﴿فكان﴾: كان: تأتي غالبا ناقصة للدلالة على الماضي؛ ولها ثلاث حالات: الأولى أن تكون من الأفعال التي ترفع الاسم وتنصب الخبر وتسمى حينئذ ناقصة. الثانية: أن تكتفي بالاسم وتسمى حينئذ تامة وتكون بمعنى "ثبت" أو بمعنى "وقع". الثالثة: أن تكون زائدة للتوكيد في وسط الكلام وآخره، ولا تزاد في أوله؛ فلا تعمل ولا تدل على حدث ولا زمان. ومن معانيها أنها تأتي بمعنى: صار. وبمعنى: الاستقبال. وبمعنى: الحال. وبمعنى: اتصال الزمان من غير انقطاع مثل {وكان الله غفورا رحيما} لم يزل على ذلك. «And was»
قوله - عز وجل - : ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) اختلفوا في معناه :أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن ابن الأشوع عن الشعبي عن مسروق قال : قلت لعائشة فأين قوله : " ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى " ؟ قالت : " ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجل ، وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته ، فسد الأفق " .أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا طلق بن غنام ، حدثنا زائدة عن الشيباني قال : سألت زرا عن قوله : " فكان قاب قوسين أو أدنى " ، قال : أخبرنا عبد الله - يعني ابن مسعود - أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - رأى جبريل له ستمائة جناح .فمعنى الآية : ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض " فتدلى " فنزل إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فكان منه " قاب قوسين أو أدنى " ، بل أدنى ، وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة ، قيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره : ثم تدلى فدنا؛ لأن التدلي سبب الدنو .وقال آخرون : ثم دنا الرب - عز وجل - من محمد - صلى الله عليه وسلم - فتدلى ، فقرب منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى . وروينا في قصة المعراج عن شريك بن عبد الله عن أنس : ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى . وهذا رواية ابن سلمة عن ابن عباس ، " والتدلي " هو النزول إلى الشيء حتى يقرب منه .وقال مجاهد : دنا جبريل من ربه .وقال الضحاك : دنا محمد - صلى الله عليه وسلم - من ربه فتدلى فأهوى للسجود ، فكان منه قاب قوسين أو أدنى .ومعنى قوله : " قاب قوسين " أي قدر قوسين ، و " القاب " و " القيب " و " القاد " و " القيد " : عبارة عن المقدار ، و " القوس " : ما يرمى به في قول الضحاك ومجاهد وعكرمة وعطاء عن ابن عباس ، فأخبر أنه كان بين جبريل وبين محمد عليهما السلام مقدار قوسين ، قال مجاهد : معناه حيث الوتر من القوس ، وهذا إشارة إلى تأكيد القرب . وأصله : أن الحليفين من العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء والعهد خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما ، يريدان بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما عن صاحبه .وقال عبد الله بن مسعود : " قاب قوسين " أي : قدر ذراعين ، وهو قول سعيد بن جبير وشقيق بن سلمة ، و " القوس " : الذراع يقاس بها كل شيء ، " أو أدنى " : بل أقرب .
﴿والمؤتفكة﴾: المؤتفكة: المقلوبة، والمراد قرى قوم لوط عليه السلام. «And the overturned cities»
" والمؤتفكة "، قرى قوم لوط، " أهوى "، أسقط أي: أهواها جبريل بعدما رفعها إلى السماء.
﴿فكذبوا﴾: كذبوا عبدنا: نسبوا إليه الكذب. «and they denied»
قوله - عز وجل - : ( كذبت قبلهم ) أي : قبل أهل مكة ( قوم نوح فكذبوا عبدنا ) نوحا ( وقالوا مجنون وازدجر ) أي : زجروه عن دعوته ومقالته بالشتم والوعيد ، وقالوا : " لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين " ( الشعراء - 116 ) وقال مجاهد : معنى : ازدجر أي : استطير جنونا .
﴿فكيف﴾: كيف: اسم للاستفهام وبيان الحال وهنا جاءت للدلالة على شدة العذاب. «So how»
( فكيف كان عذابي ونذر ) أي : إنذاري . قال الفراء : الإنذار والنذر مصدران ، تقول العرب : أنذرت إنذارا ونذرا ، كقولهم أنفقت إنفاقا ونفقة ، وأيقنت إيقانا ويقينا ، أقيم الاسم مقام المصدر .