أحاديث عن: عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح
وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا قال : لوحٌ من ذهبٍ فيه مكتوبٌ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، عجبًا لمَن أيقنَ بالموتِ كيفَ يفرحُ ، وعجبًا لمن يعرفُ كيفَ يضحكُ ، وعجبًا لمن يعرفُ الدُّنيا وتحويلَها بأهلِها كيفَ يطمئنُّ إليها ، وعجبًا لمن يؤمنُ بالقضاءِ والقدرِ كيفَ ينصبُ في طلبِ الرزقِ ، وعجبًا لمن يؤمنُ بالحسابِ كيفَ يعملُ الخطايا ، لا إلهَ إلَّا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ
عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ { وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا } قال لوحٌ من ذهبِ فيه مكتوبٌ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ عجبًا لمن أيقنَ بالموتِ كيفَ يفرحُ وعجبًا لمن يعرفُ النارَ كيفَ يضحكُ وعجبًا لمن يعرفُ الدُّنيا وتحويلَها بأهلِها كيفَ يطمئِنُّ إليها وعجبًا لمن يؤمنُ بالقضاءِ والقدرِ كيفَ ينصبُ في طلبِ الرزقِ وعجبًا لمن يؤمنُ بالحسابِ كيفَ يعملُ الخطايا لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ
3
✔ صحيح📌 لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه
سألْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما عن قولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لموسى صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40]، فسألْتُه عن الفُتونِ؟ فقال: استأنِفِ النَّهارَ يا ابنَ جُبيرٍ؛ فإنَّ لها حديثًا طويلًا. قال: فغدوْتُ على ابنِ عبَّاسٍ لأنتجِزَ ما وَعَدني مِن حديثِ الفُتونِ، فقال: تذاكَرَ فِرعونُ وجُلساؤُه ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أنْ يجعَلَ في ذُرِّيتَه أنبياءَ ومُلوكًا؛ فقال بعضُهم: إنَّ بني إسرائيلَ لينتظِرونَ ذلك ما يشُكُّون فيه، وقد كانوا يظنُّونَ أنَّه يُوسفُ بنُ يعقوبَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فلمَّا هلَكَ قالوا: ليس هكذا كان، إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال فِرعونُ: فكيف تَرَونَ؟ فائْتَمَروا، واجتمَعوا أمْرَهم على أنْ يبعَثَ رِجالًا بالشِّفارِ، يَطُوفون في بني إسرائيلَ، فلا يَجِدون مولودًا ذكَرًا إلَّا ذَبَحوه، ففَعَلوا ذلك، فلمَّا أنْ رَأَوا أنَّ الكبارَ في بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالِهم، والصِّغارَ يُذْبَحونَ، قالوا: أتوشِكونَ أنْ تُفْنوا بني إسرائيلَ، فتَصيروا إلى أنْ تُباشِروا مِن الأعمالِ والخدمةِ الَّتي كانوا يَكْفُونكم؟ فاقْتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيقِلَّ نَباتُهم، ودَعُوا عامًا، فلا تَقْتلوا منهم أحدًا، فيشِبَّ الصِّغارُ مكانَ مَن يموتُ مِن الكبارِ، فإنَّهم لنْ يَكْثروا بمَن تَسْتحيون، فتخافوا مُكاثرتَهم إياكم، ولنْ يَفْنَوا بمَن تقتُلونَ، فتحتاجونَ إليهم، فأجْمَعوا أمْرَهم على ذلك، فحمَلَت أُمُّ موسى بهارونَ عليهما السَّلامُ العامَ الَّذي لا يُذْبَحُ فيه الغِلمانُ، فولدَتْه عَلانيةً، فلمَّا كان مِن قابلٍ حمَلَتْ بمُوسى عليه السَّلامُ، فوقَعَ في قلْبِها مِن الهَمِّ والحزنِ. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، ما دخَلَ عليه في دهو بَطْنِ أُمِّه ممَّا يُرادُ به، فأوحَى اللهُ تعالى إليها: {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7]، وأمَرَها أنْ إذا ولَدَتْ أنْ تجعَلَه في تابوتٍ، ثمَّ تُلْقِيه في اليمِّ، فلمَّا ولَدَت فعَلَت ذلك به، فألْقَته في اليمِّ، فلمَّا توارى عنها ابنُها أتاها الشَّيطانُ، فقالت في نفْسِها: ما فعَلْتُ بابني؟! لو ذُبِحَ لبِثَ عندي فرأيْتُه وكفَّنْتُه، كان أحَبَّ إليَّ مِن أنْ أُلْقِيَه بيدي إلى دوابِّ البحرِ وحِيتانِه، وانتهى الماءُ به حتَّى أرفَأَ به عند فُرْضَةُ مُسْتَقى جواري امرأةِ فِرعونَ، فلمَّا رأيْنَه أخذْنَه، فهمَمْنَ أنْ يفتحْنَ التَّابوتَ، فقالت بعضُهنَّ: إنَّ في هذا مالًا، وإنَّا إنْ فتحْناه لم تُصدِّقْنا امرأةُ الملِكِ بما وجَدْنا فيه، فحمَلْنَه بهيئةٍ لم يُحرِّكْنَ منه شيئًا، دفعْنَه إليها، فلمَّا فتحَتْه رأتْ فيه غُلامًا، فأُلْقِيَ عليه منها محبَّةٌ لم تُلْقَ مثْلُها على البشَرِ قطُّ، وأصبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فارغًا مِن ذِكْرِ كلِّ شَيءٍ إلَّا مِن ذِكْرِ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا سمِعَ الذَّابِحونَ بأمْرِه أقبلوا بشِفارِهم إلى امرأةِ فرعونَ ليذبَحُوه -وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت للذَّبَّاحينَ: أقِرُّوه؛ فإنَّ هذا الواحدَ لا يَزيدُ في بني إسرائيلَ حتَّى آتِيَ فِرعونَ فأسْتَوْهِبَه منه، فإنْ وهَبَه لي كنْتُم قد أحسنْتُم وأجمَلْتُم، وإنْ أمَرَ بذبْحِه لم أَلُمْكم، فأتَتْ به فرعونَ، فقالت: قُرَّةُ عينٍ لي ولك، قال فِرعونُ: يكونُ لك، فأمَّا لي فلا حاجةَ لي في ذلك. قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: والَّذي أحلِفُ به، لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه، ولكنَّ اللهَ حرَمَه ذلك. فأرسَلَتْ إلى مَن حولَها، مِن كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ، تختارُ لها ظِئرًا، فجعَلَ كلَّما أخذَتْه امرأةٌ منهنَّ، فترُضِعُه، لم يَقْبَلْ ثَدْيَها، حتَّى أشفَقَت عليه امرأةُ فِرعونَ أنْ يَمتنِعَ مِن اللَّبنِ فيموتَ، فأحْزَنَها ذلك، فأمرَتْ به، فأُخْرِجَ إلى السُّوقِ وتجمَّعَ النَّاسُ، تَرْجو أنْ تجِدَ له ظِئرًا يأخُذُ منها، فلم يَقْبَلْ، وأصبَحَتْ أُمُّ موسى والهةً، فقالت لأُخْتِه: قُصِّيه -يعني: أثَرَهُ- واطْلُبِيه، هل تسمعينَ له ذِكْرًا؟ أحيٌّ ابْني أمْ قد أكلَتْه الدَّوابُّ؟ ونسِيَت ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها فيه، فبَصُرتْ به أختُه عن جُنُبٍ وهم لا يَشعُرونَ، والجُنُبُ: أنْ يبصِرَ الإنسانُ إلى الشَّيءِ البعيدِ وهو إلى جَنْبِه لا يشعُرُ به، فقالت مِن الفرحِ حين أعياهم الظُّؤارتُ: أنا {أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12]، فأخَذُوها فقالوا: ما يُدريك ما نُصْحُهم له؟ هل يعرِفونَه؟ حتَّى شكُّوا في ذلك -فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت: نصيحَتُهم له وشفقَتُهم عليه رغبةً في صِهر الـمَلِك، ورجاءَ مَنفعتِه، فأرْسَلوها، فانطلَقَتْ إلى أُمِّها فأخبرتْها الخبرَ، فجاءتْ أُمُّه، فلمَّا وضعَتْه في حِجْرِها، نزَا إلى ثَدْيِها، فمَصَّه حتَّى امتلَأَ جَنباهُ رِيًّا، وانطلَقَ البشيرُ إلى امرأةِ فرعونَ: أنْ قد وجَدْنا لابْنِك، فأرسَلَتْ إليها، فأُوتِيتْ بها وبه، فلمَّا رأت ما يصنَعُ، قالت لها: امْكُثي عندي؛ تُرْضِعي ابني هذا، فإنِّي لم أحجِبْه شيئًا قطُّ، فقالت أُمُّ مُوسى: لا أستطيعُ أنْ أدَعَ بيتي وولدي، فيَضيعَ، فإنْ طابتْ نفْسُك أنْ تُعْطِيَنه، فأذهَبَ به إلى مَنْزلي، فيكونَ معي لا آلوهُ خيرًا، فعلْتُ، وإلَّا فإنِّي غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي، وذكَرَت أُمُّ مُوسى عليه السَّلامُ ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فتعاسَرَت على امرأةِ فرعونَ، وأيقنَتْ بأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يُنْجِزُ موعودَه، فرجَعَتْ إلى بيتِها بابنِها مِن يومِها، فأنبَتَه اللهُ نباتًا حسنًا، وحفِظَه لِمَا قد قَضى فيه، فلم يزَلْ بنو إسرائيلَ وهم في ناحيةِ القريةِ مُمْتنعينَ يَمْتنعونَ به مِن السُّخرةِ ما كان فيهم. فلمَّا تَرعرَعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأُمِّ مُوسى: أريدُ أنْ تُرِيني ابني، فوعَدَتْها يومًا تُرِيها فيه إيَّاه، فقالتِ امرأةُ فِرعونَ لخُزَّانِها، وظُؤورتِها، وقَهارِمَتِها: لا يَبْقينَّ أحدٌ منكم إلَّا استقبَلَ ابني اليومَ بهَديَّةٍ وكَرامةٍ؛ لِأَرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أمينًا يُحْصِي ما يصنَعُ كلُّ إنسانٍ منكم، فلم تَزَلِ الهدايا والكرامةُ والنِّحلةُ، تَستقبِلُه مِن حينِ خرَجَ مِن بيتِ أُمِّه إلى أنْ دخَلَ على امرأةِ فرعونَ، فلمَّا دخَلَ عليها بجَّلَتْه، وأكرمَتْه، وفرِحَت به، وأعجَبَها، ونحَلَت أُمَّه؛ لحُسْنِ أثَرِه، ثمَّ قالت: لآتيَنَّ به فِرعونَ، فليَنْحَلَنَّه، وليُكْرِمَنَّه، فلمَّا دخَلَتْ به عليه، جعَلَه في حِجْرِه، فتناوَلَ مُوسى لِحيةَ فرعونَ، فمَدَّها إلى الأرضِ، فقال الغواةُ مِن أعداءِ اللهِ لفرعونَ: ألَا ترى إلى ما وعَدَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إبراهيمَ نَبِيَّه عليه السَّلامُ أنَّه يرِثُك، ويَعْلوك، ويصرَعُك، فأرسَلَ إلى الذَّبَّاحينَ، وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، بعدَ كلِّ بلاءٍ ابتُلِيَ به، أو أُرِيدَ به فُتونًا. فجاءت امرأةُ فِرعونَ تَسْعى إلى فرعونَ، فقالت: ما بدا لك في هذا الغلامِ الَّذي وهَبْتَه لي؟ قال: ألَا تَرَيْنَه يزعُمُ أنَّه يصرَعُني ويَعْلوني؟ قالت: اجْعَلْ بيني وبينك أمرًا تعرِفُ فيه الحقَّ؛ ائْتِ بجَمْرتينِ ولُؤلؤتَينِ، فقَرِّبْهما إليه، فإنْ بطَش باللُّؤلؤتَينِ واجتنَبَ الجَمْرتينِ، عرَفْتَ أنَّه يعقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرتَينِ ولم يُرِدِ اللُّؤلؤتَينِ، علِمْتَ أنَّ أحدًا لا يُؤثِرُ الجَمرتينِ على اللُّؤلؤتينَ وهو يعقِلُ، فقُرِّبَ ذلك إليه، فتناوَلَ الجَمرتَينِ، فانْتَزَعوهما مِن يَدِه، وخافت أنْ يحرِقَا يدَيْه، فقالت المرأةُ: ألَا ترى؟! فصرَفَه اللهُ عنه بعدما كان قد هَمَّ به، وكان الله عَزَّ وجَلَّ بالغًا فيه أمْرَه. فلمَّا بلَغَ أشُدَّه وصار مِن الرِّجالِ، لم يكُنْ أحدٌ مِن آلِ فِرعونَ يخلُصُ إلى أحدٍ مِن بني إسرائيلَ معه بظُلمٍ، ولا يخرُجُ حتَّى امْتَنعوا كلَّ الامتناعِ. فبينما مُوسى عليه السَّلامُ يَمْشي في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجُلينِ يَقْتتلانِ؛ أحدُهما فرعونيٌّ، والآخرُ إسرائيليٌّ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فغضِبَ مُوسى عليه السَّلامُ غضبًا شديدًا؛ لأنَّه تناوَلَ وهو يعلَمُ منزلةَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن بَني إسرائيلَ، وحِفْظَه لهم، لا يعلَمُ النَّاسُ إلَّا إنَّما ذلك مِن الرَّضاعِ إلَّا أُمُّ مُوسى، إلَّا أنْ يكونَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أَطْلَعَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليه غيرَه. فوكَزَ مُوسى عليه السَّلامُ الفرعونيَّ، فقتَلَه، وليس يراهما أحدٌ إلَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فقال مُوسى عليه السَّلامُ حين قتَلَ الرَّجلَ: هذا مِن عمَلِ الشَّيطانِ؛ إنَّه عدُوٌّ مُضِلٌّ مُبينٌ، ثمَّ قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ}، إلى قولِه: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16]. {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18] الأخبارَ، فأُتِيَ فِرعونُ فقيلَ: إنَّ بني إسرائيلَ قد قتَلَتْ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحَقِّنا، ولا تُرخِّصْ لهم، فقال: ابْغُوني قاتِلَه ومَن شهِدَ عليه؛ فإنَّ الملِكَ وإنْ كان صَفْوُه مع قومِه، لا يستقيمُ له أنْ يُقِيدَ بغيرِ بيِّنةٍ، ولا ثَبَتٍ، فانْظُروا في عِلْمِ ذلك آخُذْ لكم بحَقِّكم، فبينا هم يَطوفونَ لا يَجِدونَ شيئًا، إذا موسى عليه السَّلامُ قد رأى في الغدِ ذلك الإسرائيليَّ يقتُلُ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ آخرَ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادَفَ مُوسى عليه السَّلامُ قد ندِمَ على ما كان منه، فكَرِهَ الَّذي رأى، فغضِبَ الإسرائيليُّ وهو يُريدُ أنْ يبطِشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ -لِمَا فعَلَ أمسِ واليومَ-: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص: 18]. فنظَرَ الإسرائيليُّ إلى مُوسى عليه السَّلامُ بعدما قال له ما قال، فإذا هو غضبانُ كغضَبِه بالأمسِ الَّذي قتَلَ به الفرعونيَّ، فخاف أنْ يكونَ بعدما قال له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} إيَّاه أراد، ولم يكُنْ أراده، إنَّما أراد الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، فحاجَزَ الفرعونيَّ، فقال: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]؟ وإنَّما قال ذلك؛ مخافةَ أنْ يكون إيَّاهُ أراد مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يقتُلَه، فتنازَعَا. فانطلَقَ الفرعونيُّ إلى قومِه، فأخبَرَهم بما سمِعَ مِن الإسرائيليِّ مِن الخبرِ حين يقولُ: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]، فأرسَلَ فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتُلوا موسى عليه السَّلامُ، فأخَذَ رُسلُ فرعونَ الطَّريقَ الأعظمَ يَمْشون على هَيئتِهم يطلُبونَ مُوسى عليه السَّلامُ، وهم لا يخافونَ أنْ يفوتَهم، فجاء رجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى عليه السَّلامُ مِن أَقْصى المدينةِ، فاختصَرَ طريقًا قريبًا حتَّى سبَقَهم إلى موسى عليه السَّلامُ فأخْبَرَه. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ. فخرَجَ مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ مدينَ لم يلْقَ بلاءً قبلَ ذلك، وليس له علمٌ بالطَّريقِ إلَّا حُسْنَ الظَّنِّ بربِّه عَزَّ وجَلَّ، فإنَّه قال: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص: 22]. {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} إلى {تَذُودَانِ} [القصص: 23]، يعني بذلك: حابستَينِ غنَمَهما، فقال لهما: ما خطْبُكما مُعتزلتَينِ لا تَسْقيانِ مع النَّاسِ؟ قالتا: ليس لنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القومَ، وإنَّما ننتظِرُ فُضولَ حياضِهم، فسقى لهما، فجعَلَ يغرِفُ بالدَّلْوِ ماءً كثيرًا، حتَّى كانتا أوَّلَ الرِّعاءِ فراغًا، فانصرَفَتا بغنَمِهما إلى أبيهما، وانصرَفَ موسى عليه السَّلامُ، فاستظَلَّ بشجرةٍ، وقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، فاستنكَرَ أبوهما سُرعةَ صُدورِهما بغنَمِهما حُفَّلًا بطانًا، فقال: إنَّ لكما اليومَ لشأنًا، فأخبَرَتَاه بما صنَعَ موسى عليه السَّلامُ، فأمَرَ إحداهما أنْ تَدْعُوَه له، فأتَتْ موسى عليه السَّلامُ فدَعَتْه، فلمَّا كلَّمَه قال: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25]، ليس لفِرعونَ ولا لقومِه علينا سُلطانٌ، ولسْنا في مَمْلكتِه. قال: فقالت إحداهما: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، فاحتمَلَتْه الغَيرةُ على أنْ قال: وما يُدريكِ ما قُوَّتُه؟ وما أمانَتُه؟ قالت: أمَّا قُوَّتُه: فما رأيْتُ في الدَّلوِ حين سَقى لنا، لم أرَ رجُلًا قطُّ في ذلك المَسْقى أقوى منه، وأمَّا أمانَتُه: فإنَّه نظَرَ إليَّ حين أقبلْتُ إليه وشَخَصْتُ له، فلمَّا علِمَ إنِّي امرأةٌ، صوَّبَ رأْسَه لم يرفَعْه، ولم ينظُرْ إليَّ حتَّى بلَّغْتُه رِسالتَك، ثمَّ قال لي: امشِي خلفي، وانْعَتي لي الطَّريقَ، لم يفعَلْ هذا إلَّا وهو أمينٌ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقَها، وظَنَّ به الَّذي قالت له. فقال له: هل لك {أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}، إلى قوله: {مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص: 27]، ففعَلَ، فكانت على نَبِيِّ اللهِ موسى عليه السَّلامُ ثمانيَ سنينَ واجبةً، وكانت سنتانِ عِدَةً منه، فقَضَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عنه عِدَتَه فأتمَّها عشْرًا. قال سَعيدٌ: فلَقِيَني رجُلٌ مِن أهلِ النَّصرانيَّةِ مِن عُلمائِهم، فقال: هلْ تَدْري أيَّ الأجلينِ قضى مُوسى عليه السَّلامُ؟ قلْتُ: لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقِيتُ ابنَ عبَّاسٍ، فذكَرْتُ ذلك له، فقال: أمَا علِمْتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ عليه السَّلامُ واجبةً، لم يكُنْ نبيُّ اللهِ ليَنْقُصَ منها شيئًا، وتعلَمُ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ كان قاضيًا عن مُوسى عليه السَّلامُ عِدَتَه الَّتي وعَدَ، فإنَّه قضى عشْرَ سنينَ. فلقِيتُ النَّصرانيَّ، فأخبَرْتُه بذلك، فقال: الَّذي سألْتَه فأخبَرَك أعلَمُ منك بذلك؟ قلْتُ: أجلْ، وأَولى. فلمَّا سار مُوسى عليه السَّلامُ بأهلِه كان مِن أمْرِ النَّارِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القُرآنِ، وأمْرِ العصا ويَدِه، فشكا إلى ربِّه عَزَّ وجَلَّ ما يتخوَّفُ مِن آلِ فرعونَ في القتيلِ، وعُقدةَ لسانِه، فآتاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ سُؤْلَه، وحَلَّ عُقدةً مِن لسانِه، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى هارونَ عليه السَّلامُ، وأمَرَه أنْ يلقاهُ، واندفَعَ مُوسى عليه السَّلامُ بعصاهُ، حتَّى لقِيَ هارونَ عليه السَّلامُ، وانطلَقَا جميعًا إلى فرعونَ، فأقاما حِينًا على بابِه لا يُؤْذَنُ لهما، فقالا: إنَّا رسولَا ربِّك، قال: فمَن ربُّكما يا موسى؟ فأخبراهُ بالَّذي قَصَّ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليك في القُرآنِ، قال: فما تُريدانِ؟ وذكَّرَه القتيلَ، واعتذَرَ بما قد سمِعْتَ، وقال: أريدُ أنْ تُؤمِنَ باللهِ، وأنْ تُرْسِلَ معي بني إسرائيلَ، فأبى عليه، وقال: ائتِ بآيةٍ إنْ كنْتَ مِن الصَّادقينَ، فألقى عصاه فإذا هي حيَّةٌ عظيمةٌ، فازعةٌ، فاغرةٌ فاها، مُسرعةٌ إلى فرعونَ، فلمَّا رآها فِرعونُ قاصدةً إليه خافها، فاقتحَمَ عن سَريرِه، واستغاثَ بمُوسى عليه السَّلامُ أنْ يكُفَّها عنه، ففعَلَ، ثمَّ أخرَجَ يَدَه مِن جَيْبِه، فرآها بيضاءَ مِن غيرِ سُوءٍ، يعني: مِن غيرِ برَصٍ، فرَدَّها، فعادت إلى لونِها الأوَّلِ. فاستشارَ الملَأَ حولَه فيما رأى، فقالوا له: {هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} [طه: 63] الآيةَ، والمُثْلى: مُلْكُهم الَّذي هم فيه والعيشُ. فأَبَوا على مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يُعْطُوه شيئًا ممَّا طلَبَ، وقالوا له: اجمَعْ لهما السَّحرةَ؛ فإنَّهم بأرضِك كثيرٌ، حتَّى نغلِبَ سِحْرَهما، وأرسَلَ في المدائنِ، فحُشِرَ له كلُّ ساحرٍ مُتعالمٍ، فلمَّا أَتَوا على فرعونَ، قالوا: ما يعمَلُ هذا السَّاحرُ؟ قالوا: يعمَلُ الحيَّاتِ، قالوا: فلا واللهِ ما أحدٌ في الأرضِ يعمَلُ السِّحرَ والحيَّاتِ والحبالَ والعِصِيَّ الَّذي نعمَلُ، فما أجْرُنا إنْ نحن غلَبْنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصَّتي، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شَيءٍ أحببتم، فتَواعَدوا يومَ الزِّينةِ وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى. قال سعيدٌ: فحدَّثني ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ يومَ الزِّينةِ اليومُ الَّذي أظهَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيه مُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ والسَّحرةِ هو يومُ عاشوراءَ. فلمَّا اجتمعوا في صَعيدٍ، قال النَّاسُ بعضُهم لبعضٍ: انطَلِقوا، فنتخبَّرْ هذا الأمْرَ، {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 40]، يعنون مُوسى وهارونَ عليهما السَّلامُ؛ استهزاءً بهما، فقالوا: يا موسى -لِقُدْرتِهم في أنفُسِهم بسِحْرِهم- إمَّا أنْ تُلْقِيَ، وإمَّا أنْ نكونَ نحن المُلْقينَ، قال: بل ألْقُوا. {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء: 44]، فرأى مُوسى عليه السَّلامُ مِن سِحْرِهم ما أوجَسَ في نفْسِه خِيفةً، فأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إليه: أنْ ألْقِ عصاك، فلمَّا ألقاها، صارت ثُعبانًا عظيمًا فاغرةً فاها، فجُعِلَتِ العِصِيُّ بدَعوةِ مُوسي عليه السَّلامُ تلتبِسُ بالحبالِ، حتَّى صارتْ جُرُزًا إلى الثُّعبانِ تَدخُل فيه، حتَّى ما أبقَتْ عصًا ولا حبلًا إلَّا ابتلعَتْه. فلمَّا عرَفَ السَّحرةُ ذلك، قالوا: لو كان هذا سِحرٌ لم يَبلُغْ مِن سِحرِنا كلَّ هذا، ولكنَّه أمْرٌ مِن اللهِ، آمنَّا باللهِ ربِّنا وما جاء به مُوسى عليه السَّلامُ، ونتوبُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ ممَّا كنَّا عليه. وكسَرَ اللهُ ظهْرَ فِرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِه، وأظهَرَ الحقَّ، وبطَلَ ما كانوا يعمَلونَ، فغُلِبوا هنالك وانقَلَبوا صاغِرينَ. وامرأةُ فِرعونَ بارزةٌ مُتبذِّلَةٌ تَدْعو بالنَّصرِ لمُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ، فمَن رآها مِن آلِ فرعونَ ظَنَّ أنَّها إنَّما تبذَّلَتْ للشفقةِ على فِرعونَ وأشياعِه، وإنَّما كان حُزْنُها وهمُّها لمُوسى عليه السَّلامُ. فلمَّا طال مُكْثُ مُوسى عليه السَّلامُ لمواعيدِ فِرعونَ الكاذبةِ، كلَّما جاءه بآيةٍ وعَدَه عندها أنْ يُرْسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا مضَتْ أخلَفَ موعِدَه، وقال: هل يستطيعُ ربُّك أنْ يصنَعَ غيرَ هذا؟ فأرسَلَ اللهُ عليه وعلى قومِه الطُّوفانَ، والجرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادعَ، آياتٍ مُفصَّلاتٍ، كلُّ ذلك يَشْكو إلى موسى عليه السَّلامُ، ويطلُبُ إليه أنْ يكُفَّها عنه، ويُواثِقُه على أنْ يُرسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا كَفَّ ذلك عنه، أخلَفَ موعِدَه ونكَثَ عهدَه. فأُمِرَ موسى عليه السَّلامُ بالخُروجِ بقومِه، فخرَجَ بهم ليلًا، فلمَّا أصبَحَ فرعونُ ورأى أنَّهم قد مَضَوا، أرسَلَ في المدائنِ حاشرينَ، فتبِعَهم بجُنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى البحرِ: أنْ إذا ضرَبَك مُوسى بعصاهُ، فانفرِقْ له اثنتَيْ عشْرةَ فِرقةً، حتَّى يجوزَ موسى عليه السَّلامُ ومَن معه، ثمَّ الْتَئَمَ على مَن بقِيَ بعدُ مِن فرعونَ وأشياعِه، فنسِيَ مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يضرِبَ البحرَ بالعصا، فانْتَهى إلى البحرِ وله قصيفٌ؛ مخافةَ أنْ يَضرِبَه موسى عليه السَّلامُ، وهو غافِلٌ، فيصيرَ عاصيًا اللهَ عَزَّ وجَلَّ. فلمَّا تراءى الجَمْعانِ وتقارَبَا، قال أصحابُ موسى: إنَّا لمُدْرَكونَ، افعَلْ ما أمرَكَ به ربُّك عَزَّ وجَلَّ؛ فإنَّك لم تكذِبْ ولم تُكْذَبْ، فقال: وعَدَني ربِّي عَزَّ وجَلَّ إذا أتيْتُ البحرَ، انفرَقَ لي اثنتيْ عشْرةَ فِرقةً حتَّى أُجاوزَه، ثمَّ ذكَرَ بعدَ ذلك العصا، فضرَبَ البحرَ بعصاه حين دنا أوائلُ جُندِ فرعونَ مِن أواخرِ جُندِ مُوسى عليه السَّلامُ، فانفرَقَ البحرُ كما أمَرَه اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكما وُعِدَ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا أنْ جاوَزَ موسى عليه السَّلامُ وأصحابُه البحرَ، ودخَلَ فِرعونُ وأصحابُه، الْتَقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ. فلمَّا جاوَزَ مُوسى عليه السَّلامُ البحرَ، قال أصحابُه: إنَّا نخافُ ألَّا يكونَ فِرعونُ قد غرِقَ، فلا نُؤمِنُ بهلاكِه، فدعا ربَّه عَزَّ وجَلَّ، فأخرَجَه له ببدنه حتَّى استيْقَنوا بهلاكِه. ثمَّ مَرُّوا بعدَ ذلك {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، إلى {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139]، قد رأيتُمْ مِن العِبَرِ، وسمِعْتُم ما يَكْفيكم، ومَضَى. فأنزَلَهم مُوسى عليه السَّلامُ منزلًا، ثمَّ قال لهم: أطيعوا هارونَ عليه السَّلامُ؛ فإنِّي قد استخلفْتُه عليكم، وإنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي عَزَّ وجَلَّ، وأجَّلَهم ثلاثينَ يومًا أنْ يَرجِعَ إليهم فيها، فلمَّا أتى ربَّه وأراد أنْ يُكلِّمَه ثلاثينَ يومًا، وقد صامهنَّ: ليلَهنَّ ونهارَهنَّ، وكرِهَ أنْ يُكلِّمَ ربَّه عَزَّ وجَلَّ ورِيحُ فَمِه رِيحُ فَمِ الصَّائمِ، فتناوَلَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن نباتِ الأرضِ شيئًا فمضَغَه، فقال له ربُّه عَزَّ وجَلَّ حين لقاه: لِمَ أفطرْتَ؟ -وهو أعلَمُ بالَّذي كان- قال: يا ربِّ، إنِّي كرِهْتُ أنْ أُكلِّمَك إلَّا وفَمِي طيِّبُ الرِّيحِ، قال: أوما علِمْتَ يا مُوسى أنْ رِيحَ فَمِ الصَّائمِ أطيبُ عندي مِن رِيحِ المِسْكِ؟ ارجِعْ حتَّى تصومَ عشْرًا ثمَّ ائْتِني، ففعَلَ مُوسى عليه السَّلامُ ما أُمِرَ به. فلمَّا رأى قومُ مُوسى عليه السَّلامُ أنَّه لم يرجِعْ إليهم للأجَلِ ساءَهم ذلك، وكان هارونُ عليه السَّلامُ قد خطَبَهم، فقال لهم: خرجْتُم مِن مِصْرَ ولقومِ فرعونَ عندي عواري وودائعُ، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وأنا أرى أنْ تحتَسِبوا ما لكم عندهم، ولا أحلَّ لكم وديعةً اسْتُودِعْتُمُوها، ولا عاريَّةً، ولسنا برادِّين إليهم شيئًا مِن ذلك، ولا مُمْسِكيه لأنفُسِنا، فحفَرَ حفيرًا، وأمَرَ كلَّ قومٍ عليهم شَيءٌ مِن ذلك؛ مِن متاعٍ أو حِليةٍ أنْ يَقْذِفوه في ذلك الحفيرِ، ثمَّ أوقَدَ عليه النَّارَ، فأحرَقَه، فقال: لا يكونُ لنا، ولا لهم. وكان السَّامريُّ رجلًا مِن قومٍ يَعْبُدون البقرَ جيرانٍ لهم، ولم يكُنْ مِن بني إسرائيلَ، فاحتملَ مع مُوسى عليه السَّلامُ وبني إسرائيلَ حين احْتملوا، فقُضِيَ له أنْ رأى أثرًا، فأخَذَ منه بقبْضَتِه، فمَرَّ بهارونَ، فقال له هارونُ عليه السَّلامُ: يا سامريُّ، ألَا تُلْقي ما في يدَيْك؟ وهو قابضٌ عليه لا يَراه أحدٌ طوالَ ذلك، فقال: هذه قبْضةٌ مِن أثرِ الرَّسولِ الَّذي جاوَزَ بكم البحرَ، ولا أُلْقيها لشَيءٍ إلَّا أنْ تَدْعُوَ اللهَ إذا ألقيْتُها أنْ تكونَ ما أُرِيدُ، فألْقاها، ودعا اللهَ هارونُ عليه السَّلامُ، فقال: أريدُ أنْ يكونَ عِجْلًا، واجتمَعَ ما كان في الحُفرةِ مِن متاعٍ له، أو حِلْيةٍ، أو نحاسٍ، أو حديدٍ، فصار عِجْلًا أجوفَ ليس فيه رُوحٌ، له خُوارٌ. قال ابنُ عبَّاسٍ: لا واللهِ ما كان له صوتٌ قطُّ، إنَّما كانت الرِّيحُ تدخُلُ مِن دُبُرِه وتخرُجُ مِن فَمِه، فكان ذلك الصَّوتُ مِن ذلك. فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا؛ فقالت فِرقةٌ: يا سامريُّ، ما هذا فأنت أعلَمُ به؟ قال: هذا ربُّكم عَزَّ وجَلَّ، ولكنَّ مُوسى عليه السَّلامُ أضَلَّ الطَّريقَ. وقالت فِرقةٌ: لا نُكذِّب بهذا حتَّى يرجِعَ إلينا مُوسى، فإنْ كان ربَّنا لم نكُنْ ضيَّعْناه وعجَزْنا فيه حِينَ رأيْناه، وإنْ لم يكُنْ ربَّنا، فإنَّا نتَّبِعُ قولَ مُوسى عليه السَّلامُ. وقالت فِرقةٌ: هذا عمَلُ الشَّيطانِ، وليس بربِّنا، ولا نُؤْمِنُ، ولا نُصدِّقُ. وأُشْرِبَ فِرقةٌ في قُلوبِهم التَّصديقَ بما قال السَّامريُّ في العجلِ، وأعْلَنوا التَّكذيبَ، فقال لهم هارونُ عليه السَّلامُ: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ} [طه: 90]، وإنَّ ربَّكم ليس هكذا، قالوا: فما بالُ مُوسى عليه السَّلامُ؛ وعَدَنا ثلاثينَ يومًا ثمَّ أخلَفَنا، فهذه أربعونَ قد مَضَت؟! فقال سُفهاؤُهم: أخطَأَ ربَّه، فهو يطلُبُه ويتبَعُه. فلمَّا كلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مُوسى عليه السَّلامُ وقال له ما قال، أخبَرَه بما لقِيَ قومُه بعده. {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه: 86]، وقال لهم ما سمِعْتُم في القُرآنِ وأخَذَ برأْسِ أخِيه، وألْقى الألواحَ مِن الغضَبِ، ثمَّ عذَرَ أخاه بعُذْرِه، واستغفَرَ له، وانصرَفَ إلى السَّامريِّ، فقال له: ما حمَلَك على ما صنعْتَ؟ قال: قبَضْتُ قبضةً مِن أثرِ الرَّسولِ وفطِنْتُ لها، وعُمِّيَت عليكم، فقَذفْتُها؛ وكذلك سوَّلَت لي نَفْسي. قال: {اذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ} إلى قولِه: {نَسْفًا} [طه: 97]، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منه. فاستيقَنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ، واغْتَبَطَ الَّذين كان رأيُهم فيه مثلَ رأيِ هارونَ عليه السَّلامُ، فقالوا بجماعتِهم لمُوسى عليه السَّلامُ: سَلْ لنا ربَّك عَزَّ وجَلَّ أنْ يفتَحَ لنا بابَ توبةٍ نصنَعُها؛ فيُكَفِّرَ عنَّا ما عمِلْنا، فاختارَ موسى عليه السَّلامُ قومَه سبعينَ رجُلًا لذلك -لا يأْلُو الخيرَ- خيارَ بني إسرائيلَ، ومَن لم يُشْرِكْ في العجلِ. فانطلَقَ بهم ليسأَلَ لهم التَّوبةَ، فرجَفَتْ بهم الأرضُ، فاستحيا نبيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من قومِه ووفْدِه حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ، فقال: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155]، وفيهم مَن قد كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ اطَّلَعَ على ما أُشْرِبَ قلبُه من حُبِّ العجلِ وإيمانِه به؛ فلذلك رجَفَت بهم الأرضُ. فقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] إلى: {فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]، فقال: رَبِّ سألْتُك التَّوبةَ لقومي، فقلْتَ: إنَّ رحمتي كتبْتُها لقومٍ غيرِ قومي، فليتَكَ أخَّرْتَني حين تُخْرِجُني حيًّا في أُمَّةِ ذلك الرَّجلِ المرحومةِ، فقال اللهُ له: إنَّ توبتَهم أنْ يقتُلَ كلُّ رجُلٍ منهم مَن لقِيَ مِن والدٍ أو ولدٍ، فيقتُلَه بالسَّيفِ لا يُبَالي مَن قتَلَ في ذلك الموطنِ، وتاب أولئك الَّذين كان خفِيَ على موسى وهارونَ عليهما السلام ما اطَّلَعُ اللهُ عليهم من ذُنوبِهم، فاعتَرَفوا بها، وفعَلوا ما أُمِروا، وغفَرَ اللهُ للقاتِلِ والمقتولِ. ثمَّ سار بهم مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ الأرضِ المُقدَّسةِ، وأخَذَ الألواحَ بعدما سكَتَ عنه الغضبُ، وأمَرَهم بالَّذي أُمِرَ به أنْ يُبَلِّغَهم من الوظائفِ، فثقُلَ ذلك عليهم، وأبَوا أنْ يُقِرُّوا بها، فنتَقَ اللهُ عليهم الجبلَ كأنَّه ظُلَّةٌ، ودنا منهم حتَّى خافوا أنْ يقَعَ عليهم، فأخَذُوا الكتابَ بأيمانِهم وهم يَصْغُون ينظُرونَ إلى الجبلِ والأرضِ، والكتابُ بأيديهم وهم يَنظُرونَ إلى الجبلِ؛ مخافةَ أنْ يقَعَ عليهم، ثمَّ مَضَوا إلى الأرضِ المُقدَّسةِ، فوَجَدوا مدينةَ قومٍ جبَّارينَ خَلْقُهم مُنْكرٌ، وذكَرَ من ثِمارِهم أمرًا عجَبًا من عِظَمِها، فقالوا: يا موسى، إنَّ فيها قومًا جبَّارينَ لا طاقةَ لنا بهم، ولا ندخُلُها ما داموا فيها، فإنْ يَخْرجوا منها فإنَّا داخِلونَ، قال رجُلانِ من الَّذين يَخافونَ مِن الجبَّارينَ: آمنَّا بمُوسى عليه السَّلامُ، فخرَجَا إليه، فقالا: نحنُ أعلَمُ بقومِنا، إنْ كنتُمْ إنَّما تَخافونَ ما رأيتُمْ من أجسامِهم وعدَدِهم، فإنَّهم لا قُلوبَ لهم، ولا مَنعةَ عندهم، فادْخُلوا عليهم البابَ، فإذا دخلْتُموه فإنَّكم غالِبونَ. ويقولُ أناسٌ: إنَّهما من قومِ مُوسى عليه السَّلامُ. وزعَمَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ أنَّهما من الجبَّارينَ آمَنَا بمُوسى، بقولِه: {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} [المائدة: 23]: إنَّما عَنى بذلك: مِن الَّذين يَخافونَ بني إسرائيلَ. {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، فأغْضَبوا مُوسَى عليه السَّلامُ، فدعا عليهم، وسمَّاهم فاسقينَ، ولم يدْعُ عليهم قبلَ ذلك؛ لِمَا رأى منهم من المعصيةِ وإساءتِهم حتَّى كان يومئذٍ، فاستجابَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ له، فسمَّاهم كما سمَّاهم مُوسى عليه السَّلامُ فاسقينَ، فحرَّمَها عليهم أربعينَ سَنةً يَتِيهون في الأرضِ؛ يُصْبِحون كلَّ يومٍ، فيَسِيرونَ ليس لهم قرارٌ، ثمَّ ظلَّلَ عليهم الغمامَ في التِّيهِ، وأنزَلَ عليهم المَنَّ والسَّلوى، وجعَلَ لهم ثيابًا لا تَبْلى، ولا تتَّسِخُ، وجعَلَ بين ظَهرِهم حَجرًا مُربَّعًا، وأمَرَ مُوسى عليه السَّلامُ فضرَبَه بعصاهُ، فانفجَرَ منه اثنتا عشْرةَ عينًا، في كلِّ ناحيةٍ ثلاثةُ أعينٍ، وأعلَمَ كلَّ سِبْطٍ عينَهم الَّتي يَشْربون منها، فلا يَرْتحِلونَ من مَنزلٍ إلَّا وجدوا ذلك الحجرَ منهم بالمكانِ الَّذي كان منه أمسِ
كان الجارودُ بنُ المُعلَّى بنِ حنشِ بنِ مُعلَّى العبديُّ نصرانيًّا حسنَ المعرفةِ بتفسير الكتبِ وتأويلِها عالمًا بسِيَرِ الفرسِ وأقاويلِها بصيرًا بالفلسفةِ والطبِّ ظاهرَ الدّهاءِ والأدبِ كاملَ الجمالِ ذا ثروةٍ ومالٍ وأنه قدم على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وافدًا في رجالٍ من عبدِ القَيس ِذوي آراءَ وأسنانَ وفصاحةٍ وبيانٍ وحُجَجٍ وبرهانٍ فلما قدم على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقف بين يدَيه وأشار إليه وأنشأ يقول يا نبيَّ الهدى أتتك رجالٌ قطَعْتَ فَدْفدًا وآلًا فآلا وطوتْ نحوَك الصَّحاصحَ تَهوي لا تُعدُّ الكلالَ فيك كلالا كلُّ بهماءَ قصَّر الطرفُ عنها أرقلتْها قلاصُنا إرقالًا وطوتها العِتاقُ يجمح فيها بكماةٍ كأنجُمٍ تتلالا تبتغي دفعَ بأسِ يومٍ عظيمٍ هائلٍ أوجعَ القلوبَ وهالا ومزادًا لمحشرِ الخلقِ طُرًّا وفراقًا لمن تمادى ضلالًا نحو نورٍ من الإله وبرهانٍ وبرٍّ ونعمةٍ أن تنالا خصَّك اللهُ يا ابنَ آمنةَ الخيرَ بها إذا أتت سِجالا سِجالا فاجعلِ الحظَّ منك يا حُجَّةَ اللهِ جزيلًا لا حظَّ خلَّف أحالا قال فأدناه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقرَّب مجلسَه وقال له يا جارودُ لقد تأخَّر الموعودُ بك وبقومِك فقال الجارودُ فداك أبي وأمي أما من تأخر عنك فقد فاته حظُّه وتلك أعظمُ حُوبةً وأغلظُ عقوبةً وما كنتُ فيمن رآك أو سمِع بك فعدَاك واتَّبع سواك وإني الآنَ على دينٍ قد علمتَ به قد جئتُك وها أنا تارِكٌه لدِينك أفذلك مما يُمحِّصُ الذنوبَ والمآثمَ والحوبَ ويرضي الربَّ عن المربوب ِفقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنا ضامنٌ لك ذلك وأخلصِ الآن لله بالوحدانيةِ ودَعْ عنك دِينَ النصرانيةِ فقال الجارودُ فداك أبي وأمي مُدَّ يدَك فأنا أشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له وأشهدُ أنك محمدٌ عبدُه ورسولُه قال فأسلَم وأسلم معه أناسٌ من قومه فسُرَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بإسلامِهم وأظهر من إكرامِهم ما سُرُّوا به وابتهجوا به ثم أقبل عليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال أفيكم من يعرفُ قُسَّ بنَ ساعدةَ الإياديَّ فقال الجارودُ فداك أبي وأمي كلُّنا نعرفُه وإني من بينهم لعالِمٌ بخبرِه واقفٌ على أمره كان قُسُّ يا رسولَ اللهِ سبطًا من أسباطِ العربِ عُمِّر ستمائةِ سنةٍ تقفرُ منها خمسةُ أعمارٍ في البراري والقِفارِ يضجُّ بالتَّسبيحِ على مثالِ المَسيحِ لا يُقِرُّه قرارٌ ولا تُكنُّه دارٌ ولا يَستمتِع به جارٌ كان يلبسُ الأمساحَ ويفوق السُّياحَ ولا يفتُر من رهبانيتِه يتحسَّى في سياحتِه بيضَ النعامِ ويأنسُ بالهوامِّ ويستمتِع بالظلامِ يبصر فيعتبِرْ ويُفكِّرُ فيختبِرْ فصار لذلك واحدًا تُضرب بحكمتِه الأمثالُ وتكشفُ به الأهوالُ أدرك رأسَ الحواريِّين سمعانَ وهو أولُ رجلٍ تألَّه من العربِ ووحَّد وأقر وتعبّد وأيقنَ بالبعث والحسابِ وحذَّر سوءَ المآبِ وأمر بالعمل قبل الفوتِ ووعظ بالموتِ وسلَّم بالقضا على السُّخطِ والرِّضا وزار القبورَ وذكر النشورَ وندب بالأشعارِ وفكر في الأقدارِ وأنبأ عن السماءِ والنماءِ وذكر النجومَ وكشف الماءَ ووصف البحارَ وعرف الآثارَ وخطب راكبًا ووعظ دائبًا وحذَّر من الكربِ ومن شدة الغضبِ ورسَّل الرسائلَ وذكَّر كل هائلٍ وأرغَم في خُطَبِه وبين في كتبِه وخوَّف الدهرَ وحذِرَ الأزْرَ وعظَّم الأمرَ وجنَّب الكفرَ وشوَّقَ إلى الحنيفيةِ ودعا إلى اللاهوتيَّةِ وهو القائلُ في يومِ عكاظ ٍشرقٌ وغربٌ ويتمٌ وحزبٌ وسلمٌ وحربٌ ويابسٌ ورطبٌ وأجاجٌ وعذبٌ وشموسٌ وأقمارٌ ورياحٌ وأمطارٌ وليلٌ ونهارٌ وإناثٌ وذكورٌ وبرارٌ وبحورٌ وحبٌّ ونباتٌ وآباءٌ وأمهاتٌ وجمعٌ وأشتاتٌ وآياتٌ في إثرِها آياتٌ ونورٌ وظلامٌ ويسرٌ وإعدامٌ وربٌّ وأصنامٌ لقد ضلَّ الأنامَ نشوُ مولودٍ ووأدُ مفقودٍ وتربيةُ محصودٍ وفقيرٌ وغنيٌّ ومحسنٌ ومسيءٌ تبًّا لأربابِ الغفلةِ ليصلحنَّ العاملُ عملَه وليفقدَنَّ الآملُ أملَه كلا بل هو إلهٌ واحدٌ ليس بمولودٌ ولا والدٍ أعاد وأبدَى وأمات وأحيا وخلق الذكرَ والأنثى ربُّ الآخرةِ والأولى أما بعدُ فيا معشر إيادٍ أين ثمودُ وعادٌ وأين الآباءُ والأجدادُ وأين العليلُ والعُوَّادُ كلٌّ له معادٌ يُقسِم قُسٌّ بربِّ العبادِ وساطحِ المهادِ لتحشرنّ على الانفرادِ في يومِ التَّنادِ إذا نُفِخ في الصورِ ونُقِر في الناقورِ وأشرقت الأرضُ ووعظ الواعظُ فانتبذ القانطُ وأبصر اللاحظُ فويلٌ لمن صدف عن الحقِّ الأشهرِ والنورِ الأزهرِ والعرضِ الأكبرِ في يوم الفصلِ وميزانِ العدلِ إذا حكم القديرُ وشهد النذيرُ وبعد النصيرُ وظهرَ التقصيرُ ففريقٌ في الجنةِ وفريقٌ في السَّعيرِ وهو القائلُ ذكَّرَ القلبَ من جواه ادِّكارٌ, وليالٌ خلا لهن نهارٌ وسجالٌ هواطلٌ من غمامٍ ثُرْن ماءً وفي جُواهن نارٌ ضوءُها يطمس العيونَ وأرعادٌ شدادٌ في الخافقَين تطارُ, وقصورٌ مُشيَّدةٌ حوَت الخير َوأخرى خلَت بهن قِفارٌ ,وجبالٌ شوامخٌ راسياتٌ وبحارٌ مياههن غزارٌ, ونجومٌ تلوح في ظُلَمِ الليلِ نراها في كلِّ يومٍ تُدارُ ثم شمسٌ يحثُّها قمرُ الليلِ وكلُّ متابعٍ مُوارٍ وصغيرٌ وأشمظُ وكبيرٌ كلُّهم في الصعيدِ يومًا مزارٌ ,وكبيرٌ مما يقصر عنه حدسِه الخاطرُ الذي لا يحارُ فالذي قد ذكرتُ دلَّ على اللهِ نفوسًا لها هديٌ واعتبارٌ. قال فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مهما نسيتُ فلستُ أنساه بسوقِ عكاظٍ واقفًا على جملٍ أحمرَ يخطب الناسَ اجتمعوا فاسمَعوا وإذا سمعتُم فعُوا وإذا وعَيتُم فانتفِعوا وقولوا وإذا قلتُم فاصدُقوا من عاش مات ومن مات فات وكلُّ ما هو آتٍ آتٍ مطرٌ ونباتٌ وأحياءٌ وأمواتٌ ليلٌ داج ٍوسماءٌ ذا أبراجٍ ونجومٌ تزهرُ وبحار ٌتزخرُ وضوءٌ وظلامٌ وليلٌ وأيامٌ وبرٌّ وآثامٌ إنَّ في السماء خبرًا وإنَّ في الأرض عِبَرًا يحارُ فيهنَّ البصرَا مهادٌ موضوعٌ وسقفٌ مرفوعٌ ونجومٌ تغورُ وبحارٌ لا تفورُ ومَنايا دوانٍ ودهرٌ خوَّانٌ كحدِّ النِّسطاسِ ووزنِ القُسطاسِ أقسمَ قُسُّ قسمًا لا كاذبًا فيه ولا آثمًا لئن كان في هذا الأمرِ رِضى ليكونن سخطٌ ثم قال أيها الناسُ إنَّ لله دينًا هو أحبُّ إليه من دينِكم هذا الذي أنتم عليه وهذا زمانُه وأوانه ثم قال ما لي أرى الناسَ يذهبون فلا يرجِعون أرَضُوا بالمقام فأقاموا أم تُرِكوا فناموا والتفت رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى بعض أصحابِه فقال أيكم يروي شعرَه لنا فقال أبو بكرٍ الصديقُ فداك أبي وأمي أنا شاهدٌ له في ذلك اليومِ حيث يقول في الذَّاهِبِينَ الأوَّلِينَ ... من القرون لنا بصائرْ لما رأيت مصارعا ... للقوم ليس لها مصادرْ ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأكابر والأصاغرْ أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ ... حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ قال فقام إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شيخٌ من عبدِ القَيسِ عظيمُ الهامة ِطويلُ القامةِ بعيدُ ما بين المنكبَينِ فقال فداك أبي وأمي وأنا رأيتُ من قُسٍّ عجبًا فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما الذي رأيتَ يا أخا بني عبدِ القَيسِ فقال خرجتُ في شبيبتي أربعُ بعيرًا لي ندَّ عني أقْفوا أثرَه في تنَائِفَ قَفَافٍ، ذاتِ ضَغابِيسَ، وعَرَصاتِ جَثْجاثٍ بينَ صُدورِ جُذعان، وغميرِ حَوذانٍ، ومَهَمهٍ ظَلمانِ، وَرصِيعِ أيْهُقانِ، فَبَينا أنا في تِلك الفَلوات أَجولُ بِسَبسَبِها، وأرنُقُ فَدْفَدها، إِذا أَنا بهضبة فِي نَشَزاتِها أَراكٌ كَباثٌ مُخْضَوْضِلَةٌ وَأَغصانُها مُتَهَدِّلَةٌ، كأنَّ بَرِيرَها حَبُّ الفُلْفُلِ وبواسِقُ أُقْحُوانٍ، وإذا بعينٍ خَرَّارَةٍ ورَوْضةٍ مُدْهامَّةٍ ، وشجرةٍ عارِمةٍ، وإذا أنا بقُسِّ بنِ ساعِدَةَ في أصلِ تلك الشَّجَرةِ وبِيده قضِيبٌ، فدنوتُ منه وَقُلتُ لهُ: أَنعِمْ صَباحًا. فقال: وأَنت فنعِمَ صَبَاحُك. وقد وَردَتِ العَينَ سِباعٌ كثيرةٌ، فكان كلما ذهب سَبعٌ منها يشربُ من العينِ قبل صاحبِه ضربه قُسُّ بالقضيبِ الَّذي بيدِه. وقال: اصبِرْ حَتى يشربَ الَّذي قبلك. فَذُعِرْتُ من ذلك ذُعْرًا شديدًا، ونظر إليَّ فقال:لا تخَفْ. وإذا بقبرَينِ بينهما مَسجِدٌ، فقلتُ: مَا هذان القَبرانِ؟ قال: قبرَا أخَوينِ كانا يعبُدانِ اللَّهَ عزَّ وجلَّ بهذا المَوضِعِ. فأنا مُقيمٌ بين قبرَيهما أعبدُ اللهَ بين قبرَيهما أعبدُ اللَّهَ حتَّى ألحَقَ بهما. فقلتُ له: أفلا تَلحَقُ بِقَومِكَ فَتكونَ مَعهُم في خَيرِهم وَتُبايِنَهُم عَلَى شَرِّهِم؟ فَقَالَ لِي: ثكلتْك أمُّك! أَو ما عَلِمتَ أَنَّ وَلَدَ إِسماعِيلَ تَرَكوا دِينَ أبيهمْ وَاتَّبَعوا الأضدادَ وعظَّمُوا الْأَندادَ؟ ثم أقبل على القبرَينِ وأنشأَ يقول: خلِيلَيَّ هبَّا طالما قد رقدتُما * أجِدَّكما لا تقضِيانِ كراكما أرى النَّومَ بين الجلدِ والعظمِ منكما * كأنَّ الَّذي يَسقي العُقارَ سقاكما أَمِنْ طُولِ نَوْمٍ لَا تُجِيبَانِ دَاعِيًا * كَأَنَّ الَّذِي يَسْقِي الْعُقَارَ سَقَاكُمَا ألم تعلما أنى بِنَجْرَان مُفردا * ومالى فيه من حبيبٍ سِواكما مُقيمٌ على قبرَيكما لستُ بارِحًا * إِيابَ اللَّيالِي أو يجيبَ صدَاكما أبكيكما طُولَ الحياةِ وما الَّذي * يَرُدُّ على ذِي لَوعةٍ أَنْ بَكاكما فلو جُعِلَتْ نفسٌ لنفسِ امرئٍ فِدًى * لَجُدتُ بنفسي أن تكون فِداكما كأنَّكما والموتُ أقرَبُ غايَةٍ * بروحي في قبرَيكما قد أتاكما قال فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رحم اللهُ قُسًّا أما إنه سيُبعثُ يومَ القيامةِ أمَّةً وحده
قُلتُ لابنِ عَبَّاسٍ: إنَّ نَوفًا البِكاليَّ يَزعُمُ أنَّ موسى عليه السَّلامُ صاحِبَ بَني إسرائيلَ ليس هو موسى صاحِبَ الخَضِرِ عليه السَّلامُ، فقال: كَذَبَ عَدوُّ اللهِ، سَمِعتُ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ يقولُ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: قامَ موسى عليه السَّلامُ خَطيبًا في بَني إسرائيلَ، فسُئِلَ: أيُّ النَّاسِ أعلَمُ؟ فقال: أنا أعلَمُ، قال: فعَتَبَ اللهُ عليه إذ لم يَرُدَّ العِلمَ إليه، فأوحى اللهُ إليه: أنَّ عَبدًا مِن عِبادي بمَجمَعِ البَحرَينِ هو أعلَمُ مِنكَ، قال موسى: أي رَبِّ كيفَ لي به؟ فقيلَ له: احمِلْ حوتًا في مِكتَلٍ، فحَيثُ تَفقِدُ الحوتَ فهو ثَمَّ، فانطَلَقَ وانطَلَقَ معهُ فتاه، وهو يوشَعُ بنُ نونٍ، فحَمَلَ موسى عليه السَّلامُ حوتًا في مِكتَلٍ وانطَلَقَ هو وفَتاه يَمشيانِ حتَّى أتَيا الصَّخرةَ، فرَقدَ موسى عليه السَّلامُ وفَتاه، فاضطَرَبَ الحوتُ في المِكتَلِ، حتَّى خَرَجَ مِنَ المِكتَلِ فسَقَطَ في البَحرِ، قال: وأمسَكَ اللهُ عنه جِريةَ الماءِ حتَّى كان مِثلَ الطَّاقِ، فكانَ للحوتِ سَرَبًا، وكانَ لموسى وفَتاه عَجَبًا، فانطَلَقا بَقيَّةَ يَومِهما ولَيلَتِهما، ونَسيَ صاحِبُ موسى أن يُخبِرَه، فلَمَّا أصبَحَ موسى عليه السَّلامُ، قال لفَتاه: {آتِنا غَداءَنا لقد لَقينا مِن سَفَرِنا هذا نَصَبًا}، قال: ولم يَنصَبْ حتَّى جاوزَ المَكانَ الذي أُمِرَ به، قال: {أرَأيتَ إذ أوينا إلى الصَّخرةِ فإنِّي نَسيتُ الحوتَ وما أنسانيهُ إلَّا الشَّيطانُ أن أذكُرَه واتَّخَذَ سَبيله في البَحرِ عَجَبًا} قال موسى: {ذلك ما كُنَّا نَبغِ فارتَدَّا على آثارِهما قَصَصًا}، قال: يَقُصَّانِ آثارَهما، حتَّى أتَيا الصَّخرةَ، فرَأى رَجُلًا مُسَجًّى عليه بثَوبٍ، فسَلَّمَ عليه موسى، فقال له الخَضِرُ: أنَّى بأرضِكَ السَّلامُ؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بَني إسرائيلَ؟ قال: نَعَم، قال: إنَّكَ على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَكَه اللهُ لا أعلَمُه، وأنا على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَنيه لا تَعلَمُه، قال له موسى عليه السَّلامُ: {هل أتَّبِعُكَ على أن تُعَلِّمَني ممَّا عُلِّمتَ رُشدًا}. {قال إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا وكيفَ تَصبِرُ على ما لم تُحِط به خُبرًا}. {قال سَتَجِدُني إن شاءَ اللهُ صابِرًا ولا أعصي لكَ أمرًا} قال له الخَضِرُ {فإنِ اتَّبَعتَني فلا تَسألني عن شيءٍ حتَّى أُحدِثَ لكَ منه ذِكرًا}، قال: نَعَم، فانطَلَقَ الخَضِرُ وموسى يَمشيانِ على ساحِلِ البَحرِ، فمَرَّت بهما سَفينةٌ، فكَلَّماهم أن يَحمِلوهما، فعَرَفوا الخَضِرَ فحَمَلوهما بغيرِ نَولٍ، فعَمَدَ الخَضِرُ إلى لَوحٍ مِن ألواحِ السَّفينةِ فنَزَعَه، فقال له موسى: قَومٌ حَمَلونا بغيرِ نَولٍ، عَمَدتَ إلى سَفينَتِهم فخَرَقتَها {لتُغرِقَ أهلَها لقد جِئتَ شيئًا إمرًا قال ألَم أقُلْ إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا قال لا تُؤاخِذني بما نَسيتُ ولا تُرهِقني مِن أمري عُسرًا}، ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفينةِ، فبينَما هُما يَمشيانِ على السَّاحِلِ إذا غُلامٌ يَلعَبُ مع الغِلمانِ، فأخَذَ الخَضِرُ برَأسِه، فاقتَلَعَه بيَدِه، فقَتَلَه، فقال موسى: (أقَتَلتَ نَفسًا زاكيةً بغيرِ نَفسٍ لقد جِئتَ شيئًا نُكرًا. قال ألَم أقُلْ لكَ إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا) قال: وهذه أشَدُّ مِنَ الأولى، {قال إن سَألتُكَ عن شيءٍ بَعدَها فلا تُصاحِبني قد بَلَغتَ مِن لَدُنِّي عُذرًا فانطَلَقا حتَّى إذا أتَيا أهلَ قَريةٍ استَطعَما أهلَها فأبَوا أن يُضَيِّفوهما فوجَدا فيها جِدارًا يُريدُ أن يَنقَضَّ فأقامَه} يقولُ: مائِلٌ، قال الخَضِرُ بيَدِه هَكَذا فأقامَه، قال له موسى: قَومٌ أتَيناهم فلم يُضَيِّفونا ولم يُطعِمونا، {لو شِئتَ لاتَخِذتَ عليه أجرًا قال: هذا فِراقُ بَيني وبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بتَأويلِ ما لم تَستَطِع عليه صَبرًا} قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يَرحَمُ اللهُ موسى، لَودِدتُ أنَّه كان صَبَرَ حتَّى يُقَصَّ علينا مِن أخبارِهما، قال: وقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كانَتِ الأولى مِن موسى نِسيانًا، قال: وجاءَ عُصفورٌ حتَّى وقَعَ على حَرفِ السَّفينةِ، ثُمَّ نَقَرَ في البَحرِ، فقال له الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلمي وعِلمُكَ مِن عِلمِ اللهِ إلَّا مِثلَ ما نَقَصَ هذا العُصفورُ مِنَ البَحرِ. قال سَعيدُ بنُ جُبَيرٍ: وكانَ يَقرَأُ: وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفينةٍ صالِحةٍ غَصبًا، وكانَ يَقرَأُ: وأمَّا الغُلامُ فكانَ كافِرًا
قُلتُ لابنِ عَبَّاسٍ: إنَّ نَوفًا البَكَاليَّ يَزعُمُ أنَّ موسى صاحِبَ الخَضِرِ ليس هو موسى صاحِبَ بَني إسرائيلَ، فقال ابنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدوُّ اللهِ! حدَّثَني أُبَيُّ بنُ كَعبٍ: أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: إنَّ موسى قامَ خَطيبًا في بَني إسرائيلَ، فسُئِلَ: أيُّ النَّاسِ أعلَمُ؟ فقال: أنا، فعَتَبَ اللهُ عليه؛ إذ لَم يَرُدَّ العِلمَ إليه، فأوحى اللهُ إليه: إنَّ لي عَبدًا بمَجمَعِ البَحرَينِ هو أعلَمُ مِنكَ، قال موسى: يا رَبِّ، فكيفَ لي به؟ قال: تَأخُذُ معكَ حوتًا فتَجعَلُه في مِكتَلٍ، فحَيثُما فقدتَ الحوتَ فهو ثَمَّ، فأخَذَ حوتًا فجَعَلَه في مِكتَلٍ، ثُمَّ انطَلَقَ وانطَلَقَ معهُ بفَتاه يوشَعَ بنِ نونٍ، حتَّى إذا أتَيا الصَّخرةَ وضَعا رُؤوسَهما فناما، واضطَرَبَ الحوتُ في المِكتَلِ، فخَرَجَ منه فسَقَطَ في البَحرِ {فاتَّخَذَ سَبيلَه في البَحرِ سَرَبًا} [الكهف: 61]، وأمسَكَ اللهُ عَنِ الحوتِ جِريةَ الماءِ، فصارَ عليه مِثلَ الطَّاقِ، فلَمَّا استَيقَظَ نَسيَ صاحِبُه أن يُخبِرَه بالحوتِ، فانطَلَقا بَقيَّةَ يَومِهما ولَيلَتَهما، حتَّى إذا كان مِنَ الغَدِ قال موسى لفَتاه: {آتِنا غَداءَنا لَقد لَقينا مِن سَفَرِنا هذا نَصَبًا} [الكهف: 62]، قال: ولَم يَجِدْ موسى النَّصَبَ حتَّى جاوزا المَكان الذي أمَرَ اللهُ به، فقال له فتاه: {أرَأيتَ إذ أوينا إلى الصَّخرةِ فإنِّي نَسيتُ الحوتَ وما أنسانيهُ إلَّا الشَّيطانُ أن أذكُرَه واتَّخَذَ سَبيلَه في البَحرِ عَجَبًا} [الكهف: 63]، قال: فكان للحوتِ سَرَبًا، ولِموسى ولِفَتاه عَجَبًا، فقال موسى: {ذلك ما كُنَّا نَبغي فارتَدَّا على آثارِهما قَصَصًا}، قال: رَجَعا يَقُصَّانِ آثارَهما حتَّى انتَهَيا إلى الصَّخرةِ، فإذا رَجُلٌ مُسَجًّى ثَوبًا، فسَلَّمَ عليه موسى، فقال الخَضِرُ: وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بَني إسرائيلَ؟ قال: نَعَم، أتَيتُكَ لتُعَلِّمَني ممَّا عُلِّمتَ رَشَدًا، قال: {إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا} [الكهف: 67]، يا موسى، إنِّي على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَنيه، لا تَعلَمُه أنتَ، وأنتَ على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَكَه اللهُ، لا أعلَمُه، فقال موسى: {سَتَجِدُني إن شاءَ اللهُ صابِرًا ولا أعصي لَكَ أمرًا} [الكهف: 69]، فقال له الخَضِرُ: {فإنِ اتَّبَعتَني فلا تَسألْني عَن شَيءٍ حَتَّى أُحدِثَ لَكَ مِنْه ذِكرًا} [الكهف: 70]، فانطَلَقا يَمشيانِ على ساحِلِ البَحرِ، فمَرَّت سَفينةٌ، فكَلَّموهم أن يَحمِلوهم، فعَرَفوا الخَضِرَ، فحَمَلوهم بغيرِ نَولٍ، فلَمَّا رَكِبا في السَّفينةِ لَم يَفجَأْ إلَّا والخَضِرُ قد قَلَعَ لَوحًا مِن ألواحِ السَّفينةِ بالقَدومِ، فقال له موسى: قَومٌ قد حَمَلونا بغيرِ نَولٍ عَمَدتَ إلى سَفينَتِهم فخَرَقتَها {لتُغرِقَ أهلَها لَقد جِئتَ شَيئًا إمرًا * قال ألَم أقُل إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا * قال لا تُؤاخِذني بما نَسيتُ ولا تُرهِقني مِن أمري عُسرًا} [الكهف: 71]، قال: وقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وكانَتِ الأولى مِن موسى نِسيانًا، قال: وجاءَ عُصفورٌ، فوقَعَ على حَرفِ السَّفينةِ، فنَقَرَ في البَحرِ نَقرةً، فقال له الخَضِرُ: ما عِلمي وعِلمُكَ مِن عِلمِ اللهِ إلَّا مِثلُ ما نَقَصَ هذا العُصفورُ مِن هذا البَحرِ، ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفينةِ، فبينا هُما يَمشيانِ على السَّاحِلِ إذ أبصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلعَبُ مع الغِلمانِ، فأخَذَ الخَضِرُ رَأسَه بيَدِه، فاقتَلَعَه بيَدِه فقَتَلَه، فقال له موسى: (أقَتَلتَ نَفسًا زاكيةً) {بغَيرِ نَفسٍ لَقد جِئتَ شَيئًا نُكرًا * قال ألَم أقُل لَكَ إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا} [الكهف: 74]، قال: وهذه أشَدُّ مِنَ الأولى، قال: {قال إن سَألتُكَ عَن شَيءٍ بَعدَها فلا تُصاحِبني قد بَلَغتَ مِن لَدُنِّي عُذرًا * فانطَلَقا حَتَّى إذا أتَيا أهلَ قَريةٍ استَطعَما أهلَها فأبَوا أن يُضَيِّفوهما فوجَدا فيها جِدارًا يُريدُ أن يَنقَضَّ} [الكهف: 76]، قال: مائِلٌ، فقامَ الخَضِرُ فأقامَه بيَدِه، فقال موسى: قَومٌ أتَيناهم فلَم يُطعِمونا ولَم يُضَيِّفونا، {لَو شِئتَ لاتَّخَذتَ عليه أجرًا} [الكهف: 77]، قال: {قال هذا فِراقُ بَيني وبَينِكَ} إلى قَولِه: {ذلك تَأويلُ ما لَم تَسطِع عليه صَبرًا} [الكهف: 78]، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ودِدنا أنَّ موسى كان صَبَرَ حتَّى يَقُصَّ اللهُ علينا مِن خَبَرِهما. قال سَعيدُ بنُ جُبَيرٍ: فكان ابنُ عَبَّاسٍ يَقرَأُ (وكان أمامَهم مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفينةٍ صالِحةٍ غَصبًا)، وكان يَقرَأُ: (وأمَّا الغُلامُ فكان كافِرًا، وكان أبَواه مُؤمِنَينِ)
أنَّ موسى صاحِبَ الخَضِرِ ليس هو موسى بَني إسرائيلَ، إنَّما هو موسى آخَرُ، فقال: كَذَبَ عَدوُّ اللهِ، حَدَّثَنا أُبَيُّ بنُ كَعبٍ، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنَّ موسى قامَ خَطيبًا في بَني إسرائيلَ، فسُئِلَ أيُّ النَّاسِ أعلَمُ؟ فقال: أنا، فعَتَبَ اللهُ عليه؛ إذ لَم يَرُدَّ العِلمَ إليه، فقال له: بَلى، لي عَبدٌ بمَجمَعِ البَحرَينِ هو أعلَمُ مِنكَ، قال: أي رَبِّ ومَن لي بهِ؟ -ورُبَّما قال سُفيانُ: أي رَبِّ، وكيفَ لي بهِ؟- قال: تَأخُذُ حوتًا، فتَجعَلُه في مِكتَلٍ، حَيثُما فقدتَ الحوتَ فهو ثَمَّ، -ورُبَّما قال: فهو ثَمَّهْ-، وأخَذَ حوتًا فجَعَلَه في مِكتَلٍ، ثُمَّ انطَلَقَ هو وفَتاه يوشَعُ بنُ نونٍ، حتَّى إذا أتَيا الصَّخرةَ وضَعا رُؤوسَهما، فرَقدَ موسى واضطَرَبَ الحوتُ فخَرَجَ، فسَقَطَ في البَحرِ فاتَّخَذَ سَبيلَه في البَحرِ سَرَبًا، فأمسَكَ اللهُ عَنِ الحوتِ جِريةَ الماءِ، فصارَ مِثلَ الطَّاقِ، فقال: هَكَذا مِثلُ الطَّاقِ، فانطَلَقا يَمشيانِ بَقيَّةَ لَيلَتِهما ويَومَهما، حتَّى إذا كان مِنَ الغَدِ قال لفَتاه: آتِنا غَداءَنا، لقد لَقينا مِن سَفَرِنا هذا نَصَبًا، ولَم يَجِدْ موسى النَّصَبَ حتَّى جاوزَ حَيثُ أمَرَه اللهُ، قال له فتاه: {أرَأيتَ إذ أوينا إلى الصَّخرةِ فإنِّي نَسيتُ الحوتَ وما أنسانيه إلَّا الشَّيطانُ أن أذكُرَه واتَّخَذَ سَبيلَه في البَحرِ عَجَبًا} فكان للحوتِ سَرَبًا ولَهما عَجَبًا، قال له موسى: {ذلك ما كُنَّا نَبغي فارتَدَّا على آثارِهما قَصَصًا}، رَجَعا يَقُصَّانِ آثارَهما، حتَّى انتَهَيا إلى الصَّخرةِ، فإذا رَجُلٌ مُسَجًّى بثَوبٍ، فسَلَّمَ موسى فرَدَّ عليه، فقال: وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بَني إسرائيلَ؟ قال: نَعَم، أتَيتُكَ لتُعَلِّمَني ممَّا عُلِّمتَ رُشدًا، قال: يا موسى، إنِّي على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَنيه اللهُ لا تَعلَمُه، وأنتَ على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَكَه اللهُ لا أعلَمُه، قال: هل أتَّبِعُكَ؟ قال: {إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا وكيفَ تَصبِرُ على ما لَم تُحِط به خُبرًا} [الكهف: 68] إلى قَولِه: {إِمْرًا} [الكهف: 71] فانطَلَقا يَمشيانِ على ساحِلِ البَحرِ، فمَرَّت بهِما سَفينةٌ كَلَّموهم أن يَحمِلوهم، فعَرَفوا الخَضِرَ فحَمَلوه بغيرِ نَولٍ، فلَمَّا رَكِبا في السَّفينةِ جاءَ عُصفورٌ، فوقَعَ على حَرفِ السَّفينةِ فنَقَرَ في البَحرِ نَقرةً أو نَقرَتَينِ، قال له الخَضِرُ: يا موسى ما نَقَصَ عِلمي وعِلمُكَ مِن عِلمِ اللهِ إلَّا مِثلَ ما نَقَصَ هذا العُصفورُ بمِنقارِه مِنَ البَحرِ، إذ أخَذَ الفَأسَ فنَزَعَ لَوحًا، قال: فلَم يَفجَأْ موسى إلَّا وقد قَلَعَ لَوحًا بالقدُّومِ، فقال له موسى: ما صَنَعتَ؟ قَومٌ حَمَلونا بغيرِ نَولٍ عَمَدتَ إلى سَفينَتِهم فخَرَقتَها لتُغرِقَ أهلَها، لقد جِئتَ شيئًا إمرًا! قال: {ألَم أقُل إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا قال: لا تُؤاخِذني بما نَسيتُ ولا تُرهقني مِن أمري عُسرًا} [الكهف: 72]، فكانَتِ الأولى مِن موسى نِسيانًا، فلَمَّا خَرَجا مِنَ البَحرِ مَرُّوا بغُلامٍ يَلعَبُ مع الصِّبيانِ، فأخَذَ الخَضِرُ برَأسِه فقَلَعَه بيَدِه هَكَذا -وأومَأ سُفيانُ بأطرافِ أصابِعِه كَأنَّه يَقطِفُ شيئًا-، فقال له موسى: {أقَتَلتَ نَفسًا زَكيَّةً بغيرِ نَفسٍ لقد جِئتَ شيئًا نُكرًا * قال ألَم أقُل لكَ إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا * قال إن سَألتُكَ عن شيءٍ بَعدَها فلا تُصاحِبني قد بَلَغتَ مِن لَدُنِّي عُذرًا * فانطَلَقا حتَّى إذا أتَيا أهلَ قَريةٍ استَطعَما أهلَها فأبَوا أن يُضَيِّفوهما فوجَدا فيها جِدارًا يُريدُ أن يَنقَضَّ} مائِلًا، أومَأ بيَدِه هَكَذا -وأشارَ سُفيانُ كَأنَّه يَمسَحُ شيئًا إلى فوقُ، فلَم أسمَع سُفيانَ يَذكُرُ مائِلًا إلَّا مَرَّةً-، قال: قَومٌ أتَيناهم فلَم يُطعِمونا ولَم يُضَيِّفونا، عَمَدتَ إلى حائِطِهم، لو شِئتَ لاتَّخَذتَ عليه أجرًا، قال: هذا فِراقُ بَيني وبَينِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بتَأويلِ ما لَم تَستَطِع عليه صَبرًا، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ودِدنا أنَّ موسى كان صَبَرَ فقَصَّ اللهُ علينا مِن خَبَرِهما -قال سُفيانُ- قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يَرحَمُ اللهُ موسى، لو كان صَبَرَ لَقُصَّ علينا مِن أمرِهما وقَرَأ ابنُ عَبَّاسٍ: أمامَهم مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفينةٍ صالِحةٍ غَصبًا، وأمَّا الغُلامُ فكان كافِرًا وكان أبَواه مُؤمِنَينِ
قلتُ لابنِ عبَّاسٍ : إنَّ نَوفًا البِكاليَّ يزعمُ أنَّ موسَى صاحبَ بني إسرائيلَ ليسَ بموسَى صاحبِ الخَضرِ ، قالَ : كذبَ عدوُّ اللَّهِ ، سمِعتُ أُبيَّ بنَ كعبٍ ، يقولُ : سمِعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقولُ : قامَ موسَى خطيبًا في بني إسرائيلَ ، فسُئِلَ : أيُّ النَّاسِ أعلمُ ؟ فقالَ : أنا أعلمُ ، فعَتبَ اللَّهُ علَيهِ إذ لم يردَّ العلمَ إليهِ ، فأوحَى اللَّهُ إليهِ أنَّ عبدًا مِن عبادي بمَجمعِ البحرينِ هوَ أعلمُ منكَ ، قالَ موسَى أيْ ربِّ ، فَكَيفَ لي بِهِ ؟ فقالَ لَهُ : احمِل حوتًا في مِكْتلٍ فحيثُ تفقدُ الحوتَ فَهوَ ثمَّ ، فانطلقَ وانطلقَ معَهُ فتاهُ وَهوَ يوشَعُ بنُ نونٍ فجعلَ موسَى حوتًا في مِكْتلٍ ، فانطلقَ هوَ وفتاهُ يمشيانِ حتَّى إذا أتَيا الصَّخرةَ ، فرقدَ موسَى وفتاهُ فاضطربَ الحوتُ في المِكْتلِ حتَّى خرجَ منَ المِكْتلِ فسقطَ في البحرِ قالَ : فأمسَكَ اللَّهُ عنهُ جَريةَ الماءِ ، حتَّى كانَ مثلَ الطَّاقِ وَكانَ للحوتِ سربًا. وَكانَ لموسَى وفتاهُ عَجبًا ، فانطلَقا بقيَّةَ يَومِهِما ولَيلتِهِما ونُسِّيَ صاحبُ موسَى أن يُخْبِرَهُ ، فلمَّا أصبحَ موسَى قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا قالَ : ولم ينصَب حتَّى جاوزَ المَكانَ الَّذي أمرَ بِهِ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قَالَ موسَى ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا قالَ : يقُصَّانِ آثارَهُما - قالَ سفيانُ : يزعمُ ناسٌ أنَّ تلكَ الصَّخرةَ عندَها عَينُ الحياةِ لا يصيبُ ماؤُها مَيِّتًا إلَّا عاشَ - قالَ : وَكانَ الحوتُ قد أُكِلَ منهُ ، فلمَّا قطرَ علَيهِ الماءُ عاشَ ، قالَ : فقصَّا آثارَهُما حتَّى أتَيا الصَّخرةَ ، فرأى رجلًا مُسجًّى علَيهِ بثَوبٍ ، فسلَّمَ علَيهِ موسَى ، فقالَ : أنَّى بأرضِكَ السَّلامُ ؟ فقالَ : أنا موسَى ، فقالَ : موسَى بني إسرائيلَ ؟ قالَ : نعم ، قالَ : يا موسَى إنَّكَ علَى علمٍ مِن علمِ اللَّهِ علَّمَكَهُ اللَّهُ لا أعلمُهُ ، وأَنا علَى علمٍ مِن علمِ اللَّهِ علَّمَنيهِ لا تعلمُهُ ، فقالَ موسَى : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قالَ لَهُ الخَضرُ : فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا قالَ : نعم ، فانطلقَ الخَضرُ وموسَى يمشيانِ علَى ساحلِ البحرِ ، فمرَّت بِهِما سفينةٌ فَكَلَّماهم أن يحمِلوهما فعرَفوا الخَضرَ فحمَلوهما بغَيرِ نَولٍ فعمِدَ الخَضرُ إلى لَوحٍ مِن ألواحِ السَّفينةِ فنزعَهُ ، فقالَ لَهُ موسَى : قومٌ حمَلونا بغَيرِ نَولٍ فعمِدتَ إلى سفينتِهِم فخرقتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ثمَّ خرَجا منَ السَّفينةِ فبَينما هما يمشيانِ علَى السَّاحلِ وإذا غلامٌ يلعبُ معَ الغِلمانِ فأخذَ الخَضرُ برأسِهِ فاقتلَعَهُ بيدِهِ ، فقتلَهُ ، فقالَ لَهُ موسَى : أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ : وهذِهِ أشدُّ منَ الأولَى قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ يقولُ : مائلٌ ، فقالَ الخَضرُ بيدِهِ هَكَذا فَأَقَامَهُ فقالَ لَهُ موسَى : قَومٌ أتَيناهُم فلَم يضَيِّفونا ولم يطعمونا لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ : يرحمُ اللَّهُ موسَى لَودَدنا أنَّهُ كانَ صَبرَ حتَّى يقصَّ علَينا مِن أخبارِهِما. قالَ : فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ : الأُولَى كانت مِن موسَى نِسيانٌ. قالَ : وجاءَ عُصفورٌ حتَّى وقعَ علَى حرفِ السَّفينةِ ثمَّ نقرَ في البحرِ ، فقالَ لَهُ الخَضرُ : ما نقصَ عِلمي وَعِلْمُكَ مِن علمِ اللَّهِ إلَّا مثلُ ما نقصَ هذا العُصفورُ منَ البحرِ قالَ سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ : وَكانَ يعني ابنَ عبَّاسٍ ، يقرأُ : وَكانَ أمامَهُم ملِكٌ يأخذُ كلَّ سفينةٍ صالحةٍ غَصبًا وَكانَ يقرأُ : وأمَّا الغُلامُ فَكانَ كافرًا
قُلتُ لابنِ عَبَّاسٍ: إنَّ نَوفًا البَكاليَّ يَزعُمُ أنَّ موسى بَني إسرائيلَ ليس بموسى الخَضِرِ، فقال: كَذَبَ عَدوُّ اللهِ، حَدَّثَنا أُبَيُّ بنُ كَعبٍ، عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: قامَ موسى خَطيبًا في بَني إسرائيلَ فقيلَ له: أيُّ النَّاسِ أعلَمُ؟ قال: أنا، فعَتَبَ اللهُ عليه إذ لَم يَرُدَّ العِلمَ إليه، وأوحى إليه: بَلى عَبدٌ مِن عِبادي بمَجمَعِ البَحرَينِ، هو أعلَمُ مِنكَ، قال: أي رَبِّ، كيفَ السَّبيلُ إليه؟ قال: تَأخُذُ حوتًا في مِكتَلٍ، فحَيثُما فقدتَ الحوتَ فاتَّبِعْه، قال: فخَرَجَ موسى ومعهُ فتاه يوشَعُ بنُ نونٍ، ومعهُما الحوتُ حتَّى انتَهَيا إلى الصَّخرةِ، فنَزَلا عِندَها، قال: فوضَعَ موسى رَأسَه فنامَ، -قال سُفيانُ: وفي حَديثِ غيرِ عَمرٍو، قال: وفي أصلِ الصَّخرةِ عَينٌ يُقالُ لَها: الحَياةُ لا يُصيبُ مِن مائِها شيءٌ إلَّا حَييَ، فأصابَ الحوتَ مِن ماءِ تلك العَينِ- قال: فتَحَرَّكَ وانسَلَّ مِنَ المِكتَلِ، فدَخَلَ البَحرَ، فلَمَّا استَيقَظَ موسى قال لفَتاه: {آتِنا غَداءَنا} الآيةَ، قال: ولَم يَجِدِ النَّصَبَ حتَّى جاوزَ ما أُمِرَ به، قال له فتاه يوشَعُ بنُ نونٍ: {أرَأيتَ إذ أوينا إلى الصَّخرةِ فإنِّي نَسيتُ الحوتَ} الآيةَ، قال: فرَجَعا يَقُصَّانِ في آثارِهما، فوجَدا في البَحرِ كالطَّاقِ مَمَرَّ الحوتِ، فكان لفَتاه عَجَبًا، وللحوتِ سَرَبًا، قال: فلَمَّا انتَهَيا إلى الصَّخرةِ، إذ هُما برَجُلٍ مُسَجًّى بثَوبٍ، فسَلَّمَ عليه موسى، قال: وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ؟ فقال: أنا موسى، قال: موسى بَني إسرائيلَ؟ قال: نَعَم، قال: هل أتَّبِعُكَ على أن تُعَلِّمَني ممَّا عُلِّمتَ رَشَدًا؟ قال له الخَضِرُ: يا موسى، إنَّكَ على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَكَه اللهُ لا أعلَمُه، وأنا على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَنيه اللهُ لا تَعلَمُه، قال: بَل أتَّبِعُكَ، قال: فإنِ اتَّبَعتَني فلا تَسأَلْني عن شيءٍ حتَّى أُحدِثَ لكَ منه ذِكرًا، فانطَلَقا يَمشيانِ على السَّاحِلِ فمَرَّت بهِم سَفينةٌ فعُرِفَ الخَضِرُ فحَمَلوهم في سَفينَتِهم بغيرِ نَولٍ -يقولُ بغيرِ أجرٍ- فرَكِبا السَّفينةَ، قال: ووقَعَ عُصفورٌ على حَرفِ السَّفينةِ فغَمَسَ مِنقارَه في البَحرِ، فقال الخَضِرُ لموسى: ما عِلمُكَ وعِلمي وعِلمُ الخَلائِقِ في عِلمِ اللهِ إلَّا مِقدارُ ما غَمَسَ هذا العُصفورُ مِنقارَه، قال: فلَم يَفجَأْ موسى إذ عَمَدَ الخَضِرُ إلى قدومٍ فخَرَقَ السَّفينةَ، فقال له موسى: قَومٌ حَمَلونا بغيرِ نَولٍ، عَمَدتَ إلى سَفينَتِهم فخَرَقتَها لتُغرِقَ أهلَها {لقد جِئتَ} الآيةَ، فانطَلَقا إذا هُما بغُلامٍ يَلعَبُ مع الغِلمانِ، فأخَذَ الخَضِرُ برَأسِه فقَطَعَه، قال له موسى: {أقَتَلتَ نَفسًا زَكيَّةً بغيرِ نَفسٍ لَقَدْ جِئتَ شيئًا نُكرًا قال ألَم أقُل لكَ إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعي صَبرًا} إلى قَولِه: {فأبَوا أن يُضَيِّفوهما فوجَدا فيها جِدارًا يُريدُ أن يَنقَضَّ} -فقال بيَدِه هَكَذا- فأقامَه، فقال له موسى: إنَّا دَخَلنا هذه القَريةَ فلَم يُضَيِّفونا ولَم يُطعِمونا، {لَو شِئتَ لاتَّخَذتَ عليه أجرًا قال هذا فِراقُ بَيني وبَينِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بتَأويلِ ما لَم تَستَطِع عليه صَبرًا}، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ودِدنا أنَّ موسى صَبَرَ حتَّى يُقَصَّ علينا مِن أمرِهما، قال: وكان ابنُ عَبَّاسٍ يَقرَأُ: وكان أمامَهم مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفينةٍ صالِحةٍ غَصبًا، وأمَّا الغُلامُ فكان كافِرًا
قدم الجارود بن عبد الله - وكان سيدا في قومه ، مطاعا عظيما في عشيرته : مطاع الأمر ، رفيع القدر ، عظيم الخطر ، ظاهر الأدب ، شامخ الحسب ، بديع الجمال ، حسن الفعال ، ذا منعة ومال - في وفد عبد القيس من ذوي الأخطار والأقدار ، والفضل والإحسان ، والفصاحة والبرهان ، كل رجل منهم كالنخلة السحوق ، على ناقة كالفحل الفنيق قد جنبوا الجياد ، وأعدوا للجلاد ، مجدين في سيرهم ، حازمين في أمرهم ، يسيرون ذميلا ، ويقطعون ميلا فميلا ، حتى أناخوا عند مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . فأقبل الجارود على قومه والمشايخ من بني عمه ، فقال : يا قوم ! هذا محمد الأغر ، سيد العرب ، وخير ولد عبد المطلب ، فإذا دخلتم عليه ، ووقفتم بين يديه ، فأحسنوا عليه السلام وأقلوا عنده الكلام . فقالوا : بأجمعهم : أيها الملك الهمام والأسد الضرغام ، لن نتكلم إذا حضرت ولن نجاوز إذا أمرت ، فقل ما شئت ، فإنا سامعون ، واعمل ما شئت ، فإنا تابعون . فنهض الجارود في كل كمي صنديد ، قد دوموا العمائم ، وتردوا بًالصمائم ، يجرون أسيافهم ويسحبون أذيالهم ، يتناشدون الأشعار ويتذاكرون مناقب الأخيار ، لا يتكلمون طويلا ، ولا يسكتون عيا : إن أمرهم ائتمروا ، وإن زجرهم ازدجروا ، كأنهم أسد غيل يقدمها ذو لبؤة مهول ، حتى مثلوا بين يدي النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فلما دخل القوم المسجد ، وأبصرهم أهل المشهد ، دلف الجارود أمام النبي ، صلى الله عليه وسلم وحسر لثامه وأحسن سلامه ، ثم أنشأ يقول : يا نبي الهدى أتتك رجال قطعت فدفدا وآلا فآلا ، وطوت نحوك الصحاصح طرا لا تخال الكلال فيك كلالا ، كل دهماء يقصر الطرف عنها أرقلتها قلاصنا إرقالا وطوتها الجياد تجمح فيها بكماة كأنجم تتلالا ، تبتغي دفع بأس يوم عبوس أوجل القلب ذكره ثم هالا ، فلما سمع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم ذلك فرح فرحا شديدا ، وقربه وأدناه ، ورفع مجلسه وحبًاه ، وأكرمه ، وقال : يا جارود ، لقد تأخر بك وبقومك الموعد ، وطال بكم الأمد . قال : والله يا رسول اللهِ ، لقد أخطأ من أخطأك قصده ، وعدم رشده ، وتلك وأيم الله أكبر خيبة ، وأعظم حوبة ، والرائد لا يكذب أهله ، ولا يغش نفسه . لقد جئت بًالحق ، ونطقت بًالصدق ، والذي بعثك بًالحق نبيا واختارك للمؤمنين وليا ، لقد وجدت وصفك في الإنجيل ، ولقد بشر بك ابن البتول ، وطول التحية لك والشكر لمن أكرمك وأرسلك ، لا أثر بعد عين ، ولا شك بعد يقين . مد يدك ، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك محمد رسول اللهِ . قال : فآمن الجارود ، وآمن من قومه كل سيد ، وسر النبي صلى الله عليه وسلم بهم سرورا ، وابتهج حبورا ، وقال : يا جارود ! هل في جماعة وفد عبد القيس من يعرف لنا قسا ، ؟ قال : كلنا نعرفه يا رسول اللهِ ! وأنا من بين قومي كنت أقفو أثره وأطلب خبره : كان قس سبطا من أسبًاط العرب ، صحيح النسب ، فصيحا إذا خطب ، ذا شيبة حسنة . عمر سبعمائة سنة ، يتقفر القفار ، لا تكنه دار ، ولا يقره قرار ، يتحسى في تقفره بيض النعام ، ويأنس بًالوحش والهوام ، يلبس المسوح ويتبع السياح على منهاج المسيح ، لا يفتر من الرهبًانية ، مقر لله بًالوحدانية ، تضرب بحكمته الأمثال ، وتكشف به الأهوال ، وتتبعه الأبدال أدرك رأس الحواريين سمعان ! فهو أول من تأله من العرب وأعبد من تعبد في الحقب ، وأيقن بًالبعث والحساب ، وحذر سوء المنقلب والمآب ، ووعظ بذكر الموت ، وأمر بًالعمل قبل الفوت . الحسن الألفاظ ، الخاطب بسوق عكاظ العالم بشرق وغرب ، ويابس ورطب ، وأجاج وعذب . كأني أنظر إليه والعرب بين يديه ، يقسم بًالرب الذي هو له ليبلغن الكتاب أجله ، وليوفين كل عامل عمله . ثم أنشأ يقول : هاج للقلب من جواه ادكار وليال خلالهن نهار ، ونجوم يحثها قمر الليل وشمس في كل يوم تدار ، ضوؤها يطمس العيون ورعاد شديد في الخافقين مطار ، وغلام وأشمط ورضيع كلهم في التراب يوما يزار ، وقصور مشيدة حوت الخير وأخرى خلت فهن قفار ، وكثير مما يقصر عنه جوسة الناظر الذي لا يحار ، والذي قد ذكرت دل على الله نفوسا لها هدى واعتبًار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ، : على رسلك يا جارود ، فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل له أورق ، وهو يتكلم بكلام مونق ، ما أظن أني أحفظه ، فهل منكم يا معشر المهاجرين والأنصار من يحفظ لنا منه شيئا ؟ فوثب أبو بكر قائما ، وقال : يا رسول اللهِ ! إني أحفظه ، وكنت حاضرا ذلك اليوم بسوق عكاظ حين خطب فأطنب ، ورغب ورهب ، وحذر وأنذر ، فقال في خطبته : أيها الناس ، اسمعوا وعوا ، فإذا وعيتم فانتفعوا : إنه من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ماهو آت آت ، مطر ونبًات ، وأرزاق وأقوات ، وآبًاء وأمهات ، وأحياء وأموات ، جميع وأشتات ، وآيات بعد آيات . إن في السماء لخبرا ، وإن في الأرض لعبرا ، ليل داج ، وسماء ذات أبراج وأرض ذات رتاج ، وبحار ذات أمواج . مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون ؟ أرضوا بًالمقام فأقاموا ؟ أم تركوا هناك فناموا ؟ أقسم قس قسما حقا لا حانثا فيه ولا آثما : إن لله تعالى دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه ، ونبيا قد حان حينه ، وأظلكم أوانه ، وأدرككم إبًانه ، فطوبى لمن آمن به فهداه ، وويل لمن خالفه وعصاه ثم قال : تبًا لأربًاب الغفلة من الأمم الخالية ، والقرون الماضية . يا معشر إياد ! أين الآبًاء والأجداد ؟ وأين المريض والعواد ؟ وأين الفراعنة الشداد ؟ أين من بنى وشيد وزخرف ونجد وغره المال والولد ؟ ! أين من بغى وطغى ، وجمع فأوعى ، وقال : أنا ربكم الأعلى ؟ ! ألم يكونوا أكثر منكم أموالا ، وأبعد منكم آمالا ، وأطول منكم آجالا ؟ ! طحنهم الثرى بكلكله ، ومزقهم بتطاوله ، فتلك عظامهم بًالية ، وبيوتهم خالية ، عمرتها الذئاب العاوية ، كلا ، بل هو الله الواحد المعبود ، ليس بوالد ولا مولود ! ! ثم أنشأ يقول : في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر ، لما رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر ، ورأيت قومي نحوها يمضي الأصاغر والأكابر ، لا يرجع الماضي إلى ولا من البًاقين غابر ، أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر . ثم جلس فقام رجل من الأنصار بعده كأنه قطعة جبل ، ذو هامة عظيمة ، وقامة جسيمة ، قد دوم عمامته ، وأرخى ذؤابته ، منيف أنوف ، أحدق أجش الصوت ، فقال : يا سيد المرسلين وصفوة رب العالمين ، لقد رأيت من قس عجبًا ، وشهدت منه مرغبًا . فقال : وما الذي رأيته منه وحفظته عنه ؟ فقال : خرجت في الجاهلية أطلب بعيرا لي شرد مني كنت أقفو أثره وأطلب خبره ، في نتائف حقائف ، ذات دعادع وزعازع ، ليس بها للركب مقيل ، ولا لغير الجن سبيل ، وإذا أنا بموئل مهول في طود عظيم ليس به إلا البوم . وأدركني الليل فولجته مذعورا لا آمن فيه حتفي ، ولا أركن إلى غير سيفي . فبت بليل طويل كأنه بليل موصول ، أرقب الكوكب ، وأرمق الغيهب ، حتى إذا الليل عسعس ، وكاد الصبح أن يتنفس ، هتف بي هاتف يقول : يا أيها الراقد في الليل الأحم ، قد بعث الله نبيا في الحرم ، من هاشم أهل الوفاء والكرم ، يجلو دجنات الدياجي والبهم ، قال : فأدرت طرفي فما رأيت له شخصا ولا سمعت له فحصا ، فأنشأت أقول : يا أيها الهاتف في داجي الظلم أهلا وسهلا بك من طيف ألم ، بين هداك الله في لحن الكلم ، ماذا الذي تدعو إليه يغتنم ؟ قال : فإذا أنا بنحنحة ، وقائل يقول : ظهر النور ، وبطل الزور ، وبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بًالحبور ، صاحب النجيب الأحمر ، والتاج والمغفر ، ذو الوجه الأزهر ، والحاجب الأقمر ، والطرف الأحور ، صاحب قول شهادة : أن لا إله إلا الله ، فذلك محمد المبعوث إلى الأسود والأبيض ، أهل المدر والوبر . ثم أنشأ يقول : الحمد لله الذي لم يخلق الخلق عبث لم يخلنا حينا سدى من بعد عيسى واكترث أرسل فينا أحمدا خير نبي قد بعث صلى عليه الله ما حج له ركب وحث ، قال : فذهلت عن البعير واكتنفني السرور ، ولاح الصبًاح ، واتسع الإيضاح ، فتركت الموراء ، وأخذت الجبل ، فإذا أنا بًالفنيق يستنشق النوق ، فملكت خطامه ، وعلوت سنامه ، فمرج طاعة وهززته ساعة ، حتى إذا لغب وذل منه ما صعب ، وحميت الوسادة ، وبردت المزادة ، فإذا الزاد قد هش له الفؤاد ! تركته فترك ، وأذنت له فبرك ، في روضة خضرة نضرة عطرة ، ذات حوذان وقربًان وعنقران وعبيثران وجلى وأقاح وجثجاث وبرار وشقائق ونهار كأنما قد بًات الجو بها مطيرا ، وبًاكرها المزن بكورا ، فخلالها شجر ، وقرارها نهر ، فجعل يرتع أبًا ، وأصيد ضبًا ، حتى إذا أكلت وأكل ! ونهلت ونهل ، وعللت وعل - حللت عقاله ، وعلوت جلاله ، وأوسعت مجاله ، فاغتنم الحملة ومر كالنبلة ، يسبق الريح ، ويقطع عرض الفسيح ، حتى أشرف بي على واد وشجر ، من شجر عاد مورقة مونقة ، قد تهدل أغصانها كأنما بريرها حب فلفل ، فدنوت فإذا أنا بقس بن ساعدة في ظل شجرة بيده قضيب من أراك ينكت به الأرض وهو يترنم بشعر ، وهو : ياناعي الموت والملحود في جدث عليهم من بقايا بزهم خرق دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم فهم إذا أنبهوا من نومهم فرقوا ، حتى يعودوا لحال غير حالهم خلقا جديدا كما من قبله خلقوا ، منهم عراة ومنهم في ثيابهم
قدِم الجارودُ بنُ عبدِ اللهِ وكان سيِّدًا في قومِه مطاعًا عظيمًا في عشيرتِه مطاعَ الأمرِ رفيعَ القدرِ عظيمَ الخطرِ ظاهرَ الأدبِ شامخَ الحسبِ بديعَ الجمالِ حسنَ الفِعالِ ذا منْعةٍ ومالٍ في وفدِ عبدِ القيسِ من ذَوِي الأخطارِ والأقدارِ والفضلِ والإحسانِ والفصاحةِ والرُّهبانِ كان رجلٌ منهم كالنَّخلةِ السَّحوقِ على ناقةٍ كالفحلِ العتيقِ قد جنَبوا الجيادَ وأعدُّوا للجِلادِ مُجدِّين في مسيرِهم حازمين في أمرِهم يسيرون ذميلًا يقطعون ميلًا فميلًا حتَّى أناخوا عند مسجدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأقبل الجارودُ على قومِه والمشايخِ من بني عمِّه فقال يا قومِ هذا محمَّدٌ الأغرُّ سيِّدُ العربِ وخيرُ ولدِ عبدِ المطَّلبِ فإذا دخلتم عليه ووقفتم بين يدَيْه فأحسِنوا عنده السَّلامَ وأقلُّوا عنده الكلامَ فقالوا بأجمعِهم أيُّها الملكُ الهمامُ والأسدُ الضُّرغامُ لن نتكلَّمَ إذا حضرتَ ولن نُجاوزَ ما أمرتَ فقُلْ ما شئتَ فإنَّا سامعون اعمَلْ ما شئتَ فإنَّا تابعون وقال الصَّابونيُّ مُبايعون فنظر الجارودُ في كلِّ كَمِيٍّ صِنديدٍ قد دوَّموا العمائمَ وتزيُّوا بالصَّوارمِ يجرُّون أسيافَهم ويستحِبون أذيالَهم يتناشدون الأشعارَ ويتذاكرون مناقبَ الأخيارِ لا يتكلَّمون طويلًا ولا يسكُتون عِيًّا إن أمرهم ائتَمروا وإن زجرهم ازدجروا وقال الصَّابونيُّ انزجروا كأنَّهم أُسدٌ يقدُمُها ذو لبْدةٍ مهولٌ حتَّى مثُلوا بين يديِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلمَّا دخل القومُ المسجدَ وأبصرهم أهلُ المشهدِ دلَف الجارودُ أمامَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحسَر لِثامَه وأحسن سلامَه ثمَّ أنشأ يقولُ يا نبيَّ الهدَى أتتك رجالٌ قطعت فدْفدًا وآلًا فآلًا وقال البيهقيُّ مهمهًا وطوت نحوَك الصَّحاصِحَ طُرًّا لا تخالُ الكِلالَ قبلُ كِلالًا كلُّ دهماءَ يقصُرُ الطَّرفُ عنها أرقَلتها قِلاصُنا إرقالًا وطوتها الجيادُ تُحمْحِمُ فيها بكُماةٍ كأنجُمٍ تتلالا تبتغي دفعَ بأسِ يومٍ عبوسٍ أوجَلِ القلبِ ذِكرُه ثمَّ هالا فلمَّا سمِع النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فرِح فرحًا شديدًا وقرَّبه وأدناه ورفع مجلسَه وحيَّاه وأكرمه وقال يا جارودُ لقد تأخَّر بك وبقومِك الموعِدُ وطال بكم الأمَدُ قال واللهِ يا رسولَ اللهِ لقد أخطأ من أخطأك قصدَه وعدِم رُشدَه وتلك أيمُ اللهِ أكبرُ خيبةٍ وأعظمُ حويَةٍ والرَّائدُ لا يكذبُ أهلَه ولا يغُشُّ نفسَه لقد جئتَ بالحقِّ ونطقتَ بالصِّدقِ والَّذي بعثك بالحقِّ نبيًّا واختارك للمؤمنين وليًّا لقد وجدتُ وصفَك في الإنجيلِ ولقد بشَّر بك ابنُ البتولِ فطوَّل التَّحيَّةَ لك والشُّكرَ لمن أكرمك وأرسلك لا أثرَ بعد عينٍ ولا شكَّ بعد يقينٍ مُدَّ يدَك فأنا أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّك محمَّدٌ رسولُ اللهِ قال فآمن الجارودُ وآمن من قومِه كلُّ سيِّدٍ فسُرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سرورًا وابتهج حُبورًا وقال يا جارودُ هل في جماعةِ وفدِ عبدِ القيسِ من يعرِفُ لنا قَسًّا قال كلُّنا نعرفُه يا رسولَ اللهِ وأنا من بين قومي كنتُ أقفو أثرَه وأطلب خبرَه كان قَسٌّ سبطًا من أسباطِ العربِ صحيحَ النَّسبِ فصيحًا إذا خطب ذا شيبةٍ حسنةٍ عُمِّر سبعَمائةِ سنةٍ يتقفَّرُ القِفارَ لا تُكِنُّه دارٌ ولا يُقرُّه قرارٌ يتحسَّى في تقفُّرِه بيضَ النَّعامِ ويأنسُ بالوحشِ والهوامِّ يلبسُ المُسوحَ ويتبَعُ السِّياحَ على منهاجِ المسيحِ لا يفتُرُ من الرَّهبانيَّةِ يُقرُّ للهِ تعالَى بالوحدانيَّةِ يُضرَبُ بحكمتِه الأمثالُ ويُكشفُ به الأهوالُ وتتبعه الأبدالُ أدرك رأسَ الحواريِّين سمعانَ فهو أوَّلُ من تألَّه من العربِ وأعبدُ من تعبَّد في الحِقَبِ وأيقَن بالبعثِ والحسابِ وحذَّر سوءَ المُنقَلَبِ والمآبِ ووعَظ بذِكرِ الموتِ وأمر بالعملِ قبل الفوْتِ الحسنِ الألفاظِ الخاطبِ بسوقِ عُكاظٍ العالمِ بشرقٍ وغربٍ ويابسٍ ورطْبٍ أُجاجٍ وعذبٍ كأنِّي أنظرُ إليه والعربُ بين يدَيْه يُقسِمُ بالرَّبِّ الَّذي هو له ليبلغنَّ الكتابُ أجلَه وليوفينَّ كلُّ عاملٍ عملَه وأنشأ يقولُ هاج للقلبِ من جَواه ادِّكار وليالٍ خلالَهنَّ نهارُ ونجومٌ يحُثُّها قمرُ اللَّيلِ وشمسٌ في كلِّ يومٍ تُدارُ ضوؤُها يطمِسُ العيونَ وإرعادٌ شديدٌ في الخافقَيْن مُطارُ وغلامٌ وأشمطُ ورضيعٌ كلُّهم في التُّرابِ يومًا يُزارُ وقصورٌ مشيدةٌ حوَت الخيرَ وأخرَى خلت لهنَّ قِفارُ وكثيرٌ ممَّا يقصُرُ عنه جوسةُ النَّاظرِ الَّذي لا يحارُ والَّذي قد ذكرتُ دلَّ على اللهِ نفوسًا لها هدًى واعتبارُ فقال النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على رِسلِك يا جارودُ فلستُ أنساه بسوقِ عُكاظٍ على جملٍ له أورقَ وهو يتكلَّمُ بكلامٍ مُوثَّقٌ ما أظنُّ أنِّي أحفظُه فهل فيكم يا معشرَ المهاجرين والأنصارِ من يحفَظُ لنا منه شيئًا وقال الصَّابونيُّ يحفظُه فوثب أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضِي اللهُ تعالَى عنه قائمًا فقال يا رسولَ اللهِ إنِّي أحفظُه وكنتُ حاضرًا ذلك اليومَ بسوقِ عُكاظٍ حين خطب فأطنب ورغَّب ورهَّب وحذَّر وأنذَر وقال في خطبتِه أيُّها النَّاسُ اسمعوا وعُوا وإذا وعيتم فانتفعوا إنَّه من عاش مات ومن مات فات وكلُّ ما هو آتٍ آتٍ نباتٌ ومطرٌ وأرزاقٌ وأقواتٌ وآباءٌ وأمَّهاتٌ وأحياءٌ وأمواتٌ جميعٌ وأشتاتٌ وآياتٌ بعد آياتٍ إنَّ في السَّماءِ لخبرًا وإنَّ في الأرضِ لعِبرًا ليلٌ داجٍ وسماءٌ ذاتُ أبراجٍ وأرضٌ ذاتُ ارتياجٍ وبحارٌ ذاتُ أمواجٍ ما لي أرَى النَّاسَ يذهبون فلا يرجعون أرضوا بالمقامِ فأقاموا أم تُرِكوا هناك فناموا أُقسِمُ قسمًا حقًّا لا حانثًا فيه ولا آثمًا إنَّ للهِ دينًا هو أحبُّ إليه من دينِكم الَّذي أنتم عليه ونبيًّا قد حان حينُه وأظلَّكم زمانُه وأدرككم إبَّانُه فطوبَى لمن آمن به فهداه فويلٌ لمن خالفه وعصاه ثمَّ قال تبًّا لأربابِ الغفلةِ من الأممِ الخاليةِ والقرونِ الماضيةِ يا معشرَ إيادٍ من الأبِ والأجدادِ من المريضِ والعُوَّادِ وأين الفراعنةُ الشِّدادُ أين من بنا وشيَّد وزخرف وجدَّد وغرَّه المالُ والولَدُ أين من طغَى وبغَى وجمع فأوعَى وقال أنا ربُّكم الأعلَى ألم يكونوا أكثرَ منكم أموالًا وأبعدَ منكم آمالًا وأطولَ منكم آجالًا طحنهم الثَّرَى بكَلْكَلِه ومزَّقهم بتطاوُلِه فبلت عِظامَهم باليةٌ وبيوتُهم خاليةٌ وعمَرتها الذِّيابُ العاديةُ وقال أبو صالحٍ العاويةُ كلَّا بل هو اللهُ الواحدُ المعبودُ ليس بوالدٍ ولا مولودٍ ثمَّ أنشأ يقولُ في الذَّاهبين الأوَّلين من القرونِ لنا بصائرُ لمَّا رأيتُ مواردَ للموتِ ليس لها مصادرُ ورأيتُ قومي نحوَها تُمضِي الأصاغرَ الأكابرُ لا يرجعُ الماضي إليَّ ولا من الباقين غابرٌ أيقنتُ أنِّي لا محالةَ حيث يصيرُ القومُ صائرٌ قال فجلس ثمَّ قام رجلٌ زاد أبو عبدِ اللهِ من الأنصارِ بعده كأنَّه قطعةُ جبلٍ ثمَّ اتَّفقا فقالا ذو هامةٍ عظيمةٍ وقامةٍ جسيمةٍ قد دوَّم عِمامتَه وأرخَى ذؤابتَه منيفٌ أنوفٌ أشدقُ حسَنُ الصَّوتِ فقال يا سيِّدَ المرسلين وصفوةَ ربِّ العالمين لقد رأيتُ من قَسٍّ عجبَا وشهِدتُ منه مرغبًا فقال وما الَّذي رأيتَه منه وحفِظتَه عنه فقال خرجتُ في الجاهليَّةِ أطلُبُ بعيرًا لي شرد منِّي أقفو أثرَه وأطلُبُ خبرَه في تنائِفَ وقال الصَّابونيُّ وإسماعيلُ في فيافي وقالا حقائفَ ذاتِ دعادعَ وزعازعَ وليس بها الرَّكبُ وقال إسماعيلُ ليس للرَّكبِ فيها مقيلٌ ولا لغيرِ الجنِّ سبيلٌ وإذا بموئلٍ مهولٍ في طودٍ عظيمٍ ليس به إلَّا البُومُ وأدركني اللَّيلُ فولجتُه مذعورًا لا آمنُ فيه حتفي ولا أركنُ إلى غيرِ سيفي فبِتُّ بليلٍ طويلٍ كأنَّه بليلٍ موصولٍ أرقبُ الكوكبَ وأرمُقُ الغيْهبَ حتَّى إذا عسعس اللَّيلُ وكان الصُّبحُ أن يتنفَّسَ هتَف بي هاتفٌ يقولُ : يا أيُّها الراقدُ في اللَّيلِ الأحمْ قد بعث اللهُ نبيًّا في الحرمْ من هاشمٍ أهلِ الوفاءِ والكرمْ يجلو دجِناتِ الدَّياجي والبُهُمْ قال فأدرتُ طرفي فما رأيتُ له شخصًا ولا سمِعتُ له فَحْصًا فأنشأتُ أقولُ : يا أيُّها الهاتفُ في داجي الظُّلَمْ أهلًا وسهلًا بك من طيْفٍ ألمّ بيِّنْ هداك اللهُ في لحنِ الكَلِمْ ماذا الَّذي تدعو إليه يُغتنَمْ قال فإذا أنا بنحنحةٍ وقائلٍ يقولُ ظهر النُّورُ وبطُل الزُّورُ وبعث اللهُ تبارك وتعالَى محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالخيرِ صاحبِ النَّجيبِ الأحمرِ والتَّاجِ والمِغفرِ والوجهِ الأزهرِ والحاجبِ الأقمرِ والطَّرْفِ الأحوَرِ صاحبِ قولِ شهادةِ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ فذلك محمَّدٌ المبعوثُ إلى الأسوَدِ والأبيضِ أهلِ المدَرِ والوبَرِ ثمَّ أنشأ يقولُ : الحمدُ للهِ الَّذي لم يخلُقْ الخلقَ عبثْ لم يُخلِنا حينًا سُدًى من بعد عيسَى واكترثْ أرسل فينا محمَّدًا خيرَ نبيٍّ قد بُعِث صلَّى عليه اللهُ ما حجَّ له ركْبٌّ وحَثْ قال فذُهِلتُ عن البعيرِ وألبسني السُّرورُ ولاح الصَّباحُ واتَّسع الإيضاحُ فتركتُ الموْرَ وأخذتُ الجبلَ فإذا أنا بالعتيقِ يُشقشِقُ إلى النُّوقِ فأخذتُ بخطامِه وعلوتُ سِنامَه فمرح طاعةً وهززتُه ساعةً حتَّى إذا لغَب وذلَّ منه ما صعُب وحَمِيت الوسادةُ وبرَدت المزادةُ فإذا الزَّادُ قد هشَّ له الفؤادُ برَّكتُه فبرِك وأذِنتُ له فترك في روضةٍ خضِرةٍ نضِرةٍ عطِرةٍ ذاتِ حوذانٍ وقُربانٍ وعُنقرانٍ وعَبَيْثرانِ زاد إسماعيلُ نعنعٌ وشيحٌ وقالا وحَلْيٌ وأقاحٌ وجثْجاثٌ وبِرارٌ وشقائقُ وبُهارٌ كأنَّما قد مات الجوُّ بها مطيرًا أو باكرها المُزنُ بُكورًا فخلا لها شجرٌ وقرارُها نهرٌ فجعل يرتعُ أبًّا وأصِيدُ ضبًّا حتَّى إذا أكل وأكلتُ ونهلتُ ونهل وعلَلتُ وعلَّ وحَللتُ عَقالَه وعلوتُ جلالَه وأوسعتُ مجالَه فاغتنم الحملةَ ومرَّ كالنَّبلةِ يسبِقُ الرِّيحَ ويقطعُ عرضَ الفسيحِ حتَّى أشرف بي على وادٍ وشجرٍ من شجرِ عادٍ مُورِقةٌ مُونِقةٌ قد تهدَّل أغصانُها كأنَّها بريرُها حبُّ فُلفُلٍ فدنوْتُ فإذا أنا بقَسِّ بنِ ساعدةَ في ظلِّ شجرةٍ بيدِه قضيبٌ من أراكٍ ينكُتُ به الأرضَ وهو يترنَّمُ ويُشعِرُ زاد البيهقيُّ وأبو صالحٍ وهو يقولُ يا ناعيَ الموتِ والملْحودَ في جدَثٍ علِّمْهم من بقايا بَزِّهم خرَقُ دَعْهم فإنَّ لهم يومًا يُصاحُ لهم فهم إذا انتبهوا من يومِهم فِرَقُ حتَّى يعودوا بحالٍ غيرِ حالِهم خلقًا جديدًا كما من قبلِه خُلِقوا منهم عراةٌ ومنهم في ثيابِهم منها الجديدُ ومنها المنهجُ الخَلِقُ ، قال فدنوْتُ منه فسلَّمتُ عليه فردَّ عليَّ السَّلامَ وإذا أنا بعينِ خرَّارةٍ في الأرضِ خوَّارةٍ ومسجدٍ بين قبرَيْن وأسدَيْن عظيمَيْن يلوذان به ويتمسَّحان بأبوابِه وإذا أحدُهما سبق الآخرَ إلى الماءِ فتبِعه الآخرُ يطلبُ الماءَ فضربه بالقضيبِ الَّذي في يدِه وقال ارجَعْ ثكِلتك أمُّك حتَّى يشربَ الَّذي ورد قبلك على الماءِ قال فرجع ثمَّ ورد بعده فقلتُ له ما هذان القبران فقال هذان قبرا أخوَيْن لي كانا يعبدان اللهَ تبارك وتعالَى في هذا المكانِ لا يُشرِكان باللهِ تبارك وتعالَى شيئًا فأدركهما الموتُ فقبرتُهما وها أنا بين قبرَيْهما حقٌّ ألحقُ بهما ثمَّ نظر إليهما فتغرغرت عيناه بالدُّموعِ وانكبَّ عليهما وجعل يقولُ : ألم تريا أنِّي بسَمْعان مُفرَدُ وما لي فيها من خليلٍ سواكما خليليَّ هُبَّا طال ما قد رقدتما أجدُكما لا تقضيان كراكما ألم تريا أنِّي بشَمعانَ مُفرَدُ وما لي فيها من خليلٍ سواكما مقيمٌ على قبرَيْكما لستُ بارحًا طُوالَ اللَّيالي أو يُجيبُ صداكما أبكيكُما طُولَ الحياةِ وما الَّذي يردُّ على ذي عولةٍ إن بكاكما كأنَّكما والموتَ أقربُ غائبٍ بروحي في قبرَيْكما قد أتاكما أمن طُولِ نومٍ لا تُجيبان داعيًا كأنَّ الَّذي يَسقي العقارَ سقاكما فلو جُعِلت نفسٌ لنفسٍ وِقايةً لجُدتُ بنفسي أن تكونَ فِداكما فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رحِمُ اللهُ قَسًّا إنِّي أرجو أن يبعثَه اللهُ عزَّ وجلَّ أمَّةً وحدَه
إنَّ موسى قام خطيبًا في بني إسرائيلَ فسُئلَ أيُّ الناس أعلمُ فقال أنا فعتَب اللهُ عليه إذ لم يَرُدَّ العلمَ إليه فأوحى اللهُ إليه إنَّ لي عبدًا بمَجمع ِالبحرَينِ هو أعلمُ منك قال موسى يا ربِّ وكيف لي به قال تأخذ معك حوتاً فتجعلُه بمِكتلٍ فحيثُما فقدتَ الحوتَ فهو ثَمّ فأخذ حوتًا فجعله بمكتلٍ ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشعُ بنُ نونَ حتى إذا أتيا الصخرةَ وضعا رؤوسَهما فناما واضطرب الحوتُ في المِكتلِ فخرج منه فسقط في البحرِ واتخذ سبيلَه في البحرِ سرَبًا وأمسك اللهُ عن الحوتِ جِرْيةَ الماءِ فصار عليه مثلُ الطاقِ فلما استيقظ نسِيَ صاحبُه أن يخبرَه بالحوتِ فانطلقا بقيَّةَ يومِهما وليلتِهما حتى إذا كان من الغدِ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ولم يجدْ موسى النصبَ حتى جاوز المكانَ الذي أمره اللهُ به قال له فتاه أقَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قال فكان للحوتِ سرَبًا ولموسى ولفتاه عجبًا قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا قال فرجعا يقصَّان أثرَهما حتى انتهيا إلى الصخرةِ فإذا رجلٌ مُسجًّى بثوبٍ فسلَّم عليه موسى فقال الخضرُ وأنى بأرضك السلامُ قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيلَ قال نعم أتيتُك لتُعلِّمَني مما علِّمتَ رُشدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا يا موسى إني على علمٍ من علمِ اللهِ علَّمَنيه اللهُ لا تعلمُه أنت وأنت على علمٍ من علمِ اللهِ علمكَه اللهُ لا أعلمه فقال سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قال له الخضر فإن اتبعتَني فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا يمشيان على ساحلِ البحرِ فمرَّت سفينةٌ فكلَّمَهم أن يحمِلوهم فعرفوا الخضرَ فحملوهم بغير نَولٍ فلما ركبا في السفينةِ لم يفاجأْ إلا والخضرُ قد قلع لوحًا من ألواح السفينةِ بالقَدُّومِ فقال له موسى قومٌ حملُونا بغير نَوْلٍ عمدتَ إلى سفينتهم فخرقتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرً قال وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وكانت الأولى من موسى نسيانًا قال وجاء عصفورٌ فوقع على حرفِ السفينةِ فنقر في البحرِ نقرةً فقال له الخضرُ ما عِلمي وعِلمُك في علمِ الله إلا مثلُ ما نقص هذا العصفورُ من هذا البحرِ ثم خرجا من السفينةِ فبينما هما يمشيانِ على الساحلِ إذ بصر الخضرُ غلامًا يلعب مع الغِلمان فأخذ الخضرُ رأسَه بيدِه فاقتلعَه بيده فقتله فقال له موسى أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قال وهذه أشدُّ من الأولى قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ قال مائلٌ فقال الخضرُ بيده فَأَقَامَهُ فقال موسى قوم أتيناهم فلم يُطعِمونا ولم يُضيِّفونا لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وددْنا أنَّ موسى كان صبَر حتى يقُصَّ اللهُ علينا من خبرِهما
عن سَلامةَ العِجْلِيِّ قال جاء ابنُ أختٍ لي مِنَ الباديةِ يُقالُ له قُدامةُ فقال لي ابنُ أختي أُحِبُّ أن ألْقى سَلْمانَ فأُسَلِّمَ عليه فخرَجْنا إليه فوجَدْناه بالمدائنِ وهو يومئذٍ على عشرين ألفًا فوجَدْناه على سَريرٍ يسقِ حَوضًا فسَلَّمْنا عليه قلْتُ يا أبا عبدِ اللهِ هذا ابنُ أختٍ لي قدِم مِنَ الباديةِ فأحَبَّ أن يُسْلِّمَ عليك فقال وعليه السَّلامُ ورحمةُ اللهِ قلْتُ يزعُمُ أنَّه يُحِبُّك قال أحَبَّه اللهُ قال فتحدَّثْنا وقُلْنا له يا أبا عبدِ اللهِ ألا تُحَدِّثُنا عن أَصْلِك وممَّن أنت قال أمَّا أَصْلي وممَّن أنا فأنا مِن رَامَهُرْمُزَ كُنَّا قَومًا مَجوسًا فأتى رجلٌ نصرانيٌّ مِن أهلِ الجزيرةِ وكان يمُرُّ بنا فينزِلُ فينا واتَّخَذ فينا دَيرًا وكنْتُ في كُتَّابِ الفارسيَّةِ وكان لا يَزالُ غلامٌ معي في الكُتَّابِ يجيءُ مَضروبًا ويبكي قد ضرَبه أبواه فقلْتُ له يومًا ما يُبكيك قال يضرِبُني أبواي قال ولِمَ يضرِباك قال آتي هذا الدَّيرَ فإذا عَلِمَا ذلك ضرَباني وأنت لو أتَيْتَه لسمِعْتَ منه حَديثًا عَجَبًا قلْتُ اذهَبْ بي معك فأتَيْناه فحدَّثَنا عن بَدءِ الخَلْقِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرضِ وعنِ الجَنَّةِ والنَّارِ قال فحدَّثَنا حديثًا عَجَبًا قال وكنْتُ أختلِفُ إليه معه قال ففطِن غِلمانٌ مِنَ الكُتَّابِ فجعلوا يجيئون معنا فلمَّا رأى ذلك أهلُ القريةِ أتَوه فقالوا له يا هذا إنَّك قد جاوَرْتنا فلم نَرَ مِن جِوارِك إلَّا الحَسَنَ وإنا نرى غِلمانَنا يختلِفون إليك وإنا نخافُ أن تفتِنَهم علينا اخرُجْ عنَّا قال نعم قال لذلك الغلامِ الَّذي يأتيه اذهَبْ معي قال لا أستطيعُ ذلك قد عَلِمْتَ سنةَ أبويَّ عليَّ قلْتُ لكنِّي أخرُجُ معك وكنْتُ يتيمًا لا أبَ لي فخرَجْتُ معه فأخَذْنا جَبَلَ رَامَهُرْمُزَ فجَعَلْنا نمشي ونتوكَّلُ ونأكُلُ مِن ثَمَرِ الشَّجرِ حتَّى قدِمْنا الجزيرةَ فقدِمْنا نَصِيبِينَ فقال لي صاحبي يا سَلْمانُ إنَّ قَومًا هاهنا هم عُبَّادُ أهلِ الأرضِ وأنا أُحِبُّ أن ألقاهم قال فجِئْناهم يومَ الأحدِ وقد اجتمعوا فسلَّم عليهم صاحبي فحيَّوه وبَشُّوا له قالوا أين كانت غِيبتُك قال كنْتُ في إخوانٍ لي مِن قِبَلِ فارِسَ فتحدَّثْنا ما تحدَّثْنا ثمَّ قال لي صاحبي قُمْ يا سَلْمانُ انطلِقْ فقلْتُ دَعْني مع هؤلاء قال إنَّك لا تُطيقُ ما يُطيقُ هؤلاء يصومون مِنَ الأحدِ إلى الأحدِ ولا ينامون هذا اللَّيلَ وإذا فيهم رجلٌ مِن أبناءِ الملوكِ ترَك المُلكَ ودخَل في العِبادةِ فكنْتُ فيهم حتَّى إذا أمسَيْنا قال الرَّجلُ الَّذي مِن أبناءِ الملوكِ ما هذا الغُلامُ يُضَيِّعوه لِيَأْخُذْهُ رجلٌ مِنكم قالوا خُذْه أنت قالوا يا سَلْمانُ هذا خُبْزٌ وهذا أَدَمٌ فكُلْ إذا غرَبَتْ وصُمْ إذا نَشِطَتْ وصَلِّ ما بدا لك ونَمْ إذا كَسِلْتَ ثمَّ دخَل في صلاتِه فلم يُكَلِّمْني إلَّا ذاك ولم ينظُرْ إليَّ فأخَذَني الغَمُّ تلك السَّبْعةَ الأيَّامِ لا يُكَلِّمُني أحَدٌ حتَّى كان الأحَدُ فانصرَف إليَّ فذهَبْنا إلى مكانِهم الَّذي كانوا يجتمِعون قال وهم يجتمِعون كلَّ أحَدٍ يُفطِرون فيه فيَلقى بعضُهم بعضًا فيُسَلِّمُ بعضُهم عليَّ ثُمَّ لا يلتفِتون إلى مِثلِه قال فرجَعْتُ إلى منزلِنا فقال لي مِثلَ ما قال لي أوَّلَ مرَّةٍ هذا خُبزٌ وأَدَمٌ فكُلْ منه إذا غرَبَتْ وصُمْ إذا نَشِطَتْ وصَلِّ ما بدا لك ونَمْ إذا كَسِلْتَ ثمَّ دخَل في صلاتِه فلم يلتفِتْ إليَّ ولم يُكَلِّمْني إلى الأحدِ الآخَرِ فأخذَني غَمٌّ وحدَّثْتُ نفسي بالفِرارِ ثمَّ دخَل في صلاتِه فقلْتُ أصبِرُ أحَدَينِ أو ثلاثةً فلمَّا كان الأحَدُ رجَعْنا إليهم فاجتمَعوا فقال لهم إنِّي أريدُ بيتَ المَقْدِسِ فقالوا له وما تُريدُ إلى ذلك قال لا عَهْدَ لي به قالوا إنا نخافُ أن يحدُثَ به حَدَثٌ فيَلِيَك غيرُنا وكنَّا نُحِبُّ أن نَلِيَك قال لا عَهْدَ لي به فلمَّا سمِعْتُه يذكُرُ ذاك فرِحْتُ قلْتُ نُسافِرُ نَلقى النَّاسَ فذهَب عنِّي الغَمُّ الَّذي كنْتُ أجِدُ فخرَجْنا أنا وهو وكان يصومُ مِنَ الأحدِ إلى الأحدِ ويُصَلِّي اللَّيلَ كُلَّه ويمشي النَّهارَ فإذا نزَلْنا قام يُصَلِّي فلم يزَلْ ذلك دَأَبَه حتَّى انتَهَيْنا إلى بيتِ المَقْدِسِ [ وعلى البابِ رجلٌ مُقْعَدٌ يسألُ قال أعطِني قال ما معي شيءٌ فدخَلْنا بيتَ المَقْدِسِ ] فلمَّا رآه أهلُ بيتِ المَقْدِسِ بَشُّوا إليه واستبشَروا به فقال لهم غُلامي هذا فاستَوصوا به فانطلَقوا بي فأطعَموني خُبزًا ولَحْمًا ودخَل في صلاتِه فلم ينصرِفْ إليَّ حتَّى كان يومُ الأحَدِ الآخَرُ ثمَّ قال لي يا سَلْمان إنِّي أُريدُ أن أضَعَ رأسي فإذا بلَغ الظِّلُّ مكانَ كذا وكذا فأيقِظْني فوضَع رأسَه فبلَغ الظِّلُّ الَّذي قال فلم أوقِظْه مأواةً له ممَّا رأيْتُ مِنِ اجتهادِه ونَصَبِه فاستيقَظ مَذعورًا فقال يا سَلْمانُ ألم أكُنْ قلْتُ لك إذا بلَغ الظِّلُّ مكانَ كذا وكذا قلْتُ بلى وإنَّما منعَني مأواةٌ لك لِمَا رأيْتُ مِن دَأَبِك قال ويحَكَ يا سَلْمانُ اعلَمْ أنَّ أفضَلَ دينِنا اليومَ النَّصرانيَّةُ قلْتُ ويكونُ بعدَ اليومِ دينٌ أفضلُ مِنَ النَّصرانيَّةِ كَلِمَةٌ أُلْقِيَتْ على لساني قال نعم يُوشِكُ أن يُبْعَثَ نبِيٌّ يأكُلُ الهديَّةَ ولا يأكُلُ الصَّدقةَ وبينَ كَتِفَيه خاتَمُ النُّبُوَّةِ فإذا أدرَكْتَه فاتَّبِعْه وصدِّقْه قلْتُ وإنْ أمَرني أن أدَعَ دينَ النَّصرانيَّةِ قال نعم فإنَّه نبيٌّ لا يأمُرُ إلَّا بحَقٍّ ولا يقولُ إلَّا حَقًّا واللهِ لو أدرَكْتُه ثُمَّ أمَرني أن أقَعَ في النَّارِ لوَقَعْتُها ثُمَّ خرَجْنا مِن بيتِ المَقْدِسِ فمرَرْنا على ذلك المَقعَدِ فقال له دخَلْتَ فلم تُعْطِني وهذا تخرُجُ فأعطِني فالتفَت فلم يرَ حولَه أحَدًا قال فأعطِني يدَك قال فناوَلَه يدَه فقال قُمْ بإذنِ اللهِ صحيحًا سَوِيًّا فتوجَّه نحوَ بيتِه فأتْبَعْتُه بَصَري تعجُّبًا ممَّا رأيْتُ وخرَج صاحبي وأسرَع المشيَ وتلقَّاني رُفقةٌ مِن كَلْبٍ أعرابٌ فسبُّوني فحمَلوني على بعيرٍ وشدُّوني وَثاقًا فتداوَلَني البيَّاعُ حتَّى سقَطْتُ إلى المدينةِ فاشتراني رجلٌ مِنَ الأنصارِ فجعَلَني في حائطٍ له مِن نخلٍ فكنْتُ فيه قال ومِن ثَمَّ تعلَّمْتُ عَمَلَ الخُوصِ أشتري خُوصًا بدرهَمٍ وأعمَلُه فأبيعُه بدِرْهمَينِ فأرُدُّهما إلى الخُوصِ وأستنفِقُ درهمًا أُحِبُّ أن آكُلَ مِن عمَلِ يدي وهو يومئذٍ على عشرين ألفًا فبلَغَنا ونحن بالمدينةِ أنَّ رجلًا خرَج بمكَّةَ يزعُمُ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أرسَله فمكَثْنا ما شاء اللهُ أن نمكُثَ فهاجر إلينا وقدِم علينا فقلْتُ واللهِ لأُجَرِّبَنَّه فذهَبْتُ إلى السُّوقِ فاشترَيْتُ لحمَ جَزورٍ بدرهمٍ ثمَّ طبَخْتُه فجعَلْتُ قَصْعةً مِن ثَريدٍ فاحتمَلْتُها حتَّى أتَيْتُه بها على عاتِقي حتَّى وضَعْتُها بينَ يدَيه فقال ما هذه صدَقةٌ أم هديَّةٌ قلْتُ بل صدقةٌ قال لأصحابِه كُلوا بسمِ اللهِ وأمسَك ولم يأكُلْ فمكَثْتُ أيَّامًا ثمَّ اشترَيْتُ أيضًا بدرهمٍ لحمَ جَزورٍ فأصنَعُ مِثلَها واحتمَلْتُها حتَّى أتَيْتُه بها فوضَعها بينَ يدَيه فقال ما هذه هديَّةٌ أم صدَقةٌ قلْتُ لا بل هديَّةٌ قال لأصحابِه كُلوا بسمِ اللهِ وأكَل معهم قلْتُ هذا واللهِ يأكُلُ الهديَّةَ ولا يأكُلُ الصَّدقةَ فنظَرْتُ فرأيْتُ بينَ كَتِفَيه خاتَمَ النُّبُوَّةِ مِثلَ بَيضةِ الحَمَامةِ فأسلَمْتُ ثمَّ قلْتُ له ذاتَ يومٍ يا رسولَ اللهِ أيُّ قومٍ النَّصارى قال لا خيرَ فيهم ولا فيمن يُحِبُّهم قلْتُ في نفسي فأنا واللهِ أُحِبُّهم وذلك حينَ بعثَ السَّرايا وجرَّد السَّيفَ فسَرِيَّةٌ تدخُلُ وسريَّةٌ تخرُجُ والسَّيفُ يقطُرُ فقلْتُ تحدَّث الآنَ أنِّي أُحِبُّهم فيَبْعَثُ إليَّ فيضرِبُ عُنُقي فقعَدْتُ في البيتِ فجاءني الرَّسولُ ذاتَ يومٍ فقال يا سَلْمانُ أجِبْ قلْتُ مَن قال رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قلْتُ واللهِ هذا الَّذي كنْتُ أحذَرُ قلْتُ نعم اذهَبْ حتَّى ألحَقَك قال لا واللهِ حتَّى تجيءُ وأنا أُحَدِّثُ نفسي أن لو ذهَب أن أفِرَّ فانطلَق بي فانتَهَيْتُ إليه فلمَّا رآني تبسَّم وقال لي يا سَلْمانُ أبشِرْ فقد فرَّج اللهُ عنك ثُمَّ تلا هؤلاء الآياتِ {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55 } قلْتُ يا رسولَ اللهِ والَّذي بعثَك بالحقِّ نبِيًّا لقد سمِعْتُه يقولُ لو أدرَكْتُه فأمَرَني أن أدخُلَ النَّارَ لوقَعْتُها إنَّه نبِيٌّ لا يقولُ إلَّا حقًّا ولا يأمُرُ إلَّا بحقٍّ وفي روايةٍ مختصَرةٍ قال فأنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } حتَّى بلَغ { تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ } فأرسَل إليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال يا سَلْمانُ إنَّ أصحابَك هؤلاء الَّذين ذكَر اللهُ
أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قضى في رجلٍ ادَّعاه رجلانِ كلاهما يزعُمُ أنه ابنُه وذلك في الجاهليةِ فدعا عمرُ أمَّ الغلامِ المُدعَّى فقال أُذكِّركِ بالذي هداكِ للإسلامِ لأيِّهما هو قالتْ لا والذي هداني للإسلامِ ما أدري لأيهما هو أتاني هذا أولَ الليلِ وأتاني هذا آخرَ الليلِ فما أدري لأيهما هو قال فدعا عمرُ من القافةِ أربعةً ودعا ببطحاءَ فنثَرها فأمر الرَّجُلَينِ المُدَّعِيينِ فوطئَ كلُّ واحدٍ منهما بقدمٍ وأمر المُدَّعَى فوطئَ بقدمٍ ثم أراهُ القافةَ قال انظُروا فإذا أتيتُم فلا تتكلَّموا حتى أسألَكم قال فنظر القافة فقالوا قد أثْبَتْنا ثم فرَّق بينهم ثم سألهم رجلًا رجلًا قال فتقادَعوا يعني فتتابعوا الأصلَ فتبايعوا كلُّهم يشهد أنَّ هذا لمِن هذينِ قال فقال عمرُ يا عجبًا لما يقولُ هؤلاءِ قد كنتُ أعلمُ أنَّ الكلبةَ تُلَقَّحُ بالكلابِ ذواتِ العَددِ ولم أكن أشعرُ أن النساءَ يفعلْنَ ذلك قبل هذا إني لا أردُّ ما يرَونَ اذهبْ فهما أبواكَ
أنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه قَضى في رَجُلٍ ادَّعاه رَجُلانِ، كلاهما يَزعُمُ أنَّه ابنُه، وذلك في الجاهليَّةِ، فدَعا عُمَرُ أُمَّ الغُلامِ المُدَّعى، فقال: أُذكِّرُكِ بالذي هَداكِ للإسلامِ، لأيِّهما هو؟ قالتْ: لا، والذي هَداني للإسلامِ لا أَدْري لأيِّهما هو، أَتاني هذا أوَّلَ اللَّيلِ، وأَتاني هذا آخِرَ اللَّيلِ، فما أَدْري لأيِّهما هو، فدَعا عُمَرُ مِنَ القافةِ بأربعةٍ، ودَعا ببَطْحاءَ فنَثَرَها، فأمَرَ الرَّجُلَينِ المُدَّعيَينِ فوَطِئَ كلُّ واحدٍ منهما بقَدمٍ، وأمَرَ المُدَّعيَ فوَطِئَ بقَدمٍ، ثُمَّ أَراه القافةَ، فقال: انظُروا، فإذا أَثبَتُّم فلا تَكلَّموا حتى أَسأَلَكم، فنظَرَ القافةُ فقالوا: قد أَثبَتْنا، ثُمَّ فَرَّقَ بينَهم، ثُمَّ سأَلَهم رَجُلًا رَجُلًا، فتَعاقَدوا -يَعني: فتَتابَعوا أربعتُهم- كلُّهم يَشهَدُ أنَّ هذا لمِن هذَينِ، فقال عُمَرُ: يا عَجبًا لمَا يقولُ هؤلاء! قد كنتُ أعلَمُ أنَّ الكلبةَ تَلقَحُ بالكِلابِ ذَواتِ العَددِ، ولم أكُنْ أشعُرُ أنَّ النِّساءَ يَفعَلنَ ذلك قبلَ هذا، إنِّي لأَرى ما تَرَونَ، اذهَبْ؛ فإنَّهما أبَواكَ!
أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ رضيَ اللَّهُ عنهُ قضَى في رجلٍ ادَّعاهُ رجلانِ، كلاهُما يزعمُ أنَّهُ ابنُهُ، وذاكَ في الجاهليَّةِ، فدعَى عمرُ أمَّ الغلامِ المدَّعى، فقالَ: أذَكِّرُكِ بالَّذى هداكِ للإسلامِ لأيِّهما هوَ ؟ فقالَت: لا، والَّذي هداني للإسلامِ، ما أدري لأيِّهما هوَ، أتاني هذا أوَّلَ اللَّيلِ، وأتاني هذا آخرَ اللَّيلِ، فما أدري لأيِّهما هوَ قال فدَعى عمرُ رضيَ اللَّهُ عنهُ منَ القافةِ أربعة، ودعى ببطحاءَ، فغَشوها، فأمرَ الرَّجُلَيْنِ المدَّعِيينِ، فوطئَ كلُّ واحدٍ منهما بقدمٍ، وأمرَ المدَّعيَ، فوطئَ بقدمٍ، ثمَّ أراها القَافةَ، فقالَ: انظُروا، فإذا أثبتُّم، فلا تتَكَلَّموا حتَّى أسألَكُم قال فنظرَ القافةُ، فقالوا: قد أَثبتنا . ثمَّ فرَّقَ بينَهُم، ثمَّ سألَهُم رجُلًا رجُلًا قال فتقادَعوا، يعني: فتتابعوا، أربعتُهُم، كلُّهم يشهَدُ أنَّ هذا لَمِن هذينِ، فقالَ عمرُ رضيَ اللَّهُ عنهُ: يا عجبًا لما يقولُ هؤلاءِ ! قد كنتُ أعلمُ أنَّ الكَلبةَ تُلقحُ بالكلابِ ذواتِ العددِ، ولم أَكُن أشعرُ أنَّ النِّساءَ يفعلنَ ذلِكَ قبلَ هذا، إنِّي لأرَى ما يَرونَ، أذهب فهُما أبواكَ
17
✔ صحيح📌 دخلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الكعبةَ ما خلفَ بصرُهُ موضعَ سجودِهِ حتَّى خَرجَ منها
عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ أنَّ عائشةَ، كانت تقولُ: عجبًا للمَرءِ المسلمِ إذا دخلَ الكعبةَ كيفَ يرفعُ بصرَهُ قِبَلَ السَّقفِ، يدعُ ذلِكَ إجلالًا للَّهِ وإعظامًا، دخلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الكعبةَ ما خلفَ بصرُهُ موضعَ سجودِهِ حتَّى خَرجَ منها
عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: قُلْتُ لابنِ عبَّاسٍ، -قال عبدُ اللهِ: قال أَبي: كتَبْتُه عن بَهزٍ وابنِ عُيَينةَ-: حتى إنَّ نَوفًا يَزعُمُ أنَّ موسى ليس بصاحبِ الخَضِرِ، قال: فقال: كذَبَ عَدوُّ اللهِ، حدَّثَنا أُبَيُّ بنُ كَعبٍ، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: قامَ موسى خَطيبًا في بَني إسرائيلَ، فسُئِلَ: أيُّ الناسِ أعلَمُ؟ قال: أنا، فعتَبَ اللهُ عليه، إذ لم يَرُدَّ العِلمَ إليه، قال: بل عبدٌ لي عندَ مَجمَعِ البَحرَيْنِ، هو أعلَمُ منكَ، قال: أيْ رَبِّ، فكيف لي به؟ قال: خُذْ حوتًا، فاجعَلْه في مِكتَلٍ، ثُم انطَلِقْ، فحيثما فقَدْتَه، فهو ثَمَّ، فانطَلَقَ موسى ومعه فَتاهُ يَمشيانِ، حتى انْتَهَيا إلى الصخْرةِ، فرقَدَ موسى، واضْطرَبَ الحوتُ في المِكتَلِ، فخرَجَ، فوقَعَ في البَحرِ، فأمسَكَ اللهُ عنه جِرْيةَ الماءِ مِثلَ الطاقِ، وكان للحوتِ سَرَبًا، وقال سُفيانُ: فعقَدَ الإبهامَ والسبَّابةَ، وفرَّجَ بينَهما، قال: فانْطَلَقا، حتى إذا كان منَ الغَدِ، قال موسى لفَتاهُ: {آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62]، قال: ولم يَجِدِ النصَبَ حتى جاوَزَ حيث أُمِرَ، {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64]، يَقُصَّانِ آثارَهما، قال: وكان لموسى أثَرُ الحوتِ عَجَبًا، وللحوتِ سَرَبًا، فذكَرَ الحديثَ
قال عطاء بن أبي رباح: دَخَلتُ مع عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ وعُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ على عائشةَ رَضيَ اللهُ عنهم، وهي في خِدرِها، فقالتْ: مَن هؤلاء؟ قُلْنا: عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ وعُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ، فقالتْ: يا عُبَيدُ بنَ عُمَيرٍ، أنتَ كما قال الأوَّلُ: زُرْ غِبًّا تَزدَدْ حُبًّا، فقال ابنُ عُمَرَ: دَعُونا مِن باطلِكم هذا، حَدِّثينا بأعجبَ ما رَأَيتِ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فبَكَتْ بُكاءً شَديدًا، ثُمَّ قالتْ: كلُّ أمْرِه كان عَجبًا، أَتاني ذاتَ ليلةٍ، وقد دَخَلتُ فِراشي فدخَلَ معي حتى لَصِقَ جِلدُه بجِلدي، ثُمَّ قال: يا عائشةُ، ائْذَني لي أتَعبَّدْ لربِّي عزَّ وجلَّ، قالتْ: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي لأُحِبُّ قُربَكَ وأُحِبُّ هَواكَ، قالتْ: فقام إلى قِربةٍ في البَيتِ فتَوضَّأَ منها، ثُمَّ قرَأَ القُرآنَ، ثُمَّ بَكى حتى ظَنَنتُ أنَّ دُموعَه بلَغَتْ حُبوَتَه، ثُمَّ جلَسَ فدَعا، وبَكى حتى ظَنَنتُ أنَّ دُموعَه بلَغَتْ حُجزَتَه، ثُمَّ اضطَجَعَ على يَمينِه وجعَلَ يدَه اليُمنى تحت خَدِّه اليُمنى، ثُمَّ بَكى حتى ظَنَنتُ أنَّ دُموعَه قد بلَغَتِ الأرضَ، ثُمَّ جاءه بِلالٌ بعدَما أذَّنَ، فسَلَّمَ، فلمَّا رَآه يَبكي قال: يا رسولَ اللهِ، تَبكي وقد غفَرَ اللهُ لكَ ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تَأخَّرَ! قال: وما لي لا أَبْكي وقد أُنزِلَتْ علَيَّ اللَّيلةَ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [آل عمران: 190] الآيةَ، وَيلٌ لمَن قرَأَها ثُمَّ لم يَتفكَّرْ فيها، وَيحَكَ يا بِلالُ، ألَا أكونُ عبدًا شَكورًا؟!
خرجَ علَينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ونحنُ في صُفَّةٍ بالمدينةِ ، فقامَ علَينا فقال : إنِّي رأيتُ البَارحةَ عجبًا ، رأيتُ رجلًا مِن أُمَّتي أتاهُ ملَكُ المَوتِ ليقبضَ روحَهُ ، فجاءَهُ بِرُّهُ بوالدَيْهِ فردَّ ملَكَ المَوتِ عنهُ ، ورأيتُ رجلًا مِن أُمَّتي قد احتَوشتْهُ الشَّياطينُ ، فجاءَ ذِكْرُ اللهِ فطيَّرَ الشَّياطينَ عنهُ ، ورأيتُ رجلًا مِن أُمَّتي قد احتَوشتْهُ ملائكةُ العذابِ ، فجاءَتْهُ صلاتُهُ فاستَنقذَتْهُ مِن أيديهِم ، ورأيتُ رجلًا من أُمَّتي يلهثُ عطشًا ، كلَّما دنا من حَوضٍ مُنِعَ وطُرِدَ ، فجاءَهُ صيامُ شهرِ رمضانَ فأسقاهُ وأرواهُ ، ورأيتُ رجلًا مِن أُمَّتي ورأيتُ النَّبيِّينَ جلوسًا حِلَقًا حِلَقًا ، كلَّما دنا إلى حلقةٍ طُرِدَ ومُنِعَ ، فجاءَهُ غُسلُهُ مِن الجنابةِ فأخذَ بيدِهِ فأقعدَهُ إلى جَنبي ، ورأيتُ رجلًا مِن أُمَّتي مِن بينَ يدَيْهِ ظُلمةٌ ، ومِن خلفِهِ ظُلمةٌ ، وعن يمينِهِ ظُلمةٌ ، وعن يسارِهِ ظُلمةٌ ، ومِن فَوقِهِ ظُلمةٌ ، وهوَ مُتَحيِّرٌ فيهِ ، فجاءَهُ حَجُّهُ وعُمرتُهُ فاستخرجاهُ مِن الظُّلمةِ وأدخلاهُ في النُّورِ ، ورأيتُ رجلًا مِن أُمَّتي يتَّقي وَهَجَ النَّارِ وشررَها ، فجاءتْهُ صدقتُهُ فصارتْ سِترًا بينَهُ وبينَ النَّارِ وظلًّا على رأسِهِ ، ورأيتُ رجلًا مِن أُمَّتي يُكلِّمُ المؤمنينَ ولا يُكلِّمونَهُ ، فجاءتْهُ صِلَتُهُ لرَحِمِهِ فقالت : يا معشرَ المؤمنينَ إنَّهُ كان وصولًا لرَحِمِهِ فكلِّموهُ ، فكلَّمَهُ المؤمنونَ وصافَحُوهُ وصافَحَهُمْ ، ورأيتُ رجلًا من أُمَّتي قد احتَوشتْهُ الزَّبانيةُ ، فجاءَهُ أمْرُهُ بالمعروفِ ونهيُهُ عن المُنكرِ فاستَنقذَهُ من أيديهِم وأدخلَهُ في ملائكةِ الرَّحمةِ ، ورأيتُ رجلًا مِن أُمَّتي جاثيًا على رُكبتَيهِ وبينَه وبينَ اللهِ حجابٌ ، فجاءَهُ حُسْنُ خُلُقِهِ فأخذَ بيدِهِ فأدخلَهُ على اللهِ عزَّ وجلَّ ، ورأيتُ رجلًا من أُمَّتي قد ذهبَتْ صحيفتُهُ من قِبَلِ شمالِهِ ، فجاءَهُ خَوفُهُ من اللهِ عزَّ وجلَّ فأخذَ صحيفتَهُ فوضعَها في يمينِهِ ، ورأيتُ رجلًا من أُمَّتي خفَّ ميزانُهُ ، فجاءَهُ رجاؤُهُ من اللهِ عزَّ وجلَّ فاستَنقذَهُ من ذلكَ ومضَى ، ورأيتُ رجلًا من أُمَّتي قد هوَى في النَّارِ ، فجاءتْهُ دمعتُهُ الَّتي قد بكَى من خشيةِ اللهِ عزَّ وجلَّ فاستَنقذتْهُ من ذلكَ ، ورأيتُ رجلًا من أُمَّتي قائمًا على الصِّراطِ يرعدُ كما ترعدُ السَّعفَةُ في ريحٍ عاصفٍ ، فجاءَهُ حُسْنُ ظنِّهِ باللهِ عزَّ وجلَّ فسكَّنَ رَوعَهُ ومضَى ، ورأيتُ رجلًا من أُمَّتي يزحفُ على الصِّراطِ ، يحبو أحيانًا ويتعلَّقُ أحيانًا ، فجاءتْهُ صلاتُهُ عليَّ فأقامَتْهُ على قدمَيْهِ وأنقذَتْهُ ، ورأيتُ رجلًا من أُمَّتي انتهَى إلى أبوابِ الجنَّةِ فغُلِّقَتِ الأبوابُ دونَهُ ، فجاءتْهُ شهادةُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ ففُتِّحَتْ لهُ الأبوابُ وأدخلَتْهُ الجنَّةَ
عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال كنتُ أُريدُ أن أسألَ عمرَ بنَ الخطَّابِ عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ وإِنْ تَظَاهَرَا عليْه فكنتُ أَهابُه حتى حججنا معه حجَّةً فقلتُ لئنْ لم أسأَلْه في هذه الحجَّةِ لا أَسأَلُه فلمَّا قضينا حجَّنا أدركناه وهو ببطنِ مَرْوٍ قد تخلَّفَ لبعضِ حاجَتِه فقال مرحبًا بكَ يا ابنَ عمِّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما حاجَتُكَ قلتُ شيءٌ كنتُ أُريدُ أنْ أسألَكَ عنه يا أميرَ المؤمنينَ فكنتُ أَهابُكَ فقال سلْني عمَّا شئتَ فإنَّا لم نكنْ نعلمُ شيئًا حتى تَعلَّمْنَا فقلتُ أخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ وإِنْ تَظَاهَرَا عليْه مَن هُما قال لا تَسألْ أحدًا أعلمَ بذلك مِنِّى كُنَّا بمكةَ لا يُكلِّمُ أَحدُنا امْرأَتَه إنَّما هي خادِمُ البيتِ فإذا كان له حاجةٌ سفعَ بِرجْلَيْها فقضى حاجَتَه فلمَّا قَدِمْنا المدينةَ تَعلَّمْنَ من نساءِ الأنصارِ فَجَعلْنَ يُكلِّمْنَنا ويُراجِعْنَنا وإنِّي أَمرْتُ غِلمانًا لي ببعضِ الحاجةِ فقالتِ امْرأَتي بل اصْنَعْ كذا وكذا فقمتُ إليها بقضيبٍ فَضربْتُها به فقالت يا عَجبًا لكَ يا ابنَ الخطَّابِ تُريدُ أنْ لا أَتكَلَّم فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تُكلِّمُه نِساؤُه فخرجتُ فدخلتُ على حفصةَ فقلتُ يا بُنَيَّةَ انظري لا تُكلِّمي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ولا تَسأَليهِ فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليس عِندَه دينارٌ ولا دِرهَمٌ يُعطيكَهُنَّ فما كانتْ لكِ من حاجةٍ حتى دُهْنُ رَأْسِكِ فسليني وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا صلَّى الصُّبحَ جلسَ في مُصلَّاه وجلسَ النَّاسُ حولَه حتى تَطلعَ الشَّمسُ ثم دخلَ على نِسائِه امرأةً امرأةً يُسَلِّمُ عليهِنَّ ويدعو لهنَّ فإذا كان يومُ إحداهُنَّ جلسَ عِندَها وأنَّها أُهْدِيتْ لحفصةَ بنتِ عمرَ عُكَّةُ عسلٍ من الطَّائفِ أو من مكَّةَ فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا دخلَ يُسلِّمُ عليها حَبَستْهُ حتى تُلْعِقَه منها أو تَسْقِيَه منها وأنَّ عائشةَ أَنكرَتِ احْتباسَه عِندَها فقالتْ لجويريةٍ عِندَها حَبشِيَّةٍ يُقالُ لها خضراءُ إذا دخلَ على حفصةَ فادْخُلي عليها فانظُرِي ما يصنعُ فَأخْبرَتْها الجارِيةُ بشأنِ العسلِ فأرسَلتْ عائِشةُ إلى صَواحِباتِها فَأَخبَرتْهُنَّ وقالتْ إذا دخلَ عَليْكُنَّ فَقُلْنَ إنَّا نجدُ مِنكَ ريحَ مَغافيرَ ثم إنَّه دخلَ على عائِشةَ فقال يا رسولَ اللهِ أَطَعِمْتَ شيئًا منذُ اليومَ فَإنِّي أَجدُ منكَ ريحَ مغافيرَ وكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَشدُّ شيءٍ عليه أنْ يُوجَدَ منه ريحُ شيءٍ فقال هو عسلٌ واللهِ لا أَطعَمُه أَبدًا حتى إذا كان يومُ حفصةَ قالتْ يا رسولَ اللهِ إنَّ لي حاجةً إلى أَبي أنَّ نفقةً لي عِندَه فائذنْ لي أنْ آتِيَه فَأذِنَ لها ثم إنَّه أَرسلَ إلى جارِيَتِهِ مارِيةَ فَأدخَلَها بيتَ حفصةَ فوقعَ عليها فَأَتتْ حفصةُ فوجَدَتِ البابَ مُغْلَقًا فجلستْ عِندَ البابِ فخرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو فَرْعٌ ووجْهُه يَقْطُرُ عَرَقًا وحفصةُ تَبكي فقال ما يُبْكِيكِ فقالتْ إنَّما أذنتَ لي من أجلِ هذا أَدخلتَ أَمَتكَ بيتي ثم وقعتَ عليها على فِرَاشي ما كنتَ تَصنَعُ هذا بامْرأةٍ مِنْهُنَّ أمَا واللهِ ما يَحِلُّ لكَ هذا يا رسولَ اللهِ فقال واللهِ ما صَدَقْتِ أليسَ هي جاريتي قد أَحلَّها اللهُ لي أُشْهِدُكِ أنَّها عَلَيَّ حرامٌ أَلْتَمِسُ بذلكَ رِضاكِ انظُري لا تُخبرِي بذلكَ امرأةً مِنْهُنَّ فهي عِندَكِ أمانةٌ فلمَّا خرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَرعَتْ حفصةُ الجِدارَ الذي بينها وبينَ عائشةَ فقالتْ أَلا أَبْشرِي فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد حَرَّمَ أَمَتَه فقد أَراحَنا اللهُ منها فقالتْ عائشةُ أَما واللهِ إنَّه كان يُريبُني إنَّه كانَ يُقْتَلُ من أَجْلِها فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ ثم قَرأَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وإِنْ تَظَاهَرَا عليْه فهي عائشةُ وحفصةُ وزعموا أَنَّهُما كانتا لا تَكْتُمُ إحداهُما الأُخرى شيئًا وكان لي أَخٌ من الأنصارِ إذا حَضَرْتُ وغابَ في بعضِ ضَيْعَتِه حَدَّثْتُه بما قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وإذا غِبْتُ في بعضِ ضَيْعَتِي حَدَّثَني فأتاني يومًا وقد كُنَّا نَتخَوَّفُ جَبَلَةَ بنَ الأَيْهَمِ الغَسَّانِيَّ فقال ما دَريْتَ ما كان فقلتُ وما ذاكَ لَعَلَّه جَبَلَةَ بنَ الأَيْهَمِ الغَسَّانيَّ تَذْكرُ قال لا ولَكِنَّه أَشَدَّ من ذلك أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلَّى الصُّبحَ فلم يجلسْ كما كان يجلسُ ولم يدخلْ على أَزواجِه كما كان يَصنعُ وقد اعتزلَ في مَسْرُبَتِه وقد تركَ النَّاسَ يموجونَ ولا يدرونَ ما شَأْنُه فأتيتُ والنَّاسُ في المسجدِ يموجونَ ولا يدرونَ فقال يا أَيُّها النَّاسُ كما أنتمْ ثم أَتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو في مَسْرُبَتِه قد جَعَلْتُ له عجلةً فَرقى عليها فقال لِغلامٍ له أسودَ وكان يَحْجُبُه استأذنْ لعمرَ بنَ الخطَّابِ فاستأذنَ لي فدخلتُ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مَسْرُبَتِه فيها حصيرٌ وأُهُبٌ مُعلَّقَةٌ وقد أَفضى لجنبِه إلى الحصيرِ فَأَثَّرَ الحصيرُ في جَنبِه وتحتَ رَأْسِه وسادةً من أَدَمٍ مَحشُوَّةٌ ليفًا فلمَّا رَأَيْتُه بكيتُ فقال ما يُبكيكَ فقلتُ يا رسولَ اللهِ فارسُ والرُّومُ يَضْطَجِعُ أحدُهُم في الدِّيباجِ والحريرِ فقال إنَّهم عُجِّلَتْ لهم طَيِّباتُهمْ والآخرةُ لنا فقلتُ يا رسولَ اللهِ ما شَأنُكَ فإنِّي تركتُ النَّاسَ يموجُ بَعضُهم في بعضٍ فَعنْ خبرٍ أتاكَ فقال اعتزِلْهُنَّ فقال لا ولكنْ كان بيني وبينَ أزواجي شيءٌ فأحببتُ أن لا أَدخُلَ عليهِنَّ شهرًا ثم خرجتُ على النَّاسِ فقلتُ يا أَيُّها الناسُ ارجِعوا فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان بينَه وبينَ أزواجِه شيءٌ فأحَبَّ أن يَعتزِلَ ثم دخلتُ على حفصةَ فقلتُ يا بُنَيَّةَ أَتُكلِّمينَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وتَغيظينَه وتَغارِينَ عليه فقالتْ لا أُكَلِّمُه بعدُ بشيءٍ يَكرَهُه ثم دخلتُ على أُمِّ سَلَمةَ وكانتْ خالتي فقلتُ لها كما قلتُ لحفصةَ فقالتْ عجبًا لكَ يا عمرُ بنُ الخطَّابِ كُلُّ شيءٍ تَكلَّمْتَ فيه حتى تُريدَ أنْ تَدخُلَ بينَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبينَ أَزواجِه وما يَمْنَعُنا أنْ نَغارَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأَزواجُكمْ يَغِرْنَ عليكُمْ فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا حتى فرغَ مِنها
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرلا إله إلا الله محمد رسول اللهويل لمن قرأها ثم لم يتفكر فيهايأكل الهدية ولا يأكل الصدقةشهادة أن لا إله إلا اللهإنك لن تستطيع معي صبراالجارود بن عبد اللهالكلبة تلقح بالكلابلا تسألني عن شيءلا إله إلا اللهزر غبا تزدد حباعبد الله بن عمرمحمد رسول اللهأبو بكر الصديقالقضاء والقدروفد عبد القيسعمر بن الخطابالليل والنهارالمن والسلوىمجمع البحرينآل عمران 190الحج والعمرةامرأة فرعونقس بن ساعدةيوم القيامةبني إسرائيليوشع بن نونخاتم النبوةادعاه رجلانادعاء النسببنو إسرائيلبر الوالدينغسل الجنابةبيت المقدسعبدا شكوراصيام رمضانالاطمئنانطلب الرزقعبد القيسالنصرانيةبعث النبيأم الغلامموضع سجودصلة الرحمحسن الخلقابن عباسأمة وحدهسوق عكاظالحنيفيةعتب اللهعلم اللهالجاهليةذكر اللهالمغافيرالاعتزالالخطاياقرة عينالسامريالجارودالإسلامالتوحيدالسفينةأبو بكرخطبة قسالنصارىرامهرمزالجزيرةالمدائنتقادعواتعاقدواخلف بصرالتحريمالمسربةالدنياالحسابالغلامالجدارالصخرةأثبتناالكعبةالمسلمالصلاةالصدقةالحصيرالموتالرزقالفرحالنارالضحكفرعونالعجلالتيهالخضرالحوتالصبرنسيانالعلمالبعثسلمانبطحاء
تخريج حديث عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








