أحاديث عن: فأمر فيه بالعفو
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: فأمر فيه بالعفو
أُتِيَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في قصاصٍ ، فأمرَ فيه بالعفوِ
حديث الفُتونِ [يعني حديث: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ لموسى عليهِ السلامُ : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا، فسألتُهُ عن الفُتُونِ ما هوَ ؟ قال : استأنِفِ النهارَ يا ابنَ جبيرٍ فإنَّ لها حديثًا طويلًا : فلمَّا أصبحتُ غدوتُ إلى ابنِ عباسٍ لأنتجزَ منهُ ما وعدني من حديثِ الفُتُونِ، فقال : تذاكَرَ فرعونُ وجلساؤُهُ ما كان اللهُ وعدَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ أن يجعلَ في ذريتِهِ أنبياءَ وملوكًا، فقال بعضهم : إنَّ بني إسرائيلَ ينتظرونَ ذلك، ما يَشُكُّونَ فيهِ، وكانوا يظنُّونَ أنَّهُ يوسفُ بنُ يعقوبَ، فلمَّا هلك قالوا : ليس هكذا كان وعدُ إبراهيمَ، فقال فرعونُ : فكيف تَرَوْنَ ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعثَ رجالًا معهم الشِّفَارُ، يطوفونَ في بني إسرائيلَ، فلا يجدونَ، مولودًا ذكرًا إلا ذبحوهُ، ففعلوا ذلك، فلمَّا رَأَوْا أنَّ الكبارَ من بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالهم، والصغارَ يُذْبَحُونَ، قالوا : يُوشِكُ أن تُفْنُوا بني إسرائيلَ، فتصيروا أن تُبَاشِرُوا من الأعمالِ والخدمةِ التي كانوا يَكْفُونَكُمْ، فاقتلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيَقِلُّ أبناؤهم، ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا، فيَشِبُّ الصغارُ مكان من يموتُ من الكبارِ، فإنَّهم لن يكثروا بمن تستحيونَ منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن يَفْنَوا بمن تقتلونَ وتحتاجونَ إليهم. فأَجْمَعُوا أمرهم على ذلك. فحملتْ أمُّ موسى بهارونَ في العامِ الذي لا يُذْبَحُ فيهِ الغلمانُ، فولدتْهُ علانيةً آمنةً. فلمَّا كان من قابلٍ حملتْ بموسى عليهِ السلامُ، فوقع في قلبها الهمُّ والحزنُ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ما دخل عليهِ في بطنِ أُمِّهِ ، ممَّا يُرادُ بهِ. فأوحى اللهُ إليها أن : وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فأمرها إذا ولدتْ أن تجعلَهُ في تابوتٍ ثم تُلْقِيهِ في اليمِّ . فلمَّا ولدتْ فعلتْ ذلك، فلمَّا تَوارَى عنها ابنها أتاها الشيطانُ، فقالت في نفسها : ما فعلتُ بابني، لو ذُبِحَ عندي فواريتُهُ وكفَّنتُهُ كان أحبُّ إليَّ من أن أُلْقِيهِ إلى دوابِّ البحرِ وحيتانِهِ. فانتهى الماءُ بهِ حتى أوفى بهِ عند فُرْضَةِ مُسْتَقَى جواري امرأةِ فرعونَ فلمَّا رأينَهُ أخذنَهُ فهممن أن يفتحْنَ التابوتَ فقال بعضهنَّ : إنَّ في هذا مالًا، وإنَّا إن فتحناهُ لم تُصَدِّقنا امرأةُ المَلِكِ بما وجدنا فيهِ، فحملنَهُ كهيئتِهِ لم يُخْرِجْنَ منهُ شيئًا حتى رفعنَهُ إليها. فلمَّا فتحتْهُ رأتْ فيهِ غلامًا، فأُلْقِي عليهِ منها محبةً لم يُلْقِ منها على أحدٍ قطُّ، وأصبحَ فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من ذِكْرِ كلِّ شيٍء، إلا من ذِكْرِ موسى. فلمَّا سمع الذبَّاحونَ بأمرِهِ، أقبلوا بشِفَارِهِمْ إلى امرأةِ فرعونَ ليذبحوهُ : وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ، فقالت لهم : أَقِرُّوهُ فإنَّ هذا الواحدَ لا يزيدُ في بني إسرائيلَ حتى آتي فرعونَ فأستوهبُهُ منهُ، فإن وهبَهُ لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمرَ بذبحِهِ لم أَلُمْكُمْ. فأتت فرعونَ فقالت قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ. فقال فرعونُ : يكونُ لكَ. فأمَّا لي فلا حاجةَ لي فيهِ : فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : والذي يُحْلَفُ بهِ لو أَقَرَّ فرعونُ أن يكونَ قرَّةَ عينٍ لهُ، كما أَقَرَّتْ امرأتُهُ، لهداهُ اللهُ كما هداها، ولكن حَرَمَهُ ذلك. فأرسلتْ إلى من حولها، إلى كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ لتختارَ لهُ ظِئْرًا، فجعل كلَّما أخذتْهُ امرأةٌ منهنَّ لتُرْضِعَهُ لم يُقْبِلْ على ثديها حتى أشفقتِ امرأةُ فرعونَ أن يمتنعَ من اللبنِ فيموتَ، فأحزنها ذلك، فأمرتْ بهِ فأُخْرِجَ إلى السوقِ ومجمعِ الناسِ، ترجو أن تجدَ لهُ ظِئْرًا تأخذُهُ منها، فلم يُقْبِلْ، وأصبحتْ أمُّ موسى والهًا، فقالت لأختِهِ : قُصِّي أَثَرَهُ واطلبيهِ، هل تسمعينَ لهُ ذِكْرًا، أحيٌّ ابني أم قد أكلتْهُ الدوابُّ ؟ ونَسِيَتْ ما كان اللهُ وعدها فيهِ، فبصرتْ بهِ أختُهُ عن جُنُبٍ وهم لا يشعرونَ – والجُنُبُ : أن يَسْمُو بصرُ الإنسانِ إلى شيٍء بعيدٍ، وهو إلى جنبِهِ، وهو لا يشعرُ بهِ – فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظؤراتُ : أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ. فأخذوها فقالوا ما يُدريكِ ؟ وما نُصْحُهُمْ لهُ ؟ هل يعرفونَهُ ؟ حتى شَكُّوا في ذلك، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ. فقالت : نُصْحُهُمْ لهُ وشفقتهم عليهِ رغبتهم في ظؤرةِ الملكِ، ورجاءَ منفعةِ الملكِ. فأرسلوها فانطلقتْ إلى أُمِّهَا، فأخبرتها الخبرَ. فجاءت أُمُّهُ، فلمَّا وضعتْهُ في حجرها نَزَا إلى ثديها فمَصَّهُ، حتى امتلأَ جنباهُ رِيًّا، وانطلقَ البُشَراءُ إلى امرأةِ فرعونَ يُبَشِّرونها : أن قد وجدنا لابنكِ ظِئْرًا. فأرسلتْ إليها، فأتتْ بها وبهِ، فلمَّا رأت ما يصنعُ بها قالت : امْكُثِي تُرْضِعِي ابني هذا، فإني لم أُحِبَّ شيئًا حُبَّهُ قطُّ. قالت أمُّ موسى : لا أستطيعُ أن أدعَ بيتي وولدي فيضيعُ، فإن طابت نفسكَ أن تُعطينِيهِ فأذهبُ بهِ إلى بيتي، فيكونُ معي لا آلوهُ خيرًا فعلتُ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي. وذكرتْ أمُّ موسى ما كان اللهُ وعدها فيهِ، فتعاسرتْ على امرأةِ فرعونَ ، وأيقنَتْ أنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وعدَهُ، فرجعتْ بهِ إلى بيتها من يومها، وأنبتَهُ اللهُ نباتًا حسنًا، وحَفِظَهُ لما قد قضى فيهِ. فلم يزل بنو إسرائيلَ، وهم في ناحيةِ القريةِ، ممتنعينَ من السخرةِ والظلمِ ما كان فيهم، فلمَّا ترعرعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأمِّ موسى : أَتُرِيني ابني ؟ فوَعَدَتْهَا يومًا تُرِيها إياهُ فيهِ، وقالت امرأةُ فرعونَ لخازنها وظؤرها وقَهَارِمَتِهَا لا يَبْقِيَنَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابني اليومَ بهديةٍ وكرامةٍ لأرى ذلك، وأنا باعثةٌ أمينًا يًحْصِي ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم، فلم تزلِ الهدايا والنِّحَلُ والكرامةُ تستقبلُهُ من حينِ خرج من بيتِ أُمِّهِ إلى أن دخل على امرأةِ فرعونَ ، فلمَّا دخل عليها نَحَلَتْهُ وأكرمتْهُ، وفرحت بهِ، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لحُسْنِ أثرها عليهِ، ثم قالت : لآتِيَنَّ بهِ فرعونَ فليَنْحَلَنَّهُ وليُكْرِمَنَّهُ، فلمَّا دخلت بهِ عليهِ جعلَهُ في حجرِهِ، فتناولَ موسى لِحْيَةَ فرعونَ يَمُدُّها إلى الأرضِ، فقال الغواةُ من أعداءِ اللهِ لفرعونَ : ألا ترى ما وعد اللهُ إبراهيمَ نبيَّهُ، إنَّهُ زعم أن يرثِكَ ويعلوكَ ويصرعكَ، فأرسلَ إلى الذَّبَّاحينَ ليذبحوهُ. وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ بعد كلِّ بلاءٍ ابْتُلِيَ بهِ، وأُريدَ بهِ. فجاءت امرأةُ فرعونَ فقالت : ما بدا لك في هذا الغلامِ الذي وهبتَهُ لي ؟ فقال : ألا تَرَيْنَهُ يزعمُ أنَّهُ يصرعني ويعلوني. فقالت : اجعلْ بيني وبينك أمرًا يُعْرَفُ فيهِ الحقُّ، ائتِ بجمرتيْنِ ولؤلؤتيْنِ، فقرِّبْهُنَّ إليهِ، فإن بطشَ باللؤلؤتيْنِ واجتنبْ الجمرتيْنِ فاعرفْ أنَّهُ يَعْقِلْ وإن تناولَ الجمرتيْنِ ولم يَرُدَّ اللؤلؤتيْنِ علمتَ أنَّ أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتيْنِ على اللؤلؤتيْنِ وهو يَعْقِلُ، فقَرَّبَ إليهِ، فتناولَ الجمرتيْنِ، فانتزعهما منهُ مخافةَ أن يحرقا يدَهُ، فقالت امرأةُ فرعونَ : ألا ترى ؟ فصرفَهُ اللهُ عنهُ بعد ما كان قد همَّ بهِ، وكان اللهُ بالغًا فيهِ أمرَهُ. فلمَّا بلغ أَشُدَّهُ وكان من الرجالِ، لم يكن أحدٌ من آلِ فرعونَ يخلصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيلَ معهُ بظلمٍ ولا سخرةٍ، حتى امتنعوا كلَّ الامتناعِ، فبينما موسى عليهِ السلامُ يمشي في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجليْنِ يقتتلانِ، أحدهما فرعونيٌّ والآخرُ إسرائيليٌّ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فغضب موسى غضبًا شديدًا، لأنَّهُ تناولَهُ وهو يعلمُ منزلتَهُ من بني إسرائيلَ وحِفْظِهِ لهم، لا يعلمُ الناسُ إلا أنما ذلك من الرضاعِ، إلا أمُّ موسى، إلا أن يكون اللهُ أطلعَ موسى من ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليهِ غيرُهُ. فوكزَ موسى الفرعونيَّ، فقتلَهُ وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ والإسرائيليُّ، فقال موسى حين قتلَ الرجلَ : هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. ثم قال : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فأصبحَ في المدينةِ خائفًا يترقَّبُ الأخبارَ، فأُتِيَ فرعونُ، فقيل لهُ : إنَّ بني إسرائيلَ قتلوا رجلًا من آلِ فرعونَ فخُذْ لنا بحَقِّنَا ولا تُرَخِّصْ لهم. فقال : أبغوني قاتِلَهُ، ومن يشهدُ عليهِ، فإنَّ الملكَ وإن كان صَفْوُهُ مع قومِهِ لا يستقيمُ لهُ أن يُقِيدَ بغيرِ بينَةٍ ولا ثَبْتٍ، فاطلبوا لي عِلْمَ ذلك آخُذُ لكم بحقكم. فبينما هم يطوفونَ ولا يجدون ثَبْتًا، إذا بموسى من الغدِ قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يُقاتِلُ رجلًا من آلِ فرعونَ آخرَ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادف موسى قد ندم على ما كان منهُ وكَرِهَ الذي رأى، فغضب الإسرائيليُّ وهو يريدُ أن يبطشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ لما فعل بالأمسِ واليومَ : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ. فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى بعد ما قال لهُ ما قال، فإذا هو غضبانٌ كغضبِهِ بالأمسِ الذي قتلَ فيهِ الفرعونيَّ فخاف أن يكون بعدما قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أن يكونَ إياهُ أرادَ، ولم يكن أرادَهُ، وإنَّما أرادَ الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ وقال : يا موسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ وإنما قالَهُ مخافةَ أن يكون إياهُ أراد موسى ليقتلَهُ، فتتاركا وانطلقَ الفرعونيُّ فأخبرهم بما سمع من الإسرائيليِّ من الخبرِ حين يقولُ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ فأرسل فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتلوا موسى، فأخذ رُسُلُ فرعونَ في الطريقِ الأعظمِ يمشونَ على هيئتهم يطلبونَ موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجلٌ من شيعةِ موسى من أقصى المدينةِ فاختصرَ طريقًا حتى سبقهم إلى موسى فأخبرَهُ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ. فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحوَ مَدْيَنَ لم يَلْقَ بلاءً قبل ذلك، وليس لهُ بالطريقِ علمٌ إلا حُسْنُ ظنِّهِ بربهِ عزَّ وجلَّ فإنَّهُ قال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ يعني بذلك حابستيْنِ غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتيْنِ لا تسقيانِ مع الناسِ ؟ قالتا : ليس لنا قوةٌ نُزاحِمُ القومَ وإنما ننتظرُ فُضُولَ حياضهم، فَسَقَى لهما فجعل يغترفُ في الدَّلْوِ ماءً كثيرًا حتى كان أولَ الرُّعَاءِ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليهِ السلامُ فاستظَلَّ بشجرةٍ وقال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ واستنكرَ أبوهما سرعةَ صدورهما بغنمهما حُفَّلًا بِطَانًا فقال : إنَّ لكما اليومَ لشأنًا، فأخبرتاهُ بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوهُ، فأتتْ موسى فدعتْهُ فلمَّا كلَّمَهُ قال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ليس لفرعونَ ولا لقومِهِ علينا سلطانٌ، ولسنا في مملكتِهِ، فقالت إحداهما : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مِنَ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فاحتملتْهُ الغِيرَةُ على أن قال لها : ما يُدْرِيكِ ما قوتُهُ وما أمانتُهُ ؟ قالت : أما قُوَّتُهُ فما رأيتُ منهُ في الدَّلْوِ حين سقى لنا، لم أَرَ رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السَّقْيِ منهُ، وأما الأمانةُ فإنَّهُ نظر إلي حينِ أقبلتْ إليهِ وشَخَصَتْ لهُ، فلمَّا علم أني امرأةٌ صَوَّبَ رأسَهُ فلم يرفعْهُ حتى بَلَّغْتُهُ رسالتكَ، ثم قال لي : امشي خلفي وانْعُتِي لي الطريقَ، فلم يفعل هذا إلا وهو أمينٌ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقها وظَنَّ بهِ الذي قالت، فقال لهُ : هل لكَ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ففعل فكانت على نبيِّ اللهِ موسى ثماني سنينَ واجبةً وكانت سَنَتَانِ عِدَةً منهُ فقضى اللهُ عنهُ عِدَتَهُ فأَتَمَّها عشرًا. قال سعيدٌ هو ابنُ جبيرٍ : فلَقِيَنِي رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ من علمائهم قال : هل تدري أيُّ الأجلَيْنِ قضى موسى ؟ قلتُ : لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقيتُ ابنَ عباسٍ فذكرتُ ذلك لهُ فقال : أما علمتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ واجبةً لم يكن لنبيٍّ أن يَنْقُصَ منها شيئًا، ويعلمُ أنَّ اللهَ كان قاضيًا عن موسى عِدَتَهُ التي وعدَهُ فعِدَتُهُ التي وعدَهُ فإنَّهُ قضى عشرَ سنينَ، فلقيتُ النصرانيَّ فأخبرتُهُ ذلك فقال : الذي سألتَهُ فأخبركَ أعلمُ منكَ بذلك قلتُ : أجل وأَوْلَى. فلمَّا سار موسى بأهلِهِ كان من أمرِ النارِ والعصا ويدِهِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القرآنِ، فشكا إلى اللهِ تعالى ما يَتَخَوَّفُ من آلِ فرعونَ في القتيلِ وعُقْدَةِ لسانِهِ، فإنَّهُ كان في لسانِهِ عُقْدَةً تمنعُهُ من كثيرٍ من الكلامِ، وسأل ربهُ أن يُعِينَهُ بأخيهِ هارونَ يكونُ لهُ رِدْءًا ويتكلَّمُ عنهُ بكثيرٍ مما لا يُفْصِحُ بهِ لسانُهُ، فآتاهُ اللهُ سُؤْلَهُ وحلَّ عقدةً من لسانِهِ وأوحى اللهُ إلى هارونَ وأَمَرَهُ أن يلقاهُ، فاندفع موسى بعصاهُ حتى لَقِيَ هارونَ عليهما السلامُ فانطلقا جميعًا إلى فرعونَ فأقاما على بابِهِ حينًا لا يُؤْذَنُ لهما، ثم أُذِنَ لهما بعد حجابٍ شديدٍ فقالا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ قال : فمن ربكما ؟ فأخبرَهُ بالذي قَصَّ اللهُ عليكَ في القرآنِ، قال : فما تريدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القتيلَ فاعتذرَ بما قد سمعتَ، قال : أريدً أن تُؤْمِنَ باللهِ وتُرْسِلَ معيَ بني إسرائيلَ، فأَبَى عليهِ وقال ائْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فألقى عصاهُ فإذا هي حيَّةٌ تسعى عظيمةٌ فاغِرَةٌ فاها مسرعةٌ إلى فرعونَ ، فلمَّا رآها قاصدةً إليهِ خافها فاقتحمَ عن سريرِهِ واستغاثَ بموسى أن يَكُفَّهَا عنهُ ففعلَ، ثم أخرج يدَهُ من جيبِهِ فرآها بيضاءَ من غيرِ سوءٍ يعني من غيرِ بَرَصٍ ثم رَدَّهَا فعادت إلى لونها الأولِ، فاستشار الملأَ حولَهُ فيما رأى، فقالوا لهُ : هَذَانِ سَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى يعني مُلْكَهُمْ الذي هم فيهِ والعيشِ، وأَبَوْا على موسى أن يُعْطُوهُ شيئًا ممَّا طلبَ، وقالوا لهُ : اجمعْ لهما السحرةَ فإنَّهم بأرضكَ كثيرٌ حتى تَغْلِبَ بسحركَ سحرهما، فأرسلَ إلى المدائنِ فحُشِرَ لهُ كلُّ ساحرٍ متعالمٍ، فلمَّا أَتَوْا فرعونَ قالوا : بم يعملُ هذا الساحرُ ؟ قالوا : يعمل بالحَيَّاتِ، قالوا : فلا واللهِ ما أَحَدٌ في الأرضِ يعملُ بالسحرِ بالحَيَّاتِ والحبالِ والعِصِيِّ الذي نعملُ، وما أَجْرُنَا إن نحنُ غَلَبْنَا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصَّتي، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيٍء أحببتم، فتواعدوا يومَ الزينةِ وأنْ يُحْشَرَ الناسُ ضحىً، قال سعيدُ بنُ جبيرٍ : فحدَّثني ابنُ عباسٍ أنَّ يومَ الزينةَ الذي أظهرَ اللهُ فيهِ موسى على فرعونَ والسحرةَ هو يومُ عاشوراءَ. فلمَّا اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ قال الناسُ بعضهم لبعضٍ : انطلقوا فلنحضر هذا الأمرَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ يعنون موسى وهارونَ استهزاءً بهما، فقالوا : يا موسى لقدرتهم بسحرهم إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ: بَلْ أَلْقُوا فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فرأى موسى من سحرهم ما أوجسَ في نفسِهِ خيفةً، فأوحى اللهُ إليهِ أن أَلْقِ عصاكَ، فلمَّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمةً فاغِرَةً فاها، فجعلتِ العِصِيُّ تلتبسُ بالحبالِ حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبانِ، تدخلُ فيهِ، حتى ما أبقت عصًا ولا حبالًا إلا ابتلعتْهُ، فلمَّا عرفتِ السحرةُ ذلك قالوا، لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كلَّ هذا، ولكنَّهُ أمرٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ، آمَنَّا باللهِ وبما جاء بهِ موسى، ونتوبُ إلى اللهِ ممَّا كُنَّا عليهِ، فكسرَ اللهُ ظهرَ فرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِهِ، وظَهَرَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وامرأةُ فرعونَ بارزةٌ متبذلةٌ تدعو اللهَ بالنصرِ لموسى على فرعونَ وأشياعِهِ، فمن رآها من آلِ فرعونَ ظنَّ أنَّها إنما ابتُذِلَتْ للشفقةِ على فرعونَ وأشياعِهِ، وإنَّما كان حزنها وهَمُّها لموسى. فلمَّا طال مُكْثُ موسى بمواعيدِ فرعونَ الكاذبةِ، كلَّما جاء بآيةٍ وعدَهُ عندها أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ، فإذا مَضَتْ أخلفَ موعدَهُ وقال : هل يستطيعُ ربكَ أن يصنعَ غيرَ هذا ؟ فأرسلَ اللهُ على قومِهِ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقَمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ، كلُّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلبُ إليهِ أن يَكُفَّها عنهُ، ويُوَاثِقُهُ على أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ، فإذا كَفَّ ذلك عنهُ أخلفَ موعدَهُ، ونكث عهدَهُ. حتى أمرَ اللهُ موسى بالخروجِ بقومِهِ فخرج بهم ليلًا، فلمَّا أصبح فرعونُ ورأى أنهم قد مَضَوْا أَرْسَلَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، فتبعَهُ بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللهُ إلى البحرِ : إذا ضربكَ عبدي موسى بعصاهُ فانفلِقْ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً، حتى يجوزَ موسى ومن معهُ، ثم التَقِ على من بَقِيَ بعد من فرعونَ وأشياعِهِ. فنسيَ موسى أن يضربَ البحرَ بالعصا وانتهى إلى البحرِ ولهُ قصيفٌ، مخافةَ أن يضربَهُ موسى بعصاهُ وهو غافلٌ فيصيرُ عاصيًا للهِ. فلمَّا تراءى الجَمْعَانِ وتقاربا قال أصحابُ موسى : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، افعلْ ما أمركَ بهِ ربكَ، فإنَّهُ لم يَكْذِبْ ولم تَكْذِبْ. قال : وعدني أن إذا أتيتُ البحرَ انْفَرَقَ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً، حتى أُجَاوِزُهُ : ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحرَ بعصاهُ حين دنا أوائلُ جُنْدِ فرعونَ من أواخرِ جُنْدِ موسى، فانفرقَ البحرُ كما أمرَهُ ربهُ وكما وعد موسى فلمَّا أن جاز موسى وأصحابُهُ كلُّهم البحرَ، ودخل فرعونُ وأصحابُهُ، التقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ فلمَّا جاوزَ موسى البحرَ قال أصحابُهُ : إنَّا نخافُ أن لا يكون فرعونُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بهلاكِهِ. فدعا ربهُ فأخرجَهُ لهُ ببدنِهِ حتى استيقنوا بهلاكِهِ. ثم مَرُّوا بعد ذلك عَلَى قَوْمٍ يَعْكِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قد رأيتم من العِبَرِ وسمعتم ما يكفيكم ومضى. فأنزلهم موسى منزلًا وقال : أطيعوا هارونَ فإني قد استخلفتُهُ عليكم، فإني ذاهبٌ إلى ربي. وأَجَّلَهُمْ ثلاثينَ يومًا أن يرجعَ إليهم فيها، فلمَّا أتى ربهُ وأرادَ أن يُكَلِّمَهُ في ثلاثينَ يومًا وقد صامهُنَّ ليلهُنَّ ونهارهُنَّ، وكَرِهَ أن يُكَلِّمَ ربهُ وريحُ فيهِ، ريحُ فمِ الصائمِ، فتناولَ موسى من نباتِ الأرضِ شيئًا فمضغَهُ، فقال لهُ ربهُ حين أتاهُ : لم أفطرتَ ؟ وهو أعلمُ بالذي كان : قال : يا ربِّ، إني كرهتُ أن أُكَلِّمَكَ إلا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ. قال : أوما علمتَ يا موسى أنَّ رِيحَ فمِ الصائمِ أطيبُ من ريحِ المِسْكِ، ارجع فصُمْ عشرًا ثم ائتني. ففعل موسى عليهِ السلامُ ما أُمِرَ بهِ، فلمَّا رأى قومُ موسى أنَّهُ لم يرجع إليهم في الأَجَلِ، ساءهم ذلك : وكان هارونُ قد خطبهم وقال : إنَّكم قد خرجتم من مصرَ، ولقومِ فرعونَ عندكم عَوَارِيَ وودائعُ، ولكم فيهم مثلُ ذلك ولا ممسكيهِ لأنفسنا، فحفرَ حفيرًا، وأمر كلَّ قومٍ عندهم من ذلك من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أن يقذفوهُ في ذلك الحفيرِ، ثم أوقدَ عليهِ النارَ فأحرقَهُ، فقال : لا يكونُ لنا ولا لهم. وكان السامريُّ من قومٍ يعبدونَ البقرَ، جيرانٌ لبني إسرائيلَ، ولم يكن من بني إسرائيلَ، فاحتملَ مع موسى وبني إسرائيلَ حينَ احتملوا، فقضى لهُ أن رأى أَثَرًا فقبضَ منهُ قبضةً، فمرَّ بهارونَ، فقال لهُ هارونُ عليهِ السلامُ : يا سامريُّ، ألا تُلْقِي ما في يدكَ ؟ وهو قابضٌ عليهِ، لا يراهُ أحدٌ طُوَالَ ذلكَ، فقال : هذهِ قبضةٌ من أَثَرِ الرسولِ الذي جاوزَ بكمُ البحرَ، ولا أُلْقِيهَا لشيٍء إلا أن تدعو اللهَ إذا ألقيتُهَا أن يكونَ ما أُريدُ. فألقاها، ودعا لهُ هارونُ، فقال : أُريدُ أن يكونَ عِجْلًا. فاجتمعَ ما كان في الحفيرةِ من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أو نحاسٍ أو حديدٍ، فصار عِجْلَا أجوفَ ، ليس فيهِ روحٌ، ولهُ خُوَارٌ قال ابنُ عباسٍ : لا واللهِ، ما كان لهُ صوتٌ قطُّ، إنَّما كانت الريحُ تدخُلُ في دُبُرِهِ وتخرجُ من فيهِ، فكان ذلك الصوتَ من ذلكَ. فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا، فقالت فِرْقَةٌ : يا سامريُّ، ما هذا ؟ وأنتَ أعلمُ بهِ. قال : هذا ربكم، ولكن موسى أَضَلَّ الطريقَ. وقالت فِرْقَةٌ : لا نُكَذِّبُ بهذا حتى يرجعَ إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضَيَّعْنَاهُ وعجزنا فيهِ حين رأيناهُ، وإن لم يكن ربنا فإنَّا نَتَّبِعُ قولَ موسى، وقالت فِرْقَةٌ : هذا عملُ الشيطانِ، وليس بربنا ولا نُؤْمِنُ بهِ ولا نُصَدِّقُ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قلوبهم الصدقَ بما قال السامريُّ في العِجْلِ، وأعلنوا التكذيبَ بهِ، فقال لهم هارونُ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكَمُ الرَّحْمَنُ. قالوا : فما بالُ موسى وعدنا ثلاثينَ يومًا ثم أخلفنا ؟ هذهِ أربعونَ يومًا قد مضتْ ؟ وقال سفهاؤهم : أخطأَ ربُّهُ فهو يطلبُهُ ويَتْبَعُهُ. فلمَّا كلَّمَ اللهُ موسى وقال لهُ ما قال : أَخْبَرَهُ بما لَقِيَ قومُهُ من بعدِهِ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا فقال لهم ما سمعتم في القرآنِ، وأخذ برأسِ أخيهِ يَجُرُّهُ إليهِ، وألقى الألواحَ من الغضبِ، ثم إنَّهُ عذرَ أخاهُ بعذرِهِ، واستغفرَ لهُ، وانصرفَ إلى السامريِّ فقال لهُ : ما حملكَ على ما صنعتَ ؟ قال : قَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، وفطنتُ لها وعميتْ عليكم، فقذفتها وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منهُ، فاستيقنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ، واغتُبِطَ الذين كان رأيهم فيهِ مثلَ رأي هارونَ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى، سَلْ لنا ربكَ أن يفتحَ لنا بابَ توبةٍ نصنعها، فيُكَفِّرْ عنَّا ما عملنا. فاختارَ موسى قومَهُ سبعينَ رجلًا لذلك، لا يَأْلُو الخيرَ، خيارَ بني إسرائيلَ، ومن لم يُشْرِكْ في العِجْلِ، فانطلقَ بهم يسألُ لهمُ التوبةَ، فرجفتْ بهمُ الأرضَ، فاستحيا نبيُّ اللهِ من قومِهِ ومن وفدِهِ حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ، فقال : ربِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا وفيهم من كان اطَّلَعَ اللهُ منهُ على ما أُشْرِبَ قلبُهُ من حُبِّ العِجْلِ وإيمانٍ بهِ فلذلك رجفتْ بهمُ الأرضُ فقال : رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فقال : يا ربِّ سألتُكَ التوبةَ لقومي، فقلتَ : إنَّ رحمتي كتبتُهَا لقومٍ غيرِ قومي فليتَكَ أَخَّرْتَنِي حتى تُخْرِجَنِي في أُمَّةِ ذلك الرجلِ المرحومةِ، فقال لهُ : إنَّ توبتهم أن يَقْتُلَ كلُّ رجلٍ منهم من لَقِيَ من والدٍ وولدٍ فيقتلُهُ بالسيفِ ولا يُبَالِي من قتلَ في ذلك الموطنِ وتاب أولئكَ الذين كان خَفِيَ على موسى وهارونَ واطَّلَعَ اللهُ من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أُمِرُوا وغفرَ اللهُ للقاتلِ والمقتولِ. ثم سار بهم موسى عليهِ السلامُ مُتَوَجِّهًا نحوَ الأرضِ المقدسةِ، وأخذ الألواحَ بعد ما سكتَ عنهُ الغضبُ فأمرهم بالذي أُمِرَ بهِ أن يُبَلِّغَهُمْ من الوظائفِ، فثَقُلَ ذلك عليهم وأَبَوْا أن يُقِرُّوا بها، فنَتَقَ اللهُ عليهمُ الجبلَ كأنَّهُ ظُلَّةٌ ودنا منهم حتى خافوا أن يقعَ عليهم فأَخَذُوا الكتابَ بأيمانهم وهم مُصْغُونَ ينظرونَ إلى الجبلِ والكتابُ بأيديهم، وهم من وراءِ الجبلِ مخافةَ أن يقعَ عليهم، ثم مَضَوْا حتى أَتَوْا الأرضَ المقدسةَ فوجدوا مدينةً فيها قومٌ جَبَّارُونَ خَلْقُهُمْ خَلْقٌ مُنْكَرٌ، وذكروا من ثمارهم أمرًا عجيبًا من عِظَمِهَا، فقالوا : يا موسى إنَّ فيها قومًا جَبَّارِينَ لا طاقةَ لنا بهم، ولا ندخلها ماداموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلونَ، قال رجلانِ من الذينَ يخافونَ قيل ليزيدٍ : هكذا قرأَهُ ؟ قال : نعم، من الجَبَّارِينَ آمَنَّا بموسى، وخرجا إليهِ فقالوا : نحنُ أعلمُ بقومنا إن كنتم إنَّما تخافونَ ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنَّهم لا قلوبَ لهم ولا مَنَعَةَ عندهم فادخلوا عليهمُ البابَ فإذا دخلتموهُ فإنَّكم غالبونَ، ويقولُ أُناسٌ : إنَّهم من قومِ موسى، فقال الذينَ يخافونَ بنو إسرائيلَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقينَ، ولم يَدْعُ عليهم قبلَ ذلك، لِمَا رأى منهم المعصيةَ وإساءتهم حتى كان يومئذٍ، فاستجاب اللهُ لهُ وسمَّاهم كما سمَّاهم فاسقينَ، فحرَّمَهَا عليهم أربعينَ سَنَةً يتيهونَ في الأرضِ، يُصْبِحُونَ كلَّ يومٍ فيسيرونَ ليس لهم قرارٌ ثم ظَلَّلَ عليهمُ الغمامَ في التِّيهِ وأنزلَ عليهمُ المَنَّ والسلوى وجعل لهم ثيابًا لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخُ، وجعل بين ظهرانيهم حَجَرًا مُرَبَّعًا وأمرَ موسى فضربَهُ بعصاهُ فانفجرتْ منهُ اثنتا عشرةَ عينًا في كلِّ ناحيةٍ ثلاثُ أعينٍ، وأعلمَ كلَّ سِبْطٍ عَيْنُهُمُ التي يشربونَ منها فلا يرتحلونَ من مَنْقَلَةٍ إلا وجدوا ذلك الحَجَرَ معهم بالمكانِ الذي كان فيهِ بالأمسِ]
3
✔ صحيح📌 لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه
سألْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما عن قولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لموسى صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40]، فسألْتُه عن الفُتونِ؟ فقال: استأنِفِ النَّهارَ يا ابنَ جُبيرٍ؛ فإنَّ لها حديثًا طويلًا. قال: فغدوْتُ على ابنِ عبَّاسٍ لأنتجِزَ ما وَعَدني مِن حديثِ الفُتونِ، فقال: تذاكَرَ فِرعونُ وجُلساؤُه ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أنْ يجعَلَ في ذُرِّيتَه أنبياءَ ومُلوكًا؛ فقال بعضُهم: إنَّ بني إسرائيلَ لينتظِرونَ ذلك ما يشُكُّون فيه، وقد كانوا يظنُّونَ أنَّه يُوسفُ بنُ يعقوبَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فلمَّا هلَكَ قالوا: ليس هكذا كان، إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال فِرعونُ: فكيف تَرَونَ؟ فائْتَمَروا، واجتمَعوا أمْرَهم على أنْ يبعَثَ رِجالًا بالشِّفارِ، يَطُوفون في بني إسرائيلَ، فلا يَجِدون مولودًا ذكَرًا إلَّا ذَبَحوه، ففَعَلوا ذلك، فلمَّا أنْ رَأَوا أنَّ الكبارَ في بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالِهم، والصِّغارَ يُذْبَحونَ، قالوا: أتوشِكونَ أنْ تُفْنوا بني إسرائيلَ، فتَصيروا إلى أنْ تُباشِروا مِن الأعمالِ والخدمةِ الَّتي كانوا يَكْفُونكم؟ فاقْتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيقِلَّ نَباتُهم، ودَعُوا عامًا، فلا تَقْتلوا منهم أحدًا، فيشِبَّ الصِّغارُ مكانَ مَن يموتُ مِن الكبارِ، فإنَّهم لنْ يَكْثروا بمَن تَسْتحيون، فتخافوا مُكاثرتَهم إياكم، ولنْ يَفْنَوا بمَن تقتُلونَ، فتحتاجونَ إليهم، فأجْمَعوا أمْرَهم على ذلك، فحمَلَت أُمُّ موسى بهارونَ عليهما السَّلامُ العامَ الَّذي لا يُذْبَحُ فيه الغِلمانُ، فولدَتْه عَلانيةً، فلمَّا كان مِن قابلٍ حمَلَتْ بمُوسى عليه السَّلامُ، فوقَعَ في قلْبِها مِن الهَمِّ والحزنِ. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، ما دخَلَ عليه في دهو بَطْنِ أُمِّه ممَّا يُرادُ به، فأوحَى اللهُ تعالى إليها: {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7]، وأمَرَها أنْ إذا ولَدَتْ أنْ تجعَلَه في تابوتٍ، ثمَّ تُلْقِيه في اليمِّ، فلمَّا ولَدَت فعَلَت ذلك به، فألْقَته في اليمِّ، فلمَّا توارى عنها ابنُها أتاها الشَّيطانُ، فقالت في نفْسِها: ما فعَلْتُ بابني؟! لو ذُبِحَ لبِثَ عندي فرأيْتُه وكفَّنْتُه، كان أحَبَّ إليَّ مِن أنْ أُلْقِيَه بيدي إلى دوابِّ البحرِ وحِيتانِه، وانتهى الماءُ به حتَّى أرفَأَ به عند فُرْضَةُ مُسْتَقى جواري امرأةِ فِرعونَ، فلمَّا رأيْنَه أخذْنَه، فهمَمْنَ أنْ يفتحْنَ التَّابوتَ، فقالت بعضُهنَّ: إنَّ في هذا مالًا، وإنَّا إنْ فتحْناه لم تُصدِّقْنا امرأةُ الملِكِ بما وجَدْنا فيه، فحمَلْنَه بهيئةٍ لم يُحرِّكْنَ منه شيئًا، دفعْنَه إليها، فلمَّا فتحَتْه رأتْ فيه غُلامًا، فأُلْقِيَ عليه منها محبَّةٌ لم تُلْقَ مثْلُها على البشَرِ قطُّ، وأصبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فارغًا مِن ذِكْرِ كلِّ شَيءٍ إلَّا مِن ذِكْرِ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا سمِعَ الذَّابِحونَ بأمْرِه أقبلوا بشِفارِهم إلى امرأةِ فرعونَ ليذبَحُوه -وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت للذَّبَّاحينَ: أقِرُّوه؛ فإنَّ هذا الواحدَ لا يَزيدُ في بني إسرائيلَ حتَّى آتِيَ فِرعونَ فأسْتَوْهِبَه منه، فإنْ وهَبَه لي كنْتُم قد أحسنْتُم وأجمَلْتُم، وإنْ أمَرَ بذبْحِه لم أَلُمْكم، فأتَتْ به فرعونَ، فقالت: قُرَّةُ عينٍ لي ولك، قال فِرعونُ: يكونُ لك، فأمَّا لي فلا حاجةَ لي في ذلك. قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: والَّذي أحلِفُ به، لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه، ولكنَّ اللهَ حرَمَه ذلك. فأرسَلَتْ إلى مَن حولَها، مِن كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ، تختارُ لها ظِئرًا، فجعَلَ كلَّما أخذَتْه امرأةٌ منهنَّ، فترُضِعُه، لم يَقْبَلْ ثَدْيَها، حتَّى أشفَقَت عليه امرأةُ فِرعونَ أنْ يَمتنِعَ مِن اللَّبنِ فيموتَ، فأحْزَنَها ذلك، فأمرَتْ به، فأُخْرِجَ إلى السُّوقِ وتجمَّعَ النَّاسُ، تَرْجو أنْ تجِدَ له ظِئرًا يأخُذُ منها، فلم يَقْبَلْ، وأصبَحَتْ أُمُّ موسى والهةً، فقالت لأُخْتِه: قُصِّيه -يعني: أثَرَهُ- واطْلُبِيه، هل تسمعينَ له ذِكْرًا؟ أحيٌّ ابْني أمْ قد أكلَتْه الدَّوابُّ؟ ونسِيَت ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها فيه، فبَصُرتْ به أختُه عن جُنُبٍ وهم لا يَشعُرونَ، والجُنُبُ: أنْ يبصِرَ الإنسانُ إلى الشَّيءِ البعيدِ وهو إلى جَنْبِه لا يشعُرُ به، فقالت مِن الفرحِ حين أعياهم الظُّؤارتُ: أنا {أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12]، فأخَذُوها فقالوا: ما يُدريك ما نُصْحُهم له؟ هل يعرِفونَه؟ حتَّى شكُّوا في ذلك -فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت: نصيحَتُهم له وشفقَتُهم عليه رغبةً في صِهر الـمَلِك، ورجاءَ مَنفعتِه، فأرْسَلوها، فانطلَقَتْ إلى أُمِّها فأخبرتْها الخبرَ، فجاءتْ أُمُّه، فلمَّا وضعَتْه في حِجْرِها، نزَا إلى ثَدْيِها، فمَصَّه حتَّى امتلَأَ جَنباهُ رِيًّا، وانطلَقَ البشيرُ إلى امرأةِ فرعونَ: أنْ قد وجَدْنا لابْنِك، فأرسَلَتْ إليها، فأُوتِيتْ بها وبه، فلمَّا رأت ما يصنَعُ، قالت لها: امْكُثي عندي؛ تُرْضِعي ابني هذا، فإنِّي لم أحجِبْه شيئًا قطُّ، فقالت أُمُّ مُوسى: لا أستطيعُ أنْ أدَعَ بيتي وولدي، فيَضيعَ، فإنْ طابتْ نفْسُك أنْ تُعْطِيَنه، فأذهَبَ به إلى مَنْزلي، فيكونَ معي لا آلوهُ خيرًا، فعلْتُ، وإلَّا فإنِّي غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي، وذكَرَت أُمُّ مُوسى عليه السَّلامُ ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فتعاسَرَت على امرأةِ فرعونَ، وأيقنَتْ بأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يُنْجِزُ موعودَه، فرجَعَتْ إلى بيتِها بابنِها مِن يومِها، فأنبَتَه اللهُ نباتًا حسنًا، وحفِظَه لِمَا قد قَضى فيه، فلم يزَلْ بنو إسرائيلَ وهم في ناحيةِ القريةِ مُمْتنعينَ يَمْتنعونَ به مِن السُّخرةِ ما كان فيهم. فلمَّا تَرعرَعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأُمِّ مُوسى: أريدُ أنْ تُرِيني ابني، فوعَدَتْها يومًا تُرِيها فيه إيَّاه، فقالتِ امرأةُ فِرعونَ لخُزَّانِها، وظُؤورتِها، وقَهارِمَتِها: لا يَبْقينَّ أحدٌ منكم إلَّا استقبَلَ ابني اليومَ بهَديَّةٍ وكَرامةٍ؛ لِأَرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أمينًا يُحْصِي ما يصنَعُ كلُّ إنسانٍ منكم، فلم تَزَلِ الهدايا والكرامةُ والنِّحلةُ، تَستقبِلُه مِن حينِ خرَجَ مِن بيتِ أُمِّه إلى أنْ دخَلَ على امرأةِ فرعونَ، فلمَّا دخَلَ عليها بجَّلَتْه، وأكرمَتْه، وفرِحَت به، وأعجَبَها، ونحَلَت أُمَّه؛ لحُسْنِ أثَرِه، ثمَّ قالت: لآتيَنَّ به فِرعونَ، فليَنْحَلَنَّه، وليُكْرِمَنَّه، فلمَّا دخَلَتْ به عليه، جعَلَه في حِجْرِه، فتناوَلَ مُوسى لِحيةَ فرعونَ، فمَدَّها إلى الأرضِ، فقال الغواةُ مِن أعداءِ اللهِ لفرعونَ: ألَا ترى إلى ما وعَدَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إبراهيمَ نَبِيَّه عليه السَّلامُ أنَّه يرِثُك، ويَعْلوك، ويصرَعُك، فأرسَلَ إلى الذَّبَّاحينَ، وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، بعدَ كلِّ بلاءٍ ابتُلِيَ به، أو أُرِيدَ به فُتونًا. فجاءت امرأةُ فِرعونَ تَسْعى إلى فرعونَ، فقالت: ما بدا لك في هذا الغلامِ الَّذي وهَبْتَه لي؟ قال: ألَا تَرَيْنَه يزعُمُ أنَّه يصرَعُني ويَعْلوني؟ قالت: اجْعَلْ بيني وبينك أمرًا تعرِفُ فيه الحقَّ؛ ائْتِ بجَمْرتينِ ولُؤلؤتَينِ، فقَرِّبْهما إليه، فإنْ بطَش باللُّؤلؤتَينِ واجتنَبَ الجَمْرتينِ، عرَفْتَ أنَّه يعقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرتَينِ ولم يُرِدِ اللُّؤلؤتَينِ، علِمْتَ أنَّ أحدًا لا يُؤثِرُ الجَمرتينِ على اللُّؤلؤتينَ وهو يعقِلُ، فقُرِّبَ ذلك إليه، فتناوَلَ الجَمرتَينِ، فانْتَزَعوهما مِن يَدِه، وخافت أنْ يحرِقَا يدَيْه، فقالت المرأةُ: ألَا ترى؟! فصرَفَه اللهُ عنه بعدما كان قد هَمَّ به، وكان الله عَزَّ وجَلَّ بالغًا فيه أمْرَه. فلمَّا بلَغَ أشُدَّه وصار مِن الرِّجالِ، لم يكُنْ أحدٌ مِن آلِ فِرعونَ يخلُصُ إلى أحدٍ مِن بني إسرائيلَ معه بظُلمٍ، ولا يخرُجُ حتَّى امْتَنعوا كلَّ الامتناعِ. فبينما مُوسى عليه السَّلامُ يَمْشي في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجُلينِ يَقْتتلانِ؛ أحدُهما فرعونيٌّ، والآخرُ إسرائيليٌّ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فغضِبَ مُوسى عليه السَّلامُ غضبًا شديدًا؛ لأنَّه تناوَلَ وهو يعلَمُ منزلةَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن بَني إسرائيلَ، وحِفْظَه لهم، لا يعلَمُ النَّاسُ إلَّا إنَّما ذلك مِن الرَّضاعِ إلَّا أُمُّ مُوسى، إلَّا أنْ يكونَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أَطْلَعَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليه غيرَه. فوكَزَ مُوسى عليه السَّلامُ الفرعونيَّ، فقتَلَه، وليس يراهما أحدٌ إلَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فقال مُوسى عليه السَّلامُ حين قتَلَ الرَّجلَ: هذا مِن عمَلِ الشَّيطانِ؛ إنَّه عدُوٌّ مُضِلٌّ مُبينٌ، ثمَّ قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ}، إلى قولِه: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16]. {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18] الأخبارَ، فأُتِيَ فِرعونُ فقيلَ: إنَّ بني إسرائيلَ قد قتَلَتْ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحَقِّنا، ولا تُرخِّصْ لهم، فقال: ابْغُوني قاتِلَه ومَن شهِدَ عليه؛ فإنَّ الملِكَ وإنْ كان صَفْوُه مع قومِه، لا يستقيمُ له أنْ يُقِيدَ بغيرِ بيِّنةٍ، ولا ثَبَتٍ، فانْظُروا في عِلْمِ ذلك آخُذْ لكم بحَقِّكم، فبينا هم يَطوفونَ لا يَجِدونَ شيئًا، إذا موسى عليه السَّلامُ قد رأى في الغدِ ذلك الإسرائيليَّ يقتُلُ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ آخرَ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادَفَ مُوسى عليه السَّلامُ قد ندِمَ على ما كان منه، فكَرِهَ الَّذي رأى، فغضِبَ الإسرائيليُّ وهو يُريدُ أنْ يبطِشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ -لِمَا فعَلَ أمسِ واليومَ-: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص: 18]. فنظَرَ الإسرائيليُّ إلى مُوسى عليه السَّلامُ بعدما قال له ما قال، فإذا هو غضبانُ كغضَبِه بالأمسِ الَّذي قتَلَ به الفرعونيَّ، فخاف أنْ يكونَ بعدما قال له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} إيَّاه أراد، ولم يكُنْ أراده، إنَّما أراد الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، فحاجَزَ الفرعونيَّ، فقال: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]؟ وإنَّما قال ذلك؛ مخافةَ أنْ يكون إيَّاهُ أراد مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يقتُلَه، فتنازَعَا. فانطلَقَ الفرعونيُّ إلى قومِه، فأخبَرَهم بما سمِعَ مِن الإسرائيليِّ مِن الخبرِ حين يقولُ: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]، فأرسَلَ فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتُلوا موسى عليه السَّلامُ، فأخَذَ رُسلُ فرعونَ الطَّريقَ الأعظمَ يَمْشون على هَيئتِهم يطلُبونَ مُوسى عليه السَّلامُ، وهم لا يخافونَ أنْ يفوتَهم، فجاء رجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى عليه السَّلامُ مِن أَقْصى المدينةِ، فاختصَرَ طريقًا قريبًا حتَّى سبَقَهم إلى موسى عليه السَّلامُ فأخْبَرَه. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ. فخرَجَ مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ مدينَ لم يلْقَ بلاءً قبلَ ذلك، وليس له علمٌ بالطَّريقِ إلَّا حُسْنَ الظَّنِّ بربِّه عَزَّ وجَلَّ، فإنَّه قال: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص: 22]. {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} إلى {تَذُودَانِ} [القصص: 23]، يعني بذلك: حابستَينِ غنَمَهما، فقال لهما: ما خطْبُكما مُعتزلتَينِ لا تَسْقيانِ مع النَّاسِ؟ قالتا: ليس لنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القومَ، وإنَّما ننتظِرُ فُضولَ حياضِهم، فسقى لهما، فجعَلَ يغرِفُ بالدَّلْوِ ماءً كثيرًا، حتَّى كانتا أوَّلَ الرِّعاءِ فراغًا، فانصرَفَتا بغنَمِهما إلى أبيهما، وانصرَفَ موسى عليه السَّلامُ، فاستظَلَّ بشجرةٍ، وقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، فاستنكَرَ أبوهما سُرعةَ صُدورِهما بغنَمِهما حُفَّلًا بطانًا، فقال: إنَّ لكما اليومَ لشأنًا، فأخبَرَتَاه بما صنَعَ موسى عليه السَّلامُ، فأمَرَ إحداهما أنْ تَدْعُوَه له، فأتَتْ موسى عليه السَّلامُ فدَعَتْه، فلمَّا كلَّمَه قال: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25]، ليس لفِرعونَ ولا لقومِه علينا سُلطانٌ، ولسْنا في مَمْلكتِه. قال: فقالت إحداهما: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، فاحتمَلَتْه الغَيرةُ على أنْ قال: وما يُدريكِ ما قُوَّتُه؟ وما أمانَتُه؟ قالت: أمَّا قُوَّتُه: فما رأيْتُ في الدَّلوِ حين سَقى لنا، لم أرَ رجُلًا قطُّ في ذلك المَسْقى أقوى منه، وأمَّا أمانَتُه: فإنَّه نظَرَ إليَّ حين أقبلْتُ إليه وشَخَصْتُ له، فلمَّا علِمَ إنِّي امرأةٌ، صوَّبَ رأْسَه لم يرفَعْه، ولم ينظُرْ إليَّ حتَّى بلَّغْتُه رِسالتَك، ثمَّ قال لي: امشِي خلفي، وانْعَتي لي الطَّريقَ، لم يفعَلْ هذا إلَّا وهو أمينٌ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقَها، وظَنَّ به الَّذي قالت له. فقال له: هل لك {أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}، إلى قوله: {مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص: 27]، ففعَلَ، فكانت على نَبِيِّ اللهِ موسى عليه السَّلامُ ثمانيَ سنينَ واجبةً، وكانت سنتانِ عِدَةً منه، فقَضَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عنه عِدَتَه فأتمَّها عشْرًا. قال سَعيدٌ: فلَقِيَني رجُلٌ مِن أهلِ النَّصرانيَّةِ مِن عُلمائِهم، فقال: هلْ تَدْري أيَّ الأجلينِ قضى مُوسى عليه السَّلامُ؟ قلْتُ: لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقِيتُ ابنَ عبَّاسٍ، فذكَرْتُ ذلك له، فقال: أمَا علِمْتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ عليه السَّلامُ واجبةً، لم يكُنْ نبيُّ اللهِ ليَنْقُصَ منها شيئًا، وتعلَمُ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ كان قاضيًا عن مُوسى عليه السَّلامُ عِدَتَه الَّتي وعَدَ، فإنَّه قضى عشْرَ سنينَ. فلقِيتُ النَّصرانيَّ، فأخبَرْتُه بذلك، فقال: الَّذي سألْتَه فأخبَرَك أعلَمُ منك بذلك؟ قلْتُ: أجلْ، وأَولى. فلمَّا سار مُوسى عليه السَّلامُ بأهلِه كان مِن أمْرِ النَّارِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القُرآنِ، وأمْرِ العصا ويَدِه، فشكا إلى ربِّه عَزَّ وجَلَّ ما يتخوَّفُ مِن آلِ فرعونَ في القتيلِ، وعُقدةَ لسانِه، فآتاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ سُؤْلَه، وحَلَّ عُقدةً مِن لسانِه، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى هارونَ عليه السَّلامُ، وأمَرَه أنْ يلقاهُ، واندفَعَ مُوسى عليه السَّلامُ بعصاهُ، حتَّى لقِيَ هارونَ عليه السَّلامُ، وانطلَقَا جميعًا إلى فرعونَ، فأقاما حِينًا على بابِه لا يُؤْذَنُ لهما، فقالا: إنَّا رسولَا ربِّك، قال: فمَن ربُّكما يا موسى؟ فأخبراهُ بالَّذي قَصَّ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليك في القُرآنِ، قال: فما تُريدانِ؟ وذكَّرَه القتيلَ، واعتذَرَ بما قد سمِعْتَ، وقال: أريدُ أنْ تُؤمِنَ باللهِ، وأنْ تُرْسِلَ معي بني إسرائيلَ، فأبى عليه، وقال: ائتِ بآيةٍ إنْ كنْتَ مِن الصَّادقينَ، فألقى عصاه فإذا هي حيَّةٌ عظيمةٌ، فازعةٌ، فاغرةٌ فاها، مُسرعةٌ إلى فرعونَ، فلمَّا رآها فِرعونُ قاصدةً إليه خافها، فاقتحَمَ عن سَريرِه، واستغاثَ بمُوسى عليه السَّلامُ أنْ يكُفَّها عنه، ففعَلَ، ثمَّ أخرَجَ يَدَه مِن جَيْبِه، فرآها بيضاءَ مِن غيرِ سُوءٍ، يعني: مِن غيرِ برَصٍ، فرَدَّها، فعادت إلى لونِها الأوَّلِ. فاستشارَ الملَأَ حولَه فيما رأى، فقالوا له: {هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} [طه: 63] الآيةَ، والمُثْلى: مُلْكُهم الَّذي هم فيه والعيشُ. فأَبَوا على مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يُعْطُوه شيئًا ممَّا طلَبَ، وقالوا له: اجمَعْ لهما السَّحرةَ؛ فإنَّهم بأرضِك كثيرٌ، حتَّى نغلِبَ سِحْرَهما، وأرسَلَ في المدائنِ، فحُشِرَ له كلُّ ساحرٍ مُتعالمٍ، فلمَّا أَتَوا على فرعونَ، قالوا: ما يعمَلُ هذا السَّاحرُ؟ قالوا: يعمَلُ الحيَّاتِ، قالوا: فلا واللهِ ما أحدٌ في الأرضِ يعمَلُ السِّحرَ والحيَّاتِ والحبالَ والعِصِيَّ الَّذي نعمَلُ، فما أجْرُنا إنْ نحن غلَبْنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصَّتي، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شَيءٍ أحببتم، فتَواعَدوا يومَ الزِّينةِ وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى. قال سعيدٌ: فحدَّثني ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ يومَ الزِّينةِ اليومُ الَّذي أظهَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيه مُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ والسَّحرةِ هو يومُ عاشوراءَ. فلمَّا اجتمعوا في صَعيدٍ، قال النَّاسُ بعضُهم لبعضٍ: انطَلِقوا، فنتخبَّرْ هذا الأمْرَ، {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 40]، يعنون مُوسى وهارونَ عليهما السَّلامُ؛ استهزاءً بهما، فقالوا: يا موسى -لِقُدْرتِهم في أنفُسِهم بسِحْرِهم- إمَّا أنْ تُلْقِيَ، وإمَّا أنْ نكونَ نحن المُلْقينَ، قال: بل ألْقُوا. {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء: 44]، فرأى مُوسى عليه السَّلامُ مِن سِحْرِهم ما أوجَسَ في نفْسِه خِيفةً، فأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إليه: أنْ ألْقِ عصاك، فلمَّا ألقاها، صارت ثُعبانًا عظيمًا فاغرةً فاها، فجُعِلَتِ العِصِيُّ بدَعوةِ مُوسي عليه السَّلامُ تلتبِسُ بالحبالِ، حتَّى صارتْ جُرُزًا إلى الثُّعبانِ تَدخُل فيه، حتَّى ما أبقَتْ عصًا ولا حبلًا إلَّا ابتلعَتْه. فلمَّا عرَفَ السَّحرةُ ذلك، قالوا: لو كان هذا سِحرٌ لم يَبلُغْ مِن سِحرِنا كلَّ هذا، ولكنَّه أمْرٌ مِن اللهِ، آمنَّا باللهِ ربِّنا وما جاء به مُوسى عليه السَّلامُ، ونتوبُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ ممَّا كنَّا عليه. وكسَرَ اللهُ ظهْرَ فِرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِه، وأظهَرَ الحقَّ، وبطَلَ ما كانوا يعمَلونَ، فغُلِبوا هنالك وانقَلَبوا صاغِرينَ. وامرأةُ فِرعونَ بارزةٌ مُتبذِّلَةٌ تَدْعو بالنَّصرِ لمُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ، فمَن رآها مِن آلِ فرعونَ ظَنَّ أنَّها إنَّما تبذَّلَتْ للشفقةِ على فِرعونَ وأشياعِه، وإنَّما كان حُزْنُها وهمُّها لمُوسى عليه السَّلامُ. فلمَّا طال مُكْثُ مُوسى عليه السَّلامُ لمواعيدِ فِرعونَ الكاذبةِ، كلَّما جاءه بآيةٍ وعَدَه عندها أنْ يُرْسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا مضَتْ أخلَفَ موعِدَه، وقال: هل يستطيعُ ربُّك أنْ يصنَعَ غيرَ هذا؟ فأرسَلَ اللهُ عليه وعلى قومِه الطُّوفانَ، والجرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادعَ، آياتٍ مُفصَّلاتٍ، كلُّ ذلك يَشْكو إلى موسى عليه السَّلامُ، ويطلُبُ إليه أنْ يكُفَّها عنه، ويُواثِقُه على أنْ يُرسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا كَفَّ ذلك عنه، أخلَفَ موعِدَه ونكَثَ عهدَه. فأُمِرَ موسى عليه السَّلامُ بالخُروجِ بقومِه، فخرَجَ بهم ليلًا، فلمَّا أصبَحَ فرعونُ ورأى أنَّهم قد مَضَوا، أرسَلَ في المدائنِ حاشرينَ، فتبِعَهم بجُنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى البحرِ: أنْ إذا ضرَبَك مُوسى بعصاهُ، فانفرِقْ له اثنتَيْ عشْرةَ فِرقةً، حتَّى يجوزَ موسى عليه السَّلامُ ومَن معه، ثمَّ الْتَئَمَ على مَن بقِيَ بعدُ مِن فرعونَ وأشياعِه، فنسِيَ مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يضرِبَ البحرَ بالعصا، فانْتَهى إلى البحرِ وله قصيفٌ؛ مخافةَ أنْ يَضرِبَه موسى عليه السَّلامُ، وهو غافِلٌ، فيصيرَ عاصيًا اللهَ عَزَّ وجَلَّ. فلمَّا تراءى الجَمْعانِ وتقارَبَا، قال أصحابُ موسى: إنَّا لمُدْرَكونَ، افعَلْ ما أمرَكَ به ربُّك عَزَّ وجَلَّ؛ فإنَّك لم تكذِبْ ولم تُكْذَبْ، فقال: وعَدَني ربِّي عَزَّ وجَلَّ إذا أتيْتُ البحرَ، انفرَقَ لي اثنتيْ عشْرةَ فِرقةً حتَّى أُجاوزَه، ثمَّ ذكَرَ بعدَ ذلك العصا، فضرَبَ البحرَ بعصاه حين دنا أوائلُ جُندِ فرعونَ مِن أواخرِ جُندِ مُوسى عليه السَّلامُ، فانفرَقَ البحرُ كما أمَرَه اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكما وُعِدَ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا أنْ جاوَزَ موسى عليه السَّلامُ وأصحابُه البحرَ، ودخَلَ فِرعونُ وأصحابُه، الْتَقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ. فلمَّا جاوَزَ مُوسى عليه السَّلامُ البحرَ، قال أصحابُه: إنَّا نخافُ ألَّا يكونَ فِرعونُ قد غرِقَ، فلا نُؤمِنُ بهلاكِه، فدعا ربَّه عَزَّ وجَلَّ، فأخرَجَه له ببدنه حتَّى استيْقَنوا بهلاكِه. ثمَّ مَرُّوا بعدَ ذلك {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، إلى {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139]، قد رأيتُمْ مِن العِبَرِ، وسمِعْتُم ما يَكْفيكم، ومَضَى. فأنزَلَهم مُوسى عليه السَّلامُ منزلًا، ثمَّ قال لهم: أطيعوا هارونَ عليه السَّلامُ؛ فإنِّي قد استخلفْتُه عليكم، وإنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي عَزَّ وجَلَّ، وأجَّلَهم ثلاثينَ يومًا أنْ يَرجِعَ إليهم فيها، فلمَّا أتى ربَّه وأراد أنْ يُكلِّمَه ثلاثينَ يومًا، وقد صامهنَّ: ليلَهنَّ ونهارَهنَّ، وكرِهَ أنْ يُكلِّمَ ربَّه عَزَّ وجَلَّ ورِيحُ فَمِه رِيحُ فَمِ الصَّائمِ، فتناوَلَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن نباتِ الأرضِ شيئًا فمضَغَه، فقال له ربُّه عَزَّ وجَلَّ حين لقاه: لِمَ أفطرْتَ؟ -وهو أعلَمُ بالَّذي كان- قال: يا ربِّ، إنِّي كرِهْتُ أنْ أُكلِّمَك إلَّا وفَمِي طيِّبُ الرِّيحِ، قال: أوما علِمْتَ يا مُوسى أنْ رِيحَ فَمِ الصَّائمِ أطيبُ عندي مِن رِيحِ المِسْكِ؟ ارجِعْ حتَّى تصومَ عشْرًا ثمَّ ائْتِني، ففعَلَ مُوسى عليه السَّلامُ ما أُمِرَ به. فلمَّا رأى قومُ مُوسى عليه السَّلامُ أنَّه لم يرجِعْ إليهم للأجَلِ ساءَهم ذلك، وكان هارونُ عليه السَّلامُ قد خطَبَهم، فقال لهم: خرجْتُم مِن مِصْرَ ولقومِ فرعونَ عندي عواري وودائعُ، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وأنا أرى أنْ تحتَسِبوا ما لكم عندهم، ولا أحلَّ لكم وديعةً اسْتُودِعْتُمُوها، ولا عاريَّةً، ولسنا برادِّين إليهم شيئًا مِن ذلك، ولا مُمْسِكيه لأنفُسِنا، فحفَرَ حفيرًا، وأمَرَ كلَّ قومٍ عليهم شَيءٌ مِن ذلك؛ مِن متاعٍ أو حِليةٍ أنْ يَقْذِفوه في ذلك الحفيرِ، ثمَّ أوقَدَ عليه النَّارَ، فأحرَقَه، فقال: لا يكونُ لنا، ولا لهم. وكان السَّامريُّ رجلًا مِن قومٍ يَعْبُدون البقرَ جيرانٍ لهم، ولم يكُنْ مِن بني إسرائيلَ، فاحتملَ مع مُوسى عليه السَّلامُ وبني إسرائيلَ حين احْتملوا، فقُضِيَ له أنْ رأى أثرًا، فأخَذَ منه بقبْضَتِه، فمَرَّ بهارونَ، فقال له هارونُ عليه السَّلامُ: يا سامريُّ، ألَا تُلْقي ما في يدَيْك؟ وهو قابضٌ عليه لا يَراه أحدٌ طوالَ ذلك، فقال: هذه قبْضةٌ مِن أثرِ الرَّسولِ الَّذي جاوَزَ بكم البحرَ، ولا أُلْقيها لشَيءٍ إلَّا أنْ تَدْعُوَ اللهَ إذا ألقيْتُها أنْ تكونَ ما أُرِيدُ، فألْقاها، ودعا اللهَ هارونُ عليه السَّلامُ، فقال: أريدُ أنْ يكونَ عِجْلًا، واجتمَعَ ما كان في الحُفرةِ مِن متاعٍ له، أو حِلْيةٍ، أو نحاسٍ، أو حديدٍ، فصار عِجْلًا أجوفَ ليس فيه رُوحٌ، له خُوارٌ. قال ابنُ عبَّاسٍ: لا واللهِ ما كان له صوتٌ قطُّ، إنَّما كانت الرِّيحُ تدخُلُ مِن دُبُرِه وتخرُجُ مِن فَمِه، فكان ذلك الصَّوتُ مِن ذلك. فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا؛ فقالت فِرقةٌ: يا سامريُّ، ما هذا فأنت أعلَمُ به؟ قال: هذا ربُّكم عَزَّ وجَلَّ، ولكنَّ مُوسى عليه السَّلامُ أضَلَّ الطَّريقَ. وقالت فِرقةٌ: لا نُكذِّب بهذا حتَّى يرجِعَ إلينا مُوسى، فإنْ كان ربَّنا لم نكُنْ ضيَّعْناه وعجَزْنا فيه حِينَ رأيْناه، وإنْ لم يكُنْ ربَّنا، فإنَّا نتَّبِعُ قولَ مُوسى عليه السَّلامُ. وقالت فِرقةٌ: هذا عمَلُ الشَّيطانِ، وليس بربِّنا، ولا نُؤْمِنُ، ولا نُصدِّقُ. وأُشْرِبَ فِرقةٌ في قُلوبِهم التَّصديقَ بما قال السَّامريُّ في العجلِ، وأعْلَنوا التَّكذيبَ، فقال لهم هارونُ عليه السَّلامُ: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ} [طه: 90]، وإنَّ ربَّكم ليس هكذا، قالوا: فما بالُ مُوسى عليه السَّلامُ؛ وعَدَنا ثلاثينَ يومًا ثمَّ أخلَفَنا، فهذه أربعونَ قد مَضَت؟! فقال سُفهاؤُهم: أخطَأَ ربَّه، فهو يطلُبُه ويتبَعُه. فلمَّا كلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مُوسى عليه السَّلامُ وقال له ما قال، أخبَرَه بما لقِيَ قومُه بعده. {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه: 86]، وقال لهم ما سمِعْتُم في القُرآنِ وأخَذَ برأْسِ أخِيه، وألْقى الألواحَ مِن الغضَبِ، ثمَّ عذَرَ أخاه بعُذْرِه، واستغفَرَ له، وانصرَفَ إلى السَّامريِّ، فقال له: ما حمَلَك على ما صنعْتَ؟ قال: قبَضْتُ قبضةً مِن أثرِ الرَّسولِ وفطِنْتُ لها، وعُمِّيَت عليكم، فقَذفْتُها؛ وكذلك سوَّلَت لي نَفْسي. قال: {اذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ} إلى قولِه: {نَسْفًا} [طه: 97]، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منه. فاستيقَنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ، واغْتَبَطَ الَّذين كان رأيُهم فيه مثلَ رأيِ هارونَ عليه السَّلامُ، فقالوا بجماعتِهم لمُوسى عليه السَّلامُ: سَلْ لنا ربَّك عَزَّ وجَلَّ أنْ يفتَحَ لنا بابَ توبةٍ نصنَعُها؛ فيُكَفِّرَ عنَّا ما عمِلْنا، فاختارَ موسى عليه السَّلامُ قومَه سبعينَ رجُلًا لذلك -لا يأْلُو الخيرَ- خيارَ بني إسرائيلَ، ومَن لم يُشْرِكْ في العجلِ. فانطلَقَ بهم ليسأَلَ لهم التَّوبةَ، فرجَفَتْ بهم الأرضُ، فاستحيا نبيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من قومِه ووفْدِه حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ، فقال: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155]، وفيهم مَن قد كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ اطَّلَعَ على ما أُشْرِبَ قلبُه من حُبِّ العجلِ وإيمانِه به؛ فلذلك رجَفَت بهم الأرضُ. فقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] إلى: {فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]، فقال: رَبِّ سألْتُك التَّوبةَ لقومي، فقلْتَ: إنَّ رحمتي كتبْتُها لقومٍ غيرِ قومي، فليتَكَ أخَّرْتَني حين تُخْرِجُني حيًّا في أُمَّةِ ذلك الرَّجلِ المرحومةِ، فقال اللهُ له: إنَّ توبتَهم أنْ يقتُلَ كلُّ رجُلٍ منهم مَن لقِيَ مِن والدٍ أو ولدٍ، فيقتُلَه بالسَّيفِ لا يُبَالي مَن قتَلَ في ذلك الموطنِ، وتاب أولئك الَّذين كان خفِيَ على موسى وهارونَ عليهما السلام ما اطَّلَعُ اللهُ عليهم من ذُنوبِهم، فاعتَرَفوا بها، وفعَلوا ما أُمِروا، وغفَرَ اللهُ للقاتِلِ والمقتولِ. ثمَّ سار بهم مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ الأرضِ المُقدَّسةِ، وأخَذَ الألواحَ بعدما سكَتَ عنه الغضبُ، وأمَرَهم بالَّذي أُمِرَ به أنْ يُبَلِّغَهم من الوظائفِ، فثقُلَ ذلك عليهم، وأبَوا أنْ يُقِرُّوا بها، فنتَقَ اللهُ عليهم الجبلَ كأنَّه ظُلَّةٌ، ودنا منهم حتَّى خافوا أنْ يقَعَ عليهم، فأخَذُوا الكتابَ بأيمانِهم وهم يَصْغُون ينظُرونَ إلى الجبلِ والأرضِ، والكتابُ بأيديهم وهم يَنظُرونَ إلى الجبلِ؛ مخافةَ أنْ يقَعَ عليهم، ثمَّ مَضَوا إلى الأرضِ المُقدَّسةِ، فوَجَدوا مدينةَ قومٍ جبَّارينَ خَلْقُهم مُنْكرٌ، وذكَرَ من ثِمارِهم أمرًا عجَبًا من عِظَمِها، فقالوا: يا موسى، إنَّ فيها قومًا جبَّارينَ لا طاقةَ لنا بهم، ولا ندخُلُها ما داموا فيها، فإنْ يَخْرجوا منها فإنَّا داخِلونَ، قال رجُلانِ من الَّذين يَخافونَ مِن الجبَّارينَ: آمنَّا بمُوسى عليه السَّلامُ، فخرَجَا إليه، فقالا: نحنُ أعلَمُ بقومِنا، إنْ كنتُمْ إنَّما تَخافونَ ما رأيتُمْ من أجسامِهم وعدَدِهم، فإنَّهم لا قُلوبَ لهم، ولا مَنعةَ عندهم، فادْخُلوا عليهم البابَ، فإذا دخلْتُموه فإنَّكم غالِبونَ. ويقولُ أناسٌ: إنَّهما من قومِ مُوسى عليه السَّلامُ. وزعَمَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ أنَّهما من الجبَّارينَ آمَنَا بمُوسى، بقولِه: {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} [المائدة: 23]: إنَّما عَنى بذلك: مِن الَّذين يَخافونَ بني إسرائيلَ. {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، فأغْضَبوا مُوسَى عليه السَّلامُ، فدعا عليهم، وسمَّاهم فاسقينَ، ولم يدْعُ عليهم قبلَ ذلك؛ لِمَا رأى منهم من المعصيةِ وإساءتِهم حتَّى كان يومئذٍ، فاستجابَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ له، فسمَّاهم كما سمَّاهم مُوسى عليه السَّلامُ فاسقينَ، فحرَّمَها عليهم أربعينَ سَنةً يَتِيهون في الأرضِ؛ يُصْبِحون كلَّ يومٍ، فيَسِيرونَ ليس لهم قرارٌ، ثمَّ ظلَّلَ عليهم الغمامَ في التِّيهِ، وأنزَلَ عليهم المَنَّ والسَّلوى، وجعَلَ لهم ثيابًا لا تَبْلى، ولا تتَّسِخُ، وجعَلَ بين ظَهرِهم حَجرًا مُربَّعًا، وأمَرَ مُوسى عليه السَّلامُ فضرَبَه بعصاهُ، فانفجَرَ منه اثنتا عشْرةَ عينًا، في كلِّ ناحيةٍ ثلاثةُ أعينٍ، وأعلَمَ كلَّ سِبْطٍ عينَهم الَّتي يَشْربون منها، فلا يَرْتحِلونَ من مَنزلٍ إلَّا وجدوا ذلك الحجرَ منهم بالمكانِ الَّذي كان منه أمسِ
تفرَّقَ النَّاسُ عن أبي هريرةَ فقالَ لَهُ ناتلٌ أخو أَهلِ الشَّامِ: يا أبا هريرةَ حدِّثنا حديثًا سمعتَهُ من رسولِ اللَّه صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يقولُ: أوَّلُ النَّاسِ يقضى فيهِ يومَ القيامةِ ثلاثةٌ: رجلٌ استُشْهِدَ فأتيَ بِهِ فعرَّفَهُ اللَّهُ نعمةً فعرفَها فقالَ: ما علِمتَ فيها؟ قالَ: قاتلتُ في سبيلِكَ حتَّى استُشْهدتُ. فقالَ: كذبتَ إنَّما أردتَ أن يقالَ فلانٌ جريءٌ وقد قيلَ، فأمرَ بِهِ فسحبَ على وجْهِهِ حتَّى ألقيَ في النَّارِ. ورجلٌ تعلَّمَ العلمَ وعلَّمَهُ وقرأَ القرآنَ فأتيَ بِهِ فعرَّفَهُ نعمَهُ فعرفَها قالَ: فما عمِلتَ فيها؟ قالَ: تعلَّمتُ العلمَ وعلَّمتُهُ وقرأتُ فيكَ القرآنَ. قالَ: كذبتَ ولَكنَّكَ تعلَّمتَ العلمَ ليقالَ عالمٌ. وقرأتَ القرآنَ ليقالَ هوَ قارئٌ فقد قيلَ. فأمرَ بِهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ إلى النَّار. ورجلٌ آتاهُ اللَّهُ من أنواعِ المالِ فأتيَ بِهِ فعرَّفَهُ نعمَهُ فعرفها فقال: ما عمِلتَ فيها؟ قال: ما ترَكتُ من شيءٍ يجبُ أن ينفقَ فيهِ إلَّا أنفقتُ فيهِ لَكَ. فقالَ: كذبتَ إنَّما أردتَ أن يقالَ فلانٌ جوَّادٌ فقد قيلَ فأمرَ بِهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ حتَّى ألقي في النَّارِ
أوَّلُ النَّاسِ يُقضَى فيه يومَ القيامةِ ثلاثةُ رجالٍ : رجلٌ استُشهِد فأَتَى به اللهُ وعرَّفه نعمَه فعرَفها ، قال : ما عملتَ فيها ؟ قال : قاتلتُ في سبيلِك حتَّى استُشهِدتُ . قال : كذبتَ ، إنَّما أردتَ أنْ يُقالَ : فلانٌ جريءٌ ، فقد قِيل ، فأُمِر به فسُحِب على وجهِه حتَّى أُلْقيَ في النَّارِ . ورجلٌ تعلَّم العلمَ وقرأ القرآنَ ، فأتَى به فعرَّفه نِعمَه فعرفها ، فقال : ما عملتَ فيها ؟ قال : تعلَّمتُ العلمَ وقرأتُ القرآنَ وعلَّمتُه فيك . قال : كذبتَ ، إنَّما أردتَ أنْ يُقالَ : فلانٌ عالمٌ وفلانٌ قارئٌ ، فقد قِيل ، فأُمِر به فسُحِب على وجهِه إلى النَّارِ . ورجلٌ آتاه اللهُ من أنواعِ المالِ فأتَى به فعرَّفه نِعمَه فعرفها . فقال : ما عملتَ فيها ؟ فقال : ما تركتُ من شيءٍ تحبُّ أنْ يُنفقَ فيه إلَّا أنفقتُ فيه لك . قال : كذبتَ ، إنَّما أردتَ أن يُقالَ : فلانٌ جوادٌ ، فقد قِيل . فأُمِر به فسُحِب على وجهِه حتَّى أُلقيَ في النَّارِ
أوَّلُ النَّاسِ يُقْضَ فيهِ يومَ القيامةِ ثلاثةٌ : رجلٌ استُشهِدَ ، فأُتِيَ بهِ فعرَّفَه نعِمَهُ ، فعرَفَها فقال : ما عمِلتَ فيها ؟ قال : قاتلتُ في سبيلِكَ حتَّى استُشهِدتُ . فقال : كذبتَ إنَّما أردتَ أن يُقالَ : فلانٌ جريءٌ ، فقد قيلَ فأُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ ، ورجلٌ تعلَّمَ العلمَ ، وقرأ القرآنَ ، فأُتِيَ بهِ ، فعرَّفَهُ نعِمَهُ ، فعرَفَها فقال : ما عمِلتَ فيها ؟ قال : تعلَّمتُ العِلمَ وقرأتُ القرآنَ وعلَّمتُهُ فيكَ ، قال كذبتَ وإنَّما أردتَ أن يُقالَ فلانٌ عالمٌ ، وفلانٌ قارئٌ ، فقد قيلَ فأُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجهِهِ إلى النَّارِ ، ورجلٌ آتاهُ اللهُ مِن أنواعِ المالِ ، فأُتِيَ بهِ فعرَّفَهُ نعِمَهُ فعرَفَها . قال : ما عمِلتَ فيها ؟ قال : ما تركتُ مِن شيءٍ تحبُّ أن يُنفَقَ فيهِ إلَّا أنفقتُ فيهِ لكَ . فقال : كذبتَ . إنَّما أردتَ أن يُقالَ : فلانٌ جَوادٌ فقد قيلَ ، فأُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ
كانَ ملِكٌ منَ الملوكِ وَكانَ لذلِكَ الملِكِ كاهنٌ يَكْهنُ لَهُ ، فقالَ الكاهنُ : انظروا لي غلامًا فَهِمًا - أو قالَ : فَطِنًا - لَقِنًا فأُعلِّمَهُ عِلمي هذا ، فإنِّي أخافُ أن أموتَ فينقطِعَ منكُم هذا العلمُ ، ولا يَكونَ فيكُم مِن يَعلمُهُ. قالَ : فنظَروا لَهُ علَى ما وصفَ ، فأمروهُ أن يحضرَ ذلِكَ الكاهنَ وأن يختلفَ إليهِ ، فجعلَ يختلفُ ، إليهِ وَكانَ علَى طريقِ الغُلامِ راهبٌ في صَومعةٍ - قالَ مَعمرٌ : أحسبُ أنَّ أصحابَ الصَّوامعِ كانوا يَومئذٍ مُسلمينَ - قالَ : فجعلَ الغُلامُ يسألُ ذلِكَ الرَّاهبَ كلَّما مرَّ بِهِ ، فلَم يزَلْ بِهِ حتَّى أخبرَهُ ، فقالَ : إنَّما أعبدُ اللَّهَ. قالَ : فجعلَ الغُلامُ يمكثُ عندَ الرَّاهبِ ويبطئُ عنِ الكاهنِ ، فأرسلَ الكاهنُ إلى أهْلِ الغُلامِ إنَّهُ لا يَكادُ يحضرُني ، فأخبرَ الغُلامُ الرَّاهبَ بذلِكَ ، فقالَ لَهُ الرَّاهبُ : إذا قالَ لَكَ الكاهنُ : أينَ كنتَ ؟ فقل : عندَ أَهْلي ، وإذا قالَ لَكَ أَهْلُكَ : أينَ كنتَ ؟ فأخبِرهم أنَّكَ كنتَ عندَ الكاهنِ. قالَ : فبَينما الغُلامُ علَى ذلِكَ إذ مرَّ بجماعةٍ منَ النَّاسِ كثيرٍ قد حبَستهُم دابَّةٌ ، فقالَ بعضُهُم : إنَّ تلكَ الدَّابَّةَ كانت أسدًا فأخذَ الغُلامُ حجرًا فقالَ : اللَّهمَّ إن كانَ ما يقولُ الرَّاهبُ حقًّا فأسألُكَ أن أقتلَها. قالَ : ثمَّ رمَى فقتلَ الدَّابَّةَ. فقالَ النَّاسُ : مَن قتلَها ؟ قالوا : الغُلامُ ، ففزِعَ النَّاسُ فقالوا : قد علِمَ هذا الغُلامُ عِلمًا لم يعلمْهُ أحدٌ. قالَ : فسمِعَ بِهِ أعمَى ، فقالَ لَهُ : إن أنتَ ردَدتَ بَصري فلَكَ كَذا وَكَذا. قالَ لهُ : لا أريدُ منكَ هذا ، ولَكِن أرَأيتَ إن رجعَ إليكَ بصرُكَ ، أتؤمنُ بالَّذي ردَّهُ علَيكَ ؟ قالَ : نعم. قالَ : فدعا اللَّهَ فردَّ علَيهِ بصرَهُ ، فآمنَ الأعمَى ، فبلغَ الملِكَ أمرُهُم ، فبعثَ إليهِم ، فأُتيَ بِهِم ، فقالَ : لأقتلَنَّ كلَّ واحدٍ منكُم قتلةً لا أقتلُ بِها صاحبَهُ ، فأمرَ بالرَّاهبِ والرَّجلِ الَّذي كانَ أعمَى فَوضعَ المِنشارَ علَى مَفرقِ أحدِهِما فقتلَهُ ، وقتلَ الآخرَ بقتلةٍ أُخرَى. ثمَّ أمرَ بالغُلامِ ، فقالَ : انطلِقوا بِهِ إلى جبلِ كَذا وَكَذا فألقوهُ مِن رأسِهِ ، فانطلِقوا بِهِ إلى الجبلِ ، فلمَّا انتَهَوا إلى ذلِكَ المَكانِ الَّذي أرادوا أن يلقوهُ منهُ جعَلوا يتَهافَتونَ مِن ذلِكَ الجبلِ ويتردَّونَ ، حتَّى لم يبقَ منهُم إلَّا الغُلامُ. قالَ : ثمَّ رجعَ ، فأمرَ بِهِ الملِكُ أن ينطلِقوا بِهِ إلى البحرِ فَيلقونَهُ فيهِ ، فانطلقَ بِهِ إلى البحرِ ، فغرَّقَ اللَّهُ الَّذينَ كانوا معَهُ وأنجاهُ ، فقالَ الغُلامُ للملِكِ : إنَّكَ لا تقتلُني حتَّى تصلِبَني وتَرميَني وتقولَ إذا رمَيتَني : بسمِ اللَّهِ ربِّ هذا الغُلامِ. قالَ فأمرَ بِهِ ، فصُلِبَ ، ثمَّ رماهُ ، فقالَ : بسمِ اللَّهِ ربِّ هذا الغُلامِ. قالَ : فَوضعَ الغُلامُ يدَهُ علَى صدغِهِ حينَ رُمِيَ ، ثمَّ ماتَ ، فقالَ أُناسٌ : لقد علِمَ هذا الغُلامُ عِلمًا ما علِمَهُ أحدٌ ، فإنَّا نؤمنُ بربِّ هذا الغُلامِ. قالَ : فقيلَ للملِكِ أجزَعتَ أن خالفَكَ ثلاثةٌ ، فَهَذا العالمُ كلُّهم قد خالفوكَ. قالَ : فخدَّ أُخدودًا ثمَّ ألقَى فيها الحطبَ والنَّارَ ، ثمَّ جمعَ النَّاسَ. فقالَ : مَن رجعَ عن دينِهِ ترَكْناهُ ، ومَن لم يرجِعْ ألقَيناهُ في هذِهِ النَّارِ ، فجعلَ يُلقيهم في تلكَ الأُخدودِ. قالَ : يقولُ اللَّهُ تبارَكَ وتعالى فيهِ : قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ حتَّى بلغَ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ قالَ : فأمَّا الغُلامُ فإنَّهُ دُفِنَ قالَ : فيذكرُ أنَّهُ أُخْرِجَ في زمنِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ وأُصبعُهُ علَى صدغِهِ كما وضعَها حينَ قُتِلَ
أنَّ عائشةَ زوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالت لم أعقِلْ أبويَّ قطُّ إلا وهما يَدِينانِ الدِّينَ ، ولم يمُرَّ علينا يومٌ إلا أتينا فيه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ طرَفَي النهارِ بُكرةً وعشِيَّةً ، فلما ابتُلِيَ المسلمونَ ، خرج أبو بكرٍ مُهاجرًا نحو أرضِ الحبشةِ حتى إذا بلغ برْكَ الغَمادِ لقِيَه ابنُ الدَّغِنَةَ وهو سيِّدُ القارَةِ قال : أين تريدُ يا أبا بكرٍ ؟ قال أبو بكرٍ : أَخْرَجَني قومي ، فأريدُ أن أسيحَ في الأرضِ ، وأعبدُ ربي ، قال ابنُ الدَّغِنَةَ : فإنَّ مثلَك – يا أبا بكرٍ – لا يخرجُ ، ولا يخرجُ ، أنت تَكسِبُ المُعدَمَ ، وتَصِلُ الرَّحِمَ ، وتَحمِلُ الكَلَّ ، وتُقرِي الضَّيفَ ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ ، فأنا لك جارٌ . ارجِعْ واعبُدْ ربَّك ببلدِك ، فرجع ، وارتحل معه ابنُ الدَّغِنَةَ ، فطاف ابنُ الدَّغِنةَ عشيَّةً في أشرافِ قريشٍ ، فقال لهم : إنَّ أبا بكرٍ لا يُخرَجُ مثله ، ولا يَخرُجُ ، أَتُخرِجونَ رجُلًا يُكسبُ المُعدَمَ ، ويَصِلُ الرَّحِمَ ، ويَحمِلُ الكَلَّ ، ويُقرِي الضَّيفَ ، ويعينُ على نوائبِ الحقِّ . فلم تَكذِبْ قريشٌ بجوارِ ابنِ الدَّغِنَةَ ، وقالوا لابنِ الدَّغِنَةَ : مُرْ أبا بكرٍ ، فلْيعبُدْ ربَّه في دارِه ، فلْيُصلِّ فيها ، وليقرأْ ما شاء ، ولا يُؤذِينا بذلك ، ولا يَستَعْلِنْ به ، فإنا نخشى أن يَفتِنَ نساءَنا وأبناءَنا . فقال ذلك ابنُ الدَّغِنَةَ لأبي بكرٍ ، فلبثَ أبو بكرٍ بذلك يعبدُ ربَّه في دارِه ، ولا يَستَعْلِنْ بصلاتِه ، ولا يقرأُ في غيرِ دارِه ، ثم بدا لأبي بكرٍ ، فابتَنى مسجدًا بفناءِ دارِه ، وكان يُصلِّي فيه ، ويقرأُ القرآنَ ، فيتقذَّفُ عليه نساءُ المُشركينَ وأبناؤهم يعجَبون منه ، وينظرون إليه ، وكان أبو بكرٍ رجلًا بكَّاءً لا يملِكُ عينَيه إذا قرأ القرآنَ ، وأفزَع ذلك أشرافَ قريشٍ من المشركين ، فأرسَلوا إلى ابنِ الدَّغِنَةَ ، فقدِم عليهم ، فقالوا : إنا أَجَرْنا أبا بكرٍ بجوارِك على أن يعبدَ ربَّه في دارِه ، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناءِ دارِه ، فأعلنَ الصلاةَ والقراءةَ فيه ، وإنا قد خشِينا أن يَفتِنَ نساءَنا وأبناءَنا ، فانْهَه ، فإن أحَبَّ أن يقتصرَ على أن يعبدَ ربَّه في دارِه ، فعل ، وإن أبى إلا أن يُعلِنَ بذلك ، فسَلْه أن يَرُدَّ إليك ذِمَّتَك ، فإنا قد كَرِهنا أن نَخفِرَك ، ولسنا مُقِرِّينَ لأبي بكرٍ الاستعلانَ . قالت عائشةُ : فأتى ابنُ الدَّغِنَةَ إلى أبي بكرٍ ، فقال : قد علمتَ الذي عاقدتُ لك عليه ، فإما أن تقتصرَ على ذلك ، وإما أن تُرجِعَ إليَّ ذِمَّتي ، فإني لا أُحبُّ أن تسمعَ العربُ أني أُخفِرْتُ في رجُلٍ عَقدتُ له ، فقال أبو بكرٍ : فإني أرُدُّ إليك جوارَك ، وأَرْضَى بجوارِ اللهِ ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومئذٍ بمكةَ ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للمسلمينَ : إني أُريتَ دارَ هجرتِكم ذاتَ نَخْلٍ بين لابَتَينِ ، وهي الحَرَّتانِ ، فهاجر من هاجر قبلَ المدينةِ ، ورجع عامَّةُ من كان هاجر بأرضِ الحبشةِ إلى المدينةِ ، وتجهَّز أبو بكرٍ قِبَلَ المدينةِ ، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : على رِسلِك ، فإني أرجو أن يُؤذَنَ لي . فقال أبو بكرٍ : وهل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال : نعم فحَبس أبو بكرٍ نفسَه على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليصحَبَه ، وعلق راحلتَينِ كانتا عند ورَقِ السَّمُرِ – وهو الخَبطُ – أربعةَ أشهرٍ . قال ابنُ شهابٍ : قال عروةُ : قالت عائشةُ : فبينما نحن يومًا جلوسٌ في بيتِ أبي بكرٍ في نَحْرِ الظهيرةِ ، قال قائلٌ لأبي بكرٍ : هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مُتَقَنِّعًا في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها ، فقال أبو بكرٍ : فدى له أبي وأمي ، واللهِ ما جاء به في هذه الساعةِ إلا أمْرٌ ، قالت فجاء رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، واستأذَن ، فأذِن له ، فدخل ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأبي بكرٍ : أَخرِجْ مَن عندَك . فقال أبوبكرٍ : إنما هم أَهلك بأبي أنت يا رسولَ اللهِ ، قال : فإني قد أُذِنَ لي في الخروجِ . قال أبو بكرٍ : الصحابةَ بأبي أنت يا رسولَ اللهِ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : نعم ، قال أبو بكرٍ : فخُذْ بأبي أنت يا رسولَ اللهِ إحدى راحلتيَّ هاتَينِ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : بالثَّمنِ . قالت عائشةُ : فجهَّزْناهما أَحَثَّ الجهازِ ، وصنَعْنا لهما سُفرةً في جِرابٍ ، فقطعتْ أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ قطعةً من نِطاقِها ، فربطَتْ به على فَمِ الجِرابِ ، فبذلك سُمِّيَتْ ذاتُ النِّطاقَينِ ، قالت : ثم لحِقَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبو بكرٍ بغارٍ في جبلِ ثَوْرٍ ، فمكَثا فيه ثلاثَ ليالٍ ، يبيتُ عندهما عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ ، وهو غلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ ، فيَدَّلِجُ من عندهما بسَحَرٍ ، فيصبحُ مع قريشٍ بمكةَ كبائتٍ ، فلا يسمعُ أمرًا يكتادانِ به إلا وعاه حتى يأتيَهما بخبرِ ذلك حين يختلِطُ الظلامُ ، ويرعى عليهما عامرُ بنُ فُهَيرَةَ مولى أبي بكرٍ مِنحةً من غنمٍ ، فيَريحُها عليهما حين يذهبُ ساعةٌ من العشاءِ ، فيبيتان في رِسْلٍ ، وهو لبنٌ منَحَتْهما ورضَيفَهما حتى يَنعِقَ بهما عامرُ بنُ فُهَيرةَ بغَلَسٍ يفعلُ ذلك في كلِّ ليلةٍ من تلك الليالي الثلاثةِ ، واستأجر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبو بكرٍ رجلًا من بني الدِّيلِ وهو من بني عبدٍ بنِ عديٍّ هاديًا خِرِّيتًا – والخِرِّيتُ : الماهرُ بالهدايةِ – قد غمَس حِلفًا في آلِ العاصِ بنِ وائلِ السَّهميِّ ، وهو على دِينِ كفارِ قريشٍ فأمِناه ، فدفعا إليه راحلَتَيهما ، وواعداه غارَ ثورٍ بعد ثلاثِ ليالٍ براحلتَيهما صبحَ ثلاثٍ ، فانطلق معهما عامرُ بنُ فُهَيرةَ والدَّليلُ ، فأخذ بهم طريقَ الساحلِ . قال ابنُ شهابٍ : وأخبَرني عبدُ الرَّحمنِ بنُ مالكٍ المُدَّلَجِيِّ وهو ابنُ أخي سراقةَ بنَ مالكٍ بنِ جُعشُمٍ يقول : جاءنا رسلُ كفارِ قريشٍ يجعلونَ في رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبي بكرٍ دِيَةَ كل ِّواحدٍ منهما لمن قتلَه أو أسره ، فبينما أنا جالسٌ في مجلسٍ من مجالس قومي بني مدلجٍ ، أقبل رجلٌ منهم حتى قام علينا ، ونحن جلوسٌ فقال : يا سراقةُ إني قد رأيتُ آنفًا أسودةً بالساحلِ أراها محمدًا وأصحابَه . قال سراقةُ : فعرفتُ أنهم هم ، فقلتُ له : إنهم ليسوا بهم ، ولكنك رأيتَ فلانًا وفلانًا انطلَقوا بأعيُنِنا ، ثم لبثتُ في المجلسِ ساعةً ، ثم قمتُ ، فدخلتُ فأمرتُ جاريتي أن تخرجَ بفرسي وهي من وراءِ أَكَمَةٍ ، فتحبِسُها عليَّ ، وأخذتُ رُمْحي ، فخرجتُ به من ظهرِ البيتِ ، فخططتُ بزَجِّه الأرضَ وخفضتُ عاليه حتى أتيتُ فرَسي فركبتُها ، فدفعتُها تقرب بي حتى دنَوتُ منهم ، فعثُرَتْ بي فرَسي ، فخررتُ عنها ، فقمتُ فأهويتُ يدي إلى كنانَتي ، فاستخرجتُ منها الأزلامَ ، فاستقسمتُ بها أَضُرُّهم أم لا ، فخرج الذي أكْرَه ، فركبتُ فرسي ، وعصيتُ الأزلامَ تقربُ بي حتى إذا سمعتُ قراءةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وهو لا يلتفتُ ، وأبو بكرٍ يكثرُ الالتفاتَ ، ساخت يدا فرسي في الأرضِ حتى بلغَتا الرُّكبتَينِ ، فخررتُ عنها ، ثم زجَرتُها ، فنهضتُ ، فلم تَكَدْ تُخرجُ يدَيها ، فلما استوتْ قائمةً إذا لأَثَرِ يدَيها غبارٌ ساطعٌ في السماءِ مثلُ الدُّخانِ ، فاستقسمتُ بالأزلامِ ، فخرج الذي أَكْرَهُ ، فناديتُهم بالأمانِ ، فوقفوا فركبتُ فرسي حتى جئتُهم ، ووقع في نفسي حين لقيتُ ما لقيتُ من الحبسِ عنهم أن سيظهرُ أمرُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقلتُ له : إنَّ قومَك قد جعلوا فيك الدِّيَةَ ، وأخبرتُهم أخبارَ ما يريد الناسُ بهم ، وعرضتُ عليهم الزادَ والمتاعَ ، فلم يرْزَآني ، ولم يسأَلاني إلا أن قال : أَخْفِ عنا . فسألتُه أن يكتُبَ لي كتابَ أمنٍ ، فأمر عامرَ بنَ فُهَيرَةَ ، فكتب في رقعةٍ من أَدمٍ ، ثم مضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . قال ابنُ شهابٍ : فأخبرَني عروةُ بنُ الزبيرِ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لقِيَ الزبيرَ في ركبٍ من المسلمين كانوا تُجارًا قافلينَ من الشامِ ، فكسا الزبيرُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبا بكرٍ ثيابَ بياضٍ ، ويسمع المسلمون بالمدينةِ مَخرجَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من مكةَ ، فكانوا يَغدونَ كلَّ غداةٍ إلى الحَرَّةِ ، فينتظرونه حتى يَرُدَّهم حَرُّ الظهيرةِ ، فانطلقوا أيضًا بعد ما أطالوا انتظارَهم ، فلما أووا إلى بيوتِهم ، أوفَى رجلٌ من اليهودِ على أَطَمٍ من آطامِهم لأمرٍ ينظرُ إليه ، فبصر برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابِه مُبيضِينَ ، يزولُ بهم السَّرابُ ، فلم يملِكِ اليهوديُّ ، أن قال بأعلى صوتِه : يا معشرَ العربِ هذا جَدُّكم الذي تنتظرونَ . فثار المسلمون إلى السِّلاحِ ، فتلقَّوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بظَهرِ الحَرَّةِ ، فعدل بهم ذاتَ اليمينِ حتى نزل بهم في بني عَمرو بنِ عوفٍ ، وذلك يومَ الاثنينِ من شهرِ ربيعٍ الأوَّلِ ، فقام أبو بكرٍ للناسِ ، وجلس رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صامتًا ، فطفِق من جاء من الأنصارِ ممن لم يرَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُحَيِّي أبا بكرٍ حتى أصابتِ الشمسُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فأقبل أبو بكرٍ حتى ظلَّلَ عليه برِدائِه ، فعرف الناسُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عند ذلك ، فلبِثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في بني عَمرو بنِ عَوفٍ بضعَ عشرةَ ليلةً ، وأسَّس المسجدَ الذي أُسِّسَ على التقوَى ، وصلَّى فيه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثم ركب راحلتَه ، فسار يمشي معه الناسُ حتى بركَتْ عند مسجدِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالمدينةِ ، وهو يُصلي فيه يومئذٍ رجالٌ من المُسلمين ، وكان مَربَدًا للتَّمرِ لسُهيلٍ وسهلٍ غلامَينِ يتيمينِ في حِجرِ سعدِ بنِ زُرارةَ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حين بركَت به راحلتُه : هذا – إن شاء اللهُ – المنزلُ . ثم دعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الغلامَينِ ، فساومَهما بالمَربَدِ ، لِيَتَّخِذَه مسجدًا ، فقالا : بل نَهَبُه لك يا رسولَ اللهِ ، ثم بناه مسجدًا ، وطفِق رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ينقلُ معهم اللَّبِنَ في بُنيانِه ، ويقول وهو ينقُلُ اللَّبِنَ : هذا الحِمالُ لا حِمالُ خيبرَ*هذا أَبَرُّ ربَّنا وأطهرُ . ويقول : اللهمَّ إنَّ الأجرَ أجرُ الآخرةِ*فارحَمِ الأنصارَ والمُهاجِرَةِ . فتمثَّل ببيتِ رجلٍ من المسلمين لم يُسمَّ لي . قال ابنُ شهابٍ : ولم يَبلُغْنا في الأحاديثِ أنَّ رسولَ الله ِصلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تمثَّلَ ببيتِ شِعرٍ تامٍّ غيرِ هذه الأبياتِ
«إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى فيهِ يومَ القيامَةِ ثلاثَةٌ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فأُتيَ به، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، فقالَ: ما عَمِلْتَ فيها؟ قالَ: قاتَلْتُ في سَبيلِكَ حتَّى استُشْهِدْتُ، قالَ: كَذَبْتَ، إنَّما أَرَدْتَ أَنْ يُقالَ: فُلانٌ جَريءٌ، فَقَدْ قيلَ، فَيُؤْمَرُ به فيُسْحَبُ على وَجْهِهِ حتَّى أُلْقيَ في النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ، وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتيَ به فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، فقالَ: ما عَمِلْتَ فيها؟ قالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وقَرَأْتُ القُرآنَ وعَلَّمْتُهُ فيكَ. قالَ: كَذَبْتَ، إنَّما أَرَدْتَ أَنْ يُقالَ: فُلانٌ عالِمٌ، وفُلانٌ قارئ، فَقَدْ قيلَ، فَأُمِرَ به فَسُحِبَ على وَجْهِهِ حتَّى أُلْقيَ في النَّارِ، وَرَجُلٌ آتاهُ اللهُ مِنْ أَنْواعِ المالِ، فَأُتيَ به فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، فقالَ: ما عَمِلْتَ فيها؟ قالَ: ما تَرَكْتُ مِنْ شَيْءٍ تُحِبُّ أنْ أُنْفِقَ فيه إلَّا أنْفَقْتُ فيه لكَ، قالَ: كَذَبْتَ، إنَّما أَرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ جَوَادٌ، فَقَدْ قيلَ، فَأُمِرَ بهِ، فَسُحِبَ على وَجْهِهِ حتَّى أُلْقيَ في النَّارِ»
بينَما نَحنُ عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يَقسِمُ قَسمًا، أتاه ذو الخويصِرةِ -وهو رَجُلٌ مِن بَني تَميمٍ- فقال: يا رَسولَ اللهِ، اعدِلْ، فقال: ويلَكَ! ومَن يَعدِلُ إذا لَم أعدِلْ؟! قد خِبتَ وخَسِرتَ إن لَم أكُنْ أعدِلُ. فقال عُمَرُ: يا رَسولَ اللهِ، ائذَنْ لي فيه فأضرِبَ عُنُقَه؟ فقال: دَعْه؛ فإنَّ له أصحابًا يَحقِرُ أحَدُكُم صَلاتَه مع صَلاتِهم، وصيامَه مع صيامِهم، يَقرَؤونَ القُرآنَ لا يُجاوِزُ تَراقيَهم، يَمرُقونَ مِنَ الدِّينِ كما يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّميَّةِ، يُنظَرُ إلى نَصلِه فلا يوجَدُ فيه شَيءٌ، ثُمَّ يُنظَرُ إلى رِصافِه فما يوجَدُ فيه شَيءٌ، ثُمَّ يُنظَرُ إلى نَضيِّه -وهو قِدحُه- فلا يوجَدُ فيه شَيءٌ، ثُمَّ يُنظَرُ إلى قُذَذِه فلا يوجَدُ فيه شَيءٌ، قد سَبَقَ الفَرثَ والدَّمَ، آيَتُهم رَجُلٌ أسودُ، إحدى عَضُدَيه مِثلُ ثَديِ المَرأةِ، أو مِثلُ البَضعةِ تَدَردَرُ، ويَخرُجونَ على حينِ فُرقةٍ مِنَ النَّاسِ. قال أبو سَعيدٍ: فأشهَدُ أنِّي سَمِعتُ هذا الحَديثَ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأشهَدُ أنَّ عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ قاتَلَهم وأنا معهُ، فأمَرَ بذلك الرَّجُلِ، فالتُمِسَ فأُتيَ به، حتَّى نَظَرتُ إليه على نَعتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي نَعَتَه
أنَّ الأقرعَ وعُيينةَ سألا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شيئًا فأمَر معاويةَ أنْ يكتُبَ لهما وختَمه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأمَر بدفعِه إليهما فأمر عيينةُ فقال: ما فيه ؟ فقال: فيه الَّذي أمَرْتَ به فقبَّله وعقَده في عمامتِه وكان أحلَمَ الرَّجلينِ وأمَّا الأقرعُ فقال: أحمِلُ صحيفةً لا أدري ما فيها كصحيفةِ المتلمسِ فأخبَر معاويةُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقولِهما وخرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حاجتِه فمرَّ ببعيرٍ مُناخٍ على بابِ المسجدِ في أوَّلِ النَّهارِ ثمَّ مرَّ به في آخِرِ النَّهارِ وهو في مكانِه فقال: ( أين صاحبُ هذا البعيرِ ) فابتُغي فلم يوجَدْ فقال: اتَّقوا اللهَ في هذه البهائمِ اركَبوها صحاحًا وكُلوها سِمانًا كالمستخط آنفًا إنَّه مَن سأَل شيئًا وعنده ما يُغنيه فإنَّما يستكثِرُ مِن جمرِ جهنَّمَ ) قالوا يا رسولَ اللهِ وما يُغنيه ؟ قال: ( ما يُغدِّيه أو يُعشِّيه )
لَمَّا قدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ نَزَلَ في عُلوِ المَدينةِ، في حَيٍّ يُقالُ لهم بَنو عَمرِو بنِ عَوفٍ، قال: فأقامَ فيهم أربَعَ عَشرةَ لَيلةً، ثُمَّ أرسَلَ إلى مَلَإِ بَني النَّجَّارِ، قال: فجاؤوا مُتَقَلِّدي سُيوفِهم، قال: وكَأنِّي أنظُرُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على راحِلَتِه وأبو بَكرٍ رِدفَه، ومَلَأُ بَني النَّجَّارِ حَولَه، حتَّى ألقى بفِناءِ أبي أيُّوبَ، قال: فكان يُصَلِّي حَيثُ أدرَكَته الصَّلاةُ، ويُصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ، قال: ثُمَّ إنَّه أمَرَ ببِناءِ المَسجِدِ، فأرسَلَ إلى مَلَإ بَني النَّجَّارِ فجاؤوا، فقال: يا بَني النَّجَّارِ ثامِنوني حائِطَكُم هذا، فقالوا: لا واللهِ، لا نَطلُبُ ثَمَنَه إلَّا إلى اللهِ، قال: فكان فيه ما أقولُ لَكُم، كانَت فيه قُبورُ المُشرِكينَ، وكانَت فيه خِرَبٌ، وكان فيه نَخلٌ، فأمَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقُبورِ المُشرِكينَ فنُبِشَت، وبالخِرَبِ فسُوِّيَت، وبالنَّخلِ فقُطِعَ، قال: فصَفُّوا النَّخلَ قِبلةَ المَسجِدِ، قال: وجَعَلوا عِضادَتَيه حِجارةً، قال: قال جَعَلوا يَنقُلونَ ذاك الصَّخرَ وهم يَرتَجِزونَ، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معهم، يقولونَ: اللهُمَّ إنَّه لا خَيرَ إلَّا خَيرُ الآخِرَهْ، فانصُرِ الأنصارَ والمُهاجِرَهْ
قدم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المدينةَ فنزل في علوِّ المدينةِ في حيٍّ يقال لهم بنو عمرو بنُ عوف فأقام فيهم أربعَ عشرةَ ليلةً ثم أرسل إلى بني النجارِ فجاءوا متقلِّدين سيوفَهم فقال أنسٌ فكأني أنظر إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على راحلتِه وأبو بكرٍ ردفَه وملأ بني النجارِ حوله حتى ألقى بفناءِ أبي أيوبٍ وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يصلي حيث أدركتْه الصلاةُ ويصلي في مرابضِ الغنمِ وإنه أمر ببناءِ المسجدِ فأرسل إلى بني النجارِ فقال يا بني النجارِ ثامنُوني بحائطِكم هذا فقالوا واللهِ لا نطلبُ ثمنَه إلا إلى اللِه عز وجل قال أنسٌ وكان فيه ما أقول لكم كانت فيه قبورُ المشركين وكانت فيه خربٌ وكان فيه نخلٌ فأمر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بقبورِ المشركين فنبشتْ وبالخرب فسويتْ وبالنخلِ فقطع فصفُّوا النخلَ قبلةَ المسجدِ وجعلوا عضادَتيه حجارةً وجعلوا ينقلون الصخرَ وهم يرتجزون والنبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ معهم وهو يقول اللهم لا خيرَ إلا خيرَ الآخره فانصرِ الأنصارَ والمهاجِره
لَمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المدينةَ نَزَلَ في عُلُوِّ المدينةِ في حيٍّ يُقالُ له: بنو عَمرِو بنِ عَوفٍ، فأقامَ فيهم أربَعَ عَشْرَةَ ليلةً، ثُم إنَّه أرسَلَ إلى مَلَأِ بَني النَّجَّارِ قال: فجاؤوا مُتقلِّدينَ سُيوفَهُم، قال: فكأنِّي أنظُرُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على راحِلَتِه وأبو بَكْرٍ رِدْفُه، ومَلَأُ بَني النَّجَّارِ حَوْلَه، حتى ألْقى بفِناءِ أبي أيُّوبَ، قال: فكان يُصَلِّي حيثُ أدرَكَتْه الصَّلاةُ، ويُصلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ، ثُم إنَّه أمَرَ بالمسجِدِ، فأرسَلَ إلى مَلَأِ بَني النَّجَّارِ، فجاؤوا فقال: يا بَني النَّجَّارِ، ثامِنوني حائِطَكُم هذا؟ قالوا: لا واللهِ لا نَطلُبُ ثَمَنَه إلَّا إلى اللهِ، قال: وكان فيه ما أقولُ لكُم؛ كانتْ فيه قُبورُ المُشرِكينَ، وكان فيه خِرَبٌ، وكان فيه نَخْلٌ، فأمَرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقُبورِ المُشرِكينَ فنُبِشَتْ، وبالخِرَبِ فسُوِّيَتْ، وبالنَّخلِ فقُطِعَ، قال: فصَفُّوا النَّخْلَ إلى قِبْلةِ المسجِدِ، وجَعَلوا عُضادَتَيْه حِجارةً، قال: وجَعَلوا يَنقُلون ذلكَ الصَّخْرَ وهُم يَرتَجِزون ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معهم يقول: اللهمَّ إنَّه لا خَيرَ إلَّا خَيرُ الآخِرهْ ** فانصُرِ الأنصارَ والمُهاجِرهْ
كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يأتينا بمكةَ كلَّ يومٍ مرتينِ فلمَّا كان يومٌ من ذلك جاءنا في الظهيرةِ فقالتْ يا أبتِ هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فبأبي وأمي ما جاء به هذه الساعةَ إلا أمرٌ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هل شعرتَ أنَّ اللهَ قد أذِنَ لي في الخروجِ فقال أبو بكرٍ فالصحابةُ يا رسولَ اللهِ قال الصحابةُ قال إنَّ عندي راحلتينِ قد علفتُهما منذُ كذا وكذا انتظارًا لهذا اليومِ فَخُذْ إحْدَاهُمَا فقال بثمنِها يا أبا بكرٍ فقال بثمنِها بأبي وأمي إنْ شئتَ قالتْ فهيأْنا لهم سفرةً ثم قطعتْ نطاقَها فربَطَتْها ببعضِه فخرجا فمكثا في الغارِ في جبلِ ثورٍ فلما انتهيا إليه دخل أبو بكرٍ الغارَ قبلَه فلم يتركْ فيه جحرًا إلا أدخل فيه أصبعَه مخافةَ أنْ يكونَ فيه هامةٌ وخرجتْ قريشٌ حين فقدوهما في بغائِهما وجعلوا في النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مائةَ ناقةٍ وخرجوا يطوفون في جبالِ مكةَ حتى انتهوا إلى الجبلِ الذي هما فيه فقال أبو بكرٍ لرجلٍ مُواجِهٍ الغارَ يا رسولَ اللهِ إنه لَيرانا فقال كلا إنَّ ملائكةً تسترُنا بأجنحتِها فجلس ذلك الرجلُ فبال مُواجِهٍ الغارَ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لو كان يرانا ما فعل هذا فمكثا ثلاثَ ليالٍ يروحُ عليهما عامرُ بنُ فهيرةَ مولى أبي بكرٍ غنمًا لأبي بكرٍ ويُدْلِجُ من عندِهما فيُصبحُ مع الرعاةِ في مَراعِيها ويروحُ معهم ويُبطئُ في المشيِ حتى إذا أظلمَ الليلُ انصرفَ بغنمِه إليهما فتظنُّ الرعاةُ أنه معهم وعبدُ اللهِ بنِ أبي بكرٍ يظلُّ بمكةَ يتَطَلبُ الأخبارَ ثم يأتيِهما إذا أظلَمَ الليلُ فيُخبرُهما ثم يُدلِجُ من عندِهما فيُصبحُ بمكةَ ثم خرجا من الغارِ فأخذا على الساحلِ فجعل أبو بكرٍ يسيرُ أمامَه فإذا خشي أن يُؤتى من خلفِه سارا خلْفَه فلم يزلْ كذلِك مسيرَه وكان أبو بكرٍ رجلًا معروفًا في الناسِ فإذا لقِيَه لاقٍ فيقولون من هذا معك فيقولُ هادٍ يهديني يريدُ الهدى في الدِّينِ وحَسِبَ الآخرُ دليلًا حتى إذا كان بأبياتِ قُدَيْدٍ وكان على طريقِهما جاء إنسانٌ إلى بني مُدْلِجٍ فقال قد رأيتُ راكبينِ نحو الساحلِ فإني لَأجدُهما لَصاحبَ قريشٍ الذي تبغون فقال سراقةُ بنُ مالكٍ ذانِك راكبينِ ممن بعثْنا في طلبةِ القومِ ثم دعا جاريتَه فسارَّها فأمرَها أنْ تُخْرِجَ فرسَه ثم خرج في آثارِهما قال سراقةُ فدنوتُ منهما حتى أني لَأسمعُ قراءةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ثم رَكَضَتِ الفرسُ فوقعتْ بمَنْخِرَيْها فأخرجتُ قِداحتي من كنانتي فضربتُ بها أضرُّه أم لا أضرُّه فخرج لا تضرُّه فأبتْ نفسي حتى أتَّبِعَه فأتيتُ ذلك الموضعَ فوقعتِ الفرسُ فاسْتَخْرَجْتُ يدَيْه مرةً أُخرى فضربتُ بالقداحِ أضرُّه أم لا فخرج لا تضرُّه فأبَتْ نفسي حتى إذا كنتُ منه بمثلِ ذلك الموضعِ خشيةَ أن يُصيبَني مثلُ ما أصابني بأَذِيَّتِه فقلتُ إني أرى سيكونُ لك شأنٌ فقِفْ أُكَلِّمُك فوقفَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فسألَه أنْ يكتبَ له أمانًا فأمر أنْ يكتبَ فكتب له قال سراقةُ فلمَّا كان يومَ حنينٍ وأخرجْتُه وناديتُ أنا سراقةُ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومُ وفاءٍ قال سراقةُ فما شُبِّهَتْ ساقُه في غَرْزِهِ إلا بحِمارٍ فذكرتُ شيئًا أسألُه عنه فقلتُ يا رسولَ اللهِ إنِّي رجلٌ ذا نَعَمٍ، وإِنَّ الحِيَاضَ تُمْلَأُ من الماءِ، فنَشْرَبُ فيفْضُلُ من الماءِ في الحِيَاضِ، فيَرِدُ الْهَمَلُ فهل لي في ذلِك من أجرٍ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نعمْ في كلِّ كبدٍ حَرَّى أجرٌ
أنَّ نبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَزَلَ في بيتِنا الأسفَلِ، وكُنتُ في الغُرْفةِ، فأُهريقَ ماءٌ في الغُرْفةِ، فقُمتُ أنا وأُمُّ أيُّوبَ بقَطيفةٍ لنا نَتَّبِعُ الماءَ؛ شَفَقةَ أنْ يَخلُصَ الماءُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فنَزَلتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأنا مُشفِقٌ، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّه ليس يَنبَغي أنْ نكونَ فَوقَك، انتَقِلْ إلى الغُرْفةِ، فأمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمَتاعِه فنُقِلَ، ومَتاعُه قَليلٌ، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، كُنتَ تُرسِلُ إلَيَّ بالطَّعامِ، فأنظُرُ فإذا رَأيتُ أثَرَ أصابِعِكَ وَضَعتُ يَدي فيه، حتى إذا كان هذا الطَّعامُ الذي أرسَلتَ به إلَيَّ، فنَظَرتُ فيه فلمْ أرَ فيه أثَرَ أصابِعِكَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أجَلْ؛ إنَّ فيه بَصَلًا، فكَرِهتُ أنْ آكُلَه مِن أجْلِ المَلَكِ الذي يَأتيني، وأمَّا أنتُم فكُلوهُ
أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كتَب إلى قَيْصَرَ يدعوه إلى الإسلامِ، وبعَث كتابَه مع دِحْيةَ الكلبيَّ، وأمَرَه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يدفَعَه إلى عظيمِ بُصرَى، ليدفَعَه إلى قَيْصَرَ، فدفَعَه عظيمُ بُصْرى إلى قَيْصَرَ، وكان قَيْصَرُ لما كشَف اللهُ عزَّ وجلَّ عنه جنودَ فارسَ مشَى من حِمْصَ إلى إيلياءَ على الزَّرابيِّ تُبسَطُ له، فقال عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ: فلمَّا جاء قَيْصَرَ كتابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال حينَ قرأه: التَمِسوا لي مِن قومِه مَن أسأَلُه عن رسولِ اللهِ، قال ابنُ عبَّاسٍ: فأخبَرَني أبو سُفْيانَ بنُ حربٍ أنه كان بالشامِ في رجالٍ من قُرَيشٍ قدِموا تُجَّارًا، وذلك في المدةِ التي كانت بينَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبينَ كفارِ قُرَيشٍ، قال أبو سُفْيانَ: فأتاني رسولُ قَيصَرَ، فانطَلَق بي وبأصحابي، حتى قدِمْنا إيلياءَ، فأدَخَلَنا عليه، فإذا هو جالسٌ في مجلِسِ مُلكِه، عليه التاجُ، وإذا حولَه عظماءُ الرومِ، فقال لتُرجُمَانِه: سَلْهم أيُّهم أقربُ نسَبًا بهذا الرجُلِ الذي يزعُمُ أنه نبِيٌّ؟ قال أبو سُفْيانَ: أنا أقرَبُهم إليه نسَبًا، قال: ما قرابَتُكَ منه؟ قال: قلتُ: هو ابنُ عمِّي. قال أبو سُفْيانَ: وليس في الرَّكْبِ يومئذٍ رجُلٌ من بني عبدِ مَنافٍ غيري، قال: فقال قَيصَرُ: أدْنُوه مني، ثم أمَر بأصحابي، فجُعِلوا خلفَ ظهري عندَ كَتِفي، ثم قال لتُرجُمَانِه: قُلْ لأصحابِه: إنِّي سائلٌ هذا عن هذا الرجُلِ الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ، فإن كذَب، فكَذِّبوه، قال أبو سُفْيانَ: فواللهِ لولا الاستحياءُ يومئذٍ أنْ يأثُرَ أصحابي عني الكَذِبَ لكذَبتُه حينَ سألني، ولكني استحَيْتُ أنْ يأثُروا عني الكَذِبَ، فصدَقْتُه عنه، ثم قال لتُرجُمَانِه: قُلْ له: كيفَ نسَبُ هذا الرجُلِ فيكم؟ قال: قلتُ: هو فينا ذو نسَبٍ، قال: فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قطُّ قبلَه؟ قال: قلتُ: لا، قال: فهل كنتُم تَتَّهِمونَه في الكَذِبِ قبلَ أنْ يقولَ ما قال؟ قال: فقلتُ: لا، قال: فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ؟ قال: قلتُ: لا، قال: فأشرافُ الناسِ اتَّبَعوه، أم ضُعفاؤُهم؟ قال: قلتُ: بل ضُعفاؤُهم، قال: فيَزيدونَ أم ينقُصونَ؟ قال: قلتُ: بل يَزيدونَ، قال: فهل يرتَدُّ أحدٌ سَخْطةً لدينِه بعدَ أنْ يدخُلَ فيه؟ قال: قلتُ: لا، قال: فهل يغدِرُ؟ قال: قلتُ: لا، ونحنُ الآنَ منه في مدةٍ، ونحنُ نخافُ ذلك، قال أبو سُفْيانَ: ولم تُمْكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا أنتقِصُه به غيرَها، لا أخافُ أنْ يُؤثَرَ عني، قال: فهل قاتَلْتُموه، أو قاتَلَكم؟ قال: قلتُ: نعَمْ، قال: كيفَ كانت حربُكم وحربُه؟ قال: قلتُ: كانت دُوَلًا سِجالًا نُدالُ عليه المرةَ، ويُدالُ علينا الأخرى، قال: فبِمَ يأمُرُكم؟ قال: قلتُ: يأمُرُنا أنْ نعبُدَ اللهَ وحدَه، ولا نشركَ به شيئًا، ويَنْهانا عما كان يعبُدُ آباؤُنا، ويأمُرُنا بالصَّلاةِ، والصدقِ، والعَفافِ، والوفاءِ بالعهدِ، وأداءِ الأمانةِ، قال: فقال لتُرجُمانِه حينَ قلتُ له ذلك: قُلْ له: إنِّي سألتُكَ عن نسَبِه فيكم، فزعَمتَ أنه فيكم ذو نسَبٍ، وكذلك الرُّسُلُ تُبعَثُ في نسَبِ قومِها، وسألتُكَ: هل قال هذا القولَ أحدٌ منكم قطُّ قبلَه؟ فزعَمتَ: أنْ لا، فقلتُ: لو كان أحدٌ منكم قال هذا القولَ قبلَه، قلتُ: رجُلٌ يأتَمُّ بقولٍ قيلَ قبلَه، وسألتُكَ: هل كنتُم تتَّهِمونَه بالكَذِبِ قبلَ أنْ يقولَ ما قال؟ فزعَمتَ: أنْ لا، فقد أعرِفُ أنَّه لم يكُنْ ليَذَرَ الكَذِبَ على الناسِ، ويكذِبَ على اللهِ عزَّ وجلَّ، وسألتُكَ: هل كان مِن آبائِه مِن مَلِكٍ؟ فزعَمتَ: أنْ لا، فقلتُ: لو كان من آبائِه مَلِكٌ، قلتُ: رجُلٌ يطلُبُ مُلْكَ آبائِه، وسألتُكَ: أشرافُ الناسِ يَتَّبِعونَه، أم ضُعفاؤُهم؟ فزعَمتَ: أنَّ ضُعفاءَهم اتَّبَعوه، وهم أتباعُ الرُّسُلِ، وسألتُكَ: هل يَزيدونَ، أم ينقُصونَ؟ فزعَمتَ: أنَّهم يَزيدونَ، وكذلك الإيمانُ حتى يتِمَّ، وسألتُكَ: هل يرتَدُّ أحدٌ سَخْطةً لدينِه بعدَ أنْ يدخُلَ فيه؟ فزعَمتَ: أنْ لا، وكذلك الإيمانُ حينَ يُخالِطُ بَشاشةَ القلوبِ، لا يسخَطُه أحدٌ، وسألتُكَ: هل يغدِرُ؟ فزعَمتَ: أنْ لا، وكذلك الرُّسُلُ، وسألتُكَ: هل قاتَلْتُموه وقاتَلَكم؟ فزعَمتَ: أنْ قد فعَل، وأنَّ حربَكم وحربَه يكونُ دُوَلًا، يُدالُ عليكم المرةَ، وتُدالونَ عليه الأخرى، وكذلك الرُّسُلُ تُبتلَى، ويكونُ لها العاقبةُ، وسألتُكَ: بماذا يأمُرُكم؟ فزعَمتَ: أنَّه يأمُرُكم أنْ تعبُدوا اللهَ عزَّ وجلَّ وحدَه، لا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنْهاكم عما كان يعبُدُ آباؤُكم، ويأمُرُكم بالصدقِ، والصَّلاةِ، والعَفافِ، والوفاءِ بالعهدِ، وأداءِ الأمانةِ، وهذه صفةُ نبيٍّ قد كنتُ أعلَمُ أنَّه خارجٌ، ولكن لم أظُنَّ أنَّه منكم، فإنْ يكُنْ ما قلتَ فيه حقًّا، فيُوشِكُ أنْ يملِكَ موضِعَ قدَمَيَّ هاتينِ، واللهِ، لو أرجو أنْ أخلُصَ إليه، لتجَشَّمْتُ لُقِيَّه، ولو كنتُ عندَه، لغسَلتُ عن قدَمَيْه، قال أبو سُفْيانَ: ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأمَرَ به، فقُرِئ، فإذا فيه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه إلى هِرَقلَ عظيمِ الرومِ، سلامٌ على مَن اتَّبَع الهُدَى، أما بعدُ: فإنِّي أدعوكَ بداعيةِ الإسلامِ، أسلِمْ تسلَمْ، وأسلِمْ يُؤتِكَ اللهُ أجرَكَ مرَّتينِ، فإنْ ولَّيْتَ فعليكَ إثمُ الأَرِيسِيِّينَ –يعني: الأكَرَةَ- و{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]. قال أبو سُفْيانَ: فلمَّا قضَى مَقالتَه، علَتْ أصواتُ الذينَ حولَه مِن عظماءِ الرومِ، وكثُر لغَطُهم، فلا أدري ماذا قالوا، وأمَر بنا فأُخرِجْنا، قال أبو سُفْيانَ: فلمَّا خرَجتُ مع أصحابي وخلَصْتُ لهم، قلتُ لهم: أَمِرَ أَمْرُ ابنِ أبي كَبْشةَ، هذا مَلِكُ بني الأصفَرِ يخافُه. قال أبو سُفْيانَ: فواللهِ ما زلتُ ذليلًا مُستيقِنًا أنَّ أمرَه سيظهَرُ، حتى أدخَلَ اللهُ قلبي الإسلامَ، وأنا كارِهٌ
فذَكَرَه [أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ أخبَرَه: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَتَبَ إلى قَيصَرَ يَدعوه إلى الإسلامِ، وبَعَثَ كِتابَه مَعَ دِحيةَ الكَلبيِّ، وأمَرَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَدفَعَه إلى عَظيمِ بُصرى ليَدفَعَه إلى قَيصَرَ، فدَفَعَه عَظيمُ بُصرى إلى قَيصَرَ، وكان قَيصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عنه جُنودَ فارِسَ مَشى مِن حِمصَ إلى إيلياءَ على الزَّرابيِّ تُبسَطُ له، فقال عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ: فلَمَّا جاءَ قَيصَرَ كِتابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال حينَ قَرَأهُ: التَمِسوا لي مِن قَومِه مَن أسألُه عن رَسولِ اللهِ، قال ابنُ عَبَّاسٍ: فأخبَرَني أبو سُفيانَ بنُ حَربٍ أنَّه كان بالشَّامِ في رِجالٍ مِن قُرَيشٍ قدِموا تُجَّارًا، وذلك في المُدَّةِ التي كانَت بَينَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبَينَ كُفَّارِ قُرَيشٍ، قال أبو سُفيانَ: فأتاني رَسولُ قَيصَرَ، فانطَلَقَ بي وبأصحابي، حَتَّى قدِمنا إيلياءَ، فأدخَلَنا عليه، فإذا هو جالِسٌ في مَجلِسِ مُلكِه، عليه التَّاجُ، وإذا حَولَه عُظَماءُ الرُّومِ، فقال لتُرجُمانِه: سَلْهُم أيُّهُم أقرَبُ نَسَبًا بهذا الرَّجُلِ الذي يَزعُمُ أنَّه نَبيٌّ؟ قال أبو سُفيانَ: أنا أقرَبُهم إليه نَسَبًا، قال: ما قَرابَتُكَ منه؟ قال: قُلتُ: هو ابنُ عَمِّي، قال أبو سُفيانَ: وليس في الرَّكبِ يَومَئِذٍ رَجُلٌ مِن بَني عَبدِ مَنافٍ غَيري، قال: فقال قَيصَرُ: أدنوه مِنِّي، ثُمَّ أمَرَ بأصحابي، فجُعِلوا خَلفَ ظَهري عِندَ كَتِفي، ثُمَّ قال لتُرجُمانِه: قُل لأصحابِه: إنِّي سائِلٌ هذا عن هذا الرَّجُلِ الذي يَزعُمُ أنَّه نَبيٌّ، فإن كَذَبَ فكَذِّبوه، قال أبو سُفيانَ: فواللهِ لَولا الِاستِحياءُ يَومَئِذٍ أن يَأثُرَ أصحابي عَنِّي الكَذِبَ لكذَبتُه حينَ سَألَني، ولَكِنِّي استَحيَيتُ أن يَأثُروا عَنِّي الكَذِبَ، فصَدَقتُه عنه، ثُمَّ قال لتُرجُمانِه: قُلْ له: كَيفَ نَسَبُ هذا الرَّجُلِ فيكُم؟ قال: قُلتُ: هو فينا ذو نَسَبٍ، قال: فهَل قال هذا القَولَ مِنكُم أحَدٌ قَطُّ قَبلَه؟ قال: قُلتُ: لا، قال: فهَل كُنتُم تَتَّهِمونَه في الكَذِبِ قَبلَ أن يَقولَ ما قال؟ قال: فقُلتُ: لا، قال: فهَل كان مِن آبائِه مِن مَلِكٍ؟ قال: قُلتُ: لا، قال: فأشرافُ النَّاسِ اتَّبَعوه أم ضُعَفاؤُهم؟ قال: قُلتُ: بَل ضُعَفاؤُهم، قال: فيَزيدونَ أم يَنقُصونَ؟ قال: قُلتُ: بَل يَزيدونَ، قال: فهَل يَرتَدُّ أحَدٌ سُخطةً لدينِه بَعدَ أن يَدخُلَ فيه؟ قال: قُلتُ: لا، قال: فهَل يَغدِرُ؟ قال: قُلتُ: لا، ونَحنُ الآنَ منه في مُدَّةٍ، ونَحنُ نَخافُ ذلك، قال أبو سُفيانَ: ولَم تُمكِنِّي كَلِمةٌ أُدخِلُ فيها شَيئًا أنتَقِصُه به غَيرَها، لا أخافُ أن يُؤثَرَ عَنِّي، قال: فهَل قاتَلتُموه أو قاتلكم؟ قال: قُلتُ: نَعَم، قال: كَيفَ كانَت حَربُكُم وحَربُه؟ قال: قُلتُ: كانَت دُوَلًا سِجالًا، نُدالُ عليه المَرَّةَ، ويُدالُ علينا الأُخرى، قال: فبِمَ يَأمُرُكُم؟ قال: قُلتُ: يَأمُرُنا أن نَعبُدَ اللهَ وحدَه ولا نُشرِكَ به شَيئًا، ويَنهانا عَمَّا كان يَعبُدُ آباؤُنا، ويَأمُرُنا بالصَّلاةِ والصِّدقِ، والعَفافِ والوفاءِ بالعَهدِ، وأداءِ الأمانةِ، قال: فقال لتُرجُمانِه حينَ قُلتُ له ذلك: قُل له: إنِّي سَألتُكَ عن نَسَبِه فيكُم فزَعَمتَ أنَّه فيكُم ذو نَسَبٍ، وكَذلك الرُّسُلُ تُبعَثُ في نَسَبِ قَومِها، وسَألتُكَ: هَل قال هذا القَولَ أحَدٌ مِنكُم قَطُّ قَبلَه؟ فزَعَمتَ أنْ لا، فقُلتُ: لَو كان أحَدٌ مِنكُم قال هذا القَولَ قَبلَه، قُلتُ: رَجُلٌ يَأتَمُّ بقَولٍ قيلَ قَبلَه، وسَألتُكَ: هَل كُنتُم تَتَّهِمونَه بالكَذِبِ قَبلَ أن يَقولَ ما قال؟ فزَعَمتَ أنْ لا، فقد أعرِفُ أنَّه لم يَكُنْ ليَذَرَ الكَذِبَ على النَّاسِ، ويَكذِبَ على اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وسَألتُكَ: هَل كان مِن آبائِه مِن مَلِكٍ؟ فزَعَمتَ أنْ لا، فقُلتُ: لَو كان مِن آبائِه مَلِكٌ، قُلتُ: رَجُلٌ يَطلُبُ مُلكَ آبائِه، وسَألتُكَ: أشرافُ النَّاسِ يَتَّبِعونَه أم ضُعَفاؤُهم؟ فزَعَمتَ أنَّ ضُعَفاءَهمُ اتَّبَعوه، وهم أتباعُ الرُّسُلِ، وسَألتُكَ: هَل يَزيدونَ أم يَنقُصونَ؟ فزَعَمتَ أنَّهم يَزيدونَ، وكَذلك الإيمانُ حَتَّى يَتِمَّ، وسَألتُكَ: هَل يَرتَدُّ أحَدٌ سُخطةً لدينِه بَعدَ أن يَدخُلَ فيه؟ فزَعَمتَ أنْ لا، وكَذلك الإيمانُ حينَ يُخالِطُ بَشاشتُه القُلوبَ لا يَسخَطُه أحَدٌ، وسَألتُكَ: هَل يَغدِرُ؟ فزَعَمتَ أنْ لا، وكَذلك الرُّسُلُ، وسَألتُكَ: هَل قاتَلتُموه وقاتلكم؟ فزَعَمتَ أنْ قد فعَلَ، وأنَّ حَربَكُم وحَربَه يَكونُ دُوَلًا، يُدالُ عليكُمُ المَرَّةَ، وتُدالونَ عليه الأُخرى، وكَذلك الرُّسُلُ تُبتَلى، ويَكونُ لها العاقِبةُ، وسَألتُكَ: بماذا يَأمُرُكُم؟ فزَعَمتَ أنَّه يَأمُرُكُم أن تَعبُدوا اللهَ عَزَّ وجَلَّ وحدَه لا تُشرِكوا به شَيئًا، ويَنهاكُم عَمَّا كان يَعبُدُ آباؤُكُم، ويَأمُرُكُم بالصِّدقِ، والصَّلاةِ، والعَفافِ، والوفاءِ بالعَهدِ، وأداءِ الأمانةِ، وهذه صِفةُ نَبيٍّ قد كُنتُ أعلَمُ أنَّه خارِجٌ، ولَكِنْ لم أظُنَّ أنَّه مِنكُم، فإن يَكُنْ ما قُلتَ فيه حَقًّا فيوشِكُ أن يَملِكَ مَوضِعَ قدَمَيَّ هاتَينِ، واللهِ لَو أرجو أن أخلُصَ إليه لَتَجَشَّمتُ لُقِيَّه، ولَو كُنتُ عِندَه لَغَسَلتُ عن قدَمَيه! قال أبو سُفيانَ: ثُمَّ دَعا بكِتابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأمَرَ به، فقُرِئَ، فإذا فيه: بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، مِن مُحَمَّدٍ عَبدِ اللهِ ورَسولِه إلى هِرَقلَ عَظيمِ الرُّومِ، سَلامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمَّا بَعدُ فإنِّي أدعوكَ بداعيةِ الإسلامِ، أسلِمْ تَسلَمْ، وأسلِمْ يُؤتِكَ اللهُ أجرَكَ مَرَّتَينِ، فإن تَولَّيتَ فعليك إثمُ الأريسيِّينَ -يَعني الأَكَرةَ- و {يا أهلَ الكِتابِ تَعالَوا إلى كَلِمةٍ سَواءٍ بَينَنا وبَينَكُم ألَّا نَعبُدَ إلَّا اللهَ ولا نُشرِكَ به شَيئًا ولا يَتَّخِذَ بَعضُنا بَعضًا أربابًا مِن دونِ اللهِ فإن تَولَّوا فقولوا اشهَدوا بأنَّا مُسلِمونَ} [آل عمران: 64] قال أبو سُفيانَ: فلَمَّا قَضى مَقالتَه، عَلَت أصواتُ الذينَ حَولَه مِن عُظَماءِ الرومِ، وكَثُرَ لَغَطُهم، فلا أدري ماذا قالوا، وأمَرَ بنا فأُخرِجنا، قال أبو سُفيانَ: فلَمَّا خَرَجتُ مَعَ أصحابي وخَلَصتُ لهم، قُلتُ لهم: أَمِرَ أمرُ ابنِ أبي كَبشةَ! هذا مَلِكُ بَني الأصفَرِ يَخافُه! قال أبو سُفيانَ: فواللهِ ما زِلتُ ذَليلًا مُستَيقِنًا أنَّ أمرَه سَيَظهَرُ، حَتَّى أدخَلَ اللهُ قَلبيَ الإسلامَ، وأنا كارِهٌ]
بَعَثني النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُصَدِّقًا، فمَرَرتُ برَجُلٍ فجَمَع لي مالَه لم أجِدْ عليه فيها إلَّا ابنَةَ مَخاضٍ، فقُلتُ له: أدِّ ابنةَ مَخاضٍ فإنَّها صَدَقَتُكَ، فقالَ: ذاكَ ما لا لَبَنَ فيه ولا ظَهْرَ، ولكِنْ هذه ناقةٌ عَظيمةٌ سَمينةٌ فخُذْها، فقلت له: ما أنا بآخِذٍ ما لم أُؤْمَرْ به، وهذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منكَ قَريبٌ، فإنْ أحبَبْتَ أن تَأتِيَه فتَعرِضَ عليه ما عَرَضْتَ عَلَيَّ فافعَلْ، فإنْ قَبِلَه منكَ قَبِلتُه، وإنْ رَدَّه عليكَ رَدَدتُه، قالَ: فإنِّي فاعِلٌ، قالَ: فخَرَج معي، وخَرَج بالنَّاقةِ الَّتي عَرَض عَلَيَّ حتَّى قَدِمنا على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: يا نَبِيَّ الله، أتاني رَسولُكَ ليَأخُذَ من صَدَقةِ مالي، وايمُ اللهِ ما قام في مالي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولا رَسولُه قَطُّ قَبْلَه فجَمَعتُ له مالي، فزَعَم أنَّ ما عَلَيَّ فيه إلَّا ابنَةُ مَخاضٍ، وذاكَ ما لا لَبَن فيه ولا ظَهْرَ، وقد عَرَضتُ عليه ناقةً عَظيمةً ليَأخُذَها فأبى عَلَيَّ، وها هي ذِهِ قد جِئتُكَ بها -يا رَسولَ اللهِ- خُذْها، فقالَ له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ذلكَ الَّذي عليكَ، فإنْ تَطَوَّعتَ بخَيرٍ أَجَرَكَ اللهُ فيه وقَبِلناه منكَ. قالَ: فها هي ذِهِ -يا رَسولَ اللهِ- قد جِئتُكَ بها فخُذْها، قالَ: فأمَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقَبضِها، ودعا في مالِه بالبَرَكةِ
أنَّ اللهَ لمَّا خلَقَها، وأراد إبْرازَها للخلْقِ للانتفاعِ بها، قالتِ الملائكةُ: لا يقدِرونَ عليها. فأمَرَ بها فغُمِسَت في البحرِ، ثمَّ أُخْرِجَت، فنَظَروا إليها فقالوا: لا يقدِرونَ عليها. فأمَرَ بها فغُمِسَت ثانيةً، وحينئذٍ رجَعَت إلى الحدِّ الَّتي هي فيه
أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مرَّ بالعرجِ فإذا هوَ بحمارٍ عقيرٍ فلم يلبث أن جاءَ رجلٌ من بهزٍ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ هذا رميَّتي فشأنُكم بها فأمرَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أبا بكرٍ فقسَّمَهُ بينَ الرِّفاقِ ثمَّ سارَ حتَّى أتى عقبةَ الأثايةِ فإذا هوَ بظبيٍ فيهِ سهمٌ وهوَ حاقفٌ في ظلِّ صخرةٍ فأمرَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ رجلًا من أصحابِهِ فقالَ قف هاهنا حتَّى يمرَّ الرِّفاقُ لا يرميهِ أحدٌ بشيءٍ
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهمإحدى عضديه مثل ثدي المرأةآتاه الله من أنواع المالبسم الله رب هذا الغلامانصر الأنصار والمهاجرةلا خير إلا خير الآخرةكتاب النبي إلى قيصرما يغديه أو يعشيهفي كل كبد حرى أجرانتقل إلى الغرفةالتوكل على اللهيمرقون من الدينالسهم من الرميةثامنوني بحائطكمآتاه الله مالاأول الناس يقضىآيتهم رجل أسودثامنوني حائطكمغمسها في البحرألقي في النارأصحاب الأخدودسراقة بن مالكاركبوها صحاحاصحيفة المتلمسقبور المشركينعامر بن فهيرةالوفاء بالعهدإبرازها للخلقرجعت إلى الحدالمن والسلوىسحب على وجههذات النطاقينأردت أن يقالالبيت الأسفلدعوة الإسلامالانتفاع بهاعقبة الأثايةامرأة فرعونيوم القيامةذو الخويصرةكلوها سمانابناء المسجدمرابض الغنمأثر الأصابعدحية الكلبيآل عمران 64دعا بالبركةتعلم العلمقرأ القرآنثلاثة رجالأنفق المالابن الدغنةبرك الغماداتقوا اللهبنو النجاربني النجارعظيم الرومناقة عظيمةفشأنكم بهارسول اللهأول الناسإنما أردتمسجد قباءخبت وخسرتأبو سفيانأسلم تسلمكلمة سواءعظيم بصرىابنة مخاضتطوع بخيرلا يقدرونحمار عقيرابن عباسالذباحونيقضى فيهجمر جهنمأبو أيوبالمهاجرةالملائكةقف هاهناعاشوراءالسامريقرة عينالإيمانأبو بكرغار ثورالمدينةالأزلامالبهائمالأنصارالصحابةأم أيوبالزرابياستشهدالرياءالغلامالراهبالأعمىالأقرعالمسجد
تخريج حديث فأمر فيه بالعفو
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








