرحُ الإبلُ والنعم ، ويأكلونَ الضريعَ والزقومَ ورضفَ جهنمَ وحجارتُها ، قال : ما هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال : هؤلاءِ الذين لا يؤدُّونَ صدقاتِ أموالهِم ، وما ظلمهُم اللهُ شيئا ، وما الله بظلّامٍ للعبِيدِ . ثم أَتى على قَوْمٍ بينَ أيديهم لحمٌ نضيجٌ في قدرٍ ، ولحمٌ آخرُ نيىء في قدرٍ خبيثٍ ، فجعلوا يأكلونَ من النيّىءِ الخبيثِ ويدعونَ النضيجَ الطيبَ ، فقال : ما هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ فقال : هذا الرجلُ من أمتكَ ، تكونُ عندهُ المرأَةُ الحلال الطيبُ ، فيأتي امرأةً خبيثةً فيبيتُ عندها حتى يصبِحَ ، والمرأَةُ تقومُ من عندِ زوجها حلالا طيّبا ، فتأتِي رجلا خبيثا فتبيتُ معهُ حتى تصبحَ . قال : ثم أتى على خشبةٍ على الطريقِ ، لا يمرُّ بها ثوبٌ إلا شقتهُ ، ولا شيء إلا خرقتهُ ، قال : ما هذا يا جبريلُ ؟ قال : هذا مثل أقوامٍ من أمتكَ ، يقعدونَ على الطريقِ يقطعونهُ ، ثم تلا : { وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوْعِدُونَ } قال : ثم أتى على رجلٍ قد جمعَ حزمةَ حطبٍ عظيمةٍ لا يستطيعُ حملهُا ، وهو يزيدُ عليها ، فقال : ما هذا يا جبريلُ ؟ فقال : هذا الرجلُ من أمتكَ يكون عليهِ أماناتُ الناسِ لا يقدرُ على أدائها ، وهو يريدُ أن يحملَ عليها . ثم أتى على قومٍ تُقرضُ ألسنتهُم وشفاهُم بمقارِيضَ من حديدٍ ، كلما قُرضتْ عادت كما كانتْ ، لا يُفتّر عنهم من ذلكَ شيء ، قال : ما هؤلاء يا جبريلُ ؟ قال : هؤلاءِ خطباءُ الفتنةِ . ثم أتى على جحرٍ صغيرٍ يخرجُ منه ثورٌ عظيمٌ ، فجعل الثورُ يريدُ أن يرجعَ من حيثُ خرجَ، فلا يستطيعُ ، فقال : ما هذا يا جبريلُ ؟ فقال : هذا الرجلُ يتكلّمُ بالكلمةِ العظيمةِ ، ثم يندمُ عليها فلا يستطيعُ أن يردها . ثم أتى على وادٍ فوجدَ ريحا طيّبة بارِدةً ، وريُْحُ مسكٍ ، وسمعَ صوتا ، فقال : يا جبريلُ ، ما هذه الريحُ الطيبةُ الباردةُ ؟ وما هذا المسكُ ؟ وما هذا الصوتُ ؟ قال : هذا صوتُ الجنةِ ، تقول : يا رب ، آتنِي ما وعدتَني فقد كثَّرتْ غرفِي ، وإستبرقي وحريرِي وسُندسِي ، وعبقَريّي ولُؤلؤي ومُرجاني ، وفضَّتي وذهبِي ، وأكوابي وصحافي ، وأباريقي ومراكبي ، وعسلي ومائي وخمري ولبني فآتني ما وعدتني . فقال : لكِ كل مسلمٍ ومسلمةٍ ، ومؤمنٍ ومؤمنةٍ ، ومن أمنَ بي وبرسُلِي وعملَ صالحا ولم يشركْ بي ، ولم يتخذْ من دوني أندادا . ومن خشيني فهو آمنٌ ، ومن سألني أعطيتُهُ ، ومن أقرضَنِي جزيتهُ ، ومن توكلَ علي كفيتُهُ ، إني أنا اللهُ ، لا إله إلا أنا ، لا أُخلفُ الميعادَ ، وقد أفلحَ المؤمنونَ وتباركَ اللهُ أحسنُ الخالقينَ . قالتْ : قد رضيتُ . قال : ثم أتى على وادٍ فسمعَ صوتا منكرا ، ووجدَ ريحا منتنةً ، فقال : ما هذهِ الريحُ يا جبريلُ ؟ وما هذا الصوتِ ؟ فقال : هذا صوتُ جهنمَ ، تقول : يا رب ، آتني ما وعدتني ، فقد كثرتْ سلاسِلِي وأغلالي ، وسعيري وحميمي ، وضريعي ، وغَسّاقي وعذابي ، وقد بعدُ قَعْرِي واشتدَّ حَرّي ، فآتني كل ما وعدتني . فقال : لكِ كل مشركٍ ومشركةٍ ، وكافرٍ وكافرةٍ ، وكل خبيثٍ وخبيثةٍ وكل جبّارٍ لا يؤمنُ بيومِ الحسابِ . قالت : قد رضيتُ . قال : ثم سارَ حتى أتى بيتَ المقدسِ ، فنزل فربطَ فرسهُ إلى صخرةٍ ، ثم دخلَ فصلى مع الملائكةِ ، فلما قضيتُ الصلاةَ قالوا : يا جبريلُ ، من هذا معكَ ؟ قال : محمد صلى الله عليه وسلم . قالوا : أوقدْ أرسلَ محمد ؟ قال : نعم . قالوا : حيّاهُ الله من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ ، ونعمَ المجيء جاء . قال : ثم لقي أرواحَ الأنبياءِ ، فأثنوا على ربهم ، فقال إبراهيمُ : الحمدُ للهِ الذي اتخذني خليلا ، وأعطاني مُلكا عظيما ، وجعلني أمّةً قانتا يُؤْتَمُّ بي ، وأنْقَذَنِي من النار ، وجعلها عليّ بردا وسلاما . ثم إن موسى عليه السلام أثنى على ربهِ عز وجلَ فقال : الحمدُ للهِ الذي كلمني تكليما ، وجعلَ هلاكَ آل فرعونَ ونجاةَ بني إسرائيلَ على يديَّ ، وجعلَ من أمتي قوما يهدُونَ بالحقِّ وبه يعدِلونَ . ثم إن داود عليه السلام أثنى على ربهِ فقال : الحمدُ للهِ الذي جعل لي ملكا عظيما ، وعلّمني الزبورَ ، وألانَ لي الحديدَ ، وسخَّرَ لي الجبالَ يُسبّحنَ والطيرَ ، وأعطاني الحكمةَ وفصْلَ الخِطَابِ . ثم إن سليمان عليه السلام أثنى على ربه فقال : الحمدُ للهِ الذي سخّرَ لي الرياحَ ، وسخرَ لي الشياطينَ يعملونَ لي ما شئتُ من محاريبَ وتماثيلَ ، وجفانٍ كالجوابِ وقدُورٍ راسياتٍ ، وعلّمني مَنْطِقَ الطيرِ ، وآتاني من كل شيءٍ فضلا ، وسخرَ لي جنودَ الشياطينِ والإنسِ والطيرِ ، وفضلني على كثيرٍ من عبادهِ المؤمنينَ ، وآتاني ملكا عظيما لا ينبغي لأحدٍ من بعدي ، وجعل ملكي ملكا طيبا ليسَ فيه حسابٌ . ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه عز وجل فقال : الحمدُ للهِ الذي جعلني كلمتهُ ، وجعل مثلي مثلُ آدمَ ، خلقهَ من ترابٍ ثم قال له : كنْ فيكونَ ، وعلمني الكتابَ والحكمةَ والتوراةَ والإنجيلَ ، وجعلني أَخلُقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ فأنفخُ فيهِ فيكون طيرا بإذنِ اللهِ ، وجعلني أبْرئُ الأكمهَ والأبرصَ وأحيي الموتَى بإذنهِ ، ورفعني وطهرني ، وأعاذني وأمي من الشيطانِ الرجيمِ ، فلم يكن للشيطانِ علينا سبيلٌ . قال : ثم إنَّ محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه عز وجل فقال : فكلكم أثنى على ربِّهِ ، وإنني مثنٍ على ربي فقال : الحمدُ للهِ الذي أرسلني رحمةً للعالمينَ ، وكافة للناس بشيرا ونذيرا ، وأنزلَ عليّ الفرقانَ فيه بيانٌ لكل شيءٍ ، وجعل أمتي خيرَ أمةٍ أخرجتْ للناسِ ، وجعل أمتي أمةً وسطا، وجعل أمتي هم الأولينَ وهم الآخرينَ ، وشرحَ لي صدري ، ووضعَ عني وِزْرِي ، ورفعَ لي ذِكْري ، وجعلني فاتحا وخاتما . فقال إبراهيم : بهذا فضلكم محمدٌ صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر الرازي : خاتِمُ النبوة فاتِحُ بالشفاعةِ يومَ القيامةِ . ثم أتي بآنيةٍ ثلاثةٍ مغطاةٌ أفواهها ، فأتي بإناءٍ منها فيه ماءٌ فقيل : اشربْ . فشربَ منه يسيرا ، ثم دفعَ إليه إناءٌ آخرَ فيه لبنٌ ، فقيل له : اشربْ فشربَ منه حتى رُوِيَ . ثم دفعَ إليهِ إناءٍ آخر فيه خمرٌ فقيل له : اشربْ . فقال : لا أُريدُهُ قد رويتُ . فقال له جبريل : أما إنها ستحَرّمُ على أمتكَ ، ولو شربتَ منها لم يتبعكَ من أمتك إلا قليلٌ . قال : ثم صعدَ بهِ إلى السماءِ فاستفتحَ ، فقيلَ له : من هذا يا جبريلُ ؟ فقال : محمد . قالوا : أوقدْ أرسلَ ؟ قال : نعم . قالوا : حيّاهُ اللهُ من أخٍ ومن خَليفَةٍ ، فنِعْم الأخُ ونِعَْمَ الخليفةُ ، ونعم المجيءُ جاءَ ، فدخل فإذا هو برجلٍ تامِّ الخلقِ ، لم ينقصْ من خلقهِ شيء كما ينقصْ من خلقِ الناسِ ، عن يمينهِ بابٌ يخرجُ منه ريحٌ طيبةٌ ، وعن شمالهِ بابٌ يخرجُ منه ريحٌ خبيثةٌ ، إذا نظر إلى البابَ الذي عن يمينهِ ضحكَ واستبشرَ ، وإذا نظرَ إلى البابِ الذي عن يسارهِ بكى وحزنَ ، فقلتُ : يا جبريلُ ، من هذا الشيخُ التامُّ الخلقِ الذي لم ينقصْ من خلقهِ شيء ؟ وما هذان البابانِ ؟ فقال : هذا أبوكَ آدمُ ، وهذا البابِ الذي عن يمينهِ بابُ الجنةِ ، إذا نظرَ إلى من يدخلُ من ذريتهِ ضحك واستبشرَ ، والباب الذي عن شمالهِ بابُ جهنمَ ، إذا نظرَ إلى من يدخلهُ من ذريتهِ بكى وحزنَ . ثم صعدَ به جبريلُ إلى السماءِ الثانيةِ فاستفتحَ ، فقيلَ : من هذا معكَ ؟ فقال : محمدٌ رسولُ اللهِ . قالوا : أو قدْ أرسلَ محمدٌ ؟ قال : نعم . قالوا : حياهُ اللهُ من أخٍ ومن خليفةٍ ، فلنعمَ الأخُ ولنعمَ الخليفةُ ، ونِعْمَ المجيءُ جاءَ . قال : فدخلَ ، فإذا هو بشابينِ فقال : يا جبريلُ ، من هذانِ الشابانِ ؟ قال : هذا عيسى بن مريمَ ، ويحيى بن زكريا ، ابنا الخالةِ عليهما السلامُ . قال : فصعدَ بهِ إلى السماءِ الثالثةِ فاستفتحَ ، فقالوا من هذا ؟ قال : جبريلُ . قالوا : ومن معك ؟ قال : محمدٌ . قالوا : أو قدْ أرسلَ ؟ قال : نعم . قالوا : حياهُ اللهُ من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ ، ونعمَ المجيءُ جاءَ . قال : فدخلَ فإذا هو برجلٍ قد فُضِّلَ على الناسِ في الحُسْنِ ، كما فضلَ القمرُ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ ، قال : من هذا يا جبريلُ الذي فُضِّلَ على الناسِ في الحُسْنِ ؟ قال : هذا أخوكَ يُوسُفُ عليهِ السلامُ . قال : ثم صعدَ بهِ إلى السماءِ الرابعةِ فاستفتحَ ، فقالوا : من هذا ؟ قال : جبريلُ ، قالوا : ومن معكَ ؟ قال : محمدٌ ، قالوا : أوقدْ أرسلَ ؟ قال : نعم . قالوا : حياهُ اللهُ من أخٍ ومنْ خليفةٍ ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ ، ونعمَ المجيءُ جاءَ قال : فدخل ، فإذا هو برجلٍ ، قال : من هذا يا جبريلُ ؟ قال : هذا إدْريسُ ، رفعهُ اللهُ مكانا عليّا . ثم صعدَ بهِ إلى السماءِ الخامسةِ فاستفتحَ ، فقالوا : من هذا ؟ قال : جبريلُ . قالوا : ومن معكَ ؟ قال : محمدٌ ، قالوا أوقدْ أرسلَ ؟ قال : نعم . قالوا : حياهُ اللهُ من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ ، ونعمَ المجيءُ جاءَ . ثم دخل فإذا هو برجلٍ جالسٍ وحولهُ قومٌ يقصُ عليهِم ، قال : من هذا يا جبريلُ ؟ ومن هؤلاءِ حولهُ ؟ قال : هذا هارُونُ المُحبّبُ في قومهِ ، وهؤلاءِ بنو إسرائيلَ . ثم صعدَ به إلى السماءِ السادسةِ فاستَفتحَ ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريلُ . قالوا ومن معكَ ؟ قال : محمدٌ ، قالوا : أوقد أرسلَ ؟ قال : نعم . قالوا : حياهُ اللهُ من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ ، ونعمَ المجيءُ ، فإذا هو برجلٍ جالسٍ ، فجاوزهُ فبكى الرجلُ ، فقال : يا جبريلُ ، من هذا ؟ قال : موسى . قال : فما بالهُ يبْكِي ؟ قال : زعمَ بنو إسرائيلَ أني أكرمُ بني آدمَ على اللهِ عز وجل ، وهذا رجلٌ من بني آدمَ قد خلفَنِي في دنيا ، وأنا في أخرى ، فلو أنه بنفسهِ لم أُبَالِ ، ولكن مع كل نبي أمتهِ . قال : ثم صعدَ بهِ إلى السماءِ السابعةِ فاستفتح ، فقيلَ لهُ : من هذا ؟ قال : جبريلُ . قيل : ومن معكَ ؟ قال : محمدٌ . قالوا : أوقدْ أرسلَ ؟ قال : نعم . قالوا : حياهُ اللهُ من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ ، ونعمَ المجيءُ جاءَ . قال : فدخل ، فإذا هو برجلٍ أشْمَطَ جالسٌ عند بابَ الجنةِ على كرسِيّ ، وعندهُ قومٌ جلوسٌ بيضُ الوجوهِ أمثالُ القراطيسِ ، وقومٌ في ألوانهِم شيء ، فقامَ هؤلاءِ الذين في ألوانهِم شيء فدخلوا نهرا فاغْتسلوا فيهِ فخرجوا وقد خَلُصَ من ألوانهِم شيء ، ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيهِ ، فخرجوا وقد خَلُصَ من ألوانهم شيءٌ ، ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه ، فخرجوا وقد خَلُصَتْ ألوانهم فصارتْ مثل ألوانِ أصحابهم ، فجاءوا فجلسوا إلى أصحابهم ، فقال : يا جبريلُ ، من هذا الأشمطُ ؟ ثم من هؤلاءِ البيضُ الوجوهِ ؟ ومن هؤلاءِ الذين في ألوانهم شيء وما هذهِ الأنهارُ التي دخلوا فيها فجاءوا وقد صفتْ ألوانهم ؟ قال : هذا أبوكَ إبراهيمُ ، أولُ من شمّطَ على الأرضِ ، وأما هؤلاء البيضِ الوجوهِ فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ . وأما هؤلاءِ الذينَ في ألوانهم شيء ، فقومٌ خلطوا عملا صالحا وآخرَ سيئا ، فتابوا فتابَ اللهٌ عليهم ، وأما الأنهارٌ فأولها رحمةُ اللهِ ، والثاني نعمةُ اللهِ ، والثالثُ سقاهم ربهم شرابا طهورا . قال : ثم انتهى إلى السدرةِ فقيل له : هذهِ السدرةُ ينْتَهِي إليها كلّ أحدٍ خلا من أمتكَ على سنتكَ . . فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهارٌ من ماءٍ غير آسِنٍ ، وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيَّرْ طعمُهُ ، وأنهارٌ من خمرٍ لذَّةٍ للشاربينَ ، وأنهارٌ من عسلٍ مُصفَّى ، وهي شجرةٌ يسيرُ الراكبُ في ظلها سبعينَ عاما لا يقطعها ، والورقةُ منها مُغطَّيةٌ للأُمةِ كلها ، قال : فغشيها نورُ الخلّاقِ عز وجل ، وغشيَتها الملائكةُ أمثالَ الغِرْبانِ حين يقعنَ على الشجرةِ ، قال : فكلّمهُ تعالى عند ذلكَ ، قالَ له : سلْ ، قال : إنكَ اتخذتَ إبراهيمَ خليلا ، وأعطيتهُ ملكا عظيما ، وكلمتَ موسى تكليما ، وأعطيتَ داودَ ملكا عظيما ، وألنتَ له الحديدَ ، وسخرتَ له الجبالَ ، وأعطيتَ سليمانَ ملكا ، وسخرتَ له الجنَّ والإنسَ والشياطينَ ، وسخرتَ له الرياحَ ، وأعطيتهَ ملكا عظيما لا ينبغي لأحدٍ من بعدهِ . وعلمَّتَ عيسى التوراةَ والإنجيلَ ، وجعلتهُ يُبرئُ الأكمهَ والأبرصَ ويحيي الموتَى بإذنكَ ، وأعذتهُ وأمهُ من الشيطانِ الرجيم ، فلم يكنْ للشيطانِ عليهما سبيلٌ . فقال له ربهُ عز وجلَ : وقد اتخذتُكَ خليلا وهو مكتوبٌ في التوراةِ : حبيبُ الرحمنِ وأرسلتكَ إلى الناسِ كافّة بشيرا ونذيرا ، وشرحتُ لكَ صدركَ ، ووضعتُ عنكَ وزركَ ، ورفعتُ لك ذكركَ ، فلا أُذْكَر إلا ذُكِرْتَ معي ، وجعلتُ أمتكَ خيرُ أمةٍ أخرجتْ للناسِ ، وجعلتُ أمتكَ أمةً وسطا ، وجعلتُ أمتكَ هم الأولينَ والآخرينَ ، وجعلتُ أمتكَ لا تجوزُ لهم خطبةٌ حتى يشهدوا أنكَ عبدي ورسولي ، وجعلتُ من أمتكَ أقواما قلوبهُم أناجيلهُم ، وجعلتكَ أولَ النبيينَ خلقا وآخرهُم بعثا ، وأولهُم يقضى لهُ . وأعطيتكَ سبعا من المثاني لم يعطها نبي قبلكَ ، وأعطيتكَ خواتيمَ سورةِ البقرةِ من كنزٍ تحتَ العرشِ لم أعطِها نبيا قبلكَ ، وأعطيتكَ الكوثرَ ، وأعطيتكَ ثمانيةَ أسهمٍ : الإسلامُ ، والهجرةُ ، والجهادُ ، والصدقةُ ، والصلاةُ ، وصومُ رمضانَ ، والأمرُ بالمعروفِ ، والنهيُ عن المنكرِ . وجعلتكَ فاتحا وخاتما . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فضَّلنِي ربي بستٍّ : أعطاني فواتحِ الكلامِ وخواتيمهَ ، وجوامعَ الحديثِ ، وأرسلني إلى الناسِ كافةً بشيرا ونذيرا . وقذفَ في قلوبِ عدوي الرعبَ من مسيرةِ شهرٍ ، وأُحِلّتْ لي الغنائمَ ولم تُحلّ لأحدٍ قبلي ، وجُعِلَتْ لي الأرض كلها طهورا ومسجدا . قال : وفرضَ عليهِ خمسينَ صلاةً . فلما رجعَ إلى موسى قال : بمَ أُمِرْتَ يا محمدُ ؟ قال : بخمسينَ صلاةً . قال : ارجعْ إلى ربكَ فاسألهُ التخفيفَ ، فإن أمتكَ أضعفُ الأممِ فقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شِدّةً ، قال : فرجعَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربهِ عز وجل فسألهُ التخفيفَ ، فوضعَ عنه عشرا . ثم رجعَ إلى موسى فقال : بكم أمرتَ ؟ قال : بأربعينَ . قال ارجع إلى ربكَ فاسألهُ التخفيفَ ، فإن أمتكَ أضعفُ الأمم ِ، وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدةً قال : فرجعَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربهِ فسألهُ التخفيفَ ، فوضعَ عنه عشرا ، فرجع إلى موسى فقال : بكم أمرتَ ؟ قال : أمرتُ بثلاثينَ . فقال له موسى : ارجع إلى ربكَ فاسألهُ التخفيفَ فإن أمتكَ أضعفُ الأممِ وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدةً قال : فرجعَ إلى ربهِ فسألهَ التخفيفَ ، فوضعَ عنه عشرا . فرجعَ إلى موسى فقال . بكم أمرتَ ؟ قال : أمرتُ بعشرينَ . قال : ارجع إلى ربكَ فاسألهُ التخفيفَ ، فإن أمتكَ أضعفُ الأممِ ، وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدةً . قال : فرجعَ إلى ربهِ فسألهَ التخفيفَ ، فوضعَ عنه عشرا . فرجعَ إلى موسى فقال : بكم أمرتَ ؟ قال : أمرتُ بعشرٍ . قال : ارجع إلى ربكَ فاسألهُ التخفيفَ ، فإن أمتكَ أضعفُ الأممِ ، وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدةً . قال : فرجعَ على حياءٍ إلى ربهِ ، فسألهُ التخفيفَ فوضع عنه خمسا . فرجع إلى موسى فقال : بكم أمرتَ ؟ قال : بخَمْسٍ . فقال : ارجع إلى ربكَ فاسألهُ التخفيفَ ، فإن أمتكَ أضعفُ الأممِ ، وقد لقيتُ من بني إسرائيلَ شدةً ، قال : قد رجعتُ إلى ربي حتى استحييْتُ ، فما أنا راجعٌ إليهِ . قيل : أما إنكَ كما صبرتَ نفسكَ على خمسِ صلواتٍ ، فإنهنّ يُجزينَ عنكَ خمسينَ صلاة ، فإن كل حسنةٍ بعشرِ أمثالها ، قال : فرضي محمدٌ صلى الله عليه وسلم كل الرضا ، قال : وكانَ موسى عليه السلام من أشدهم عليهِ حين مرَّ بهِ ، وخيرهِم لهُ حين رجعَ إليهِ
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وحُذَيفَةَ، وابنِ عبَّاسٍ أنَّهم كانوا جُلوسًا ذاتَ يَومٍ، فجاءَ رَجُلٌ فقال: إنِّي سَمِعتُ العَجَبَ، فقال له حُذَيفَةُ: وما ذاك؟ قال: سَمِعتُ رِجالًا يَتَحدَّثون في الشَّمسِ والقَمَرِ، فقال: وما كانوا يَتَحدَّثون؟ فقال: زَعَموا أنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ يُجاءُ بهما يَومَ القيامةِ كأنَّهما ثَورانِ عُفَيرانِ، فيُقذَفانِ في جَهنَّمَ، فقال عليٌّ، وابنُ عبَّاسٍ، وحُذَيفَةُ: كَذَبوا، اللهُ أجَلُّ وأكرَمُ من أنْ يُعذِّبَ على طاعَتِه، ألَمْ تَرَ إلى قَولِه تَعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} [إبراهيم: 33]، يعني: دائِبَينِ في طاعَةِ اللهِ، فكيف يُعذِّبُ اللهُ عَبدَينِ يُثني عليهما أنَّهما دائبانِ في طاعَتِه؟! فقالوا لحُذَيفَةَ: حَدِّثْنا رَحِمَك اللهُ، فقال حُذَيفَةُ: بينَما نحن عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ سُئِلَ عن ذلك، فقال: إنَّ اللهَ لمَّا أبرَمَ خَلقَه أحكامًا، فلم يَبْقَ من غَيرِه غَيرُ آدَمَ، خَلَقَ شَمسينِ من نورِ عَرشِه، فأمَّا ما كان في سابِقِ عِلمِه أنَّه يَدَعُها شَمسًا، فإنَّه خَلَقَها مِثلَ الدُّنيا على قَدْرِها، وأمَّا ما كان في سابِقِ عِلمِه أنْ يَطمِسَها ويُحوِّلَها قَمَرًا، فإنَّه خَلَقَها دونَ الشَّمسِ في الضَّوءِ، ولكن إنَّما يَرى النَّاسُ صِغَرَهما؛ لشِدَّةِ ارتِفاعِ السَّماءِ وبُعدِها عنِ الأرضِ، ولو تَرَكَهما اللهُ كما خَلَقَهما في بَدءِ الأمْرِ لم يُعرَفِ اللَّيلُ من النَّهارِ، ولا النَّهارُ من اللَّيلِ، ولكان الأجيرُ ليس له وَقتٌ يَستريحُ فيه، ولا وَقتٌ يأخُذُ فيه أجْرَه، ولكان الصَّائمُ لا يَدري إلى متى يَصومُ ومتى يُفطِرُ، ولكانتِ المرأةُ لا تَدري كيف تَعتَدُّ، ولكان الدُّيَّانُ لا يَدرون متى تَحِلُّ دُيونُهم، ولكان النَّاس لا يَدرون أحوالَ مَعايِشِهم، ولا يَدرون متى يَسْكُنون لراحَةِ أجْسامِهِم، ولكانتِ الأَمَةُ المُضطَهَدةُ، والمَملوكُ المَقهورُ، والبَهيمةُ المُسخَّرةُ ليس لهم وَقتُ راحَةٍ، فكان اللهُ أنظَرَ لعبادِه وأرحَمَ بهم، فأرسَلَ جِبريلَ فأمَرَ بجَناحِه على وَجهِ القَمَرِ ثَلاثَ مرَّاتٍ، وهو يَومَئذٍ شَمسٌ، فمَحا عنه الضَّوءَ وبَقِيَ فيه النورُ؛ فذلك قَولُه تَعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12]، فالسَّوادُ الذي تَرَونَه في القَمَرِ شِبْهَ الخُيوطِ إنَّما هو أثَرُ ذلك المَحوِ. قال: وخلَقَ اللهُ الشَّمسَ على عَجَلةٍ من ضَوءِ نورِ العَرشِ، لها ثلاثُ مِئَةٍ وسِتَّونَ عُروَةً، وخلَقَ اللهُ القَمَرَ مِثلَ ذلك، ووكَّلَ بالشَّمسِ وعَجَلتَها ثَلاثَ مِئَةٍ وسِتِّينَ مَلَكًا من ملائكةِ أهلِ السَّماءِ الدُّنيا، قد تعلَّقَ كلُّ مَلَكٍ منهم بعُروَةٍ مِن تلك العُرَى، والقَمَرُ مِثلُ ذلك، وخلَقَ لهما مَشارِقَ ومَغارِبَ في قُطرَيِ الأرضِ وكَنَفَيِ السَّماءِ؛ ثَمانينَ ومِئَةَ عَينٍ في المَشرِقِ، وثَمانينَ ومِئَةَ عَينٍ في المَغرِبِ، فكلُّ يَومٍ لهما مَطلَعٌ جَديدٌ، ومَغرِبٌ جَديدٌ، ما بين أوَّلِها مَطلَعًا وأوَّلِها مَغرِبًا، فأطوَلُ ما يكونُ النَّهارُ في الصَّيفِ إلى آخِرِها مَطلعًا وآخِرِها مَغرِبًا، وأقصَرُ ما يكونُ النَّهارُ في الشِّتاءِ؛ وذلك قولُ اللهِ تَعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن: 17]، يعني: آخِرَ هَاهنا وهَاهنا، لم يَذكُرْ ما بين ذلك من عِدَّةِ العُيونِ، ثم جمَعَهما بعدُ فقالَ: {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} [المعارج: 40]، فذكَرَ عِدَّةَ تلك العُيونِ كُلِّها. قال: وخلَقَ اللهُ بَحرًا بينَه وبين السَّماءِ مِقدارُ ثَلاثِ فَراسِخَ، وهو قائِمٌ بأمْرِ اللهِ في الهَواءِ، لا يَقطُرُ منه قَطرَةٌ، والبِحارُ كُلُّها ساكنةٌ، وذَنَبُ البَحرِ جارٍ في سُرعَةِ السَّهمِ، ثم انطِباقُه ما بينَ المَشرِقِ والمَغرِبِ، فتَجري الشَّمسُ والقَمَرُ والنُّجومُ الخُنَّسُ في حَنَكِ البَحْرِ، فوالذي نفسُ مُحمَّدٍ بيَدِه، لو أنَّ الشَّمسَ دَنَتْ من ذلك البَحرِ، لأحرَقَتْ كُلَّ شَيءٍ على وَجهِ الأرضِ حتى الصُّخورَ والحِجارةَ، ولو بَدا القَمَرُ من ذلك البَحرِ حتى تُعايِنَه النَّاسُ كهَيئَتِه لافتُتِنَ به أهلُ الأرضِ إلَّا مَن شاءَ اللهُ أنْ يَعصِمَه من أوْليائِه. فقال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، إنَّك ما ذَكَرتَ مَجرى الخُنَّسِ في القُرآنِ إلَّا ما كان من ذِكرِكَ اليَومَ، فما الخُنَّسُ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: يا حُذَيفَةُ، هي خَمسَةُ كَواكِبَ: البَرجيسُ، وعُطارِدُ، وبَهرامُ، والزُّهَرةُ، وزُحَلُ، فهذه الكَواكِبُ الخَمسَةُ الطَّالِعاتُ الغارِباتُ الجارياتُ مِثلُ الشَّمسِ والقَمَرِ، وأمَّا سائِرُ الكَواكِبِ فإنَّها مُعلَّقةٌ بين السَّماءِ تَعليقَ القَناديلِ من المَساجِدِ ونُجومِ السَّماءِ، لَهنَّ دَوَرانٌ بالتَّسبيحِ والتَّقديسِ، فإنْ أحبَبتُم أنْ تَستَبينوا ذلك، فانظُروا إلى دَوَرانِ الفُلكِ مرَّةً هنا ومرَّةً هَاهنا؛ فإنَّ الكَواكِبَ تَدورُ معه، وكُلُّها تَزولُ سوى هذه الخَمسَةِ. ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما أعجَبَ خَلْقَ الرحمنِ! وما بَقِيَ من قُدرتِه فيما لم نَرَ أعجَبُ من ذلك وأعجَبُ، وذلك قَولُ جِبريلَ لسارَةَ: {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود: 73]؛ وذلك أنَّ للهِ مَدينَتَينِ: إحْداهما بالمَشرِقِ، والأخرى بالمَغرِبِ، على كُلِّ مَدينةٍ منها عَشَرةُ آلافِ بابٍ، بينَ كُلِّ بابينِ فَرسَخٌ، ينوبُ كُلَّ يَومٍ على كُلِّ بابٍ من أبوابِ تلك المَدينَتَينِ عَشَرةُ آلافٍ في الحِراسَةِ عليهم السِّلاحُ ومعهم الكُراعُ، ثم لا تَنوبُهم تلك الحِراسَةُ إلى يَومِ يُنفَخُ في الصُّورِ، اسمُ إحْداهما: جابرسا، والأُخرى: جابلقا، ومن وَرائِهِما ثَلاثُ أُمَمٍ: تنسك، وتارس، وتأويل، ومِن ورائِهِم: يَأجوجُ ومَأجوجُ. وإنَّ جِبريلَ عليه السَّلامُ انطَلَقَ بي لَيلَةَ أُسرِيَ بي من المَسجِدِ الحَرامِ إلى المَسجِدِ الأقْصى، فدَعَوتُ يَأجوجَ ومَأجوجَ إلى دِينِ اللهِ عزَّ وجلَّ وعِبادَتِه، فأنْكَروا ما جِئتُهُم به، فهُمْ في النَّارِ، ثم انطَلَقَ بي إلى أهلِ المَدينَتَينِ، فدَعَوتُهم إلى دِينِ اللهِ تَعالى وعِبادَتِه، فأجابوا وأنابوا، فهُمْ إخْوانُنا في الدِّينِ؛ مَن أحسَنَ منهم فهو مع المُحسِنين منكم، ومَن أساءَ منهم فهو مع المُسيئينَ منكم، فأهلُ المَدينَةِ التي بالمَشرِقِ من بَقايا عادٍ من نَسلِ ثَمودَ، من نَسلِ مُؤمِنيهم الذين كانوا آمَنوا بصالِحٍ. ثم انطَلَقَ بي إلى الأُمَمِ الثَّلاثِ، فدَعَوتُهم إلى دِينِ اللهِ، فأنكَروا ما دَعَوتُهم إليه، فهُمْ في النَّار مع يَأجوجَ ومَأجوجَ، فإذا طَلَعتِ الشَّمسُ، فإنَّها تَطلُعُ من بَعضِ تلك العُيونِ على عَجَلتِها، ومعها ثَلاثُ مِئَةٍ وسِتَّون مَلَكًا يَجُرُّونَها في ذلك البَحرِ الغَمْرِ راكِبُهُ، فإذا أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَرى العِبادُ آيَةً من الآياتِ يَستَعتِبُهم رُجوعًا عن مَعصِيَتِه وإقبالًا إلى طَاعَتِه، خَرَّتِ الشَّمسُ عن عَجَلتِها، فتَقَعُ في غَمرِ ذلك البَحرِ، فإنْ أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يُعظِّمَ الآيةَ ويَشتَدَّ تَخويفُ العِبادِ، خَرَّتِ الشَّمسُ كُلُّها عن العَجَلةِ، حتى لا يَبقى على العَجَلةِ منها شَيءٌ، فذلك حين يُظلِمُ النَّهارُ وتَبدو النُّجومُ، وإذا أرادَ اللهُ أنْ يُعجِّلَ آيةً دونَ آيَةٍ، خَرَّ منها النِّصفُ، أو الثُّلُثُ، أو أقَلُّ من ذلك، أو أكثَرُ في الماءِ، ويَبقى سائِرُ ذلك على العَجَلةِ، فإذا كان ذلك صارتِ الملائكةُ المُوكَّلون بالعَجَلةِ فِرقَتَينِ: فِرقَةٌ يُقلِّبون الشَّمسَ ويَجُرُّونَها نحوَ العَجَلةِ، وفِرقَةٌ يُقلِّبون الشَّمسَ على العَجَلةِ يَجُرُّونَها نحوَ البَحرِ، وهُمْ في ذلك يَقودونَها على مِقدارِ ساعاتِ النَّهارِ، لَيلًا كان ذلك أو نَهارًا حتى يَبدُوَ في طُلوعِها شَيءٌ، فإذا حَمَلوا الشَّمسَ فوَضَعوها على العَجَلةِ، حَمِدوا اللهَ على ما قوَّاهم من ذلك، وقد جعَلَ لهم تلك القُوَّةَ وأفهَمَهم عِلمَ ذلك، فهُم لا يَقصُرون عن ذلك شَيئًا، ثم يَجُرُّونَها بإذْنِ اللهِ تَعالى حتى يَبلُغوا بها إلى المَغرِبِ، ثم يُدخِلونَها بابَ العَينِ التي تَغرُبُ فيها، فتَسقُطُ من أُفُقِ السَّماءِ خَلفَ البَحرِ، ثم تَرتَفِعُ في سُرعَةِ طَيَرانِ الملائكةِ إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ العُليا، فتَسجُدُ تحت العَرشِ مِقدارَ اللَّيلِ، ثم تُؤمَرُ بالطُّلوعِ من المَشرِقِ، فتَطلُعُ من العَينِ التي وقَّتَ اللهُ لها، فلا تَزالُ الشَّمسُ والقَمَرُ كذلك من طُلوعِهما إلى غُروبِهما، وقد وكَّلَ اللهُ تَعالى باللَّيلِ مَلَكًا من الملائكَةِ، وخلَقَ اللهُ حُجُبًا من ظُلمَةٍ من المَشرِقِ عَدَدَ اللَّيالي في الدُّنيا على البَحرِ السَّابِعِ، فإذا غَرَبتِ الشَّمسُ أقبَلَ ذلك المَلَكُ، فقَبَضَ قَبضَةً من ظُلمَةِ ذلك الحِجابِ، ثم استقبَلَ المَغرِبَ، فلا يَزالُ يُراعي الشَّفَقَ، ويُرسِلُ تلك الظُّلمَةَ من خِلالِ أصابِعِه قَليلًا قَليلًا، حتى إذا غابَ الشَّفَقُ أرسَلَ الظُّلمَةَ كُلَّها، ثم نَشَرَ جَناحَيهِ فيَبلُغانِ قُطرَيِ الأرضِ وكَنَفيِ السَّماءِ، ثم يَسوقُ ظُلمَةَ اللَّيلِ بجَناحَيهِ إلى المَغرِبِ قَليلًا قَليلًا، حتى إذا بلَغَ المَغرِبَ انفَجَرَ الصُّبحُ من المَشرِقِ، ثم ضَمَّ الظُّلمَةَ بعضَها إلى بعضٍ، ثم قبَضَ عليها بكَفٍّ واحدةٍ نحوَ قَبضَتِه إذا تَناوَلَها من الحِجابِ بالمَشرِقِ، ثم يَضَعُها عندَ المَغرِبِ على البَحرِ السَّابِعِ، فإذا نَقَلَ تلك الظُّلمَةَ من المَشرِقِ إلى المَغرِبِ نفَخَ في الصُّورِ وانصَرَفتِ الدُّنيا. فلا تَزالُ الشَّمسُ والقَمَرُ كذلك حتى يَأتيَ الوَقتُ الذي ضُرِبَ لتَوبَةِ العِبادِ، فتَنتَشِرُ المعاصي في الأرضِ وتَكثُرُ الفَواحِشُ، ويَظهُرُ المَعروفُ فلا يَأمُرُ به أحَدٌ، ويَظهَرُ المُنكَرُ فلا يَنهى عنه أحَدٌ، وتَكثُرُ أولادُ الخَبَثةِ، ويَلي أُمُورَهم السُّفَهاءُ، ويَكثُرُ أتباعُهم من السُّفَهاءِ، وتَظهُرُ فيهم الأباطيلُ، ويَتَعاونون على رِيَبِهم ويَتَزيَّنون بألسِنَتِهم، ويَعيبون العُلَماءَ من أُولي الألبابِ، ويَتَّخِذونَهم سُخْريًّا حتى يَصيرَ الباطِلُ منهم بمَنزِلَةِ الحَقِّ، ويَصيرَ الحَقُّ بمَنزِلَةِ الباطِلِ، ويَكثُرَ فيهم ضَربُ المَعازِفِ واتِّخاذُ القَيناتِ، ويَصيرَ دِينُهم بألسِنَتِهم، ويُصْغوا قُلوبَهم إلى الدُّنيا يُحادُّون اللهَ ورسولَه، ويَصيرَ المُؤمِنُ بينَهم بالتَّقيَّةِ والكِتمانِ، ويَستَحِلُّون الرِّبا بالبَيعِ، والخَمرَ بالنَّبيذِ، والسُّحتَ بالهَديَّةِ، والقِيلَ بالمَوعِظَةِ، فإذا فَعَلوا ذلك، قَلَّتِ الصَّدَقةُ، حتى يَطوفَ السَّائِلُ ما بين الجُمُعةِ إلى الجُمُعةِ، فلا يُعطى دينارًا ولا دِرهَمًا، ويَبخَلُ النَّاسُ بما عندَهم حتى يَظُنَّ الغَنيُّ أنَّه لا يَكفيهِ ما عندَه، ويَقطَعَ كُلُّ ذي رَحِمٍ رَحِمَه، فإذا فَعَلوا ذلك واجتَمَعتْ هذه الخِصالُ فيهم، حُبِسَتِ الشَّمسُ تحت العَرشِ مِقدارَ لَيلَةٍ، كما سجَدَتْ واستَأذَنَتْ مِن أين تُؤمَرُ أنْ تَطلُعَ، فلا تُجابُ حتى يُوافيَها القَمَرُ. فتكونُ الشَّمسُ مِقدارَ ثَلاثِ لَيالٍ، والقَمَرُ مِقدارَ لَيلتينِ، ولا يَعلَمُ طُولَ تلك اللَّيلةِ إلَّا المُتهجِّدون، وهم حَنيفيَّةٌ عِصابَةٌ قَليلَةٌ في ذِلَّةٍ من النَّاسِ، وهَوانٍ من أنْفُسِهم، وضِيقٍ من مَعايِشِهم، فيقومُ أحَدُهم بقيَّةَ تلك اللَّيلَةِ يُصلِّي مِقدارَ وِردِه كُلَّ لَيلَةٍ، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَستَنكِرُ ذلك، ثم يقولُ: لَعَلِّي قد خَفَّفتُ قِراءَتي، إذ قُمتُ قَبلَ حِيني، فيَنظُرُ إلى السَّماءِ، فإذا هو باللَّيلِ كما هو، والنُّجومُ قدِ استَدارتْ مع السَّماءِ، فصارت مَكانَها من أوَّلِ اللَّيلِ، ثم يدخُلُ فيأخُذُ مَضجَعَه، فلا يأخُذُه النَّومُ، فيقومُ فيُصلِّي الثَّانيةَ مِقدارَ وِردِه كُلَّ لَيلَةٍ، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَزيدُه ذلك إنْكارًا، ثم يَخرُجُ فيَنظُرُ إلى النُّجومِ، فإذا هي قد صارتْ كهَيئَتِها من اللَّيلِ، ثم يدخُلُ فيأخُذُ مَضجَعَه الثَّالثةَ، فلا يأخُذُه النَّومُ، ثم يقومُ أيضًا فيُصلِّي مِقدارَ وِردِه، فلا يَرى الصُّبحَ، فيَخرُجُ ويَنظُرُ إلى السَّماءِ، فيَخنُقُهم البُكاءُ، فيُنادي بعضُهم بعضًا، فيَجتَمِعُ المُتهجِّدونُ في كُلِّ مَسجِدٍ بحَضرَتِهم، وهُم قَبلَ ذلك كانوا يَتَواصَلون ويَتَعارَفون، فلا يَزالون في غَفلَتِهم، فإذا تَمَّ للشَّمسِ مِقدارُ ثَلاثِ لَيالٍ وللقَمَرِ مِقدارُ لَيلَتَينِ، أرسَلَ اللهُ تَعالى إليهما جِبريلَ، فقال لهما: إنَّ الرَّبَّ يَأمُرُكما أنْ تَرجِعا إلى المَغرِبِ؛ لِتَطلُعا منه، فإنَّه لا ضَوءَ لكما عندَنا اليَومَ ولا نورَ، فيَبكيانِ عندَ ذلك وَجَلًا مِن اللهِ تَعالى، وتَبكي الملائكةُ لبُكائِهِما مع ما يُخالِطُهما من الخَوفِ، فيَرجِعانِ إلى المَغرِبِ فيَطلُعانِ من المَغرِبِ. فبينَما النَّاسُ كذلك، إذ نادَى مُنادٍ: ألَا إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ قد طَلَعا من المَغرِبِ، فيَنظُرُ النَّاس إليهِما، فإذا هُما أسوَدانِ كهَيئَتِهِما في حالِ كُسوفِهِما قَبلَ ذلك، لا ضَوءَ للشَّمسِ ولا نورَ للقَمَرِ، فذَلك قَولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1]، وقَولُه تَعالى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة: 8]، وقَولُه تَعالى: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة: 9]، قال: فيَرتَفِعانِ يُنازِعُ كُلُّ واحِدٍ منهما صاحِبَه حتى يَبلُغا سَهوَةَ السَّماءِ وهو مَنصِفُهما، فيَجيئُهما جِبريلُ عليه السَّلامُ، فيأخُذُ بقَرنَيْهِما فيَرُدُّهما إلى المَغرِبِ آفِلًا، ويُغرِبُهما في تلك العُيونِ، ولكن يُغرِبُهما في بابِ التَّوبَةِ فقال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: بأبي وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، وما بابُ التَّوبَةِ؟ قال: يا عُمَرُ، خلَقَ اللهُ تَعالى خَلفَ المَغرِبِ مِصراعَينِ من ذَهَبٍ، مُكلَّلينِ بالجَوهَرِ للتَّوبَةِ، فلا يَتوبُ أحَدٌ من وَلَدِ آدَمَ تَوبَةً نَصوحًا إلَّا وَلِجتْ تَوبَتُه في ذلك البابِ، ثم تُرفَعُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. فقال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، وما التَّوبَةُ النَّصوحُ؟ قال: النَّدَمُ على ما فاتَ منه، فلا يَعودُ إليه كما لا يَعودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، قال حُذَيفَةُ: يا رسولَ اللهِ، كيف بالشَّمسِ والقَمَرِ بعدَ ذلك؟ وكيف بالنَّاس بعدَ ذلك؟ قال: يا حُذَيفَةُ، أمَّا الشَّمسُ والقَمَرُ فإنَّهما يَعودانِ، فإذا أغرَبَهما اللهُ في ذلك البابِ ردَّ المِصراعَينِ، فالْتَأَمَ ما بينَهما كأنْ لم يكن فيما بينَهما صَدْعٌ قَطُّ، فلا يَنفَعُ نَفْسًا بعدَ ذلك إيمانُها لم تكن آمَنَتْ مِن قَبلُ أو كَسَبتْ في إيمانِها خَيرًا، ولا تُقبَلُ مِن عَبدٍ حَسَنةٌ إلَّا مَن كان قَبلُ مُحسِنًا، فإنَّه يَجزي له وعليه، فتَطلُعُ الشَّمسُ عليهم وتَغرُبُ كما كانت قبلُ. فأمَّا النَّاسُ فإنَّهم بعدَما يَرَونَ من فَظيعِ تلك الآيَةِ وعِظَمِها، يُلِحُّون على الدُّنيا حتى يَغرِسوا فيها الأشجارَ ويُشقِّقوا فيها الأنهارَ، ويَبنوا فَوقَ ظُهورِها البُنيانَ. وأمَّا الدُّنيا فلو أنتَجَ رَجُلٌ مُهرًا لم يَركَبْه من لَدُن طُلوعِ الشَّمسِ من مَغرِبِها إلى أنْ تَقومَ السَّاعَةُ، والذي نَفْسُ مُحمَّدٍ بيَدِه، إنَّ الأيَّامَ واللَّياليَ أسرَعُ من مَرِّ السَّحابِ، لا يَدري الرَّجُلُ متى يُمسي ومتى يُصبِحُ، ثم تَقومُ السَّاعَةُ، فوالذي نَفْسي بيَدِه لَتَأتينَّهم، وإنَّ الرَّجُلَ قدِ انصَرَفَ بلَبَنِ لِقحَتِه من تَحتِها، فما يَذوقُه ولا يَطعَمُه، وإنَّ الرَّجُلَ في فيه اللُّقمَةُ فما يُسيغُها، فذلك قَولُ اللهِ تَعالى: {وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [العنكبوت: 53]. قال: وأمَّا الشَّمسُ والقَمَرُ فإنَّهما يَعودانِ إلى ما خلَقَهما اللهُ منه، فذَلك قَولُه تَعالى: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} [البروج: 13]، فيُعيدُهما إلى ما خلَقَهما منه. قال حُذَيفَةُ: بأبي أنتَ وأُمِّي، فكيف قيامُ السَّاعةِ؟ وكيف النَّاسُ في تلك الحالِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا حُذَيفَةُ، بينَما النَّاسُ في أسواقِهم أسَرُّ ما كانوا بدُنياهم، وأحرَصُ ما كانوا عليها، فبيْن كيَّالٍ يَكيلُ، ووزَّانٍ يَزِنُ، وبين مُشتَرٍ وبائِعٍ، إذ أتَتْهم الصَّيحَةُ، فخَرَّتِ الملائكةُ صَرْعى مَوْتى على خُدودِهم، وخَرَّ الآدَميُّون صَرْعى مَوْتى على خُدودِهم، فذلك قَولُه تَعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 49]. قال: فلا يَستطيعُ أحدُهم أنْ يَرى صاحِبَه، ولا يَرجِعَ إلى أهلِه، وتَخِرُّ الوُحوشُ على جُنوبِها مَوْتى، وتَخِرُّ الطَّيرُ مِن أوْكارِها ومن جَوِّ السَّماءِ مَوْتى، وتَموتُ السِّباعُ في الغِياضِ والآجامِ والفَيافي، وتَموتُ الحيتانُ في لُجَجِ البِحارِ، والهَوامُّ في بُطونِ الأرضِ، فلا يَبقى من خَلقِ ربِّنا عزَّ وجلَّ إلَّا أربعَةٌ: جِبريلُ، وميكائيلُ، وإسرافيلُ، ومَلَكُ المَوتِ، فيقولُ اللهُ لجِبريلَ: مُتْ، فيموتُ، ثم يقولُ لإسرافيلَ: مُتْ، فيموتُ، ثم يقولُ لميكائيلَ: مُتْ، فيَموتُ، ثم يقولُ لمَلَكِ المَوتِ: يا مَلَكَ المَوتِ، ما مِن نَفْسٍ إلَّا وهي ذائِقَةُ المَوتِ، فمُتْ، فيَصيحُ مَلَكُ المَوتِ صَيحَةً، فيَخِرُّ، ثم يُنادي السَّمواتِ، فتَنطَوي على ما فيها كطَيِّ السِّجِلِّ للكِتابِ، والسَّمواتُ السَّبعُ والأرَضون السَّبعُ مع ما فيهِنَّ لا تَستَبينُ في قَبضَةِ ربِّنا تَبارك وتَعالى، كما لو أنَّ حَبَّةً مِن خَردَلٍ أُرسِلَتْ في رِمالِ الأرضِ وبُحورِها لم تَستَبِنْ، فكذلك السَّمواتُ السَّبعُ والأرَضون السَّبعُ مع ما فيهِنَّ لا تَستَبينُ في قَبضَةِ ربِّنا عزَّ وجلَّ. ثم يقولُ اللهُ تَبارك وتَعالى: أين المُلوكُ؟ أين الجَبابِرَةُ؟ لمَنِ المُلْكُ اليَومَ؟ ثم يَرُدُّ على نَفْسِه: للهِ الواحِدِ القهَّارِ، ثم يقولُها الثَّانيةَ والثَّالثةَ، ثم يَأذَنُ اللهُ للسَّمواتِ فيَتَمسَّكنَ كما كُنَّ، ويَأذَنُ للأرَضين فيَنسَطِحنَ كما كُنَّ، ثم يَأذَنُ اللهُ لصاحِبِ الصُّورِ، فيَقومُ فيَنفُخُ نَفخَةً، فتَقشَعِرُّ الأرضُ منها، وتَلفِظُ ما فيها، ويَسعى كلُّ عُضوٍ إلى عُضوِه، ثم يُمطِرُ اللهُ عليهم من نَهرٍ يُقالُ له: الحَيَوانُ، وهو تحت العَرشِ، فيُمطِرُ عليهم شَبيهًا بمَنيِّ الرِّجالِ أربَعينَ يَومًا ولَيلَةً، حتى تَنبُتَ اللُّحومُ على أجسامِها، كما تَنبُتُ الطَّراثيثُ على وَجهِ الأرضِ، ثم يُؤذَنُ له في النَّفخَةِ الثَّانيةِ، فيَنفُخُ في الصُّورِ، فتَخرُجُ الأرواحُ، فتَدخُلُ كُلُّ رُوحٍ في الجَسَدِ الذي خرَجَتْ منه. قال حُذَيفَةُ: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، هل تَعرِفُ الرُّوحُ الجَسَدَ؟ قال: نَعَمْ يا حُذَيفَةُ؛ إنَّ الرُّوحَ لَأعرَفُ بالجَسَدِ الذي خرَجَتْ منه مِن أحَدِكم بمَنزِلِه، فيقومُ النَّاسُ في ظُلمَةٍ، لا يُبصِرُ أحدُهم صاحِبَه، فيَمكُثون مِقدارَ ثَلاثينَ سَنَةً، ثم تَنْجلي عنهمُ الظُّلمَةُ، وتَنفَجِرُ البِحارُ، وتُضرَمُ نارًا، ويُحشَرُ كُلُّ شَيءٍ فَوجًا لَفيفًا، ليس يَختَلِطُ المُؤمِنُ بالكافِرِ، ولا الكافِرُ بالمُؤمِنِ، ويقومُ صاحِبُ الصُّورِ على صَخرَةِ بَيتِ المَقدِسِ، فيُحشَرُ النَّاسُ حُفاةً عُراةً، مُشاةً غُرلًا، ما على أحَدٍ منهم طِحلِبَةٌ، وقد دَنَتِ الشَّمسُ فَوقَ رُؤوسِهم، فبينَهم وبينَهما سَنَتانِ، وقد أُمِدَّتْ بِحَرِّ عَشْرِ سِنينَ، فيُسمَعُ لأجوافِ المُشرِكينَ: غِقْ غِقْ، فيَنتَهون إلى أرضٍ يُقالُ لها: السَّاهِرَةُ، وهي بناحيةِ بَيتِ المَقدِسِ تَسَعُ النَّاسَ وتَحمِلُهم بإذْنِ اللهِ، فيقومُ النَّاسُ عليها، ثم جَثا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على رُكبَتَيهِ، فقال: ليس قيامًا على أقدامِهم، ولكن شاخِصَةً أبصارُهم إلى السَّماءِ، لا يَلتَفِتُ أحدٌ منهم يَمينًا، ولا شِمالًا، ولا خَلفًا، وقدِ اشتَغَلتْ كلُّ نَفْسٍ بما أتاها، فذلك قَولُه عزَّ وجلَّ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6]، فيقومُون مِقدارَ مِئَةِ سَنَةٍ، فوالذي نَفْسي بيَدِه، إنَّ تلك المِئَةَ سَنَةٍ كقَومَةٍ في صَلاةٍ واحدةٍ، فإذا تَمَّ مِقدارُ مِئَةِ سَنَةٍ، انشَقَّتِ السَّماءُ الدُّنيا، وهبَطَ سُكَّانُها، وهُم أكثَرُ مِن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، فيُحيطون بالخَلْقِ، ثم تَنشَقُّ السَّماءُ الثَّانيةُ ويَهبِطُ سُكَّانُها، وهُم أكثَرُ ممَّن هبَطَ مِن سَماءِ الدُّنيا ومِن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، ولا تَزالُ تَنشَقُّ سَماءً سَماءً، ويَهبِطُ سُكَّانُها أكثَرَ ممَّن هبَطَ مِن سِتِّ سَمواتٍ ومن أهلِ الأرضِ مرَّتينِ، ثم يَجيءُ الرَّبُّ تَبارك وتَعالى في ظُلَلٍ مِن الغَمامِ، فأوَّلُ شَيءٍ يُكلِّمُ البَهائِمَ، فيقولُ: يا بَهائِمي، إنَّما خلَقْتُكم لوَلَدِ آدَمَ، فكيف كانت طاعَتُكم لهم؟! وهو أعلَمُ بذلك، فتقولُ البَهائِمُ: ربَّنا، خلَقْتَنا لهم، فكَلَّفونا ما لم نُطِقْ، وصَبَرْنا طَلَبًا لمَرضاتِكَ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: صَدَقتُم يا بَهائِمي، إنَّكم طَلَبتُم رِضايَ، فأنا عنكم راضٍ، ومِن رِضايَ عنكم اليَومَ أنِّي لا أُريكم أهوالَ جَهنَّمَ، فكونوا تُرابًا ومَدَرًا، فعندَ ذلك يقولُ الكافِرُ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [النبأ: 40]. ثم تَذهَبُ الأرضُ السُّفلى، والثَّانيةُ، والثَّالثةُ، والرَّابعةُ، والخامسةُ، والسَّادسةُ، وتَبقى هذه الأرضُ فتُكفَأُ بأهْلِها كما تُكفَأُ السَّفينةُ في لُجَّةِ البَحرِ إذا خَفَقتَها الرِّياحُ، فيقولُ الآدَميُّون: أليست هذه الأرضُ التي كُنَّا نَزرَعُ عليها، ونَمشي على ظَهرِها، ونَبني عليها البُنيانَ؛ فما لها اليَومَ لا تَقِرُّ؟! فتُجاوِبُهم، فتَقولُ: يا أهْلاهُ، أنا الأرضُ التي مهَّدَني الرَّبُّ لكم، كان لي ميقاتٌ مَعلومٌ، فأنا شاهِدَةٌ عليكم بما عَمِلتُم على ظَهري، ثم عليكم السَّلامُ، فلا تَرَوني أبدًا ولا أراكم، فتَشهَدُ على كُلِّ عبدٍ وأَمَةٍ بما عَمِلَ على ظَهرِها؛ إنْ خَيرًا فخَيرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، ثم تَذهَبُ هذه الأرضُ، وتَأتي أرضٌ بيضاءُ، لم يُعمَلْ عليها المعاصي، ولم يُسفَكْ عليها الدِّماءُ، فعليها يُحاسَبُ الخَلقُ. ثم يُجاءُ بالنَّارِ مَزمومةً بسَبعينَ أَلْفَ زِمامٍ، يأخُذُ بكُلِّ زِمامٍ سَبعون أَلْفَ مَلَكٍ من الملائكَةِ، لو أنَّ مَلَكًا منهم أُذِنَ له لالتَقَمَ أهلَ الجَمعِ، فإذا كانت من الآدَميِّين على مَسيرةِ أربعِ مِئَةِ سَنَةٍ زفَرَتْ زَفرَةً، فيَتَجلَّى النَّاسَ السَّكَرُ، وتَطيرُ القُلوبُ إلى الحَناجِرِ، فلا يَستطيعُ أحَدٌ منهم النَّفَسَ إلَّا بعدَ جُهدٍ جَهيدٍ، ثم يأخُذُهم من ذلك الغَمِّ حتى يُلجِمَهم العَرَقُ في مكانِهم، فتَستَأذِنُ الرحمنَ في السُّجودِ، فيَأذَنُ لها، فتقولُ: الحَمدُ للهِ الذي جعَلَني أنتَقِمُ للهِ ممَّن عَصاه، ولم يَجعَلْني آدَميًّا فيَنتَقِمَ منِّي، ثم تُزيَّنُ الجَنَّةُ، فإذا كانت من الآدَميِّين على مَسيرةِ خَمسِ مِئَةِ سَنَةٍ، يَجِدُ المُؤمِنونَ رِيحَها ورَوحَها، فتَسكُنُ نُفوسُهم، ويَزدادون قُوَّةً على قُوَّتِهم، فتَثبُتُ عُقولُهم، ويُلقِّنُهم اللهُ حُجَجَ ذُنوبِهم، ثم تُنصَبُ المَوازينُ، وتُنشَرُ الدَّواوينُ، ثم يُنادى: أين فُلانٌ؟ أين فُلانٌ؟ قُمْ إلى الحِسابِ، فيقومُون، فيَشهَدون للرُّسُلِ أنَّهم قد بَلَّغوا رِسالاتِ ربِّهم، فأنتُم حُجَّةُ الرُّسُلِ يَومَ القيامةِ، فيُنادى رَجُلٌ رَجُلٌ، فيا لها من سَعادَةٍ لا شِقوَةَ بعدَها! ويا لها من شِقوَةٍ لا سعادَةَ بعدَها! فإذا قَضى بين أهلِ الدَّارينِ، ودخَلَ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ؛ بعَثَ اللهُ عزَّ وجلَّ ملائكةً إلى أُمَّتي خاصَّةً، وذلك في مِقدارِ يَومِ الجُمُعةِ معهم التُّحُفُ والهَدايا من عندِ ربِّهم، فيقولُون: السَّلامُ عليكم، إنَّ ربَّكم ربَّ العِزَّةِ يَقرَأُ عليكم السَّلامَ، ويقولُ لكم: أَرضيتُم الجَنَّةَ قَرارًا ومَنزِلًا؟ فيقولُون: هو السَّلامُ، ومنه السَّلامُ، وإليه يَرجِعُ السَّلامُ، فيقولُون: إنَّ الرَّبَّ قد أَذِنَ لكم في الزِّيارةِ إليه، فيَركَبون نُوقًا صُفرًا وبِيضًا، رِحالاتُها الذَّهَبُ، وأَزِمَّتُها الياقوتُ، تَخطُرُ في رِمالِ الكافورِ، أنا قائِدُهم، وبِلالٌ على مُقدَّمَتِهم، ووَجهُ بِلالٍ أشَدُّ نورًا من القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ، والمُؤذِّنون حَولَه بتلك المَنزِلَةِ، وأهلُ حَرَمِ اللهِ تَعالى أدنى النَّاسِ منِّي، ثم أهلُ حَرَمي الذين يَلونَهم، ثم بعدَهم الأفضَلُ فالأفضَلُ، فيَسيرون ولهم تَكبيرٌ وتَهليلٌ، لا يَسمَعُ سامِعٌ في الجَنَّةِ أصواتَهم إلَّا اشتاقَ إلى النَّظَرِ إليهم، فيَمُرُّون بأهلِ الجِنانِ في جَنَّاتِهم، فيقولون: مَن هَؤلاءِ الذين مَرُّوا بنا؟ قدِ ازدادتْ جنَّاتُنا حُسنًا على حُسنِها، ونورًا على نورِها، فيقولون: هذا مُحمَّدٌ وأُمَّتُه يَزورون رَبَّ العِزَّةِ، فيقولون: لَئن كان مُحمَّدٌ وأُمَّتُه بهذه المَنزِلَةِ والكَرامَةِ، ثم يُعاينون وَجهَ رَبِّ العِزَّةِ، فيا ليتنا كُنَّا من أُمَّةِ مُحمَّدٍ، فيَسيرون حتى يَنتَهُوا إلى شَجَرةٍ يُقالُ لها: شَجَرةُ طُوبى، وهي على شَطِّ نَهرِ الكَوثَرِ، وهي لمُحمَّدٍ، ليس في الجَنَّةِ قَصرٌ مِن قُصورِ أُمَّةِ مُحمَّدٍ إلَّا وفيه غُصنٌ من أغصانِ تلك الشَّجَرةِ، فيَنزِلون تحتَها، فيقولُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، اكْسُ أهلَ الجَنَّةِ، فيُكسى أحدُهم مِئَةَ حُلَّةٍ، لو أنَّها جُعِلتْ بين أصابِعِه لَوَسِعَتْها مِن ثيابِ الجَنَّةِ. ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، عَطِّرْ أهلَ الجَنَّةِ، فيَسعى الوِلدانُ بالطِّيبِ، فيُطيِّبون، ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، فَكِّهْ أهلَ الجَنَّةِ، فيَسعى الوِلدانُ بالفاكهةِ، ثم يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: ارفَعوا الحُجُبَ عنِّي حتى يَنظُرَ أوليائي إلى وَجْهي، فإنَّهم عَبَدوني ولم يَرَوْني، وعرَفَتْني قُلوبُهم ولم تَنظُرْ إليَّ أبصارُهم، فتقولُ الملائكةُ: سُبحانَك نحن ملائكتُك، ونحن حَمَلةُ عَرشِك، لم نَعصِكَ طَرْفةَ عَينٍ، لا نَستطيعُ النَّظَرَ إلى وَجهِكَ، فكيف يَستطيعُ الآدَميُّون ذلك؟! فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا ملائكتي، إنِّي طالما رأيتُ وُجوهَهم مُعفَّرَةً في التُّرابِ لوَجْهي، وطالما رأيتُهم صُوَّامًا لوَجْهي في يَومٍ شَديدِ الظَّمَأِ، وطالما رأيتُهم يَعمَلون الأعمالَ ابتِغاءَ رَحْمتي ورَجاءَ ثَوابي، وطالما رأيتُهم يَزوروني إلى بَيتي من كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ، وطالما رأيتُهم وعُيونُهم تَجري بالدُّموعِ من خَشيَتي يَحِقُّ للقَومِ عليَّ أنْ أُعطيَ أبصارَهم من القُوَّةِ ما يَستطيعون به النَّظَرَ إلى وَجْهي، فرفَعَ الحُجُبَ، فيَخِرُّون سُجَّدًا، فيقولون: سُبحانَك لا نُريدُ جِنانًا، ولا أزواجًا، ولا نُريدُ إلَّا النَّظَرَ إلى وَجْهِك، فيقولُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ: ارفَعوا رُؤوسَكم يا عبادي؛ فإنَّها دارُ جَزاءٍ، وليست بدارِ عِبادَةٍ، وهذا لكم عندي مِقدارُ كُلِّ جُمُعةٍ، كما كُنتُم تَزوروني في بَيتي
عن الجارودِ: أنَّه أخَذَ هذه النُّسخةَ: عَهْدُ العَلاءِ بنِ الحَضْرميِّ الَّذي كتَبَهُ له النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حين بعَثَه إلى البحرينِ: بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، هذا كتابٌ مِن محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، الأُمِّيِّ، القُرشيِّ الهاشميِّ، رسولِ اللهِ ونَبيِّه إلى خلْقِه كافَّةً، للعَلاءِ بنِ الحَضْرميِّ ومَن معه مِن المُسلِمين، عَهدًا عَهِدَه إليهم: اتَّقوا اللهَ أيُّها المُسلِمون ما اسْتطعْتُم، فإنِّي قد بَعَثْتُ عليكم العَلاءَ بنَ الحَضْرميِّ، وأمَرْتُه أنْ يتَّقِيَ اللهَ وحدَه لا شَريكَ له، ويُلِينَ لكم الجَناحَ، ويُحسِنَ فيكم السِّيرةَ بالحقِّ، ويَحكُمَ بيْنكم وبيْن مَن لقِيَ مِن النَّاسِ بما أنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ في كتابِه مِن العدْلِ، وأمرْتُكم بطاعتِه إذا فعَلَ ذلك، وقسَمَ فينا فأقسَطَ، واسْتُرْحِمَ فرَحِمَ، فاسْمَعوا له وأطِيعوا، وأحْسِنوا مُؤازرتَه ومُعاونتَه؛ فإنَّ لي عليكم مِن الحقِّ طاعةً وحقًّا عظيمًا لا تَقْدُرونهُ كلَّ قَدْرِه، ولا يَبلُغُ القولُ كُنْهَ حَقِّ عظمةِ اللهِ وحَقِّ رسولِه، وكما أنَّ للهِ ورسولِه على النَّاسِ عامَّةً وعليكم خاصَّةً حقًّا واجبًا بطاعتِه والوفاءِ بعهْدِه، ورضِيَ اللهُ عمَّن اعتصَمَ بالطَّاعةِ، وعظَّمَ حَقَّ أهْلِها وحَقَّ ولائِها، كذلك للمُسلِمين على وُلاتِهم حقًّا واجبًا وطاعةً؛ فإنَّ في الطَّاعةِ دَركًا لكلِّ خَيرٍ يُبْتَغى، ونجاةً مِن كلِّ شَرٍّ يُتَّقى، وأنا أُشْهِدُ اللهَ على مَن ولَّيْتُه شيئًا مِن أُمورِ المُسلِمين قليلًا وكثيرًا، فلم يَعدِلْ فيهم؛ فلا طاعةَ له، وهو خَليعٌ ممَّا ولَّيْتُه، وقد بَرِئَتْ للَّذين معه مِن المُسلِمين أيمانُهم وعهْدُهم وذِمَّتُهم، فلْيَسْتَخيروا اللهَ عندَ ذلك، ثمَّ لِيَستَعْمِلوا عليهم أفضَلَهم في أنفُسِهم. ألَا وإنْ أصابتِ العَلاءَ بنَ الحَضْرميِّ مُصيبةٌ، فخالدُ بنُ الوليدِ سيْفُ اللهِ خلَفٌ فيهم للعلاءِ بنِ الحَضْرميِّ، فاسْمَعوا له وأطِيعوا ما عرَفْتُم أنَّه على الحقِّ حتَّى يُخالِفَ الحقَّ إلى غيرِه، فسِيروا على بركةِ اللهِ، وعَونِه، ونصْرِه، وعافيتِه، ورُشْدِه، وتَوفيقِه. فمَن لَقِيتُم مِن النَّاسِ فادْعُوهم إلى كتابِ اللهِ المُنزَّلِ، وسُنَّةِ رسولِه، وإحلالِ ما أحَلَّ اللهُ لهم في كتابِه، وتَحريمِ ما حرَّمَ اللهُ عليهم في كتابِه، وأنْ يَخْلَعوا الأندادَ، ويتبَرَّؤوا مِن الشِّركِ والكُفْرِ، وأنْ يَكْفُروا بعِبادةِ الطَّاغوتِ واللَّاتِ والعُزَّى، وأنْ يَترُكوا عِبادةَ عيسى بنِ مريمَ، وعُزيرِ بنِ حَرْوةَ، والملائكةِ، والشَّمسِ والقمرِ، والنِّيرانِ، وكلِّ شَيءٍ يُتَّخَذُ ضِدًّا مِن دونِ اللهِ، وأنْ يَتولَّوا اللهَ ورسولَه، وأنْ يَتبَرَّؤوا ممَّن برِئَ اللهُ ورسولُه منه. فإذا فعَلوا ذلك، وأقرُّوا به، ودَخَلوا في الولايةِ؛ فبَيِّنوا لهم عندَ ذلك ما في كتابِ اللهِ الَّذي تَدْعونهُم إليهِ، وأنَّه كتابُ اللهِ المُنزَّلُ مع الرُّوحِ الأمينِ، على صَفوتِه مِن العالمينَ محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ، ورسولِه ونَبيِّه وحَبيبِه، أرسَلَه رحمةً للعالمينَ عامَّةً؛ الأبيضِ منهم والأسودِ، والإنسِ والجنِّ، كتابٌ فيه نبَأُ كلِّ شَيءٍ كان قبْلَكم، وما هو كائنٌ بعدَكم؛ لِيَكونَ حاجِزًا بيْن النَّاسِ؛ يَحجُزُ اللهُ به بعضَهم عن بَعضٍ، وأعراضَ بعضِهم عن بعضٍ، وهو كِتابُ اللهِ مُهيمِنًا على الكُتبِ، مُصدِّقًا لِما فيها مِن التَّوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ، يُخبِرُكم اللهُ فيه ما كان قبْلَكم ممَّا قد فاتَكُم دَرَكُه في آبائِكم الأوَّلينَ الَّذين منهم رُسلُ اللهِ وأنبياؤُهُ، كيف كان جوابُهم ثَمَّ لرُسلِهم، وكيف تَصديقُهم بآياتِ اللهِ، وكيف كان تَكذيبُهم بآياتِ اللهِ، فأخبَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ في كتابِه هذا أنسابَهم وأعمالَهم، وأعمالَ مَن هلَكَ منهم بذَنْبِه؛ لِيَجْتَنِبوا ذلك أنْ يَعْملوا بمِثْلِه؛ كي لا يَحِقَّ عليهم في كتابِ اللهِ مِن عقابِ اللهِ وسَخَطِه ونِقْمتِه مِثْلُ الَّذي حَلَّ عليهم مِن سُوءِ أعمالِهم وتَهاوُنِهم بأمْرِ اللهِ. وأخبَرَكم في كتابِه هذا بأعمالِ مَن نجَا ممَّن كان قبْلَكم؛ لكي تَعْملوا بمِثْلِ أعمالِهم، يُبيِّنُ لكم في كِتابِه هذا شأْنَ ذلك كلِّه؛ رَحمةً منه لكم، وشَفقةً مِن ربِّكم عليكم، وهو هدًى مِن الضَّلالةِ، وتِبيانٌ مِن العَمى، وإقالةٌ مِن العَثرةِ، ونَجاةٌ مِن الفِتنةِ، ونورٌ مِن الظُّلمةِ، وشِفاءٌ عندَ الأحداثِ، وعِصمةٌ مِن الهلكةِ، ورُشدٌ مِن الغوايةِ، وأمانٌ مِن النَّفْسِ، ومَفازةٌ مِن الدُّنيا والآخرةِ، فيه دِينُكم. فإذا عرَضْتُم هذا عليهم، فأقَرُّوا لكم به، [فقدِ اسْتَكْمَلوا] الولايةَ، فاعْرِضوا عليهم عندَ ذلك الإسلامَ، والإسلامُ: الصَّلواتُ الخمْسُ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وحَجُّ البيتِ، وصِيامُ رمضانَ، والغُسْلُ مِن الجَنابةِ، والطُّهورُ قبْلَ الصَّلاةِ، وبِرُّ الوالدينِ، وصِلةُ الرَّحمِ المُسلمةِ، وحُسْنُ صُحبةِ الوالدينِ المُشركَينِ. فإذا فَعَلوا ذلك فقدْ أسْلَموا. فادْعُوهم مِن بعدِ ذلك إلى الإيمانِ، وانْصِبوا لهم شَرائِعَه ومَعالِمَه، ومعالمُ الإيمانِ: شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحْدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ ما جاء به محمَّدٌ الحقُّ، وأنَّ ما سِواه الباطلُ، والإيمانُ باللهِ، وملائكتِه، وكُتبِه، ورُسلِه وأنبيائِه، واليومِ الآخرِ، والإيمانُ بما بيْن يَديْهِ وما خلْفَه مِن التَّوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ، والإيمانُ بالبيِّناتِ والحسابِ، والجنَّةِ والنَّارِ، والموتِ والحياةِ، والإيمانُ للهِ ولرسولِه وللمُؤمنين كافَّةً. فإذا فَعَلوا ذلك وأقَرُّوا به فهم مُسلِمون مُؤمِنون. ثمَّ تَدُلُّوهم بعدَ ذلك على الإحسانِ، وعَلِّموهم أنَّ الإحسانَ: أنْ يُحْسِنوا فيما بيْنهم وبيْن اللهِ في أداءِ الأمانةِ، وعهْدِه الَّذي عهِدَه إلى رُسلِه، وعهْدِ رُسلِه إلى خلْقِه وأئمَّةِ المُؤمنينَ، والتَّسليمِ وسَلامةِ المُسلِمين مِن كلِّ غائلةِ لِسانٍ، وأنْ يَبْتغوا لِبَقيَّةِ المُسلِمين كما يَبْتغي المرْءُ لِنفْسِه، والتَّصديقِ بمواعيدِ الرَّبِّ ولقائِه ومُعايَنتِه، والوداعِ مِن الدُّنيا في كلِّ ساعةٍ، والمُحاسَبةِ للنَّفْسِ عندَ استيفاءِ كلِّ يومٍ وليلةٍ، وتَزوُّدٍ مِن اللَّيلِ والنَّهارِ، والتَّعاهُدِ لِما فرَضَ اللهُ تأْديِتَه إليه في السِّرِّ والعَلانيةِ. فإذا فَعَلوا ذلك، فهم مُسلِمون مُؤمِنون مُحسِنون. ثمَّ انْصِبوا وانْعَتوا لهم الكبائرَ ودُلُّوهم عليها، وخوِّفُوهم مِن الهَلكةِ في الكبائرِ، وأنَّ الكبائرَ هي المُوبقاتُ، وأولاهنَّ الشِّركُ باللهِ؛ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، والسِّحرُ؛ وما للسَّاحرِ مِن خَلاقٍ، وقَطيعةُ الرَّحمِ؛ يَلْعَنُهم اللهُ، والفِرارُ مِن الزَّحْفِ؛ فقدْ باؤوا بغضَبٍ مِن اللهِ، والغُلولَ؛ يأْتوا بما غَلُّوا يومَ القيامةِ، وقِتالُ النَّفْسِ المُؤمنةِ؛ {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93]، وقذْفُ المُحصَنةِ؛ {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور: 23]، وأكْلُ مالِ اليتيمِ؛ {يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، وأكْلُ الرِّبا؛ {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279]، فإذا انتهَوْا عن الكبائرِ فهم مُسلِمون مُؤمِنون، مُحسِنون، مُتَّقون، وقد اسْتَكْملوا التَّقوى. فادْعُوهم عندَ ذلك إلى العِبادةِ، والعِبادةُ: الصِّيامُ، والصَّلاةُ، والخُشوعُ، والرُّكوعُ والسُّجودُ، واليقينُ، والإنابةُ، والإخباتُ، والتَّهليلُ، والتَّسبيحُ، والتَّحميدُ، والتَّكبيرُ، والصَّدقةُ بعدَ الزَّكاةِ، والتَّواضعُ والسُّكونُ والمُواساةُ، والدُّعاءُ، والتَّضرُّعُ، والإقرارُ بالملك، والعُبوديَّةُ، والاستقلالُ [بما كَثُرَ] مِن العملِ الصَّالحِ. فإذا فعَلوا ذلك فهم مُسلِمون، مُؤمِنون، مُحسِنون، مُتَّقون، عابِدون، وقد استَكْملوا العِبادةَ. فادْعُوهم عندَ ذلك إلى الجِهادِ، وبَيِّنوه لهم، ورَغِّبوهم فيما رغَّبَهم اللهُ مِن فَضيلةِ الجهادِ وثَوابِه عندَ اللهِ، فإنِ انْتَدَبُوا فبايِعُوهم، وادْعُوهم حتَّى تُبايعوهم إلى سُنَّةِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِه، عليكم عَهْدُ اللهِ وذِمَّتُه، وسبْعُ كَفالاتٍ -قال داودُ بنُ المُحبَّرِ: يقولُ اللهُ: كَفيلٌ عليَّ بالوفاءِ سبْعَ مرَّاتٍ- لا تَنْكُثون أيدِيَكم مِن بَيعةٍ، ولا تنْقُضون أمْرَ والٍ مِن وُلاةِ المُسلِمين، فإذا أقرُّوا بهذا فبايِعُوهم، واستغْفِروا اللهَ لهم. فإذا خَرَجوا يُقاتِلون في سَبيلِ اللهِ، غضَبًا للهِ، ونصْرًا لدِينِه، فمَن لَقُوا مِن النَّاسِ، فلْيَدْعُوهم إلى مِثْلِ ذلك ما دُعُوا إليه مِن كتابِ اللهِ إجابتِه، وإسلامِه وإيمانِه وإحسانِه، وتَقْواهُ، وعِبادتِه وهِجْرتِه، فمَن اتَّبعَهُم فهو المُستجيبُ، المِسكينُ، المُسلِمُ، المُؤمِنُ، المُحسِنُ، المُتَّقي، العابِدُ، المُجاهِدُ، له ما لكم، وعليه ما عليكم، ومَن أبَى هذا عليكم، فَقاتِلوهم حتَّى يَفِيءَ إلى أمْرِ اللهِ، وإلى دِينِه، ومَن عاهدْتُم وأعطَيْتُموه ذِمَّةَ اللهِ، فوَفُّوا إليه بها، ومَن أسلَمَ وأعْطاكُم الرِّضا، فهو منكم وأنتم مِنه، ومَن قاتَلَكم على هذا بعدَما سمَّيْتُموه له فقاتِلوهم، ومَن حارَبَكم فحارِبُوه، ومَن كابَدَكُم فكابِدوهُ، ومَن جمَعَ لكم فاجْمَعوا له، أو غالَكُم فغِيلُوه، أو خادَعَكم فخادِعوهُ، مِن غيرِ أنْ تَعْتَدُوا، أو ماكَرَكم فامْكُروا به، مِن غيرِ أنْ تَعْتدوا سِرًّا أو علانيةً، فإنَّه مَن يَنتصِرُ بعدَ ظُلْمِه فأولئكَ ما عليهم مِن سَبيلٍ. واعْلَموا أنَّ اللهَ معكم؛ يَراكم ويَرى أعمالَكم، ويَعلَمُ ما تَصْنعون كلَّه، فاتَّقوا اللهَ وكُونوا على حذَرٍ، فإنَّما هذه أمانةٌ ائْتَمنَني عليها ربِّي، أُبَلِّغُها عِبادَه عُذْرًا منه إليهم، وحُجَّةً منه، احتجَّ بها على مَن بلَغَه هذا الكتابُ مِن الخلْقِ جميعًا، فمَن عمِلَ بما فيه نجَا، ومَن اتَّبعَ ما فيه اهْتَدى، ومَن خاصَمَ به أفلَحَ، ومَن قاتَلَ به نُصِرَ، ومَن ترَكَهُ ضَلَّ حتَّى يُراجِعَه، فتعَلَّموا ما فيه، وأسْمِعوهُ آذانَكم، وأوْعُوهُ أجوافَكم، واسْتحْفِظوهُ قُلوبَكم؛ فإنَّه نُورُ الأبصارِ، ورَبيعٌ للقُلوبِ، وشِفاءٌ لِما في الصُّدورِ، وكَفى بهذا أمْرًا ومُعْتَبرًا، وزاجِرًا وعِظةً، وداعيًا إلى اللهِ ورسولِه، فهذا هو الخيرُ الَّذي لا شَرَّ فيه. كِتابُ محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ، رسولِ اللهِ ونَبيِّه، للعَلاءِ بنِ الحَضْرميِّ حين بعَثَه إلى البحرينِ، يَدْعو إلى اللهِ ورسولِه، يأمُرُه إلى ما فيه مِن حلالٍ، ويَنْهى عمَّا فيه مِن حرامٍ، ويدُلُّ على ما فيه مِن رُشدٍ، ويَنْهى عمَّا فيه مِن غَيٍّ، كِتابٌ ائْتَمَنَ عليه نَبِيُّ اللهِ العَلاءَ بنَ الحضرميِّ، وخَليفتَه خالدَ بنَ الوليدِ سيْفَ اللهِ، وقد أعذَرَ إليهما في الوصيَّةِ ممَّا في هذا الكتابِ إلى مَن معهما مِن المُسلِمين، ولم يَجعَلْ لأحدٍ منهم عُذْرًا في إضاعةِ شَيءٍ منه؛ لا الولاةِ، ولا المُتولَّى عليهم، فمَن بلَغَه هذا الكتابُ مِن الخلْقِ جميعًا، فلا عُذْرَ له، ولا حُجَّةَ، ولا يُعْذَرُ بجَهالةِ شَيءٍ ممَّا في هذا الكتابِ. كُتِبَ هذا الكتابُ لثلاثٍ مِن ذي القعدةِ، لأربعِ سِنينَ مَضَيْنَ مِن مُهاجَرةِ نَبيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَّا شَهرينِ، شَهِدَ الكتابَ يومَ كتَبَه ابنُ أبي سُفيانَ، وعُثمانُ بنُ عفَّانَ يُمْلِيه عليه، ورسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جالسٌ، والمُختارُ بنُ قيسٍ القُرشيُّ، وأبو ذَرٍّ الغِفاريُّ، وحُذيفةُ بنُ اليَمانِ العبْسيُّ، وقُصيُّ بنُ أبي عمرٍو الحِمْيريُّ، وشَبيبُ بنُ أبي مَرْثدٍ الغسَّانيُّ، والمُستنيرُ بنُ أبي صَعْصعةَ الخُزاعيُّ، وعَوانةُ بنُ شمَّاخٍ الجُهنيُّ، وسعْدُ بنُ مالكٍ الأنصاريُّ، وسعْدُ بنُ عُبادةَ الأنصاريُّ، وزيدُ بنُ عمرٍو، والنُّقباءُ: رجُلٌ مِن قُريشٍ، ورجُلٌ مِن جُهينةَ، وأربعةٌ مِن الأنصارِ، حين دفَعَه رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى العَلاءِ بنِ الحضرميِّ وخالدِ بنِ الوليدِ سيفِ اللهِ
الشُّهداءُ ثلاثةٌ: رجُلٌ خرَجَ بنفْسِه ومالِه صابِرًا مُحتسِبًا، لا يُريدُ أنْ يَقتُلَ ولا يُقْتَلَ، فإنْ مات أو قُتِلَ، غُفِرَت له ذُنوبُه كلُّها، ويُجارُ مِن عَذابِ القبْرِ، ويُؤَمَّنُ مِن الفزعِ الأكبرِ، ويُزوَّجُ مِن الحُورِ العينِ، ويُحَلُّ عليه جاهُ الكرامةِ، ويُوضَعُ على رأْسِه تاجُ الخُلْدِ. والثَّاني: رجُلٌ خرَجَ بنفْسِه ومالِه مُحتسِبًا، يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَ ولا يُقْتَلَ، فإنْ مات أو قُتِلَ، كانت رُكبتُه برُكبةِ إبراهيمَ خليلِ الرَّحمنِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْن يَدَيِ اللهِ في مَقعدِ صِدْقٍ. والثَّالثُ: رجُلٌ خرَجَ بنفْسِه ومالِه مُحتسِبًا، يُريدُ أنْ يَقْتُلَ ويُقْتَلَ، فإنْ مات أو قُتِلَ، جاء يومَ القيامةِ شاهِرًا سيْفَه، واضِعَه على عاتِقِه، والنَّاسُ جاثونَ على الرُّكبِ يقولونَ: افْرِجوا لنا؛ فإنَّا قد بذَلْنا دِماءَنا للهِ عَزَّ وجَلَّ، فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فوالَّذي نَفْسي بيَدِه، لو قال ذلك لإبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أو لنَبيٍّ مِن الأنبياءِ؛ لَتنَحَّى له عن الطَّريقِ؛ لِمَا يَرى مِن حَقِّه، فلا يَسأَلُ اللهَ شيئًا إلَّا أعطاهُ، ولا يَشفَعُ لأحدٍ إلَّا شُفِّعَ فيه، ويُعْطى في الجنَّةِ ما أحبَّ، ولا يَفْضُلُه في الجنَّةِ مَنزِلًا نَبيٌّ ولا غيرُه، وله في جَنَّةِ الفِرْدوسِ ألْفُ ألْفِ مدينةٍ مِن فِضَّةٍ، وألْفُ ألْفِ مدينةٍ مِن ذهَبٍ، وألْفُ ألْفِ مدينةٍ مِن لُؤلؤٍ، وألْفُ ألْفِ مَدينةٍ مِن ياقوتٍ، وألْفُ ألْفِ مَدينةٍ مِن دُرٍّ، وألْفُ ألْفِ مَدينةٍ مِن زَبَرْجدٍ، وألْفُ ألْفِ مَدينةٍ مِن نُورٍ يَتلألأُ نُورًا، في كلِّ مدينةٍ مِن هذه المدائنِ ألْفُ ألْفِ قصْرٍ، في كلِّ قصْرٍ ألْفُ ألْفِ بيتٍ، في كلِّ بيتٍ ألْفُ ألْفِ سَريرٍ، مِن غيرِ جَوهرِ البيتِ، طولُه مَسِيرةُ ألْفِ عامٍ، وعرْضُه مَسيرةُ ألْفِ عامٍ، وطولُه في السَّماءِ مَسيرةُ خمسِ مئةِ عامٍ، عليه زَوجةٌ قد برَزَ كُمُّها مِن جانبيِ السَّريرِ عشْرينَ مِيلًا مِن كلِّ زاويةٍ، وهي أربعةُ زوايَا، وأشفارُ عينَيْها كجَناحِ النَّسْرِ، أو كقَواديمِ النُّسورِ، وحاجِباهَا كالهلالِ، عليها ثِيابٌ نبَتَتْ في جنَّاتِ عَدْنٍ، سُقياها مِن تَسنيمٍ، وزَهْرُها يَختطِفُ الأبصارَ دونَها. قال: وقال الحسنُ: لو برَزَتْ لأهلِ الدُّنيا لم يَرَها نَبيٌّ مُرسلٌ، ولا ملَكَ مُقرَّبٌ إلَّا فُتِنَ بحُسْنِها، بيْن يَدَيْ كلِّ امرأةٍ منهنَّ مئةُ ألْفِ جاريةٍ بِكْرٍ خدَمٌ سِوى خدَمِ زوجِها، وبيْن كلِّ سَريرٍ كُرسيٌّ مِن غيرِ جَوهرِ السَّريرِ، طولُه مِئةُ ألْفِ ذِراعٍ، على كلِّ سَريرٍ مِئةُ ألْفِ فِراشٍ، غِلَظُ كلِّ فِراشٍ كما بيْن السَّماءِ والأرضِ، وما بيْنهنَّ مَسيرةُ خمسِ مئةِ عامٍ، يَدخُلون الجنَّةَ قبْلَ الصِّدِّيقينَ والمُؤمنينَ بخمْسِ مئةِ عامٍ، يَفتضُّونَ العَذارى، وإذا دنَا مِن السَّريرِ تَطامَنَتْ له الفُرشُ حتَّى يَركَبَها، فيَعْلُو منها حيث شاء، فيتَّكِئُ تَكأَةً مع الحورِ العِينِ سَبعينَ سَنةً، فتُناديهِ أبْهى منها وأجمَلُ: يا عبدَ اللهِ، أمَا لنا منك دولةٌ؟ فيَلتفِتُ إليها فيقولُ: مَن أنتِ؟ فتقولُ: أنا مِن الَّذين قال اللهُ تعالى: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35]، ثمَّ تُناديهِ أبْهى منها وأجمَلُ مِن غُرفةٍ أُخرى: يا عبدَ اللهِ، أمَا لك فينا مِن حاجةٍ؟ فيقولُ: ما علِمْتُ مكانَكِ، فتقولُ: أومَا علِمْتَ أنَّ اللهَ تبارَكَ وتَعالى قال: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]؟ فيقولُ: بلى وربِّي. قال: فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فلعلَّه يَشتغِلُ عنها بعدَ ذلك أربعينَ عامًا، ما يَشْغَلُه عنها إلَّا ما هو فيه مِن النِّعمةِ واللَّذَّةِ، فإذا دخَلَ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّةَ ركِبَ شُهداءُ البحرِ قَراقيرَ مِن دُرٍّ في نَهرٍ مِن نُورٍ، مَجاديفُهم قُضبانُ اللُّؤلؤِ والمَرْجانِ والياقوتِ، تَرفَعُهم رِيحٌ تُسمَّى الزَّهراءَ في مَوجٍ كالجبالِ، إنَّما هو نورٌ يَتلألأُ، تلك الأمواجُ أهونُ في أعيُنِهم وأحلى عِندَهم مِن الشَّرابِ الباردِ في الزُّجاجةِ البيضاءِ عندَ أهْلِ الدُّنيا في اليومِ الصَّائفِ، وأيَّامُهم الَّذين كانوا في نَحْرِ أصحابِهم الَّذين كانوا في الدُّنيا، تُقَدَّمُ قَراقيرُهم مِن بيْن أصحابِهم ألْفَ ألْفِ سَنةٍ، وخمسَ مئةِ ألْفِ سَنةٍ، وخمسينَ ألْفَ سَنةٍ، ومَيمنَتُهم خلْفَهم على النِّصفِ مِن قُرْبِ أولئك مِن أصحابِهم، ومَيْسرتُهم مِثْلُ ذلك، وساقَتْهم الَّذين كانوا خلْفَهم في تلك القَراقيرِ مِن دُرٍّ، فبيْنما هم كذلك يَسيرون في ذلك النَّهرِ، إذ رفَعَتْهم تلك الأمواجُ إلى كُرسيٍّ بيْن يَدَيْ عرْشِ رَبِّ العِزَّةِ، فبيْنما هم كذلك إذ طلَعَتِ الملائكةُ عليهم يَضْفُون على خَدَمِ أهْلِ الجنَّة حُسنًا وبَهاءً وجَمالًا ونُورًا، كما يَضْفُون همْ على سائرِ أهْلِ الجنَّةِ بمَنازِلِهم عندَ اللهِ تبارَكَ وتعالى، فيَهُمُّ أحدُهم أنْ يَخِرَّ لبعضِ خُدَّامِهم مِن الملائكةِ ساجِدًا، فيقولُ: يا ولِيَّ اللهِ، إنَّما أنا خادمٌ، ونحن مئةُ ألْفِ قَهْرمانَ في جنَّاتِ عَدْنٍ، ومئةُ ألْفِ قَهْرمانَ في جنَّاتِ الفردوسِ، ومئةُ ألْفِ قَهْرمانَ في جنَّاتِ النَّعيمِ، ومئةُ ألْفِ قَهْرمانَ في جنَّةِ المأْوى، ومئةُ ألْفِ قَهْرمانَ في جنَّاتِ الخُلْدِ، ومئةُ ألْفِ قَهْرمانَ في جنَّاتِ الجَلالِ، ومئةُ ألْفِ قَهْرمان في جنَّاتِ السَّلامِ، كلُّ قَهْرَمانَ منهم على مِئةِ مدينةٍ، في كلِّ مدينةٍ مئةُ ألْفِ قصْرٍ، في كلِّ قصْرٍ مئةُ ألْفِ بيتٍ مِن ذهَبٍ وفِضَّةٍ، ودُرٍّ وياقوتٍ، وزَبَرْجَدٍ ولُؤلؤٍ، ونُورٍ، فيها أزواجُه وسُرَرُه وخُدَّامُه، لو أنَّ أدْناهُم رجُلًا نزَلَ به الثَّقلانِ الجِنُّ والإنسُ ومِثْلُهم معهم ألْفَ ألْفِ مرَّةٍ؛ لوَسِعَهم أدْنى قصْرٍ مِن قُصورِه ما شاء مِن النُّزلِ والخدَمِ، والفاكهةِ والثِّمارِ، والطَّعامِ والشَّرابِ، كلُّ قصْرٍ مُسْتغْنٍ بما فيه مِن هذه الأشياءِ على قَدْرِ سَعَتِهم جميعًا، لا يَحتاجُ إلى القصْرِ الآخرِ في شَيءٍ مِن ذلك، وإنَّ أدْناهم مَنزلةً الَّذي يَدخُلُ على اللهِ بُكرةً وعشيًّا، فيأْمُرُ له بالكرامةِ كلِّها، لم يَشتغِلْ حتَّى يَنظُرَ إلى وجْهِه الجميلِ تبارَكَ وتعالى
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
لا يريد أن يقتل ولا يقتلعينه اليسرى كوكب دريطلوع الشمس من المغربسهم الفارس والراجلالفرس في سبيل اللهعينه اليمنى ممسوحةوزن خردلة من إيمانخواتيم سورة البقرةالعلاء بن الحضرميقتل في سبيل اللهيسمع خفق نعالهمتفلة في بحر لجيأخرجهم من النارجاثون على الركبأنجاس الجاهليةبريطة من الجنةسلمة بن الأكوععامر بن الأكوعالمقام المحموددابة مثل النغفسبع من المثانيجابرسا وجابلقاخالد بن الوليدخرقة من الجنةأرحم الراحمينشجرة الحديبيةالمسيح الكذابالتوبة النصوحسنة رسول اللهالشهداء ثلاثةألف ألف مدينةياقوتة بيضاءتكفير الذنوبالعبد المؤمنالعبد الكافربيعة الرضوانالنسيم الطيبالسهم الواحديأجوج ومأجوجالشمس والقمرصابرا محتسباقوارير من درياقوت الجنةنفخة القيامأول قطرة دمريحان الجنةفعل الخيراتيوم القيامةالمسيح ينزلخاتم النبوةالتوحيد...زينة الجنةنفخة الفزعنفخة الصعقنفس مطمئنةعذاب القبرفتنة القبرنعيم القبرروح المؤمنروح الكافرعتقاء اللهنهر الحياةخفق النعالسؤال القبرخزنة الجنةأعمال البرغربي الشامخمسين صلاةباب التوبةاتقوا اللهما استطعتمشاهرا سيفهملك الموترؤية اللهمثقال ذرةغزوة خيبرسبيل اللهوجه يتهللشط الفراتخلق شمسينطاعة اللهكتاب اللهحور العينتاج الخلدالملائكةرياض خضرثور وحوترضا اللهعتق رقبةسنة حسنةسنة سيئةثلاث فرقالنفختينمقعد صدقالخطيئةبيان...أرجاسهاإسرافيلالشفاعةالشهداء
تخريج حديث شيء من الجنة
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








