أحاديث عن: هذا الفحل لا يقرع أنفه

📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة

✔ صحيح ◑ حسن ✘ ضعيف ⊘ موضوع ◔ غير محدد

21 نتيجة — لكلمة: هذا الفحل لا يقرع أنفه

قال عمرُو بنُ أسَدٍ محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ يخطُبُ خديجةَ بنتَ خويلدٍ هذا الفحلُ لا يُقرَعُ أنفُه
الراويمحمد بن يحيى بن عروة
المحدثالهيثمي
الصفحة أو الرقم9/222
خلاصة حكم المحدثفيه ابن زبالة وهو ضعيف
عن عروةَ : فلما أكثرَ المغيرةُ مما يقرعُ يدَه غضب وقال : ليتَ شعري من هذا الذي آذاني من بين أصحابك ؟ واللهِ لا أحسبُ فيكم ألْأَمَ منهُ ولا أشرَّ منزلةً . وفي روايةِ ابنِ إسحاقٍ : فتبسم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقال لهُ عروةُ : من هذا يا محمدُ ؟ قال : هذا ابن أخيك المغيرةُ بنُ شعبةَ
الراويالمسور بن مخرمة ومروان بن الحكم
المحدثابن حجر العسقلاني
الصفحة أو الرقم5/402
خلاصة حكم المحدثإسناده صحيح
كنْتُ عندَ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضِيَ اللهُ عنه فعُرِضَ عليه فَرَسٌ فقال رجلٌ احمِلْني على هذا فقال لَأَنْ أحمِلَ عليه غُلامًا قد ركِبَ الخيلَ على غِرَّتِه أحَبُّ إليَّ مِن أن أحمِلَك عليه فغضِب الرَّجلُ وقال أنا واللهِ خيرٌ منك ومِن أبيك فارسًا فغضِبْتُ حينَ قال ذلك لخليفةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُمْتُ إليه فأخَذْتُ برأسِه فسحَبْتُه على أنفِه فكأنَّما كان على أنفِه عَزْلاءُ مَزادةٍ فأرادتِ الأنصارُ أن يستَقيدوا منِّي فبلَغ ذلك أبا بكرٍ رضِيَ اللهُ عنه فقال إنَّ ناسًا يزعُمون أنِّي مُقيدُهم مِنَ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ ولَأَنْ أُخْرِجَهم مِن ديارِهم أقربُ مِن أن أُقيدَهم مِن وَزَعةِ اللهِ الَّذين يزعون عبادَ اللهِ
الراويالمغيرة بن شعبة
المحدثالهيثمي
الصفحة أو الرقم9/364
خلاصة حكم المحدثرجاله رجال الصحيح‏‏
حديث: الضَّحِكُ والفَرَحُ [يعني حديث: أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَالَ: يَضْحَكُ اللَّهُ إلى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أحَدُهُما الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ: يُقَاتِلُ هذا في سَبيلِ اللَّهِ، فيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ علَى القَاتِلِ، فيُسْتَشْهَدُ.] [وحديث: إنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأنَّهُ قاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخافُ أنْ يَقَعَ عليه، وإنَّ الفاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبابٍ مَرَّ علَى أنْفِهِ فقالَ به هَكَذا، قالَ أبو شِهابٍ: بيَدِهِ فَوْقَ أنْفِهِ. ثُمَّ قالَ: لَلَّهُ أفْرَحُ بتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وبِهِ مَهْلَكَةٌ ، ومعهُ راحِلَتُهُ ، عليها طَعامُهُ وشَرابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنامَ نَوْمَةً، فاسْتَيْقَظَ وقدْ ذَهَبَتْ راحِلَتُهُ ، حتَّى إذا اشْتَدَّ عليه الحَرُّ والعَطَشُ أوْ ما شاءَ اللَّهُ، قالَ: أرْجِعُ إلى مَكانِي، فَرَجَعَ فَنامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فإذا راحِلَتُهُ عِنْدَهُ.]
الراوي[أبو هريرة] [عبدالله بن مسعود]
المحدثابن العربي
الصفحة أو الرقم224
خلاصة حكم المحدثصحيح
«خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عامَ الحُدَيبيةِ يُريدُ زيارةَ البَيتِ، لا يُريدُ قِتالًا، وساقَ مَعَه الهَديَ سَبعينَ بَدَنةً، وكان النَّاسُ سَبعَ مِائةِ رَجُلٍ، فكانَت كُلُّ بَدَنةٍ عن عَشَرةٍ، قال: وخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا كان بعُسفانَ لَقيَه بشرُ بنُ سُفيانَ الكَعبيُّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، هذه قُرَيشٌ قد سَمِعَت بمَسيرِكَ، فخَرَجَت مَعَها العوذُ المَطافيلُ، قد لَبِسوا جُلودَ النُّمورِ، يُعاهِدونَ اللهَ أن لا تَدخُلَها عليهم عَنوةً أبَدًا، وهذا خالِدُ بنُ الوليدِ في خَيلِهم قَدِموا إلى كُراعِ الغَميمِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا وَيحَ قُرَيشٍ، لَقد أكَلَتهمُ الحَربُ، ماذا عليهم لَو خَلَّوا بَيني وبَينَ سائِرِ النَّاسِ، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهَرَني اللهُ عليهم دَخَلوا في الإسلامِ وهُم وافِرونَ، وإن لم يَفعَلوا قاتَلوا وبهم قوَّةٌ، فماذا تَظُنُّ قُرَيشٌ، واللهِ إنِّي لا أزالُ أُجاهِدُهم على الذي بَعَثَني اللهُ له حَتَّى يُظهرَه اللهُ له أو تَنفَرِدَ هذه السَّالِفةُ»، ثُمَّ أمَرَ النَّاسَ، فسَلَكوا ذاتَ اليَمينِ بَينَ ظَهرَيِ الحَمضِ على طَريقٍ تُخرِجُه على ثَنيَّةِ المُرارِ والحُدَيبيةِ مِن أسفَلِ مَكَّةَ، قال: فسَلَكَ بالجَيشِ تلك الطَّريقَ، فلَمَّا رَأت خَيلُ قُرَيشٍ قَترةَ الجَيشِ قد خالَفوا عن طَريقِهم، نَكَصوا راجِعينَ إلى قُرَيشٍ، فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا سَلَكَ ثَنيَّةَ المُرارِ بَرَكَت ناقَتُه، فقال النَّاسُ: خَلَأت. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ما خَلَأت، وما هو لها بخُلُقٍ، ولَكِن حَبَسَها حابِسُ الفيلِ عن مَكَّةَ، واللهِ لا تَدعوني قُرَيشٌ اليَومَ إلى خُطَّةٍ يَسألوني فيها صِلةَ الرَّحِمِ إلَّا أعطَيتُهم إيَّاها» ثُمَّ قال للنَّاسِ: «انزِلوا» فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، ما بالوادي مِن ماءٍ يَنزِلُ عليه النَّاسُ. فأخرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَهمًا مِن كِنانَتِه، فأعطاه رَجُلًا مِن أصحابِه، فنَزَلَ في قَليبٍ مِن تلك القُلُبِ، فغَرَزَه فيه، فجاشَ الماءُ بالرِّواءِ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ عنه بعَطَنٍ، فلَمَّا اطمَأنَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا بُدَيلُ بنُ ورقاءَ في رِجالٍ مِن خُزاعةَ، فقال لهم كَقَولِه لبَشيرِ بنِ سُفيانَ، فرَجَعوا إلى قُرَيشٍ فقالوا: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنَّكُم تَعجَلونَ على مُحَمَّدٍ، وإنَّ مُحَمَّدًا لم يَأتِ لقِتالٍ، إنَّما جاءَ زائِرًا لهذا البَيتِ، مُعَظِّمًا لحَقِّه. فاتَّهَموهُم. قال مُحَمَّدٌ يَعني ابنَ إسحاقَ: قال الزُّهريُّ: وكانَت خُزاعةُ في عَيبةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُسلِمُها ومُشرِكُها، لا يُخفونَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيئًا كان بمَكَّةَ، قالوا: وإن كان إنَّما جاءَ لذلك، فلا واللهِ لا يَدخُلُها أبَدًا علينا عَنوةً، ولا تَتَحَدَّثُ بذلك العَرَبُ. ثُمَّ بَعَثوا إليه مِكرَزَ بنَ حَفصِ بنِ الأخيَفِ، أحَدَ بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، فلَمَّا رَآهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: «هذا رَجُلٌ غادِرٌ». فلَمَّا انتَهى إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَلَّمَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بنَحوٍ مِمَّا كَلَّمَ به أصحابَه، ثُمَّ رَجَعَ إلى قُرَيشٍ، فأخبَرَهم بما قال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فبَعَثوا إليه الحِلْسَ بنَ عَلقَمةَ الكِنانيَّ، وهو يَومَئِذٍ سَيِّدُ الأحابِشِ، فلَمَّا رَآهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «هذا مِن قَومٍ يَتَألَّهونَ، فابعَثوا الهَديَ في وَجههِ». فبَعَثوا الهَديَ، فلَمَّا رَأى الهَديَ يَسيلُ عليه مِن عُرضِ الوادي في قَلائِدِه، قد أُكِلَ أوبارُه مِن طولِ الحَبسِ عن مَحِلِّه، رَجَعَ، ولَم يَصِلْ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إعظامًا لما رَأى، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، قد رَأيتُ ما لا يَحِلُّ صَدُّه: الهَديَ في قَلائِدِه قد أُكِلَ أوبارُه مِن طولِ الحَبسِ عن مَحِلِّه. فقالوا: اجلِسْ، إنَّما أنتَ أعرابيٌّ لا عِلمَ لَكَ، فبَعَثوا إليه عُروةَ بنَ مَسعودٍ الثَّقَفيَّ، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنِّي قد رَأيتُ ما يَلقى مِنكُم مَن تَبعَثونَ إلى مُحَمَّدٍ إذا جاءَكُم، مِنَ التَّعنيفِ وسوءِ اللَّفظِ، وقد عَرَفتُم أنَّكُم والِدٌ وأنِّي ولَدٌ، وقد سَمِعتُ بالذي نابَكُم، فجَمَعتُ مَن أطاعَني مِن قَومي، ثُمَّ جِئتُ حَتَّى آسَيتُكُم بنَفسي. قالوا: صَدَقتَ، ما أنتَ عِندَنا بمُتَّهَمٍ. فخَرَجَ حَتَّى أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجَلَسَ بَينَ يَدَيه، فقال: يا مُحَمَّدُ، جَمَعتَ أوباشَ النَّاسِ، ثُمَّ جِئتَ بهم لبَيضَتِكَ لتَفُضَّها، إنَّها قُرَيشٌ قد خَرَجَت مَعَها العُوذُ المَطافيلُ، قد لَبِسوا جُلودَ النُّمورِ، يُعاهِدونَ اللهَ أن لا تَدخُلَها عليهم عَنوةً أبَدًا، وأيمُ اللهِ لَكَأنِّي بهؤلاء قدِ انكَشَفوا عنكَ غَدًا. قال: وأبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ خَلفَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قاعِدٌ، فقال: امصُصْ بَظرَ اللَّاتِ، أنَحنُ نَنكَشِفُ عنه؟! قال: مَن هذا يا مُحَمَّدُ؟ قال: «هذا ابنُ أبي قُحافةَ» قال: واللهِ لَولا يَدٌ كانَت لَكَ عِندي لَكافَأتُكَ بها، ولَكِن هذه بها. ثُمَّ تَناولَ لحيةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمُغيرةُ بنُ شُعبةَ واقِفٌ على رَأسِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الحَديدِ، قال: يَقرَعُ يَدَه، ثُمَّ قال: أمسِكْ يَدَكَ عن لحيةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ واللهِ لا تَصِلُ إليكَ. قال: ويحَكَ، ما أفظَّكَ وأغلَظَكَ! قال: فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: مَن هذا يا مُحَمَّدُ؟ قال: «هذا ابنُ أخيكَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ» قال: أَغُدَرُ! هَل غَسَلتُ سَوأتَكَ إلَّا بالأمسِ؟! قال: فكَلَّمَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمِثلِ ما كَلَّمَ به أصحابَه، فأخبَرَه أنَّه لم يَأتِ يُريدُ حَربًا. قال: فقامَ مِن عِندِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقد رَأى ما يَصنَعُ به أصحابُه، لا يَتَوضَّأُ وُضوءًا إلَّا ابتَدَروهُ، ولا يَبسُقُ بُساقًا إلَّا ابتَدَروهُ، ولا يَسقُطُ مِن شَعرِه شَيءٌ إلَّا أخَذوهُ، فرَجَعَ إلى قُرَيشٍ، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنِّي جِئتُ كِسرى في مُلكِه، وجِئتُ قَيصَرَ والنَّجاشيَّ في مُلكِهما، واللهِ ما رَأيتُ مَلِكًا قَطُّ مِثلَ مُحَمَّدٍ في أصحابِه، ولَقد رَأيتُ قَومًا لا يُسلِمونَه لشَيءٍ أبَدًا، فرُوا رَأيَكُم. قال: وقد كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ ذلك بَعَثَ خِراشَ بنَ أُمَيَّةَ الخُزاعيَّ إلى مَكَّةَ، وحَمَلَه على جَمَلٍ له يُقالُ له: الثَّعلَبُ، فلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ عَقَرَت به قُرَيشٌ، وأرادوا قَتلَ خِراشٍ، فمَنَعَهمُ الأحابِشُ حَتَّى أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدَعا عُمَرَ ليَبعَثَه إلى مَكَّةَ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أخافُ قُرَيشًا على نَفسي، وليس بها مِن بَني عَديٍّ أحَدٌ يَمنَعُني، وقد عَرَفَت قُرَيشٌ عَداوتي إيَّاها، وغِلظَتي عليها، ولَكِن أدُلُّكَ على رَجُلٍ هو أعَزُّ مِنِّي: عُثمانَ بنِ عَفَّانَ. قال: فدَعاه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبَعَثَه إلى قُرَيشٍ يُخبِرُهم أنَّه لم يَأتِ لحَربٍ، وأنَّه جاءَ زائِرًا لهذا البَيتِ، مُعَظِّمًا لحُرمَتِه، فخَرَجَ عُثمانُ حَتَّى أتى مَكَّةَ، ولَقيَه أبانُ بنُ سَعيدِ بنِ العاصِ، فنَزَلَ عن دابَّتِه وحَمَلَه بَينَ يَدَيه، ورَدِفَ خَلفَه، وأجارَه حَتَّى بَلَّغَ رِسالةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فانطَلَقَ عُثمانُ حَتَّى أتى أبا سُفيانَ وعُظَماءَ قُرَيشٍ، فبَلَّغَهم عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أرسَلَه به، فقالوا لعُثمانَ: إن شِئتَ أن تَطوفَ بالبَيتِ فطُفْ به. فقال: ما كُنتُ لأفعَلَ حَتَّى يَطوفَ به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فاحتَبَسَته قُرَيشٌ عِندَها، فبَلَغَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُسلِمينَ أنَّ عُثمانَ قد قُتِلَ. قال مُحَمَّدٌ: فحَدَّثَني الزُّهريُّ: أنَّ قُرَيشًا بَعَثوا سُهَيلَ بنَ عَمرٍو، أحَدَ بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، فقالوا: ائتِ مُحَمَّدًا فصالِحْه، ولا يَكونُ في صُلحِه إلَّا أن يَرجِعَ عنَّا عامَه هذا، فواللهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّه دَخَلَها علينا عَنوةً أبَدًا، فأتاه سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، فلَمَّا رَآهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «قد أرادَ القَومُ الصُّلحَ حينَ بَعَثوا هذا الرَّجُلَ»، فلَمَّا انتَهى إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَكَلَّما، وأطالا الكَلامَ، وتَراجَعا حَتَّى جَرى بَينَهما الصُّلحُ، فلَمَّا التَأمَ الأمرُ ولَم يَبقَ إلَّا الكِتابُ وثَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فأتى أبا بَكرٍ، فقال: يا أبا بَكرٍ، أوَليس برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ أولَسنا بالمُسلِمينَ؟ أولَيسوا بالمُشرِكينَ؟ قال: بَلى. قال: فعَلامَ نُعطي الذِّلَّةَ في دينِنا. فقال أبو بَكرٍ: يا عُمَرُ، الزَمْ غَرزَه حَيثُ كان، فإنِّي أشهَدُ أنَّه رَسولُ اللهِ. قال عُمَرُ: وأنا أشهَدُ، ثُمَّ أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أولَسنا بالمُسلِمينَ؟ أولَيسوا بالمُشرِكينَ؟ قال: «بَلى»، قال: فعَلامَ نُعطي الذِّلَّةَ في دينِنا؟ فقال: «أنا عَبدُ اللهِ ورَسولُه، لَن أُخالِفَ أمرَه، ولَن يُضَيِّعَني» ثُمَّ قال عُمَرُ: ما زِلتُ أصومُ وأتَصَدَّقُ وأُصَلِّي وأُعتِقُ مِنَ الذي صَنَعتُ؛ مَخافةَ كَلامي الذي تَكَلَّمتُ به يَومَئِذٍ حَتَّى رَجَوتُ أن يَكونَ خَيرًا، قال: ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اكتُبْ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ» فقال سُهَيلُ بنُ عَمرٍو: لا أعرِفُ هذا، ولَكِنِ اكتُبْ: باسمِكَ اللهُمَّ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اكتُبْ: باسمِكَ اللهُمَّ، هذا ما صالَحَ عليه مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو» فقال سُهَيلُ بنُ عَمرٍو: لَو شَهِدتُ أنَّكَ رَسولُ اللهِ لم أُقاتِلْك، ولَكِنِ اكتُبْ: هذا ما اصطَلَحَ عليه مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ وسُهَيلُ بنُ عَمرٍو على وضعِ الحَربِ عَشرَ سِنينَ، يَأمَنُ فيها النَّاسُ، ويَكُفُّ بَعضُهم عن بَعضٍ، على أنَّه مَن أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أصحابِه بغَيرِ إذنِ وليِّه رَدَّه عليهم، ومَن أتى قُرَيشًا مِمَّن مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَرُدُّوهُ عليه، وإنَّ بَينَنا عَيبةً مَكفوفةً، وإنَّه لا إسلالَ ولا إغلالَ. وكان في شَرطِهم حينَ كَتَبوا الكِتابَ أنَّه مَن أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقدِ مُحَمَّدٍ وعَهدِه دَخَلَ فيه، ومَن أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقدِ قُرَيشٍ وعَهدِهم دَخَلَ فيه، فتَواثَبَت خُزاعةُ فقالوا: نَحنُ مَعَ عَقدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعَهدِه، وتَواثَبَت بَنو بَكرٍ، فقالوا: نَحنُ في عَقدِ قُرَيشٍ وعَهدِهم. وأنَّكَ تَرجِعُ عنَّا عامَنا هذا، فلا تَدخُلْ علينا مَكَّةَ، وأنَّه إذا كان عامُ قابِلٍ خَرَجنا عنكَ، فتَدخُلُها بأصحابِكَ، وأقَمتَ فيهم ثَلاثًا مَعَكَ سِلاحُ الرَّاكِبِ، لا تَدخُلها بغَيرِ السُّيوفِ في القُرُبِ. فبَينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَكتُبُ الكِتابَ إذ جاءَه أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو في الحَديدِ قدِ انفَلَتَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: وقد كان أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَرَجوا وهُم لا يَشُكُّونَ في الفَتحِ لرُؤيا رَآها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا رَأوا ما رَأوا مِنَ الصُّلحِ والرُّجوعِ، وما تَحَمَّلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على نَفسِه، دَخَلَ النَّاسَ مِن ذلك أمرٌ عَظيمٌ حَتَّى كادوا أن يَهلِكوا، فلَمَّا رَأى سُهَيلٌ أبا جَندَلٍ، قامَ إليه، فضَرَبَ وجهَه، ثُمَّ قال: يا مُحَمَّدُ، قد لَجَّتِ القَضيَّةُ بَيني وبَينَكَ قَبلَ أن يَأتيَكَ هذا. قال: «صَدَقتَ». فقامَ إليه، فأخَذَ بتَلبيبِه، قال: وصَرَخَ أبو جَندَلٍ بأعلى صَوتِه: يا مَعاشِرَ المُسلِمينَ، أتَرُدُّونَني إلى أهلِ الشِّركِ، فيَفتِنوني في ديني. قال: فزادَ النَّاسُ شَرًّا إلى ما بهم. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا أبا جَندَلٍ اصبِرْ واحتَسِبْ؛ فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ جاعِلٌ لَكَ ولمَن مَعَكَ مِنَ المُستَضعَفينَ فرَجًا ومَخرَجًا، إنَّا قد عَقدنا بَينَنا وبَينَ القَومِ صُلحًا، فأعطَيناهُم على ذلك، وأعطَونا عليه عَهدًا، وإنَّا لَن نَغدِرَ بهم». قال: فوثَبَ إليه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مَعَ أبي جَندَلٍ، فجَعَلَ يَمشي إلى جَنبِه وهو يَقولُ: اصبِرْ أبا جَندَلٍ؛ فإنَّما هُمُ المُشرِكونَ، وإنَّما دَمُ أحَدِهم دَمُ كَلبٍ. قال: ويُدني قائِمَ السَّيفِ مِنه. قال: يَقولُ: رَجَوتُ أن يَأخُذَ السَّيفَ، فيَضرِبَ به أباه. قال: فضَنَّ الرَّجُلُ بأبيه، ونَفَذَتِ القَضيَّةُ، فلَمَّا فرَغا مِنَ الكِتابِ، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي في الحَرَمِ وهو مُضطَرِبٌ في الحِلِّ. قال: فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: «يا أيُّها النَّاسُ، انحَروا واحلِقوا» قال: فما قامَ أحَدٌ، قال: ثُمَّ عادَ بمِثلِها، فما قامَ رَجُلٌ، حَتَّى عادَ بمِثلِها، فما قامَ رَجُلٌ، فرَجَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدَخَلَ على أُمِّ سَلَمةَ، فقال: «يا أُمَّ سَلَمةَ، ما شَأنُ النَّاسِ؟» قالت: يا رَسولَ اللهِ، قد دَخَلَهم ما قد رَأيتَ، فلا تُكَلِّمَنَّ مِنهم إنسانًا، واعمِدْ إلى هَديِكَ حَيثُ كان فانحَرْه واحلِقْ، فلَو قد فعَلتَ ذلك فعَلَ النَّاسُ ذلك. فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يُكَلِّمُ أحَدًا حَتَّى أتى هَديَه فنَحَرَه، ثُمَّ جَلَسَ فحَلَقَ، فقامَ النَّاسُ يَنحَرونَ ويَحلِقونَ. قال: حَتَّى إذا كان بَينَ مَكَّةَ والمَدينةِ في وسَطِ الطَّريقِ، فنَزَلَت سورةُ الفَتحِ
الراويالمسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم
المحدثشعيب الأرناؤوط
الصفحة أو الرقم18910
خلاصة حكم المحدثإسناده حسن
بيْنما النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بفِناءِ الكَعبَةِ، إذ نزَلَ عليه جِبريلُ، فقال: يا مُحمَّدُ، إنَّه سيَخرُجُ في أُمَّتِك رَجُلٌ يُشفَّعُ، فيُشفِّعُه اللهُ في عَدَدِ رَبيعةَ ومُضَرَ، فإنْ أدرَكتَه، فاسْأَلْه الشَّفاعَةَ لأُمَّتِك، فقال: يا جِبريلُ، ما اسمُه؟ وما صِفَتُه؟ قال: أمَّا اسمُه فأُوَيسٌ، وأمَّا صِفَتُه وقَبيلَتُه، فمِن اليَمَنِ مِن مُرادٍ، وهو رَجُلٌ أصهَبُ مَقرونُ الحاجبَينِ، أدعَجُ العَينَينِ، بكَفِّه اليُسرى وَضَحٌ أبيضُ، فلم يَزَلِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَطلُبُه، فلم يَقدِرْ عليه، فلمَّا احتُضِرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أوصى أبا بَكرٍ وأخبَرَه بما قال له جِبريلُ في أُوَيسٍ القَرْنيِّ: فإنْ أنتَ أدرَكتَه، فاسْأَلْه الشَّفاعَةَ لك ولأُمَّتي، فلم يَزَلْ أبو بَكرٍ يَطلُبُه فلم يَقدِرْ عليه، فلمَّا احتُضِرَ أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ أوصى به عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، وأخبَرَه بما قال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال: يا عُمَرُ إنْ أنتَ أدرَكتَه، فاسْأَلْه الشَّفاعَةَ لي ولأُمَّةِ رسولِ اللهِ، فلم يَزَلْ عُمَرُ يَطلُبُه حتى كان آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّها عُمَرُ وعلِيُّ بنُ أبي طالبٍ، فأَتَيا رِفاقَ اليَمَنِ، فنادَى عُمَرُ بأعلى صَوتِه: يا مَعشَرَ النَّاسِ، هل فيكم أُوَيسٌ القَرْنيُّ؟ أعاد مرَّتينِ، فقامَ شَيخٌ مِن أقصى الرِّفاقِ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ نَعَمْ، هو ابنُ أخٍ لي، هو أخمَلُ أمْرًا وأهوَنُ ذِكرًا مِن أنْ يَسأَلَ مِثلُك عن مِثلِه، فأطرَقَ عُمَرُ طَويلًا حتى أنَّ الشَّيخَ ظَنَّ أنَّه ليس مِن شَأنِه ابنُ أخيهِ، قال عُمَرُ: أيُّها الشَّيخُ، ابنُ أخيكَ في حَرَمِنا هذا؟ قال الشَّيخُ: هو في وادي +أراك عَرَفاتٍ، فرَكِبَ عُمَرُ وعلِيٌّ حتى أتَيَا وادي أراك عَرَفاتٍ، فإذا هما برَجُلٍ كما وَصَفَه جِبريلُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ أصهَبُ، مَقرونُ الحاجِبَينِ، أدعَجُ العَينَينِ، رامٍ بذَقَنِه على صَدْرِه، شاخِصٌ ببَصَرِه نَحوَ مَوضِعِ سُجودِه، قائِمٌ يُصلِّي وهو يَتلو القُرآنَ، فدَنَيَا منه، فقالا له -وقد فَرَغَ-: السَّلامُ عليكَ ورَحمَةُ اللهِ، قال: أنبَأَنا عبدُ اللهِ بنُ عَبدِ اللهِ، فقال له علِيٌّ: قد عَلِمْنا أنَّ أهلَ السَّمواتِ وأهلَ الأرضِ كُلَّهم عَبيدُ اللهِ، قال: أنا راعي الإبِلِ وأجيرُ القَومِ، فقال له علِيٌّ: لسنا عن هذا سأَلْناك مِن رَعْيِك وإجارَتِك، إنَّما نَسأَلُك بحَقِّ حَرَمِنا هذا إلَّا أخبَرْتَنا باسْمِكَ الذي سمَّاك به أبوك، قال: أنا أُوَيسٌ القَرْنيُّ، فقال له علِيٌّ: يا أُوَيسُ، إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذَكَرَ أنَّ بكَفِّكَ اليُسرى وَضحًا أبيضَ، فأوضِحْ لنا فيه، فإذا هما إيَّاه، فأقبَلَ علِيٌّ وعُمَرُ يُقبِّلانِه، فقال عليٌّ: يا أُوَيسُ، إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذَكَرَ أنَّك سيِّدُ التَّابعينَ، وأنَّك تُشفَّعُ يُشفِّعُك اللهُ في عَدَدِ رَبيعةَ ومُضَرَ، فقال لهما أُوَيسٌ: فعَسَى أنْ يكونَ ذلك غيري، قال له عليٌّ: قد أيقَنَّا أنَّك أنتَ هو حقًّا يَقينًا، فرفَعَ يَدَه إلى السَّماءِ ثم قال: اللَّهُمَّ إنَّ هَذينِ ابنا عمِّي، بحَياتي عليك فاغْفِرْ لهما وللمُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ، والمُسلِمينَ والمُسلِماتِ، الأحياءِ منهم والأمواتِ. ثم إنَّ عُمَرَ قال له: أين الميعادُ بيني وبينَك، إنِّي أراك رَثَّ الحالِ؛ حتى آتِيَك بكِسوَةٍ ونَفَقةٍ مِن رِزقي؟ فقال له أُوَيسٌ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ، إنَّ بيْني وبينَك عَقَبةً كَؤودًا، لا يُجاوِزُها إلَّا كُلُّ ضامِرٍ عَطشانَ مَهزولٍ، ما تَرى يا عُمَرُ أنَّ عليَّ طِمرَينِ مِن صُوفٍ، ونَعلَينِ مَخصوفَتَينِ، ولي نَفَقةٌ، ولي على القَومِ حِسابٌ، قال: فإلى متى آكُلُ هذا؟ وإلى متى يَبْلى هذا؟ فأخرَجَ عُمَرُ الدِّرَّةَ مِن كُمِّه، ثم نادَى: يا مَعشَرَ النَّاسِ، مَن يأخُذُ الخِلافَةَ بما فيها؟ فقال أُوَيسٌ: مَن جَدَعَ اللهُ أنْفَه يا أميرَ المُؤمِنينَ، فقال له عُمَرُ: واللهِ ما نَكَّبتُ مِصرًا، ولا ظَلَمتُ فيه ذِمِّيًّا، ولا أَكَلتُ منها حِمى أرضٍ، قال أُوَيسٌ: جزاكَ اللهُ خيرًا يا عُمَرُ عن هذه الأُمَّةِ، وأنتَ يا عليُّ، فجزاكَ اللهُ خيرًا عن هذه الأُمَّةِ، فتَعيشانِ حَميدينِ، وتَموتانِ سَعيدينِ. فقالا له: أوْصِنا يَرحَمُك اللهُ، فقال: أُوصيكما بتَقْوى اللهِ، والعَمَلِ بطاعَتِه، والصَّبرِ على ما أصابَكما؛ فإنَّ ذلك مِن عَزمِ الأُمورِ، وأُوصيكما أنْ تَلْقَيَا هَرِمَ بنَ حَيَّانَ فتُقرِآه منِّي السَّلامَ، وخَبِّراه إنِّي أرجو أنْ يكونَ رَفيقي في الجَنَّةِ، قال: فوَدَّعاه، فلم يَزَلْ عُمَرُ وعليٌّ يَطلُبانِ هَرِمَ بنَ حَيَّانَ، فبينَما هما مارَّانِ في مَسجِدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا هما بهَرِمِ بنِ حَيَّانَ قائِمٍ يُصلِّي، فانتَظَراه، فلمَّا انصَرَفَ سَلَّمَا عليه، فرَدَّ عليهما السَّلامَ، ثم قال لهما: مِن أين جِئتُما؟ قالا: جِئنا مِن عندِ أُوَيسٍ القَرْنيِّ، وهو يُقرِئُك السَّلامَ، ويقولُ لك: إنِّي أرجو أنْ تكونَ رفيقي في الجَنَّة. فلم يَزَلْ هَرِمُ بنُ حَيَّانَ في طَلَبِ أُوَيسٍ، فبينَما هو بالكُوفَةِ مارٌّ على شاطِئِ الفُراتِ إذا هو برَجُلٍ أصهَبَ، مَقرونِ الحاجِبَينِ، أدعَجَ العَينَينِ، يَغسِلُ طِمرَينِ له مِن صُوفٍ، فدَنا منه هَرِمُ بنُ حَيَّانَ، فقال: السَّلامُ عليك يا أُوَيسُ، فأجابَه بمِثلِ ذلك مِن السَّلامِ، وقال له: يا هَرِمَ بنَ حَيَّانَ، قال له هَرِمٌ: كيف الزَّمانُ عليك؟ قال له أُوَيسٌ: كيف الزَّمانُ على رَجُلٍ إذا أصبَحَ يقولُ: لا أُمسي، ويُمسي يقولُ: لا أُصبِحُ؟ يا أخا مُرادٍ، إنَّ المَوتَ وذِكرَه لم يَترُكا لأحَدٍ فَرَحًا، وإنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المُنكَرِ لم يَترُكا للمُؤمِنِ صَديقًا، فقال له هَرِمٌ: يا أُوَيسُ، أنا مُعرِّفُك، فإنَّ عُمَرَ وعَليًّا وَصَفاك لي فعَرَفتُك بصِفَتِهما، فأنتَ مِن أين عَرَفتَني؟ قال له أُوَيسٌ: إنَّ الأرواحَ جُنودٌ مُجنَّدَةٌ، فما تَعارَفَ منها في اللهِ ائتَلَفَ، وما تَناكَرَ في اللهِ اختَلَفَ، قال له أُوَيسٌ: يا هَرِمُ، اتْلُ علَيَّ آياتٍ مِن كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فتَلا عليه هذه الآيةَ: {مَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء: 16]، فخَرَّ أُوَيسٌ مَغشيًّا عليه، فلمَّا أفاقَ قال له: إنِّي أريدُ أصحَبُك وأكونُ معك، فقال له أُوَيسٌ: لا يا هَرِمُ، ولكن إذا مُتُّ لا يُكفِّنُني أحَدٌ حتى تأتيَ أنتَ فتُكَفِّنَني وتَدفِنَني. ثم إنَّهما افتَرَقا، ولم يَزَلْ هَرِمُ بنُ حَيَّانَ في طَلَبِ أُوَيسٍ حتى دَخَلَ مَدينةً مِن مَدائِنِ الشَّامِ يُقالُ لها: دِمَشقُ، فإذا هو برَجُلٍ مَلفوفٍ في عَباءَةٍ له، مُلقًى في صَحنِ المَسجِدِ، فدَنا منه فكَشَفَ العَباءَةَ عن وَجْهِه، فإذا هو أُوَيسٌ قد تُوفِّيَ، فوَضَعَ يَدَه على أُمِّ رَأسِه، ثم قال: وا أخاهُ! هذا أُوَيسٌ القَرْنيُّ مات ضائِعًا، فقال له: مَن أنتَ يا عبدَ اللهِ؟ ومَن هذا؟ فقال: أمَّا أنا فهَرِمُ بنُ حَيَّانَ المُراديُّ، وأمَّا هذا فأُوَيسٌ القَرْنيُّ وَليُّ اللهِ، قالوا: فإنَّا قد جَمَعْنا له ثَوبَينِ نُكفِّنُه فيهما، فقال لهم هَرِمٌ: ما له بثَمَنِ ثَوبِكم حاجَةٌ، ولكنْ يُكفِّنُه هَرِمُ بنُ حَيَّانَ المُراديُّ مِن مالِه، فضَرَبَ هَرِمٌ بيَدِه إلى مِردَةِ أُوَيسٍ القَرْنيِّ، فإذا هو بثَوبَينِ لم يكُنْ له بهما عَهدٌ عندَ رَأسِ أُوَيسٍ، على أحَدِهما مَكتوبٌ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، بَراءَةٌ مِن الرحمنِ الرحيمِ لأُوَيسٍ القَرْنيِّ مِن النَّارِ، وعلى الآخَرِ مَكتوبٌ: هذا كَفَنٌ لأُوَيسٍ القَرْنيِّ مِن الجَنَّةِ
الراويأبو هريرة
المحدثالسيوطي
الصفحة أو الرقم1/448
خلاصة حكم المحدثإسناده لا بأس به وله طرق عديدة
كُنتُ أرعى غَنَمًا لِعُقبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ، فمَرَّ بي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، وأبو بَكرٍ، فقالَ: يا غُلامُ، هل مِن لَبَنٍ؟ قال: قُلتُ: نَعَمْ، ولكِنِّي مُؤتَمَنٌ. قال: فهل مِن شاةٍ لم يَنزُ عليها الفَحلُ. فأتَيتُه بشاةٍ، فمَسَحَ ضَرعَها، فنَزَلَ لَبَنٌ، فحَلَبَه في إناءٍ، فشَرِبَ وسَقى أبا بَكرٍ، ثم قال لِلضَّرعِ: اقلُصْ. فقَلَصَ، قال: ثم أتَيتُه بَعدَ هذا فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، عَلِّمْني مِن هذا القَولِ. قال: فمَسَحَ رَأسي وقال: يَرحَمُكَ اللهُ؛ فإنَّكَ غُلَيِّمٌ مُعَلَّمٌ. ثم قال الإمامُ أحمَدُ -رَحِمَه اللهُ- ثَنا عَفَّانُ ثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ عن عاصِمٍ بإسنادِه. قال: فأتاه أبو بَكرٍ بصَخرةٍ مَنقورةٍ فاحتَلَبَ فيها فشَرِبَ وشَرِبَ أبو بَكرٍ وشَرِبتُ، قال: ثم أتَيتُه بَعدَ ذلك قُلتُ: عَلِّمْني مِن هذا القُرآنِ. قال: إنَّكَ غُلامٌ مُعَلَّمٌ. قال فأخَذتُ مِن فيه سَبعينَ سُورةً
الراويعبدالله بن مسعود
المحدثالوادعي
الصفحة أو الرقم130
خلاصة حكم المحدثحسن
إنَّ كلَّ نَبِيٍّ قد أنذَرَ قَومَه الدَّجَّالَ، ألَا وإنَّه قد أكَلَ الطَّعامَ، ألَا إنِّي عاهِدٌ إليكم فيه عهْدًا لم يَعهَدْهُ نَبِيٌّ إلى أُمَّتِه، ألَا وإنَّ عَينَهُ اليُمْنى مَمسوحةٌ كأنَّها نُخاعةٌ في جانبِ حائطٍ، ألَا وإنَّ عينَهُ اليُسرى كأنَّها كوكبٌ دُرِّيٌّ، معه مِثْلُ الجنَّةِ والنَّارِ؛ فالنَّارُ رَوضةٌ خضراءُ، والجنَّةُ غَبراءُ ذاتُ دُخَانٍ، وبيْن يَدَيه رجُلانِ يُنذِرانِ أهْلَ القُرى كلِّها، غيرَ مكَّةَ والمدينةِ حُرِّمَتا عليه، والمُؤمنونَ مُتفرِّقونَ في الأرضِ، فيَجمَعُهم اللهُ، فيقولُ رجُلٌ منهم: واللهِ لَأنطلِقَنَّ، فلَأنْظُرَنَّ هذا الَّذي أنذَرَناهُ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فيقولُ له أصحابُه: إنَّا لا نَدَعُك تأْتيهِ، ولو علِمْنا أنَّه لا يَفتِنُك لَخلَّيْنا سبيلَك، ولكنَّا نخافُ أنْ يَفتِنَك فتَتْبَعَهُ، فيأْبى إلَّا أنْ يأْتِيَهُ، فيَنطلِقُ حتَّى إذا أتى أدْنى مَسْلحةٍ مِن مَسالحِهِ، أخَذوهُ فسَألوهُ: ما شأْنُه؟ وأين يُريدُ؟ فيقولُ: أُرِيدُ الدَّجَّالَ الكذَّابَ، فيقولونَ: أنت تقولُ ذلك؟! فيكتُبونَ إليه: إنَّا أخذْنَا رجُلًا يقولُ: كذا وكذا، فنَقتلُهُ أمْ نَبعَثُ به إليك؟ فيقولُ: أرْسِلوا به إليَّ، فانطَلَقوا به إليه، فلمَّا رآهُ عرَفَه بنَعْتِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال له: أنت الدَّجَّالُ الكذَّابُ الَّذي أنذَرَناهُ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال له الدَّجَّالُ: أنت الَّذي تقولُ ذلك؟ لَتُطِيعُني فيما آمُرُك به، أو لَأشُقَّنَّك شِقَّينِ، فيُنادي العبْدُ المُؤمِنُ في النَّاسِ: يا أيُّها النَّاسُ، هذا المسيحُ الكذَّابُ، فأمَرَ به، فمَدَّ رِجْلَيه، ثمَّ أمَرَ بحَديدةٍ، فوُضِعَت على عجَبِ ذَنَبِه، فشَقَّه شِقَّينِ، ثمَّ قال الدَّجَّالُ لِأوليائِه: أرأيتُمْ إنْ أحيَيْتُ هذا، ألسْتُم تَعلمونَ أنِّي ربُّكم؟ فيقولونَ: نعمْ، فيأخُذُ عصًا، فيَضرِبُ إحدى شِقَّيْه، أو الصَّعيدَ، فاسْتَوى قائمًا، فلمَّا رأى ذلك أولياؤُهُ صَدَّقوه وأحَبُّوه، وأيْقَنوا به أنَّه ربُّهم واتَّبَعوه، فيقولُ الدَّجَّالُ للعبْدِ المُؤمنِ: ألَا تُؤمِنُ بي؟ فقال: أنا الآنَ فيكَ أشَدُّ بصيرةً، ثمَّ نادى في النَّاسِ: يا أيُّها النَّاسُ، هذا المسيحُ الكذَّابُ، مَن أطاعَهُ فهو في النَّارِ، ومَن عصاهُ فهو في الجنَّةِ، فقال الدَّجَّالُ: لَتُطِيعُني أو لَأذبحَنَّك، فقال: واللهِ لا أُطِيعُك أبدًا؛ إنَّك لأنتَ الكذَّابُ، فأمَرَ به، فاضْطجعَ، وأمَرَ بذَبْحِه، فلا يَقدِرُ عليه ولا يُسلَّطُ عليه إلَّا مرَّةً واحدةً، فأخَذَ بيَدَيْهِ ورِجْليه، فأُلْقِيَ في النَّارِ، وهي غَبراءُ ذاتُ دُخَانٍ، فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ذلك الرَّجلُ أقرَبُ أُمَّتي مِنِّي، وأرفَعُهم دَرجةً يومَ القيامةِ. قال أبو سعيدٍ: كان يَحسَبُ أصحابُ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ ذلك الرَّجلَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ، حتَّى مَضى لِسَبيلِه رضِيَ اللهُ عنه. قلْتُ: فكيف يَهلِكُ؟ قال: اللهُ أعلَمُ، قلْتُ: إنَّ عيسى ابنَ مَريمَ هو يُهلِكُه، قال: اللهُ أعلَمُ، غيرَ أنَّ اللهَ يُهلِكُه ومَن معه، قلْتُ: فماذا يكونُ بعْدَه؟ قال: حدَّثَنا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ النَّاسَ يَغرِسونَ مِن بعْدِه الغُروسَ، ويتَّخِذون مِن بعْدِه الأموالَ، قلْتُ: سُبحانَ اللهِ! أبعْدَ الدَّجَّالِ؟ قال: نعمْ، فيَمكُثونَ ما شاء اللهُ أنْ يَمْكُثوا، ثمَّ يُفْتَحُ يأْجوجُ ومأْجوجُ، فيُهلِكونَ مَن في الأرضِ إلَّا مَن تعلَّقَ بحِصْنٍ، فلمَّا فَرَغوا مِن أهْلِ الأرضِ، أقبَلَ بعضُهم على بعضٍ، فقالوا: إنَّما بقِيَ مَن في الحُصونِ ومَن في السَّماءِ، فيَرْمُونَ سِهامَهم، فخرَّتْ عليهم مُنغمِرةً دمًا، فقالوا: قدِ استرحتُمْ ممَّن في السَّماءِ، وبقِيَ مَن في الحُصونِ، فحاصَروهم حتَّى اشتَدَّ عليهم الحَصْرُ والبلاءُ، فبيْنما هم كذلك إذ أرسَلَ اللهُ عليهم نَغَفًا في أعناقِهم، فقصَمَتْ أعناقَهم، فمال بعضُهم على بعضٍ مَوتى، فقال رجُلٌ منهم: قتَلَهم اللهُ وربِّ الكعبةِ، قالوا: إنَّما يَفعلونَ هذا مُخادَعةً، فنَخرُجُ إليهم، فيُهلِكُونا كما أهْلَكوا إخوانَنا، فقال: افتَحوا لي البابَ، فقال أصحابُه: لا نَفتَحُ، فقال: دَلُّوني بحَبْلِ، فلمَّا نزَلَ وجَدَهم موتَى، فخرَجَ النَّاسُ مِن حُصونِهم. فحَدَّثني أبو سَعيدٍ: أنَّ مَواشِيَهم جعَلَ اللهُ لهم حياةً يَقْضَمونها ما يَجِدون غيرَها. قال: وحَدَّثنا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنَّ النَّاسَ يَغرِسون بعْدَهم الغُروسَ ويتَّخِذون الأموالَ. قلْتُ: سُبحانَ اللهِ! أبعْدَ يأجوجَ ومأْجوجَ؟ قال: نعمْ، حدَّثنا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. فبيْنما هم في تِجارَتِهم، إذ نادى مُنادٍ مِن السَّماءِ: أتى أمْرُ اللهِ، ففَزِعَ مَن في الأرضِ حين سَمِعوا الدَّعوةَ، وأقبَلَ بعضُهم على بعضٍ، وفَزِعوا فزَعًا شديدًا، ثمَّ أقْبَلوا بعْدَ ذلك على تِجارَتِهم وأسواقِهم وضِياعِهم، فبيْنما هم كذلك إذ نُودوا ناديةً أُخرى: يا أيُّها النَّاسُ، أتى أمْرُ اللهِ، فانطَلَقوا نحوَ الدَّعوةِ الَّتي سَمِعوا، وجعَلَ الرَّجلُ يَفِرُّ مِن غنَمِهِ وبَيعِه، ودَخَلوا في مَواشيهم، وعندَ ذلك عُطِّلَتِ العِشارُ، فبيْنما هم كذلك يَسْعَون قِبَلَ الدَّعوةِ، إذ لَقُوا اللهَ في ظُللٍ مِن الغَمامِ {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [الزمر: 68]، فمَكَثوا ما شاء اللهُ، {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}، ثمَّ يَجِيءُ بجهنَّمَ لها زَفيرٌ وشَهيقٌ، ثمَّ جاء آتٍ؛ عُنُقٌ مِن النَّارِ يَسيرُ، يُكلِّمُ يقولُ: إنِّي وُكِّلْتُ اليومَ بثلاثٍ: إنِّي وُكِّلْتُ بكلِّ جبَّارٍ عَنيدٍ، ومَن دعَا مع اللهِ إلهًا آخَرَ، ومَن قتَلَ نفْسًا بغَيرِ نفْسٍ، فتُطْوى عليهم، فتَقْذِفُهم في غَمراتِ جهنَّمَ. وحدَّثَني: أنَّها أشَدُّ سَوادًا مِن اللَّيلِ، ثمَّ يُنادي آدَمَ، فيقولُ: لبَّيكَ وسَعْدَيك، فيُقالُ: أخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ مِن ولَدِك، قال: يا ربِّ وما هو؟ قال: مِن كلِّ ألْفٍ تِسعُ مئةٍ وتِسعةٌ وتِسعونَ إلى النَّارِ، وواحدٌ إلى الجنَّةِ، فذلك حين شابَ الوِلدانِ. وكَبُرَ ذلك في صُدورِنا حتَّى عرَفَهُ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في وُجوهِنا، فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أبْشِروا؛ فإنَّ مَن سِواكم -أهْلَ الشِّرْكِ- كَثيرٌ، ويُحْبَسُ النَّاسُ حتَّى يَبلُغَ العرَقُ يَدَيْهُم، فبيْنما هم كذلك إذ عرَفَ رجُلٌ أباهُ وهو مُؤمِنٌ وأبوهُ كافرٌ، فقال: يا أبَهْ، ألمْ أكُنْ آمُرُك أنْ تُقدِّمَ ليَومِك هذا؟ فقال: يا بُنَيَّ، اليومَ لا أعْصيكَ شيئًا، والأُمَمُ جُثوًّا، كلُّ أُمَّةٍ على ناحيتِها، فأتى اليهودُ، فقِيلَ لهم: ما كنتُم تَعْبُدون؟ قالوا: كنَّا نَعبُدُ كذا وكذا، فقيل له وقِيلَ لهم: رِدُوا، فوَرَدوا يَحْسَبونه ماءً، فوَجَدوا اللهَ فوفَّاهم حِسابَه، واللهُ سَريعُ الحسابِ، ثمَّ فُعِلَ بالنَّصارى والمجوسِ وسائرِ الأُمَمِ ما فُعِلَ باليهودِ، ثمَّ أتى المُسلمونَ، فقيل لهم: مَن ربُّكم؟ فقالوا: اللهُ ربُّنا، قِيل: ومَن نَبِيُّكم؟ قالوا: نَبِيُّنا محمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وعلى الصِّراطِ مَحاجِنُ مِن حَديدٍ، والملائكةُ يَختطِفونَ رِجالًا، فيُلْقونَهم في جهنَّمَ، وجعَلَتِ المحاجِنُ تُمسِكُ رِجالًا تأْكُلُهم النَّارُ، إلَّا صُورةَ وَجْهِه لا تَمسُّه النَّارُ، فإذا خلُصَ مِن جهنَّمَ ما شاء اللهُ أنْ يَخلُصَ، وخلُصَ ذلك الرَّجلُ بأبِيه فيمَن خلُصَ، قِيل له: هذه الجنَّةُ، فادخُلْ مِن أيِّ أبوابِها شِئْتَ، وأرسِلْ هذا الرَّجلَ، فقال: ربِّ، هذا أبي، ووصَّيتَ لي ألَّا تُخْزِيَني، فشَفِّعْني في أبي، فقيل: انظُرْ أسفَلَ منك، فإذا هو بدابَّةٍ خَبيثةِ الرِّيحِ، تُشبِهُ اللَّوْنَ في مَراغةٍ خَبيثةٍ. فرَأيتُه مُمْسِكًا بأنْفِه وَجَبْهتِه، قال: يقولُ ذلك الرَّجلُ وهو آخِذٌ بأنْفِه وَجبْهَتِه مِن خُبْثِ رِيحِه: أيْ ربِّ، ليس هذا أبي، فأُخِذَ أبوهُ، فأُلْقِيَ في النَّارِ، وحرَّمَ اللهُ الجنَّةَ على الكافرينَ، فلمَّا خلُصَ مَن شاء اللهُ أنْ يَخلُصَ، تَفقَّدَ النَّاسُ بعضُهم بعضًا، فقالوا: ربَّنا، إنَّ رِجالًا كانوا يُصلُّونَ ويَصومونَ ويُجاهِدون معنا، أين هم؟ فقيل لهم: ادْخُلوا، فمَن عرَفْتُم فأخْرِجُوه، فوَجَدوا المحاجِنَ الَّتي على الصِّراطِ قد أمسَكَتْ رِجالًا قد أكلَتْهُم النَّارُ، إلَّا صُورةَ أحَدِهم يُعْرَفُ بها، فالْتَبَسوا، فأُلْقُوا على الجنَّةِ، قالوا: ربَّنا نحن الآنَ في مَسألتِنا أشَدُّ رَغبةً، أرأيتَ رِجالًا كانوا يُصلُّون ويَصومونَ ويُجاهِدون معنا، أين هم؟ قيل لهم: ادْخُلوا، فمَن عرَفْتُم فأخرِجُوهُ، فثَلَجَتْ حتَّى بَرُدَتْ على المُؤمنينَ، فدَخَلوا ووَجَدوا الَّذين تَخطَفُهم الملائكةُ يَمينًا وشِمالًا قد أكلَتْهُم النَّارُ، إلَّا صُورةَ أحَدِهم يُعرَفُ بها، فألْبَسوهم، فأخْرَجُوهم، فأَلْقُوهم على بابِ الجنَّةِ. قال: وحدَّثَني أنَّ نَبِيَّ اللهَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ألَا كلُّ نَبِيٍّ قد أُعْطِيَ عطيَّةً ويُنجِزُها، وإنِّي اختَبَأْتُ عَطيَّتي شَفاعةً لِأُمَّتي يومَ القيامةِ، ووُضِعَتِ الموازينُ، وأُذِنَ في الشَّفاعةِ، فأُعْطِيَ كلُّ مَلَكٍ، أو نَبِيٍّ، أو صِدِّيقٍ، أو شَهيدٍ شفاعَتَهُ حتَّى يَرْضى، فقال لهم ربُّهم: أقدْ رَضِيتُم؟ قالوا: نعمْ، قد رَضِينا ربَّنا، قال: أنا أرحَمُ بخَلْقي منكم، أخْرِجوا مِن النَّارِ مَن في قَلبِه وزْنُ خَردلةٍ مِن إيمانٍ، فأُخْرِجَ مِن ذلك شَيءٌ لا يَعْلَمُ بعَددِه إلَّا اللهُ، فأُلْقُوا على بابِ الجنَّةِ، فأرسَلَ عليهم مِن ماءِ الجنَّةِ، فيَنْبُتون فيها نَباتَ الثَّعاريرِ، وأُدْخِلَ الَّذين أُخْرِجوا مِن النَّارِ الجنَّةَ كلُّهم إلَّا رجُلًا واحدًا، وأُغْلِقَ بابُ الجنَّةِ دُونَه، ووَجْهُه تِلْقاءَ النَّارِ، فقال ذلك الرَّجلُ: يا ربِّ، لا أكونُ أشْقى خَلْقِك، بلِ اصْرِفْ وَجْهي عن النَّارِ إلى الجنَّةِ، فقِيل له: لعلَّك تسأَلُ غيرَ هذا؟ فقال: لا، فصَرَفَ وَجْهَه عن النَّارِ إلى الجنَّةِ، فيقولُ: أيْ ربِّ، قَرِّبني مِن هذا البابِ، ألْزَقُ به وأكونُ في ظِلِّه، فقِيل له: ألمْ تَزعُمْ أنَّك لا تسأَلُ شيئًا إلَّا أنْ يُصرَفَ وَجْهُك عن النَّارِ؟ قال: يا ربِّ، لا أسأَلُك غيرَ هذا، فقُرِّبَ إلى البابِ، فلَزِقَ به، فكان في ظلِّه، ففُرِجَ مِن البابِ فُرجةٌ إلى الجنَّةِ. فحدَّثَني أنَّ فيها شِراط أبيضَ، في أدناهُ شَجرةٌ، وفي أوسَطِه شَجرةٌ، وفي أقصاهُ شَجرةٌ، فقال: يا ربِّ، أَدْنِني مِن هذه الشَّجرةِ، فأكونَ في ظِلِّها، فقِيلَ لهُ: ألمْ تَزعُمْ أنَّك لستَ تَسأَلُ شيئًا؟ قال: يا ربِّ، أسأَلُك هذا، ثمَّ لا أسأَلُك غيرَه، قال: قَرِّبني إلى تلك الشَّجرةِ، فكانت تلك مَسألَتَه، حتَّى صار إلى الوُسْطى، وإلى القُصوى، فلمَّا أتى القُصوى، أرسَلَ اللهُ رَسولينِ، فقالَا له: سَلْ ربَّك، فقال: فما أسأَلُه سِوى ما أنا فيه، فقالا: نعمْ، سَلْ ربَّك، فسألَهُ، وجعَلَ الرَّسولانِ يقولانِ له: سَلْ ربَّك مِن كذا وكذا، وسَلْ ربَّك مِن كذا وكذا، لشَيءٍ لم يَخطُرْ على قَلْبِه أنَّه خُلِقَ، أو أنَّه كان، فسأَلَ ربَّه ممَّا يَعلَمُ وممَّا يأمُرانِ الرَّسولانِ حتَّى انتهَتْ نَفْسُه، فقِيل له: فإنَّه لك وعشَرةَ أمثالِه. قال: وحدَّثني أبو سعيدٍ أنَّ ذلك الرَّجلَ هو أدْنى أهْلِ الجنَّةِ مَنزِلًا
الراويأبو سعيد الخدري
المحدثالبوصيري
الصفحة أو الرقم8/132
خلاصة حكم المحدث[فيه] عطية العوفي وهو ضعيف
فخرج حتى أتى رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فجلس بين يديه ثم قال : يا محمدُ أجمعت أو شاب الناسُ ثم جئت إلى بيضتِك لتفضَها ؟ إلى قومِك لتجتاحَهم - إنها قريشٌ خرجت معها العوذُ المطافيلُ - يقصدُ النساءَ والأطفالَ - قد لبسوا جلودَ النمورِ ، يعاهدون اللهَ لا تدخلُها عليهم أبدًا ، وايم اللهِ ، لكأني بهؤلاءِ قد انكشفوا عنك غدًا ! ! وكان أبو بكرٍ خلف رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يسمعُ ، فلما وصل في حديثِه إلى التعريضِ بالمسلمين قال له هازئًا امصص بظر اللاتِ ! أنحن ننكشفُ عنه ؟ ! . فقال عروةُ : من هذا يا محمدًا ؟ قال : هذا ابنُ أبي قحافةَ ! فردَّ عروةُ على أبي بكرٍ يقولُ : أما واللهِ لولا يدٌ كانت لك عندي لكافأتُك بها ، ولكن هذه بهذه . وعاود عروةُ حديثَه مع رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وجعل يتناولُ لحيتَه وهو يكلُمه - كأنه ينبهُه إلى خطورةِ ما سيقعُ بقومِه – إلا أن المغيرةَ بنَ شعبة كان يقرعُ يدَه كلما فعل ذلك وهو يقولُ اكفف يدَك عن وجهِ رسولِ اللهِ قبل ألا تصلَ إليك ، فقال عروةُ له . ويحك ماأفظك وأغلظك ! ! ثم سأل النبيَّ : من هذا يا محمدًا ؟ . فأجاب الرسولُ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو يبتسمُ : هذا ابنُ أخيك المغيرةُ بنُ شعبة ! ! فقال عروةُ للمغيرةِ : أي غدرٍ ، هل غسلت سوءتَك إلا بالأمسِ ! ! وقد ردّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام على عروةَ بما يقطعُ اللجاجةَ وينفي الشبهةَ : إنه لا يبغي حربًا ، وإنما يريدُ أن يزورَ البيتَ كما يزورُه غيرُه فلا يلقى صادًا ولا رادًا . ورجع عروةُ يموه بإجلالِ الصحابةِ لرسولِ اللهِ ، ويقولُ إني واللهِ ما رأيت ملكًا في قومِه قط مثلَ محمدٍ في أصحابِه ، لقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيءٍ أبدًا ، فروا رأيَكم
الراوي-
المحدثالألباني
الصفحة أو الرقم327
خلاصة حكم المحدثرواه البخاري بنحوه
لَمَّا قدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدينةَ مُنصَرَفَه مِن الطَّائفِ، وكتَبَ بُجَيرُ بنُ زُهَيرِ بنِ أبي سُلْمى إلى أخيهِ كَعبِ بنِ زُهَيرِ بنِ أبي سُلْمى يُخبِرُه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قتَلَ رَجُلًا بمكَّةَ ممَّن كانَ يَهْجوهُ ويُؤْذيه، وأنَّه لَقِيَ مِن شُعَراءِ قُرَيشٍ ابنَ الزِّبَعْرى وهُبَيرةَ بنَ أبي وَهبٍ قد هَرَبوا في كلِّ وَجهٍ، فإنْ كانتْ لكَ في نفْسِكَ حاجةٌ فطِرْ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فإنَّه لا يَقتُلُ أحَدًا جاءَ تائبًا، وإنْ أنتَ لم تَفعَلْ، فانْجُ بنفْسِكَ إلى نَجاتِكَ، وقد كانَ كَعبٌ قالَ: أبْياتًا قالَ فيها في رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى رُوِيَتْ عنه، وعُرِفَتْ، وكانَ الَّذي قالَ: ألَا أبْلِغَا عنِّي بُجَيرًا رِسالةً ... وهل لكَ فيما قلْتُ وَيلَكَ هلَكَا فخَبَّرْتَني إنْ كنتَ لستَ بفاعلٍ ... على أيِّ شيءٍ وَيْحَ غيرِكَ دلَّكَا على خُلُقٍ لم تُلْفِ أمًّا ولا أبًا ... عليه ولم تُلْفِ عليه أبًا لَكَا فإنْ أنتَ لم تَفعَلْ فلسْتَ بآسِفٍ ... ولا قائلٍ لَمَّا عَثَرْتَ لَعًا لَكَا سَقاكَ بها المأْمونُ كأْسًا رَويَّةً ... وأنْهَلَكَ المأمونُ منها وَعَلَّكَا قالَ: وإنَّما قالَ كَعبٌ: المأْمونُ؛ لقَولِ قُرَيشٍ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وما كانتْ تَقولُه، فلمَّا بلَغَ كَعبًا ذلك ضاقَتْ به الأرْضُ، وأشفَقَ على نفْسِه وأرجَفَ به مَن كانَ في حاضِرِه مِن عَدوِّه، قالَ: هو مَقْتولٌ، فلمَّا لم يجِدْ مِن شَيءٍ بُدًّا قالَ قَصيدَتَه الَّتي يَمدَحُ فيها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ذكَرَ خَوفَه وإرْجافَ الوُشاةِ به مِن عندِه، ثمَّ خرَجَ حتَّى قدِمَ المَدينةَ فنزَلَ على رَجُلٍ كانتْ بيْنَه وبيْنَه مَعرِفةٌ مِن جُهَينةَ، كما ذُكِرَ لي، فغَدَا به إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينَ صَلَّى الصُّبحَ، فصَلَّى معَ النَّاسِ، ثمَّ أشارَ له إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: هذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقُمْ إليه، فذُكِرَ لي أنَّه قامَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى وضَعَ يَدَه في يَدِه وكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يَعرِفُه، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ كَعبَ بنَ زُهَيرٍ جاءَ ليَسْتأمِنَ منكَ تائبًا مُسلِمًا، هل قابِلٌ منه إنْ أنا جِئتُكَ به؟ فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: نعمْ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أنا كَعبُ بنُ زُهَيرٍ. قالَ ابنُ إسْحاقَ: فحدَّثَني عاصِمُ بنُ عُمَرَ بنِ قَتادةَ، قالَ: وثَبَ عليه رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ وقالَ: يا رَسولَ اللهِ، دَعْني وعَدوَّ اللهِ أضرِبُ عُنُقَه، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: دَعْه عنكَ؛ فإنَّه قد جاءَ تائبًا نازِعًا، فغضِبَ كَعبٌ على هذا الحَيِّ منَ الأنْصارِ لِما صنَعَ به صاحِبُهم؛ وذلك أنَّه لم يكُنْ يَتكلَّمُ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرينَ فيه إلَّا بخَيرٍ، فقالَ قَصيدَتَه الَّتي قالَ حينَ قدِمَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: بانَتْ سُعادُ، فذكَرَ القَصيدةَ إلى آخِرِها، وزادَ فيه: تَرْمي الفِجاجَ بعَيْنَيْ مُفرَدٍ لَهِقٍ ... إذا تَوقَّدَتِ الحُزَّانُ فالمِيلُ ضَخْمٌ مُقَلَّدُها فَعْمٌ مُقَيَّدُها ... في خَلْقِها عنْ بَناتِ الفَحلِ تَفْضيلُ تَهْوي على يَسَرَاتٍ وهي لاهيةٌ ... ذوابِلٌ وَقْعُهنَّ الأرْضَ تَحْليلُ وقالَ للقَومِ حادِيهم وقدْ جعَلَتْ ... وُرْقُ الجَنادِبُ يَرْكُضْنَ الحَصى قِيلُ لَمَّا رأيْتُ حِدابَ الأرْضِ يَرْفَعُها ... منَ اللَّوامِعِ تَخْليطٌ وتَزْيِيلُ وقالَ كلُّ صَديقٍ كنْتُ آمُلُه ... لا أُلْفيَنَّكَ إنِّي عنكَ مَشْغولُ إذا يُساوِرُ قِرْنًا لا يَحِلُّ له ... أنْ يَترُكَ القِرْنَ إلَّا وهو مَفْلولُ. قالَ عاصِمُ بنُ عُمَرَ بنِ قَتادةَ: فلمَّا قالَ: إذا عرَّدَ السُّودُ التَّنابِيلُ، وإنَّما يُريدُ مَعاشِرَ الأنْصارِ لِما كانَ صنَعَ صاحِبُهم وخَصَّ المُهاجِرينَ مِن أصْحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن قُرَيشٍ بمَديحِه؛ غضِبَتْ عليه الأنْصارُ، فقالَ: بعدَ أنْ أسلَمَ وهو يَمدَحُ الأنْصارَ، ويَذكُرُ بَلاءَهُم معَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومَوضِعَهم منَ اليُمْنِ، فقالَ: مَنْ سَرَّهُ كَرَمُ الحَياةِ فَلَا يَزَلْ ... فِي مِقْنَبٍ مِنْ صَالِحِي الْأنْصَارِ وَرِثُوا الْمَكَارِمَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ ... إِنَّ الْخِيَارَ هُمُ بَنُو الأَخْيَارِ الْبَاذِلِينَ نُفُوسَهُمْ لِنَبِيِّهِمْ ... عِنْدَ الْهِيَاجِ وَوَقْعَةِ الجَبَّارِ النَّاظِرِينَ بِأَعْيُنٍ مُحْمَرَّةٍ ... كَالْجَمْرِ غَيْرِ كَلِيلةِ الأَبْصَارِ الْمُكْرِهِينَ السَّمْهَرِيَّ بِأَذْرُعٍ ... كَسَوَاقِلِ الهِنْدِيِّ غَيْرِ قِصَارِ وَهُمْ إِذَا خَبَتِ النُّجُومُ وَغَوَّرَتْ ... لِلطَّائِفِينَ الطَّارِقِينَ مَقَارِ الذَّائِدِينَ النَّاسَ عَنْ أَدْيَانِهِمْ ... بِالْمَشْرِفِيِّ وَبِالْقَنَا الخَطَّارِ حَتَّى اسْتَقَامُوا وَالرِّمَاحُ تَكُبُّهُمْ ... فِي كُلِّ مَجْهَلَةٍ وَكُلِّ خِتَارِ لِلْحَقِّ إِنَّ اللهَ نَاصِرُ دِينِهِ ... وَنَبِيَّهُ بِالْحَقِّ وَالإنْذَارِ وَالْمُطْعِمِينَ الضَّيْفَ حِينَ يَنُوبُهُمْ ... مِنْ شَحْمِ كُومٍ كَالْهِضَابِ عِشَارِ وَالْمُقْدِمِينَ إِذَا الْكُمَاةُ تَوَاكَلَتْ ... وَالضَّارِبِينَ النَّاسَ فِي الْإِعْصَارِ يَسْعَوْنَ لِلأَعْدَاءِ بِكُلِّ طِمِرَّةٍ ... وَأَقَبَّ مُعْتَدِلِ الْبَلِيلِ مَطَارِ مُتَقَادِمٍ بَلَغٍ أَجَشَّ مَهِيلَةٍ ... كَالسَّيْفِ يَهْدِمُ حَلْقَهُ بِسِوَارِ دَرِبُوا كَمَا دَرِبَتْ بِبَطْنٍ خَفِيَّةٍ ... غُلْبُ الرِّقَابِ مِنَ الأُسُودِ ضَوَارِي وَكُهُولِ صِدْقٍ كَالْأُسُودِ مَصَالِتٍ ... وَبِكُلِّ أَغْبَرَ مُدْرِكِ الْأَوْتَارِ وَبِمُتَرَصَاتٍ كَالثِّقَافِ ثَوَاهِلٍ ... يَشْفِي الْعَلِيلَ بِهَا مِنَ الْفُجَّارِ ضَرَبُوا عَلَيْنَا يَوْمَ بَدْرٍ ضَرْبَةً ... دَانَتْ لِوَقْعَتِهَا جُمُوعُ نِزَارِ لَا يَشْتَكُونَ الْمَوْتَ إِنْ نَزَلَتْ بِهِمْ ... حَرْبٌ ذَوَاتُ مَغَاوِرٍ وَأُوَارِ يَتَطَهَّرُونَ كَأَنَّهُ نُسُكٌ لَهُمْ ... بِدِمَاءِ مَنْ عَلَقُوا مِنَ الكُفَّارِ وَإِذَا أتَيْتَهُمُ لِتَطْلُبَ نَصْرَهُمْ ... أَصْبَحْتَ بَيْنَ مَعَافِرٍ وَغِفَارِ يَحْمُونَ دِينَ اللهِ إِنَّ لِدِينِهِ ... حَقًّا بِكُلِّ مُعَرِّدٍ مِغْوَارِ لَوْ تَعْلَمُ الأقْوَامُ عِلْمِي كُلَّهُ ... فِيهِمْ لَصَدَّقَنِي الَّذِينَ أُمَارِي
الراويمحمد بن إسحاق
المحدثالحاكم
الصفحة أو الرقم6641
خلاصة حكم المحدث[سكت عنه وقال في المقدمة رواته ثقات احتج بمثله الشيخان أو أحدهما]
قال عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ: كُنتُ في غَنَمٍ لآلِ أبي مُعَيطٍ، فجاءَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومَعَه أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، فقال: يا غُلامُ، هَل عِندَك لبَنٌ؟ فقُلتُ: نَعَم، ولكِنِّي مُؤتَمَنٌ، قال: فهَل عِندَك شاةٌ لم يَنْزُ عليها الفحلُ؟ قُلتُ: نَعَم، فأتَيتُه بشاةٍ شَطورٍ -قال سَلامٌ: والشَّاةُ الشَّطورُ التي ليسَ لها الأضرُعُ- فمَسَحَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَكانَ الضَّرعِ، وما لها ضَرعٌ، فإذا ضَرعٌ حافِلٌ مَملوءٌ لبَنًا، فأتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بصَخرةٍ مَنقورةٍ، فحَلَب، ثُمَّ سَقى أبا بَكرٍ وسَقاني، ثُمَّ قال للضَّرعِ: اقلُصْ، فقَلَصَ فرَجَعَ كَما كان، فأنا رَأيتُ هَذا مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، عَلِّمْني، فمَسَح رَأسي، وقال: بارَكَ اللَّهُ فيك، فإنَّك غُلامٌ مُعَلَّمٌ، فأسلمَتُ، فأتَيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبَينَما نَحنُ عِندَه على حِراءٍ إذ أُنزِلَت عليه سورةُ {وَالْمُرْسَلَاتِ}، فأخَذتُها وإنَّها رَطبةٌ مِن فيه، وإنَّ فاه لرَطبٌ بها، فلا أدري بأيِّ الاثنَينِ خُتِمَت، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} أو {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} فأخَذتُ مِن في رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَبعينَ سورةً، وأخَذتُ بَقيَّةَ القُرآنِ مِن أصحابِه
الراويعَبد اللهِ بن مسعود
المحدثالطبراني
الصفحة أو الرقم526
خلاصة حكم المحدثلم يروه عن سلام إلا إبراهيم
حديثُ هِرَقلَ لقد أمِر أمرُ ابنِ أبي كَبشةَ إنه لَيَخافُه ملِكُ بني الأصفَرِ [يعني حديث: انْطَلَقْتُ في المُدَّةِ الَّتي كَانَتْ بَيْنِي وبيْنَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ: فَبيْنَا أنَا بالشَّأْمِ، إذْ جِيءَ بكِتَابٍ مِنَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى هِرَقْلَ ، قَالَ: وكانَ دَحْيَةُ الكَلْبِيُّ جَاءَ به، فَدَفَعَهُ إلى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إلى هِرَقْلَ ، قَالَ: فَقَالَ هِرَقْلُ: هلْ هَا هُنَا أحَدٌ مِن قَوْمِ هذا الرَّجُلِ الذي يَزْعُمُ أنَّه نَبِيٌّ؟ فَقالوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدُعِيتُ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا علَى هِرَقْلَ فَأُجْلِسْنَا بيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أيُّكُمْ أقْرَبُ نَسَبًا مِن هذا الرَّجُلِ الذي يَزْعُمُ أنَّه نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أبو سُفْيَانَ: فَقُلتُ: أنَا، فأجْلَسُونِي بيْنَ يَدَيْهِ، وأَجْلَسُوا أصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ دَعَا بتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: قُلْ لهمْ: إنِّي سَائِلٌ هذا عن هذا الرَّجُلِ الذي يَزْعُمُ أنَّه نَبِيٌّ، فإنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، قَالَ أبو سُفْيَانَ: وايْمُ اللَّهِ ، لَوْلَا أنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الكَذِبَ لَكَذَبْتُ، ثُمَّ قَالَ: لِتَرْجُمَانِهِ، سَلْهُ كيفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلتُ: هو فِينَا ذُو حَسَبٍ، قَالَ: فَهلْ كانَ مِن آبَائِهِ مَلِكٌ؟ قَالَ: قُلتُ: لَا، قَالَ: فَهلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قَالَ؟ قُلتُ: لَا، قَالَ: أيَتَّبِعُهُ أشْرَافُ النَّاسِ أمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: يَزِيدُونَ أوْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلتُ لا بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: هلْ يَرْتَدُّ أحَدٌ منهمْ عن دِينِهِ بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فيه سَخْطَةً له؟ قَالَ: قُلتُ: لَا، قَالَ: فَهلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قَالَ: قُلتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكيفَ كانَ قِتَالُكُمْ إيَّاهُ؟ قَالَ: قُلتُ: تَكُونُ الحَرْبُ بيْنَنَا وبيْنَهُ سِجَالًا يُصِيبُ مِنَّا ونُصِيبُ منه، قَالَ: فَهلْ يَغْدِرُ؟ قَالَ: قُلتُ: لَا، ونَحْنُ منه في هذِه المُدَّةِ لا نَدْرِي ما هو صَانِعٌ فِيهَا، قَالَ: واللَّهِ ما أمْكَنَنِي مِن كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شيئًا غيرَ هذِه، قَالَ: فَهلْ قَالَ هذا القَوْلَ أحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلتُ: لَا، ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ له: إنِّي سَأَلْتُكَ عن حَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ أنَّه فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وكَذلكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ في أحْسَابِ قَوْمِهَا، وسَأَلْتُكَ: هلْ كانَ في آبَائِهِ مَلِكٌ، فَزَعَمْتَ أنْ لَا، فَقُلتُ: لو كانَ مِن آبَائِهِ مَلِكٌ، قُلتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ، وسَأَلْتُكَ عن أتْبَاعِهِ أضُعَفَاؤُهُمْ أمْ أشْرَافُهُمْ، فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وهُمْ أتْبَاعُ الرُّسُلِ ، وسَأَلْتُكَ: هلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قَالَ، فَزَعَمْتَ أنْ لَا، فَعَرَفْتُ أنَّه لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ علَى النَّاسِ، ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ علَى اللَّهِ، وسَأَلْتُكَ هلْ يَرْتَدُّ أحَدٌ منهمْ عن دِينِهِ بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فيه سَخْطَةً له، فَزَعَمْتَ أنْ لَا، وكَذلكَ الإيمَانُ إذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ القُلُوبِ، وسَأَلْتُكَ هلْ يَزِيدُونَ أمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أنَّهُمْ يُزِيدُونَ وكَذلكَ الإيمَانُ حتَّى يَتِمَّ، وسَأَلْتُكَ: هلْ قَاتَلْتُمُوهُ فَزَعَمْتَ أنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الحَرْبُ بيْنَكُمْ وبيْنَهُ سِجَالًا يَنَالُ مِنكُم وتَنَالُونَ منه، وكَذلكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لهمُ العَاقِبَةُ، وسَأَلْتُكَ هلْ يَغْدِرُ فَزَعَمْتَ أنَّه لا يَغْدِرُ، وكَذلكَ الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ، وسَأَلْتُكَ: هلْ قَالَ أحَدٌ هذا القَوْلَ قَبْلَهُ، فَزَعَمْتَ أنْ لَا، فَقُلتُ: لو كانَ قَالَ هذا القَوْلَ أحَدٌ قَبْلَهُ، قُلتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ بقَوْلٍ قيلَ قَبْلَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قَالَ: قُلتُ: يَأْمُرُنَا بالصَّلَاةِ والزَّكَاةِ والصِّلَةِ والعَفَافِ، قَالَ: إنْ يَكُ ما تَقُولُ فيه حَقًّا، فإنَّه نَبِيٌّ، وقدْ كُنْتُ أعْلَمُ أنَّه خَارِجٌ، ولَمْ أكُ أظُنُّهُ مِنكُمْ، ولو أنِّي أعْلَمُ أنِّي أخْلُصُ إلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، ولو كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عن قَدَمَيْهِ، ولَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ ما تَحْتَ قَدَمَيَّ، قَالَ: ثُمَّ دَعَا بكِتَابِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقَرَأَهُ: فَإِذَا فيه بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِن مُحَمَّدٍ رَسولِ اللَّهِ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ ، سَلَامٌ علَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أمَّا بَعْدُ: فإنِّي أدْعُوكَ بدِعَايَةِ الإسْلَامِ، أسْلِمْ تَسْلَمْ، وأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فإنْ تَوَلَّيْتَ فإنَّ عَلَيْكَ إثْمَ الأرِيسِيِّينَ ، و: {يَا أهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بيْنَنَا وبيْنَكُمْ، أنْ لا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ} إلى قَوْلِهِ: {اشْهَدُوا بأنَّا مُسْلِمُونَ} فَلَمَّا فَرَغَ مِن قِرَاءَةِ الكِتَابِ، ارْتَفَعَتِ الأصْوَاتُ عِنْدَهُ وكَثُرَ اللَّغَطُ ، وأُمِرَ بنَا فَأُخْرِجْنَا، قَالَ: فَقُلتُ لأصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا: لقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ، إنَّه لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ، فَما زِلْتُ مُوقِنًا بأَمْرِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه سَيَظْهَرُ حتَّى أدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإسْلَامَ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَدَعَا هِرَقْلُ عُظَمَاءَ الرُّومِ فَجَمعهُمْ في دَارٍ له، فَقَالَ: يا مَعْشَرَ الرُّومِ، هلْ لَكُمْ في الفلاحِ والرَّشَدِ آخِرَ الأبَدِ، وأَنْ يَثْبُتَ لَكُمْ مُلْكُكُمْ، قَالَ: فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قدْ غُلِّقَتْ، فَقَالَ: عَلَيَّ بهِمْ، فَدَعَا بهِمْ فَقَالَ: إنِّي إنَّما اخْتَبَرْتُ شِدَّتَكُمْ علَى دِينِكُمْ، فقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمُ الذي أحْبَبْتُ فَسَجَدُوا له ورَضُوا عنْه.]
الراوي[أبو سفيان بن حرب]
المحدثمحمد الأمين الشنقيطي
الصفحة أو الرقم3/577
خلاصة حكم المحدثصحيح
عنْ زَيدِ بنِ صُوحانَ، أنَّ رَجُلينِ مِن أهْلِ الكوفةِ كانَا صَديقَينِ لزَيدِ بنِ صُوحانَ أتَياهُ؛ ليُكلِّمَ لهما سَلْمانَ أنْ يُحدِّثَهما حَديثَه، كيف كانَ إسْلامُه فأقْبَلا معَه حتَّى لَقُوا سَلْمانَ، وهو بالمَدائنِ أميرًا عليها، وإذا هو على كُرسيٍّ قاعِدٌ، وإذا خُوصٌ بيْنَ يدَيْه وهو يُسِفُّه، قالَا: فسَلَّمْنا وقعَدْنا، فقالَ له زَيدٌ: يا أبا عَبدِ اللهِ، إنَّ هذين لي صَديقانِ ولهُما إخاءٌ، وقد أحَبَّا أنْ يَسمَعا حَديثَكَ كيف كانَ بَدءُ إسْلامِكَ؟ قالَ: فقالَ سَلْمانُ: كنْتُ يَتيمًا مِن رامَ هُرْمُزَ، وكانَ أبي دِهْقانَ رامَ هُرْمُزَ يَختلِفُ إلى مُعلِّمٍ يُعلِّمُه، فلَزِمْتُه؛ لأكونَ في كَنَفِه، وكانَ لي أخٌ أكبَرُ منِّي، وكانَ مُستَغْنيًا بنَفْسِه، وكنْتُ غُلامًا قَصيرًا، وكانَ إذا قامَ مِن مَجلِسِه تَفرَّقَ مَن يُحفِّظُهم، فإذا تَفرَّقوا خرَجَ فتَقنَّعَ بثَوبِه، ثمَّ صعِدَ الجبَلَ، وكانَ يفعَلُ ذلك غيرَ مرَّةٍ مُتنكِّرًا، قالَ: فقُلْتُ له: إنَّكَ تَفعَلُ كذا وكذا، فلمَ لا تذهَبُ بي معَكَ؟ قالَ: أنتَ غُلامٌ، وأخافُ أنْ يَظهَرَ منكَ شَيءٌ، قالَ: قُلْتُ: لا تَخَفْ، قالَ: فإنَّ في هذا الجبَلِ قَوما في بِرْطيلٍ لهم عِبادةٌ، ولهُم صَلاحٌ يَذْكُرونَ اللهَ تَعالَى، ويَذْكُرونَ الآخِرةَ، ويَزعُمونَ أنَّا عَبَدةُ النِّيرانِ، وعَبَدةُ الأوْثانِ، وأنَّا على غَيرِ دينِهم، قالَ: قُلْتُ: فاذهَبْ بي معَكَ إليهم، قالَ: لا أقدِرُ على ذلك حتَّى أسْتَأْمِرَهم، وأنا أخافُ أنْ يَظهَرَ منكَ شَيءٌ، فيَعلَمَ أبي فيَقتُلَ القَومَ، فيَكونُ هَلاكُهم على يَدي، قالَ: قُلْتُ: لن يَظهَرَ منِّي ذلك، فاسْتَأْمِرْهم، فأتاهُم، فقالَ: غُلامٌ عِنْدي يَتيمٌ، فأُحِبُّ أنْ يَأتيَكم ويَسمَعَ كَلامَكم، قالوا: إنْ كنْتَ تثِقُ به، قالَ: أرْجو ألَّا يَجيءَ منه إلَّا ما أُحِبُّ، قالوا: فجِئْ به، فقالَ لي: لقدِ اسْتأذَنْتُ القَومَ في أنْ تَجيءَ مَعي، فإذا كانتِ السَّاعةُ الَّتي رَأيْتَني أخرُجُ فيها فأْتِني، ولا يَعلَمْ بكَ أحَدٌ، فإنَّ أبي إذا علِمَ بهِم قتَلَهم، قالَ: فلمَّا كانَتِ السَّاعةُ الَّتي يخرُجُ تَبِعْتُه فصَعِدْنا الجبَلَ، فانْتَهَيْنا إليهم، فإذا هُم في بِرْطِيلِهم، قالَ عَليٌّ: وأُراهُ قالَ: وهُم ستَّةٌ أو سَبعةٌ، قالَ: وكأنَّ الرُّوحَ قد خرَجَ منهم منَ العِبادةِ يَصومونَ النَّهارَ، ويَقومونَ اللَّيلَ، ويَأْكُلونَ الشَّجَرَ، ما وَجَدوا، فقَعَدْنا إليهم، فأثْنى الدِّهْقانُ على حَبرٍ، فتَكَلَّموا، فحَمِدوا اللهَ، وأثْنَوْا عليه، وذَكَروا مَن مَضى منَ الرُّسلِ والأنْبياءِ حتَّى خَلُصوا إلى ذِكْرِ عيسَى بنِ مَرْيمَ عليه السَّلامُ، فقالوا: بعَثَ اللهُ عيسَى عليه السَّلامُ رَسولًا، وسخَّرَ له ما كانَ يَفعَلُ مِن إحْياءِ المَوْتى، وخَلْقِ الطَّيرِ، وإبْراءِ الأكْمَهِ، والأبْرَصِ، والأعْمَى، فكفَرَ به قَومٌ وتَبِعَه قَومٌ، وإنَّما كانَ عَبدَ اللهِ ورَسولَه ابْتَلى به خَلْقَه، قالَ: وقالوا قبلَ ذلك: يا غُلامُ، إنَّ لكَ لَرَبًّا، وإنَّ لكَ مَعادًا، وإنَّ بيْنَ يدَيْكَ جنَّةً ونارًا، إليها تَصيرُ، وإنَّ هؤلاء القَومَ الَّذين يَعبُدونَ النِّيرانَ أهْلُ كُفرٍ وضَلالةٍ، لا يَرْضى اللهُ ما يَصنَعونَ، ولَيْسوا على دِينٍ، فلمَّا حضَرَتِ السَّاعةُ الَّتي يَنصرِفُ فيها الغُلامُ انصرَفَ وانصرَفْتُ معَه، ثمَّ غدَوْنا إليهم، فقالوا مثلَ ذلك وأحسَنَ، ولَزِمْتُهم، فقالوا لي: يا سَلْمانُ، إنَّكَ غُلامٌ، وإنَّكَ لا تَستَطيعُ أنْ تصنَعَ كما نصنَعُ فصَلِّ ونَمْ، وكُلْ واشرَبْ، قالَ: فاطَّلَعُ الملِكُ على صَنيعِ ابنِه، فركِبَ في الخَيلِ حتَّى أتاهُم في بِرْطيلِهم، فقالَ: يا هؤلاء، قد جاوَرْتُموني فأحسَنْتُ جِوارَكُم، ولم تَرَوْا منِّي سوءًا، فعمَدْتُم إلى ابْني فأفْسَدْتُموه عليَّ، قد أجَّلْتُكم ثَلاثًا، فإنْ قدِرْتُ عليكم بعدَ ثلاثٍ أحرَقْتُ عليكم بِرْطيلَكم هذا، فالْحَقوا ببِلادِكم؛ فإنِّي أكْرَهُ أنْ يَكونَ منِّي إليكم سوءٌ، قالوا: نعمْ، ما تَعمَّدْنا مَساءَتَكَ، ولا أرَدْنا إلَّا الخَيرَ، فكَفَّ ابنَه عنْ إتْيانِهم. فقُلْتُ له: اتَّقِ اللهَ؛ فإنَّكَ تَعرِفُ أنَّ هذا الدِّينَ دِينُ اللهِ، وأنَّ أباكَ ونحن على غَيرِ دينٍ، إنَّما هُم عَبَدةُ النِّيرانِ لا يَعبُدونَ اللهَ، فلا تَبِعْ آخِرَتَكَ بدُنْيا غَيرِكَ، قالَ: يا سَلْمانُ، هو كما تقولُ: وإنَّما أتخَلَّفُ عنِ القَومِ بَغيًا عليهم، إنْ تَبِعْتُ القَومَ طَلَبَني أبي في الجبَلِ، وقد خرَجَ في إتْياني إيَّاهُم حتَّى طَرَدَهم، وقد أعرِفُ أنَّ الحَقَّ في أيْديهِم فأتَيْتُهم في اليومِ الَّذي أرادُوا أنْ يَرْتَحِلوا فيه، فقالوا: يا سَلْمانُ: قد كنَّا نَحذَرُ مَكانَ ما رَأيْتَ فاتَّقِ اللهَ، واعلَمْ أنَّ الدِّينَ ما أوْصَيْناكَ به، وأنَّ هؤلاء عَبَدةُ النِّيرانِ لا يَعْرِفونَ اللهَ، ولا يَذْكُرونَه، فلا يَخدَعَنَّكَ أحَدٌ عنْ دينِكَ، قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكم، قالوا: أنتَ لا تَقدِرُ أنْ تكونَ مَعَنا، نحن نَصومُ النَّهارَ، ونَقومُ اللَّيلَ، ونأكُلُ عندَ السَّحَرِ، ما أصَبْنا، وأنتَ لا تَستَطيعُ ذلك، قالَ: فقُلْتُ: لا أُفارِقُكم، قالوا: أنتَ أعلَمُ، وقد أعْلَمْناكَ حالَنا، فإذا أتيْتَ خُذْ مِقْدارَ حِملٍ يكونُ معَكَ شَيءٌ تَأْكُلُه؛ فإنَّكَ لا تَستَطيعُ ما نَستَطيعُ بحقٍّ قالَ: ففعَلْتُ ولَقيتُ أخي، فعرَضْتُ عليه، ثمَّ أتَيْتُهم، فأتَيْتُهم يَمْشونَ وأمْشي معَهم، فرزَقَ اللهُ السَّلامةَ إلى أنْ قَدِمْنا المَوصِلَ، فأَتَيْنا بِيعةً بالمَوصِلِ، فلمَّا دَخَلوا احْتَفَوْا بهِم، وقالوا: أين كُنْتم؟ قالوا: كنَّا في بِلادٍ لا يَذْكُرونَ اللهَ، بها عَبَدةُ النِّيرانِ، فطَرَدونا، فقَدِمْنا عليكم، فلمَّا كانَ بعدُ قالوا: يا سَلْمانُ، إنَّ ها هُنا قَومًا في هذه الجِبالِ هُم أهْلُ دِينٍ، وإنَّا نُريدُ لِقاءَهُم، فكُنْ أنتَ ها هنا معَ هؤلاء؛ فإنَّهم أهْلُ دينٍ وسَتَرَى منهم ما تُحِبُّ، قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكم، قالَ: وأوْصَوْا بي أهْلَ البِيعةَ، فقالوا: قُمْ معَنا يا غُلامُ؛ فإنَّه لا يُعجِزُكَ شَيءٌ، قُلْتُ لهم: ما أنا بمُفارِقِكم، قالَ: فخَرَجوا وأنا معَهم، فأصْبَحوا بيْنَ جِبالٍ، وإذا صَخْرةٌ وماءٌ كَثيرٌ في جِرارٍ وخَيرٌ كَثيرٌ، فقَعَدْنا عندَ الصَّخْرةِ، فلمَّا طلَعَتِ الشَّمسُ خَرَجوا منَ الجِبالَ، يَخرُجُ رَجُلٌ مِن مَكانِه، كأنَّ الأرْواحَ قدِ انتُزِعَتْ منهم، حتَّى كَثُروا فرَحَّبوا بهم، وحَفُّوا، وقالوا: أين كُنْتم لم نَرَكم، قالوا: كنَّا في بِلادٍ لا يَذْكُرونَ اللهَ، فيها عَبَدةُ نِيرانٍ، وكنَّا نَعبُدُ اللهَ، فطَرَدونا، فقالوا: ما هذا الغُلامُ؟ فطَفِقوا يُثْنونَ عليَّ، وقالوا: صَحِبَنا مِن تلك البِلادِ، فلم نَرَ منه إلَّا خَيرًا، قالَ سَلَمانُ فوَاللهِ: إنَّهم لَكذلكَ إذا طلَعَ عليهم رَجُلٌ مِن كَهفِ جَبلٍ، قالَ: فجاء حتَّى سلَّمَ وجلَسَ فحَفُّوا به، وعَظَّموه أصْحابي الَّذين كنْتُ معَهم وأحْدَقوا به، فقالَ: أين كُنْتم؟ فأخْبَروه، فقالَ: ما هذا الغُلامُ معَكم؟ فأثْنَوْا عليَّ خَيرًا وأخْبَروه باتِّباعي إيَّاهم، ولم أرَ مِثلَ إعْظامِهم إيَّاه، فحمِدَ اللهَ وأثْنى عليه، ثمَّ ذكَرَ مَن أُرسِلَ مِن رُسلِه وأنْبيائِه وما لَقُوا، وما صنَعَ به، وذكَرَ مَولِدَ عيسَى بنِ مَرْيمَ عليه السَّلامُ، وأنَّه وُلِدَ بغَيرِ ذَكَرٍ فبعَثَه اللهُ عزَّ وجلَّ رَسولًا، وعلى يدَيْه إحْياءُ المَوْتى، وأنَّه يَخلُقُ منَ الطِّينِ كهَيئةِ الطَّيرِ، فيَنفُخُ فيه فيَكونُ طَيرًا بإذْنِ اللهِ، وأنزَلَ عليه الإنْجيلَ وعلَّمَه التَّوْراةَ، وبعَثَه رَسولًا إلى بَني إسْرائيلَ، فكفَرَ به قَومٌ وآمَنَ به قَومٌ، وذكَرَ بعض ما لَقِيَ عيسَى ابنُ مَرْيمَ عليه السَّلامُ، وأنَّه كانَ عَبدَ اللهِ أنعَمَ اللهُ عليه، فشكَرَ ذلك له، ورَضيَ اللهُ عنه حتَّى قبَضَه اللهُ عزَّ وجلَّ وهو يَعِظُهم ويَقولُ: اتَّقوا اللهَ، والْزَموا ما جاءَ به عيسَى عليه السَّلامُ، ولا تُخالِفوا فيُخالَفَ بكم، ثمَّ قالَ: مَن أرادَ أنْ يأخُذَ مِن هذا شَيئًا، فلْيأخُذْ، فجعَلَ الرَّجلُ يَقومُ فيأخُذُ الجَرَّةَ منَ الماءِ والطَّعامِ والشَّيءِ، فقامَ أصْحابي الَّذين جِئْتُ معَهم، فسَلَّموا عليه، وعَظَّموه، وقالَ لهمُ: الْزَموا هذا الدِّينَ، وإيَّاكم أنْ تَفَرَّقوا واسْتَوْصوا بهذا الغُلامِ خَيرًا، وقالَ لي: يا غُلامُ، هذا دِينُ اللهِ الَّذي تَسمَعُني أقولُه، وما سِواهُ الكُفرُ، قالَ: قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكَ، قالَ: إنَّكَ لا تَستَطيعُ أنْ تكونَ مَعي؛ إنِّي لا أخرُجُ مِن كَهْفي هذا إلَّا كلَّ يومِ أحَدٍ، ولا تَقدِرُ على الكَيْنونةِ مَعي، قالَ: وأقبَلَ على أصْحابِه، وقالوا: يا غُلامُ، إنَّكَ لا تَستَطيعُ أنْ تَكونَ معَه، قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكَ، قالَ له أصْحابُه: يا فلانُ، إنَّ هذا غُلامٌ ويُخافُ عليه، فقالَ لي: أنتَ أعلَمُ، قُلْتُ: فإنِّي لا أُفارِقُكَ، فبَكى أصْحابي الأوَّلونَ الَّذين كنْتُ معَهم عندَ فِراقِهم إيَّايَ، فقالوا: يا غُلامُ، خُذْ مِن هذا الطَّعامِ ما تَرى أنَّه يَكْفيكَ إلى الأحَدِ الآخَرِ، وخُذْ منَ الماءِ ما تَكْتَفي له، ففعَلْتُ، فما رَأيْتُه نائمًا ولا طاعِمًا إلَّا راكِعًا وساجِدًا إلى الأحَدِ الآخَرِ، فلمَّا أصْبَحْنا، قالَ لي: خُذْ جرَّتَكَ هذه، وانطَلِقْ، فخرَجْتُ معَه أتْبَعُه، حتَّى انْتَهَيْنا إلى الصَّخْرةِ، وإذا هُم قد خَرَجوا مِن تلك الجِبالِ يَنتَظِرونَ خُروجَه، فقَعَدوا، وعادَ في حَديثِه نحوَ المرَّةِ الأُولى، فقالَ: الْزَموا هذا الدِّينَ ولا تَفَرَّقوا، واذْكُروا اللهَ واعْلَموا أنَّ عيسَى ابنَ مَريمَ عليه السَّلامُ كانَ عَبدًا، أنعَمَ اللهُ عليه، ثمَّ ذَكَرَني، فقالوا له: يا فُلانُ، كيف وجَدْتَ هذا الغُلامَ؟ فأثْنى عليَّ، وقالَ خَيرًا، فحَمِدوا اللهَ تَعالى، وإذا خُبزٌ كَثيرٌ، وماءٌ كَثيرٌ، فأخَذوا، وجعَلَ الرَّجلُ يأخُذُ ما يَكْتَفي به، وفعَلْتُ فتَفَرَّقوا في تلك الجِبالِ، ورجَعَ إلى كَهْفِه، ورجَعْتُ معَه، فلَبِثْنا ما شاءَ اللهُ، يخرُجُ في كلِّ يومِ أحَدٍ، ويَخرُجونَ معَه، ويَحُفُّونَ به ويُوصِيهم بما كانَ يُوصِيهم به، فخرَجَ في أحَدٍ، فلمَّا اجْتَمَعوا حمِدَ اللهَ ووعَظَهم وقالَ مِثلَ ما كانَ يَقولُ لهُم، ثمَّ قالَ لهُم آخِرَ ذلك: يا هؤلاء، إنَّه قد كبِرَ سِنِّي، ورَقَّ عَظْمي، واقتَرَبَ أجَلي، وأنَّه لا عَهدَ لي بهذا البيتِ منذُ كذا وكذا، ولا بُدَّ مِن إتْيانِه، فاسْتَوْصوا بهذا الغُلامِ خَيرًا؛ فإنِّي رأيْتُه لا بأْسَ به، قالَ: فجَزِعَ القَومُ، فما رأيْتُ مثلَ جَزَعِهم، وقالوا: يا فلانُ، أنتَ كَبيرٌ، وأنتَ وَحدَكَ، ولا نأمَنُ مِن أنْ يُصيبَكَ الشَّيءُ، يُساعِدُكَ أحوَجُ ما كنَّا إليكَ، قالَ: فلا تُراجِعوني، لا بُدَّ مِن إتْيانِه، ولكنِ اسْتَوْصوا بهذا الغُلامِ خَيرًا، وافْعَلوا وافْعَلوا، قالَ: فقُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكَ، قالَ: يا سَلْمانُ، قد رأيْتَ حَالي، وما كنْتُ عليه، وليس هذا كذلك، أنا أمْشي أصومُ النَّهارَ وأقومُ اللَّيلَ، ولا أستَطيعُ أنْ أحمِلَ مَعي زادًا ولا غيرَه، وأنتَ لا تَقدِرُ على هذا، قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكَ، قالَ: أنتَ أعلَمُ، قالَ: فقالوا: يا فلانُ، فإنَّا نَخافُ على هذا الغُلامِ، قالَ: فهو أعلَمُ، قد أعلَمْتُه الحالَ، وقد رَأى ما كانَ قبلَ هذا، قُلْتُ: لا أُفارِقُكَ، قالَ: فبَكَوْا، ووَدَّعوهُ، وقالَ لهمُ: اتَّقُوا اللهَ وكونُوا على ما أوْصَيْتُكم به، فإنْ أعِشْ فعَلَيَّ أرجِعُ إليكم، وإنْ مُتُّ، فإنَّ اللهَ حيٌّ لا يَموتُ، فسلَّمَ عليهم، وخرَجَ وخرَجْتُ معَه، وقالَ لي: احمِلْ معَكَ مِن هذا الخُبزِ شَيئًا تَأْكُلُه، فخرَجَ وخرَجْتُ معَه يَمْشي، واتَّبَعْتُه يَذكُرُ اللهَ ولا يَلتَفِتُ، ولا يقِفُ على شَيءٍ، حتَّى إذا أمْسَيْنا، قالَ: يا سَلْمانُ، صَلِّ أنتَ ونَمْ، وكُلْ واشرَبْ، ثمَّ قامَ وهو يُصلِّي حتَّى إذا انْتَهى إلى بيتِ المَقدِسِ، وكانَ لا يَرفَعُ طَرْفَه إلى السَّماءِ، حتَّى إذا انْتَهَيْنا إلى بابِ المَسجِدِ، وإذا على البابِ مُقعَدٌ، فقالَ: يا عبدَ اللهِ، قد تَرى حَالي، فتَصدَّقْ عليَّ بشَيءٍ، فلم يَلتفِتْ إليه، ودخَلَ المَسجِدَ، ودخَلْتُ معَه، فجعَلَ يتَّبِعُ أمْكِنةً في المَسجِدِ فصَلَّى فيها، فقالَ: يا سَلْمانُ، إنِّي لم أجِدْ طَعْمَ النَّومِ منذُ كذا وكذا، فإنْ أنتَ جعَلْتَ أنْ توقِظَني إذا بلَغَ الظِّلُّ مَكانَ كذا وكذا نِمْتُ؛ فإنِّي أُحِبُّ أنْ أنامَ في هذا المَسجِدِ، وإلَّا لم أنَمْ، قالَ: قُلْتُ: فإنِّي أفعَلُ، قالَ: فإذا بلَغَ الظِّلُّ مَكانَ كذا وكذا فأيْقِظْني إذا غلَبَتْني عَيْني، فقامَ، فقُلْتُ في نَفْسي: هذا لم ينَمْ منذُ كذا وكذا، وقد رأيْتُ بعضَ ذلك، لأدَعَنَّه يَنامُ حتَّى يَشتَفيَ منَ النَّومِ، قالَ: وكانَ فيما يَمْشي وأنا معَه يُقبِلُ عليَّ فيَعِظُني، ويُخبِرُني أنَّ لي ربًّا، وأنَّ بيْنَ يدَيَّ جنَّةً ونارًا وحسابًا، ويُعلِّمُني ويُذَكِّرُني نحوَ ما يُذكِّرُ القَومَ يومَ الأحَدِ، حتَّى قالَ فيما يَقولُ: يا سَلْمانُ، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ سوف يَبعَثُ رَسولًا اسمُه أحمَدُ، يَخرُجُ بتِهامةَ -وكانَ رَجُلًا أعْجميًّا لا يُحسِنُ أنْ يقولَ: مُحمَّدٌ- علامَتُه أنَّه يأكُلُ الهَديَّةَ، ولا يأكُلُ الصَّدَقةَ، بيْنَ كَتِفَيْه خاتَمٌ، وهذا زَمانُه الَّذي يخرُجُ فيه قد تَقارَبَ، فأمَّا أنا؛ فإنِّي شَيخٌ كَبيرٌ، ولا أحْسَبُني أُدرِكُه، فإنْ أدْرَكْتَه فصَدِّقْه واتَّبِعْه، قالَ: قُلْتُ: وإنْ أمَرَني بتَرْكِ دينِكَ وما أنتَ عليه، قالَ: فاتْرُكْه؛ فإنَّ الحقَّ فيما يأمُرُ به، ورِضا الرَّحمَنِ فيما قالَ، فلم يَمضِ إلَّا يَسيرًا حتَّى استَيقَظَ فَزِعًا يَذكُرُ اللهَ، فقالَ لي: يا سَلْمانُ، مَضى الفَيْءُ مِن هذا المَكانِ، ولم أذكُرِ اللهَ، أين ما كُنْتَ جعَلْتَ على نفْسِكَ؟ قالَ: أخْبَرْتَني أنَّكَ لم تَنَمْ منذُ كذا وكذا، وقد رَأيْتُ بَعضَ ذلك، فأحبَبْتُ أنْ تَشتَفيَ منَ النَّومِ، فحمِدَ اللهَ، وقامَ، فخرَجَ، وتَبِعْتُه، فمَرَّ بالمُقعَدِ، فقالَ المُقعَدُ: يا عَبدَ اللهِ، دخلْتَ فسألْتُكَ فلم تُعْطِني، وخرَجْتَ فسألْتُكَ فلم تُعْطِني، فقامَ يَنظُرُ، هل يَرى أحَدًا؟ فلم يَرَه، فدَنا منه، فقالَ له: ناوِلْني يدَكَ فناوَلَه، فقالَ: بسمِ اللهِ، فقامَ كأنَّه أُنشِطَ مِن عِقالٍ صَحيحًا لا عَيبَ به، فخَلَّا عنْ يَدِه، فانطلَقَ ذاهِبًا، فكانَ لا يَلْوي على أحَدٍ، ولا يَقومُ عليه، فقالَ لي المُقعَدُ: يا غُلامُ، احمِلْ عليَّ ثِيابي حتَّى أنطَلِقَ أُبشِّرُ أهْلي، فحمَلْتُ عليه ثيابَه، وانطلَقَ لا يَلْوي عليَّ، فخرَجْتُ في إثْرِه أطلُبُه، فكلَّما سألْتُ عنه قالوا: أمامَكَ حتَّى لَقِيَني رَكْبٌ مِن كَلبٍ، فسألْتُهم، فلمَّا سَمِعوا، أناخَ رَجُلٌ مِنهم عليَّ بَعيرَه، فحمَلَني خَلفَه، حتَّى أتَوْا بلادَهُم فباعُوني، فاشْتَرَتْني امْرأةٌ منَ الأنْصارِ، فجعَلَتْني في حائطٍ لها، فقدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأُخبِرْتُ به، فأخذْتُ أشْياءَ مِن ثَمرِ حائِطي، فجعَلْتُه على شَيءٍ، ثمَّ أتَيْتُه، فوجَدْتُ عندَه ناسًا، وإذا أبو بَكرٍ أقرَبُ النَّاسِ إليه، فوضَعْتُه بيْنَ يدَيْه، فقالَ: ما هذا؟ قُلْتُ: صَدَقةٌ، قالَ للقَومِ: كُلوا، ولم يأكُلْ، ثمَّ لبِثْتُ ما شاءَ اللهُ، ثمَّ أخذْتُ مثلَ ذلك، فجعَلْتُه على شَيءٍ، ثمَّ أتيْتُه، فوجَدْتُ عندَه ناسًا، وإذا أبو بَكرٍ أقرَبُ القَومِ منه، فوضَعْتُه بيْنَ يدَيْه، فقالَ لي: ما هذا؟ فقُلْتُ: هَديَّةٌ، قالَ: بسمِ اللهِ، وأكَلَ وأكَلَ القَومُ، قُلْتُ في نَفْسي: هذه مِن آياتِه، كانَ صاحِبي رَجُلًا أعْجميًّا لم يُحسِنْ أنْ يَقولَ: تِهامةَ، فقالَ: تِهْمةَ، وقالَ: أحمَدُ، فدُرْتُ خَلفَه، ففَطِنَ بي، فأرْخى ثوبَه، فإذا الخاتَمُ في ناحيةِ كَتِفِه الأيسَرِ فتَبيَّنْتُه، ثمَّ دُرْتُ حتَّى جلَسْتُ بيْنَ يدَيْه، فقُلْتُ: أشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّكَ رَسولُ اللهِ، قالَ: مَن أنتَ؟ قُلْتُ: مَمْلوكٌ، قالَ: فحَدَّثْتُه حَديثي، وحَديثَ الرَّجلِ الَّذي كنْتُ معَه، وما أمَرَني به، قالَ: لمَن أنتَ؟ قُلْتُ: لامْرأةٍ منَ الأنْصارِ جعَلَتْني في حائطٍ لها، قالَ: يا أبا بَكرٍ، قالَ: لبَّيكَ، قالَ: اشْتَرِه، فاشْتَراني أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فأعْتَقَني، فلَبِثْتُ ما شاءَ اللهُ أنْ ألبَثَ، فسلَّمْتُ عليه، وقعَدْتُ بيْنَ يدَيْه، فقُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما تَقولُ في دينِ النَّصارى، قالَ: لا خَيرَ فيهم، ولا في دِينِهم، فدَخَلَني أمرٌ عَظيمٌ، فقُلْتُ في نَفْسي: هذا الَّذي كنْتُ معَه ورأيْتُ ما رَأيْتُه، ثمَّ رأيْتُه أخَذَ بيَدِ المُقعَدِ فأقامَه اللهُ على يدَيْه لا خيرَ في هؤلاء، ولا في دينِهم، فانصرَفْتُ وفي نَفْسي ما شاءَ اللهُ، فأنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82] إلى آخِرِ الآيةِ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: عليَّ بسَلْمانَ، فأتَى الرَّسولُ وأنا خائفٌ، فجِئْتُ حتَّى قعَدْتُ بيْنَ يدَيْه فقَرَأَ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82] إلى آخِرِ الآيةِ، يا سَلْمانُ، إنَّ أولئك الَّذين كنْتَ معَهم وصاحِبَكَ لم يَكونوا نَصارى، إنَّما كانُوا مُسلِمينَ، فقُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ، والَّذي بعَثَكَ بالحَقِّ لَهوَ الَّذي أمَرَني باتِّباعِكَ، فقُلْتُ له: وإنْ أمَرَني بتَرْكِ دينِكَ وما أنتَ عليه، قالَ: فاتْرُكْه؛ فإنَّ الحقَّ وما يجِبُ فيما يَأمُرُكَ به
الراويسلمان الفارسي
المحدثالحاكم
الصفحة أو الرقم6705
خلاصة حكم المحدثصحيح
عَن أبي أُمامةَ الباهِليِّ، عَن هِشامِ بنِ العاصِ الأُمَويِّ، قال: بُعِثتُ أنا ورَجُلٌ آخَرُ إلى هِرَقلَ صاحِبِ الرُّومِ نَدعوهُ إلى الإسلامِ، فخَرَجنا حَتَّى قدِمنا الغوطةَ -يَعني دِمَشقَ- فنَزَلنا على جَبَلةَ بنِ الأيهَمِ الغَسَّانيِّ، فدَخَلنا عليه فإذا هو على سَريرٍ له، فأرسَلَ إلَينا برَسولٍ نُكَلِّمُه، فقُلنا [له]: واللَّهِ لا نُكَلِّمُ رَسولًا، إنَّما بُعِثنا إلى المَلِكِ، فإن أذِنَ لَنا كَلَّمناهُ، وإلَّا لَم نُكَلِّمِ الرَّسولَ. فرَجَعَ إلَيه الرَّسولُ فأخبَرَه بذلك، قال: فأذِنَ لَنا، فقال: تَكَلَّموا. فكَلَّمَه هِشامُ بنُ العاصِ، ودَعاهُ إلى الإسلامِ، فإذا عليه ثيابُ سَوادٍ، فقال له هِشامٌ: وما هذه التي عليكَ؟ فقال: لَبِستُها، وحَلَفتُ أن لا أنزِعَها حَتَّى أُخرِجَكُم مِنَ الشَّامِ! قُلنا: ومَجلِسُكَ هذا، فواللَّهِ لَنَأخُذَنَّه مِنكَ، ولَنَأذَنَنَّ مُلكَ المَلِكِ الأعظَمِ إن شاءَ اللَّه، أخبَرَنا بذلك نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: لَستُم بهم، بَل هُم قَومٌ يَصومونَ بالنَّهارِ ويَقومونَ باللَّيلِ، فكَيفَ صَومَتُكُم؟ فأخبَرناهُ، فمَلَأ وجهَه سَوادًا، فقال: قوموا. وبَعَثَ مَعَنا رَسولًا إلى المَلِكِ، فخَرَجنا حَتَّى إذا كُنَّا قَريبًا مِنَ المَدينةِ قال لَنا الذي مَعَنا: إنَّ دَوابَّكُم هذه لا تَدخُلُ مَدينةَ المَلِكِ، فإن شِئتُم حَمَلناكُم على بَراذينَ وبِغالٍ. قُلنا: واللَّهِ لا نَدخُلُ إلَّا عليها. فأرسَلوا إلى المَلِكِ: إنَّهم يَأبَونَ. فدَخَلنا على رَواحِلِنا مُتَقَلِّدينَ سُيوفَنا حَتَّى انتَهَينا إلى غُرفةٍ لَه، فأنَخنا في أصلِها -وهو يَنظُرُ إلَينا- فقُلنا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أكبَرُ. واللَّهُ يَعلَمُ، لَقد تَنَفَّضَتِ الغُرفةُ حَتَّى صارَت كَأنَّها عِذقٌ تَصفِقُه الرِّياحُ، فأرسَلَ إلَينا: ليس لَكُم أن تَجهَروا علينا بدينِكُم. وأرسَلَ إلَينا: أنِ ادخُلوا. فدَخَلنا عليه وهو على فِراشٍ لَه، وعِندَه بَطارِقَتُه مِنَ الرُّومِ، وكُلُّ شَيءٍ في مَجلِسِه أحمَرُ، وما حَولَه حُمرةٌ، وعليه ثيابٌ مِنَ الحُمرِ، فدَنَونا مِنهُ فضَحِكَ، وقال: ما كانَ عليكُم لَو حَيَّيتُموني بتَحيَّتِكُم فيما بَينَكُم، فإذا عِندَه رَجُلٌ فصيحٌ بالعَرَبيَّةِ، كَثيرُ الكَلامِ، فقُلنا: إنَّ تَحيَّتَنا فيما بَينَنا لا تَحِلُّ لَكَ، وتَحيَّتَكَ التي تُحَيَّا بها لا يَحِلُّ لَنا أن نُحَيِّيَكَ بها. قال: كَيفَ تَحيَّتُكُم فيما بَينَكُم؟ قُلنا: السَّلامُ عليكَ. قال: فكَيفَ تُحيُّونَ مَلِكَكُم؟ قُلنا: بها. قال: وكَيفَ يَرُدُّ عليكُم. قُلنا: بها. قال: فما أعظَمُ كَلامِكُم؟ قُلنا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أكبَرُ. فلَمَّا تَكَلَّمنا بها قال: واللَّهُ يَعلَمُ لَقد تَنَفَّضَتِ الغُرفةُ حَتَّى رَفَعَ رَأسَه إلَيها، قال: فهذه الكَلِمةُ التي قُلتُموها حَيثُ تَنَفَّضَتِ الغُرفةُ كُلَّما قُلتُموها في بُيوتِكُم تَنَفَّضَت بُيوتُكُم عليكُم؟ قُلنا: لا، ما رَأيناها فعَلَت هذا قَطُّ إلَّا عِندَكَ! قال: لَودِدتُ أنَّكُم كُلَّما قُلتُم تَنَفَّضَ كُلُّ شَيءٍ عليكُم، وإنِّي خَرَجتُ مِن نِصفِ مُلكي. قُلنا: لمَ؟ قال: لأنَّه كانَ أيسَرَ لشَأنِها، وأجدَرَ أن لا يَكونَ مِن أمرِ النُّبوَّةِ، وأن يَكونَ مِن حيَلِ النَّاسِ. ثُمَّ سَألَنا عَمَّا أرادَ فأخبَرناهُ، ثُمَّ قال: كَيفَ صَلاتُكُم وصَومُكُم؟ فأخبَرناهُ، فقال: قوموا، فأمَرَ لَنا بمَنزِلٍ حَسَنٍ ونُزُلٍ كَثيرٍ، فأقَمنا ثَلاثًا، فأرسَلَ إلَينا لَيلًا، فدَخَلنا عليه، فاستَعادَ قَولَنا فأعَدناهُ، ثُمَّ دَعا بشَيءٍ كَهَيئةِ الرَّبعةِ العَظيمةِ مُذهَبةٍ، فيها بُيوتٌ صِغارٌ، عليها أبوابٌ، ففَتَحَ بَيتًا وقُفلًا، فاستَخرَجَ حَريرةً سَوداءَ فنَشَرَها، فإذا فيها صورةٌ حَمراءُ، وإذا فيها رَجُلٌ ضَخمُ العَينَينِ عَظيمُ الأليَتَينِ، لَم أرَ مِثلَ طولِ عُنُقِه، وإذا لَيسَت له لحيةٌ، وإذا له ضَفيرَتانِ أحسَنُ ما خَلَقَ اللَّهُ، قال: تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا آدَمُ عليه السَّلامُ. وإذا هو أكثَرُ النَّاسِ شَعرًا. ثُمَّ [فتَحَ] بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً سَوداءَ، وإذا فيها صورةٌ بَيضاءُ، وإذا له شَعرٌ كَشَعرِ القِطَطِ، أحمَرُ العَينَينِ، ضَخمُ الهامةِ، حَسَنُ اللِّحيةِ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا نوحٌ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً سَوداءَ، وإذا فيها رَجُلٌ شَديدُ البَياضِ، حَسَنُ العَينَينِ، صَلتُ الجَبينِ، طَويلُ الخَدِّ، أبيَضُ اللِّحيةِ، كَأنَّه يَبتَسِمُ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا إبراهيمُ عليه السَّلامُ، ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ فإذا فيها صورةٌ بَيضاءُ، وإذا -واللَّهِ- رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: أتَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: نَعَم، مُحَمَّدٌ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: وبَكَينا، قال: واللَّهُ يَعلَمُ أنَّه قامَ قائِمًا ثُمَّ جَلَسَ وقال: واللَّهِ إنَّه لَهو؟ قُلنا: نَعَم، إنَّه لَهو، كَأنَّما نَنظُرُ إلَيه. فأمسَكَ ساعةً يَنظُرُ إلَيها، ثُمَّ قال: أما إنَّه كانَ آخِرَ البُيوتِ، ولَكِن عَجَّلتُه لَكُم لأنظُرَ ما عِندَكُم. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً سَوداءَ، وإذا فيها صورةٌ أدماءُ سَحماءُ، وإذا رَجُلٌ جَعدٌ قَطَطٌ، غائِرُ العَينَينِ، حَديدُ النَّظَرِ، عابِسٌ، مُتَراكِبُ الأسنانِ، مُقَلَّصُ الشَّفةِ، كَأنَّه غَضبانُ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا موسى عليه السَّلامُ. وإلى جَنبِه صورةٌ تُشبِهُه، إلَّا أنَّه مدهانُ الرَّأسِ، عَريضُ الجَبينِ، في عَينَيه قَبَلٌ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا هارونُ بنُ عِمرانَ، ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً بَيضاءَ، فإذا فيها صورةُ رَجُلٍ آدَمَ، سَبطٍ، رَبعةٍ، كَأنَّه غَضبانُ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا لوطٌ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً بَيضاءَ، فإذا فيها صورةُ رَجُلٍ أبيَضَ، مُشرَبٍ حُمرةً، أقنى، خَفيفِ العارِضَينِ، حَسَنِ الوجهِ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا إسحاقُ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ حَريرةً بَيضاءَ، فإذا فيها صورةٌ تُشبِهُ إسحاقَ إلَّا أنَّه على شَفَتِه السُّفلى خالٌ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا يَعقوبُ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً سَوداءَ فيها صورةُ رَجُلٍ أبيَضَ، حَسَنِ الوجهِ، أقنى الأنفِ، حَسَنِ القامةِ، يَعلو وجهَه نورٌ، يُعرَفُ في وجهِه الخُشوعُ، يَضرِبُ إلى الحُمرةِ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا إسماعيلُ جَدُّ نَبيِّكُم (عليهما السَّلامُ). ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ حَريرةً بَيضاءَ، فيها صورةٌ كَأنَّها صورةُ آدَمَ، كَأنَّ وجهَه الشَّمسُ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا يوسُفُ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ حَريرةً بَيضاءَ، فيها صورةُ رَجُلٍ أحمَرَ، حَمشِ السَّاقَينِ، أخفَشِ العَينَينِ، ضَخمِ البَطنِ، رَبعةٍ، مُتَقَلِّدٍ سَيفًا، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا داوُدُ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ مِنهُ حَريرةً بَيضاءَ فيها صورةُ رَجُلٍ، ضَخمِ الأليَتَينِ، طَويلِ الرِّجلَينِ، راكِبٍ فرَسًا، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا سُلَيمانُ بنُ داوُدَ عليه السَّلامُ. ثُمَّ فتَحَ بابًا آخَرَ، فاستَخرَجَ منه حَريرةً سَوداءَ فيها صورةٌ بَيضاءُ، وإذا رَجُلٌ شابٌّ، شَديدُ سَوادِ اللِّحيةِ، كَثيرُ الشَّعرِ، حَسَنُ العَينَينِ، حَسَنُ الوجهِ، فقال: هَل تَعرِفونَ هذا؟ قُلنا: لا. قال: هذا عيسى ابنُ مَريَمَ عليه السَّلامُ. قُلنا: مِن أينَ لَكَ هذه الصُّوَرُ؟ لأنَّا نَعلَمُ أنَّها على ما صُوِّرَت عليه الأنبياءُ عليهمُ السَّلامُ؛ لأنَّا رَأينا صورةَ نَبيِّنا عليه السَّلامُ. فقال: إنَّ آدَمَ عليه السَّلامُ سَألَ رَبَّه أن يُريَه الأنبياءَ مِن ولَدِه، فأنزَلَ (اللَّهُ) عليه صُوَرَهم، فكانَ في خِزانةِ آدَمَ عليه السَّلامُ عِندَ مَغرِبِ الشَّمسِ، فاستَخرَجَها ذو القَرنَينِ مِن مَغرِبِ الشَّمسِ، فدَفَعَها إلى دانيالَ. ثُمَّ قال: أما واللَّهِ إنَّ نَفسي طابَت بالخُروجِ مِن مُلكي، وإنِّي كُنتُ عَبدًا لا يَترُكُ مُلكَه حَتَّى أموتَ. ثُمَّ أجازَنا فأحسَنَ جائِزَتَنا، وسَرَّحَنا، فلَمَّا أتَينا أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رَضيَ اللهُ عنه حَدَّثَنا بما رَأينا، وما قال لَنا وما أجازَنا، فبَكى أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، وقال: مِسكينٌ، لَو أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ به خَيرًا لَفَعَلَ. ثُمَّ قال: أخبَرَنا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّهم واليَهودَ يَجِدونَ نَعتَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَهم
الراويأبو بكر الصديق
المحدثابن كثير
الصفحة أو الرقم524
خلاصة حكم المحدثجيد الإسناد، رجاله ثقات
حديث الفُتونِ [يعني حديث: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ لموسى عليهِ السلامُ : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا، فسألتُهُ عن الفُتُونِ ما هوَ ؟ قال : استأنِفِ النهارَ يا ابنَ جبيرٍ فإنَّ لها حديثًا طويلًا : فلمَّا أصبحتُ غدوتُ إلى ابنِ عباسٍ لأنتجزَ منهُ ما وعدني من حديثِ الفُتُونِ، فقال : تذاكَرَ فرعونُ وجلساؤُهُ ما كان اللهُ وعدَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ أن يجعلَ في ذريتِهِ أنبياءَ وملوكًا، فقال بعضهم : إنَّ بني إسرائيلَ ينتظرونَ ذلك، ما يَشُكُّونَ فيهِ، وكانوا يظنُّونَ أنَّهُ يوسفُ بنُ يعقوبَ، فلمَّا هلك قالوا : ليس هكذا كان وعدُ إبراهيمَ، فقال فرعونُ : فكيف تَرَوْنَ ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعثَ رجالًا معهم الشِّفَارُ، يطوفونَ في بني إسرائيلَ، فلا يجدونَ، مولودًا ذكرًا إلا ذبحوهُ، ففعلوا ذلك، فلمَّا رَأَوْا أنَّ الكبارَ من بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالهم، والصغارَ يُذْبَحُونَ، قالوا : يُوشِكُ أن تُفْنُوا بني إسرائيلَ، فتصيروا أن تُبَاشِرُوا من الأعمالِ والخدمةِ التي كانوا يَكْفُونَكُمْ، فاقتلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيَقِلُّ أبناؤهم، ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا، فيَشِبُّ الصغارُ مكان من يموتُ من الكبارِ، فإنَّهم لن يكثروا بمن تستحيونَ منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن يَفْنَوا بمن تقتلونَ وتحتاجونَ إليهم. فأَجْمَعُوا أمرهم على ذلك. فحملتْ أمُّ موسى بهارونَ في العامِ الذي لا يُذْبَحُ فيهِ الغلمانُ، فولدتْهُ علانيةً آمنةً. فلمَّا كان من قابلٍ حملتْ بموسى عليهِ السلامُ، فوقع في قلبها الهمُّ والحزنُ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ما دخل عليهِ في بطنِ أُمِّهِ ، ممَّا يُرادُ بهِ. فأوحى اللهُ إليها أن : وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فأمرها إذا ولدتْ أن تجعلَهُ في تابوتٍ ثم تُلْقِيهِ في اليمِّ . فلمَّا ولدتْ فعلتْ ذلك، فلمَّا تَوارَى عنها ابنها أتاها الشيطانُ، فقالت في نفسها : ما فعلتُ بابني، لو ذُبِحَ عندي فواريتُهُ وكفَّنتُهُ كان أحبُّ إليَّ من أن أُلْقِيهِ إلى دوابِّ البحرِ وحيتانِهِ. فانتهى الماءُ بهِ حتى أوفى بهِ عند فُرْضَةِ مُسْتَقَى جواري امرأةِ فرعونَ فلمَّا رأينَهُ أخذنَهُ فهممن أن يفتحْنَ التابوتَ فقال بعضهنَّ : إنَّ في هذا مالًا، وإنَّا إن فتحناهُ لم تُصَدِّقنا امرأةُ المَلِكِ بما وجدنا فيهِ، فحملنَهُ كهيئتِهِ لم يُخْرِجْنَ منهُ شيئًا حتى رفعنَهُ إليها. فلمَّا فتحتْهُ رأتْ فيهِ غلامًا، فأُلْقِي عليهِ منها محبةً لم يُلْقِ منها على أحدٍ قطُّ، وأصبحَ فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من ذِكْرِ كلِّ شيٍء، إلا من ذِكْرِ موسى. فلمَّا سمع الذبَّاحونَ بأمرِهِ، أقبلوا بشِفَارِهِمْ إلى امرأةِ فرعونَ ليذبحوهُ : وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ، فقالت لهم : أَقِرُّوهُ فإنَّ هذا الواحدَ لا يزيدُ في بني إسرائيلَ حتى آتي فرعونَ فأستوهبُهُ منهُ، فإن وهبَهُ لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمرَ بذبحِهِ لم أَلُمْكُمْ. فأتت فرعونَ فقالت قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ. فقال فرعونُ : يكونُ لكَ. فأمَّا لي فلا حاجةَ لي فيهِ : فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : والذي يُحْلَفُ بهِ لو أَقَرَّ فرعونُ أن يكونَ قرَّةَ عينٍ لهُ، كما أَقَرَّتْ امرأتُهُ، لهداهُ اللهُ كما هداها، ولكن حَرَمَهُ ذلك. فأرسلتْ إلى من حولها، إلى كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ لتختارَ لهُ ظِئْرًا، فجعل كلَّما أخذتْهُ امرأةٌ منهنَّ لتُرْضِعَهُ لم يُقْبِلْ على ثديها حتى أشفقتِ امرأةُ فرعونَ أن يمتنعَ من اللبنِ فيموتَ، فأحزنها ذلك، فأمرتْ بهِ فأُخْرِجَ إلى السوقِ ومجمعِ الناسِ، ترجو أن تجدَ لهُ ظِئْرًا تأخذُهُ منها، فلم يُقْبِلْ، وأصبحتْ أمُّ موسى والهًا، فقالت لأختِهِ : قُصِّي أَثَرَهُ واطلبيهِ، هل تسمعينَ لهُ ذِكْرًا، أحيٌّ ابني أم قد أكلتْهُ الدوابُّ ؟ ونَسِيَتْ ما كان اللهُ وعدها فيهِ، فبصرتْ بهِ أختُهُ عن جُنُبٍ وهم لا يشعرونَ – والجُنُبُ : أن يَسْمُو بصرُ الإنسانِ إلى شيٍء بعيدٍ، وهو إلى جنبِهِ، وهو لا يشعرُ بهِ – فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظؤراتُ : أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ. فأخذوها فقالوا ما يُدريكِ ؟ وما نُصْحُهُمْ لهُ ؟ هل يعرفونَهُ ؟ حتى شَكُّوا في ذلك، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ. فقالت : نُصْحُهُمْ لهُ وشفقتهم عليهِ رغبتهم في ظؤرةِ الملكِ، ورجاءَ منفعةِ الملكِ. فأرسلوها فانطلقتْ إلى أُمِّهَا، فأخبرتها الخبرَ. فجاءت أُمُّهُ، فلمَّا وضعتْهُ في حجرها نَزَا إلى ثديها فمَصَّهُ، حتى امتلأَ جنباهُ رِيًّا، وانطلقَ البُشَراءُ إلى امرأةِ فرعونَ يُبَشِّرونها : أن قد وجدنا لابنكِ ظِئْرًا. فأرسلتْ إليها، فأتتْ بها وبهِ، فلمَّا رأت ما يصنعُ بها قالت : امْكُثِي تُرْضِعِي ابني هذا، فإني لم أُحِبَّ شيئًا حُبَّهُ قطُّ. قالت أمُّ موسى : لا أستطيعُ أن أدعَ بيتي وولدي فيضيعُ، فإن طابت نفسكَ أن تُعطينِيهِ فأذهبُ بهِ إلى بيتي، فيكونُ معي لا آلوهُ خيرًا فعلتُ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي. وذكرتْ أمُّ موسى ما كان اللهُ وعدها فيهِ، فتعاسرتْ على امرأةِ فرعونَ ، وأيقنَتْ أنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وعدَهُ، فرجعتْ بهِ إلى بيتها من يومها، وأنبتَهُ اللهُ نباتًا حسنًا، وحَفِظَهُ لما قد قضى فيهِ. فلم يزل بنو إسرائيلَ، وهم في ناحيةِ القريةِ، ممتنعينَ من السخرةِ والظلمِ ما كان فيهم، فلمَّا ترعرعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأمِّ موسى : أَتُرِيني ابني ؟ فوَعَدَتْهَا يومًا تُرِيها إياهُ فيهِ، وقالت امرأةُ فرعونَ لخازنها وظؤرها وقَهَارِمَتِهَا لا يَبْقِيَنَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابني اليومَ بهديةٍ وكرامةٍ لأرى ذلك، وأنا باعثةٌ أمينًا يًحْصِي ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم، فلم تزلِ الهدايا والنِّحَلُ والكرامةُ تستقبلُهُ من حينِ خرج من بيتِ أُمِّهِ إلى أن دخل على امرأةِ فرعونَ ، فلمَّا دخل عليها نَحَلَتْهُ وأكرمتْهُ، وفرحت بهِ، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لحُسْنِ أثرها عليهِ، ثم قالت : لآتِيَنَّ بهِ فرعونَ فليَنْحَلَنَّهُ وليُكْرِمَنَّهُ، فلمَّا دخلت بهِ عليهِ جعلَهُ في حجرِهِ، فتناولَ موسى لِحْيَةَ فرعونَ يَمُدُّها إلى الأرضِ، فقال الغواةُ من أعداءِ اللهِ لفرعونَ : ألا ترى ما وعد اللهُ إبراهيمَ نبيَّهُ، إنَّهُ زعم أن يرثِكَ ويعلوكَ ويصرعكَ، فأرسلَ إلى الذَّبَّاحينَ ليذبحوهُ. وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ بعد كلِّ بلاءٍ ابْتُلِيَ بهِ، وأُريدَ بهِ. فجاءت امرأةُ فرعونَ فقالت : ما بدا لك في هذا الغلامِ الذي وهبتَهُ لي ؟ فقال : ألا تَرَيْنَهُ يزعمُ أنَّهُ يصرعني ويعلوني. فقالت : اجعلْ بيني وبينك أمرًا يُعْرَفُ فيهِ الحقُّ، ائتِ بجمرتيْنِ ولؤلؤتيْنِ، فقرِّبْهُنَّ إليهِ، فإن بطشَ باللؤلؤتيْنِ واجتنبْ الجمرتيْنِ فاعرفْ أنَّهُ يَعْقِلْ وإن تناولَ الجمرتيْنِ ولم يَرُدَّ اللؤلؤتيْنِ علمتَ أنَّ أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتيْنِ على اللؤلؤتيْنِ وهو يَعْقِلُ، فقَرَّبَ إليهِ، فتناولَ الجمرتيْنِ، فانتزعهما منهُ مخافةَ أن يحرقا يدَهُ، فقالت امرأةُ فرعونَ : ألا ترى ؟ فصرفَهُ اللهُ عنهُ بعد ما كان قد همَّ بهِ، وكان اللهُ بالغًا فيهِ أمرَهُ. فلمَّا بلغ أَشُدَّهُ وكان من الرجالِ، لم يكن أحدٌ من آلِ فرعونَ يخلصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيلَ معهُ بظلمٍ ولا سخرةٍ، حتى امتنعوا كلَّ الامتناعِ، فبينما موسى عليهِ السلامُ يمشي في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجليْنِ يقتتلانِ، أحدهما فرعونيٌّ والآخرُ إسرائيليٌّ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فغضب موسى غضبًا شديدًا، لأنَّهُ تناولَهُ وهو يعلمُ منزلتَهُ من بني إسرائيلَ وحِفْظِهِ لهم، لا يعلمُ الناسُ إلا أنما ذلك من الرضاعِ، إلا أمُّ موسى، إلا أن يكون اللهُ أطلعَ موسى من ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليهِ غيرُهُ. فوكزَ موسى الفرعونيَّ، فقتلَهُ وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ والإسرائيليُّ، فقال موسى حين قتلَ الرجلَ : هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. ثم قال : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فأصبحَ في المدينةِ خائفًا يترقَّبُ الأخبارَ، فأُتِيَ فرعونُ، فقيل لهُ : إنَّ بني إسرائيلَ قتلوا رجلًا من آلِ فرعونَ فخُذْ لنا بحَقِّنَا ولا تُرَخِّصْ لهم. فقال : أبغوني قاتِلَهُ، ومن يشهدُ عليهِ، فإنَّ الملكَ وإن كان صَفْوُهُ مع قومِهِ لا يستقيمُ لهُ أن يُقِيدَ بغيرِ بينَةٍ ولا ثَبْتٍ، فاطلبوا لي عِلْمَ ذلك آخُذُ لكم بحقكم. فبينما هم يطوفونَ ولا يجدون ثَبْتًا، إذا بموسى من الغدِ قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يُقاتِلُ رجلًا من آلِ فرعونَ آخرَ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادف موسى قد ندم على ما كان منهُ وكَرِهَ الذي رأى، فغضب الإسرائيليُّ وهو يريدُ أن يبطشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ لما فعل بالأمسِ واليومَ : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ. فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى بعد ما قال لهُ ما قال، فإذا هو غضبانٌ كغضبِهِ بالأمسِ الذي قتلَ فيهِ الفرعونيَّ فخاف أن يكون بعدما قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أن يكونَ إياهُ أرادَ، ولم يكن أرادَهُ، وإنَّما أرادَ الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ وقال : يا موسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ وإنما قالَهُ مخافةَ أن يكون إياهُ أراد موسى ليقتلَهُ، فتتاركا وانطلقَ الفرعونيُّ فأخبرهم بما سمع من الإسرائيليِّ من الخبرِ حين يقولُ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ فأرسل فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتلوا موسى، فأخذ رُسُلُ فرعونَ في الطريقِ الأعظمِ يمشونَ على هيئتهم يطلبونَ موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجلٌ من شيعةِ موسى من أقصى المدينةِ فاختصرَ طريقًا حتى سبقهم إلى موسى فأخبرَهُ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ. فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحوَ مَدْيَنَ لم يَلْقَ بلاءً قبل ذلك، وليس لهُ بالطريقِ علمٌ إلا حُسْنُ ظنِّهِ بربهِ عزَّ وجلَّ فإنَّهُ قال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ يعني بذلك حابستيْنِ غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتيْنِ لا تسقيانِ مع الناسِ ؟ قالتا : ليس لنا قوةٌ نُزاحِمُ القومَ وإنما ننتظرُ فُضُولَ حياضهم، فَسَقَى لهما فجعل يغترفُ في الدَّلْوِ ماءً كثيرًا حتى كان أولَ الرُّعَاءِ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليهِ السلامُ فاستظَلَّ بشجرةٍ وقال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ واستنكرَ أبوهما سرعةَ صدورهما بغنمهما حُفَّلًا بِطَانًا فقال : إنَّ لكما اليومَ لشأنًا، فأخبرتاهُ بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوهُ، فأتتْ موسى فدعتْهُ فلمَّا كلَّمَهُ قال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ليس لفرعونَ ولا لقومِهِ علينا سلطانٌ، ولسنا في مملكتِهِ، فقالت إحداهما : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مِنَ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فاحتملتْهُ الغِيرَةُ على أن قال لها : ما يُدْرِيكِ ما قوتُهُ وما أمانتُهُ ؟ قالت : أما قُوَّتُهُ فما رأيتُ منهُ في الدَّلْوِ حين سقى لنا، لم أَرَ رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السَّقْيِ منهُ، وأما الأمانةُ فإنَّهُ نظر إلي حينِ أقبلتْ إليهِ وشَخَصَتْ لهُ، فلمَّا علم أني امرأةٌ صَوَّبَ رأسَهُ فلم يرفعْهُ حتى بَلَّغْتُهُ رسالتكَ، ثم قال لي : امشي خلفي وانْعُتِي لي الطريقَ، فلم يفعل هذا إلا وهو أمينٌ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقها وظَنَّ بهِ الذي قالت، فقال لهُ : هل لكَ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ففعل فكانت على نبيِّ اللهِ موسى ثماني سنينَ واجبةً وكانت سَنَتَانِ عِدَةً منهُ فقضى اللهُ عنهُ عِدَتَهُ فأَتَمَّها عشرًا. قال سعيدٌ هو ابنُ جبيرٍ : فلَقِيَنِي رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ من علمائهم قال : هل تدري أيُّ الأجلَيْنِ قضى موسى ؟ قلتُ : لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقيتُ ابنَ عباسٍ فذكرتُ ذلك لهُ فقال : أما علمتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ واجبةً لم يكن لنبيٍّ أن يَنْقُصَ منها شيئًا، ويعلمُ أنَّ اللهَ كان قاضيًا عن موسى عِدَتَهُ التي وعدَهُ فعِدَتُهُ التي وعدَهُ فإنَّهُ قضى عشرَ سنينَ، فلقيتُ النصرانيَّ فأخبرتُهُ ذلك فقال : الذي سألتَهُ فأخبركَ أعلمُ منكَ بذلك قلتُ : أجل وأَوْلَى. فلمَّا سار موسى بأهلِهِ كان من أمرِ النارِ والعصا ويدِهِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القرآنِ، فشكا إلى اللهِ تعالى ما يَتَخَوَّفُ من آلِ فرعونَ في القتيلِ وعُقْدَةِ لسانِهِ، فإنَّهُ كان في لسانِهِ عُقْدَةً تمنعُهُ من كثيرٍ من الكلامِ، وسأل ربهُ أن يُعِينَهُ بأخيهِ هارونَ يكونُ لهُ رِدْءًا ويتكلَّمُ عنهُ بكثيرٍ مما لا يُفْصِحُ بهِ لسانُهُ، فآتاهُ اللهُ سُؤْلَهُ وحلَّ عقدةً من لسانِهِ وأوحى اللهُ إلى هارونَ وأَمَرَهُ أن يلقاهُ، فاندفع موسى بعصاهُ حتى لَقِيَ هارونَ عليهما السلامُ فانطلقا جميعًا إلى فرعونَ فأقاما على بابِهِ حينًا لا يُؤْذَنُ لهما، ثم أُذِنَ لهما بعد حجابٍ شديدٍ فقالا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ قال : فمن ربكما ؟ فأخبرَهُ بالذي قَصَّ اللهُ عليكَ في القرآنِ، قال : فما تريدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القتيلَ فاعتذرَ بما قد سمعتَ، قال : أريدً أن تُؤْمِنَ باللهِ وتُرْسِلَ معيَ بني إسرائيلَ، فأَبَى عليهِ وقال ائْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فألقى عصاهُ فإذا هي حيَّةٌ تسعى عظيمةٌ فاغِرَةٌ فاها مسرعةٌ إلى فرعونَ ، فلمَّا رآها قاصدةً إليهِ خافها فاقتحمَ عن سريرِهِ واستغاثَ بموسى أن يَكُفَّهَا عنهُ ففعلَ، ثم أخرج يدَهُ من جيبِهِ فرآها بيضاءَ من غيرِ سوءٍ يعني من غيرِ بَرَصٍ ثم رَدَّهَا فعادت إلى لونها الأولِ، فاستشار الملأَ حولَهُ فيما رأى، فقالوا لهُ : هَذَانِ سَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى يعني مُلْكَهُمْ الذي هم فيهِ والعيشِ، وأَبَوْا على موسى أن يُعْطُوهُ شيئًا ممَّا طلبَ، وقالوا لهُ : اجمعْ لهما السحرةَ فإنَّهم بأرضكَ كثيرٌ حتى تَغْلِبَ بسحركَ سحرهما، فأرسلَ إلى المدائنِ فحُشِرَ لهُ كلُّ ساحرٍ متعالمٍ، فلمَّا أَتَوْا فرعونَ قالوا : بم يعملُ هذا الساحرُ ؟ قالوا : يعمل بالحَيَّاتِ، قالوا : فلا واللهِ ما أَحَدٌ في الأرضِ يعملُ بالسحرِ بالحَيَّاتِ والحبالِ والعِصِيِّ الذي نعملُ، وما أَجْرُنَا إن نحنُ غَلَبْنَا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصَّتي، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيٍء أحببتم، فتواعدوا يومَ الزينةِ وأنْ يُحْشَرَ الناسُ ضحىً، قال سعيدُ بنُ جبيرٍ : فحدَّثني ابنُ عباسٍ أنَّ يومَ الزينةَ الذي أظهرَ اللهُ فيهِ موسى على فرعونَ والسحرةَ هو يومُ عاشوراءَ. فلمَّا اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ قال الناسُ بعضهم لبعضٍ : انطلقوا فلنحضر هذا الأمرَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ يعنون موسى وهارونَ استهزاءً بهما، فقالوا : يا موسى لقدرتهم بسحرهم إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ: بَلْ أَلْقُوا فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فرأى موسى من سحرهم ما أوجسَ في نفسِهِ خيفةً، فأوحى اللهُ إليهِ أن أَلْقِ عصاكَ، فلمَّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمةً فاغِرَةً فاها، فجعلتِ العِصِيُّ تلتبسُ بالحبالِ حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبانِ، تدخلُ فيهِ، حتى ما أبقت عصًا ولا حبالًا إلا ابتلعتْهُ، فلمَّا عرفتِ السحرةُ ذلك قالوا، لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كلَّ هذا، ولكنَّهُ أمرٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ، آمَنَّا باللهِ وبما جاء بهِ موسى، ونتوبُ إلى اللهِ ممَّا كُنَّا عليهِ، فكسرَ اللهُ ظهرَ فرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِهِ، وظَهَرَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وامرأةُ فرعونَ بارزةٌ متبذلةٌ تدعو اللهَ بالنصرِ لموسى على فرعونَ وأشياعِهِ، فمن رآها من آلِ فرعونَ ظنَّ أنَّها إنما ابتُذِلَتْ للشفقةِ على فرعونَ وأشياعِهِ، وإنَّما كان حزنها وهَمُّها لموسى. فلمَّا طال مُكْثُ موسى بمواعيدِ فرعونَ الكاذبةِ، كلَّما جاء بآيةٍ وعدَهُ عندها أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ، فإذا مَضَتْ أخلفَ موعدَهُ وقال : هل يستطيعُ ربكَ أن يصنعَ غيرَ هذا ؟ فأرسلَ اللهُ على قومِهِ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقَمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ، كلُّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلبُ إليهِ أن يَكُفَّها عنهُ، ويُوَاثِقُهُ على أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ، فإذا كَفَّ ذلك عنهُ أخلفَ موعدَهُ، ونكث عهدَهُ. حتى أمرَ اللهُ موسى بالخروجِ بقومِهِ فخرج بهم ليلًا، فلمَّا أصبح فرعونُ ورأى أنهم قد مَضَوْا أَرْسَلَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، فتبعَهُ بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللهُ إلى البحرِ : إذا ضربكَ عبدي موسى بعصاهُ فانفلِقْ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً، حتى يجوزَ موسى ومن معهُ، ثم التَقِ على من بَقِيَ بعد من فرعونَ وأشياعِهِ. فنسيَ موسى أن يضربَ البحرَ بالعصا وانتهى إلى البحرِ ولهُ قصيفٌ، مخافةَ أن يضربَهُ موسى بعصاهُ وهو غافلٌ فيصيرُ عاصيًا للهِ. فلمَّا تراءى الجَمْعَانِ وتقاربا قال أصحابُ موسى : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، افعلْ ما أمركَ بهِ ربكَ، فإنَّهُ لم يَكْذِبْ ولم تَكْذِبْ. قال : وعدني أن إذا أتيتُ البحرَ انْفَرَقَ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً، حتى أُجَاوِزُهُ : ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحرَ بعصاهُ حين دنا أوائلُ جُنْدِ فرعونَ من أواخرِ جُنْدِ موسى، فانفرقَ البحرُ كما أمرَهُ ربهُ وكما وعد موسى فلمَّا أن جاز موسى وأصحابُهُ كلُّهم البحرَ، ودخل فرعونُ وأصحابُهُ، التقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ فلمَّا جاوزَ موسى البحرَ قال أصحابُهُ : إنَّا نخافُ أن لا يكون فرعونُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بهلاكِهِ. فدعا ربهُ فأخرجَهُ لهُ ببدنِهِ حتى استيقنوا بهلاكِهِ. ثم مَرُّوا بعد ذلك عَلَى قَوْمٍ يَعْكِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قد رأيتم من العِبَرِ وسمعتم ما يكفيكم ومضى. فأنزلهم موسى منزلًا وقال : أطيعوا هارونَ فإني قد استخلفتُهُ عليكم، فإني ذاهبٌ إلى ربي. وأَجَّلَهُمْ ثلاثينَ يومًا أن يرجعَ إليهم فيها، فلمَّا أتى ربهُ وأرادَ أن يُكَلِّمَهُ في ثلاثينَ يومًا وقد صامهُنَّ ليلهُنَّ ونهارهُنَّ، وكَرِهَ أن يُكَلِّمَ ربهُ وريحُ فيهِ، ريحُ فمِ الصائمِ، فتناولَ موسى من نباتِ الأرضِ شيئًا فمضغَهُ، فقال لهُ ربهُ حين أتاهُ : لم أفطرتَ ؟ وهو أعلمُ بالذي كان : قال : يا ربِّ، إني كرهتُ أن أُكَلِّمَكَ إلا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ. قال : أوما علمتَ يا موسى أنَّ رِيحَ فمِ الصائمِ أطيبُ من ريحِ المِسْكِ، ارجع فصُمْ عشرًا ثم ائتني. ففعل موسى عليهِ السلامُ ما أُمِرَ بهِ، فلمَّا رأى قومُ موسى أنَّهُ لم يرجع إليهم في الأَجَلِ، ساءهم ذلك : وكان هارونُ قد خطبهم وقال : إنَّكم قد خرجتم من مصرَ، ولقومِ فرعونَ عندكم عَوَارِيَ وودائعُ، ولكم فيهم مثلُ ذلك ولا ممسكيهِ لأنفسنا، فحفرَ حفيرًا، وأمر كلَّ قومٍ عندهم من ذلك من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أن يقذفوهُ في ذلك الحفيرِ، ثم أوقدَ عليهِ النارَ فأحرقَهُ، فقال : لا يكونُ لنا ولا لهم. وكان السامريُّ من قومٍ يعبدونَ البقرَ، جيرانٌ لبني إسرائيلَ، ولم يكن من بني إسرائيلَ، فاحتملَ مع موسى وبني إسرائيلَ حينَ احتملوا، فقضى لهُ أن رأى أَثَرًا فقبضَ منهُ قبضةً، فمرَّ بهارونَ، فقال لهُ هارونُ عليهِ السلامُ : يا سامريُّ، ألا تُلْقِي ما في يدكَ ؟ وهو قابضٌ عليهِ، لا يراهُ أحدٌ طُوَالَ ذلكَ، فقال : هذهِ قبضةٌ من أَثَرِ الرسولِ الذي جاوزَ بكمُ البحرَ، ولا أُلْقِيهَا لشيٍء إلا أن تدعو اللهَ إذا ألقيتُهَا أن يكونَ ما أُريدُ. فألقاها، ودعا لهُ هارونُ، فقال : أُريدُ أن يكونَ عِجْلًا. فاجتمعَ ما كان في الحفيرةِ من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أو نحاسٍ أو حديدٍ، فصار عِجْلَا أجوفَ ، ليس فيهِ روحٌ، ولهُ خُوَارٌ قال ابنُ عباسٍ : لا واللهِ، ما كان لهُ صوتٌ قطُّ، إنَّما كانت الريحُ تدخُلُ في دُبُرِهِ وتخرجُ من فيهِ، فكان ذلك الصوتَ من ذلكَ. فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا، فقالت فِرْقَةٌ : يا سامريُّ، ما هذا ؟ وأنتَ أعلمُ بهِ. قال : هذا ربكم، ولكن موسى أَضَلَّ الطريقَ. وقالت فِرْقَةٌ : لا نُكَذِّبُ بهذا حتى يرجعَ إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضَيَّعْنَاهُ وعجزنا فيهِ حين رأيناهُ، وإن لم يكن ربنا فإنَّا نَتَّبِعُ قولَ موسى، وقالت فِرْقَةٌ : هذا عملُ الشيطانِ، وليس بربنا ولا نُؤْمِنُ بهِ ولا نُصَدِّقُ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قلوبهم الصدقَ بما قال السامريُّ في العِجْلِ، وأعلنوا التكذيبَ بهِ، فقال لهم هارونُ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكَمُ الرَّحْمَنُ. قالوا : فما بالُ موسى وعدنا ثلاثينَ يومًا ثم أخلفنا ؟ هذهِ أربعونَ يومًا قد مضتْ ؟ وقال سفهاؤهم : أخطأَ ربُّهُ فهو يطلبُهُ ويَتْبَعُهُ. فلمَّا كلَّمَ اللهُ موسى وقال لهُ ما قال : أَخْبَرَهُ بما لَقِيَ قومُهُ من بعدِهِ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا فقال لهم ما سمعتم في القرآنِ، وأخذ برأسِ أخيهِ يَجُرُّهُ إليهِ، وألقى الألواحَ من الغضبِ، ثم إنَّهُ عذرَ أخاهُ بعذرِهِ، واستغفرَ لهُ، وانصرفَ إلى السامريِّ فقال لهُ : ما حملكَ على ما صنعتَ ؟ قال : قَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، وفطنتُ لها وعميتْ عليكم، فقذفتها وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منهُ، فاستيقنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ، واغتُبِطَ الذين كان رأيهم فيهِ مثلَ رأي هارونَ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى، سَلْ لنا ربكَ أن يفتحَ لنا بابَ توبةٍ نصنعها، فيُكَفِّرْ عنَّا ما عملنا. فاختارَ موسى قومَهُ سبعينَ رجلًا لذلك، لا يَأْلُو الخيرَ، خيارَ بني إسرائيلَ، ومن لم يُشْرِكْ في العِجْلِ، فانطلقَ بهم يسألُ لهمُ التوبةَ، فرجفتْ بهمُ الأرضَ، فاستحيا نبيُّ اللهِ من قومِهِ ومن وفدِهِ حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ، فقال : ربِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا وفيهم من كان اطَّلَعَ اللهُ منهُ على ما أُشْرِبَ قلبُهُ من حُبِّ العِجْلِ وإيمانٍ بهِ فلذلك رجفتْ بهمُ الأرضُ فقال : رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فقال : يا ربِّ سألتُكَ التوبةَ لقومي، فقلتَ : إنَّ رحمتي كتبتُهَا لقومٍ غيرِ قومي فليتَكَ أَخَّرْتَنِي حتى تُخْرِجَنِي في أُمَّةِ ذلك الرجلِ المرحومةِ، فقال لهُ : إنَّ توبتهم أن يَقْتُلَ كلُّ رجلٍ منهم من لَقِيَ من والدٍ وولدٍ فيقتلُهُ بالسيفِ ولا يُبَالِي من قتلَ في ذلك الموطنِ وتاب أولئكَ الذين كان خَفِيَ على موسى وهارونَ واطَّلَعَ اللهُ من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أُمِرُوا وغفرَ اللهُ للقاتلِ والمقتولِ. ثم سار بهم موسى عليهِ السلامُ مُتَوَجِّهًا نحوَ الأرضِ المقدسةِ، وأخذ الألواحَ بعد ما سكتَ عنهُ الغضبُ فأمرهم بالذي أُمِرَ بهِ أن يُبَلِّغَهُمْ من الوظائفِ، فثَقُلَ ذلك عليهم وأَبَوْا أن يُقِرُّوا بها، فنَتَقَ اللهُ عليهمُ الجبلَ كأنَّهُ ظُلَّةٌ ودنا منهم حتى خافوا أن يقعَ عليهم فأَخَذُوا الكتابَ بأيمانهم وهم مُصْغُونَ ينظرونَ إلى الجبلِ والكتابُ بأيديهم، وهم من وراءِ الجبلِ مخافةَ أن يقعَ عليهم، ثم مَضَوْا حتى أَتَوْا الأرضَ المقدسةَ فوجدوا مدينةً فيها قومٌ جَبَّارُونَ خَلْقُهُمْ خَلْقٌ مُنْكَرٌ، وذكروا من ثمارهم أمرًا عجيبًا من عِظَمِهَا، فقالوا : يا موسى إنَّ فيها قومًا جَبَّارِينَ لا طاقةَ لنا بهم، ولا ندخلها ماداموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلونَ، قال رجلانِ من الذينَ يخافونَ قيل ليزيدٍ : هكذا قرأَهُ ؟ قال : نعم، من الجَبَّارِينَ آمَنَّا بموسى، وخرجا إليهِ فقالوا : نحنُ أعلمُ بقومنا إن كنتم إنَّما تخافونَ ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنَّهم لا قلوبَ لهم ولا مَنَعَةَ عندهم فادخلوا عليهمُ البابَ فإذا دخلتموهُ فإنَّكم غالبونَ، ويقولُ أُناسٌ : إنَّهم من قومِ موسى، فقال الذينَ يخافونَ بنو إسرائيلَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقينَ، ولم يَدْعُ عليهم قبلَ ذلك، لِمَا رأى منهم المعصيةَ وإساءتهم حتى كان يومئذٍ، فاستجاب اللهُ لهُ وسمَّاهم كما سمَّاهم فاسقينَ، فحرَّمَهَا عليهم أربعينَ سَنَةً يتيهونَ في الأرضِ، يُصْبِحُونَ كلَّ يومٍ فيسيرونَ ليس لهم قرارٌ ثم ظَلَّلَ عليهمُ الغمامَ في التِّيهِ وأنزلَ عليهمُ المَنَّ والسلوى وجعل لهم ثيابًا لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخُ، وجعل بين ظهرانيهم حَجَرًا مُرَبَّعًا وأمرَ موسى فضربَهُ بعصاهُ فانفجرتْ منهُ اثنتا عشرةَ عينًا في كلِّ ناحيةٍ ثلاثُ أعينٍ، وأعلمَ كلَّ سِبْطٍ عَيْنُهُمُ التي يشربونَ منها فلا يرتحلونَ من مَنْقَلَةٍ إلا وجدوا ذلك الحَجَرَ معهم بالمكانِ الذي كان فيهِ بالأمسِ]
الراوي[سعيد بن جبير]
المحدثالهيثمي
الصفحة أو الرقم7/59
خلاصة حكم المحدثرجاله رجال الصحيح غير أصبغ بن زيد‏‏ والقاسم بن أبي أيوب وهما ثقتان
سألْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما عن قولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لموسى صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40]، فسألْتُه عن الفُتونِ؟ فقال: استأنِفِ النَّهارَ يا ابنَ جُبيرٍ؛ فإنَّ لها حديثًا طويلًا. قال: فغدوْتُ على ابنِ عبَّاسٍ لأنتجِزَ ما وَعَدني مِن حديثِ الفُتونِ، فقال: تذاكَرَ فِرعونُ وجُلساؤُه ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أنْ يجعَلَ في ذُرِّيتَه أنبياءَ ومُلوكًا؛ فقال بعضُهم: إنَّ بني إسرائيلَ لينتظِرونَ ذلك ما يشُكُّون فيه، وقد كانوا يظنُّونَ أنَّه يُوسفُ بنُ يعقوبَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فلمَّا هلَكَ قالوا: ليس هكذا كان، إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال فِرعونُ: فكيف تَرَونَ؟ فائْتَمَروا، واجتمَعوا أمْرَهم على أنْ يبعَثَ رِجالًا بالشِّفارِ، يَطُوفون في بني إسرائيلَ، فلا يَجِدون مولودًا ذكَرًا إلَّا ذَبَحوه، ففَعَلوا ذلك، فلمَّا أنْ رَأَوا أنَّ الكبارَ في بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالِهم، والصِّغارَ يُذْبَحونَ، قالوا: أتوشِكونَ أنْ تُفْنوا بني إسرائيلَ، فتَصيروا إلى أنْ تُباشِروا مِن الأعمالِ والخدمةِ الَّتي كانوا يَكْفُونكم؟ فاقْتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيقِلَّ نَباتُهم، ودَعُوا عامًا، فلا تَقْتلوا منهم أحدًا، فيشِبَّ الصِّغارُ مكانَ مَن يموتُ مِن الكبارِ، فإنَّهم لنْ يَكْثروا بمَن تَسْتحيون، فتخافوا مُكاثرتَهم إياكم، ولنْ يَفْنَوا بمَن تقتُلونَ، فتحتاجونَ إليهم، فأجْمَعوا أمْرَهم على ذلك، فحمَلَت أُمُّ موسى بهارونَ عليهما السَّلامُ العامَ الَّذي لا يُذْبَحُ فيه الغِلمانُ، فولدَتْه عَلانيةً، فلمَّا كان مِن قابلٍ حمَلَتْ بمُوسى عليه السَّلامُ، فوقَعَ في قلْبِها مِن الهَمِّ والحزنِ. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، ما دخَلَ عليه في دهو بَطْنِ أُمِّه ممَّا يُرادُ به، فأوحَى اللهُ تعالى إليها: {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7]، وأمَرَها أنْ إذا ولَدَتْ أنْ تجعَلَه في تابوتٍ، ثمَّ تُلْقِيه في اليمِّ، فلمَّا ولَدَت فعَلَت ذلك به، فألْقَته في اليمِّ، فلمَّا توارى عنها ابنُها أتاها الشَّيطانُ، فقالت في نفْسِها: ما فعَلْتُ بابني؟! لو ذُبِحَ لبِثَ عندي فرأيْتُه وكفَّنْتُه، كان أحَبَّ إليَّ مِن أنْ أُلْقِيَه بيدي إلى دوابِّ البحرِ وحِيتانِه، وانتهى الماءُ به حتَّى أرفَأَ به عند فُرْضَةُ مُسْتَقى جواري امرأةِ فِرعونَ، فلمَّا رأيْنَه أخذْنَه، فهمَمْنَ أنْ يفتحْنَ التَّابوتَ، فقالت بعضُهنَّ: إنَّ في هذا مالًا، وإنَّا إنْ فتحْناه لم تُصدِّقْنا امرأةُ الملِكِ بما وجَدْنا فيه، فحمَلْنَه بهيئةٍ لم يُحرِّكْنَ منه شيئًا، دفعْنَه إليها، فلمَّا فتحَتْه رأتْ فيه غُلامًا، فأُلْقِيَ عليه منها محبَّةٌ لم تُلْقَ مثْلُها على البشَرِ قطُّ، وأصبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فارغًا مِن ذِكْرِ كلِّ شَيءٍ إلَّا مِن ذِكْرِ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا سمِعَ الذَّابِحونَ بأمْرِه أقبلوا بشِفارِهم إلى امرأةِ فرعونَ ليذبَحُوه -وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت للذَّبَّاحينَ: أقِرُّوه؛ فإنَّ هذا الواحدَ لا يَزيدُ في بني إسرائيلَ حتَّى آتِيَ فِرعونَ فأسْتَوْهِبَه منه، فإنْ وهَبَه لي كنْتُم قد أحسنْتُم وأجمَلْتُم، وإنْ أمَرَ بذبْحِه لم أَلُمْكم، فأتَتْ به فرعونَ، فقالت: قُرَّةُ عينٍ لي ولك، قال فِرعونُ: يكونُ لك، فأمَّا لي فلا حاجةَ لي في ذلك. قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: والَّذي أحلِفُ به، لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه، ولكنَّ اللهَ حرَمَه ذلك. فأرسَلَتْ إلى مَن حولَها، مِن كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ، تختارُ لها ظِئرًا، فجعَلَ كلَّما أخذَتْه امرأةٌ منهنَّ، فترُضِعُه، لم يَقْبَلْ ثَدْيَها، حتَّى أشفَقَت عليه امرأةُ فِرعونَ أنْ يَمتنِعَ مِن اللَّبنِ فيموتَ، فأحْزَنَها ذلك، فأمرَتْ به، فأُخْرِجَ إلى السُّوقِ وتجمَّعَ النَّاسُ، تَرْجو أنْ تجِدَ له ظِئرًا يأخُذُ منها، فلم يَقْبَلْ، وأصبَحَتْ أُمُّ موسى والهةً، فقالت لأُخْتِه: قُصِّيه -يعني: أثَرَهُ- واطْلُبِيه، هل تسمعينَ له ذِكْرًا؟ أحيٌّ ابْني أمْ قد أكلَتْه الدَّوابُّ؟ ونسِيَت ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها فيه، فبَصُرتْ به أختُه عن جُنُبٍ وهم لا يَشعُرونَ، والجُنُبُ: أنْ يبصِرَ الإنسانُ إلى الشَّيءِ البعيدِ وهو إلى جَنْبِه لا يشعُرُ به، فقالت مِن الفرحِ حين أعياهم الظُّؤارتُ: أنا {أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12]، فأخَذُوها فقالوا: ما يُدريك ما نُصْحُهم له؟ هل يعرِفونَه؟ حتَّى شكُّوا في ذلك -فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت: نصيحَتُهم له وشفقَتُهم عليه رغبةً في صِهر الـمَلِك، ورجاءَ مَنفعتِه، فأرْسَلوها، فانطلَقَتْ إلى أُمِّها فأخبرتْها الخبرَ، فجاءتْ أُمُّه، فلمَّا وضعَتْه في حِجْرِها، نزَا إلى ثَدْيِها، فمَصَّه حتَّى امتلَأَ جَنباهُ رِيًّا، وانطلَقَ البشيرُ إلى امرأةِ فرعونَ: أنْ قد وجَدْنا لابْنِك، فأرسَلَتْ إليها، فأُوتِيتْ بها وبه، فلمَّا رأت ما يصنَعُ، قالت لها: امْكُثي عندي؛ تُرْضِعي ابني هذا، فإنِّي لم أحجِبْه شيئًا قطُّ، فقالت أُمُّ مُوسى: لا أستطيعُ أنْ أدَعَ بيتي وولدي، فيَضيعَ، فإنْ طابتْ نفْسُك أنْ تُعْطِيَنه، فأذهَبَ به إلى مَنْزلي، فيكونَ معي لا آلوهُ خيرًا، فعلْتُ، وإلَّا فإنِّي غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي، وذكَرَت أُمُّ مُوسى عليه السَّلامُ ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فتعاسَرَت على امرأةِ فرعونَ، وأيقنَتْ بأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يُنْجِزُ موعودَه، فرجَعَتْ إلى بيتِها بابنِها مِن يومِها، فأنبَتَه اللهُ نباتًا حسنًا، وحفِظَه لِمَا قد قَضى فيه، فلم يزَلْ بنو إسرائيلَ وهم في ناحيةِ القريةِ مُمْتنعينَ يَمْتنعونَ به مِن السُّخرةِ ما كان فيهم. فلمَّا تَرعرَعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأُمِّ مُوسى: أريدُ أنْ تُرِيني ابني، فوعَدَتْها يومًا تُرِيها فيه إيَّاه، فقالتِ امرأةُ فِرعونَ لخُزَّانِها، وظُؤورتِها، وقَهارِمَتِها: لا يَبْقينَّ أحدٌ منكم إلَّا استقبَلَ ابني اليومَ بهَديَّةٍ وكَرامةٍ؛ لِأَرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أمينًا يُحْصِي ما يصنَعُ كلُّ إنسانٍ منكم، فلم تَزَلِ الهدايا والكرامةُ والنِّحلةُ، تَستقبِلُه مِن حينِ خرَجَ مِن بيتِ أُمِّه إلى أنْ دخَلَ على امرأةِ فرعونَ، فلمَّا دخَلَ عليها بجَّلَتْه، وأكرمَتْه، وفرِحَت به، وأعجَبَها، ونحَلَت أُمَّه؛ لحُسْنِ أثَرِه، ثمَّ قالت: لآتيَنَّ به فِرعونَ، فليَنْحَلَنَّه، وليُكْرِمَنَّه، فلمَّا دخَلَتْ به عليه، جعَلَه في حِجْرِه، فتناوَلَ مُوسى لِحيةَ فرعونَ، فمَدَّها إلى الأرضِ، فقال الغواةُ مِن أعداءِ اللهِ لفرعونَ: ألَا ترى إلى ما وعَدَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إبراهيمَ نَبِيَّه عليه السَّلامُ أنَّه يرِثُك، ويَعْلوك، ويصرَعُك، فأرسَلَ إلى الذَّبَّاحينَ، وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، بعدَ كلِّ بلاءٍ ابتُلِيَ به، أو أُرِيدَ به فُتونًا. فجاءت امرأةُ فِرعونَ تَسْعى إلى فرعونَ، فقالت: ما بدا لك في هذا الغلامِ الَّذي وهَبْتَه لي؟ قال: ألَا تَرَيْنَه يزعُمُ أنَّه يصرَعُني ويَعْلوني؟ قالت: اجْعَلْ بيني وبينك أمرًا تعرِفُ فيه الحقَّ؛ ائْتِ بجَمْرتينِ ولُؤلؤتَينِ، فقَرِّبْهما إليه، فإنْ بطَش باللُّؤلؤتَينِ واجتنَبَ الجَمْرتينِ، عرَفْتَ أنَّه يعقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرتَينِ ولم يُرِدِ اللُّؤلؤتَينِ، علِمْتَ أنَّ أحدًا لا يُؤثِرُ الجَمرتينِ على اللُّؤلؤتينَ وهو يعقِلُ، فقُرِّبَ ذلك إليه، فتناوَلَ الجَمرتَينِ، فانْتَزَعوهما مِن يَدِه، وخافت أنْ يحرِقَا يدَيْه، فقالت المرأةُ: ألَا ترى؟! فصرَفَه اللهُ عنه بعدما كان قد هَمَّ به، وكان الله عَزَّ وجَلَّ بالغًا فيه أمْرَه. فلمَّا بلَغَ أشُدَّه وصار مِن الرِّجالِ، لم يكُنْ أحدٌ مِن آلِ فِرعونَ يخلُصُ إلى أحدٍ مِن بني إسرائيلَ معه بظُلمٍ، ولا يخرُجُ حتَّى امْتَنعوا كلَّ الامتناعِ. فبينما مُوسى عليه السَّلامُ يَمْشي في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجُلينِ يَقْتتلانِ؛ أحدُهما فرعونيٌّ، والآخرُ إسرائيليٌّ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فغضِبَ مُوسى عليه السَّلامُ غضبًا شديدًا؛ لأنَّه تناوَلَ وهو يعلَمُ منزلةَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن بَني إسرائيلَ، وحِفْظَه لهم، لا يعلَمُ النَّاسُ إلَّا إنَّما ذلك مِن الرَّضاعِ إلَّا أُمُّ مُوسى، إلَّا أنْ يكونَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أَطْلَعَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليه غيرَه. فوكَزَ مُوسى عليه السَّلامُ الفرعونيَّ، فقتَلَه، وليس يراهما أحدٌ إلَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فقال مُوسى عليه السَّلامُ حين قتَلَ الرَّجلَ: هذا مِن عمَلِ الشَّيطانِ؛ إنَّه عدُوٌّ مُضِلٌّ مُبينٌ، ثمَّ قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ}، إلى قولِه: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16]. {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18] الأخبارَ، فأُتِيَ فِرعونُ فقيلَ: إنَّ بني إسرائيلَ قد قتَلَتْ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحَقِّنا، ولا تُرخِّصْ لهم، فقال: ابْغُوني قاتِلَه ومَن شهِدَ عليه؛ فإنَّ الملِكَ وإنْ كان صَفْوُه مع قومِه، لا يستقيمُ له أنْ يُقِيدَ بغيرِ بيِّنةٍ، ولا ثَبَتٍ، فانْظُروا في عِلْمِ ذلك آخُذْ لكم بحَقِّكم، فبينا هم يَطوفونَ لا يَجِدونَ شيئًا، إذا موسى عليه السَّلامُ قد رأى في الغدِ ذلك الإسرائيليَّ يقتُلُ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ آخرَ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادَفَ مُوسى عليه السَّلامُ قد ندِمَ على ما كان منه، فكَرِهَ الَّذي رأى، فغضِبَ الإسرائيليُّ وهو يُريدُ أنْ يبطِشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ -لِمَا فعَلَ أمسِ واليومَ-: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص: 18]. فنظَرَ الإسرائيليُّ إلى مُوسى عليه السَّلامُ بعدما قال له ما قال، فإذا هو غضبانُ كغضَبِه بالأمسِ الَّذي قتَلَ به الفرعونيَّ، فخاف أنْ يكونَ بعدما قال له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} إيَّاه أراد، ولم يكُنْ أراده، إنَّما أراد الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، فحاجَزَ الفرعونيَّ، فقال: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]؟ وإنَّما قال ذلك؛ مخافةَ أنْ يكون إيَّاهُ أراد مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يقتُلَه، فتنازَعَا. فانطلَقَ الفرعونيُّ إلى قومِه، فأخبَرَهم بما سمِعَ مِن الإسرائيليِّ مِن الخبرِ حين يقولُ: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]، فأرسَلَ فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتُلوا موسى عليه السَّلامُ، فأخَذَ رُسلُ فرعونَ الطَّريقَ الأعظمَ يَمْشون على هَيئتِهم يطلُبونَ مُوسى عليه السَّلامُ، وهم لا يخافونَ أنْ يفوتَهم، فجاء رجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى عليه السَّلامُ مِن أَقْصى المدينةِ، فاختصَرَ طريقًا قريبًا حتَّى سبَقَهم إلى موسى عليه السَّلامُ فأخْبَرَه. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ. فخرَجَ مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ مدينَ لم يلْقَ بلاءً قبلَ ذلك، وليس له علمٌ بالطَّريقِ إلَّا حُسْنَ الظَّنِّ بربِّه عَزَّ وجَلَّ، فإنَّه قال: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص: 22]. {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} إلى {تَذُودَانِ} [القصص: 23]، يعني بذلك: حابستَينِ غنَمَهما، فقال لهما: ما خطْبُكما مُعتزلتَينِ لا تَسْقيانِ مع النَّاسِ؟ قالتا: ليس لنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القومَ، وإنَّما ننتظِرُ فُضولَ حياضِهم، فسقى لهما، فجعَلَ يغرِفُ بالدَّلْوِ ماءً كثيرًا، حتَّى كانتا أوَّلَ الرِّعاءِ فراغًا، فانصرَفَتا بغنَمِهما إلى أبيهما، وانصرَفَ موسى عليه السَّلامُ، فاستظَلَّ بشجرةٍ، وقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، فاستنكَرَ أبوهما سُرعةَ صُدورِهما بغنَمِهما حُفَّلًا بطانًا، فقال: إنَّ لكما اليومَ لشأنًا، فأخبَرَتَاه بما صنَعَ موسى عليه السَّلامُ، فأمَرَ إحداهما أنْ تَدْعُوَه له، فأتَتْ موسى عليه السَّلامُ فدَعَتْه، فلمَّا كلَّمَه قال: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25]، ليس لفِرعونَ ولا لقومِه علينا سُلطانٌ، ولسْنا في مَمْلكتِه. قال: فقالت إحداهما: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، فاحتمَلَتْه الغَيرةُ على أنْ قال: وما يُدريكِ ما قُوَّتُه؟ وما أمانَتُه؟ قالت: أمَّا قُوَّتُه: فما رأيْتُ في الدَّلوِ حين سَقى لنا، لم أرَ رجُلًا قطُّ في ذلك المَسْقى أقوى منه، وأمَّا أمانَتُه: فإنَّه نظَرَ إليَّ حين أقبلْتُ إليه وشَخَصْتُ له، فلمَّا علِمَ إنِّي امرأةٌ، صوَّبَ رأْسَه لم يرفَعْه، ولم ينظُرْ إليَّ حتَّى بلَّغْتُه رِسالتَك، ثمَّ قال لي: امشِي خلفي، وانْعَتي لي الطَّريقَ، لم يفعَلْ هذا إلَّا وهو أمينٌ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقَها، وظَنَّ به الَّذي قالت له. فقال له: هل لك {أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}، إلى قوله: {مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص: 27]، ففعَلَ، فكانت على نَبِيِّ اللهِ موسى عليه السَّلامُ ثمانيَ سنينَ واجبةً، وكانت سنتانِ عِدَةً منه، فقَضَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عنه عِدَتَه فأتمَّها عشْرًا. قال سَعيدٌ: فلَقِيَني رجُلٌ مِن أهلِ النَّصرانيَّةِ مِن عُلمائِهم، فقال: هلْ تَدْري أيَّ الأجلينِ قضى مُوسى عليه السَّلامُ؟ قلْتُ: لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقِيتُ ابنَ عبَّاسٍ، فذكَرْتُ ذلك له، فقال: أمَا علِمْتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ عليه السَّلامُ واجبةً، لم يكُنْ نبيُّ اللهِ ليَنْقُصَ منها شيئًا، وتعلَمُ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ كان قاضيًا عن مُوسى عليه السَّلامُ عِدَتَه الَّتي وعَدَ، فإنَّه قضى عشْرَ سنينَ. فلقِيتُ النَّصرانيَّ، فأخبَرْتُه بذلك، فقال: الَّذي سألْتَه فأخبَرَك أعلَمُ منك بذلك؟ قلْتُ: أجلْ، وأَولى. فلمَّا سار مُوسى عليه السَّلامُ بأهلِه كان مِن أمْرِ النَّارِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القُرآنِ، وأمْرِ العصا ويَدِه، فشكا إلى ربِّه عَزَّ وجَلَّ ما يتخوَّفُ مِن آلِ فرعونَ في القتيلِ، وعُقدةَ لسانِه، فآتاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ سُؤْلَه، وحَلَّ عُقدةً مِن لسانِه، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى هارونَ عليه السَّلامُ، وأمَرَه أنْ يلقاهُ، واندفَعَ مُوسى عليه السَّلامُ بعصاهُ، حتَّى لقِيَ هارونَ عليه السَّلامُ، وانطلَقَا جميعًا إلى فرعونَ، فأقاما حِينًا على بابِه لا يُؤْذَنُ لهما، فقالا: إنَّا رسولَا ربِّك، قال: فمَن ربُّكما يا موسى؟ فأخبراهُ بالَّذي قَصَّ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليك في القُرآنِ، قال: فما تُريدانِ؟ وذكَّرَه القتيلَ، واعتذَرَ بما قد سمِعْتَ، وقال: أريدُ أنْ تُؤمِنَ باللهِ، وأنْ تُرْسِلَ معي بني إسرائيلَ، فأبى عليه، وقال: ائتِ بآيةٍ إنْ كنْتَ مِن الصَّادقينَ، فألقى عصاه فإذا هي حيَّةٌ عظيمةٌ، فازعةٌ، فاغرةٌ فاها، مُسرعةٌ إلى فرعونَ، فلمَّا رآها فِرعونُ قاصدةً إليه خافها، فاقتحَمَ عن سَريرِه، واستغاثَ بمُوسى عليه السَّلامُ أنْ يكُفَّها عنه، ففعَلَ، ثمَّ أخرَجَ يَدَه مِن جَيْبِه، فرآها بيضاءَ مِن غيرِ سُوءٍ، يعني: مِن غيرِ برَصٍ، فرَدَّها، فعادت إلى لونِها الأوَّلِ. فاستشارَ الملَأَ حولَه فيما رأى، فقالوا له: {هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} [طه: 63] الآيةَ، والمُثْلى: مُلْكُهم الَّذي هم فيه والعيشُ. فأَبَوا على مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يُعْطُوه شيئًا ممَّا طلَبَ، وقالوا له: اجمَعْ لهما السَّحرةَ؛ فإنَّهم بأرضِك كثيرٌ، حتَّى نغلِبَ سِحْرَهما، وأرسَلَ في المدائنِ، فحُشِرَ له كلُّ ساحرٍ مُتعالمٍ، فلمَّا أَتَوا على فرعونَ، قالوا: ما يعمَلُ هذا السَّاحرُ؟ قالوا: يعمَلُ الحيَّاتِ، قالوا: فلا واللهِ ما أحدٌ في الأرضِ يعمَلُ السِّحرَ والحيَّاتِ والحبالَ والعِصِيَّ الَّذي نعمَلُ، فما أجْرُنا إنْ نحن غلَبْنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصَّتي، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شَيءٍ أحببتم، فتَواعَدوا يومَ الزِّينةِ وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى. قال سعيدٌ: فحدَّثني ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ يومَ الزِّينةِ اليومُ الَّذي أظهَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيه مُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ والسَّحرةِ هو يومُ عاشوراءَ. فلمَّا اجتمعوا في صَعيدٍ، قال النَّاسُ بعضُهم لبعضٍ: انطَلِقوا، فنتخبَّرْ هذا الأمْرَ، {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 40]، يعنون مُوسى وهارونَ عليهما السَّلامُ؛ استهزاءً بهما، فقالوا: يا موسى -لِقُدْرتِهم في أنفُسِهم بسِحْرِهم- إمَّا أنْ تُلْقِيَ، وإمَّا أنْ نكونَ نحن المُلْقينَ، قال: بل ألْقُوا. {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء: 44]، فرأى مُوسى عليه السَّلامُ مِن سِحْرِهم ما أوجَسَ في نفْسِه خِيفةً، فأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إليه: أنْ ألْقِ عصاك، فلمَّا ألقاها، صارت ثُعبانًا عظيمًا فاغرةً فاها، فجُعِلَتِ العِصِيُّ بدَعوةِ مُوسي عليه السَّلامُ تلتبِسُ بالحبالِ، حتَّى صارتْ جُرُزًا إلى الثُّعبانِ تَدخُل فيه، حتَّى ما أبقَتْ عصًا ولا حبلًا إلَّا ابتلعَتْه. فلمَّا عرَفَ السَّحرةُ ذلك، قالوا: لو كان هذا سِحرٌ لم يَبلُغْ مِن سِحرِنا كلَّ هذا، ولكنَّه أمْرٌ مِن اللهِ، آمنَّا باللهِ ربِّنا وما جاء به مُوسى عليه السَّلامُ، ونتوبُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ ممَّا كنَّا عليه. وكسَرَ اللهُ ظهْرَ فِرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِه، وأظهَرَ الحقَّ، وبطَلَ ما كانوا يعمَلونَ، فغُلِبوا هنالك وانقَلَبوا صاغِرينَ. وامرأةُ فِرعونَ بارزةٌ مُتبذِّلَةٌ تَدْعو بالنَّصرِ لمُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ، فمَن رآها مِن آلِ فرعونَ ظَنَّ أنَّها إنَّما تبذَّلَتْ للشفقةِ على فِرعونَ وأشياعِه، وإنَّما كان حُزْنُها وهمُّها لمُوسى عليه السَّلامُ. فلمَّا طال مُكْثُ مُوسى عليه السَّلامُ لمواعيدِ فِرعونَ الكاذبةِ، كلَّما جاءه بآيةٍ وعَدَه عندها أنْ يُرْسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا مضَتْ أخلَفَ موعِدَه، وقال: هل يستطيعُ ربُّك أنْ يصنَعَ غيرَ هذا؟ فأرسَلَ اللهُ عليه وعلى قومِه الطُّوفانَ، والجرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادعَ، آياتٍ مُفصَّلاتٍ، كلُّ ذلك يَشْكو إلى موسى عليه السَّلامُ، ويطلُبُ إليه أنْ يكُفَّها عنه، ويُواثِقُه على أنْ يُرسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا كَفَّ ذلك عنه، أخلَفَ موعِدَه ونكَثَ عهدَه. فأُمِرَ موسى عليه السَّلامُ بالخُروجِ بقومِه، فخرَجَ بهم ليلًا، فلمَّا أصبَحَ فرعونُ ورأى أنَّهم قد مَضَوا، أرسَلَ في المدائنِ حاشرينَ، فتبِعَهم بجُنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى البحرِ: أنْ إذا ضرَبَك مُوسى بعصاهُ، فانفرِقْ له اثنتَيْ عشْرةَ فِرقةً، حتَّى يجوزَ موسى عليه السَّلامُ ومَن معه، ثمَّ الْتَئَمَ على مَن بقِيَ بعدُ مِن فرعونَ وأشياعِه، فنسِيَ مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يضرِبَ البحرَ بالعصا، فانْتَهى إلى البحرِ وله قصيفٌ؛ مخافةَ أنْ يَضرِبَه موسى عليه السَّلامُ، وهو غافِلٌ، فيصيرَ عاصيًا اللهَ عَزَّ وجَلَّ. فلمَّا تراءى الجَمْعانِ وتقارَبَا، قال أصحابُ موسى: إنَّا لمُدْرَكونَ، افعَلْ ما أمرَكَ به ربُّك عَزَّ وجَلَّ؛ فإنَّك لم تكذِبْ ولم تُكْذَبْ، فقال: وعَدَني ربِّي عَزَّ وجَلَّ إذا أتيْتُ البحرَ، انفرَقَ لي اثنتيْ عشْرةَ فِرقةً حتَّى أُجاوزَه، ثمَّ ذكَرَ بعدَ ذلك العصا، فضرَبَ البحرَ بعصاه حين دنا أوائلُ جُندِ فرعونَ مِن أواخرِ جُندِ مُوسى عليه السَّلامُ، فانفرَقَ البحرُ كما أمَرَه اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكما وُعِدَ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا أنْ جاوَزَ موسى عليه السَّلامُ وأصحابُه البحرَ، ودخَلَ فِرعونُ وأصحابُه، الْتَقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ. فلمَّا جاوَزَ مُوسى عليه السَّلامُ البحرَ، قال أصحابُه: إنَّا نخافُ ألَّا يكونَ فِرعونُ قد غرِقَ، فلا نُؤمِنُ بهلاكِه، فدعا ربَّه عَزَّ وجَلَّ، فأخرَجَه له ببدنه حتَّى استيْقَنوا بهلاكِه. ثمَّ مَرُّوا بعدَ ذلك {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، إلى {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139]، قد رأيتُمْ مِن العِبَرِ، وسمِعْتُم ما يَكْفيكم، ومَضَى. فأنزَلَهم مُوسى عليه السَّلامُ منزلًا، ثمَّ قال لهم: أطيعوا هارونَ عليه السَّلامُ؛ فإنِّي قد استخلفْتُه عليكم، وإنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي عَزَّ وجَلَّ، وأجَّلَهم ثلاثينَ يومًا أنْ يَرجِعَ إليهم فيها، فلمَّا أتى ربَّه وأراد أنْ يُكلِّمَه ثلاثينَ يومًا، وقد صامهنَّ: ليلَهنَّ ونهارَهنَّ، وكرِهَ أنْ يُكلِّمَ ربَّه عَزَّ وجَلَّ ورِيحُ فَمِه رِيحُ فَمِ الصَّائمِ، فتناوَلَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن نباتِ الأرضِ شيئًا فمضَغَه، فقال له ربُّه عَزَّ وجَلَّ حين لقاه: لِمَ أفطرْتَ؟ -وهو أعلَمُ بالَّذي كان- قال: يا ربِّ، إنِّي كرِهْتُ أنْ أُكلِّمَك إلَّا وفَمِي طيِّبُ الرِّيحِ، قال: أوما علِمْتَ يا مُوسى أنْ رِيحَ فَمِ الصَّائمِ أطيبُ عندي مِن رِيحِ المِسْكِ؟ ارجِعْ حتَّى تصومَ عشْرًا ثمَّ ائْتِني، ففعَلَ مُوسى عليه السَّلامُ ما أُمِرَ به. فلمَّا رأى قومُ مُوسى عليه السَّلامُ أنَّه لم يرجِعْ إليهم للأجَلِ ساءَهم ذلك، وكان هارونُ عليه السَّلامُ قد خطَبَهم، فقال لهم: خرجْتُم مِن مِصْرَ ولقومِ فرعونَ عندي عواري وودائعُ، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وأنا أرى أنْ تحتَسِبوا ما لكم عندهم، ولا أحلَّ لكم وديعةً اسْتُودِعْتُمُوها، ولا عاريَّةً، ولسنا برادِّين إليهم شيئًا مِن ذلك، ولا مُمْسِكيه لأنفُسِنا، فحفَرَ حفيرًا، وأمَرَ كلَّ قومٍ عليهم شَيءٌ مِن ذلك؛ مِن متاعٍ أو حِليةٍ أنْ يَقْذِفوه في ذلك الحفيرِ، ثمَّ أوقَدَ عليه النَّارَ، فأحرَقَه، فقال: لا يكونُ لنا، ولا لهم. وكان السَّامريُّ رجلًا مِن قومٍ يَعْبُدون البقرَ جيرانٍ لهم، ولم يكُنْ مِن بني إسرائيلَ، فاحتملَ مع مُوسى عليه السَّلامُ وبني إسرائيلَ حين احْتملوا، فقُضِيَ له أنْ رأى أثرًا، فأخَذَ منه بقبْضَتِه، فمَرَّ بهارونَ، فقال له هارونُ عليه السَّلامُ: يا سامريُّ، ألَا تُلْقي ما في يدَيْك؟ وهو قابضٌ عليه لا يَراه أحدٌ طوالَ ذلك، فقال: هذه قبْضةٌ مِن أثرِ الرَّسولِ الَّذي جاوَزَ بكم البحرَ، ولا أُلْقيها لشَيءٍ إلَّا أنْ تَدْعُوَ اللهَ إذا ألقيْتُها أنْ تكونَ ما أُرِيدُ، فألْقاها، ودعا اللهَ هارونُ عليه السَّلامُ، فقال: أريدُ أنْ يكونَ عِجْلًا، واجتمَعَ ما كان في الحُفرةِ مِن متاعٍ له، أو حِلْيةٍ، أو نحاسٍ، أو حديدٍ، فصار عِجْلًا أجوفَ ليس فيه رُوحٌ، له خُوارٌ. قال ابنُ عبَّاسٍ: لا واللهِ ما كان له صوتٌ قطُّ، إنَّما كانت الرِّيحُ تدخُلُ مِن دُبُرِه وتخرُجُ مِن فَمِه، فكان ذلك الصَّوتُ مِن ذلك. فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا؛ فقالت فِرقةٌ: يا سامريُّ، ما هذا فأنت أعلَمُ به؟ قال: هذا ربُّكم عَزَّ وجَلَّ، ولكنَّ مُوسى عليه السَّلامُ أضَلَّ الطَّريقَ. وقالت فِرقةٌ: لا نُكذِّب بهذا حتَّى يرجِعَ إلينا مُوسى، فإنْ كان ربَّنا لم نكُنْ ضيَّعْناه وعجَزْنا فيه حِينَ رأيْناه، وإنْ لم يكُنْ ربَّنا، فإنَّا نتَّبِعُ قولَ مُوسى عليه السَّلامُ. وقالت فِرقةٌ: هذا عمَلُ الشَّيطانِ، وليس بربِّنا، ولا نُؤْمِنُ، ولا نُصدِّقُ. وأُشْرِبَ فِرقةٌ في قُلوبِهم التَّصديقَ بما قال السَّامريُّ في العجلِ، وأعْلَنوا التَّكذيبَ، فقال لهم هارونُ عليه السَّلامُ: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ} [طه: 90]، وإنَّ ربَّكم ليس هكذا، قالوا: فما بالُ مُوسى عليه السَّلامُ؛ وعَدَنا ثلاثينَ يومًا ثمَّ أخلَفَنا، فهذه أربعونَ قد مَضَت؟! فقال سُفهاؤُهم: أخطَأَ ربَّه، فهو يطلُبُه ويتبَعُه. فلمَّا كلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مُوسى عليه السَّلامُ وقال له ما قال، أخبَرَه بما لقِيَ قومُه بعده. {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه: 86]، وقال لهم ما سمِعْتُم في القُرآنِ وأخَذَ برأْسِ أخِيه، وألْقى الألواحَ مِن الغضَبِ، ثمَّ عذَرَ أخاه بعُذْرِه، واستغفَرَ له، وانصرَفَ إلى السَّامريِّ، فقال له: ما حمَلَك على ما صنعْتَ؟ قال: قبَضْتُ قبضةً مِن أثرِ الرَّسولِ وفطِنْتُ لها، وعُمِّيَت عليكم، فقَذفْتُها؛ وكذلك سوَّلَت لي نَفْسي. قال: {اذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ} إلى قولِه: {نَسْفًا} [طه: 97]، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منه. فاستيقَنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ، واغْتَبَطَ الَّذين كان رأيُهم فيه مثلَ رأيِ هارونَ عليه السَّلامُ، فقالوا بجماعتِهم لمُوسى عليه السَّلامُ: سَلْ لنا ربَّك عَزَّ وجَلَّ أنْ يفتَحَ لنا بابَ توبةٍ نصنَعُها؛ فيُكَفِّرَ عنَّا ما عمِلْنا، فاختارَ موسى عليه السَّلامُ قومَه سبعينَ رجُلًا لذلك -لا يأْلُو الخيرَ- خيارَ بني إسرائيلَ، ومَن لم يُشْرِكْ في العجلِ. فانطلَقَ بهم ليسأَلَ لهم التَّوبةَ، فرجَفَتْ بهم الأرضُ، فاستحيا نبيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من قومِه ووفْدِه حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ، فقال: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155]، وفيهم مَن قد كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ اطَّلَعَ على ما أُشْرِبَ قلبُه من حُبِّ العجلِ وإيمانِه به؛ فلذلك رجَفَت بهم الأرضُ. فقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] إلى: {فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]، فقال: رَبِّ سألْتُك التَّوبةَ لقومي، فقلْتَ: إنَّ رحمتي كتبْتُها لقومٍ غيرِ قومي، فليتَكَ أخَّرْتَني حين تُخْرِجُني حيًّا في أُمَّةِ ذلك الرَّجلِ المرحومةِ، فقال اللهُ له: إنَّ توبتَهم أنْ يقتُلَ كلُّ رجُلٍ منهم مَن لقِيَ مِن والدٍ أو ولدٍ، فيقتُلَه بالسَّيفِ لا يُبَالي مَن قتَلَ في ذلك الموطنِ، وتاب أولئك الَّذين كان خفِيَ على موسى وهارونَ عليهما السلام ما اطَّلَعُ اللهُ عليهم من ذُنوبِهم، فاعتَرَفوا بها، وفعَلوا ما أُمِروا، وغفَرَ اللهُ للقاتِلِ والمقتولِ. ثمَّ سار بهم مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ الأرضِ المُقدَّسةِ، وأخَذَ الألواحَ بعدما سكَتَ عنه الغضبُ، وأمَرَهم بالَّذي أُمِرَ به أنْ يُبَلِّغَهم من الوظائفِ، فثقُلَ ذلك عليهم، وأبَوا أنْ يُقِرُّوا بها، فنتَقَ اللهُ عليهم الجبلَ كأنَّه ظُلَّةٌ، ودنا منهم حتَّى خافوا أنْ يقَعَ عليهم، فأخَذُوا الكتابَ بأيمانِهم وهم يَصْغُون ينظُرونَ إلى الجبلِ والأرضِ، والكتابُ بأيديهم وهم يَنظُرونَ إلى الجبلِ؛ مخافةَ أنْ يقَعَ عليهم، ثمَّ مَضَوا إلى الأرضِ المُقدَّسةِ، فوَجَدوا مدينةَ قومٍ جبَّارينَ خَلْقُهم مُنْكرٌ، وذكَرَ من ثِمارِهم أمرًا عجَبًا من عِظَمِها، فقالوا: يا موسى، إنَّ فيها قومًا جبَّارينَ لا طاقةَ لنا بهم، ولا ندخُلُها ما داموا فيها، فإنْ يَخْرجوا منها فإنَّا داخِلونَ، قال رجُلانِ من الَّذين يَخافونَ مِن الجبَّارينَ: آمنَّا بمُوسى عليه السَّلامُ، فخرَجَا إليه، فقالا: نحنُ أعلَمُ بقومِنا، إنْ كنتُمْ إنَّما تَخافونَ ما رأيتُمْ من أجسامِهم وعدَدِهم، فإنَّهم لا قُلوبَ لهم، ولا مَنعةَ عندهم، فادْخُلوا عليهم البابَ، فإذا دخلْتُموه فإنَّكم غالِبونَ. ويقولُ أناسٌ: إنَّهما من قومِ مُوسى عليه السَّلامُ. وزعَمَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ أنَّهما من الجبَّارينَ آمَنَا بمُوسى، بقولِه: {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} [المائدة: 23]: إنَّما عَنى بذلك: مِن الَّذين يَخافونَ بني إسرائيلَ. {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، فأغْضَبوا مُوسَى عليه السَّلامُ، فدعا عليهم، وسمَّاهم فاسقينَ، ولم يدْعُ عليهم قبلَ ذلك؛ لِمَا رأى منهم من المعصيةِ وإساءتِهم حتَّى كان يومئذٍ، فاستجابَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ له، فسمَّاهم كما سمَّاهم مُوسى عليه السَّلامُ فاسقينَ، فحرَّمَها عليهم أربعينَ سَنةً يَتِيهون في الأرضِ؛ يُصْبِحون كلَّ يومٍ، فيَسِيرونَ ليس لهم قرارٌ، ثمَّ ظلَّلَ عليهم الغمامَ في التِّيهِ، وأنزَلَ عليهم المَنَّ والسَّلوى، وجعَلَ لهم ثيابًا لا تَبْلى، ولا تتَّسِخُ، وجعَلَ بين ظَهرِهم حَجرًا مُربَّعًا، وأمَرَ مُوسى عليه السَّلامُ فضرَبَه بعصاهُ، فانفجَرَ منه اثنتا عشْرةَ عينًا، في كلِّ ناحيةٍ ثلاثةُ أعينٍ، وأعلَمَ كلَّ سِبْطٍ عينَهم الَّتي يَشْربون منها، فلا يَرْتحِلونَ من مَنزلٍ إلَّا وجدوا ذلك الحجرَ منهم بالمكانِ الَّذي كان منه أمسِ
الراويعبدالله بن عباس
المحدثالبوصيري
الصفحة أو الرقم6/234
خلاصة حكم المحدثإسناده صحيح
لمَّا ذُكِرَ مِن شأني الَّذي ذُكِرَ وما عَلِمْتُ بِهِ ، قامَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فيَّ خطيبًا فتشَهَّدَ فحمِدَ اللَّهَ وأثنَى علَيهِ بما هوَ أَهْلُهُ ثمَّ قالَ : أمَّا بعدُ : أشيروا علَيَّ في أُناسٍ أبَنوا أَهْلي واللَّهِ ما عَلِمْتُ علَى أَهْلي مِن سوءٍ قطُّ وأبَنوا بمَن واللَّهِ ما عَلِمْتُ علَيهِ من سوءٍ قطُّ ولَا دخلَ بَيتي قطُّ إلَّا وأَنا حاضرٌ ولَا غِبتُ في سفرٍ إلَّا غابَ معي ، فقامَ سعدُ بنُ مُعاذٍ فقالَ : ائذَنْ لي يا رسولَ اللَّهِ أن أضربَ أعناقَهُم ، وقامَ رجلٌ من الخزرجِ وَكانتْ أمُّ حسَّانَ بنِ ثابتٍ من رَهْطِ ذلِكَ الرَّجلِ ، فقالَ : كذبتَ ، أما واللَّهِ أن لَو كانوا منَ الأوسِ ما أحببْتَ أن تُضرَبَ أعناقُهُم حتَّى كادَ أن يَكونَ بينَ الأوسِ والخزرجِ شرٌّ في المسجدِ وما عَلِمْتُ بِهِ ، فلمَّا كانَ مساءُ ذلِكَ اليومِ خرجتُ لبعضِ حاجَتي ومعي أُمُّ مِسطَحٍ فعثرَتْ ، فقالَت : تعِسَ مِسطَحٌ ، فقلتُ لَها : أيْ أُمُّ تَسُبِّينَ ابنَكِ ؟ فسَكَتتْ ، ثمَّ عثرَتِ الثَّانيةَ فقالَت : تعِسَ مِسطَحٌ ، فقلتُ لَها : أيْ أُمُّ تَسُبِّينَ ابنَكِ ؟ فسَكَتتْ ، ثمَّ عثرَتِ الثَّالثةَ فقالَت : تعِسَ مِسطَحٌ فانتَهَرتُها ، فقلتُ لَها : أيْ أُمُّ تَسُبِّينَ ابنَكِ ؟ فقالَت : واللَّهِ ما أسُبُّهُ إلَّا فيكِ ، فقلتُ : في أيِّ شأني ؟ قالت : فبقَرَتْ الحديثَ ، وقلتُ قد كانَ هذا ؟ قالت : نعم ، واللَّهِِ لقد رجعتُ إلى بَيتي وَكَأنَّ الَّذي خرجتُ لَهُ لم أخرُجْ . لَا أجدُ منهُ قليلًا ولَا كثيرًا ، وَوُعِكْتُ ، فقلتُ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ : أرسِلْني إلى بيتِ أبي ، فأرسلَ معي الغُلامَ ، فدخلتُ الدَّارَ ، فوجدتُ أُمَّ رومانَ في السُّفلِ وأبو بكرٍ فَوقَ البيتِ يقرأُ ، فقالَت أُمِّي : ما جاءَ بِكِ يا بُنَيَّةُ ؟ قالت : فأخبرتُها ، وذَكَرتُ لَها الحديثَ ، فإذا هوَ لم يبلُغْ مِنها ما بلغَ منِّي ، فقالَت : يا بُنَيَّةُ خَفِّفي علَيكِ الشَّأنَ ، فإنَّهُ واللَّهِ لقلَّما كانت امرأةٌ حَسناءُ عندَ رجلٍ يحبُّها ، لَها ضرائرُ إلَّا حسدنَها وقيلَ فيها ، فإذا هيَ لم يبلُغْ مِنها ما بلغَ منِّي ، قالت : قلتُ : وقد علِمَ بِهِ أبي ؟ قالت : نعم ، قلتُ : ورسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ؟ قالت : نعم ، واستعبَرْتُ وبَكَيتُ ، فسمِعَ أبو بكرٍ صَوتي وَهوَ فَوقَ البيتِ يقرأُ فنزلَ فقالَ لأُمِّي : ما شأنُها ؟ قالت : بلغَها الَّذي ذُكِرَ مِن شأنِها ، ففاضَتْ عَيناهُ ، فقالَ : أقسَمتُ علَيكِ يا بُنَيَّةُ إلَّا رجِعْتِ إلى بَيتِكِ ، فرجَعْتُ ، ولقد جاءَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إلى بَيتي وسألَ عنِّي خادِمَتي فقالت : لَا واللَّهِ ما عَلِمْتُ علَيها عَيبًا إلَّا أنَّها كانت ترقُدُ حتَّى تدخُلَ الشَّاةُ فتأكُلَ خميرتَها أو عجينَتَها ، وانتَهَرَها بعضُ أصحابِهِ فقالَ : أَصدِقي رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ حتَّى أسقطوا لَها بِهِ فقالت : سبحانَ اللَّهِ واللَّهِ ما عَلِمْتُ علَيها إلَّا ما يعلمُ الصَّائغُ علَى تبرِ الذَّهبِ الأحمرِ ، فبلغَ الأمرُ ذلِكَ الرَّجلَ الَّذي قيلَ لَهُ ، فقالَ : سبحانَ اللَّهِ ، واللَّهِ ما كشفتُ كنفَ أُنثَى قطُّ ، قالت عائشةُ : فقُتِلَ شَهيدًا في سبيلِ اللَّهِ ، قالت : وأصبحَ أبَوايَ عندي فلمْ يزالَا عندي حتَّى دخلَ علَيَّ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وقد صلَّى العصرَ ، ثمَّ دخلَ وقد اكتنفَ أبَوايَ عن يميني وعن شمالي ، فتشَهَّدَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وحمِدَ اللَّهَ وأثنَى علَيهِ بما هوَ أهْلُهُ ، ثمَّ قالَ : أمَّا بعدُ يا عائشةُ ، إن كُنتِ قارفْتِ سوءًا أو ظلمْتِ فتوبي إلى اللَّهِ ، فإنَّ اللَّهَ يقبلُ التَّوبةَ عن عبادِهِ ، قالت : وقد جاءتْ امرأةٌ منَ الأنصارِ وَهيَ جالسةٌ بالبابِ ، فقلتُ : ألَا تستَحْيي من هذِهِ المرأةِ أن تذكرَ شيئًا ، ووعظَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، فالتفَتُّ إلى أبي فقُلتُ : أَجِبْهُ ، قالَ : فماذا أقولُ ؟ فالتفَتُّ إلى أُمِّي فقُلتُ : أجيبيهِ ، قالت : أقولُ ماذا ؟ قالت : فلمَّا لم يُجيبا تشَهَّدتُ فحَمِدْتُ اللَّهَ وأثنَيتُ علَيهِ بما هوَ أهْلُهُ ، ثمَّ قلتُ : أما واللَّهِ لئن قلتُ لَكُم إنِّي لم أفعلْ واللَّهُ يشهدُ إنِّي لصادقةٌ ما ذاكَ بنافِعي عندَكُم لي لقد تَكَلَّمتُمْ وأُشْرِبَتْ قلوبُكُم ، ولئن قلتُ إنِّي قد فعلتُ واللَّهُ يعلمُ أنِّي لم أفعلْ لتقولُنَّ إنَّها قد باءتْ بِهِ علَى نفسِها ، وإنِّي واللَّهِ ما أجدُ لي ولَكُم مثلًا . قالت : والتمستُ اسمَ يعقوبَ فلمْ أقدِرْ علَيهِ إلَّا أبا يوسفَ حينَ قالَ : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ قالت : وأُنْزِلَ علَى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ من ساعتِهِ ، فسَكَتنا ، فرُفِعَ عنهُ وإنِّي لأتبَيَّنُ السُّرورَ في وجهِهِ وَهوَ يمسحُ جبينَهُ ويقولُ : أبشِري يا عائشةُ ، فقد أنزلَ اللَّهُ براءتَكِ قالت : فَكُنتُ أشدَّ ما كنتُ غضبًا ، فقالَ لي أبَوايَ ، قومي إليهِ ، فقُلتُ : لَا واللَّهِ لَا أقومُ إليهِ ولَا أحمدُهُ ولَا أحمدُكُما ، ولَكِن أحمدُ اللَّهَ الَّذي أنزلَ براءَتي ، لقد سمِعتُموهُ فما أنكرتُموهُ ولَا غَيَّرتُموهُ ، وَكانت عائشةُ تقولُ : أمَّا زينبُ بنتُ جَحشٍ فعصمَها اللَّهُ بدينِها فلم تقُلْ إلَّا خَيرًا ، وأمَّا أُختُها حَمنَةُ فَهَلَكَتْ فيمَن هلَكَ ، وَكانَ الَّذي يتَكَلَّمُ فيهِ مِسطَحٌ وحسَّانُ بنُ ثابتٍ والمُنافقُ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ وَكانَ يستَوشيهِ ويجمعُهُ ، وَهوَ الَّذي تَولَّى كِبرَهُ منهُم هوَ وحَمنَةُ ، قالت : فحلفَ أبو بكرٍ أن لَا ينفعَ مِسطَحًا بنافعةٍ أبدًا ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذِهِ الآيةَ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ يعني أبا بكرٍ ، أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، يعني مِسطَحًا ، إلى قولِهِ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قالَ أبو بكرٍ : بلَى واللَّهِ يا ربَّنا ، إنَّا لنحِبُّ أن تغفرَ لَنا ، وعادَ لَهُ بما كانَ يصنعُ
الراويعائشة أم المؤمنين
المحدثالألباني
الصفحة أو الرقم3180
خلاصة حكم المحدثصحيح
إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لما أرادَ هُدَى زيدِ بنِ سَعْنَةَ قال زيدُ بنُ سعنةَ ما مِنْ علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلا وقد عرفتُها في وجهِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نظرتُ إليه إلا اثنتينِ لم أُخْبَرْهُما منه يَسْبِقُ حلمُهُ جهلَهُ ولا تَزيدُهُ شدَّةُ الجهلِ عليه إلا حِلْمًا قال زيدُ بنُ سعْنَةَ فخرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومًا منَ الحُجُراتِ ومعه علِيُّ بنُ أبي طالِبٍ رضِيَ اللهُ عنه فأتاه رجُلٌ على راحلَةٍ كالْبَدَوِيِّ فقال يا رسولَ اللهِ لي نَفَرٌ في قرْيَةِ بني فلانٍ قَدْ أسلَمُوا ودخَلُوا في الإسلامِ وكنْتُ حدَّثْتُهم إنْ أسلَموا أتاهم الرزقُ رغَدًا وقَدْ أصابَتْهُم سنَةٌ وشدَّةٌ وقحْطٌ منَ الغيثِ فأنا أخْشَى يا رسولَ اللهِ أنْ يخرجوا من الإسلامِ طمعًا كما دخلوا فيه طمَعًا فإنْ رأيْتَ أن تُرْسِلَ إليهم بشيءٍ تُغْيثُهم به فعلْتَ فنظَرَ إلى رجلٍ إلى جانبِهِ أُرَاهُ عليًّا فقال يا رسولَ اللهِ ما بقِيَ منه شيءٌ قال زيدُ بنُ سَعْنَةَ فدنوتُ إليه فقلْتُ يا محمدُ هل لَّكَ أنْ تَبيعَنِي تَمْرًا معلومًا في حائِطِ بني فلانٍ إلى أجَلٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وكذا قال لَا لَا تُسَمِّي حائِطَ بني فلانٍ قلْتُ نعم فبايِعْنِي فأطلقْتُ هِمْياني فأعطيتُهُ ثمانينَ مثقالًا من ذهبٍ في تمرٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وكذا فأعطا الرجلَ وقال اعدلْ عليْهِم وأغِثْهُمْ بها قال زيدُ بنُ سَعْنَةُ فلما كان قبلَ محِلِّ الأجَلِ بيومينِ أو ثلاثٍ خرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومعَهُ أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ في نفَرٍ من أصحابِهِ فلما صلَّى على الجنازةِ ودنا إلى الجدارِ لِيَجْلِسَ إليه أتيتُهُ فأخذْتُ بمجامِعِ قميصِهِ وردائِهِ ونظرْتُ إليه بوجْهِ غليظٍ قلْتُ له يا محمدُ ألَا تَقْضِيني حقِّي فواللهِ ما علمتُم بني عبدِ المطلبِ لمُطْلًا ولقدْ كان بمخالَطَتِكُمْ علمٌ ونظرْتُ إلى عمرَ وعيناه تدورانِ في وجهِهِ كالفلَكِ المستديرِ ثم رماني ببصرِهِ فقال يا عدوَّ اللهِ أتقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أسمَعُ وتصنَعُ به ما أرى فوالذِي نفْسِي بيدِهِ لولا ما أُحاذِرُ فَوْتَهُ لضربْتُ بسيفِي رأسَكَ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ينظرُ إليَّ في سكونٍ وتُؤَدَةٍ فقال يا عمَرُ أنا وهو كنَّا أحوجَ إلى غيرِ هذا أنْ تَأْمُرَنِي بحُسْنِ الأداءِ وتأمرَهُ بحُسْنِ اتِّباعِهِ اذهَب بِه يا عمرُ فأعْطِهِ حقَّهُ وزِدْهُ عشرينَ صاعًا من تمْرٍ مكان ما رُعْتَهُ قال زيدٌ فذهَبَ بي عمرُ فأعطاني حقِّي وزادَنِي عشرينَ صاعًا مِنْ تمرٍ فقلْتُ ما هذه الزيادَةُ يا عمَرُ قال أمرَنِي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ أزيدَكَ مكانَ ما رُعْتُكَ قال وتعرِفُنِي يا عمرُ قال لَا قلْتُ أنا زيدُ بنُ سَعْنَةِ قال الحبرُ قلْتُ الحبرُ قال فما دعاكَ إلى أنْ فعَلْتَ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما فعلْتَ وقلْتَ له ما قلتَ قلتُ يا عمرُ لم يكن من علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلَّا وقدْ عرفتُ في وجْهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نظرتُ إليه إلا اثنتَيْنِ لم أخُبَرْهُما منه يَسْبِقُ حلْمُهُ جهلَهُ ولَا تزيدُهُ شدَّةُ الجَهْلِ عليهِ إلَّا حلمًا وقدْ اختبرتُهما فأُشْهِدُكَ يا عمرُ أني قَدْ رضيتُ باللهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ نبيًّا وأشهدُكَ أنَّ شطْرَ مالِي فإني أكثَرُها مالًا صدَقَةً على أمةِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال عمرُ أوْ علَى بعضِهِم فإنَّكَ لَا تسَعُهم قُلْتُ أو عَلى بعضِهِم فرجعَ عمرُ وزيدُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال زيدٌ أشهَدُ أنْ لَّا إلهَ إلَّا اللهُ وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ وآمَنَ بَهِ وصدَّقَهُ وبايَعَهُ وشهِدَ معه مشاهِدَ كثيرةً ثم تُوُفِّيَ في غزْوَةِ تَبَوكَ مُقْبِلًا غيرَ مدبرٍ رَحِمَ اللهُ زيدًا
الراويزيد بن ثابت
المحدثالهيثمي
الصفحة أو الرقم8/242
خلاصة حكم المحدثرجاله ثقات
عنِ الحجَّاجِ بنِ ذي الرُّقَيْبةِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ كَعبِ بنِ زُهَيرِ بنِ أبي سُلْمى المُزَنيِّ، عنْ أبيهِ، عنْ جدِّه، قالَ: خرَجَ كَعبٌ وبُجَيرٌ ابْنا زُهَيرٍ حتَّى أتَيا أبرَقَ العزَّافِ، فقالَ بُجَيرٌ لكَعبٍ: اثبُتْ في عجَلِ هذا المكانِ حتَّى آتيَ هذا الرَّجلَ، يَعني رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأسمَعَ ما يَقولُ، فثبَتَ كَعبٌ وخرَجَ بُجَيرٌ، فجاءَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فعرَضَ عليه الإسْلامَ، فأسلَمَ، فبلَغَ ذلك كَعبًا، فقالَ: ألَا أبْلِغا عَنِّي بُجَيرًا رِسالةً ... على أيِّ شَيءٍ وَيحَ غَيرِكَ دلَّكَا على خُلُقٍ لم تُلفِ أمًّا ولا أبًا ... عليه ولم تُدرِكْ عليه أخًا لَكَا سَقَاكَ أبو بَكرٍ بكأسٍ رَوِيَّةٍ ... وأنْهَلَكَ المَأْمونُ منها وعَلَّكَا فلمَّا بلغَتِ الأبْياتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أهدَرَ دمَه، فقالَ: مَن لَقِيَ كَعبًا فلْيَقتُلْه، فكتَبَ بذلك بُجَيرٌ إلى أخيه يَذكُرُ له أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد أهدَرَ دمَه، ويقولُ له: النَّجاءَ وما أراكَ تَنفَلِتُ، ثمَّ كتَبَ إليه بعدَ ذلك: اعلَمْ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يَأْتيه أحَدٌ يَشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ إلَّا قبِلَ ذلك، وأسقَطَ ما كانَ قبلَ ذلك، فإذا جاءَكَ كِتابي هذا فأسلِمْ وأقبِلْ، فأسلَمَ كَعبٌ وقالَ القَصيدةَ الَّتي يَمدَحُ فيها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ أقبَلَ حتَّى أناخَ راحِلَتَه ببابِ مَسجِدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ دخَلَ المَسجِدَ ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معَ أصْحابِه مَكانَ المائدةِ منَ القَومِ مُتَحلِّقونَ معَه حَلْقةً دونَ حَلْقةٍ، يَلتفِتُ إلى هؤلاء مرَّةً، فيُحدِّثُهم، وإلى هؤلاء مرَّةً فيُحدِّثُهم، قالَ كَعبٌ: فأنَخْتُ راحِلَتي ببابِ المَسجِدِ، فعرَفْتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالصِّفةِ، فتَخطَّيْتُ حتَّى جلَسْتُ إليه، فأسلَمْتُ، فقُلْتُ: أشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّكَ رَسولُ اللهِ، الأمانَ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: ومَن أنتَ؟ قُلْتُ: أنا كَعبُ بنُ زُهَيرٍ، قالَ: الَّذي تَقولُ، ثمَّ التَفَتَ إلى أبي بَكرٍ، فقالَ: كيف قالَ يا أبا بَكرٍ؟ فأنشَدَه أبو بَكرٍ: سَقاكَ أبو بَكرٍ بكأسٍ رَويَّةٍ ... وأنْهلَكَ المأمونُ منها وعلَّكَا قالَ: يا رَسولَ اللهِ، ما قُلْتُ هكذا، قالَ: وكيف قُلْتَ؟ قالَ: إنَّما قُلْتُ: سَقاكَ أبو بَكرٍ بكأْسٍ رَويَّةٍ ... وأنْهلَكَ المأْمورُ منها وعلَّكَا فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مأمورٌ واللهِ ثمَّ أنشَدَه القَصيدةَ كلَّها حتَّى أتَى على آخِرِها وأمْلاها على الحجَّاجِ بنِ ذي الرُّقَيْبةِ حتَّى أتَى على آخِرِها، وهي هذه القَصيدةُ: بانَتْ سُعادٌ فَقَلْبي اليَومَ مَتْبولُ ... مُتيَّمٌ عندَها لم يُفْدَ مَغْلولُ وما سَعادُ غَداةَ البَيْنِ إذْ رَحَلوا ... إلَّا أغَنُّ غَضيضُ الطَّرفِ مَكْحولُ تَجْلو عَوارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابتسَمَتْ ... كأنَّها مُنهَلٌ بالكأْسِ مَعْلولُ سحَّ السُّقاةُ عليه ماءَ مَحْنيةٍ ... مِن ماءِ أبطَحَ أمْسَى وهو مَشْمولُ تَنْفي الرِّياحُ القَذى عنه وأفْرَطَه ... مِن صَوبِ عاديةٍ بِيضٍ يَعالِيلُ سَقْيًا لَهَا خُلَّةٌ لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ ... مَوْعُودَهَا وَلَوْ أَنَّ النُّصْحَ مَقْبُولُ لَكِنَّهَا خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهَا ... فَجْعٌ وَوَلْعٌ وَإِخْلَافٌ وَتَبْدِيلُ فَمَا تَدُومُ عَلَى حَالٍ تَكُونُ بِهَا ... كَمَا تَلَوَّنَ فِي أَثْوَابِهَا الغُولُ ولَا تَمَسَّكُ بِالوَصْلِ الَّذِي زَعَمَتْ ... إلَّا كَمَا يُمْسِكُ المَاءَ الغَرَابِيلُ كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا ... وَمَا مَوَاعِيدُهَا إلَّا الأَبَاطِيلُ فَلَا يَغُرَّنَّكَ مَا مَنَّتْ وَمَا وَعَدَتْ ... إلَّا الأَمَانِيَّ وَالأَحْلَامَ تَضْلِيلُ أَمْسَتْ سُعَادُ بِأَرْضٍ مَا يُبَلِّغُهَا ... إلَّا الْعِتَاقُ النَّجِيبَاتُ الْمَرَاسِيلُ وَلَنْ يُبَلِّغَهَا إِلَّا عُذَافِرةٌ ... فِيهَا عَلَى الأَيْنِ إِرْقَالٌ وَتَبْغِيلُ مِنْ كُلِّ نَضَّاخةِ الذَّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ ... عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأَعْلَامِ مَجْهُولُ يَمْشِي القُرَادُ عَلَيهَا ثُمَّ يُزْلِقُهُ ... عنْهَا اللَّبَانُ وَأقْرَابٌ زَهَالِيلُ عَيْرَانةٌ قُذِفَتْ بِالنَّحْضِ عَنْ عُرُضٍ ... وَمِرْفَقٍ عَنْ ضُلُوعِ الزُّورِ مَفْتُولُ كَأَنَّ مَا فَاتَ عَيْنَيْهَا وَمَذْبَحَهَا ... مِنْ خَطْمِهَا وَمِنَ اللَّحْيَيْنِ بِرْطِيلُ تُمِرُّ مِثْلَ عَسِيبِ النَّحْلِ ذَا خُصَلٍ ... بغَارِبٍ لم تُخوِّنْهُ الأَحَالِيلُ قَنْوَاءُ فِي حَرَّتَيْهَا لِلبَصِيرِ بِهَا ... عِتْقٌ مُبِينٌ وَفِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ تَخْدي عَلَى يَسَرَاتٍ وَهْيَ لَاهِيةٌ ... ذَاوَبِلٌ وَقْعُوهُنَّ الأَرْضَ تَحْلِيلُ حَرْفٌ أَبُوهَا أَخُوهَا مِنْ مُهَجَّنَةٍ ... وَعَمُّهَا خَالُهَا قَوْدَاءُ شَمْلِيلُ سُمرُ العُجَايَاتِ يَتْرُكْنَ الْحَصَا زِيمًا ... مَا إِنْ يَقيهِنَّ حَدَّ الْأُكْمِ تَنْعِيلُ يَوْمًا تَظَلُّ حِدَابُ الأَرْضِ تَرفَعُهَا ... مِنَ اللَّوَامِعِ تَخْلِيطٌ وَتَزْيِيلُ كَأنَّ أَوْبَ يَدَيْهَا بَعْدَمَا نَجَدَتْ ... وَقَدْ تَلَفَّعَ بِالقُورِ العَسَاقِيلُ أَوْبُ يَدَيْ ثاكِلٍ شَمْطَاءَ مُعْوِلةً ... قَامَتْ تُجَاوِبُهَا شُمْطٌ مَثَاكِيلُ نُوَاحةٌ رَخْوةُ الضَّبْعَيْنِ لَيسَ لَهَا ... لَمَّا نَعَى بَكْرَهَا النَّاعُونَ مَعْقُولُ تَسْعَى الوُشَاةُ بدَفَّيْهَا وَقِيلِهِمُ ... بأنَّكَ يَا ابْنَ أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ خَلُّوا طَرِيقَ يَدَيْهَا لَا أَبَا لَكُمُ ... فَكُلُّ مَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ مَفْعُولُ كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ ... يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ أُنْبِئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدَنِي ... وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُولُ فَقَدْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ مُعْتَذِرًا ... وَالْعُذْرُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَقْبُولُ مَهْلًا رَسُولَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ ... الْقُرْآنِ فِيه مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ لَا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوَالِ الوُشَاةِ وَلَمْ ... أُجْرِمْ وَلَوْ كَثُرَتْ عَنِّي الأقَاوِيلُ لَقَدْ أَقُومُ مَقَامًا لَوْ يَقُومُ لَهُ ... أَرَى وَأَسمَعُ مَا لَوْ يَسْمَعُ الْفِيلُ لَظَلَّ يُرْعَدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ ... عِنْدَ الرَّسُولِ بِإِذْنِ اللهِ تَنْوِيلُ حَتَّى وَضَعْتُ يَمِينِي لَا أُنَازِعُهُ ... فِي كَفٍّ ذِي نَقِمَاتٍ قَوْلُهُ الْقِيلُ فَكَانَ أَخْوَفَ عِنْدِي إِذْ أُكَلِّمُهُ ... إِذْ قِيلَ إِنَّكَ مَنْسُوبٌ وَمَسْؤُولُ مِنْ خَادِرٍ شَبَّكَ الأنْيَابَ طَاعَ لَهُ ... بِبَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ يَغْدُو فَيُلْحِمُ ضِرْغَامَيْنِ عِنْدَهُمَا ... لَحْمٌ مِنَ الْقَوْمِ مَنْثُورٌ خَرَادِيلُ مِنْهُ تَظَلُّ حَمِيرُ الْوَحْشِ ضَامِرَةً ... وَلَا تَمشَّى بِوَادِيهِ الأرَاجِيلُ وَلَا يَزَالُ بِوَادِيهِ أَخُو ثِقَةٍ ... مُطَرَّحُ الْبَزِّ وَالدِّرْسَانِ مَأْكُولُ إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ ... وَصَارِمٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ ... بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا زَالُوا فَمَا زَالَ أنْكاسٌ وَلَا كُشُفٌ ... عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ شُمُّ الْعَرَانِينِ أَبْطَالٌ لِباسُهُمُ ... مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ فِي الهَيْجَا سَرَابِيلُ بِيضٌ سَوَابِغُ قَدْ شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ ... كَأَنَّهَا حَلَقُ الْقَفْعَاءِ مَجْدُولُ يَمْشُونَ مَشْيَ الْجِمَالِ البُزْلِ يَعْصِمُهُم ... ضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ لَا يَفْرَحُونَ إِذَا نَالَتْ رِمَاحُهُمُ ... قَوْمًا وَلَيْسوا مَجَازِيعًا إِذَا نِيلُوا مَا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلَّا فِي نُحُورِهُمُ ... وَمَا لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ
الراويذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير بن أبي سلمى
المحدثالحاكم
الصفحة أو الرقم6638
خلاصة حكم المحدث[صحيح]
بيْنما أنا في الحطِيمِ مُضطَجِعًا ، إذْ أتانِي آتٍ فقَدَّ ما بين هذه إلى هذه فاسْتخرجَ قلْبِي ، ثمَّ أُتِيتُ بِطِسْتٍ من ذهَبٍ مملُوءةٍ إيْمانًا فغَسَلَ قلْبِي بِماءِ زمْزَمَ ، ثمَّ حَشَي ، ثمَّ أُعِيدَ ، ثمَّ أُتِيتُ بدابَّةٍ دُونَ البغْلِ ، وفوْقَ الحِمارِ أبْيَضَ ، يُقالُ لهُ البُراقُ ، يَضَعُ خَطْوَهُ عند أقْصَى طرَفِهِ ، فحُمِلْتُ عليه ، فانْطلقَ بِي جِبريلُ حتى أتَى السَّماءَ الدنيا ، فاسْتفتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هذا ؟ قال : جِبريلُ ، قِيلَ : ومَنْ مَعكَ ؟ قال : مُحمدٌ ، قِيلَ : وقدْ أُرْسِلَ إليه ؟ قال : نعمْ ، قِيلَ : مرْحبًا به ، فنِعمَ المجِيءُ جاء ، ففُتِحَ ، فلَمَّا خَلَصْتُ فإذا فيها آدَمُ ، فقال : هذا أبُوكَ آدَمُ فسَلِّمْ عليْهِ ، فسَلَّمْتُ عليه ، فرَدَّ السلامَ ، ثمَّ قال : مرْحبًا بالنبيِّ الصالِحِ ، والابْنِ الصالِحِ . ثمَّ صعَدَ بِي حتى أتَى السماءَ الثانِيةَ ، فاسْتفتَحَ ، فقِيلَ : مَنْ هذا ؟ قال : جِبريلُ ، قِيلَ : ومَنْ مَعكَ ؟ قال : مُحمدٌ ، قِيلَ : وقدْ أُرْسِلَ إليه ؟ قال : نعمْ ، قِيلَ : مرْحبًا به ، فنِعمَ المجِيءُ جاء ، ففُتِحَ ، فلَمَّا خَلَصْتُ فإذا بيحْيَى وعِيسَى ، وهُما ابْنا الخالَةِ ، قال : هذا يحْيَى وعِيسَى ، فسَلِّمْ عليْهِما ، فسلَّمْتُ ، فرَدَّا ، ثمَّ قالَا : مرْحبًا بالأَخِ الصالِحِ والنبيِّ الصالِحِ . ثمَّ صعَدَ بِي حتى أتَى السماءَ الثالِثةَ ، فاسْتفتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هذا ؟ قال : جِبريلُ ، قِيلَ : ومَنْ مَعكَ ؟ قال : مُحمدٌ ، قِيلَ : وقدْ أُرْسِلَ إليه ؟ قال : نعمْ ، قِيلَ : مرْحبًا به ، فنِعمَ المجِيءُ جاء ، ففُتِحَ ، فلَمَّا خَلَصْتُ إذا يُوسُفُ ، قال : هذا يُوسفُ ، فسلِّمْ عليْهِ ، فسلَّمْتُ عليه ، فرَدَّ ، ثمَّ قال : مرْحبًا بالأخِ الصالِحِ ، والنبيِّ الصالِحِ . ثمَّ صعَدَ بِي حتى أتَى السماءَ الرابعةَ ، فاسْتفتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هذا ؟ قال : جِبريلُ ، قِيلَ : ومَنْ مَعكَ ؟ قال : مُحمدٌ ، قِيلَ : وقدْ أُرْسِلَ إليه ؟ قال : نعمْ ، قِيلَ : مرْحبًا به ، فنِعمَ المجِيءُ جاء ، ففُتِحَ ، فلَمَّا خَلَصْتُ إذا إدْريسُ ، فسلِّمْ عليه ، فسلَّمْتُ ، فرَدَّ ، ثمَّ قال : مرْحبًا بالأخِ الصالِحِ ، والنبيِّ الصالِحِ . ثمَّ صعَدَ بِي إلى السماءِ الخامِسَةِ ، فاسْتفتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هذا ؟ قال : جِبريلُ ، قِيلَ : ومَنْ مَعكَ ؟ قال : مُحمدٌ ، قِيلَ : وقدْ أُرْسِلَ إليه ؟ قال : نعمْ ، قِيلَ : مرْحبًا به ، فنِعمَ المجِيءُ جاء ، ففُتِحَ ، فلَمَّا خَلَصْتُ إذا هارُونُ ، قال : هذا هارُونُ ، فسلِّمْ عليْهِ ، فسلَّمْتُ عليْهِ ، فرَدَّ ، ثمَّ قال : مرْحبًا بالأخِ الصالِحِ ، والنبيِّ الصالِحِ . ثمَّ صعَدَ بِي إلى السماءِ السادسةِ ، فاسْتفتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هذا ؟ قال : جِبريلُ ، قِيلَ : ومَنْ مَعكَ ؟ قال : مُحمدٌ ، قِيلَ : وقدْ أُرْسِلَ إليه ؟ قال : نعمْ ، قِيلَ : مرْحبًا به ، فنِعمَ المجِيءُ جاء ، ففُتِحَ ، فلَمَّا خَلَصْتُ فإذا مُوسَى ، قال : هذا مُوسَى فسلِّمْ عليه ، فسلَّمْتُ عليه ، فرَدَّ ، ثمَّ قال : مرْحبًا بالأخِ الصالِحِ ، والنبيِّ الصالِحِ ، فلمَّا تجاوَزْتُ بَكَى ، قِيلَ لهُ : ما يُبكِيكَ ؟ قال : أبْكِي لأنَّ غُلامًا بُعِثَ بعدِي يَدخُلُ الجنةَ من أُمَّتِه أكثرُ مِمَّنْ يَدخُلُ من أُمَّتِي . ثمَّ صعَدَ بِي إلى السماءِ السابعةِ ، فاسْتفتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هذا ؟ قال : جِبريلُ ، قِيلَ : ومَنْ مَعكَ ؟ قال : مُحمدٌ ، قِيلَ : وقدْ أُرْسِلَ إليه ؟ قال : نعمْ ، قِيلَ : مرْحبًا به ، فنِعمَ المجِيءُ جاء ، ففُتِحَ ، فلَمَّا خَلَصْتُ إذا إبراهيمُ ، قال : هذا أبُوكَ إبراهيمُ فسلِّمْ عليه ، فسلَّمْتُ عليه ، فرَدَّ السلامَ ، فقال : مرْحبًا بالابْنِ الصالِحِ ، والنبيِّ الصالِحِ . ثمَّ رُفِعَتْ لِي سِدرةُ المنْتَهَى ، فإذا نَبَقُها مِثلُ قِلالِ هَجَرَ ، وإذا ورَقُها مِثلُ آذانِ الفِيَلةِ ، قال : هذه سِدرةُ المنْتَهَى ، وإذا أربعةُ أنْهارٍ ؛ نِهْرانِ باطِنانِ ، ونهْرانِ ظاهِرانِ ، قُلتُ : ما هذا يا جِبريلُ ؟ قال : أمَّا الباطِنانِ فنَهْرانِ في الجنةِ ، وأمَّا الظاهِرانِ فالنِّيلُ والفُراتُ . ثمَّ رُفِعَ لِيَ البيْتُ المعْمُورُ ، فقُلتُ : يا جبريلُ ! ما هذا ؟ قال : هذا البيتُ المعمُورُ ، يَدخُلُهُ كُلَّ يومٍ سبعُونَ ألْفَ ملَكٍ ، إذا خَرجُوا مِنهُ لمْ يُعودُوا إليه آخِرَ ما عليْهِمْ ، ثمَّ أُتيتُ بإِناءٍ من خمْرٍ ، وإناءٍ من لبَنٍ ، وإِناءْ من عسَلٍ ، فأخذْتُ اللبَنَ ، فقال : هِيَ الفِطرةُ التي أنتَ عليْها وأُمَّتُكَ . ثمَّ فُرِضَ عليَّ خمْسُونَ صلاةً كلَّ يومٍ ، فرَجعتُ ، فمَرَرْتُ على مُوسَى ، فقال : بِمَ أُمِرْتَ ؟ قُلتُ : أُمِرْتُ بِخمسِينَ صلاةً كلَّ يومٍ ، قال : إنَّ أُمَّتَكَ لا تَستطيعُ خمسينَ صلاةً كلَّ يومٍ ، وإنِّي واللهِ قدْ جرَّبْتُ الناسَ قبلَكَ ، وعالَجْتُ بنِي إسرائِيلَ أشَدَّ المعالَجةِ ، فارْجِعْ إلى ربِّكَ فسَلْهُ التَّخفيفَ لأُمتِكَ ، فرَجعتُ فوضَعَ عنِّي عشْرًا ، فرَجعتُ إلى مُوسَى ، فقال مِثلَهُ ، فرجعتُ ، فوَضعَ عنِّي عشْرًا ، فرَجعتُ إلى مُوسَى ، فقال مِثلَهُ ، فرجعتُ ، فوضَعَ عنِّي عشْرًا ، فرجعتُ إلى مُوسَى ، فقال مِثلَهُ ، فرجعتُ ، فوضَعَ عنِّي عشْرًا ، فأُمِرتُ بعشْرِ صلَواتٍ كلَّ يومٍ ، فقال مِثلَهُ ، فرجعتُ فأُمِرْتُ بخمْسِ صلَواتٍ كلَّ يومٍ ، فرجعتُ إلى مُوسَى ، فقال : بِمَ أُمِرْتَ ؟ قلتُ : أمِرتُ بخمْسِ صلَواتٍ كلَّ يومٍ قال : إنَّ أُمَّتَكَ لا تَستطيعُ خمْسَ صلَواتٍ كلَّ يومٍ ، وإنِّي قدْ جرَّبْتُ الناسَ قبْلكَ ، وعالَجتُ بنِي إسرائِيلَ أشدَّ المعالَجةِ ، فارْجِعْ إلى ربِّكَ فسلْهُ التَّخفيفَ لأمَّتِكَ ، قُلتُ : سألْتُ ربِّي حتى اسْتحيَيْتُ مِنهُ ، ولكِنْ أرْضَى وأُسَلِّمُ ، فلَمَّا جاوزْتُ نادانِي مُنادٍ ، أمْضيتُ فرِيضَتِي ، وخَفَّفْتُ عن عِبادِي
الراويمالك بن صعصعة الأنصاري
المحدثالألباني
الصفحة أو الرقم2866
خلاصة حكم المحدثصحيح
شهدتُّ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جنازَةً فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يا أيُّها الناسُ إنَّ هذِهِ الأمَّةُ تُبْتَلَى في قبورِها فإِذَا الإنسانُ ُدُفِنَ فَتَفَرَّقَ عنه أصحابُهُ جاءَهُ ملَكٌ في يدِهِ مِطْرَاقٌ فَأَقْعَدَهُ قال ما تقولُ في هذا الرجلِ فإن كان مؤمِنًا قال أَشْهَدُ أن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ فيقولُ لَهُ صدَقْتَ ثمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إِلى النارِ فيقولُ هذا كان مَنْزِلُكَ لَوْ كَفَرْتَ بربِّكَ فَأَمَّا إِذْ آمَنْتَ بِرَبِّكَ فَهَذَا مَنْزِلُكَ فَيُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى الجنَّةِ فيريدُ أنْ يَنْهَضَ إِلَيْهِ فيَقُولُ لَهُ اسكن ويُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ منافِقًا يقولُ لَهُ مَا تقولُ في هذا الرجلِ فيقولُ لَا أَدْرِي سَمِعْتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فيقولُ لَا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ ولَا اهْتَدَيْتَ ثمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى الجنةِ فيقولُ هذا مَنْزِلُكَ لو آمَنْتَ بِرَبِّكَ فَأَمَّا إِذْ كَفَرْتَ بربِّكَ فَإِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أبْدَلَكَ هَذَا وَيُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى النارِ ثُمَّ يَقْمَعُهُ مَقْمَعَةً بالمطْرَاقِ يَسْمَعُهَا خلَقُ اللهِ كلُّهم غيرُ الثقلَيْنِ فقال بعضُ القومِ يَا رسولَ اللهِ ما أحدٌ يقومُ عليه ملَكٌ في يدِهِ مِطْرَاقٌ إلا هِيلَ عِنْدَ ذلِكَ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
الراويأبو سعيد الخدري
المحدثالهيثمي
الصفحة أو الرقم3/50
خلاصة حكم المحدثرجاله رجال الصحيح

الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.

🏷️ كلمات رئيسية من الأحاديث (100)
رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنةالصلاة والزكاة والصلة والعفافالفاجر يرى ذنوبه كذبابشاة لم ينز عليها الفحلبسم الله الرحمن الرحيمالمؤمن يرى ذنوبه كجبليتوب الله على القاتلعينه اليسرى كوكب دريأصهب مقرون الحاجبينالعفو عند رسول اللهلا إسلال ولا إغلالعينه اليمنى ممسوحةوزن خردلة من إيمانالزيادة عشرين صاعامحمد بن عبد اللهلا دريت ولا تليتخديجة بنت خويلدالمغيرة بن شعبةخليفة رسول اللهأفرح بتوبة عبدهلا إله إلا اللهعبد الله بن أبيأبو بكر الصديقخالد بن الوليدامصص بظر اللاتالعوذ المطافيلملك بني الأصفرلا يأكل الصدقةجبلة بن الأيهميسبق حلمه جهلهعروة بن مسعودالمسيح الكذابسورة المرسلاتمسطح بن أثاثةعلامات النبوةثمانين مثقالاالتمر إلى أجلعمر بن الخطابالبيت المعمورلا يقرع أنفهسحب على أنفهطعامه وشرابهصلح الحديبيةيأجوج ومأجوجلا يبغي حربادعوة الإسلامالغرفة تنفضتالمن والسلوىزينب بنت جحشحسان بن ثابتسقاك أبو بكرسدرة المنتهىالقول الثابتعزلاء مزادةعينة مكفوفةأويس القرنيفناء الكعبةجلود النموركعب بن زهيرخاتم النبوةيأكل الهديةامرأة فرعونسعد بن معاذضرب أعناقهمبراءة عائشةزيد بن سعنةملك المطراقعمر بن أسدسورة الفتحربيعة ومضريرحمك اللهسبعين سورةيزور البيتالمائدة 82والله أكبرصورة النبيذو القرنينأبنوا أهليخمسون صلاةفتنة القبررسول اللهأشر منزلةوزعة اللهغرة الخيليضحك اللهغليم معلممسح ضرعهابانت سعادالمهاجرينمسح الضرعغلام معلمأبو سفيانأسلم تسلمكلمة سواءآية الإفكشدة الجهلابن أخيكالحديبيةأبو جندلالتابعين

تخريج حديث هذا الفحل لا يقرع أنفه



أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة


صحيح البخاري صحيح مسلم
صحيح الجامع صحيح ابن حبان
صحيح النسائي مسند الإمام أحمد
تخريج صحيح ابن حبان تخريج المسند لشاكر
صحيح أبي داود صحيح ابن ماجه
صحيح الترمذي مجمع الزوائد
هداية الرواة تخريج مشكل الآثار
السلسلة الصحيحة صحيح الترغيب
نخب الأفكار الجامع الصغير
صحيح ابن خزيمة الترغيب والترهيب

الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم


Tuesday, July 28, 2026

لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب