أحاديث عن: فكره أن يقول في كتاب الله بغير علم
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: فكره أن يقول في كتاب الله بغير علم
أنَّ رجُلًا سَأل ابنَ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما عن قولِه عزَّ وجلَّ: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47]، فقال: مَن أنتَ؟ فذكَرَ له أنَّه رجُلٌ مِن كذا وكذا، فقال ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما: فما يومٌ كان مِقدارُه خمْسينَ ألْفَ سَنةٍ؟ فقال الرَّجلُ: رَحِمكَ اللهُ، إنَّما سَألْتُك لِتُخبِرَنا، فقال ابنُ عبَّاسٍ: يَومانِ ذَكَرهما اللهُ عزَّ وجلَّ في كِتابِه، اللهُ أعلَمُ بهما، فكَرِه أنْ يَقولَ في كِتابِ اللهِ بغيرِ عِلمٍ
2
✔ صحيح📌 لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه
سألْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما عن قولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لموسى صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40]، فسألْتُه عن الفُتونِ؟ فقال: استأنِفِ النَّهارَ يا ابنَ جُبيرٍ؛ فإنَّ لها حديثًا طويلًا. قال: فغدوْتُ على ابنِ عبَّاسٍ لأنتجِزَ ما وَعَدني مِن حديثِ الفُتونِ، فقال: تذاكَرَ فِرعونُ وجُلساؤُه ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أنْ يجعَلَ في ذُرِّيتَه أنبياءَ ومُلوكًا؛ فقال بعضُهم: إنَّ بني إسرائيلَ لينتظِرونَ ذلك ما يشُكُّون فيه، وقد كانوا يظنُّونَ أنَّه يُوسفُ بنُ يعقوبَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فلمَّا هلَكَ قالوا: ليس هكذا كان، إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال فِرعونُ: فكيف تَرَونَ؟ فائْتَمَروا، واجتمَعوا أمْرَهم على أنْ يبعَثَ رِجالًا بالشِّفارِ، يَطُوفون في بني إسرائيلَ، فلا يَجِدون مولودًا ذكَرًا إلَّا ذَبَحوه، ففَعَلوا ذلك، فلمَّا أنْ رَأَوا أنَّ الكبارَ في بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالِهم، والصِّغارَ يُذْبَحونَ، قالوا: أتوشِكونَ أنْ تُفْنوا بني إسرائيلَ، فتَصيروا إلى أنْ تُباشِروا مِن الأعمالِ والخدمةِ الَّتي كانوا يَكْفُونكم؟ فاقْتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيقِلَّ نَباتُهم، ودَعُوا عامًا، فلا تَقْتلوا منهم أحدًا، فيشِبَّ الصِّغارُ مكانَ مَن يموتُ مِن الكبارِ، فإنَّهم لنْ يَكْثروا بمَن تَسْتحيون، فتخافوا مُكاثرتَهم إياكم، ولنْ يَفْنَوا بمَن تقتُلونَ، فتحتاجونَ إليهم، فأجْمَعوا أمْرَهم على ذلك، فحمَلَت أُمُّ موسى بهارونَ عليهما السَّلامُ العامَ الَّذي لا يُذْبَحُ فيه الغِلمانُ، فولدَتْه عَلانيةً، فلمَّا كان مِن قابلٍ حمَلَتْ بمُوسى عليه السَّلامُ، فوقَعَ في قلْبِها مِن الهَمِّ والحزنِ. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، ما دخَلَ عليه في دهو بَطْنِ أُمِّه ممَّا يُرادُ به، فأوحَى اللهُ تعالى إليها: {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7]، وأمَرَها أنْ إذا ولَدَتْ أنْ تجعَلَه في تابوتٍ، ثمَّ تُلْقِيه في اليمِّ، فلمَّا ولَدَت فعَلَت ذلك به، فألْقَته في اليمِّ، فلمَّا توارى عنها ابنُها أتاها الشَّيطانُ، فقالت في نفْسِها: ما فعَلْتُ بابني؟! لو ذُبِحَ لبِثَ عندي فرأيْتُه وكفَّنْتُه، كان أحَبَّ إليَّ مِن أنْ أُلْقِيَه بيدي إلى دوابِّ البحرِ وحِيتانِه، وانتهى الماءُ به حتَّى أرفَأَ به عند فُرْضَةُ مُسْتَقى جواري امرأةِ فِرعونَ، فلمَّا رأيْنَه أخذْنَه، فهمَمْنَ أنْ يفتحْنَ التَّابوتَ، فقالت بعضُهنَّ: إنَّ في هذا مالًا، وإنَّا إنْ فتحْناه لم تُصدِّقْنا امرأةُ الملِكِ بما وجَدْنا فيه، فحمَلْنَه بهيئةٍ لم يُحرِّكْنَ منه شيئًا، دفعْنَه إليها، فلمَّا فتحَتْه رأتْ فيه غُلامًا، فأُلْقِيَ عليه منها محبَّةٌ لم تُلْقَ مثْلُها على البشَرِ قطُّ، وأصبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فارغًا مِن ذِكْرِ كلِّ شَيءٍ إلَّا مِن ذِكْرِ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا سمِعَ الذَّابِحونَ بأمْرِه أقبلوا بشِفارِهم إلى امرأةِ فرعونَ ليذبَحُوه -وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت للذَّبَّاحينَ: أقِرُّوه؛ فإنَّ هذا الواحدَ لا يَزيدُ في بني إسرائيلَ حتَّى آتِيَ فِرعونَ فأسْتَوْهِبَه منه، فإنْ وهَبَه لي كنْتُم قد أحسنْتُم وأجمَلْتُم، وإنْ أمَرَ بذبْحِه لم أَلُمْكم، فأتَتْ به فرعونَ، فقالت: قُرَّةُ عينٍ لي ولك، قال فِرعونُ: يكونُ لك، فأمَّا لي فلا حاجةَ لي في ذلك. قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: والَّذي أحلِفُ به، لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه، ولكنَّ اللهَ حرَمَه ذلك. فأرسَلَتْ إلى مَن حولَها، مِن كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ، تختارُ لها ظِئرًا، فجعَلَ كلَّما أخذَتْه امرأةٌ منهنَّ، فترُضِعُه، لم يَقْبَلْ ثَدْيَها، حتَّى أشفَقَت عليه امرأةُ فِرعونَ أنْ يَمتنِعَ مِن اللَّبنِ فيموتَ، فأحْزَنَها ذلك، فأمرَتْ به، فأُخْرِجَ إلى السُّوقِ وتجمَّعَ النَّاسُ، تَرْجو أنْ تجِدَ له ظِئرًا يأخُذُ منها، فلم يَقْبَلْ، وأصبَحَتْ أُمُّ موسى والهةً، فقالت لأُخْتِه: قُصِّيه -يعني: أثَرَهُ- واطْلُبِيه، هل تسمعينَ له ذِكْرًا؟ أحيٌّ ابْني أمْ قد أكلَتْه الدَّوابُّ؟ ونسِيَت ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها فيه، فبَصُرتْ به أختُه عن جُنُبٍ وهم لا يَشعُرونَ، والجُنُبُ: أنْ يبصِرَ الإنسانُ إلى الشَّيءِ البعيدِ وهو إلى جَنْبِه لا يشعُرُ به، فقالت مِن الفرحِ حين أعياهم الظُّؤارتُ: أنا {أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12]، فأخَذُوها فقالوا: ما يُدريك ما نُصْحُهم له؟ هل يعرِفونَه؟ حتَّى شكُّوا في ذلك -فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت: نصيحَتُهم له وشفقَتُهم عليه رغبةً في صِهر الـمَلِك، ورجاءَ مَنفعتِه، فأرْسَلوها، فانطلَقَتْ إلى أُمِّها فأخبرتْها الخبرَ، فجاءتْ أُمُّه، فلمَّا وضعَتْه في حِجْرِها، نزَا إلى ثَدْيِها، فمَصَّه حتَّى امتلَأَ جَنباهُ رِيًّا، وانطلَقَ البشيرُ إلى امرأةِ فرعونَ: أنْ قد وجَدْنا لابْنِك، فأرسَلَتْ إليها، فأُوتِيتْ بها وبه، فلمَّا رأت ما يصنَعُ، قالت لها: امْكُثي عندي؛ تُرْضِعي ابني هذا، فإنِّي لم أحجِبْه شيئًا قطُّ، فقالت أُمُّ مُوسى: لا أستطيعُ أنْ أدَعَ بيتي وولدي، فيَضيعَ، فإنْ طابتْ نفْسُك أنْ تُعْطِيَنه، فأذهَبَ به إلى مَنْزلي، فيكونَ معي لا آلوهُ خيرًا، فعلْتُ، وإلَّا فإنِّي غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي، وذكَرَت أُمُّ مُوسى عليه السَّلامُ ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فتعاسَرَت على امرأةِ فرعونَ، وأيقنَتْ بأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يُنْجِزُ موعودَه، فرجَعَتْ إلى بيتِها بابنِها مِن يومِها، فأنبَتَه اللهُ نباتًا حسنًا، وحفِظَه لِمَا قد قَضى فيه، فلم يزَلْ بنو إسرائيلَ وهم في ناحيةِ القريةِ مُمْتنعينَ يَمْتنعونَ به مِن السُّخرةِ ما كان فيهم. فلمَّا تَرعرَعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأُمِّ مُوسى: أريدُ أنْ تُرِيني ابني، فوعَدَتْها يومًا تُرِيها فيه إيَّاه، فقالتِ امرأةُ فِرعونَ لخُزَّانِها، وظُؤورتِها، وقَهارِمَتِها: لا يَبْقينَّ أحدٌ منكم إلَّا استقبَلَ ابني اليومَ بهَديَّةٍ وكَرامةٍ؛ لِأَرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أمينًا يُحْصِي ما يصنَعُ كلُّ إنسانٍ منكم، فلم تَزَلِ الهدايا والكرامةُ والنِّحلةُ، تَستقبِلُه مِن حينِ خرَجَ مِن بيتِ أُمِّه إلى أنْ دخَلَ على امرأةِ فرعونَ، فلمَّا دخَلَ عليها بجَّلَتْه، وأكرمَتْه، وفرِحَت به، وأعجَبَها، ونحَلَت أُمَّه؛ لحُسْنِ أثَرِه، ثمَّ قالت: لآتيَنَّ به فِرعونَ، فليَنْحَلَنَّه، وليُكْرِمَنَّه، فلمَّا دخَلَتْ به عليه، جعَلَه في حِجْرِه، فتناوَلَ مُوسى لِحيةَ فرعونَ، فمَدَّها إلى الأرضِ، فقال الغواةُ مِن أعداءِ اللهِ لفرعونَ: ألَا ترى إلى ما وعَدَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إبراهيمَ نَبِيَّه عليه السَّلامُ أنَّه يرِثُك، ويَعْلوك، ويصرَعُك، فأرسَلَ إلى الذَّبَّاحينَ، وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، بعدَ كلِّ بلاءٍ ابتُلِيَ به، أو أُرِيدَ به فُتونًا. فجاءت امرأةُ فِرعونَ تَسْعى إلى فرعونَ، فقالت: ما بدا لك في هذا الغلامِ الَّذي وهَبْتَه لي؟ قال: ألَا تَرَيْنَه يزعُمُ أنَّه يصرَعُني ويَعْلوني؟ قالت: اجْعَلْ بيني وبينك أمرًا تعرِفُ فيه الحقَّ؛ ائْتِ بجَمْرتينِ ولُؤلؤتَينِ، فقَرِّبْهما إليه، فإنْ بطَش باللُّؤلؤتَينِ واجتنَبَ الجَمْرتينِ، عرَفْتَ أنَّه يعقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرتَينِ ولم يُرِدِ اللُّؤلؤتَينِ، علِمْتَ أنَّ أحدًا لا يُؤثِرُ الجَمرتينِ على اللُّؤلؤتينَ وهو يعقِلُ، فقُرِّبَ ذلك إليه، فتناوَلَ الجَمرتَينِ، فانْتَزَعوهما مِن يَدِه، وخافت أنْ يحرِقَا يدَيْه، فقالت المرأةُ: ألَا ترى؟! فصرَفَه اللهُ عنه بعدما كان قد هَمَّ به، وكان الله عَزَّ وجَلَّ بالغًا فيه أمْرَه. فلمَّا بلَغَ أشُدَّه وصار مِن الرِّجالِ، لم يكُنْ أحدٌ مِن آلِ فِرعونَ يخلُصُ إلى أحدٍ مِن بني إسرائيلَ معه بظُلمٍ، ولا يخرُجُ حتَّى امْتَنعوا كلَّ الامتناعِ. فبينما مُوسى عليه السَّلامُ يَمْشي في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجُلينِ يَقْتتلانِ؛ أحدُهما فرعونيٌّ، والآخرُ إسرائيليٌّ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فغضِبَ مُوسى عليه السَّلامُ غضبًا شديدًا؛ لأنَّه تناوَلَ وهو يعلَمُ منزلةَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن بَني إسرائيلَ، وحِفْظَه لهم، لا يعلَمُ النَّاسُ إلَّا إنَّما ذلك مِن الرَّضاعِ إلَّا أُمُّ مُوسى، إلَّا أنْ يكونَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أَطْلَعَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليه غيرَه. فوكَزَ مُوسى عليه السَّلامُ الفرعونيَّ، فقتَلَه، وليس يراهما أحدٌ إلَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فقال مُوسى عليه السَّلامُ حين قتَلَ الرَّجلَ: هذا مِن عمَلِ الشَّيطانِ؛ إنَّه عدُوٌّ مُضِلٌّ مُبينٌ، ثمَّ قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ}، إلى قولِه: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16]. {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18] الأخبارَ، فأُتِيَ فِرعونُ فقيلَ: إنَّ بني إسرائيلَ قد قتَلَتْ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحَقِّنا، ولا تُرخِّصْ لهم، فقال: ابْغُوني قاتِلَه ومَن شهِدَ عليه؛ فإنَّ الملِكَ وإنْ كان صَفْوُه مع قومِه، لا يستقيمُ له أنْ يُقِيدَ بغيرِ بيِّنةٍ، ولا ثَبَتٍ، فانْظُروا في عِلْمِ ذلك آخُذْ لكم بحَقِّكم، فبينا هم يَطوفونَ لا يَجِدونَ شيئًا، إذا موسى عليه السَّلامُ قد رأى في الغدِ ذلك الإسرائيليَّ يقتُلُ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ آخرَ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادَفَ مُوسى عليه السَّلامُ قد ندِمَ على ما كان منه، فكَرِهَ الَّذي رأى، فغضِبَ الإسرائيليُّ وهو يُريدُ أنْ يبطِشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ -لِمَا فعَلَ أمسِ واليومَ-: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص: 18]. فنظَرَ الإسرائيليُّ إلى مُوسى عليه السَّلامُ بعدما قال له ما قال، فإذا هو غضبانُ كغضَبِه بالأمسِ الَّذي قتَلَ به الفرعونيَّ، فخاف أنْ يكونَ بعدما قال له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} إيَّاه أراد، ولم يكُنْ أراده، إنَّما أراد الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، فحاجَزَ الفرعونيَّ، فقال: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]؟ وإنَّما قال ذلك؛ مخافةَ أنْ يكون إيَّاهُ أراد مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يقتُلَه، فتنازَعَا. فانطلَقَ الفرعونيُّ إلى قومِه، فأخبَرَهم بما سمِعَ مِن الإسرائيليِّ مِن الخبرِ حين يقولُ: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]، فأرسَلَ فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتُلوا موسى عليه السَّلامُ، فأخَذَ رُسلُ فرعونَ الطَّريقَ الأعظمَ يَمْشون على هَيئتِهم يطلُبونَ مُوسى عليه السَّلامُ، وهم لا يخافونَ أنْ يفوتَهم، فجاء رجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى عليه السَّلامُ مِن أَقْصى المدينةِ، فاختصَرَ طريقًا قريبًا حتَّى سبَقَهم إلى موسى عليه السَّلامُ فأخْبَرَه. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ. فخرَجَ مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ مدينَ لم يلْقَ بلاءً قبلَ ذلك، وليس له علمٌ بالطَّريقِ إلَّا حُسْنَ الظَّنِّ بربِّه عَزَّ وجَلَّ، فإنَّه قال: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص: 22]. {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} إلى {تَذُودَانِ} [القصص: 23]، يعني بذلك: حابستَينِ غنَمَهما، فقال لهما: ما خطْبُكما مُعتزلتَينِ لا تَسْقيانِ مع النَّاسِ؟ قالتا: ليس لنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القومَ، وإنَّما ننتظِرُ فُضولَ حياضِهم، فسقى لهما، فجعَلَ يغرِفُ بالدَّلْوِ ماءً كثيرًا، حتَّى كانتا أوَّلَ الرِّعاءِ فراغًا، فانصرَفَتا بغنَمِهما إلى أبيهما، وانصرَفَ موسى عليه السَّلامُ، فاستظَلَّ بشجرةٍ، وقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، فاستنكَرَ أبوهما سُرعةَ صُدورِهما بغنَمِهما حُفَّلًا بطانًا، فقال: إنَّ لكما اليومَ لشأنًا، فأخبَرَتَاه بما صنَعَ موسى عليه السَّلامُ، فأمَرَ إحداهما أنْ تَدْعُوَه له، فأتَتْ موسى عليه السَّلامُ فدَعَتْه، فلمَّا كلَّمَه قال: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25]، ليس لفِرعونَ ولا لقومِه علينا سُلطانٌ، ولسْنا في مَمْلكتِه. قال: فقالت إحداهما: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، فاحتمَلَتْه الغَيرةُ على أنْ قال: وما يُدريكِ ما قُوَّتُه؟ وما أمانَتُه؟ قالت: أمَّا قُوَّتُه: فما رأيْتُ في الدَّلوِ حين سَقى لنا، لم أرَ رجُلًا قطُّ في ذلك المَسْقى أقوى منه، وأمَّا أمانَتُه: فإنَّه نظَرَ إليَّ حين أقبلْتُ إليه وشَخَصْتُ له، فلمَّا علِمَ إنِّي امرأةٌ، صوَّبَ رأْسَه لم يرفَعْه، ولم ينظُرْ إليَّ حتَّى بلَّغْتُه رِسالتَك، ثمَّ قال لي: امشِي خلفي، وانْعَتي لي الطَّريقَ، لم يفعَلْ هذا إلَّا وهو أمينٌ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقَها، وظَنَّ به الَّذي قالت له. فقال له: هل لك {أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}، إلى قوله: {مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص: 27]، ففعَلَ، فكانت على نَبِيِّ اللهِ موسى عليه السَّلامُ ثمانيَ سنينَ واجبةً، وكانت سنتانِ عِدَةً منه، فقَضَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عنه عِدَتَه فأتمَّها عشْرًا. قال سَعيدٌ: فلَقِيَني رجُلٌ مِن أهلِ النَّصرانيَّةِ مِن عُلمائِهم، فقال: هلْ تَدْري أيَّ الأجلينِ قضى مُوسى عليه السَّلامُ؟ قلْتُ: لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقِيتُ ابنَ عبَّاسٍ، فذكَرْتُ ذلك له، فقال: أمَا علِمْتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ عليه السَّلامُ واجبةً، لم يكُنْ نبيُّ اللهِ ليَنْقُصَ منها شيئًا، وتعلَمُ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ كان قاضيًا عن مُوسى عليه السَّلامُ عِدَتَه الَّتي وعَدَ، فإنَّه قضى عشْرَ سنينَ. فلقِيتُ النَّصرانيَّ، فأخبَرْتُه بذلك، فقال: الَّذي سألْتَه فأخبَرَك أعلَمُ منك بذلك؟ قلْتُ: أجلْ، وأَولى. فلمَّا سار مُوسى عليه السَّلامُ بأهلِه كان مِن أمْرِ النَّارِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القُرآنِ، وأمْرِ العصا ويَدِه، فشكا إلى ربِّه عَزَّ وجَلَّ ما يتخوَّفُ مِن آلِ فرعونَ في القتيلِ، وعُقدةَ لسانِه، فآتاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ سُؤْلَه، وحَلَّ عُقدةً مِن لسانِه، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى هارونَ عليه السَّلامُ، وأمَرَه أنْ يلقاهُ، واندفَعَ مُوسى عليه السَّلامُ بعصاهُ، حتَّى لقِيَ هارونَ عليه السَّلامُ، وانطلَقَا جميعًا إلى فرعونَ، فأقاما حِينًا على بابِه لا يُؤْذَنُ لهما، فقالا: إنَّا رسولَا ربِّك، قال: فمَن ربُّكما يا موسى؟ فأخبراهُ بالَّذي قَصَّ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليك في القُرآنِ، قال: فما تُريدانِ؟ وذكَّرَه القتيلَ، واعتذَرَ بما قد سمِعْتَ، وقال: أريدُ أنْ تُؤمِنَ باللهِ، وأنْ تُرْسِلَ معي بني إسرائيلَ، فأبى عليه، وقال: ائتِ بآيةٍ إنْ كنْتَ مِن الصَّادقينَ، فألقى عصاه فإذا هي حيَّةٌ عظيمةٌ، فازعةٌ، فاغرةٌ فاها، مُسرعةٌ إلى فرعونَ، فلمَّا رآها فِرعونُ قاصدةً إليه خافها، فاقتحَمَ عن سَريرِه، واستغاثَ بمُوسى عليه السَّلامُ أنْ يكُفَّها عنه، ففعَلَ، ثمَّ أخرَجَ يَدَه مِن جَيْبِه، فرآها بيضاءَ مِن غيرِ سُوءٍ، يعني: مِن غيرِ برَصٍ، فرَدَّها، فعادت إلى لونِها الأوَّلِ. فاستشارَ الملَأَ حولَه فيما رأى، فقالوا له: {هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} [طه: 63] الآيةَ، والمُثْلى: مُلْكُهم الَّذي هم فيه والعيشُ. فأَبَوا على مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يُعْطُوه شيئًا ممَّا طلَبَ، وقالوا له: اجمَعْ لهما السَّحرةَ؛ فإنَّهم بأرضِك كثيرٌ، حتَّى نغلِبَ سِحْرَهما، وأرسَلَ في المدائنِ، فحُشِرَ له كلُّ ساحرٍ مُتعالمٍ، فلمَّا أَتَوا على فرعونَ، قالوا: ما يعمَلُ هذا السَّاحرُ؟ قالوا: يعمَلُ الحيَّاتِ، قالوا: فلا واللهِ ما أحدٌ في الأرضِ يعمَلُ السِّحرَ والحيَّاتِ والحبالَ والعِصِيَّ الَّذي نعمَلُ، فما أجْرُنا إنْ نحن غلَبْنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصَّتي، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شَيءٍ أحببتم، فتَواعَدوا يومَ الزِّينةِ وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى. قال سعيدٌ: فحدَّثني ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ يومَ الزِّينةِ اليومُ الَّذي أظهَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيه مُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ والسَّحرةِ هو يومُ عاشوراءَ. فلمَّا اجتمعوا في صَعيدٍ، قال النَّاسُ بعضُهم لبعضٍ: انطَلِقوا، فنتخبَّرْ هذا الأمْرَ، {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 40]، يعنون مُوسى وهارونَ عليهما السَّلامُ؛ استهزاءً بهما، فقالوا: يا موسى -لِقُدْرتِهم في أنفُسِهم بسِحْرِهم- إمَّا أنْ تُلْقِيَ، وإمَّا أنْ نكونَ نحن المُلْقينَ، قال: بل ألْقُوا. {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء: 44]، فرأى مُوسى عليه السَّلامُ مِن سِحْرِهم ما أوجَسَ في نفْسِه خِيفةً، فأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إليه: أنْ ألْقِ عصاك، فلمَّا ألقاها، صارت ثُعبانًا عظيمًا فاغرةً فاها، فجُعِلَتِ العِصِيُّ بدَعوةِ مُوسي عليه السَّلامُ تلتبِسُ بالحبالِ، حتَّى صارتْ جُرُزًا إلى الثُّعبانِ تَدخُل فيه، حتَّى ما أبقَتْ عصًا ولا حبلًا إلَّا ابتلعَتْه. فلمَّا عرَفَ السَّحرةُ ذلك، قالوا: لو كان هذا سِحرٌ لم يَبلُغْ مِن سِحرِنا كلَّ هذا، ولكنَّه أمْرٌ مِن اللهِ، آمنَّا باللهِ ربِّنا وما جاء به مُوسى عليه السَّلامُ، ونتوبُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ ممَّا كنَّا عليه. وكسَرَ اللهُ ظهْرَ فِرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِه، وأظهَرَ الحقَّ، وبطَلَ ما كانوا يعمَلونَ، فغُلِبوا هنالك وانقَلَبوا صاغِرينَ. وامرأةُ فِرعونَ بارزةٌ مُتبذِّلَةٌ تَدْعو بالنَّصرِ لمُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ، فمَن رآها مِن آلِ فرعونَ ظَنَّ أنَّها إنَّما تبذَّلَتْ للشفقةِ على فِرعونَ وأشياعِه، وإنَّما كان حُزْنُها وهمُّها لمُوسى عليه السَّلامُ. فلمَّا طال مُكْثُ مُوسى عليه السَّلامُ لمواعيدِ فِرعونَ الكاذبةِ، كلَّما جاءه بآيةٍ وعَدَه عندها أنْ يُرْسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا مضَتْ أخلَفَ موعِدَه، وقال: هل يستطيعُ ربُّك أنْ يصنَعَ غيرَ هذا؟ فأرسَلَ اللهُ عليه وعلى قومِه الطُّوفانَ، والجرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادعَ، آياتٍ مُفصَّلاتٍ، كلُّ ذلك يَشْكو إلى موسى عليه السَّلامُ، ويطلُبُ إليه أنْ يكُفَّها عنه، ويُواثِقُه على أنْ يُرسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا كَفَّ ذلك عنه، أخلَفَ موعِدَه ونكَثَ عهدَه. فأُمِرَ موسى عليه السَّلامُ بالخُروجِ بقومِه، فخرَجَ بهم ليلًا، فلمَّا أصبَحَ فرعونُ ورأى أنَّهم قد مَضَوا، أرسَلَ في المدائنِ حاشرينَ، فتبِعَهم بجُنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى البحرِ: أنْ إذا ضرَبَك مُوسى بعصاهُ، فانفرِقْ له اثنتَيْ عشْرةَ فِرقةً، حتَّى يجوزَ موسى عليه السَّلامُ ومَن معه، ثمَّ الْتَئَمَ على مَن بقِيَ بعدُ مِن فرعونَ وأشياعِه، فنسِيَ مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يضرِبَ البحرَ بالعصا، فانْتَهى إلى البحرِ وله قصيفٌ؛ مخافةَ أنْ يَضرِبَه موسى عليه السَّلامُ، وهو غافِلٌ، فيصيرَ عاصيًا اللهَ عَزَّ وجَلَّ. فلمَّا تراءى الجَمْعانِ وتقارَبَا، قال أصحابُ موسى: إنَّا لمُدْرَكونَ، افعَلْ ما أمرَكَ به ربُّك عَزَّ وجَلَّ؛ فإنَّك لم تكذِبْ ولم تُكْذَبْ، فقال: وعَدَني ربِّي عَزَّ وجَلَّ إذا أتيْتُ البحرَ، انفرَقَ لي اثنتيْ عشْرةَ فِرقةً حتَّى أُجاوزَه، ثمَّ ذكَرَ بعدَ ذلك العصا، فضرَبَ البحرَ بعصاه حين دنا أوائلُ جُندِ فرعونَ مِن أواخرِ جُندِ مُوسى عليه السَّلامُ، فانفرَقَ البحرُ كما أمَرَه اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكما وُعِدَ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا أنْ جاوَزَ موسى عليه السَّلامُ وأصحابُه البحرَ، ودخَلَ فِرعونُ وأصحابُه، الْتَقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ. فلمَّا جاوَزَ مُوسى عليه السَّلامُ البحرَ، قال أصحابُه: إنَّا نخافُ ألَّا يكونَ فِرعونُ قد غرِقَ، فلا نُؤمِنُ بهلاكِه، فدعا ربَّه عَزَّ وجَلَّ، فأخرَجَه له ببدنه حتَّى استيْقَنوا بهلاكِه. ثمَّ مَرُّوا بعدَ ذلك {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، إلى {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139]، قد رأيتُمْ مِن العِبَرِ، وسمِعْتُم ما يَكْفيكم، ومَضَى. فأنزَلَهم مُوسى عليه السَّلامُ منزلًا، ثمَّ قال لهم: أطيعوا هارونَ عليه السَّلامُ؛ فإنِّي قد استخلفْتُه عليكم، وإنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي عَزَّ وجَلَّ، وأجَّلَهم ثلاثينَ يومًا أنْ يَرجِعَ إليهم فيها، فلمَّا أتى ربَّه وأراد أنْ يُكلِّمَه ثلاثينَ يومًا، وقد صامهنَّ: ليلَهنَّ ونهارَهنَّ، وكرِهَ أنْ يُكلِّمَ ربَّه عَزَّ وجَلَّ ورِيحُ فَمِه رِيحُ فَمِ الصَّائمِ، فتناوَلَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن نباتِ الأرضِ شيئًا فمضَغَه، فقال له ربُّه عَزَّ وجَلَّ حين لقاه: لِمَ أفطرْتَ؟ -وهو أعلَمُ بالَّذي كان- قال: يا ربِّ، إنِّي كرِهْتُ أنْ أُكلِّمَك إلَّا وفَمِي طيِّبُ الرِّيحِ، قال: أوما علِمْتَ يا مُوسى أنْ رِيحَ فَمِ الصَّائمِ أطيبُ عندي مِن رِيحِ المِسْكِ؟ ارجِعْ حتَّى تصومَ عشْرًا ثمَّ ائْتِني، ففعَلَ مُوسى عليه السَّلامُ ما أُمِرَ به. فلمَّا رأى قومُ مُوسى عليه السَّلامُ أنَّه لم يرجِعْ إليهم للأجَلِ ساءَهم ذلك، وكان هارونُ عليه السَّلامُ قد خطَبَهم، فقال لهم: خرجْتُم مِن مِصْرَ ولقومِ فرعونَ عندي عواري وودائعُ، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وأنا أرى أنْ تحتَسِبوا ما لكم عندهم، ولا أحلَّ لكم وديعةً اسْتُودِعْتُمُوها، ولا عاريَّةً، ولسنا برادِّين إليهم شيئًا مِن ذلك، ولا مُمْسِكيه لأنفُسِنا، فحفَرَ حفيرًا، وأمَرَ كلَّ قومٍ عليهم شَيءٌ مِن ذلك؛ مِن متاعٍ أو حِليةٍ أنْ يَقْذِفوه في ذلك الحفيرِ، ثمَّ أوقَدَ عليه النَّارَ، فأحرَقَه، فقال: لا يكونُ لنا، ولا لهم. وكان السَّامريُّ رجلًا مِن قومٍ يَعْبُدون البقرَ جيرانٍ لهم، ولم يكُنْ مِن بني إسرائيلَ، فاحتملَ مع مُوسى عليه السَّلامُ وبني إسرائيلَ حين احْتملوا، فقُضِيَ له أنْ رأى أثرًا، فأخَذَ منه بقبْضَتِه، فمَرَّ بهارونَ، فقال له هارونُ عليه السَّلامُ: يا سامريُّ، ألَا تُلْقي ما في يدَيْك؟ وهو قابضٌ عليه لا يَراه أحدٌ طوالَ ذلك، فقال: هذه قبْضةٌ مِن أثرِ الرَّسولِ الَّذي جاوَزَ بكم البحرَ، ولا أُلْقيها لشَيءٍ إلَّا أنْ تَدْعُوَ اللهَ إذا ألقيْتُها أنْ تكونَ ما أُرِيدُ، فألْقاها، ودعا اللهَ هارونُ عليه السَّلامُ، فقال: أريدُ أنْ يكونَ عِجْلًا، واجتمَعَ ما كان في الحُفرةِ مِن متاعٍ له، أو حِلْيةٍ، أو نحاسٍ، أو حديدٍ، فصار عِجْلًا أجوفَ ليس فيه رُوحٌ، له خُوارٌ. قال ابنُ عبَّاسٍ: لا واللهِ ما كان له صوتٌ قطُّ، إنَّما كانت الرِّيحُ تدخُلُ مِن دُبُرِه وتخرُجُ مِن فَمِه، فكان ذلك الصَّوتُ مِن ذلك. فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا؛ فقالت فِرقةٌ: يا سامريُّ، ما هذا فأنت أعلَمُ به؟ قال: هذا ربُّكم عَزَّ وجَلَّ، ولكنَّ مُوسى عليه السَّلامُ أضَلَّ الطَّريقَ. وقالت فِرقةٌ: لا نُكذِّب بهذا حتَّى يرجِعَ إلينا مُوسى، فإنْ كان ربَّنا لم نكُنْ ضيَّعْناه وعجَزْنا فيه حِينَ رأيْناه، وإنْ لم يكُنْ ربَّنا، فإنَّا نتَّبِعُ قولَ مُوسى عليه السَّلامُ. وقالت فِرقةٌ: هذا عمَلُ الشَّيطانِ، وليس بربِّنا، ولا نُؤْمِنُ، ولا نُصدِّقُ. وأُشْرِبَ فِرقةٌ في قُلوبِهم التَّصديقَ بما قال السَّامريُّ في العجلِ، وأعْلَنوا التَّكذيبَ، فقال لهم هارونُ عليه السَّلامُ: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ} [طه: 90]، وإنَّ ربَّكم ليس هكذا، قالوا: فما بالُ مُوسى عليه السَّلامُ؛ وعَدَنا ثلاثينَ يومًا ثمَّ أخلَفَنا، فهذه أربعونَ قد مَضَت؟! فقال سُفهاؤُهم: أخطَأَ ربَّه، فهو يطلُبُه ويتبَعُه. فلمَّا كلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مُوسى عليه السَّلامُ وقال له ما قال، أخبَرَه بما لقِيَ قومُه بعده. {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه: 86]، وقال لهم ما سمِعْتُم في القُرآنِ وأخَذَ برأْسِ أخِيه، وألْقى الألواحَ مِن الغضَبِ، ثمَّ عذَرَ أخاه بعُذْرِه، واستغفَرَ له، وانصرَفَ إلى السَّامريِّ، فقال له: ما حمَلَك على ما صنعْتَ؟ قال: قبَضْتُ قبضةً مِن أثرِ الرَّسولِ وفطِنْتُ لها، وعُمِّيَت عليكم، فقَذفْتُها؛ وكذلك سوَّلَت لي نَفْسي. قال: {اذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ} إلى قولِه: {نَسْفًا} [طه: 97]، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منه. فاستيقَنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ، واغْتَبَطَ الَّذين كان رأيُهم فيه مثلَ رأيِ هارونَ عليه السَّلامُ، فقالوا بجماعتِهم لمُوسى عليه السَّلامُ: سَلْ لنا ربَّك عَزَّ وجَلَّ أنْ يفتَحَ لنا بابَ توبةٍ نصنَعُها؛ فيُكَفِّرَ عنَّا ما عمِلْنا، فاختارَ موسى عليه السَّلامُ قومَه سبعينَ رجُلًا لذلك -لا يأْلُو الخيرَ- خيارَ بني إسرائيلَ، ومَن لم يُشْرِكْ في العجلِ. فانطلَقَ بهم ليسأَلَ لهم التَّوبةَ، فرجَفَتْ بهم الأرضُ، فاستحيا نبيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من قومِه ووفْدِه حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ، فقال: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155]، وفيهم مَن قد كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ اطَّلَعَ على ما أُشْرِبَ قلبُه من حُبِّ العجلِ وإيمانِه به؛ فلذلك رجَفَت بهم الأرضُ. فقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] إلى: {فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]، فقال: رَبِّ سألْتُك التَّوبةَ لقومي، فقلْتَ: إنَّ رحمتي كتبْتُها لقومٍ غيرِ قومي، فليتَكَ أخَّرْتَني حين تُخْرِجُني حيًّا في أُمَّةِ ذلك الرَّجلِ المرحومةِ، فقال اللهُ له: إنَّ توبتَهم أنْ يقتُلَ كلُّ رجُلٍ منهم مَن لقِيَ مِن والدٍ أو ولدٍ، فيقتُلَه بالسَّيفِ لا يُبَالي مَن قتَلَ في ذلك الموطنِ، وتاب أولئك الَّذين كان خفِيَ على موسى وهارونَ عليهما السلام ما اطَّلَعُ اللهُ عليهم من ذُنوبِهم، فاعتَرَفوا بها، وفعَلوا ما أُمِروا، وغفَرَ اللهُ للقاتِلِ والمقتولِ. ثمَّ سار بهم مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ الأرضِ المُقدَّسةِ، وأخَذَ الألواحَ بعدما سكَتَ عنه الغضبُ، وأمَرَهم بالَّذي أُمِرَ به أنْ يُبَلِّغَهم من الوظائفِ، فثقُلَ ذلك عليهم، وأبَوا أنْ يُقِرُّوا بها، فنتَقَ اللهُ عليهم الجبلَ كأنَّه ظُلَّةٌ، ودنا منهم حتَّى خافوا أنْ يقَعَ عليهم، فأخَذُوا الكتابَ بأيمانِهم وهم يَصْغُون ينظُرونَ إلى الجبلِ والأرضِ، والكتابُ بأيديهم وهم يَنظُرونَ إلى الجبلِ؛ مخافةَ أنْ يقَعَ عليهم، ثمَّ مَضَوا إلى الأرضِ المُقدَّسةِ، فوَجَدوا مدينةَ قومٍ جبَّارينَ خَلْقُهم مُنْكرٌ، وذكَرَ من ثِمارِهم أمرًا عجَبًا من عِظَمِها، فقالوا: يا موسى، إنَّ فيها قومًا جبَّارينَ لا طاقةَ لنا بهم، ولا ندخُلُها ما داموا فيها، فإنْ يَخْرجوا منها فإنَّا داخِلونَ، قال رجُلانِ من الَّذين يَخافونَ مِن الجبَّارينَ: آمنَّا بمُوسى عليه السَّلامُ، فخرَجَا إليه، فقالا: نحنُ أعلَمُ بقومِنا، إنْ كنتُمْ إنَّما تَخافونَ ما رأيتُمْ من أجسامِهم وعدَدِهم، فإنَّهم لا قُلوبَ لهم، ولا مَنعةَ عندهم، فادْخُلوا عليهم البابَ، فإذا دخلْتُموه فإنَّكم غالِبونَ. ويقولُ أناسٌ: إنَّهما من قومِ مُوسى عليه السَّلامُ. وزعَمَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ أنَّهما من الجبَّارينَ آمَنَا بمُوسى، بقولِه: {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} [المائدة: 23]: إنَّما عَنى بذلك: مِن الَّذين يَخافونَ بني إسرائيلَ. {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، فأغْضَبوا مُوسَى عليه السَّلامُ، فدعا عليهم، وسمَّاهم فاسقينَ، ولم يدْعُ عليهم قبلَ ذلك؛ لِمَا رأى منهم من المعصيةِ وإساءتِهم حتَّى كان يومئذٍ، فاستجابَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ له، فسمَّاهم كما سمَّاهم مُوسى عليه السَّلامُ فاسقينَ، فحرَّمَها عليهم أربعينَ سَنةً يَتِيهون في الأرضِ؛ يُصْبِحون كلَّ يومٍ، فيَسِيرونَ ليس لهم قرارٌ، ثمَّ ظلَّلَ عليهم الغمامَ في التِّيهِ، وأنزَلَ عليهم المَنَّ والسَّلوى، وجعَلَ لهم ثيابًا لا تَبْلى، ولا تتَّسِخُ، وجعَلَ بين ظَهرِهم حَجرًا مُربَّعًا، وأمَرَ مُوسى عليه السَّلامُ فضرَبَه بعصاهُ، فانفجَرَ منه اثنتا عشْرةَ عينًا، في كلِّ ناحيةٍ ثلاثةُ أعينٍ، وأعلَمَ كلَّ سِبْطٍ عينَهم الَّتي يَشْربون منها، فلا يَرْتحِلونَ من مَنزلٍ إلَّا وجدوا ذلك الحجرَ منهم بالمكانِ الَّذي كان منه أمسِ
لما نَزَلَتْ { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } قال سعدُ بنُ عُبادةَ وهو سيِّدُ الأنصارِ : أهكذا نَزَلَتْ يا رسولَ اللهِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : يا مَعشرَ الأنصارِ ألا تسمعونَ إلى ما يقولُ سيدُكُم قالوا : يا رسولَ اللهِ لا تلُمْهُ فإنه رجُلٌ غَيورٌ واللهِ ما تزَّوج امرأةً قطُّ إلا بِكرًا وما طلَّق امرأةً له قَطُّ فاجترأ رجُلٌ مِنَّا على أنْ يتزوجَها من شِدَّةِ غَيرَتِه فقال سعدٌ : واللهِ يا رسولَ اللهِ إني لأعلمُ أنها حقٌّ وأنها من اللهِ تعالى ولكنِّي قد تعجبتُ أني لو وجَدتُ لَكَاعٍا تَفَخَّذَهَا رجُلٌ لم يكنْ لي أن أُهيجَه ولا أُحركه حتى آتيَ بأربعةِ شُهداءَ فواللهِ لا آتي بِهِمْ حتَّى يَقْضِيَ حاجتَه قالوا : فما لبِثُوا إلا يسيرا حتى جاء هلالُ بنُ أُميَّةَ وهو أَحَدُ الثلاثةِ الذين تِيبَ عليهِم فجاء من أرضِه عِشاءً فوجَد عند أهلِه رجُلا فرأى بعينِه وسمِع بأُذُنَيه فلم يُهِجْهُ حتى أصبح فغدا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال : يا رسولَ اللهِ إني جئتُ أهلي عِشاء فوجدتُ عندَها رجُلا فرأيتُ بعيني وسمعتُ بأُذُني فكرِه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما جاء به واشتد عليه واجتمَعَتِ الأنصارُ فقالوا : قد ابتُلِينا بما قال سعدُ بنُ عبادةَ الآن يَضْرِبُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ هلالَ بنَ أُميَّةَ ويُبطلُ شهادتَه في المُسلمينَ فقال هلالٌ : واللهِ إني لأرجو أن يجعلَ اللهُ لي منها مَخرجا فقال هلالٌ : يا رسولَ اللهِ إني قد أَرى ما اشتَدَّ عليكَ مما جئتُ به واللهُ يعلمُ إني لَصادقٌ وواللهِ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يريدُ أن يأمُرَ بضربِه إذ أنزل اللهُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الوحيَ وكان إذا نَزَل عليه الوحيُ عَرَفُوا ذلك في تربُّدِ جلدِه يعني فأمسَكوا عنه حتى فرَغ من الوحيِ فنزَلَتْ : { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم } الآيةَ فسُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : أبشرْ يا هلالُ فقد جعل اللهُ لك فَرَجا ومَخرجا فقال هلالٌ : قد كنتُ أرجو ذاك من ربي عز وجل فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أرسِلوا إليها فأرسَلوا إليها فجاءت فقرأها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عليهما وذكَّرَهُمَا وأخبرَهما أنَّ عذابَ الآخرةِ أشدُّ من عذابِ الدُّنيا فقال هلالٌ : واللهِ يا رسولَ اللهِ لقد صدَقْتُ عليها فقالتْ : كَذَب فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : لاعِنُوا بينَهما فقيل لهلالٍ : اشْهَدْ فشهِد أربعَ شهاداتٍ باللهِ أنَّه لَمِنَ الصادقينَ فلما كان في الخامسةِ قيل : يا هلالُ اتق اللهَ فإنَّ عذابَ الدُّنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ وإنَّ هذه الموجِبةُ التي تُوجِبُ عليك العذابَ فقال : واللهِ لا يعذِّبُني اللهُ عليها كما لم يَجلدْني عليها فشهِد في الخامسةِ أنَّ لعنةَ اللهِ عليه إنْ كان من الكاذبينَ ثم قيل لها : اشهَدِي أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الكاذبينَ فلما كانت الخامسةُ قيل لها : اتقِ اللهَ فإنَّ عذابَ الدُّنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ وإنَّ هذه الموجِبَةَ التي توجِبُ عليكِ العذابَ فتلكَّأَتْ ساعةً ثم قالتْ : واللهِ لا أفضَحُ قومي فشهِدَتْ في الخامسةِ أنَّ غضَبَ اللهِ عليها إنْ كان من الصادقينَ ففرَّق رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَهما وقضى أنه لا يُدعَى ولدُها لأبٍ ولا تُرمَى هي به ولا يُرمى ولدُها ومن رماها أو رمى ولدَها فعليه الحَدُّ وقضى أنْ لا بيتَ لها عليه ولا قُوتَ من أجل أنهما يتفرَّقانِ من غيرِ طلاقٍ ولا متوفًى عنها وقال : إن جاءتْ به أُصَيهِبَ أُرَيْسِحَ حَمِشَ الساقَينِ فهو لهلالٍ وإن جاءتْ به أَوْرَقَ جَعْدًا جَمَالِيا خَدَلَّجَ الساقَينِ سابغَ الإلْيَتينِ فهو للذي رُميتْ به فجاءتْ به أورقَ جَعْدًا جَمَالِيا خَدَلَّجَ الساقَينِ سابغَ الإلْيَتينِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : لولا الأيمانُ لكان لي ولها شأنٌ قال عِكرِمةُ : فكان بعد ذلك أميرًا على مِصْرَ وكان يُدعى لأمِّه وما يدعى لأبيه
لمَّا نزَلَتْ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4] قال سعدُ بنُ عُبادةَ، وهو سيدُ الأنصارِ: أهكذا أُنزِلتْ يا رسولَ اللهِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا مَعْشرَ الأنصارِ، ألَا تسمَعونَ إلى ما يقولُ سيِّدُكم؟، قالوا: يا رسولَ اللهِ، لا تَلُمْه، فإنَّه رجُلٌ غَيورٌ، واللهِ ما تزوَّجَ امرأةً قطُّ إلَّا بِكرًا، وما طلَّقَ امرأةً له قطُّ، فاجتَرأَ رجُلٌ منَّا على أنْ يتزوَّجَها من شدةِ غَيْرَتِه، فقال سعدٌ: واللهِ يا رسولَ اللهِ، إنِّي لأعلَمُ أنَّها حقٌّ، وأنَّها من اللهِ، ولكنِّي قد تعجَّبْتُ أنِّي لو وجدتُ لَكاعًا قد تفَخَّذَها رجُلٌ لم يكُنْ لي أنْ أُهيِّجَه ولا أُحرِّكَه، حتى آتِيَ بأربعةِ شُهداءَ، فواللهِ لا آتي بهم حتى يقضِيَ حاجتَه، قال: فما لبِثوا إلا يسيرًا، حتى جاء هِلالُ بنُ أُميَّةَ، وهو أحدُ الثلاثةِ الذين تِيبَ عليهم، فجاءَ من أرضِه عِشاءً، فوجَدَ عندَ أهلِه رجُلًا، فرأى بعَيْنَيْه، وسمِعَ بأُذُنَيْه، فلم يُهِجْه، حتى أصبَحَ، فغدا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي جئتُ أهلي عِشاءً، فوجَدتُ عندَها رجُلًا، فرأيتُ بعَيْنَيَّ، وسمِعتُ بأُذُنَيَّ، فكَرِه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما جاء به، واشتَدَّ عليه، واجتَمعَتِ الأنصارُ، فقالوا: قد ابتُلِينا بما قال سعدُ بنُ عُبادةَ، الآنَ يضرِبُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هِلالَ بنَ أُمَيَّةَ، ويُبطِلُ شهادتَه في المسلمينَ، فقال هِلالٌ: واللهِ، إنِّي لأرجو أنْ يجعَلَ اللهُ لي منها مَخْرجًا، فقال هِلالٌ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي قد أرى ما اشتَدَّ عليكَ مما جِئتُ به، واللهِ يعلَمُ إنِّي لصادقٌ، فواللهِ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يريدُ أنْ يأمُرَ بضَرْبِه إذ نزَلَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الوَحْيُ، وكان إذا نزَلَ عليه الوَحْيُ عرَفوا ذلك في تَربُّدِ جِلْدِه -يعني- فأمسَكوا عنه حتى فرَغَ من الوَحْيِ، فنزلَتْ: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ...} [النور: 6] الآيةَ كلَّها، فسُرِّي عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: أبشِرْ يا هِلالُ، فقد جعَلَ اللهُ لكَ فرجًا ومخرجًا، فقال هِلالٌ: قد كنتُ أرجو ذاكَ من ربِّي عزَّ وجلَّ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أرسِلوا إليها، فأرسلوا إليها، فجاءَتْ، فتَلَاها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عليهما، وذكَرَهما، وأخبَرَهما أنَّ عذابَ الآخرةِ أشَدُّ من عذابِ الدُّنيا، فقال هِلالٌ: واللهِ يا رسولَ اللهِ، لقد صدَقتُ عليها، فقالَتْ: كذَبَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لَاعِنوا بينَهما، فقيلَ لهِلالٍ: اشهَدْ، فشهِدَ أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنَّه لمن الصادقينَ، فلمَّا كان في الخامسةِ، قيلَ: يا هِلالُ، اتَّقِ اللهَ، فإنَّ عذابَ الدُّنيا أهوَنُ من عذابِ الآخرةِ، وإنَّ هذه الموجبةَ التي تُوجِبُ عليكَ العذابَ، فقال: لا واللهِ، لا يُعذِّبُني اللهُ عليها، كما لم يجلِدْني عليها، فشهِدَ في الخامسةِ: أنَّ لعنةَ اللهِ عليه إنْ كان مِن الكاذبينَ، ثم قيلَ لها: اشهَدي أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنَّه لمن الكاذبينَ، فلمَّا كانتِ الخامسةُ قيلَ لها: اتَّقِ اللهَ؛ فإنَّ عذابَ الدُّنيا أهوَنُ من عذابِ الآخرةِ، وإنَّ هذه الموجبةُ التي تُوجِبُ عليكِ العذابَ، فتَلَكَّأَتْ ساعةً، ثم قالت: واللهِ لا أفضَحُ قومي، فشهِدَتْ في الخامسةِ أنَّ غضَبَ اللهِ عليها إنْ كان من الصادقينَ، ففرَّقَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بينهما، وقضَى أنْ لا يُدعَى ولَدُها لأبٍ، ولا تُرمَى هي به، ولا يُرمَى ولَدُها، ومَن رماها أو رمَى ولَدَها، فعليه الحَدُّ، وقضَى أنْ لا بيتَ لها عليه، ولا قُوتَ من أجلِ أنَّهما يتفرَّقانِ من غيرِ طلاقٍ، ولا مُتوفَّى عنها، وقال: إنْ جاءَتْ به أُصَيْهِبَ، أُرَيْسِحَ، حَمْشَ الساقينِ، فهو لِهِلالٍ، وإنْ جاءَتْ به أورَقَ، جَعْدًا، جُمالِيًّا، خَدَلَّجَ الساقينِ، سابِغَ الأَلْيَتَيْنِ، فهو للذي رُمِيتْ به، فجاءَتْ به أورَقَ، جَعْدًا، جُمالِيًّا، خَدَّلَجَ الساقينِ، سابغَ الأَلْيَتَينِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لولا الأَيْمانُ؛ لكان لي ولها شأنٌ، قال عِكْرمةُ: فكان بعدَ ذلك أميرًا على مِصْرَ، وكان يُدعَى لأمِّه، وما يُدعَى لأبٍ
نزَلَ عُمرُ رَضِيَ اللهُ عنه الرَّوْحاءَ، فرأى رِجالًا يَبتَدِرونَ أحجارًا يُصَلُّونَ إليها، فقال: ما هؤلاءِ؟ قالوا: يَزعُمونَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلَّى هاهُنا، قال: فكَرِهَ ذلكَ، وقال: إنَّما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أدرَكَتْهُ الصَّلاةُ بوادٍ فصلَّاها، ثمَّ ارتحَلَ فترَكَهُ، ثمَّ أنشأَ يُحَدِّثُهم، فقال: كنتُ أشهَدُ اليهودَ يومَ مدراسِهم، فأَعجَبُ مِنَ التَّوراةِ كيف تُصَدِّقُ الفُرقانَ، ومِنَ الفُرقانِ كيف يُصَدِّقُ التَّوراةَ! فبينما أنا عِندَهُم ذاتَ يومٍ قالوا: يا بنَ الخطَّابِ، ما مِن أصحابِكَ أحَدٌ أحَبُّ إلينا مِنكَ، قلتُ: ولِمَ ذلكَ؟ قالوا: إنَّكَ تَغْشانا وتأتينا، قلتُ: إنِّي آتيكم فأَعجَبُ مِنَ الفُرقانِ كيف يُصَدِّقُ التَّوراةَ، ومِنَ التَّوراةِ كيف تُصَدِّقُ الفُرقانَ! قال: ومرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالوا: يا بنَ الخطَّابِ، ذاكَ صاحِبُكم فالْحَقْ به، قال: فقلتُ لهم عندَ ذلكَ: نَشَدْتُكم باللهِ الذي لا إلهَ إلَّا هو، وما استَرْعاكم مِن حقِّهِ، واستَوْدَعَكم مِن كتابِهِ، أَتعلَمونَ أنَّهُ رسولُ اللهِ؟ قال: فسكَتوا، فقال لهم عالِمُهم وكبيرُهم: إنَّه قد غَلَّظَ عليكم فأَجيبوهُ، فقالوا: فأنتَ عالِمُنا وكبيرُنا؛ فأَجِبْهُ أنتَ، قال: أمَا إذْ نَشَدْتَنا بما نَشَدْتَنا به فإنَّا نعلَمُ أنَّه رسولُ اللهِ، قال: قلتُ: وَيْحَكم، فأنَّى هَلَكْتُم؟ قالوا: إنَّا لم نَهْلِكْ، قلتُ: كيف ذاكَ وأنتم تعلَمونَ أنَّه رسولُ اللهِ ولا تَتَّبِعونَهُ ولا تُصَدِّقونَهُ؟! قالوا: إنَّ لنا عدُوًّا مِنَ الملائكةِ وسِلْمًا مِنَ الملائكةِ، وإنَّهُ قُرِنَ بنُبُوَّتِهِ عدُوُّنا مِنَ الملائكةِ، قال: قلتُ: ومَن عدُوُّكم ومَن سِلْمُكم؟ قالوا: عدُوُّنا جبريلُ، وسِلْمُنا ميكائيلُ، قال: قلتُ: وفِيمَ عادَيْتم جبريلَ؟ وفِيمَ سالَمْتم ميكائيلَ؟ قالوا: إنَّ جبريلَ مَلَكُ الفَظاظَةِ والغِلْظَةِ والإعسارِ والتَّشديدِ والعذابِ ونَحْوِ هذا، وإنَّ ميكائيلَ مَلَكُ الرَّأْفَةِ والرَّحمةِ والتَّخفيفِ ونَحْوِ هذا، قال: قلتُ: وما مَنزِلَتُهما مِن ربِّهِما عزَّ وجلَّ؟ قالوا: أحدُهما عن يمينِهِ، والآخَرُ عن يَسارِهِ، قال: قلتُ: فوالذي لا إلهَ إلَّا هو، إنَّهما والذي بينَهما لَعدُوٌّ لِمَن عاداهما، وسِلْمٌ لِمَن سالَمَهما، ما يَنبَغي لِجبريلَ أنْ يُسالِمَ عدُوَّ ميكائيلَ، وما يَنبَغي لِميكائيلَ أنْ يُسالِمَ عدُوَّ جبريلَ، قال: ثمَّ قمتُ فاتَّبَعْتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فلَحِقْتُهُ وهو خارِجٌ مِن خَوْخَةٍ لبَني فُلانٍ، فقال: يا بنَ الخطَّابِ، أَلَا أُقْرِئُكَ آياتٍ نزَلْنَ قَبْلُ؟ فقرَأَ عليَّ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [البقرة: 97]، حتَّى قرأَ هذهِ الآياتِ، قال: قلتُ: بأبي وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، والذي بعَثَكَ بالحقِّ لقد جئتُ وأنا أُريدُ أنْ أُخبِرَكَ، فأسمَعُ اللَّطيفَ الخبيرَ قد سَبَقَني إليكَ بالخَبرِ. نزَلَ عُمرُ رَضِيَ اللهُ عنه الرَّوْحاءَ، فرأى رِجالًا يَبتَدِرونَ أحجارًا يُصَلُّونَ إليها، فقال: ما هؤلاءِ؟ قالوا: يَزعُمونَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلَّى هاهُنا، قال: فكَرِهَ ذلكَ، وقال: إنَّما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أدرَكَتْهُ الصَّلاةُ بوادٍ فصلَّاها، ثمَّ ارتحَلَ فترَكَهُ، ثمَّ أنشأَ يُحَدِّثُهم، فقال: كنتُ أشهَدُ اليهودَ يومَ مدراسِهم، فأَعجَبُ مِنَ التَّوراةِ كيف تُصَدِّقُ الفُرقانَ، ومِنَ الفُرقانِ كيف يُصَدِّقُ التَّوراةَ! فبينما أنا عِندَهُم ذاتَ يومٍ قالوا: يا بنَ الخطَّابِ، ما مِن أصحابِكَ أحَدٌ أحَبُّ إلينا مِنكَ، قلتُ: ولِمَ ذلكَ؟ قالوا: إنَّكَ تَغْشانا وتأتينا، قلتُ: إنِّي آتيكم فأَعجَبُ مِنَ الفُرقانِ كيف يُصَدِّقُ التَّوراةَ، ومِنَ التَّوراةِ كيف تُصَدِّقُ الفُرقانَ! قال: ومرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالوا: يا بنَ الخطَّابِ، ذاكَ صاحِبُكم فالْحَقْ به، قال: فقلتُ لهم عندَ ذلكَ: نَشَدْتُكم باللهِ الذي لا إلهَ إلَّا هو، وما استَرْعاكم مِن حقِّهِ، واستَوْدَعَكم مِن كتابِهِ، أَتعلَمونَ أنَّهُ رسولُ اللهِ؟ قال: فسكَتوا، فقال لهم عالِمُهم وكبيرُهم: إنَّه قد غَلَّظَ عليكم فأَجيبوهُ، فقالوا: فأنتَ عالِمُنا وكبيرُنا؛ فأَجِبْهُ أنتَ، قال: أمَا إذْ نَشَدْتَنا بما نَشَدْتَنا به فإنَّا نعلَمُ أنَّه رسولُ اللهِ، قال: قلتُ: وَيْحَكم، فأنَّى هَلَكْتُم؟ قالوا: إنَّا لم نَهْلِكْ، قلتُ: كيف ذاكَ وأنتم تعلَمونَ أنَّه رسولُ اللهِ ولا تَتَّبِعونَهُ ولا تُصَدِّقونَهُ؟! قالوا: إنَّ لنا عدُوًّا مِنَ الملائكةِ وسِلْمًا مِنَ الملائكةِ، وإنَّهُ قُرِنَ بنُبُوَّتِهِ عدُوُّنا مِنَ الملائكةِ، قال: قلتُ: ومَن عدُوُّكم ومَن سِلْمُكم؟ قالوا: عدُوُّنا جبريلُ، وسِلْمُنا ميكائيلُ، قال: قلتُ: وفِيمَ عادَيْتم جبريلَ؟ وفِيمَ سالَمْتم ميكائيلَ؟ قالوا: إنَّ جبريلَ مَلَكُ الفَظاظَةِ والغِلْظَةِ والإعسارِ والتَّشديدِ والعذابِ ونَحْوِ هذا، وإنَّ ميكائيلَ مَلَكُ الرَّأْفَةِ والرَّحمةِ والتَّخفيفِ ونَحْوِ هذا، قال: قلتُ: وما مَنزِلَتُهما مِن ربِّهِما عزَّ وجلَّ؟ قالوا: أحدُهما عن يمينِهِ، والآخَرُ عن يَسارِهِ، قال: قلتُ: فوالذي لا إلهَ إلَّا هو، إنَّهما والذي بينَهما لَعدُوٌّ لِمَن عاداهما، وسِلْمٌ لِمَن سالَمَهما، ما يَنبَغي لِجبريلَ أنْ يُسالِمَ عدُوَّ ميكائيلَ، وما يَنبَغي لِميكائيلَ أنْ يُسالِمَ عدُوَّ جبريلَ، قال: ثمَّ قمتُ فاتَّبَعْتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فلَحِقْتُهُ وهو خارِجٌ مِن خَوْخَةٍ لبَني فُلانٍ، فقال: يا بنَ الخطَّابِ، أَلَا أُقْرِئُكَ آياتٍ نزَلْنَ قَبْلُ؟ فقرَأَ عليَّ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [البقرة: 97]، حتَّى قرأَ هذهِ الآياتِ، قال: قلتُ: بأبي وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، والذي بعَثَكَ بالحقِّ لقد جئتُ وأنا أُريدُ أنْ أُخبِرَكَ، فأسمَعُ اللَّطيفَ الخبيرَ قد سَبَقَني إليكَ بالخَبرِ
ثم خرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في اثنيْ عشر ألفًا من المهاجرين والأنصارِ وأسلمَ وغفارٍ وجهينةَ وبني سليمٍ وقادوا الخيولَ حتى نزلوا بمرِّ الظهرانِ ولم تعلم بهم قريشٌ وبعثوا بحكيمِ بنِ حزامٍ وأبي سفيانَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقالوا خذ لنا منه جوارًا أو آذَنُوه بالحربِ فخرج أبو سفيانَ بنُ حربٍ وحكيمُ بنُ حزامٍ فلقيا بديلَ بنَ ورقاءَ فاستصحباهُ حتى إذا كانا بالأراكِ من مكةَ وذلك عشاءًا رأوا الفساطيطَ والعسكرَ وسمعوا صهيلَ الخيلِ فراعَهُم ذلك وفزعوا منه وقالوا هؤلاءِ بنو كعبٍ حاشتها الحربُ فقال بديلُ هؤلاءِ أكبرُ من بني كعبٍ ما بلغ تأليبُها هذا أفتنتجعُ هوازنُ أرضَنَا واللهِ ما نعرفُ هذا أيضًا أنَّ هذا لمثلِ حاجِّ الناسِ وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد بعث بين يديْهِ خيلًا تقبضُ العيونَ وخزاعةُ على الطريقِ لا يتركون أحدًا يمضي فلما دخل أبو سفيانَ وأصحابُه عسكر المسلمين أخذتهم الخيلُ تحت الليلِ وأتوا بهم خائفينَ القتلَ فقام عمرُ بنُ الخطابِ إلى أبي سفيانَ فوجأَ في عنقِه والتزمَه القومُ وخرجوا به ليُدخلوهُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فخاف القتلَ وكان العباسُ بنُ عبدِ المطلبِ خالصةً له في الجاهليةِ فصاح بأعلى صوتِه ألا تأمروا لي إلى عباسٍ فأتاه عباسُ فدفع عنه وسأل رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن يقبضَه إليه ومشى في القومِ مكانَه فركب به عباسُ تحتَ الليلِ فسار به في عسكرِ القومِ حتى أبصروهُ أجمعُ وقد كان عمرُ قد قال لأبي سفيانَ حين وجأ عنقَه واللهِ لا تدنو من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتى تموتَ فاستغاث بعباسٍ فقال إني مقتولٌ فمنعَه من الناسِ أن ينتهبوهُ فلما رأى كثرةَ الناسِ وطاعتَهم قال لم أرَ كالليلةِ جمعًا لقومٍ فخلَّصَه العباسُ من أيديهم وقال إنك مقتولٌ إن لم تُسْلِمْ وتشهدَ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ فجعل يريدُ يقول الذي يأمرُه العباسُ فلا ينطلقُ لسانُه فبات مع عباسٍ وأما حكيمُ بنُ حزامٍ وبديلُ بنُ ورقاءَ فدخلا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأسلما وجعل يستخبِرُهما عن أهلِ مكةَ فلما نُودِيَ بالصلاةِ صلاةِ الصبحِ تحيَّنَ القومُ ففزع أبو سفيانَ فقال يا عباسُ ماذا تريدون قال هم المسلمون يتيَّسرونَ لحضورِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فخرج به عباسُ فلما أبصرهم أبو سفيانَ قال يا عباسُ أما يأمُرهم بشيٍء إلا فعلوهُ فقال عباسٌ لو نهاهم عن الطعامِ والشرابِ لأطاعوهُ قال عباسٌ فكلِّمْهُ في قومِك هل عندَه من عفوٍ عنهم فأتى العباسُ بأبي سفيانَ حتى أدخلَه على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال عباسٌ يا رسولَ اللهِ هذا أبو سفيانَ فقال أبو سفيانَ يا محمدُ إني قد استنصرتُ إلهي واستنصرتُ إلهك فواللهِ ما رأيتُك إلا قد ظهرتَ عليَّ فلو كان إلهي محقًّا وإلهك مبطلًا لظهرتُ عليك فشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ فقال عباسٌ يا رسولَ اللهِ إني أحبُّ أن تأذنَ لي آتيَ قومَك فأُنذرهم ما نزل وأدعوهم إلى اللهِ ورسوله فأذنَ له فقال عباسٌ كيف أقولُ لهم يا رسولَ اللهِ بيِّنْ لي من ذلك أمانًا يطمئنون إليهِ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تقول لهم من شهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه فهو آمنٌ ومن جلس عند الكعبةِ فوضع سلاحَه فهو آمنٌ ومن أغلق عليه بابَه فهو آمنٌ فقال عباسٌ يا رسولَ اللهِ أبو سفيانَ بنُ عمِّنا وأُحبُّ أن يرجعَ معي فلو اختصصتَه بمعروفٍ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ فجعل أبو سفيانَ يستفقِهُه ودارُ أبي سفيانَ بأعلى مكةَ ومن دخل دارَ حكيمِ بنِ حزامٍ وكفَّ يدَه فهو آمنٌ ودارُ حكيمٍ بأسفلِ مكةَ وحمل النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عباسًا على بغلتِه البيضاءَ التي كان أهداها إليه دحيةُ الكلبيُّ فانطلق عباسٌ بأبي سفيانَ قد أردفَه فلما سار عباسٌ بعث النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في أثرِه فقال أدرِكُوا عباسًا فرُدُّوهُ عليَّ وحدَّثهم بالذي خاف عليه فأدرَكَه الرسولُ فكره عباسٌ الرجوعَ وقال أيرهبُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن يرجعَ أبو سفيانَ راغبًا في قِلَّةِ الناسِ فيكفرَ بعد إسلامِه فقال احبِسْهُ فحبسَه فقال أبو سفيانَ أغدرًا يا بني هاشمٍ فقال عباسٌ إنَّا لسنا نغدِرُ ولكن لي إليك بعضَ الحاجةِ قال وما هي أقضيها لك قال نفاذُها حين يقدمُ عليك خالدُ بنُ الوليدِ والزبيرُ بنُ العوامِ فوقف عباسٌ بالمضيقِ دون الأراكِ من مرٍّ وقد وعى أبو سفيانَ منه حديثَه ثم بعث رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الخيلَ بعضَها على أثرِ بعضٍ وقسم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الخيلَ شطريْنِ فبعث الزبيرَ وردَفَه خيلًا بالجيشِ من أسلمَ وغفارٍ وقضاعةَ فقال أبو سفيانَ رسولُ اللهِ هذا يا عباسُ قال لا ولكن خالدُ بنُ الوليدِ وبعث رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سعدَ بنَ عبادةَ بين يديْهِ في كتيبةٍ للأنصارِ فقال اليومَ يومُ الملحمةِ اليومَ تستحلُّ الحرمةُ ثم دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في كتيبةِ الإيمانِ المهاجرين والأنصارِ فلما رأى أبو سفيانَ وجوهًا كثيرةً لا يعرفُها فقال يا رسولَ اللهِ أكثرتَ أو اخترتَ هذه الوجوهَ على قومِك فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنت فعلتَ ذلك وقومُك إنَّ هؤلاءِ صدَّقوني إذ كذَّبتموني ونصروني إذ أخرجتموني ومع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومئذٍ الأقرعُ بنُ حابسٍ وعباسُ بنُ مرداسٍ وعيينةُ بنُ حصنِ بنِ بدرٍ الفزاريِّ فلما أبصرهم حول النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال من هؤلاءِ يا عباسُ قال هذه كتيبةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومع هذه الموتُ الأحمرُ هؤلاء المهاجرون والأنصارُ قال امضِ يا عباسُ فلم أرَ كاليومِ جنودًا قط ولا جماعةً فسار الزبيرُ في الناسِ حتى وقف بالحجونِ واندفع خالدٌ حتى دخل من أسفلِ مكةَ فلقيَهُ أوباشُ بني بكرٍ فقاتلوهم فهزمهم اللهُ عزَّ وجلَّ وقتلوا بالحزورةِ حتى دخلوا الدورَ وارتفع طائفةٌ منهم على الخيلِ على الخندمةِ واتَّبعَه المسلمون فدخل النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في أخرياتِ الناسِ ونادى منادٍ من أغلق عليه دارَه وكفَّ يدَه فإنَّهُ آمنٌ ونادى أبو سفيانَ بمكةَ أسلِمُوا تَسْلَمُوا وكفَّهم اللهُ عزَّ وجلَّ عن عباسٍ وأقبلت هندُ بنتُ عتبةَ فأخذت بلحيةِ أبي سفيانَ ثم نادت يا آلَ غالبٍ اقتلوا هذا الشيخَ الأحمقَ قال فأرسلي لحيَتِي فأقسم باللهِ إن أنتِ لم تُسلمي لتُضربَنَّ عُنُقُكِ ويلَكِ جاء بالحقِّ فادخلي أريكَتَكِ أحسبُه قال واسكتي
لما نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ قال سعدُ بنُ عبادةَ وهو سيدُ الأنصارِ أهكذا أُنزِلت يا رسولَ اللهِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يا معشرَ الأنصارِ ألا تسمعونَ ما يقولُ سيدُكم قالوا يا رسولَ اللهِ لا تلُمْه فإنه رجلٌ غيورٌ واللهِ ما تزوَّج امرأةً قطُّ إلا بكرًا ولا طلق امرأةً قطُّ فاجترأ رجلٌ منا أن يتزوجَها من شدةِ غيرتِه فقال سعدٌ واللهِ يا رسولَ اللهِ إني لأعلمُ أنها حقٌّ وإنها من عندِ اللهِ ولكن قد تعجبتُ أن لو وجدتُ لكاعًا قد تفخَّذها رجلٌ لم يكنْ لي أن أُهيِّجَه ولا أن أُحرِّكَه حتى آتِيَ بأربعةِ شهداءَ فواللهِ لا آتِي بهم حتى يقضِيَ حاجتَه قال فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلالُ بنُ أميةَ وهو أحدُ الثلاثةِ الذين تِيبَ عليهم فجاء من أرضِه عشاءًا فوجد عندَها رجلًا فرأيتُ بعينِي وسمعت بأذنِي فكَرِهَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما جاء به واشتدَّ عليه واجتمعتِ الأنصارُ وقالوا قد ابتُلينا بما قال سعدُ بنُ عبادةَ الآنَ يضربُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هلالَ بنَ أميةَ ويُبطِلُ شهادتَه في المسلمين فقال واللهِ إني لأرجو أن يجعلَ اللهُ لي منها مخرجًا فقال هلالٌ يا رسولَ اللهِ إني أرَى ما اشتدَّ عليك بما جئتَ به واللهِ إني لصادقٌ فواللهِ إن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليريدُ أن يأمرَ بضربِه إذ نزل على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الوحيُ وكان إذا نزل عليه عرَفوا ذلك في تربدِ جلدِه فأمسكوا عنه حتى فرغ الوحيُ فنزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ _ الآية
لمَّا أنزلت: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا قالَ سَعدُ بنُ عُبادةَ، وَهوَ سيِّدُ الأنصارِ: هَكَذا نَزلت يا رسولَ اللَّهِ ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: يا مَعشرَ الأنصارِ ألا تَسمَعونَ إلى ما يقولُ سيِّدُكُم ؟ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، لا تَلُمهُ، فإنَّهُ رجلٌ غَيورٌ، واللَّهِ ما تزوَّجَ امرأةً قطُّ إلَّا بِكْرًا، وما طلَّقَ امرأةً لهُ قطُّ، فاجتَرأَ رجلٌ منَّا علَى أن يتزوَّجَها مِن شدَّةِ غَيرتِهِ، فقالَ سعدٌ: واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي لأعلمُ أنَّها حقٌّ، وأنَّها منَ اللَّهِ ولَكِنِّي قد تَعجَّبتُ أنِّي لَو وجدتُ لَكاعًا تفخَّذَها رجلٌ لم يَكُن لي أن أَهيجَهُ ولا أحرِّكَهُ، حتَّى آتيَ بأربعةِ شُهَداءَ، فواللَّهِ لا آتي بِهِم حتَّى يقضيَ حاجتَهُ، قالَ: فما لبِثوا إلَّا يسيرًا، حتَّى جاءَ هلالُ بنُ أميَّةَ، وَهوَ أحدُ الثَّلاثةِ الَّذينَ تيبَ عليهِم، فجاءَ مِن أرضِهِ عِشاءً، فرأى عندَ أَهْلِهِ رجلًا، فرأى بِعينيهِ، وسمعَ بأذُنَيْهِ، فلم يَهِجْهُ، حتَّى أصبحَ، فغَدا علَى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي جئتُ أَهْلي عِشاءً، فوجدتُ عندَها رجلًا، فرأيتُ بعينيَّ، وسَمِعْتُ بأذُنَيَّ، فَكَرِهَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ما جاءَ بِهِ، واشتدَّ عليهِ، واجتمعتِ الأنصارُ، فقالوا: قدِ ابتُلينا بما قالَ سعدُ بنُ عبادةَ، الآنَ يضرِبُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ هلالَ بنَ أميَّةَ، ويُبطِلُ شَهادتَهُ في المسلمينَ، فقالَ هلالٌ: واللَّهِ إنِّي لأرجو أن يجعَلَ اللَّهُ لي منها مخرجًا، فقالَ هلالٌ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي قد أرى ما اشتدَّ عليكَ مِمَّا جئتُ بِهِ، واللَّهُ يعلمُ إنِّي لَصادقٌ، واللَّهِ إنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يريدُ أن يأمرَ بَضربِهِ إذْ نزلَ علَى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ الوحيُ، وَكانَ إذا نزلَ علَيهِ الوحيُ عَرفوا ذلِكَ في تربُّدِ جِلدِهِ يعني، فأمسَكوا عنهُ حتَّى فرَغَ منَ الوحيِ، فنزلت: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ الآيةَ، فسُرِّيَ عَن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فقالَ: أبشِرْ يا هلالُ، فقد جَعلَ اللَّهُ لَكَ فرَجًا ومَخرجًا فقالَ هلالٌ: قد كُنتُ أرجو ذلكَ من ربِّي فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: أرسِلوا إليها فأرسَلوا إليها، فجاءَت، فَتلاها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ عليهِما، وذَكَّرَهُما، وأخبرَهُما أنَّ عذابَ الآخرةِ أشدُّ من عذابِ الدُّنيا، فقالَ هلالٌ: واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، لقد صدَقتُ عليها، فقالت: كذَبَ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: لاعِنوا بينَهُما، فقيلَ لِهِلالٍ: اشهَد، فشَهِدَ أربعَ شَهاداتٍ باللَّهِ إنَّهُ لمنَ الصَّادقينَ، فلمَّا كانَ في الخامسةِ، قيلَ: يا هلالُ، اتَّقِ اللَّهَ، فإنَّ عذابَ الدُّنيا أَهْوَنُ من عذابِ الآخرةِ، فإنَّ هذِهِ هي الموجبةُ الَّتي توجبُ عليكَ العذابَ فقالَ: واللَّهِ لا يعذِّبُني اللَّهُ علَيها، كما لَم يجلِدني علَيها، فشَهِدَ في الخامسةِ: أنَّ لَعنةَ اللَّهِ علَيهِ إن كانَ منَ الكاذبينَ، ثمَّ قيلَ لَها: اشهَدي أربعَ شَهاداتٍ باللَّهِ: إنَّهُ لمنَ الكاذبينَ فلمَّا كانتِ الخامسةُ قيلَ لَها: اتَّقي اللَّهَ فإنَّ عذابَ الدُّنيا أَهْوَنُ مِن عذابِ الآخرةِ، وإنَّ هذِهِ هي الموجِبةُ الَّتي توجبُ عليكِ العذابَ، فتلَكَّأت ساعةً، ثمَّ قالَت: واللَّهِ لا أفضَحُ قومي، فشَهِدت في الخامسةِ: أنَّ غضبَ اللَّهِ عليها إن كانَ منَ الصَّادقينَ، ففرَّقَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بينَهُما، وقضَى أن لا يُدعى ولدُها لأبٍ، ولا تُرمى هيَ بهِ ولا يُرمى ولدُها، ومَن رماها أو رمَى ولدَها، فعليهِ الحدُّ، وقَضى أن لا بيتَ لَها عليهِ، ولا قوتَ من أجلِ أنَّهما يفتَرِقانِ من غيرِ طلاقٍ، ولا متوفًّى عنها، وقالَ: إن جاءت بهِ أُصَيْهبَ، أُرَيْسحَ، حَمِشَ السَّاقينِ، فَهوَ لِهِلالٍ، وإن جاءت بهِ أورَقَ جعدًا، جُماليًّا، خِدلَّجَ السَّاقينِ، سابغَ الإليَتينِ، فَهوَ للَّذي رُمِيَت بهِ فجاءت بهِ يعني أورَقَ، جعدًا، جُماليًّا، خِدلَّجَ السَّاقينِ، سابغَ الإليتينِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: لَولا الأَيمانُ، لَكانَ لي ولَها شأنٌ قالَ عِكْرمةُ: فَكانَ بعدَ ذلِكَ أميرًا علَى مِصرٍ، وَكانَ يدعى لأمِّهِ وما يُدعَى لأبيهِ
أنَّ بَني سَلِمةَ، أرادوا أنْ يَتَحَوَّلوا مِن ديارِهم إلى قُربِ المسجِدِ، فكَرِهَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أنْ يَعْرى المسجِدُ، فقال: يا بَني سَلِمةَ، ألَا تَحتسِبون آثارَكم؟ فأقاموا، قال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ: قال أَبِي: أخطَأَ فيه يَحيى بنُ سعيدٍ، وإنِّما هو: أنْ تَعرَى المدينةُ، فقال يَحيى: المسجِدُ. وضَرَبَ عليه أبي هاهُنا، وقد حدَّثَنا به في كِتابِ يَحيى بنِ سعيدٍ
حديث من بنَى للهِ مسجدًا [حديث عثمان بن عفان: أنَّ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ، أرَادَ بنَاءَ المَسْجِدِ، فَكَرِهَ النَّاسُ ذلكَ، فأحَبُّوا أنْ يَدَعَهُ علَى هَيْئَتِهِ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: مَن بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ له في الجَنَّةِ مِثْلَهُ.] [وحديث عبدالله بن عمر وأبو ذر الغفاري وأنس بن مالك وعبدالله بن عباس وعلي بن أبي طالب ونبيط بن شريط وأبو هريرة وعائشة أم المؤمنين: مَن بنى للَّهِ مسجدًا بنى اللَّهُ لَهُ بيتًا في الجنَّةِ]
خَرجَ النَّبِيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ عامَ الحُدَيبِيَةِ في بِضعِ عَشرَةَ مِائةٍ مِن أَصحابِهِ فلمَّا أتى ذا الحُلَيفَةِ قلَّدَ الهَديَ وأَشعَرَهُ وأحرَمَ مِنها بِعُمرَةٍ وبَعَثَ عَينًا لهُ مِن خُزاعَةَ _ هو يسرُ بنُ سُفيانَ _ وسار النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى كانَ بِغديرِ الأُشطاطِ أتاهُ عَينُهُ قالَ إنَّ قُرَيشًا جَمعوا لَكَ جُموعًا وَقَد جَمعوا لكَ الأَحابيشَ _ أخلاطَ القَبائلَ الَّتي حَولَ مَكَّةَ _ وهُمْ مُقاتِلوكَ وصادُّوكَ عَن البَيتِ ومانِعوكَ فَقالَ أَشيروا أيُّها النَّاسُ علَي أَترَونَ أَن أَميلَ إلى عِيالِهِم وذرارِيِّ هؤلاءِ الَّذينَ يُريدونَ أَن يَصدُّونا عَن البَيتِ فَإن يَأتونا كانَ اللَّهُ عزَّ وجَلَّ قَد قَطعَ عَينًا مِنَ المشرِكينَ وإلَّا تَركناهُم مَحروبينَ _ مَسلوبينَ مَحزونينَ _ قال أبو بَكرٍ يا رَسولَ اللهِ خَرجتَ عامِدًا لهذَا البَيتِ لا تُريدُ قَتلَ أَحَدٍ ولا حَربَ أحَدٍ فتوجَّهَ لهُ فَمن صدَّنا عَنهُ قاتَلناهُ قالَ امضوا علَى اسمِ اللهِ قالَ : وسارَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى إذا كانَ بالثَّنيَّةِ الَّتي يَهْبطُ عليهم منها برَكَت بِهِ راحلتُهُ ، فقالَ النَّاسُ : حَلْ ، حَلْ خَلَأَتِ القصواءُ مرَّتينِ ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : ما خَلأَتْ ، وما ذلِكَ لَها بِخُلُقٍ ، ولَكِن حَبسَها حابِسُ الفيلِ . ثمَّ قالَ : والَّذي نفسي بيدِهِ ، لا يَسأَلوني اليومَ خُطَّةً يُعظِّمونَ بِها حَرَماتِ اللَّهِ إلَّا أعطيتُهُم إيَّاها، ثمَّ زجرَها فوثَبَتْ ، فَعدلَ عَنهُم حتَّى نَزلَ بأَقصى الحُدَيْبيةِ علَى ثَمدٍ قليلِ الماءِ ، فَجاءَهُ بُدَيْلُ بنُ ورقاءَ الخزاعيُّ ، ثمَّ أتاهُ - يَعني عُروةَ بنَ مَسعودٍ - فجَعلَ يُكَلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فَكُلَّما كلَّمَهُ أخذَ بِلحيتِهِ ، والمغيرةُ بنُ شُعبةَ قائمٌ علَى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ومعَهُ السَّيفُ وعلَيهِ المِغفرُ ، فضَربَ يدَهُ بِنَعلِ السَّيفِ ، وقالَ : أخِّر يدَكَ عَن لِحيتِهِ ، فرفعَ عروةُ رأسَهُ ، فقالَ : مَن هذا ؟ قالوا : المغيرةُ بنُ شعبةَ ، فقالَ : أي غُدَرُ أوَ لستُ أسعى في غَدرتِكَ ، وَكانَ المغيرةُ صحِبَ قومًا في الجاهليَّةِ فَقتلَهُم وأخذَ أموالَهُم ، ثمَّ جاءَ فأَسلمَ ، فَقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : أمَّا الإسلامُ فقَد قَبِلنا ، وأمَّا المالُ فإنَّهُ مَالُ غَدرٍ لا حاجةَ لَنا فيه - فذَكَرَ الحديثَ - ( لَمَّا كاتَبَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ سُهيلَ بنَ عَمرٍو يومَ الحُدَيبِيَةِ ، علَى قضيَّةِ المدَّةِ . . . وأبى سُهَيلٍ أن يقاضِيَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إلَّا علَى ذلِكَ ، فكَرِهَ المؤمِنونَ ذَلكَ وامتَعَضوا ، فتَكَلَّموا فيهِ ) فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : اكتُب هذا ما قاضَى علَيهِ مُحمَّدٌ رسولُ اللَّه وقصَّ الخبَرَ - فقالَ سُهَيْلٌ : وعلَى أنَّهُ لا يَأتيكَ مِنَّا رجُلٌ وإن كانَ على دينِكَ إلَّا رددتَهُ إلَينا ، فلمَّا فرغَ مِن قضيَّةِ الكتابِ قالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لأصحابِهِ : قوموا فانحَروا ، ثمَّ احلِقوا فَردَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ أبا جَندَلٍ بنِ سُهَيلٍ ، يَومَئذٍ إلى أبيهِ سُهَيلٍ بنِ عَمرٍو ، ولَم يَأتِ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ أحَدٌ مِن الرِّجالِ ، إلَّا ردَّهُ في تِلكَ المدَّةِ ، وإن كانَ مُسلِمًا ) ثُمَّ جاءَ نِسوَةٌ مُؤمِناتٌ مُهاجِراتٌ ( فَكانَت أمٌّ كُلثومٍ بِنتُ عُقبةَ ابنِ أبي مُعَيطٍ ، مِمَّن خَرجَ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وهيَ عاتقٌ ، فَجاءَ أهلُها ، يسأَلونَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ : أن يرجِعَها إليهِمْ ، حتَّى أنزَلَ اللَّهُ تعالَى في المؤمِناتِ ما أنزَلَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتِ . . . ) الآيةَ . فنَهاهمُ اللَّهُ أن يردُّوهنَّ وأمرَهُم أن يردُّوا الصَّداقَ ، ثمَّ رجعَ إلى المدينةِ فجاءَه أبو بصيرٍ رجلٌ من قُرَيْشٍ يَعني ، فأرسَلوا في طَلبِهِ فدفعَهُ إلى الرَّجُلَيْنِ ، فخَرجا بِهِ حتَّى إذ بلَغا ذا الحُلَيْفةِ نزَلوا يأكُلونَ مِن تمرٍ لَهُم ، فقالَ أبو بَصيرٍ لأحدِ الرَّجُلَيْنِ : واللَّهِ إنِّي لأَرى سَيفَكَ هذا يا فلانُ جيِّدًا ، فاستلَّهُ الآخرُ فقالَ : أجل قد جرَّبتُ بِهِ . فقالَ أبو بصيرٍ : أرني أنظر إليهِ فأمكنَهُ منهُ ، فضربَهُ حتَّى بردَ ، وفرَّ الآخرُ حتَّى أتى المدينةَ فدخلَ المسجدَ يَعدو فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : لَقَد رأى هذَا ذُعرًا . فقالَ : قد قُتِلَ واللَّهِ صاحبي ، وإنِّي لَمقتولٌ ، فجاءَ أبو بصيرٍ فقالَ : قَد أوفى اللَّهُ ذمَّتَكَ فقَد رددتَني إليهِم ، ثمَّ نجَّاني اللَّهُ منهُم ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : ويلَ أمِّهِ مسعرَ حربٍ لو كانَ لَهُ أحدٌ ، فلمَّا سمعَ ذلِكَ عرفَ أنَّهُ سيردُّهُ إليهم ، فخرجَ حتَّى أتى سيفَ البحرِ وينفلتُ أبو جندلٍ فلحقَ بأبي بصيرٍ حتَّى اجتمعت منهم عصابةٌ
لما أمر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عُمرةَ القضاءِ أمر أصحابَه فقال اكشفوا عن المناكبِ واسعَوا في الطوافِ لِيرَى المشركين جلدَهم وقوتَهم وكان يَكيدُهم بكلِّ ما استطاع فانكفأ أهلُ مكةَ الرجالُ والنساءُ والصبيانُ ينظرون إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه وهم يطوفون بالبيتِ وعبدُ اللهِ بنُ رواحةَ يرتجزُ بينَ يدَيِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم متوشحًا بالسيفِ يقولُ : خلو بني الكفارِ عن سبيلِي أنا الشهيدُ أنه رسولُه – فاليومَ نضرِبُكم على تأويلِه كما ضربناكم على تنزيلِه – ضربًا يُزيلُ الهامَ عن مَقِيلِه ويذهلُ الخليلَ عن خليلِه – وبعث رجالًا من أشرافِ المشركين كراهيةَ أن ينظروا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غيظًا وحنقًا ونفاسةً وحسدًا خرجوا إلى نواحيَ مكةَ فكرِه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نسكَه وأقام ثلاثًا
أتى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعرابيًّا فأكرَمه فقال له : ( ائتِنا ) فأتاه فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( سَلْ حاجتَكَ ) قال : ناقةٌ نركَبُها وأعنُزٌ يحلُبُها أهلي ] فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أعجَزْتُم أنْ تكونوا مِثْلَ عجوزِ بني إسرائيلَ ) ؟ قالوا : يا رسولَ اللهِ وما عجوزُ بني إسرائيلَ ؟ قال : ( إنَّ موسى عليه السَّلامُ لَمَّا سار ببني إسرائيلَ مِن مِصرَ ضلُّوا الطَّريقَ فقال : ما هذا ؟ فقال علماؤُهم : إنَّ يوسُفَ عليه السَّلامُ لَمَّا حضَره الموتُ أخَذ علينا مَوثقًا مِن اللهِ ألَّا نخرُجَ مِن مِصْرَ حتَّى ننقُلَ عِظامَه معنا قال : فمَن يعلَمُ موضِعَ قبرِه ؟ قال : عجوزٌ مِن بني إسرائيلَ فبعَث إليها فأتَتْه فقال : دُلِّيني على قبرِ يوسُفَ قالت : حتَّى تُعطيَني حُكْمي قال : وما حُكْمُكِ ؟ قالت : أكونُ معكَ في الجنَّةِ فكرِه أنْ يُعطيَها ذلكَ فأوحى اللهُ إليه : أنْ أعطِها حُكْمَها فانطلَقَتْ بهم إلى بُحيرةٍ موضعِ مُستنقَعِ ماءٍ فقالت : أنضِبوا هذا الماءَ فأنضَبوه فقالتِ : احتَفِروا فاحتَفَروا فاستخرَجوا عِظامَ يوسُفَ فلمَّا أقلُّوها إلى الأرضِ وإذا الطَّريقُ مِثْلُ ضوءِ النَّهارِ )
كنت بواسطِ القصبِ عندَ عبدِ الأعلَى بنِ عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ كريزٍ القرشيِّ في منزلِ عنبسةَ بنِ سعيدٍ إذ جاء رجلٌ فقال إن قاتلَ عمارٍ بالبابِ أفتأذنون له فيدخلُ فكره بعضُ القومِ وقال بعضٌ أدخلوه فدخل فإذا رجلٌ عليه مقطعاتٌ له فقال لقد أدركت رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا أنفعُ أهلي فأردُّ عليهم الغنمَ فقال رجلٌ من القومِ أبا الغاديةِ كيفَ كان أمرُ عمارٍ قال كنا نعدُّ عمارًا من خيارِنا حتى سمعتُه يومًا في مسجدِ قباءَ يقعُ في عثمانَ فلو خلُصتُ إليه لوطئتُه برجلِي فما صليتُ بعدَ ذلك صلاةً إلا قلت اللهمَّ لقِّني عمارًا فلما كان يومَ صفينَ استقبلَني رجلٌ يسوقُ الكتيبةَ فاختلفت أنا وهو ضربتينِ فبدرتُه فضربتُه فكبا لوجهِه ثم قتلته وفي روايةٍ قال عبدُ الأعلَى أدخِلوه فأُدخِلَ عليه مقطعاتٌ له فإذا رجلٌ طوالٌ ضرْبٌ من الرجالِ كأنه ليس من هذه الأمةِ . . . . . حتى قال فلما كان يومَ صفينَ أقبل يمشِي أولَ الكتيبةِ راجلًا حتى كان بينَ الصفينِ طعن رجلًا في ركبتِه بالرمحِ فصرعه فانكفأ المغفرُ عنه فاضربه فضربتُه فإذا رأسُ عمارِ بنِ ياسرٍ قال له يقولُ له مولَى لنا أيُّ يدٍ كفتاه فلم أرَ رجلًا أبينَ ضلالةً منه
الكُبْرَ الكُبْرَ [ يعني حديث: أنَّ نَفَرًا مِن قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إلى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، ووَجَدُوا أحَدَهُمْ قَتِيلًا، وقالوا لِلَّذِي وُجِدَ فيهم: قدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا، قالوا: ما قَتَلْنَا ولَا عَلِمْنَا قَاتِلًا، فَانْطَلَقُوا إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، انْطَلَقْنَا إلى خَيْبَرَ، فَوَجَدْنَا أحَدَنَا قَتِيلًا، فَقالَ: الكُبْرَ الكُبْرَ فَقالَ لهمْ: تَأْتُونَ بالبَيِّنَةِ علَى مَن قَتَلَهُ قالوا: ما لَنَا بَيِّنَةٌ، قالَ: فَيَحْلِفُونَ قالوا: لا نَرْضَى بأَيْمَانِ اليَهُودِ، فَكَرِهَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِئَةً مِن إبِلِ الصَّدَقَةِ]
أنَّ نفرًا من قومِهِ انطلقوا إلى خيبرَ فتفرَّقوا فيها فوجَدوا أحدَهُم قتيلًا . فقالوا للَّذينَ وجدوهُ عندَهُم: قتلتُمْ صاحِبَنا قالوا: واللَّهِ ما قتَلنا ولا علِمنا قاتِلًا . فانطلَقوا إلى نبيِّ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، انطَلقنا إلى خيبرَ فوَجدنا أخانا قَتيلًا . فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: الكَبرَ الكَبرَ فقالَ لَهُم تأتونَ بالبيِّنةِ على مَن قتلَ ؟ قالوا: ما لَنا بيِّنةٌ . قالَ أفيَحلفونَ لَكُم ؟ قالوا: لا نرضَى بأيمانِ اليَهودِ . فَكَرِهَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن يَبطُلَ دمَهُ فوداهُ بمائةٍ من إبلِ الصَّدقةِ
خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينا له من خزاعة _ هو يسر بن سفيان _ وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه قال إن قريشا جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش _ أخلاط القبًائل التي حول مكة _ وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك فقال أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينا من المشركين وإلا تركناهم محروبين _ مسلوبين محزونين _ قال أبو بكر يا رسول اللهِ خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال امضوا على اسم الله قال وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بًالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس حل حل خلأت القصواء مرتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما خلأت وما ذلك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء فجاءه بديل بن ورقاء الخزاعي ثم أتاه يعني عروة ابن مسعود فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة ابن شعبة قائم على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر فضرب يده بنعل السيف وقال أخر يدك عن لحيته فرفع عروة رأسه فقال من هذا قالوا المغيرة بن شعبة فقال أي غدر أولست أسعى في غدرتك وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الإسلام فقد قبلنا وأما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه فذكر الحديث ( لما كاتب رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو يوم الحديبية ، على قضية المدة . . . وأبى سهيل أن يقاضي رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم إلا على ذلك ، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا ، فتكلموا فيه ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللهِ وقص الخبر فقال سهيل وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا فلما فرغ من قضية الكتاب قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا ( فرد رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم أبًا جندل بن سهيل ، يومئذ إلى أبيه سهيل بن عمرو ، ولم يأت رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم أحد من الرجال ، إلا رده في تلك المدة ، وإن كان مسلما ) ثم جاء نسوة مؤمنات مهاجرات ( فكانت أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط ، ممن خرج إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وهي عاتق ، فجاء أهلها ، يسألون رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم : أن يرجعها إليهم ، حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما أنزل { يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات . . . ) الآية فنهاهم الله أن يردوهن وأمرهم أن يردوا الصداق ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش يعني فأرسلوا في طلبه فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى إذ بلغا ذا الحليفة نزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا فاستله الآخر فقال أجل قد جربت به فقال أبو بصير أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد رأى هذا ذعرا فقال قد قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير فقال قد أوفى الله ذمتك فقد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر وينفلت أبو جندل فلحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة
خرج الحسين وهو يريد أرضه الَّتي بظاهر الحرة ونحن نمشي إذ أدركنا النعمان بن بشير على بغلة فنزل فقربها إلى الحسين فقال اركب يا أبا عبد الله فكره ذلك فلم يزل كذلك حتَّى أقسم النعمان عليه حتَّى أطاع الحسين بالركوب قال إذ أقسمت فقد كلفتني ما أكره فاركب على صدر دابتك فأردفك فإني سمعت فاطمة بنت محمد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تقول قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الرجل أحق بصدر دابته وصدر فراشه والصَّلاة في منزله إلَّا ما يجمع النَّاس عليه فقال النعمان صدقت بنت رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سمعت أبي بشيرا يقول كما قالت فاطمة وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا من أذن فركب
كان أبو بَكرٍ إذا ذُكِرَ يَومُ أُحُدٍ يقولُ: فرأَيتُ رجُلًا يُقاتِلُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دُونَه -وأُراه قال: بجَنبِه- فقلتُ: كُنْ طَلْحةَ، حيث فاتَني ما فاتَني، فقلتُ: تَكونُ رجُلًا مِن قَوْمي أحَبُّ إليَّ، وبَيني وبينَ الشَّرقِ رجُلٌ لا أعرِفُه، وأنا أقرَبُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهو يَخطَفُ المَشيَ ولا أخطَفُه، فانتَهَيْنا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقد كُسِرتْ رَباعيَتُه، وشُجَّ في وَجهِه، وقد دخَلَ في وَجنَتِه حَلْقَتانِ مِن حِلَقِ المِغْفَرِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: عليكما صاحِبَكما -يُريدُ طَلْحةَ، وقد نَزَفَ- فلم يَلتَفِتْ إلى قَولِه، فذَهَبتُ لأنزِعَ ذاكَ مِن وَجهِه، فقال أبو عُبَيدةَ: أقسَمتُ عليكَ بحَقِّي لَمَا تَرَكتَني. فتَرَكتُه، فكَرِهَ أنْ يَتَناوَلَه بيَدِه، فيُؤذيَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأدَمَ عليهما بفيه، فاستَخرَجَ إحدى الحَلْقَتينِ، ووَقَعتْ ثَنيَّتُه مع الحَلْقةِ، وذَهَبتُ لأصنَعَ ما صنَعَ، فقال: أقسَمتُ عليكَ بحَقِّي لَمَا تَرَكتَني. قال: ففعَلَ مِثلَما فعَلَ في المَرَّةِ الأُولى، فوَقَعتْ ثَنيَّتُه الأُخرى مع الحَلْقةِ، وكان أبو عُبَيدةَ مِن أصلَحِ الناسِ هَتَمًا، فأصلَحْنا مِن شأنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ أتَيْنا طَلْحةَ في بعضِ تلكَ الجِفارِ، فإذا به بِضعٌ وسَبعونَ، أو أقَلُّ أو أكثَرُ، مِن طَعنةٍ، ورَميةٍ، وضَربةٍ، وإذا قد قُطِعتْ إصبَعُه، فأصلَحْنا مِن شأنِه
عن بُشَيْرِ بنِ يسارٍ أنَّ رجلًا منَ الأنصارِ، يقالُ لَهُ سَهْلُ بنُ أبي حثمةَ أخبرَهُ أنَّ نفرًا من قومِهِ انطلقوا إلى خيبرَ فتفرَّقوا فيها فوجدوا منهم قتيلًا فقالوا للَّذينَ وجدوهُ عندَهُم قتلتُمْ صاحبَنا قالوا ما قتلناهُ ولا علمنا له قاتلا قال فانطلقوا إلى النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالوا يا نبيَّ اللَّهِ انطلَقنا إلى خيبرَ فوجَدنا أحدَنا قتيلًا فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الكُبرَ الكُبرَ فقالَ لَهُم تأتونَ بالبيِّنةِ على من قتلَ فقالوا ما لَنا بيِّنةٍ قالَ فيحلفونَ لَكُم قالوا ما نرضى أيمانِ يَهودِ فَكَرِهَ رسول اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن يبطلَ دمُهُ فوداهُ بمائةٍ من إبلِ الصَّدقةِ
عن سهلِ بنِ أبي حَثمةَ أنه أخبره أن نفرًا منهم انطلقوا إلى خيبرَ فتفرقوا فيها فوجدوا أحدَهم قتيلًا فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتُم صاحبنا؟ قالوا: ما قتلنا ولا علمنا فانطلقوا إلى نبيِّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالوا: يا رسولَ اللهِ أتينا خيبرَ فتفرقنا فيها فوجدنا أحدَنا قتيلًا فقلنا للذين وجدناه عندهم: قتلتم صاحبنا؟ قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قال: تجيئون بالبينةِ على الذين تدعون عليهم؟ قالوا: ما لنا بينةٌ قال: فيحلفون لكم قالوا: لا نقبلُ أيمانَ يهودَ فكرِه رسولُ اللهِ أنْ يُطلَّ دمَه فوداه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مائةً من إبلِ الصدقةِ
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
من جلس عند الكعبة فوضع سلاحه فهو آمنمن أغلق عليه بابه فهو آمنفوداه بمائة من إبل الصدقةشهد أن لا إله إلا اللهإلا ما يجمع الناس عليهالطريق مثل ضوء النهارلا نرضى بأيمان اليهوديوم عند ربك كألف سنةكره أن يقول بغير علمالعباس بن عبد المطلبالرجل أحق بصدر دابتهنسوة مؤمنات مهاجراتمائة من إبل الصدقةلا نقبل أيمان يهوديومان ذكرهما اللهاكشفوا عن المناكبعبد الله بن رواحةالتحول من الديارعبد الله بن أحمدعجوز بني إسرائيلاللهم لقني عمارالا تعرى المدينةاسعوا في الطوافضربا يزيل الهامالصلاة في منزلهالنعمان بن بشيرسهل بن أبي حثمةالظاظة والغلظةالرأفة والرحمةخالد بن الوليدفاطمة بنت محمدخمسين ألف سنةدار أبي سفياناحتساب الآثاربيتا في الجنةمتوشحا بالسيفالمن والسلوىسعد بن عبادةهلال بن أميةنشدتكم باللهالولد للفراشيحيى بن سعيدرد المهاجرينجلدهم وقوتهمعمار بن ياسرأيمان اليهودخلأت القصواءامرأة فرعونأربعة شهداءيوم الملحمةشهادة الزورعمرة القضاءقرب المسجدحابس الفيلإبل الصدقةقضية المدةحلق المغفرأيمان يهودكتاب اللهرسول اللهأبو سفيانعظام يوسفمسجد قباءرد الرجالصدر فراشهأبو عبيدةابن عباسغضب اللهالمحصناتالفاسقونبني سلمةبنى اللهفي الجنةالحديبيةأبو بصيرمسعر حربالمؤمناتالمشركينقبر يوسفقتل عمارالأحابيشقرة عينالسامريالأيمانميكائيلالتوراةالفرقانفتح مكةالقصواءاحتفرواالغاديةأبو بكريوم أحدالأنصاراللعانالغيرةالفراقالغيورأنضبوامقطعات
تخريج حديث فكره أن يقول في كتاب الله بغير علم
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








