أحاديث عن: عائشة بنت أبي بكر
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
24 نتيجة — لكلمة: عائشة بنت أبي بكر
⭐ حسن
📂 باب ما جاء في نكاح...
عن أبي سلمة ويحيى قالا: لما هلكت خديجة، جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول اللَّه، ألا تزوج؟ قال: «من؟» قالت: إن شئت بكرًا، وإن شئت ثيّبًا، قال: «فمن البكر؟» قالت: ابنة أحب خلق اللَّه عز وجل إليك: عائشة بنت أبي بكر. قال: «ومن الثيب؟» قالت: سودة بنت زمعة، آمنت بك واتبعتك على ما تقول، قال: «فاذهبي فاذكريهما عليّ» فدخلت بيت أبي بكر، فقالت: يا أم رومان، ماذا أدخل اللَّه عز وجل عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول اللَّه ﷺ أخطب عليه عائشة، قالت: انتظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر، فقالت: يا أبا بكر، ماذا أدخل اللَّه عز وجل عليكم من الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول اللَّه ﷺ أخطب عليه عائشة. قال: وهل تصلح له، إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول اللَّه ﷺ فذكرت ذلك له. قال: «ارجعي إليه فقولي له: أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي» فرجعت، فذكرتْ ذلك له. قال انتظري، وخرج. قالت أم رومان: إن مُطْعِم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه، فواللَّه ما وعد وعدًا قطّ فأخلفه لأبي بكر، فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي، وعنده امرأته أم الفتى، فقالت: يا ابن أبي قحافة، لعلك مصبئ صاحبنا، مُدْخِله في دينك الذي أنت عليه، إن تزوج إليك. قال أبو بكر للمطعم بن عدي: أقول هذه تقول؟ قال: إنها تقول ذلك، فخرج من عنده، وقد أذهب اللَّه عز وجل ما كان في نفسه من عِدَته التي وعده، فرجع، فقال لخولة: ادعي لي رسول اللَّه ﷺ، فدعته،
فزوجها إياه، وعائشة يومئذ بنت ست سنين.
ثم خرجت، فدخلت على سودة بنت زمعة، فقالت: ماذا أدخل اللَّه عز وجل عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول اللَّه ﷺ أخطبك عليه. قالت: وددت، ادخلي إلى أبي، فاذكري ذاك له، وكان شيخًا كبيرًا قد أدركته السن، قد تخلَّف عن الحج، فدخلت عليه، فحيته بتحية الجاهلية، فقال: من هذه؟ فقالت: خولة بنت حكيم، قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد اللَّه، أخطب عليه سودة، قال: كفء كريم، ماذا تقول صاحبتُك؟ قالت: تحب ذاك، قال: أدعها لي، فدعتها. فقال: أي بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، قد أرسل يخطبك وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوّجك به؟ قالت: نعم، قال: ادعيه لي، فجاء رسول اللَّه ﷺ إليه، فزوّجها إياه، فجاءها أخوها عبد بن زمعة من الحج، فجعل يحثي على رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوّج رسول اللَّه ﷺ سودة بنت زمعة.
قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث من الخزرج في السُّنْح، قالت: فجاء رسول اللَّه ﷺ فدخل بيتنا، واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءت بي أمي، وإني لفي أرجوجة بين عَذْقين ترجُح بي، فأنزلتني من الأرجوحة، ولي جُميمةٌ، ففرقتها، ومسحتْ وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب، وإني لأنهج، حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي، فإذا رسول اللَّه ﷺ جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حِجْرِه، ثم قالت: هؤلاء أهلك، فبارك اللَّه لك فيهم، وبارك لهم فيك، فوثب الرجال والنساء، فخرجوا وبنى بي رسول اللَّه ﷺ في بيتنا، ما نُحِرت علي جزور، ولا ذُبحت عليّ شاة حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول اللَّه ﷺ إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين.
فزوجها إياه، وعائشة يومئذ بنت ست سنين.
ثم خرجت، فدخلت على سودة بنت زمعة، فقالت: ماذا أدخل اللَّه عز وجل عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول اللَّه ﷺ أخطبك عليه. قالت: وددت، ادخلي إلى أبي، فاذكري ذاك له، وكان شيخًا كبيرًا قد أدركته السن، قد تخلَّف عن الحج، فدخلت عليه، فحيته بتحية الجاهلية، فقال: من هذه؟ فقالت: خولة بنت حكيم، قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد اللَّه، أخطب عليه سودة، قال: كفء كريم، ماذا تقول صاحبتُك؟ قالت: تحب ذاك، قال: أدعها لي، فدعتها. فقال: أي بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، قد أرسل يخطبك وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوّجك به؟ قالت: نعم، قال: ادعيه لي، فجاء رسول اللَّه ﷺ إليه، فزوّجها إياه، فجاءها أخوها عبد بن زمعة من الحج، فجعل يحثي على رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوّج رسول اللَّه ﷺ سودة بنت زمعة.
قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث من الخزرج في السُّنْح، قالت: فجاء رسول اللَّه ﷺ فدخل بيتنا، واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءت بي أمي، وإني لفي أرجوجة بين عَذْقين ترجُح بي، فأنزلتني من الأرجوحة، ولي جُميمةٌ، ففرقتها، ومسحتْ وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب، وإني لأنهج، حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي، فإذا رسول اللَّه ﷺ جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حِجْرِه، ثم قالت: هؤلاء أهلك، فبارك اللَّه لك فيهم، وبارك لهم فيك، فوثب الرجال والنساء، فخرجوا وبنى بي رسول اللَّه ﷺ في بيتنا، ما نُحِرت علي جزور، ولا ذُبحت عليّ شاة حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول اللَّه ﷺ إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين.
حسن رواه الإمام أحمد (٢٥٧٦٩) عن محمد بن بشر، قال: حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو سلمة ويحيى قالا: فذكر الحديث.
📚 كتاب النكاح
📖 اقرأ الشرح
⭐ متفق عليه
📂 باب مشاركة النساء في الغزو...
عن أنس بن مالك قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ، قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم، وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما، تنقزان
القرب - وقال غيره: تنقلان القرب - على متونهما ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم.
القرب - وقال غيره: تنقلان القرب - على متونهما ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم.
متفق عليه رواه البخاري في الجهاد (٢٨٨٠)، ومسلم في الجهاد (١٨١١: ١٣٦) كلاهما من طريق أبي معمر (وهو عبيد الله بن عمرو المنقري) حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس .
📚 كتاب الجهاد
📖 اقرأ الشرح
⭐ متفق عليه
📂 باب من ثبت مع النبي...
عن أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوب عليه بحجفة له، وكان أبو طلحة رجلًا راميًا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثًا، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة، قال ويشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي، لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنهما، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثا.
متفق عليه رواه البخاري في المغازي (٤٠٦٤) ومسلم في الجهاد والسير (١٣٦: ١٨١١) كلاهما من طريق عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز (هو ابن صهيب) عن أنس بن مالك قال: فذكره.
📚 كتاب سيرة النبي ﷺ
📖 اقرأ الشرح
عن ابن شهابٍ الزُّهريِّ قال تزوَّج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خديجةَ بنتَ خُويلِدٍ بنِ أسدٍ بمكةَ وكانت قبله تحت عقيقِ بنِ عائذٍ المخزوميِّ ثم تزوج بمكةَ عائشةَ بنتَ أبى بكرٍ ثم تزوج بالمدينةِ حفصةَ بنتَ عمرَ وكانت قبلَه تحتَ خُنَيسِ بنِ حُذافةَ السَّهميِّ ثم تزوج سودةَ بنتَ زَمعةَ وكانت قبلَه تحت السكرانِ بنِ عَمرو أخي بني عامرِ بنِ لُؤيٍّ ثم تزوَّج أمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سفيانَ وكانت قبله تحتَ عُبيدِ اللهِ بنِ جَحشٍ الأسديِّ أحدِ بني خزيمةَ ثم تزوج أمَّ سلمةَ بنتَ أبي أميةَ وكان اسمُها هندًا وكانت قبلَه تحت أبي سلمةَ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الأسدِ بنِ عبدِ العُزَّى ثم تزوج زينبَ بنتَ خزيمةَ الهلاليةَ وتزوج العاليةَ بنتَ ظبيانَ من بني بكرِ بنِ عَمرو بن ِكلابٍ وتزوج امرأةً من بني الجونِ من كندةَ وسبا جويريةَ في الغزوةِ التي هُدم فيها مناةُ غزوةِ المُريسيعِ ابنةَ الحارثِ بنِ أبي ضرارٍ من بني المُصطلقِ من خزاعةَ وسبا صفيةَ بنتَ حُييِّ بنِ أخطبَ من بني النضيرِ وكانتا مما أفاء اللهُ عليه فقسمهما له واستسرَّ ماريةَ القبطيةَ فولدت له إبراهيمَ واستسر ريحانةَ من بني قريظةَ ثم أعتقها فلحقَتْ بأهلها واحتجبَتْ وهي عند أهلِها وطلَّق رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ العاليةَ بنتَ ظبيانَ وفارق أختَ بني عَمرو بنَ كلابٍ وفارق أختَ بني الجُونِ الكِنديةَ من أجل بياضٍ كان بها وتوفِّيت زينبُ بنتُ خزيمةَ الهلاليةُ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حيٌّ وبلغنا أنَّ العاليةَ بنتَ ظبيانَ التي طُلِّقت تزوَّجَتْ قبل أن يُحرِّمَ اللهُ النساءَ فنكحت ابنَ عمٍّ لها من قومِها وولدَتْ فيهم
قال عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ لأبيه : يا أبتِ حدِّثْني عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى أُحدِّثَ عنكَ فإنَّ كلَّ أبناءِ الصَّحابةِ يُحدِّثُ عن أبيه قال : يا بنيَّ ما مِن أحَدٍ صحِب رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بصُحبةٍ إلَّا وقد صحِبْتُه مِثْلَها أو أفضلَ ولقد علِمْتَ يا بُنيَّ أنَّ أمَّكَ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ كانت تحتي ولقد علِمْتَ أنَّ عائشةَ بنتَ أبي بكرٍ خالتُك ولقد علِمْتَ أنَّ أمِّي صفيَّةُ بنتُ عبدِ المطَّلبِ وأنَّ أخوالي حمزةُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ وأبو طالبٍ والعبَّاسُ وأنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ابنُ خالي ولقد علِمْتَ أنَّ عمَّتي خديجةُ بنتُ خُوَيلدٍ وكانت تحتَه وأنَّ ابنتَها فاطمةُ بنتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولقد علِمْتَ أنَّ أمَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم آمنةُ بنتُ وهبِ بنِ عبدِ مَنافِ بنِ زُهرةَ وأنَّ أمَّ صفيَّةَ وحمزةَ هالةُ بنتُ وهبِ بنِ عبدِ مَنافِ بنِ زُهرةَ ولقد صحِبْتُه بأحسَنِ صُحبةٍ والحمدُ للهِ ولقد سمِعْتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ : ( مَن قال علَيَّ ما لَمْ أقُلْ فلْيتبوَّأْ مَقعدَه مِن النَّارِ )
عن أبي سَلَمةَ ويَحيى، قالا: لَمَّا هَلَكَت خَديجةُ جاءَت خَولةُ بنتُ حَكيمٍ امرَأةُ عُثمانَ بنِ مَظعونٍ، قالت: يا رَسولَ اللهِ، ألا تَزَوَّجُ؟ قال: «مَن؟» قالت: إن شِئتَ بكرًا، وإن شِئتَ ثَيِّبًا؟ قال: «فمَنِ البِكرُ؟» قالت: ابنةُ أحَبِّ خَلقِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إليكَ: عائِشةُ بنتُ أبي بَكرٍ، قال: «ومَنِ الثَّيِّبُ؟» قالت: سَودةُ بنتُ زَمعةَ، آمَنَت بكَ، واتَّبَعَتكَ على ما تَقولُ، قال: «فاذهَبي فاذكُريهما عليَّ»، فدَخَلَت بَيتَ أبي بَكرٍ، فقالت: يا أُمَّ رومانَ، ماذا أدخَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليكُم مِنَ الخَيرِ والبَرَكةِ؟ قالت: وما ذاكَ؟ قالت: أرسَلَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخطُبُ عليه عائِشةَ، قالت: انتَظِري أبا بَكرٍ حَتَّى يَأتيَ، فجاءَ أبو بَكرٍ، فقالت: يا أبا بَكرٍ، ماذا أدخَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليكُم مِنَ الخَيرِ والبَرَكةِ؟ قال: وما ذاكَ؟ قالت: أرسَلَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخطُبُ عليه عائِشةَ، قال: وهَل تَصلُحُ له؟ إنَّما هيَ ابنةُ أخيه، فرَجَعَت إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فذَكَرَت ذلك له، قال: "ارجِعي إليه فقولي له: «أنا أخوكَ، وأنتَ أخي في الإسلامِ، وابنَتُكَ تَصلُحُ لي»، فرَجَعَت فذَكَرَت ذلك له، قال: انتَظِري وخَرَجَ، قالت أُمُّ رومانَ: إنَّ مُطعِمَ بنَ عَديٍّ قد كان ذَكَرَها على ابنِه، فواللهِ ما وعَدَ وعدًا قَطُّ فأخلَفَه -لأبي بَكرٍ- فدَخَلَ أبو بَكرٍ على مُطعِمِ بنِ عَديٍّ وعِندَه امرَأتُه أُمُّ الفَتى، فقالت: يا ابنَ أبي قُحافةَ، لَعَلَّكَ مُصبِئٌ صاحِبَنا مُدخِلُه في دينِكَ الذي أنتَ عليه إن تَزَوَّجَ إليكَ! قال أبو بَكرٍ للمُطعَمِ بنِ عَديٍّ: أقَوْلَ هذه تَقولُ؟ قال: إنَّها تَقولُ ذلك، فخَرَجَ مِن عِندِه، وقد أذهَبَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ما كان في نَفسِه مِن عِدَتِه التي وعَدَه، فرَجَعَ فقال لخَولةَ: ادعي لي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدَعَته فزَوَّجَها إيَّاهُ، وعائِشةُ يَومَئِذٍ بنتُ سِتِّ سِنينَ، ثُمَّ خَرَجَت فدَخَلَت على سَودةَ بنتِ زَمعةَ، فقالت: ماذا أدخَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليكِ مِنَ الخَيرِ والبَرَكةِ؟ قالت: ما ذاكَ؟ قالت: أرسَلَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخطُبُكِ عليه، قالت: ودِدتُ، ادخُلي إلى أبي فاذكُري ذاكَ له، وكان شَيخًا كَبيرًا، قد أدرَكَته السِّنُّ، قد تَخَلَّفَ عنِ الحَجِّ، فدَخَلَت عليه، فحَيَّته بتَحيَّةِ الجاهِليَّةِ، فقال: مَن هذه؟ فقالت: خَولةُ بنتُ حَكيمٍ، قال: فما شَأنُكِ؟ قالت: أرسَلَني مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ أخطُبُ عليه سَودةَ، قال: كُفءٌ كَريمٌ، ماذا تَقولُ صاحِبَتُكِ؟ قالت: تُحِبُّ ذاكَ، قال: ادعِها لي فدَعَتها، فقال: أي بُنَيَّةُ، إنَّ هذه تَزعُمُ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ عَبدِ اللهِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ قد أرسَلَ يَخطُبُكِ، وهو كُفءٌ كَريمٌ، أتُحِبِّينَ أن أُزَوِّجَكِ به، قالت: نَعَم، قال: ادعيه لي، فجاءَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليه فزَوَّجَها إيَّاهُ، فجاءَها أخوها عَبدُ بنُ زَمعةَ مِنَ الحَجِّ، فجَعَلَ يَحثي على رَأسِه التُّرابَ، فقال بَعدَ أن أسلَمَ: لَعَمرُكَ إنِّي لَسَفيهٌ يَومَ أحثي في رَأسي التُّرابَ أن تَزَوَّجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَودةَ بنتَ زَمعةَ! قالت عائِشةُ: فقدِمنا المَدينةَ فنَزَلنا في بَني الحارِثِ مِنَ الخَزرَجِ في السُّنحِ، قالت: فجاءَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدَخَلَ بَيتَنا واجتَمَعَ إليه رِجالٌ مِنَ الأنصارِ ونِساءٌ، فجاءَت بي أُمِّي وإنِّي لَفي أُرجوحةٍ بَينَ عِذقَينِ تَرجُحُ بي، فأنزَلَتني مِنَ الأُرجوحةِ، ولي جُمَيمةٌ ففَرَّقَتها، ومَسَحَت وجهي بشَيءٍ مِن ماءٍ، ثُمَّ أقبَلَت تَقودُني حَتَّى وقَفَت بي عِندَ البابِ، وإنِّي لَأنهَجُ حَتَّى سَكَنَ مِن نَفسي، ثُمَّ دَخَلَت بي، فإذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالِسٌ على سَريرٍ في بَيتِنا، وعِندَه رِجالٌ ونِساءٌ مِنَ الأنصارِ، فأجلَسَتني في حِجرِه، ثُمَّ قالت: هؤلاء أهلُكَ فبارَكَ اللهُ لَكَ فيهم، وبارَكَ لهم فيكَ، فوثَبَ الرِّجالُ والنِّساءُ، فخَرَجوا وبَنى بي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بَيتِنا، ما نُحِرَت عليَّ جَزورٌ، ولا ذُبِحَت عليَّ شاةٌ، حَتَّى أرسَلَ إلينا سَعدُ بنُ عُبادةَ بجَفنةٍ كان يُرسِلُ بها إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا دارَ إلى نِسائِه، وأنا يَومَئِذٍ بنتُ تِسعِ سِنينَ"
لَمَّا هلكَتْ خديجةُ جاءتْ خَوْلةُ بنتُ حَكيمٍ امرأةُ عُثمانَ بنِ مَظْعونٍ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، ألَا تَزوَّجُ؟ قال: مَن؟ قالت: إنْ شِئتَ بِكرًا، وإنْ شِئتَ ثَيِّبًا، قال: فمَنِ البِكرُ؟ قالت: ابنةُ أَحبِّ خَلْقِ اللهِ إليكَ: عائِشةُ بنتُ أبي بَكرٍ، قال: ومَنِ الثَّيِّبُ؟ قالت: سَوْدةُ بنتُ زَمْعةَ، آمنَتْ بكَ واتَّبعَتكَ على ما تقولُ، قال: فاذهَبي فاذكُريهما عليَّ، فدخلَتْ بيتَ أبي بَكرٍ، فقالت: يا أمَّ رُومانَ، ماذا أدخَلَ اللهُ عليكِ مِنَ الخيرِ والبَركةِ؟ قالت: وما ذاكَ؟ قالت: أرسَلَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخطُبُ عليه عائِشةَ، قالت: انتَظِري أبا بَكرٍ حتَّى يأتيَ، فجاءَ أبو بَكرٍ فقلتُ: يا أبا بَكرٍ، ماذا أدخَلَ اللهُ عزَّ وجَلَّ عليكم مِنَ الخيرِ والبَركةِ؟ قال: وما ذاكَ؟ قالت: أرسَلَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخطُبُ عليه عائِشةَ، قال: وهل تصلُحُ له؟ إنَّما هي ابنةُ أخيهِ، فرجعَتْ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فذكرَتْ ذلك له، قال: ارجِعي إليه فقولي له: أنا أخوكَ وأنتَ أخي في الإسلامِ، وابنتُكَ تصلُحُ لي، فرجعَتْ فذكرَتْ ذلك له، قال: انتظِري، وخرَجَ، قالت أمُّ رُومانَ: إنَّ مُطْعِمَ بنَ عَدِيٍّ قد ذكَرَها على ابنِه، وواللهِ ما وعَدَ وعدًا قطُّ فأخلَفَه -لأبي بَكرٍ- فدخلَ أبو بَكرٍ على مُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ وعنده امرأتُه أمُّ الفتى، فقالت: يا بنَ أبي قُحافةَ، لعلَّكَ مُصْبئٌ صاحِبَنا مُدخِلُه في دينِكَ الَّذي أنتَ عليه إنْ تزوَّجَ إليكَ؟! فقال أبو بَكرٍ للمُطْعِمِ بنِ عَديٍّ: أقَوْلَ هذه تقولُ؟ قال: إنَّها تقولُ ذلك؛ فخرجَ من عندِه وقد أذهَبَ اللهُ عزَّ وجلَّ ما كان في نفسِه من عِدَتِه الَّتي وَعَدَه، فرجَعَ فقال لخَوْلةَ: ادْعي لي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فدَعَتْه فزوَّجَها إيَّاهُ وعائِشةُ يومَئذٍ بنتُ ستِّ سِنينَ، ثمَّ خرجَتْ فدخلَتْ على سَوْدةَ بنتِ زَمْعةَ فقالت: ما أدخلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليكِ مِنَ الخيرِ والبَركةِ؟ قالت: وما ذاكَ؟ قالت: أرسَلَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخطُبُكِ عليه، قالت: وَدِدْتُ، ادخُلي إلى أبي فاذكُري ذاك له، وكان شيخًا كبيرًا قد أدرَكَه السِّنُّ قد تخلَّفَ عن الحجِّ، فدخلَتْ عليه فحَيَّته بتحيَّةِ الجاهليَّةِ، فقال: مَن هذه؟ قالت: خَوْلةُ بنتُ حَكيمٍ، قال: فما شأنُكِ؟ قالت: أرسَلَني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ أخطُبُ عليه سَوْدةَ، فقال: كُفْءٌ كريمٌ، ماذا تقولُ صاحِبتُكِ؟ قالت: تُحِبُّ ذلك، قال: ادْعيها إليَّ، فدَعَتْها، قال: أيْ بُنَيَّةُ، إنَّ هذه تزعُمُ أنَّ محمَّدَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ قد أرسَلَ يخطُبُكِ وهو كُفُؤٌ كريمٌ، أتُحبِّينَ أنْ أُزوِّجَكِ به؟ قالت: نعمْ، قال: ادعيهِ لي، فجاءَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فزوَّجَها إيَّاه، فجاءَها أخوها عبدُ بنُ زَمْعةَ مِنَ الحجِّ، فجعل يَحْثي على رأسِه التُّرابَ، فقال بعد أنْ أسلَمَ: لَعَمْرُكَ إنِّي لسَفيهٌ يومَ أَحثي في رأسي التُّرابَ أنْ تَزوَّجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَوْدةَ بنتَ زَمْعةَ! قالت عائِشةُ: فقَدِمْنا المدينةَ فنزَلْنا في بني الحارِثِ بنِ الخَزْرَجِ في السُّنْحِ، قالت: فجاءَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فدخلَ بيتَنا واجتمعَ إليه رجالٌ مِنَ الأنصارِ ونساءٌ، فجاءَتْ بي أمِّي وإنِّي لَفي أُرْجوحةٍ بين عِذْقَينِ تَرجَحُ بي، فأنزَلَتْني مِنَ الأُرْجوحةِ وَلي جُمَيْمةٌ ففَرَقَتْها ومسَحَتْ وَجْهي بشيءٍ مِنَ ماءِ، ثمَّ أقبَلَتْ تَقودُني حتَّى وَقفَتْ بي عند البابِ وإنِّي لأَنْهَجُ حتَّى سكَنَ مِن نفسي، ثمَّ دخلَتْ بي فإذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جالسٌ على سَريرٍ في بيتِنا وعنده رجالٌ ونساءٌ مِنَ الأنصارِ، فأجلَسَتْني في حُجرةٍ، ثمَّ قالت: هؤلاءِ أهلُك، فبارَكَ اللهُ لك فيهم وبارَكَ لهم فيك، فوَثَبَ الرِّجالُ والنِّساءُ، فخرَجوا وبَنى بي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بيتِنا، ما نُحِرَتْ عليَّ جَزورٌ ولا ذُبِحَتْ عليَّ شاةٌ، حتَّى أرسَلَ إلينا سَعْدُ بنُ عُبادةَ بجَفْنةٍ كان يُرسِلُ بها إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ
لمَّا ماتَت خَديجةُ بنتُ خُوَيلِدٍ رَضيَ اللهُ عنها جاءَت خَولةُ بنتُ حَكيمٍ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت: "يا رَسولَ اللهِ، ألَا تَزَوَّجُ؟ قال: "ومَن؟" قالت: إن شِئتَ بِكرًا وإن شِئتَ ثَيِّبًا، قال: "ومَنِ البِكرُ ومَنِ الثَّيِّبُ؟ "قالت: أمَّا البِكرُ فابنةُ أحَبِّ خَلقِ اللهِ إليك: عائِشةُ بنتُ أبي بَكرٍ، وأمَّا الثَّيِّبُ فسَودةُ بنتُ زَمعةَ، قد آمَنَت بك واتَّبَعَتك، قال: "فاذكُريهِما لي"، قالت: فأَتَت أمَّ رومانَ، فقالت: يا أمَّ رومانَ ماذا أدخَلَ اللهُ عليكُم مِنَ الخَيرِ والبَرَكةِ؟ قالت: وما ذاكَ؟ قالت: رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذَكَرَ عائِشةَ، قالت: انتَظِري؛ فإِنَّ أبا بَكر آتٍ، فجاءَ أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فذَكَرَت ذلك له، فقال: أو تَصلُحُ له وهيَ ابنةُ أخيه؟ قالت: فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "أنا أخوه وهو أخي، وابنَتُه تَصلُحُ لي"، فذَكَرَ الحَديثَ إلى أن قال: فقال لها أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه: قولي لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فليَأتِ، قال: فجاءَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فمَلكَها، قالت خَولةُ: ثُمَّ انطَلَقتُ إلى سَودةَ وأبوها شَيخٌ كَبيرٌ قد جَلَسَ عنِ المَواسِمِ، فحَيَّيتُه بتَحيَّةِ أهلِ الجاهِليَّةِ، فقُلتُ: أنعِمْ صَباحًا، قال: "مَن أنتِ؟ "قُلتُ: خَولةُ بنتُ حَكيمٍ، قالت: فرَحَّبَ بي وقال ما شاءَ اللهُ أن يَقولَ، قالت: قُلتُ: مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ يَذكُرُ سَودةَ بنتَ زَمعةَ، فقال: كُفو كَريمٌ، ماذا تَقولُ صاحِبَتُكِ؟ قُلتُ: نَعَم تُحِبُّ، قال: فقولي له فليَأتِ، قالت: فجاءَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فمَلكَها، وقَدِمَ عَبدُ بنُ زَمعةَ فجَعَلَ يَحثو على رَأسِه التُّرابَ أن تَزَوَّجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَودةَ!
عن ابنِ عبَّاسٍ {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور: 11]، يُريدُ أنَّ الذين جاؤوا بالكَذِبِ على عائشةَ أُمِّ المُؤمِنينَ أربعةٌ منكم {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [النور: 11]، يُريدُ خَيرًا لرسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبراءةً لسيِّدةِ نِساءِ المُؤمِنينَ وخيرًا لأبي بَكرٍ، وأُمِّ عائشةَ، وصَفوانَ بنِ المُعطَّلِ {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} [النور: 11] يُريدُ إشاعَتَه، {مِنْهُمْ} يُريدُ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11]، يُريدُ في الدُّنيا جَلَدَه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثَمانينَ، وفي الآخِرَةِ مَصيرُه إلى النَّارِ {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} [النور: 12]، [يُريدُ أفلا إذْ سَمِعتُموه] {ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12]؛ وذلك أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استشارَ فيها، فقالوا: خَيرًا، [وقالوا يا رسولَ اللهِ، هذا كَذِبٌ وزورٌ {وَالْمُؤْمِنَاتُ} يُريدُ زينبَ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم] وَبَريرَةَ مَولاةَ عائشةَ، وأزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقالوا: هذا كَذِبٌ عَظيمٌ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 13]، لكانوا هم والذين شَهِدوا كاذِبينَ {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 13]، يُريدُ الكَذِبَ بعَينِه {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور: 14]، يُريدُ فلولا منَّ اللهُ عليكم وسَتَرَكم {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 14] [يُريدُ من الكَذِبِ {عَذَابٌ عَظِيمٌ}، يُريدُ لا انقطاعَ له، {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [النور: 15]، يَعلَمُ اللهُ خِلافَه، {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15]، يُريدُ أنْ تَرْموا سيِّدةَ نِساءِ المُؤمِنينَ وزَوجَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فتَبهَتونَها بما لم يكن فيها، ولم يَقَعْ في قَلْبِها قَطُّ إعرابُها، وإنَّما خَلَقتُها طيِّبةً، وعَصَمتُها من كُلِّ قَبيحٍ، {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16]، يُريدُ بالبُهتانِ الافتراءَ، مِثلَ قَولِه في مَريَمَ {بُهْتَانًا عَظِيمًا} {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا} [النور: 17]، يُريدُ مِسطَحَ بنَ أُثاثةَ، وحَمنَةَ بنتَ جَحْشٍ، وحسَّانَ بنَ ثابتٍ، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور: 17] يُريدُ إنْ كنتم مُصدِّقينَ للهِ ورسولِه] {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} [النور: 18]، التي أنزلَهَا في عائشةَ والبراءةِ لها {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} بما في قُلوبِكم من النَّدامَةِ فيما خُضتُم فيه {حَكِيمٌ} حَكَمَ في القَذفِ ثَمانينَ جَلدَةً {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} [النور: 19]، يُريدُ بعدَ هذا {فِي الَّذِينَ آمَنُوا} [النور: 19]، [يُريدُ] المُحصَنينَ والمُحْصَناتِ من المُصَدِّقينَ {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 19]، وَجيعٌ {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور: 19]، يُريدُ في الدُّنيا الجَلْدَ، وفي الآخِرَةِ العَذابَ في النَّارِ، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19]، سوءَ ما دَخَلتُم فيه، وما فيه من شِدَّةِ العِقابِ، وأنتم لا تَعلَمون شِدَّةِ سَخَطِ اللهِ على مَن فعَل هذا، {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} [النور: 20] يُريدُ لولا ما تفضَّل اللهُ به عليكم ورحمتُه، يُريدُ مِسطَحًا وحَمنَةَ وحسَّانَ {وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النور: 20]، يُريدُ من الرَّحمَةِ، رَؤوفٌ بكم؛ حيث نَدِمتُم ورَجَعتُم إلى الحَقِّ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النور: 21]، يُريدُ صدَّقوا بتَوحيدِ اللهِ {لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [النور: 21]، يُريدُ الزَّلَّاتِ {وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النور: 21]، يُريدُ بالفَحشاءِ عِصيانَ اللهِ، والمُنكَرُ كُلُّ ما يَكرَهُ اللهُ، {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} [النور: 21]، يُريدُ ما تفضَّل اللهُ به عليكم ورَحِمَكم الآيةَ، {مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور: 21]، يُريدُ ما قَبِلَ تَوبَةَ أحدٍ منكم أبدًا {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النور: 21]، يُريدُ فقد شِئتُ أنْ أتوبَ عليكم {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21]، يُريدُ سميعٌ لقَولِكم، عَليمٌ بما في أنْفُسِكم من النَّدامَةِ من التَّوبَةِ {وَلَا يَأْتَلِ} [النور: 22]، يُريدُ ولا يَحلِفُ {أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} [النور: 22]، يُريدُ لا يَحلِفُ أبو بَكرٍ ألَّا يُنفِقَ على مِسطَحٍ، {أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} [النور: 22]، فقد جَعَلتُ فيك يا أبا بَكرٍ الفَضْلَ، وجَعَلتُ عِندَك السَّعَةَ، والمَعرِفَةَ باللهِ، فتَعَطَّفْ يا أبا بَكرٍ على مِسطَحٍ فله قَرابَةٌ، وله هِجرَةٌ، ومَسكنَةٌ، ومَشاهِدُ رَضيتُها منه يَومَ بَدْرٍ {أَلَا تُحِبُّونَ} [النور: 22] يا أبا بَكرٍ، {أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22]، يُريدُ فاغْفِرْ لمِسطَحٍ، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22]، يُريدُ فإنِّي غفورٌ لمَن أخطَأَ، رحيمٌ بأوليائي، {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 23]، يُريدُ العفائِفَ {الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النور: 23]، يُريدُ المُصدِّقاتِ بتَوحيدِ اللهِ وبرُسُلِه، وقال حسَّانُ بنُ ثابتٍ في عائشةَ أُمِّ المُؤمِنينَ: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ** وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ فقالت عائشةُ: يا حسَّانُ، لكنَّك لستَ كذلك {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23]، يقولُ: أخرَجَهم من الإيمانِ مِثلَ قَولِه في سورةِ الأحزابِ للمُنافِقينَ: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 61]، {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} [النور: 11]، يُريدُ كِبْرَ القَذفِ، وإشاعَتَه يُريدُ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ الملعونَ {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور: 24]، يُريدُ أنَّ اللهَ خَتَمَ على ألسنتِهم، فتكلَّمَتِ الجوارحُ، وشَهِدَتْ على أهلِها؛ وذلك أنَّهم قالوا: تَعالوا نَحلِفُ باللهِ ما كُنَّا مُشرِكينَ، فخَتَمَ اللهُ على ألسنتِهم، فتكلَّمَتِ الجوارحُ بما عَمِلوا، ثم شَهِدَتْ ألسنتُهم بعدَ ذلك، يُريدُ يُجازيهم بأعمالِهم بالحَقِّ كما يُجازي أولياءَه بالثَّوابِ، كذلك يَجزي أهلَه بالعِقابِ، كقَولِه في الحَمْدِ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]، يُريدُ يَومَ الجَزاءِ {وَيَعْلَمُونَ} يُريدُ يَومَ القِيامةِ {أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور: 25]، وذلك أنَّ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ كان يَشُكُّ في الدِّينِ، وكان رأسَ المُنافِقينَ؛ وذلك قَولُ اللهِ {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} [النور: 25]، ويَعلَمُ ابنُ سَلولَ [يَومَ القيامةِ] {أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور: 25]، يُريدُ انقَطَعَ الشَّكُّ، واستَيْقَنَ حيثُ لا يَنفَعُه اليقينُ، {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} [النور: 26]، يُريدُ أمثالَ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ، ومَن شَكَّ في اللهِ عزَّ وجلَّ، ويَقذِفُ مِثلَ سيِّدةِ نِساءِ العالَمينَ، ثم قال {وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور: 26]، عائشةُ طيَّبَها اللهُ لرسولِه عليه السَّلامُ أتى بها جِبريلُ عليه السَّلامُ في سَرَقَةِ حَريرٍ قَبلَ أنْ تُصوَّرَ في رَحِمِ أُمِّها، فقال له: عائشةُ بنتُ أبي بَكرٍ زوجتُك في الدُّنيا، وزوجتُك في الجنَّةِ عِوَضًا من خديجةَ بنتِ خُوَيلِدٍ؛ وذلك عندَ مَوتِها؛ فسُرَّ بها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقَرَّ بها عَينًا، ثم قال: {وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور: 26] يُريدُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم طيَّبَه اللهُ لنَفْسِه وجَعَلَه سيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، والطيِّباتُ يُريدُ: عائشةَ، {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: 26]، يُريدُ برَّأها اللهُ من كَذِبِ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} [النور: 26]، يُريدُ عِصمَةً في الدُّنيا، ومَغفِرَةً في الآخِرَةِ، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26]، يُريدُ رِزقَ الجنَّةِ وثَوابٌ عَظيمٌ
لمَّا هلَكَتْ خديجةُ جاءت خَولةُ بنتُ حَكيمٍ امرأةُ عثمانَ بنِ مَظْعونٍ فقالت يا رسولَ اللهِ ألَا تَزَوَّجُ قال مَن قالت إنْ شِئْتَ بكرًا وإنْ شِئْتَ ثيِّبًا قال فمَنِ البِكرُ قالت بنتُ أحبِّ خلقِ اللهِ إليك عائشةُ بنتُ أبي بكرٍ قال ومَنِ الثَّيِّبُ قالت سَودةُ ابنةُ زَمْعةَ قد آمنَتْ بك واتَّبَعَتْك على ما تقولُ قال اذهَبي فاذكُريها عليَّ فأتَتْ أمَّ رُومانٍ فقالت يا أمَّ رُومانٍ ماذا أدخَلَ اللهُ عليكم مِنَ الخيرِ والبركةِ قالت وما ذاكِ قالت أرسَلَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخطُبُ عليه عائشةَ قالت انتَظِري أبا بكرٍ حتَّى يأتيَ فجاء أبو بكرٍ فقالت يا أبا بكرٍ ماذا أدخَلَ اللهُ عليك مِنَ الخيرِ والبركةِ قال وما ذاك قالت أرسَلَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخطُبُ عائشةَ قال وهل تصلُحُ له إنَّما هي ابنةُ أخيه فرجَعَتْ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فذَكَرَتْ ذلك له قال ارجِعي فقولي له أنا أخوك وأنت أخي في الإسلامِ وابنتُك تصلُحُ لي فرجَعَتْ فذَكَرَتْ ذلك له فقال انتظِري وخرَج قالت أمُّ رُومانٍ إنَّ مُطْعِمَ بنَ عَدِيٍّ كان قد ذكَرها على ابنِه فواللهِ ما وعَد وعدًا قطُّ فأخلَفه لأبي بكرٍ فدخَل أبو بكرٍ على مُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ وعندَه امرأتُه أمُّ الفِتيانِ فقلْتُ يا ابنَ أبي قُحافةَ لعلَّك مُصْبِئٌ صاحِبَنا فدَخِّلْه في دينِك الَّذي أنت عليه أن يزوج إليك قال أبو بكرٍ للمُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ أَقَوْلَ هذه تقولُ إنَّك تقولُ ذلك فخرَج مِن عندِه وقد أذهَب اللهُ ما كان في نفسِه مِن عِدَتِه الَّتي وعَده فقال لخَوْلةَ ادعي لي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدعَتْه فزوَّجَها إيَّاه وعائشةُ رضِيَ اللهُ عنها يومئذٍ بِنتُ سِتِّ سنينَ ثمَّ خرَجَتْ فدخَلَتْ على سَوْدةَ بنتِ زَمْعةَ فقالت ماذا أدخَل اللهُ عليكِ مِنَ الخيرِ والبركةِ قالت وما ذاكِ قالت أرسَلَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخطُبُكِ عليه قالت ووَدِتُّ ادخُلي على أبي فاذكُري ذلك له وكان شيخًا كبيرًا قد أدرَكَتْه السِّنُّ قد تخلَّف عَنِ الحجِّ فدخَلَتْ عليه فحيَّتْه بتحيَّةِ الجاهليَّةِ فقال مَن هذه فقالت خَوْلةُ ابنةُ حَكيمٍ قال فما شأنُكِ قالت أرسَلَني محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ أخطُبُ عليه سَوْدةَ فقال كُفُؤٌ كريمٌ فماذا تقولُ صاحِبَتُكِ قالت تُحِبُّ ذلك فقال ادعيه لي فجاءه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فزوَّجَها إيَّاه فجاء أخوها عبدُ بنُ زَمْعةَ مِنَ الحجِّ فجعَل يَحثي في رأسِه التُّرابَ فقال بعدَ أن أسْلَم لَعَمْري إنِّي لَسَفيهٌ يومَ أَحْثي في رأسي التُّرابَ أن تزَوَّج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَوْدةَ ابنةَ زَمْعةَ قالت عائشةُ فقدِمْنا المدينةَ فنزَلْنا في بني الحارثِ بنِ الخَزْرجِ بالسُّنحِ قالت فجاء رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدخل بيتَنا فجاءت بي أمِّي وأنا في أُرْجوحةٍ تَرْجُحُ بي بينَ عَذْقَينِ فأنزَلَتْني مِنَ الأُرْجوحةِ ولي جُمَيمةٌ ففَرَّقَتْها ومسَحَتْ وجهي بشيءٍ مِن ماءٍ ثمَّ أقبَلَتْ تقودُني حتَّى وقَفَتْ عندَ البابِ وإنِّي لأنهَجُ حتَّى سكَن مِن نفسي ثمَّ دخَلَتْ بي فإذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالسٌ على سَريرٍ في بيتِنا وعندَه رجالٌ ونساءٌ مِنَ الأنصارِ فاحتَبَسَتْني في حُجرةٍ ثمَّ قالت هؤلاء أهلُكَ فبارَك اللهُ لك فيهم وبارَك لهم فيك فوثَب الرِّجالُ والنِّساءُ فخرَجوا وبنى بي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بيتِنا ما نُحِرَتْ عليَّ جَزورٌ ولا ذُبِحَتْ عليَّ شاةٌ حتَّى أرسَل إلينا سعدُ بنُ عُبادةَ بجَفْنةٍ كان يُرسِلُ بها إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا دار إلى نسائِه وأنا يومئذٍ ابنةُ سَبْعِ سنينَ
قال ابنُ الزبيرِ لأبيهِ يا أبتِ حدِّثْنِي عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتى أُحَدِّثَ عنكَ فإنَّ كلَّ أبناءِ الصحابةِ يُحدِّثُ عن أبيهِ قال يا بُنَيَّ ما من أَحَدٍ صحبَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صُحبةً إلا وقد صحبتُهُ بمثلِها أو أفضلَ ولقد علمتَ يا بُنَيَّ أنَّ أمَّك أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ كانت تحتي ولقد علمتَ أنَّ عائشةَ بنتَ أبي بكرٍ خالتُكَ ولقد علمتَ أنَّ أمِّي صفيةُ بنتُ عبدِ المطلبِ وأنَّ أخوالي حمزةُ وأبو طالبٍ والعباسُ وأنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ابنُ خالي ولقد علمتَ أنَّ عمتي خديجةَ بنتَ خُويلدٍ كانت تحتَهُ وأنَّ ابنتَها فاطمةُ بنتَ رسولِ اللهِ ولقد علمتَ أنَّ أمَّهُ آمنةُ بنتُ وهبِ بنِ عبدِ منافِ بنِ زُهرةَ وأنَّ أمَّ صفيةَ وحمزةَ هالةَ بنتَ وهبٍ ولقد صحبتُهُ بأحسنِ صُحْبَةٍ والحمدُ للهِ ولقد سمعتُهُ يقولُ من كذبَ عليَّ
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان إذا سافَر سافَر ببعضِ نسائِه ويقسِمُ بينهنَّ فسافَر بعائشةَ بنتِ أبي بكرٍ رضِيَ اللهُ عنها وكان لها هَودجٌ وكان الهَودجُ يحمِلونه ويضَعونه فعرَّس رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه وخرَجَتْ عائشةُ للحاجةِ فتباعَدَتْ فلم يعلَمْ بها فاستيقَظ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والنَّاسُ قد ارتحَلوا وجاء الَّذين يحمِلون الهَودجَ فحمَلوه ولا يحسَبون إلَّا أنَّها فيه فساروا وأقبَلَتْ عائشةُ فوجَدتْهم قد ارتحَلوا فجلَسَتْ مكانَها فاستيقَظ رجلٌ مِنَ الأنصارِ يُقال له صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ وكان لا يقرَبُ النِّساءَ فتقرَّب منها وكان معه بعيرٌ له فلمَّا رآها حمَلها وقد كان يراها قَبلَ أن يُضرَبَ الحِجابُ وجعَل يقودُ بها البعيرَ حتَّى أتَوُا النَّاسَ والنَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومعه ثابتٌ فقال يا رسولَ اللهِ دَعْها لعلَّ اللهَ أن يُحْدِثَ لك فيها وقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ النِّساءُ كثيرٌ فحمَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليها وخرَجَتْ عائشةُ ليلةً تمشي في نساءٍ فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ فقالت تعِس مِسْطَحٌ فقالت بئسَ ما قلْتِ تقولين هذا لرجلٍ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت إنَّك لا تدرين ما يقولون وأخبَرَتْها الخبرَ فسقَطَتْ عائشةُ مَغْشِيًّا عليها ثمَّ نزَل القرآنُ بعدَها في سورةِ النُّورِ { إِنَّ الَّذِينَ جَاؤوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ } حتَّى بلَغ { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ } إلى قولِه { وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وكان أبو بكرٍ يُعطي مِسْطَحًا ويَبَرُّه ويصِلُه وكان ممَّن أكثَر على عائشةَ فحلَف أبو بكرٍ ألَّا يُعطيَه شيئًا فنزَلَتْ هذه الآيةُ { أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ } فأمَره النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يأتيَها ويُبَشِّرَها فجاء أبو بكرٍ فأخبَرَها بعُذرِها وبما أنزَل اللهُ فقالت لا بحمدِك ولا بحمدِ صاحبِك
أنَّ عائشةَ زوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالت لم أعقِلْ أبويَّ قطُّ إلا وهما يَدِينانِ الدِّينَ ، ولم يمُرَّ علينا يومٌ إلا أتينا فيه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ طرَفَي النهارِ بُكرةً وعشِيَّةً ، فلما ابتُلِيَ المسلمونَ ، خرج أبو بكرٍ مُهاجرًا نحو أرضِ الحبشةِ حتى إذا بلغ برْكَ الغَمادِ لقِيَه ابنُ الدَّغِنَةَ وهو سيِّدُ القارَةِ قال : أين تريدُ يا أبا بكرٍ ؟ قال أبو بكرٍ : أَخْرَجَني قومي ، فأريدُ أن أسيحَ في الأرضِ ، وأعبدُ ربي ، قال ابنُ الدَّغِنَةَ : فإنَّ مثلَك – يا أبا بكرٍ – لا يخرجُ ، ولا يخرجُ ، أنت تَكسِبُ المُعدَمَ ، وتَصِلُ الرَّحِمَ ، وتَحمِلُ الكَلَّ ، وتُقرِي الضَّيفَ ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ ، فأنا لك جارٌ . ارجِعْ واعبُدْ ربَّك ببلدِك ، فرجع ، وارتحل معه ابنُ الدَّغِنَةَ ، فطاف ابنُ الدَّغِنةَ عشيَّةً في أشرافِ قريشٍ ، فقال لهم : إنَّ أبا بكرٍ لا يُخرَجُ مثله ، ولا يَخرُجُ ، أَتُخرِجونَ رجُلًا يُكسبُ المُعدَمَ ، ويَصِلُ الرَّحِمَ ، ويَحمِلُ الكَلَّ ، ويُقرِي الضَّيفَ ، ويعينُ على نوائبِ الحقِّ . فلم تَكذِبْ قريشٌ بجوارِ ابنِ الدَّغِنَةَ ، وقالوا لابنِ الدَّغِنَةَ : مُرْ أبا بكرٍ ، فلْيعبُدْ ربَّه في دارِه ، فلْيُصلِّ فيها ، وليقرأْ ما شاء ، ولا يُؤذِينا بذلك ، ولا يَستَعْلِنْ به ، فإنا نخشى أن يَفتِنَ نساءَنا وأبناءَنا . فقال ذلك ابنُ الدَّغِنَةَ لأبي بكرٍ ، فلبثَ أبو بكرٍ بذلك يعبدُ ربَّه في دارِه ، ولا يَستَعْلِنْ بصلاتِه ، ولا يقرأُ في غيرِ دارِه ، ثم بدا لأبي بكرٍ ، فابتَنى مسجدًا بفناءِ دارِه ، وكان يُصلِّي فيه ، ويقرأُ القرآنَ ، فيتقذَّفُ عليه نساءُ المُشركينَ وأبناؤهم يعجَبون منه ، وينظرون إليه ، وكان أبو بكرٍ رجلًا بكَّاءً لا يملِكُ عينَيه إذا قرأ القرآنَ ، وأفزَع ذلك أشرافَ قريشٍ من المشركين ، فأرسَلوا إلى ابنِ الدَّغِنَةَ ، فقدِم عليهم ، فقالوا : إنا أَجَرْنا أبا بكرٍ بجوارِك على أن يعبدَ ربَّه في دارِه ، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناءِ دارِه ، فأعلنَ الصلاةَ والقراءةَ فيه ، وإنا قد خشِينا أن يَفتِنَ نساءَنا وأبناءَنا ، فانْهَه ، فإن أحَبَّ أن يقتصرَ على أن يعبدَ ربَّه في دارِه ، فعل ، وإن أبى إلا أن يُعلِنَ بذلك ، فسَلْه أن يَرُدَّ إليك ذِمَّتَك ، فإنا قد كَرِهنا أن نَخفِرَك ، ولسنا مُقِرِّينَ لأبي بكرٍ الاستعلانَ . قالت عائشةُ : فأتى ابنُ الدَّغِنَةَ إلى أبي بكرٍ ، فقال : قد علمتَ الذي عاقدتُ لك عليه ، فإما أن تقتصرَ على ذلك ، وإما أن تُرجِعَ إليَّ ذِمَّتي ، فإني لا أُحبُّ أن تسمعَ العربُ أني أُخفِرْتُ في رجُلٍ عَقدتُ له ، فقال أبو بكرٍ : فإني أرُدُّ إليك جوارَك ، وأَرْضَى بجوارِ اللهِ ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومئذٍ بمكةَ ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للمسلمينَ : إني أُريتَ دارَ هجرتِكم ذاتَ نَخْلٍ بين لابَتَينِ ، وهي الحَرَّتانِ ، فهاجر من هاجر قبلَ المدينةِ ، ورجع عامَّةُ من كان هاجر بأرضِ الحبشةِ إلى المدينةِ ، وتجهَّز أبو بكرٍ قِبَلَ المدينةِ ، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : على رِسلِك ، فإني أرجو أن يُؤذَنَ لي . فقال أبو بكرٍ : وهل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال : نعم فحَبس أبو بكرٍ نفسَه على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليصحَبَه ، وعلق راحلتَينِ كانتا عند ورَقِ السَّمُرِ – وهو الخَبطُ – أربعةَ أشهرٍ . قال ابنُ شهابٍ : قال عروةُ : قالت عائشةُ : فبينما نحن يومًا جلوسٌ في بيتِ أبي بكرٍ في نَحْرِ الظهيرةِ ، قال قائلٌ لأبي بكرٍ : هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مُتَقَنِّعًا في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها ، فقال أبو بكرٍ : فدى له أبي وأمي ، واللهِ ما جاء به في هذه الساعةِ إلا أمْرٌ ، قالت فجاء رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، واستأذَن ، فأذِن له ، فدخل ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأبي بكرٍ : أَخرِجْ مَن عندَك . فقال أبوبكرٍ : إنما هم أَهلك بأبي أنت يا رسولَ اللهِ ، قال : فإني قد أُذِنَ لي في الخروجِ . قال أبو بكرٍ : الصحابةَ بأبي أنت يا رسولَ اللهِ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : نعم ، قال أبو بكرٍ : فخُذْ بأبي أنت يا رسولَ اللهِ إحدى راحلتيَّ هاتَينِ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : بالثَّمنِ . قالت عائشةُ : فجهَّزْناهما أَحَثَّ الجهازِ ، وصنَعْنا لهما سُفرةً في جِرابٍ ، فقطعتْ أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ قطعةً من نِطاقِها ، فربطَتْ به على فَمِ الجِرابِ ، فبذلك سُمِّيَتْ ذاتُ النِّطاقَينِ ، قالت : ثم لحِقَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبو بكرٍ بغارٍ في جبلِ ثَوْرٍ ، فمكَثا فيه ثلاثَ ليالٍ ، يبيتُ عندهما عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ ، وهو غلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ ، فيَدَّلِجُ من عندهما بسَحَرٍ ، فيصبحُ مع قريشٍ بمكةَ كبائتٍ ، فلا يسمعُ أمرًا يكتادانِ به إلا وعاه حتى يأتيَهما بخبرِ ذلك حين يختلِطُ الظلامُ ، ويرعى عليهما عامرُ بنُ فُهَيرَةَ مولى أبي بكرٍ مِنحةً من غنمٍ ، فيَريحُها عليهما حين يذهبُ ساعةٌ من العشاءِ ، فيبيتان في رِسْلٍ ، وهو لبنٌ منَحَتْهما ورضَيفَهما حتى يَنعِقَ بهما عامرُ بنُ فُهَيرةَ بغَلَسٍ يفعلُ ذلك في كلِّ ليلةٍ من تلك الليالي الثلاثةِ ، واستأجر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبو بكرٍ رجلًا من بني الدِّيلِ وهو من بني عبدٍ بنِ عديٍّ هاديًا خِرِّيتًا – والخِرِّيتُ : الماهرُ بالهدايةِ – قد غمَس حِلفًا في آلِ العاصِ بنِ وائلِ السَّهميِّ ، وهو على دِينِ كفارِ قريشٍ فأمِناه ، فدفعا إليه راحلَتَيهما ، وواعداه غارَ ثورٍ بعد ثلاثِ ليالٍ براحلتَيهما صبحَ ثلاثٍ ، فانطلق معهما عامرُ بنُ فُهَيرةَ والدَّليلُ ، فأخذ بهم طريقَ الساحلِ . قال ابنُ شهابٍ : وأخبَرني عبدُ الرَّحمنِ بنُ مالكٍ المُدَّلَجِيِّ وهو ابنُ أخي سراقةَ بنَ مالكٍ بنِ جُعشُمٍ يقول : جاءنا رسلُ كفارِ قريشٍ يجعلونَ في رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبي بكرٍ دِيَةَ كل ِّواحدٍ منهما لمن قتلَه أو أسره ، فبينما أنا جالسٌ في مجلسٍ من مجالس قومي بني مدلجٍ ، أقبل رجلٌ منهم حتى قام علينا ، ونحن جلوسٌ فقال : يا سراقةُ إني قد رأيتُ آنفًا أسودةً بالساحلِ أراها محمدًا وأصحابَه . قال سراقةُ : فعرفتُ أنهم هم ، فقلتُ له : إنهم ليسوا بهم ، ولكنك رأيتَ فلانًا وفلانًا انطلَقوا بأعيُنِنا ، ثم لبثتُ في المجلسِ ساعةً ، ثم قمتُ ، فدخلتُ فأمرتُ جاريتي أن تخرجَ بفرسي وهي من وراءِ أَكَمَةٍ ، فتحبِسُها عليَّ ، وأخذتُ رُمْحي ، فخرجتُ به من ظهرِ البيتِ ، فخططتُ بزَجِّه الأرضَ وخفضتُ عاليه حتى أتيتُ فرَسي فركبتُها ، فدفعتُها تقرب بي حتى دنَوتُ منهم ، فعثُرَتْ بي فرَسي ، فخررتُ عنها ، فقمتُ فأهويتُ يدي إلى كنانَتي ، فاستخرجتُ منها الأزلامَ ، فاستقسمتُ بها أَضُرُّهم أم لا ، فخرج الذي أكْرَه ، فركبتُ فرسي ، وعصيتُ الأزلامَ تقربُ بي حتى إذا سمعتُ قراءةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وهو لا يلتفتُ ، وأبو بكرٍ يكثرُ الالتفاتَ ، ساخت يدا فرسي في الأرضِ حتى بلغَتا الرُّكبتَينِ ، فخررتُ عنها ، ثم زجَرتُها ، فنهضتُ ، فلم تَكَدْ تُخرجُ يدَيها ، فلما استوتْ قائمةً إذا لأَثَرِ يدَيها غبارٌ ساطعٌ في السماءِ مثلُ الدُّخانِ ، فاستقسمتُ بالأزلامِ ، فخرج الذي أَكْرَهُ ، فناديتُهم بالأمانِ ، فوقفوا فركبتُ فرسي حتى جئتُهم ، ووقع في نفسي حين لقيتُ ما لقيتُ من الحبسِ عنهم أن سيظهرُ أمرُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقلتُ له : إنَّ قومَك قد جعلوا فيك الدِّيَةَ ، وأخبرتُهم أخبارَ ما يريد الناسُ بهم ، وعرضتُ عليهم الزادَ والمتاعَ ، فلم يرْزَآني ، ولم يسأَلاني إلا أن قال : أَخْفِ عنا . فسألتُه أن يكتُبَ لي كتابَ أمنٍ ، فأمر عامرَ بنَ فُهَيرَةَ ، فكتب في رقعةٍ من أَدمٍ ، ثم مضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . قال ابنُ شهابٍ : فأخبرَني عروةُ بنُ الزبيرِ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لقِيَ الزبيرَ في ركبٍ من المسلمين كانوا تُجارًا قافلينَ من الشامِ ، فكسا الزبيرُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبا بكرٍ ثيابَ بياضٍ ، ويسمع المسلمون بالمدينةِ مَخرجَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من مكةَ ، فكانوا يَغدونَ كلَّ غداةٍ إلى الحَرَّةِ ، فينتظرونه حتى يَرُدَّهم حَرُّ الظهيرةِ ، فانطلقوا أيضًا بعد ما أطالوا انتظارَهم ، فلما أووا إلى بيوتِهم ، أوفَى رجلٌ من اليهودِ على أَطَمٍ من آطامِهم لأمرٍ ينظرُ إليه ، فبصر برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابِه مُبيضِينَ ، يزولُ بهم السَّرابُ ، فلم يملِكِ اليهوديُّ ، أن قال بأعلى صوتِه : يا معشرَ العربِ هذا جَدُّكم الذي تنتظرونَ . فثار المسلمون إلى السِّلاحِ ، فتلقَّوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بظَهرِ الحَرَّةِ ، فعدل بهم ذاتَ اليمينِ حتى نزل بهم في بني عَمرو بنِ عوفٍ ، وذلك يومَ الاثنينِ من شهرِ ربيعٍ الأوَّلِ ، فقام أبو بكرٍ للناسِ ، وجلس رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صامتًا ، فطفِق من جاء من الأنصارِ ممن لم يرَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُحَيِّي أبا بكرٍ حتى أصابتِ الشمسُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فأقبل أبو بكرٍ حتى ظلَّلَ عليه برِدائِه ، فعرف الناسُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عند ذلك ، فلبِثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في بني عَمرو بنِ عَوفٍ بضعَ عشرةَ ليلةً ، وأسَّس المسجدَ الذي أُسِّسَ على التقوَى ، وصلَّى فيه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثم ركب راحلتَه ، فسار يمشي معه الناسُ حتى بركَتْ عند مسجدِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالمدينةِ ، وهو يُصلي فيه يومئذٍ رجالٌ من المُسلمين ، وكان مَربَدًا للتَّمرِ لسُهيلٍ وسهلٍ غلامَينِ يتيمينِ في حِجرِ سعدِ بنِ زُرارةَ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حين بركَت به راحلتُه : هذا – إن شاء اللهُ – المنزلُ . ثم دعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الغلامَينِ ، فساومَهما بالمَربَدِ ، لِيَتَّخِذَه مسجدًا ، فقالا : بل نَهَبُه لك يا رسولَ اللهِ ، ثم بناه مسجدًا ، وطفِق رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ينقلُ معهم اللَّبِنَ في بُنيانِه ، ويقول وهو ينقُلُ اللَّبِنَ : هذا الحِمالُ لا حِمالُ خيبرَ*هذا أَبَرُّ ربَّنا وأطهرُ . ويقول : اللهمَّ إنَّ الأجرَ أجرُ الآخرةِ*فارحَمِ الأنصارَ والمُهاجِرَةِ . فتمثَّل ببيتِ رجلٍ من المسلمين لم يُسمَّ لي . قال ابنُ شهابٍ : ولم يَبلُغْنا في الأحاديثِ أنَّ رسولَ الله ِصلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تمثَّلَ ببيتِ شِعرٍ تامٍّ غيرِ هذه الأبياتِ
لَم أعقِلْ أبَويَّ قَطُّ إلَّا وهُما يَدينانِ الدِّينَ، ولم يَمُرَّ علينا يَومٌ إلَّا يَأتينا فيه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم طَرَفَيِ النَّهارِ، بُكرةً وعَشيَّةً، فلَمَّا ابتُليَ المُسلِمونَ خَرَجَ أبو بَكرٍ مُهاجِرًا نَحوَ أرضِ الحَبَشةِ، حتَّى إذا بَلَغَ بَرْكَ الغِمادِ لَقيَه ابنُ الدَّغِنةِ، وهو سَيِّدُ القارةِ، فقال: أينَ تُريدُ يا أبا بَكرٍ؟ فقال أبو بَكرٍ: أخرَجَني قَومي، فأُريدُ أن أسيحَ في الأرضِ وأعبُدَ رَبِّي، قال ابنُ الدَّغِنةِ: فإنَّ مِثلَك يا أبا بَكرٍ لا يَخرُجُ ولا يُخرَجُ، إنَّك تَكسِبُ المَعدومَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحمِلُ الكَلَّ، وتَقري الضَّيفَ، وتُعينُ على نَوائِبِ الحَقِّ، فأنا لك جارٌ، ارجِعْ واعبُدْ رَبَّك ببَلَدِك، فرَجَعَ وارتَحَلَ معهُ ابنُ الدَّغِنةِ، فطافَ ابنُ الدَّغِنةِ عَشيَّةً في أشرافِ قُرَيشٍ، فقال لهم: إنَّ أبا بَكرٍ لا يَخرُجُ مِثلُه ولا يُخرَجُ، أتُخرِجونَ رَجُلًا يَكسِبُ المَعدومَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَحمِلُ الكَلَّ، ويَقري الضَّيفَ، ويُعينُ على نَوائِبِ الحَقِّ، فلَم تُكَذِّبْ قُرَيشٌ بجِوارِ ابنِ الدَّغِنةِ، وقالوا لابنِ الدَّغِنةِ: مُرْ أبا بَكرٍ فليَعبُدْ رَبَّه في دارِه، فليُصَلِّ فيها وليَقرَأْ ما شاءَ، ولا يُؤذينا بذلك ولا يَستَعلِنْ به؛ فإنَّا نَخشى أن يَفتِنَ نِساءَنا وأبناءَنا، فقال ذلك ابنُ الدَّغِنةِ لأبي بَكرٍ، فلَبِثَ أبو بَكرٍ بذلك يَعبُدُ رَبَّه في دارِه، ولا يَستَعلِنُ بصَلاتِه ولا يَقرَأُ في غيرِ دارِه، ثُمَّ بَدا لأبي بَكرٍ، فابتَنى مَسجِدًا بفِناءِ دارِه، وكان يُصَلِّي فيه، ويَقرَأُ القُرآنَ، فيَنقَذِفُ عليه نِساءُ المُشرِكينَ وأبناؤُهم، وهم يَعجَبونَ منه ويَنظُرونَ إليه، وكان أبو بَكرٍ رَجُلًا بَكَّاءً، لا يَملِكُ عَينَيه إذا قَرَأ القُرآنَ، وأفزَعَ ذلك أشرافَ قُرَيشٍ مِنَ المُشرِكينَ، فأرسَلوا إلى ابنِ الدَّغِنةِ فقدِمَ عليهم، فقالوا: إنَّا كُنَّا أجَرنا أبا بَكرٍ بجِوارِك، على أن يَعبُدَ رَبَّه في دارِه، فقد جاوزَ ذلك، فابتَنى مَسجِدًا بفِناءِ دارِه، فأعلَنَ بالصَّلاةِ والقِراءةِ فيه، وإنَّا قد خَشينا أن يَفتِنَ نِساءَنا وأبناءَنا، فانهَه، فإن أحَبَّ أن يَقتَصِرَ على أن يَعبُدَ رَبَّه في دارِه فعَلَ، وإن أبى إلَّا أن يُعلِنَ بذلك، فسَلْه أن يَرُدَّ إليك ذِمَّتَك؛ فإنَّا قد كَرِهنا أن نُخفِرَك، ولَسنا مُقِرِّينَ لأبي بَكرٍ الاستِعلانَ، قالت عائِشةُ: فأتى ابنُ الدَّغِنةِ إلى أبي بَكرٍ فقال: قد عَلِمتَ الذي عاقدتُ لك عليه، فإمَّا أن تَقتَصِرَ على ذلك، وإمَّا أن تَرجِعَ إليَّ ذِمَّتي؛ فإنِّي لا أُحِبُّ أن تَسمع العَرَبُ أنِّي أُخفِرتُ في رَجُلٍ عَقدتُ له، فقال أبو بَكرٍ: فإنِّي أرُدُّ إليك جِوارَك، وأرضى بجِوارِ اللهِ عزَّ وجلَّ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَئذٍ بمَكَّةَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للمُسلِمينَ: إنِّي أُريتُ دارَ هِجرَتِكُم ذاتَ نَخلٍ بينَ لابَتَينِ، وهُما الحَرَّتانِ، فهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المَدينةِ، ورَجَعَ عامَّةُ مَن كان هاجَرَ بأرضِ الحَبَشةِ إلى المَدينةِ، وتَجَهَّزَ أبو بَكرٍ قِبَلَ المَدينةِ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: على رِسلِك؛ فإنِّي أرجو أن يُؤذَنَ لي، فقال أبو بَكرٍ: وهل تَرجو ذلك بأبي أنتَ؟! قال: نَعَم، فحَبَسَ أبو بَكرٍ نَفسَه على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليَصحَبَه، وعَلَفَ راحِلَتَينِ كانَتا عِندَه وَرَقَ السَّمُرِ، وهو الخَبَطُ، أربَعةَ أشهرٍ. قال ابنُ شِهابٍ: قال عُروةُ: قالت عائِشةُ: فبينَما نَحنُ يَومًا جُلوسٌ في بَيتِ أبي بَكرٍ في نَحرِ الظَّهيرةِ قال قائِلٌ لأبي بَكرٍ: هذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُتَقَنِّعًا في ساعةٍ لم يَكُنْ يَأتينا فيها، فقال أبو بَكرٍ: فِداءٌ له أبي وأُمِّي، واللهِ ما جاءَ به في هذه السَّاعةِ إلَّا أمرٌ، قالت: فجاءَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستَأذَنَ، فأُذِنَ له فدَخَلَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأبي بَكرٍ: أخرِجْ مَن عِندَك. فقال أبو بَكرٍ: إنَّما هم أهلُك، بأبي أنتَ يا رَسولَ اللهِ، قال: فإنِّي قد أُذِنَ لي في الخُروجِ، فقال أبو بَكرٍ: الصَّحابةُ بأبي أنتَ يا رَسولَ اللهِ؟ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم، قال أبو بَكرٍ: فخُذ -بأبي أنتَ يا رَسولَ اللهِ- إحدى راحِلَتَيَّ هاتَينِ، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بالثَّمَنِ. قالت عائِشةُ: فجَهَّزناهما أحَثَّ الجَهازِ، وصَنَعنا لهما سُفرةً في جِرابٍ، فقَطَعَت أسماءُ بنتُ أبي بَكرٍ قِطعةً مِن نِطاقِها، فرَبَطَت به على فَمِ الجِرابِ، فبِذلك سُمِّيَت ذاتَ النِّطاقَينِ، قالت: ثُمَّ لَحِقَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بَكرٍ بغارٍ في جَبَلِ ثَورٍ، فكَمَنا فيه ثَلاثَ لَيالٍ، يَبيتُ عِندَهما عبدُ اللهِ بنُ أبي بَكرٍ، وهو غُلامٌ شابٌّ، ثَقِفٌ لَقِنٌ، فيُدلِجُ مِن عِندِهما بسَحَرٍ، فيُصبِحُ مع قُرَيشٍ بمَكَّةَ كَبائِتٍ، فلا يَسمَعُ أمرًا يُكتادانِ به إلَّا وعاه، حتَّى يَأتيَهما بخَبَرِ ذلك حينَ يَختَلِطُ الظَّلامُ، ويَرعى عليهما عامِرُ بنُ فُهَيرةَ مَولى أبي بَكرٍ مِنحةً مِن غَنَمٍ، فيُريحُها عليهما حينَ تَذهَبُ ساعةٌ مِنَ العِشاءِ، فيَبيتانِ في رِسلٍ، وهو لَبَنُ مِنحَتِهما ورَضيفِهما، حتَّى يَنعِقَ بها عامِرُ بنُ فُهَيرةَ بغَلَسٍ، يَفعَلُ ذلك في كُلِّ لَيلةٍ مِن تلك اللَّيالي الثَّلاثِ، واستَأجَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بَكرٍ رَجُلًا مِن بَني الدِّيلِ، وهو مِن بَني عبدِ بنِ عَديٍّ، هاديًا خِرِّيتًا، والخِرِّيتُ: الماهِرُ بالهِدايةِ، قد غَمَسَ حِلفًا في آلِ العاصِ بنِ وائِلٍ السَّهميِّ، وهو على دينِ كُفَّارِ قُرَيشٍ، فأمِناه فدَفَعا إليه راحِلَتَيهما، وواعَداه غارَ ثَورٍ بَعدَ ثَلاثِ لَيالٍ براحِلَتَيهما صُبحَ ثَلاثٍ، وانطَلَقَ معهُما عامِرُ بنُ فُهَيرةَ والدَّليلُ، فأخَذَ بهم طَريقَ السَّواحِلِ
عَن عائِشةَ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حينَ قال لَها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبَرَّأها اللهُ، وكُلُّهم حَدَّثَني طائِفةً مِن حَديثِها، وبَعضُهم كان أوعى لحَديثِها مِن بَعضٍ، وأثبَتَ له اقتِصاصًا وقد وعَيتُ عَن كُلِّ رَجُلٍ مِنهُمُ الحَديثَ الذي حَدَّثَني عَن عائِشةَ، وبَعضُ حَديثِهم يُصَدِّقُ بَعضًا، وإن كان بَعضُهم أوعى له مِن بَعضٍ، قالوا: قالت عائِشةُ: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ سَفَرًا أقرَعَ بينَ أزواجِه، فأيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهمُها خَرَجَ بها، فذَكَرَ الحَديثَ، إلَّا أنَّه قال: آذَنَ لَيلةً بالرَّحيلِ فقُمتُ، حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ، وقال: مِن جَزعِ ظَفارٍ، وقال: يَهبُلنَ، وقال: فيَمَّمتُ مَنزِلي، وقال: قال عُروةُ: أُخبِرتُ أنَّه كان يُشاعُ ويُحَدَّثُ به عِندَه فيُقِرُّه ويَستَمِعُه ويَستَوشيه، وقال عُروةُ أيضًا: لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ إلَّا حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ ومِسطَحُ بنُ أُثاثةَ، وحَمنةُ بنتُ جَحشٍ في ناسٍ آخَرينَ لا عِلمَ لي بهم إلَّا أنَّهم عُصبةٌ، كما قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّ كِبرَ ذلك كان يُقالُ عِندَ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ، قال عُروةُ: وكانَت عائِشةُ تَكرَهُ أن يُسَبَّ عِندَها حَسَّانُ وتَقولُ: إنَّه الذي قال [البَحرُ الوافِرُ] فإنَّ أبي ووالِدَه وعِرضي... لعِرضِ مُحَمَّدٍ مِنكُم وِقاءُ. وقالت: وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنزيهِ، وقال: لَها ضَرائِرُ، وقال: بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وقال: فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، وقال: وإن كان مِن إخوانِنا الخَزرَجِ، وقال: فقامَ رَجُلٌ مِنَ الخَزرَجِ، وكانَت أُمُّ حَسَّانَ بنتَ عَمِّه مِن فخِذِه، وهو سَعدُ بنُ عُبادةَ، وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ، قالت: وكانَ قَبلَ ذلك رَجُلًا صالِحًا ولَكِنِ احتَمَلَتْه الحَميَّةُ، وقال: قَلَصَ دَمعي، وقال: وطَفِقَت أُختُها حَمنةُ تُحارِبُ لَها، وقال عُروةُ: قالت عائِشةُ: واللهِ إنَّ الرَّجُلَ الذي قيلَ له ما قيلَ لَيَقولُ: سُبحانَ اللهِ! فوالذي نَفسي بيَدِه ما كَشَفتُ عَن كَنَفِ أُنثى قَطُّ، قالت: ثُمَّ قُتِلَ بَعدَ ذلك في سَبيلِ اللهِ شَهيدًا. قال عبدُ اللهِ بنُ أحمَدَ: قال أبي: في أحَدِ الحَديثَينِ تَجاذُبٌ [عَن حَديثِ عائِشةَ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حينَ قال لَها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبَرَّأها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكُلُّهم حَدَّثَني بطائِفةٍ مِن حَديثِها، وبَعضُهم كان أوعى لحَديثِها مِن بَعضٍ، وأثبَتَ اقتِصاصًا، وقد وعَيتُ عَن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ الحَديثَ الذي حَدَّثَني، وبَعضُ حَديثِهم يُصَدِّقُ بَعضًا، ذَكَروا أنَّ عائِشةَ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت: «كانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ أن يَخرُجَ سَفَرًا أقرَعَ بينَ نِسائِه، فأيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهمُها، خَرَجَ بها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معهُ» قالت عائِشةُ: فأقرَعَ بينَنا في غَزوةٍ غَزاها فخَرَجَ فيها سَهمي، فخَرَجتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك بَعدَما أُنزِلَ الحِجابُ، فأنا أُحمَلُ في هَودَجي، وأُنزَلُ فيه مَسيرَنا، حتَّى إذا فرَغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غَزوِه، وقَفَلَ ودَنَونا مِنَ المَدينةِ، آذَنَ لَيلةً بالرَّحيلِ، فقُمتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ، فمَشَيتُ حتَّى جاوزتُ الجَيشَ، فلَمَّا قَضَيتُ شَأني أقبَلتُ إلى الرَّحلِ، فلَمَستُ صَدري، فإذا عِقدٌ مِن جَزعِ أظفارٍ قدِ انقَطَعَ، فرَجَعتُ فالتَمَستُ عِقدي، فاحتَبَسَني ابتِغاؤُه، وأقبَلَ الرَّهطُ الذينَ كانوا يَرحَلونَ بي، فحَمَلوا هَودَجي فرَحَلوه على بَعيري الذي كُنتُ أركَبُ، وهم يَحسَبونَ أنِّي فيه، قالت: وكانَتِ النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافًا لم يُهَبِّلْهنَّ ولَم يَغشَهنَّ اللحمُ، إنَّما يَأكُلنَ العُلقةَ مِنَ الطَّعامِ، فلَم يَستَنكِرِ القَومُ ثِقَلَ الهَودَجِ حينَ رَحَلوه ورَفَعوه، وكُنتُ جاريةً حَديثةَ السِّنِّ، فبَعَثوا الجَمَلَ وساروا، فوجَدتُ عِقدي بَعدَما استَمَرَّ الجَيشُ، فجِئتُ مَنازِلَهم ولَيسَ بها داعٍ ولا مُجيبٌ، فيَمَّمتُ مَنزِلي الذي كُنتُ فيه، وظَنَنتُ أنَّ القَومَ سَيَفقِدوني، فيَرجِعوا إلَيَّ، فبَينا أنا جالِسةٌ في مَنزِلي، غَلَبَتني عَيني فنِمتُ، وكانَ صَفوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَميُّ ثُمَّ الذَّكوانيُّ قد عَرَّسَ وراءَ الجَيشِ، فأدلَجَ فأصبَحَ عِندَ مَنزِلي، فرَأى سَوادَ إنسانٍ نائِمٍ، فأتاني فعَرَفَني حينَ رَآني، وقد كان يراني قَبلَ أن يُضرَبَ عليَّ الحِجابُ، فاستَيقَظتُ باستِرجاعِه حينَ عَرَفَني، فخَمَّرتُ وجهي بجِلبابي، فواللهِ ما كَلَّمَني كَلِمةً، ولا سَمِعتُ مِنهُ كَلِمةً غيرَ استِرجاعِه حتَّى أناخَ راحِلَتَه، فوطِئَ على يَدِها، فرَكِبتُها فانطَلَقَ يَقودُ بي الرَّاحِلةَ، حتَّى أتَينا الجَيشَ بَعدَما نَزَلوا موغِرينَ في نَحرِ الظَّهيرةِ، فهَلَكَ مَن هَلَكَ في شَأني، وكانَ الذي تَولَّى كِبرَه عبدَ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنَ سَلولَ، فقدِمتُ المَدينةَ فاشتَكَيتُ حينَ قدِمنا شَهرًا، والنَّاسُ يُفيضونَ في قَولِ أهلِ الإفكِ، ولَم أشعُرْ بشيءٍ مِن ذلك، وهو يَريبُني في وجَعي أنِّي لا أعرِفُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللُّطفَ الذي كُنتُ أرى مِنهُ حينَ أشتَكي، إنَّما يَدخُلُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يقولُ: كيفَ تيكُم؟ فذاكَ يَريبُني، ولا أشعُرُ بالشَّرِّ، حتَّى خَرَجتُ بَعدَما نَقَهتُ، وخَرَجتُ مَعي أُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وهو مُتَبَرَّزُنا، ولا نَخرُجُ إلَّا لَيلًا إلى لَيلٍ، وذلك قَبلَ أن تُتَّخَذَ الكُنُفُ قَريبًا مِن بُيوتِنا، وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنَزُّهِ، وكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أن نَتَّخِذَها عِندَ بُيوتِنا، وانطَلَقتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ - وهي بنتُ أبي رُهمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وأُمُّها بنتُ صَخرِ بنِ عامِرٍ، خالةُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ- وأقبَلتُ أنا وبنتُ أبي رُهمٍ قِبَلَ بَيتي حينَ فرَغنا مِن شَأنِنا، فعَثَرَت أُمُّ مِسطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فقُلتُ لَها: بئسَ ما قُلتِ، تَسُبِّينَ رَجُلًا قد شَهِدَ بَدرًا! قالت: أيْ هَنْتاه أولَم تَسمَعي ما قال؟ قُلتُ: وماذا قال؟ فأخبَرَتني بقَولِ أهلِ الإفكِ، فازدَدتُ مَرَضًا إلى مَرَضي، فلَمَّا رَجَعتُ إلى بَيتي، فدَخَلَ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قال: كيفَ تيكُم؟ قُلتُ: أتَأذَنُ لي أن آتيَ أبَويَّ؟ قالت: وأنا حينَئذٍ أُريدُ أن أتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهما، فأذِنَ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجِئتُ أبَويَّ، فقُلتُ لأُمِّي: يا أُمَّتاه ما يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فقالت: أي بُنَيَّةُ هَوِّني عليكِ، فواللهِ لَقَلَّما كانَتِ امرَأةٌ قَطُّ وضيئةً عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّها، ولَها ضَرائِرُ إلَّا كَثَّرنَ عليها، قالت قُلتُ: سُبحانَ اللهِ! أوقد تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ قالت: فبَكَيتُ تلك اللَّيلةَ حتَّى أصبَحتُ، لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ أصبَحتُ أبكي، ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ، وأُسامةَ بنَ زَيدٍ حينَ استَلبَثَ الوحيُ يَستَشيرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأمَّا أُسامةُ بنُ زَيدٍ فأشارَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وبالذي يَعلَمُ في نَفسِه لهم مِنَ الوُدِّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ هُم أهلُكَ، ولا نَعلَمُ إلَّا خَيرًا، وأمَّا عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ فقال: لم يُضَيِّقِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليكَ، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وإن تَسألِ الجاريةَ تَصدُقْكَ، قالت: فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ، قال: أي بَريرةُ هل رَأيتِ مِن شيءٍ يَريبُكِ مِن عائِشةَ؟ قالت له بَريرةُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ إن رَأيتُ عليها أمرًا قَطُّ أغمِصُه عليها أكثَرَ مِن أنَّها جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عَن عَجينِ أهلِها، فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستَعذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ، فقالت قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على المِنبَرِ: «يا مَعشَرَ المُسلِمينَ، مَن يَعذِرُني مِن رَجُلٍ قد بَلَغَني أذاه في أهلِ بَيتي، فواللهِ ما عَلِمتُ على أهلي إلَّا خَيرًا، ولَقد ذَكَروا رَجُلًا ما عَلِمتُ عليه إلَّا خَيرًا، وما كان يَدخُلُ على أهلي إلَّا مَعي»، فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصاريُّ فقال: أعذِرُكَ مِنهُ يا رَسولَ اللهِ؟ إن كان مِنَ الأوسِ ضَرَبنا عُنُقَه، وإن كان مِن إخوانِنا مِنَ الخَزرَجِ أمَرتَنا ففَعَلنا أمرَكَ، قالت: فقامَ سَعدُ بنُ عُبادةَ وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ، وكانَ رَجُلًا صالِحًا، ولَكِنِ اجتَهَلَتْه الحَميَّةُ، فقال لسَعدِ بنِ مُعاذٍ: لَعَمرُ اللهِ لا تَقتُلُه، ولا تَقدِرُ على قَتلِه، فقامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابنُ عَمِّ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، فقال لسَعدِ بنِ عُبادةَ: كَذَبتَ! لَعَمرُ اللهِ لَنَقتُلَنَّه؛ فإنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنِ المُنافِقينَ، فثارَ الحَيَّانِ الأوسُ والخَزرَجُ، حتَّى هَمُّوا أن يَقتَتِلوا، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائِمٌ على المِنبَرِ، فلَم يَزَلْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم حتَّى سَكَتوا وسَكَتَ. قالت: وبَكَيتُ يَومي ذاكَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ بَكَيتُ لَيلَتي المُقبِلةَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، وأبَوايَ يَظُنَّانِ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدي، قالت: فبَينا هُما جالِسانِ عِندي، وأنا أبكي استَأذَنَت عليَّ امرَأةٌ مِنَ الأنصارِ، فأذِنتُ لَها فجَلَسَت تَبكي مَعي، فبَينا نَحنُ على ذلك دَخَلَ علينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قالت: ولَم يَجلِسْ عِندي مُنذُ قيلَ لي ما قيلَ، وقد لَبِثَ شَهرًا لا يوحى إلَيه في شَأني شيءٌ، قالت: فتَشَهَّدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ جَلَسَ، ثُمَّ قال: «أمَّا بَعدُ، يا عائِشةُ فإنَّه بَلَغَني عَنكِ كَذا وكَذا، فإن كُنتِ بَريئةً فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وإن كُنتِ ألمَمتِ بذَنبٍ فاستَغفِري اللهَ، ثُمَّ توبي إلَيه؛ فإنَّ العَبدَ إذا اعتَرَفَ بذَنبٍ، ثُمَّ تابَ تابَ اللهُ عليه»، قالت: فلَمَّا قَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَقالتَه قَلَصَ دَمعي حتَّى ما أُحِسُّ مِنهُ قَطرةً، فقُلتُ لأبي: أجِبْ عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال! فقال: ما أدري واللهِ ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقُلتُ لأُمِّي: أجيبي عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقالت: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! قالت: فقُلتُ وأنا جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ كَثيرًا مِنَ القُرآنِ: إنِّي واللهِ قد عَرَفتُ أنَّكُم قد سَمِعتُم بهذا، حتَّى استَقَرَّ في أنفُسِكُم وصَدَّقتُم به، ولَئِن قُلتُ لَكُم إنِّي بَريئةٌ -واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- لا تُصَدِّقوني بذلك، ولَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بأمرٍ -واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- تُصَدِّقوني، وإنِّي واللهِ ما أجِدُ لي ولَكُم مَثَلًا إلَّا كما قال أبو يوسُفَ {فصَبرٌ جَميلٌ واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفونَ} [يوسف: 18] قالت: ثُمَّ تَحَوَّلتُ فاضطَجَعتُ على فِراشي، قالت: وأنا واللهِ حينَئذٍ أعلَمُ أنِّي بَريئةٌ، وأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ مُبَرِّئي ببَرائَتي، ولَكِن واللهِ ما كُنتُ أظُنُّ أن يُنزَلَ في شَأني وحيٌ يُتلى، ولَشَأني كان أحقَرَ في نَفسي مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولَكِن كُنتُ أرجو أن يَرى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّومِ رُؤيا، يُبَرِّئُني اللهُ عَزَّ وجَلَّ بها، قالت: فواللهِ ما رامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَجلِسَه، ولا خَرَجَ مِن أهلِ البَيتِ أحَدٌ حَتَّى أنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ على نَبيِّه، فأخَذَه ما كان يَأخُذُه مِنَ البُرَحاءِ عِندَ الوحيِ، حَتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثلُ الجُمانِ مِنَ العَرَقِ في اليَومِ الشَّاتي مِن ثِقَلِ القَولِ الذي أُنزِلَ عليه، قالت: فلَمَّا سُرِّيَ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يَضحَكُ، فكانَ أوَّلَ كَلِمةٍ تَكَلَّمَ بها أن قال: أبشِري يا عائِشةُ، أمَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ فقد بَرَّأكِ، فقالت لي أُمِّي: قومي إلَيه، فقُلتُ: واللهِ لا أقومُ إلَيه، ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ عَزَّ وجَلَّ، هو الذي أنزَلَ بَراءَتي، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {إنَّ الذينَ جاؤوا بالإفكِ عُصبةٌ مِنكُم} عَشرَ آياتٍ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ هذه الآياتِ بَراءَتي، قالت: فقال أبو بَكرٍ -وكانَ يُنفِقُ على مِسطَحٍ لقَرابَتِه منه وفَقرِه: واللهِ لا أُنفِقُ عليه شَيئًا أبَدًا بَعدَ الذي قال لعائِشةَ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {ولا يَأتَلِ أولو الفَضلِ مِنكُم والسَّعةِ} إلى قَولِه {ألا تُحِبُّونَ أن يَغفِرَ اللهُ لَكُم} [النُّور: 22] فقال أبو بَكرٍ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي، فرَجَعَ إلى مِسطَحٍ النَّفَقةَ التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: لا أنزِعُها منه أبَدًا، قالت عائِشةُ: وكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَألَ زَينَبَ بنتَ جَحشٍ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن أمري: ما عَلِمتِ أو ما رَأيتِ أو ما بَلَغَكِ؟ قالت: يا رَسولَ اللهِ، أحمي سَمعي وبَصَري، وأنا ما عَلِمتُ إلَّا خَيرًا، قالت عائِشةُ: وهيَ التي كانَت تُساميني مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعَصَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ بالورَعِ، وطَفِقَت أُختُها حَمنةُ بنتُ جَحشٍ تُحارِبُ لَها، فهَلَكَت فيمَن هَلَكَ. قال: ابنُ شِهابٍ: فهذا ما انتَهى إلَينا مِن أمرِ هَؤُلاءِ الرَّهطِ]
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يُسافِرَ أقرَع بينَ نسائِه فأيَّتُهنَّ خرَج سهمُها خرَج بها معه فخرَج سهمُ عائشةَ في غزوةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بني المُصْطَلِقِ مِن خُزاعةَ فلمَّا انصرَف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكان قريبًا مِنَ المدينةِ وكانت عائشةُ جُوَيريَةً حديثةَ السِّنِّ قليلةَ اللَّحمِ خفيفةً وكانت تلزَمُ خِدرَها فإذا أراد النَّاسُ الرَّحيلَ ذهَبَتْ ثمَّ رجَعَتْ فدخَلَتْ مِحَفَّتَها فيُرَحَّلُ بعيرُها ثمَّ تُحْمَلُ مِحَفَّتُها فتوضَعُ على البَعيرِ فكان أوَّلَ ما قال فيها المنافقون وغيرُهم ممَّنِ اشترَك في أمرِ عائشةَ إنَّها خرجَتْ تتوضَّأُ حينَ دنَوا مِنَ المدينةِ فانسَلَّ مِن عُنُقِها عِقْدٌ لها مِن جَزْعِ أظْفَارٍ فارتحَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والنَّاسُ وهي في بُغاءِ العِقدِ ولم تعلَمْ برحيلِهم فشدُّوا على بعيرِها المِحَفَّةَ وهم يُرَوْنَ أنَّها فيها كما كانت تكونُ فرجَعَتْ عائشةُ إلى منزلِها فلم تجِدْ في العَسْكَرِ أحدًا فغلَبَتْها عيناها وكان صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ صاحبُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تخلَّف تلك اللَّيلةَ عَنِ العَسْكَرِ حتَّى أصبَح قالت فمرَّ بي فرآني فاسترجَع وأعظَمَ مكاني حينَ رآني وقد كنْتُ أعرِفُه ويعرِفُني قبلَ أن يُضرَبَ علينا الحِجابُ قالت فسألني عن أمري فستَرْتُ وجهي عنه بجِلْبابي وأخبَرْتُه بأمري فقرَّب بعيرَه فوَطِئَ على ذِراعِه فولَّاني قفاه حتَّى رَكِبْتُ وسوَّيْتُ ثيابي ثمَّ بعَثَه فأقبَل يسيرُ بي حتَّى دخَلْنا المدينةَ نِصفَ النَّهارِ أو نحوَه فهنالك قال فيَّ وفيه مَن قال مِن أهلِ الإفكِ وأنا لا أعلَمُ شيئًا مِن ذلك ولا ممَّا يخوضُ النَّاسُ فيه مِن أمري وكنْتُ تلك اللَّياليَ شاكيةً وكان أوَّلَ ما أنكَرْتُ مِن أمرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه كان يعودُني قبلَ ذلك إذا مرِضْتُ وكان تلك اللَّياليَ لا يدخُلُ عليَّ ولا يعودُني إلَّا أنَّه كان يقولُ وهو مارٌّ كيف تِيكُمْ فيسألُ عنِّي أهلَ البيتِ فلمَّا بلَغ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أكثَرَ النَّاسُ فيه مِن أمري غمَّه ذلك وقد شكَوْتُ قَبلَ ذلك إلى أمِّي ما رأيْتُ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الجَفْوةِ فقالت لي يا بُنَيَّةُ اصبِري فواللهِ ما كانتِ امرأةٌ حَسْناءُ لها ضرائرُ إلَّا رمَيْنها قالت فوجَدْتُ حِسًّا تلك اللَّيلةَ الَّتي بعَث النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن صُبحِها إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأسامةَ بنِ زيدٍ يستشيرُهما في أمري وكنَّا ذلك الزَّمانَ ليس لنا كُنُفٌ نذهَبُ فيها إنَّما كنَّا نذهَبُ كما يذهَبُ العربُ ليلًا إلى ليلٍ فقلْتُ لأمِّ مِسْطَحِ بنِ أُثاثةَ خُذي الإداوةَ فامْلَئيها ماءً فاذهَبي بها إلى المَناصِعِ وكانت هي وابنُها مِسْطَحٌ بينَهما وبينَ أبي بكرٍ قَرابةٌ وكان أبو بكرٍ يُنفِقُ عليهما فكانا يكونان عندَه ومع أهلِه فأخَذَتِ الإداوةَ وخرَجَتْ نحوَ المَناصِعِ فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ فقالت تعِسَ مِسْطَحٌ فقلْتُ بئسَ ما قلْتِ قالت ثمَّ مشَيْنا فعثَرَتْ أيضًا فقالت تعِسَ مِسْطَحٌ فقلْتُ لها بئسَ ما قلْتِ لصاحبِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وصاحبِ بَدْرٍ فقالت إنَّكِ لَغافلةٌ عمَّا فيه النَّاسُ مِن أمرِك فقلْتُ أجَلْ فما ذاك فقالت إنَّ مِسْطَحًا وفلانًا وفُلانةً فيمن استَزَلَّهُمُ الشَّيطانُ مِنَ المنافقين يجتمِعون في بيتِ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلولٍ أخي بني الحارثِ بنِ الخزرجِ يتحدَّثون عنكِ وعن صَفْوانَ بنِ المُعَطَّلِ يَرْمونكِ به قالت فذهَب عنِّي ما كنْتُ أجِدُ مِنَ الغائطِ فرَجَعْتُ على يدَيَّ فلمَّا أصبَحْنا مِن تلك اللَّيلةِ بعَث النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأسامةَ بنِ زيدٍ فأخبرَهما بما قيل فيَّ واستشارَهما في أمري فقال أسامةُ واللهِ يا رسولَ اللهِ ما علِمْنا على أهلِك سوءًا وقال عليٌّ له يا رسولَ اللهِ ما أكثَرَ النِّساءَ وإنْ أرَدْتَ أن تعلَمَ الخبرَ فتوعَّدِ الجاريةَ يعني بَريرةَ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعليٍّ فشأنُك بالخادمِ فسَأَلَها عليٌّ عنِّي فلم تُخْبِرْه والحمدُ للهِ إلَّا بخيرٍ قالت واللهِ ما عَلِمْتُ على عائشةَ سوءًا إلَّا أنَّها جُوَيريَةٌ تُصبِحُ عن عجينِ أهلِها فتدخُلُ الشَّاةُ الدَّاجِنُ فتأكُلُ مِنَ العجينِ قالت ثمَّ خرَج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ سمِعَ ما قالت بَريرةُ لِعَليٍّ إلى النَّاسِ فلمَّا اجتمَعوا إليه قال يا معشرَ المسلمين مَن لي مِن رجالٍ يُؤذونَني في أهلي فما علِمْتُ على أهلي سوءًا ويَرْمون رجُلًا مِن أصحابي ما علِمْتُ عليه سوءًا ولا خرَجْتُ مَخْرجًا إلَّا خرَج معي فيه قال سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ الأشْهَلِيُّ مِنَ الأوسِ يا رسولَ اللهِ إنْ كان ذلك مِن أحَدٍ مِنَ الأوسِ كَفَيْنَاكَهُ وإنْ كان مِنَ الخزرجِ أمَرْتَنا فيه بأمرِك وقام سعدُ بنُ عُبادةَ الأنصاريُّ ثمَّ الخَزْرَجِيُّ فقال لسعدِ بنِ معاذٍ كذَبْتَ واللهِ وهذا الباطلُ فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ الأنصاريُّ ثمَّ الأشْهَلِيُّ ورجالٌ مِنَ الفريقين فاستبُّوا وتنازَعوا حتَّى كاد أن يعظُمَ الأمرُ بينَهم فدخَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيتي وبعَث إلى أبويَّ فأتَياه فحمِد اللهَ وأثنى عليه بما هو أهلُه ثمَّ قال لي يا عائشةُ إنَّما أنتِ مِن بناتِ آدمَ فإنْ كنْتِ أخطأْتِ فتوبي إلى اللهِ واستَغْفِريه فقلْتُ لأبي أجِبْ عنِّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال لا أفعَلُ هو نبيُّ اللهِ والوحيُ يأتيه فقلْتُ لأمِّي أجيبي عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت لي كما قال أبي فقلْتُ واللهِ لئن أقْرَرْتُ على نفسي بباطلٍ لتُصَدِّقُنَّني ولئن برَّأْتُ نفسي واللهُ يعلَمُ أنِّي بريئةٌ لتُكَذِّبُنَّني فما أجِدُ لي ولكم مَثَلًا إلَّا قولَ أبي يوسفَ { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُسْتَعانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } ونَسيتُ اسمَ يعقوبَ لِما بي مِنَ الحُزنِ والبُكاءِ واحتراقِ الجوفِ فتغشَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما كان يتغشَّاه مِنَ الوحيِ ثمَّ سُرِّيَ عنه فمسَح وجهَه بيدِه ثمَّ قال أبْشِري يا عائشةُ قد أنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ براءتَك فقالت عائشةُ واللهِ ما كنْتُ أظُنُّ أن ينزِلَ القرآنُ في أمري ولكنِّي كنْتُ أرجو لِما يعلَمُ اللهُ مِن براءتي أن يرى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أمري رؤيا فيُبَرِّئَني اللهُ بها عندَ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال لي أبوايَ عندَ ذلك قومي فقبِّلي رأسَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقلْتُ واللهِ لا أفعَلُ بحمدِ اللهِ لا بحَمْدِكم قال وكان أبو بكرٍ يُنفِقُ على مِسْطَحٍ وأمِّه فلمَّا رماني حلَف أبو بكرٍ أن لا ينفَعَه بشيءٍ أبدًا قال فلمَّا تلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ } بكى أبو بكرٍ قال بلى يا ربِّ وأعاد النَّفقةَ على مِسْطَحٍ وأمِّه قالت وقعَد صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ لحسَّانَ بنِ ثابتٍ بالسَّيفِ فضرَبه ضربةً فقال صَفْوانُ لحسَّانَ حينَ ضرَبَه تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنْكَ فَإِنَّنِي ... غُلَامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرِ وَلَكِنَّنِي أَحْمِي حِمَايَ وأَنْتَقِمْ ... مِنَ الْبَاهِتِ الرَّامِي الْبُرَاةِ الطَّوَاهِرِ. ثمَّ صاح حسَّانُ فاستغاث النَّاسُ على صَفْوانَ فلمَّا جاء النَّاسُ فرَّ صَفْوانُ فجاء حسَّانُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستَعْداه على صَفْوانَ في ضَرْبتِه إيَّاه فسألَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يهَبَ له ضربةَ صَفْوانَ إيَّاه فوهَبها للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فعاوَضَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حائطًا مِن نخلٍ عظيمٍ وجاريةٍ روميَّةٍ ويُقالُ قِبطيَّةٌ تُدعى سِيرينَ فولَدَتْ لحسَّانَ ابنَه عبدَ الرَّحمنِ الشَّاعرَ قال أبو أُوَيسٍ أخبَرَني بذلك حُسَينُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُبيدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ عَن عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالت عائشةُ ثمَّ باع حسَّانُ ذلك الحائطَ مِن معاويةَ بنِ أبي سفيانَ في ولايتِه بمالٍ عظيمٍ قالت عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها وبلَغَني واللهِ أعلمُ أنَّ الَّذي قال اللهُ فيه { والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أنَّه عبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلولٍ أحدُ بني الحارثِ بن ِالخزرجِ قالت عائشةُ فقيل في أصحابِ الإفكِ الأشعارُ وقال أبو بكرٍ في مِسْطَحٍ في رَمْيِه عائشةَ فكان يُدعى عَوفًا يَا عَوْفُ وَيْحَكَ هَلَّا قُلْتَ عَارِفَةً ... مِنَ الْكَلَامِ وَلَمْ تَبْغِي بِهِ طَمَعَا فَأَدْرَكَتْكَ حُمَيَّا مَعْشَرٍ أُنُفٍ ... فَلَمْ يَكُنْ قَاطِعًا يَا عَوْفُ مَنْ قَطَعَا هَلَّا حَرِبْتَ مِنَ الْأَقْوَامِ إِذْ حَسَدُوا ... فَلَا تَقُولُ وَإِنْ عَادَيْتَهُمْ قَذَعَا لَمَّا رَمَيْتَ حَصَانًا غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ... أَمِينَةَ الْجَيْبِ لَمْ نَعْلَمْ لَهَا خَضَعَا فِيمَنْ رَمَاهَا وَكُنْتُمْ مَعْشَرًا أُفُكًا ... فِي سَيِّئِ الْقَوْلِ مِنْ لَفْظِ الْخَنَا شَرَعَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرًا فِي بَرَاءَتِهَا ... وَبَيْنَ عَوْفٍ وَبَيْنَ اللَّهِ مَا صَنَعَا فَإِنْ أَعِشْ أَجْزِ عَوْفًا فِي مَقَالَتِهِ ... سُوءَ الْجَزَاءِ بِمَا أَلْفَيْتُهُ تَبَعَا. وقالَت أمُّ سعدِ بنِ معاذٍ في الَّذين رمَوا عائشةَ مِنَ الشِّعرِ تَشْهَدُ الْأَوْسُ كُلُّهَا وَفَتَاهَا ... بِحِقْدٍ وَذَلِكَ مَعْلُومُ نِسَاءُ الْخَزْرَجِيِّينَ يَشْهَدْنَ ... وَالْخُمَاسِيُّ مِنْ نَسْلِهَا وَالْعَظِيمُ أَنَّ بِنْتَ الصِّدِّيقِ كَانَتْ حَصَانًا ... عَفَّةَ الْجَيْبِ دِينُهَا مُسْتَقِيمُ تَتَّقِي اللَّهَ فِي الْمَغِيبِ عَلَيْهَا ... نِعْمَةُ اللَّهِ سِرُّهَا مَا يَرِيمُ خَيْرُ هَدْيِ النِّسَاءِ حَالًا وَنَفْسًا ... وَأَبًا لِلْعُلَا نَمَاهَا كَرِيمُ لِلْمَوَالِي إِذَا رَمَوهَا بِإِفْكٍ ... أَخَذَتْهُمْ مَقَامِعٌ وَجَحِيمُ لَيْتَ مَنْ كَانَ قَدْ قَفَاهَا بِسُوءٍ ... فِي حُطَامٍ حَتَّى يَبُولَ اللَّئِيمُ وَعَوَانٍ مِنَ الْحُرُوبِ تَلَظَّى ... ثَغْسًا قُوتُهَا عَقَارٌ صَرِيمُ لَيْتَ سَعْدًا وَمَنْ رَمَاهَا بِسُوءٍ ... فِي كَظَاظٍ حَتَّى يَتُوبَ الظَّلُومُ. وقال حسَّانُ وهو يُبَرِّئُ عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عنها - فيما قيل فيها، ويعتذِرُ إليها: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ خَلِيلَةُ خَيْرِ النَّاسِ دِينًا وَمَنْصِبًا ... نَبِيِّ الْهُدَى وَالْمَكْرُمَاتِ الْفَوَاضِلِ عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهَا غَيْرُ زَائِلِ مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيَمَهَا ... وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلٍّ سُوءٍ وَبَاطِلِ فَإِنْ كَانَ مَا قَدْ جَاءَ عَنِّي قُلْتُهُ ... فَلَا رَفَعَتْ صَوْتِي إِلَىَّ أَنَامِلِي وَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطٍ ... بِكِ الدَّهْرَ بَلْ قَوْلُ امْرِئٍ غَيْرِ هَائِلِ وَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي ... لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ لَهُ رَتْبٌ عَالٍ عَلَى النَّاسِ فَضْلُهَا ... تَقَاصَرُ عَنْهَا سَوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ.قال أبو يونسَ وحدَّثَني أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَر بالَّذين رمَوا عائشةَ فجُلِدوا الحدَّ ثمانين وقال حسَّانُ بنُ ثابتٍ في الشِّعرِ حين جُلِدوا لَقَدْ ذَاقَ عَبْدُ اللَّهِ مَا كَانَ أَهْلَهُ ... وَحَمْنَةُ إِذْ قَالُوا هَجِيرًا وَمِسْطَحُ تَعَاطَوْا بِرَجْمِ الْغَيْبِ زَوْجَ نَبِيِّهِمْ ... وَسَخْطَةَ ذِي الْعَرْشِ الْكَرِيمِ فَأَنْزَحُوا فَآذَوْا رَسُولَ اللَّهِ فِيهَا وَعَمَّمُوا ... مَخَازِيَ سُوءٍ حَلَّلُوهَا وَفُضِّحُوا
[عن] عروة بن الزبير عن عائشةَ أنَّها أخبَرَتْه أنَّ فاطمةَ بنتَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أرسَلَتْ إلى أبي بكرٍ تسأَلُه ميراثَها مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ممَّا أفاء اللهُ عليه بالمدينةِ وفَدَكَ وما بقي مِن خُمُسِ خَيبرَ فقال أبو بكرٍ : إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : ( إنَّا لا نُورَثُ ما ترَكْنا صدقةٌ إنَّما يأكُلُ آلُ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذا المالِ ) وإنِّي واللهِ لا أُغيِّرُ شيئًا مِن صدقةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن حالِها الَّتي كانت عليها في عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولَأعمَلَنَّ فيها بما عمِل به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأبى أبو بكرٍ أنْ يدفَعَ إلى فاطمةَ منها شيئًا فوجَدَتْ فاطمةُ على أبي بكرٍ في ذلك وهجَرَتْه فلَمْ تُكلِّمْه حتَّى تُوفِّيَتْ بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بستَّةِ أشهُرٍ فلمَّا تُوفِّيَتْ دفَنها زوجُها عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضِي اللهُ عنه ليلًا ولم يُؤذِنْ بها أبا بكرٍ وصلَّى عليها وكان لِعَلِيٍّ مِن النَّاسِ وِجهةٌ حياةَ فاطمةَ فلمَّا تُوفِّيَتْ فاطمةُ استنكَر وجوهَ النَّاسِ فالتَمَس مُصالَحةَ أبي بكرٍ ومُبايَعتَه ولم يكُنْ بايَع تلك الأشهُرَ فأرسَل إلى أبي بكرٍ أنِ ائتِنا ولا يأتِنا معك أحَدٌ ـ كراهيةَ أنْ يحضُرَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ ـ فقال عُمَرُ بنُ الخطَّابِ لأبي بكرٍ : واللهِ لا تدخُلُ عليهم وحدَك فقال أبو بكرٍ : ما عسى أنْ يفعَلوا بي واللهِ لَآتيَنَّهم فدخَل أبو بكرٍ عليهم فتشهَّد علِيُّ بنُ أبي طالبٍ وقال : إنَّا قد عرَفْنا يا أبا بكرٍ فضيلتَك وما أعطاك اللهُ ولم أنفَسْ خيرًا ساقه اللهُ إليك ولكنَّك استبدَدْتَ علينا بالأمرِ وكنَّا نرى أنَّ لنا حقًّا لِقرابتِنا مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلَمْ يزَلْ يُكلِّمُ أبا بكرٍ حتَّى فاضَتْ عَيْنَا أبي بكرٍ فلمَّا تكلَّم أبو بكرٍ قال : والَّذي نفسي بيدِه لَقرابةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحَبُّ إليَّ مِن أنْ أصِلَ أهلي وقرابتي وأمَّا الَّذي شجَر بَيْني وبَيْنكم مِن هذه الأموالِ فلَمْ آلُ فيها عن الخيرِ ولَمْ أترُكْ أمرًا رأَيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يصنَعُه فيها إلَّا صنَعْتُه فقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضِي اللهُ عنه لأبي بكرٍ : موعِدُك العشيَّةُ للبَيْعةِ فلمَّا صلَّى أبو بكرٍ صلاةَ الظُّهرِ رقِي على المِنبَرِ فتشهَّد ثمَّ ذكَر شأنَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ وتخلُّفَه عنِ البَيْعةِ وعذَره بالَّذي اعتذَر إليه ثمَّ استغفَر وتشهَّد علِيُّ بنُ أبي طالبٍ فعظَّم حقَّ أبي بكرٍ وحُرمتَه وأنَّه لَمْ يحمِلْه على الَّذي صنَع نَفاسةٌ على أبي بكرٍ ولا إنكارًا لِلَّذي فضَّله اللهُ به ولكنَّا كنَّا نرى لنا في هذا الأمرِ نصيبًا فاستُبِدَّ علينا به فوجَدْنا في أنفسِنا فسُرَّ بذلك المُسلِمونَ وقالوا : أصَبْتَ وكان المُسلِمونَ إلى علِيٍّ قريبًا حينَ راجَع الأمرَ بالمعروفِ
عن عائِشةَ أنَّ فاطِمةَ بنتَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أرسَلَت إلى أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ تَسألُه ميراثَها مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ممَّا أفاءَ اللهُ عليه بالمَدينةِ، وفَدَكٍ، وما بَقيَ مِن خُمسِ خَيبَرَ، فقال أبو بَكرٍ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا نورَثُ؛ ما تَرَكنا صَدَقةٌ، إنَّما يَأكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذا المالِ، وإنِّي واللَّهِ لا أُغَيِّرُ شيئًا مِن صَدَقةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن حالِها التي كانَت عليها في عَهدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولأعمَلَنَّ فيها بما عَمِلَ به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأبى أبو بَكرٍ أن يَدفَعَ إلى فاطِمةَ شيئًا، فوجَدَت فاطِمةُ على أبي بَكرٍ في ذلك، قال: فهَجَرَتْه، فلَم تُكَلِّمْه حتَّى توفِّيَت، وعاشَت بَعدَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سِتَّةَ أشْهُرٍ، فلَمَّا توفِّيَت دَفَنَها زَوجُها عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ لَيلًا، ولَم يُؤذِنْ بها أبا بَكرٍ، وصَلَّى عليها عَليٌّ، وكان لعَليٍّ مِنَ النَّاسِ وِجهةٌ حَياةَ فاطِمةَ، فلَمَّا توفِّيَتِ استَنكَرَ عَليٌّ وُجوهَ النَّاسِ، فالتَمَسَ مُصالَحةَ أبي بَكرٍ ومُبايَعَتَه، ولَم يَكُنْ بايَعَ تلك الأشْهُرَ، فأرسَلَ إلى أبي بَكرٍ أنِ ائتِنا ولا يَأتِنا معكَ أحَدٌ؛ كَراهيةَ مَحضَرِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فقال عُمَرُ لأبي بَكرٍ: واللَّهِ لا تَدخُلْ عليهم وَحدَكَ، فقال أبو بَكرٍ: وما عَساهم أن يَفعَلوا بي؟ إنِّي واللَّهِ لَآتيَنَّهُم، فدَخَلَ عليهم أبو بَكرٍ، فتَشَهَّدَ عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ، ثُمَّ قال: إنَّا قد عَرَفنا يا أبا بَكرٍ فضيلَتَكَ، وما أعطاكَ اللهُ، ولَم نَنفَسْ عليكَ خَيرًا ساقَه اللهُ إليكَ، ولَكِنَّكَ استَبدَدتَ علينا بالأمرِ، وكُنَّا نَحنُ نَرى لَنا حَقًّا لقَرابَتِنا مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَم يَزَلْ يُكَلِّمُ أبا بَكرٍ حتَّى فاضَت عَينا أبي بَكرٍ، فلَمَّا تَكَلَّمَ أبو بَكرٍ، قال: والذي نَفسي بيَدِه لَقَرابةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحَبُّ إليَّ أن أصِلَ مِن قَرابَتي، وأمَّا الذي شَجَرَ بَيني وبينَكُم مِن هذه الأموالِ فإنِّي لَم آلُ فيها عَنِ الحَقِّ، ولَم أترُكْ أمرًا رَأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَصنَعُه فيها إلَّا صَنَعتُه، فقال عَليٌّ لأبي بَكرٍ: مَوعِدُكَ العَشيَّةُ للبَيعةِ، فلَمَّا صَلَّى أبو بَكرٍ صَلاةَ الظُّهرِ رَقيَ على المِنبَرِ، فتَشَهَّدَ وذَكَرَ شَأنَ عَليٍّ وتَخَلُّفَه عَنِ البَيعةِ، وعُذرَه بالذي اعتَذَرَ إليه، ثُمَّ استَغفَرَ وتَشَهَّدَ عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ، فعَظَّمَ حَقَّ أبي بَكرٍ، وأنَّه لَم يَحمِلْه على الذي صَنَعَ نَفاسةً على أبي بَكرٍ، ولا إنكارًا للَّذي فضَّلَه اللهُ به، ولَكِنَّا كُنَّا نَرى لَنا في الأمرِ نَصيبًا، فاستُبِدَّ علينا به، فوجَدنا في أنفُسِنا، فسُرَّ بذلك المُسلِمونَ، وقالوا: أصَبتَ، فكان المُسلِمونَ إلى عَليٍّ قَريبًا حينَ راجَعَ الأمرَ المَعروفَ
[عن] عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أنَّ فاطمةَ بنتَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أرسَلتْ إلى أبي بكرٍ تسأَلُه ميراثَها مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما أفاء اللهُ على رسولِه وفاطمةُ رضوانُ اللهِ عليها حينَئذٍ تطلُبُ صدقةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الَّتي بالمدينةِ وفَدَكَ وما بقي مِن خُمُسِ خيبرَ، قالت عائشةُ: فقال أبو بكرٍ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ( لا نُورَثُ ما ترَكْناه صدقةٌ ) إنَّما يأكُلُ آلُ محمَّدٍ مِن هذا المالِ ليس لهم أنْ يزيدوا على المأكَلِ وإنِّي واللهِ لا أُغيِّرُ شيئًا مِن صدقاتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن حالِها الَّتي كانت عليها في عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولَأعمَلَنَّ فيها بما عمِل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأبى أبو بكرٍ أنْ يدفَعَ إلى فاطمةَ منها شيئًا فوجَدتْ فاطمةُ على أبي بكرٍ مِن ذلك فهجَرتْه فلم تُكلِّمْه حتَّى تُوفِّيتْ وعاشت بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ستَّةَ أشهُرٍ فلمَّا تُوفِّيت دفَنها عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضوانُ اللهِ عليه ليلًا ولم يُؤذِنْ بها أبا بكرٍ فصلَّى عليها عليٌّ وكان لعليٍّ مِن النَّاسِ وجهٌ حياةَ فاطمةَ فلمَّا تُوفِّيتْ فاطمةُ رضوانُ اللهِ عليها انصرَفتْ وجوهُ النَّاسِ عن عليٍّ حتَّى أنكَرهم فضرَع عليٌّ عندَ ذلك إلى مصالحةِ أبي بكرٍ ومُبايعتِه ولم يكُنْ بايَع تلك الأشهُرَ فأرسَل إلى أبي بكرٍ أنِ ائتِنا ولا يأتِنا معك أحدٌ كرِه عليٌّ أنْ يشهَدَهم عمرُ لِما يعلَمُ مِن شدَّةِ عمرَ عليهم فقال عمرُ لأبي بكرٍ: واللهِ لا تدخُلُ عليهم وحدَك فقال أبو بكرٍ: وما عسى أنْ يفعَلوا بي واللهِ لَآتيَنَّهم فدخَل أبو بكرٍ فتشهَّد عليٌّ ثمَّ قال: إنَّا قد عرَفْنا يا أبا بكرٍ فضيلتَك وما أعطاك اللهُ وإنَّا لم ننفَسْ عليك خيرًا ساقه اللهُ إليك ولكنَّك استبدَدْتَ علينا بالأمرِ وكنَّا نرى لنا حقًّا وذكَر قرابتَهم مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحقَّهم فلم يزَلْ يتكلَّمُ حتَّى فاضت عينَا أبي بكرٍ فلمَّا تكلَّم أبو بكرٍ قال: والَّذي نفسي بيدِه لَقرابةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحبُّ إليَّ أنْ أصِلَ مِن قرابتي وأمَّا الَّذي شجَر بيني وبينَكم مِن هذه الصَّدقاتِ فإنِّي لم آلُ فيها عن الخيرِ وإنِّي لم أكُنْ لأترُكَ فيها أمرًا رأَيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يصنَعُ فيها إلَّا صنَعْتُه قال عليٌّ: موعدُك العشيَّةُ للبَيعةِ فلمَّا أنْ صلَّى أبو بكرٍ صلاةَ الظُّهرِ ارتقى على المنبرِ فتشهَّد وذكَر شأنَ عليٍّ وتخلُّفَه عن البَيعةِ وعُذرَه بالَّذي اعتذَر إليه ثمَّ استغفَر وتشهَّد عليٌّ فعظَّم حقَّ أبي بكرٍ وذكَر أنَّه لم يحمِلْه على الَّذي صنَع نَفاسةٌ على أبي بكرٍ ولا إنكارُ فضيلتِه الَّتي فضَّله اللهُ بها ولكنَّا كنَّا نرى لنا في الأمرِ نصيبًا واستبدَّ علينا فوجَدْنا في أنفسِنا فسُرَّ بذلك المسلِمونَ وقالوا لِعَليٍّ: أصَبْتَ وكان المسلِمونَ إلى عليٍّ قريبًا حينَ راجَع على الأمرِ بالمعروفِ
أنَّ نِساءَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كُنَّ حِزبَينِ؛ فحِزبٌ فيه عائِشةُ وحَفصةُ وصَفيَّةُ وسَودةُ، والحِزبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمةَ وسائِرُ نِساءِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان المُسلِمونَ قد عَلِموا حُبَّ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عائِشةَ، فإذا كانَت عِندَ أحَدِهم هَديَّةٌ يُريدُ أن يُهديَها إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخَّرَها، حتَّى إذا كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بَيتِ عائِشةَ بَعَثَ صاحِبُ الهَديَّةِ بها إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بَيتِ عائِشةَ، فكَلَّمَ حِزبُ أُمِّ سَلَمةَ فقُلنَ لَها: كَلِّمي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُكَلِّمُ النَّاسَ، فيَقولُ: مَن أرادَ أن يُهديَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هَديَّةً، فليُهدِه إليه حَيثُ كان مِن بُيوتِ نِسائِه، فكَلَّمَتْه أُمُّ سَلَمةَ بما قُلنَ، فلَم يَقُلْ لَها شيئًا، فسَألنَها، فقالت: ما قال لي شيئًا، فقُلنَ لَها: فكَلِّميه، قالت: فكَلَّمَتْه حينَ دارَ إليها أيضًا، فلَم يَقُلْ لَها شيئًا، فسَألنَها، فقالت: ما قال لي شيئًا، فقُلنَ لَها: كَلِّميه حتَّى يُكَلِّمَكِ، فدارَ إليها فكَلَّمَتْه، فقال لَها: لا تُؤذيني في عائِشةَ؛ فإنَّ الوحيَ لَم يَأتِني وأنا في ثَوبِ امرَأةٍ إلَّا عائِشةَ، قالت: فقالت: أتوبُ إلى اللهِ مِن أذاكَ يا رَسولَ اللهِ. ثُمَّ إنَّهنَّ دَعَونَ فاطِمةَ بنتَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأرسَلَت إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَقولُ: إنَّ نِساءَكَ يَنشُدنَكَ اللهَ العَدلَ في بنتِ أبي بَكرٍ، فكَلَّمَتْه فقال: يا بُنَيَّةُ، ألا تُحِبِّينَ ما أُحِبُّ؟ قالت: بَلى، فرَجَعَت إليهنَّ، فأخبَرَتهُنَّ، فقُلنَ: ارجِعي إليه، فأبَت أن تَرجِعَ، فأرسَلنَ زَينَبَ بنتَ جَحشٍ، فأتَتْه، فأغلَظَت، وقالت: إنَّ نِساءَكَ يَنشُدنَكَ اللهَ العَدلَ في بنتِ ابنِ أبي قُحافةَ، فرَفَعَت صَوتَها حتَّى تَناولَت عائِشةَ وهي قاعِدةٌ فسَبَّتها، حتَّى إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيَنظُرُ إلى عائِشةَ: هل تَكَلَّمُ؟ قال: فتَكَلَّمَت عائِشةُ تَرُدُّ على زَينَبَ حتَّى أسكَتَتها، قالت: فنَظَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى عائِشةَ، وقال: إنَّها بنتُ أبي بَكرٍ!
كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ سَفَرًا أقرَعَ بينَ أزواجِه، فأيُّهنَّ خَرَجَ سَهمُها خَرَجَ بها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معهُ، قالت عائِشةُ: فأقرَعَ بينَنا في غَزوةٍ غَزاها، فخَرَجَ فيها سَهمي، فخَرَجتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَ ما أُنزِلَ الحِجابُ، فكُنتُ أُحمَلُ في هَودَجي وأُنزَلُ فيه، فسِرنا حتَّى إذا فرَغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غَزوتِه تلك وقَفَلَ، دَنَونا مِنَ المَدينةِ قافِلينَ، آذَنَ لَيلةً بالرَّحيلِ، فقُمتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ، فمَشيتُ حتَّى جاوزتُ الجَيشَ، فلَمَّا قَضَيتُ شَأني أقبَلتُ إلى رَحلي، فلَمَستُ صَدري، فإذا عِقدٌ لي مِن جَزعِ ظَفارِ قدِ انقَطَعَ، فرَجَعتُ فالتَمَستُ عِقدي فحَبَسَني ابتِغاؤُه، قالت: وأقبَلَ الرَّهطُ الذينَ كانوا يُرَحِّلوني، فاحتَمَلوا هَودَجي فرَحَلوه على بَعيري الذي كُنتُ أركَبُ عليه، وهم يَحسِبونَ أنِّي فيه، وكان النِّساءُ إذ ذاك خِفافًا لم يَهبُلنَ، ولم يَغشَهنَّ اللَّحمُ، إنَّما يَأكُلنَ العُلقةَ مِنَ الطَّعامِ، فلَم يَستَنكِرِ القَومُ خِفَّةَ الهَودَجِ حينَ رَفَعوه وحَمَلوه، وكُنتُ جاريةً حَديثةَ السِّنِّ، فبَعَثوا الجَمَلَ فساروا، ووجَدتُ عِقدي بَعدَ ما استَمَرَّ الجَيشُ، فجِئتُ مَنازِلَهم وليسَ بها منهم داعٍ ولا مُجيبٌ، فتَيَمَّمتُ مَنزِلي الذي كُنتُ به، وظَنَنتُ أنَّهم سَيَفقِدوني فيَرجِعونَ إليَّ، فبينا أنا جالِسةٌ في مَنزِلي، غَلَبَتني عَيني فنِمتُ، وكان صَفوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَميُّ ثُمَّ الذَّكوانيُّ مِن وراءِ الجَيشِ، فأصبَحَ عِندَ مَنزِلي، فرَأى سَوادَ إنسانٍ نائِمٍ فعَرَفَني حينَ رَآني، وكان رَآني قَبلَ الحِجابِ، فاستَيقَظتُ باستِرجاعِه حينَ عَرَفَني، فخَمَّرتُ وجهي بجِلبابي، وواللهِ ما تَكَلَّمنا بكَلِمةٍ، ولا سَمِعتُ منه كَلِمةً غيرَ استِرجاعِه، وهَوى حتَّى أناخَ راحِلَتَه، فوطِئَ على يَدِها، فقُمتُ إليها فرَكِبتُها، فانطَلَقَ يَقودُ بي الرَّاحِلةَ حتَّى أتَينا الجَيشَ موغِرينَ في نَحرِ الظَّهيرةِ وهم نُزولٌ، قالت: فهَلَك مَن هَلَك، وكان الذي تَولَّى كِبرَ الإفكِ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابنَ سَلولَ، قال عُروةُ: أُخبِرتُ أنَّه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عِندَه، فيُقِرُّه ويَستَمِعُه ويَستَوشيه، وقال عُروةُ أيضًا: لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلَّا حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ، ومِسطَحُ بنُ أُثاثةَ، وحَمنةُ بنتُ جَحشٍ، في ناسٍ آخَرينَ لا عِلمَ لي بهم، غيرَ أنَّهم عُصبةٌ، كما قال اللهُ تَعالى، وإنَّ كِبرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ، قال عُروةُ: كانَت عائِشةُ تَكرَهُ أن يُسَبَّ عِندَها حَسَّانُ، وتَقولُ: إنَّه الذي قال: فإنَّ أبي ووالِدَه وعِرضي لعِرضِ مُحَمَّدٍ منكم وِقاءُ. قالت عائِشةُ: فقدِمنا المَدينةَ، فاشتَكَيتُ حينَ قدِمتُ شَهرًا، والنَّاسُ يُفيضونَ في قَولِ أصحابِ الإفكِ، لا أشعُرُ بشيءٍ مِن ذلك، وهو يَريبُني في وجَعي أنِّي لا أعرِفُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللُّطفَ الذي كُنتُ أرى منه حينَ أشتَكي، إنَّما يَدخُلُ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يقولُ: كيفَ تِيكُم؟ ثُمَّ يَنصَرِفُ، فذلك يَريبُني ولا أشعُرُ بالشَّرِّ، حتَّى خَرَجتُ حينَ نَقَهتُ، فخَرَجتُ مع أُمِّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وكان مُتَبَرَّزَنا، وكُنَّا لا نَخرُجُ إلَّا لَيلًا إلى لَيلٍ، وذلك قَبلَ أن نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَريبًا مِن بُيوتِنا، قالت: وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأُوَلِ في البَرِّيَّةِ قِبَلَ الغائِطِ، وكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أن نَتَّخِذَها عِندَ بُيوتِنا، قالت: فانطَلَقتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ، وهي ابنةُ أبي رُهمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وأُمُّها بنتُ صَخرِ بنِ عامِرٍ، خالةُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ، فأقبَلتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ بَيتي حينَ فرَغنا مِن شَأنِنا، فعَثَرَت أُمُّ مِسطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فقُلتُ لَها: بئسَ ما قُلتِ، أتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدرًا؟ فقالت: أي هَنْتَاه ولم تَسمَعي ما قال؟! قالت: وقُلتُ: ما قال؟ فأخبَرَتني بقَولِ أهلِ الإفكِ، قالت: فازدَدتُ مَرَضًا على مَرَضي، فلَمَّا رَجَعتُ إلى بَيتي دَخَلَ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَلَّمَ، ثُمَّ قال: كيفَ تِيكُم؟ فقُلتُ له: أتَأذَنُ لي أن آتيَ أبَويَّ؟ قالت: وأُريدُ أن أستَيقِنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهما، قالت: فأذِنَ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ لأُمِّي: يا أُمَّتاه، ماذا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قالت: يا بُنَيَّةُ، هَوِّني عليكِ، فواللهِ لَقَلَّما كانَتِ امرَأةٌ قَطُّ وضيئةً عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّها، لَها ضَرائِرُ، إلَّا كَثَّرنَ عليها، قالت: فقُلتُ: سُبحانَ اللهِ، أوَلقد تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ قالت: فبَكَيتُ تلك اللَّيلةَ حتَّى أصبَحتُ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ أصبَحتُ أبكي، قالت: ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ وأُسامةَ بنَ زَيدٍ حينَ استَلبَثَ الوحيُ، يَسألُهما ويَستَشيرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأمَّا أُسامةُ فأشارَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وبالذي يَعلَمُ لهم في نَفسِه، فقال أُسامةُ: أهلَكَ، ولا نَعلَمُ إلَّا خَيرًا، وأمَّا عَليٌّ فقال: يا رَسولَ اللهِ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وسَلِ الجاريةَ تَصدُقْك، قالت: فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ، فقال: أي بَريرةُ، هل رَأيتِ مِن شيءٍ يَريبُكِ؟ قالت له بَريرةُ: والذي بَعَثَك بالحَقِّ، ما رَأيتُ عليها أمرًا قَطُّ أغمِصُه غيرَ أنَّها جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عن عَجينِ أهلِها، فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، قالت: فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن يَومِه فاستَعذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ، وهو على المِنبَرِ، فقال: يا مَعشَرَ المُسلِمينَ، مَن يَعذِرُني مِن رَجُلٍ قد بَلَغَني عنه أذاه في أهلي؟! واللهِ ما عَلِمتُ على أهلي إلَّا خَيرًا، ولقد ذَكَروا رَجُلًا ما عَلِمتُ عليه إلَّا خَيرًا، وما يَدخُلُ على أهلي إلَّا مَعي. قالت: فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ أخو بَني عبدِ الأشهَلِ، فقال: أنا يا رَسولَ اللهِ أعذِرُك، فإن كان مِنَ الأوسِ ضَرَبتُ عُنُقَه، وإن كان مِن إخوانِنا مِنَ الخَزرَجِ أمَرتَنا ففَعَلنا أمرَك، قالت: فقامَ رَجُلٌ مِنَ الخَزرَجِ، وكانَت أُمُّ حَسَّانَ بنتَ عَمِّه مِن فخِذِه، وهو سَعدُ بنُ عُبادةَ، وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ، قالت: وكان قَبلَ ذلك رَجُلًا صالِحًا، ولَكِنِ احتَمَلَته الحَميَّةُ، فقال لسَعدٍ: كَذَبتَ، لَعَمرُ اللهِ لا تَقتُلُه، ولا تَقدِرُ على قَتلِه! ولو كان مِن رَهطِك ما أحبَبتَ أن يُقتَلَ! فقامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابنُ عَمِّ سَعدٍ، فقال لسَعدِ بنِ عُبادةَ: كَذَبتَ، لَعَمرُ اللهِ لَنَقتُلَنَّه؛ فإنَّك مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنِ المُنافِقينَ! قالت: فثارَ الحَيَّانِ الأوسُ والخَزرَجُ حتَّى هَمُّوا أن يَقتَتِلوا، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائِمٌ على المِنبَرِ، قالت: فلَم يَزَلْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم، حتَّى سَكَتوا وسَكَتَ، قالت: فبَكَيتُ يَومي ذلك كُلَّه لا يَرقَأُ لي دَمعٌ ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، قالت: وأصبَحَ أبَوايَ عِندي، وقد بَكَيتُ لَيلَتَينِ ويَومًا، لا يَرقَأُ لي دَمعٌ ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، حتَّى إنِّي لَأظُنُّ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدي، فبينا أبَوايَ جالِسانِ عِندي وأنا أبكي، فاستَأذَنَت عليَّ امرَأةٌ مِنَ الأنصارِ فأذِنتُ لَها، فجَلَسَت تَبكي مَعي، قالت: فبينا نَحنُ على ذلك دَخَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علينا فسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قالت: ولم يَجلِسْ عِندي مُنذُ قيلَ ما قيلَ قَبلَها، وقد لَبِثَ شَهرًا لا يوحى إليه في شَأني بشيءٍ، قالت: فتَشَهَّدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ جَلَسَ، ثُمَّ قال: أمَّا بَعدُ، يا عائِشةُ، إنَّه بَلَغَني عَنكِ كَذا وكَذا، فإن كُنتِ بَريئةً فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وإن كُنتِ ألمَمتِ بذَنبٍ فاستَغفِري اللهَ وتوبي إليه؛ فإنَّ العَبدَ إذا اعتَرَفَ ثُمَّ تابَ، تابَ اللهُ عليه، قالت: فلَمَّا قَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَقالتَه قَلَصَ دَمعي حتَّى ما أُحِسُّ منه قَطرةً، فقُلتُ لأبي: أجِبْ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِّي فيما قال، فقال أبي: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ لأُمِّي: أجيبي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، قالت أُمِّي: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ وأنا جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ مِنَ القُرآنِ كَثيرًا: إنِّي واللهِ لقد عَلِمتُ لقد سَمِعتُم هذا الحَديثَ حتَّى استَقَرَّ في أنفُسِكُم وصَدَّقتُم به، فلَئِن قُلتُ لَكُم: إنِّي بَريئةٌ، لا تُصَدِّقوني، ولَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بأمرٍ، واللهُ يَعلَمُ أنِّي منه بَريئةٌ، لَتُصَدِّقُنِّي، فواللهِ لا أجِدُ لي ولَكُم مَثَلًا إلَّا أبا يوسُفَ حينَ قال: {فصَبرٌ جَميلٌ واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفونَ} ثُمَّ تَحَوَّلتُ واضطَجَعتُ على فِراشي، واللهُ يَعلَمُ أنِّي حينَئِذٍ بَريئةٌ، وأنَّ اللهَ مُبَرِّئي ببَراءَتي، ولَكِن واللهِ ما كُنتُ أظُنُّ أنَّ اللهَ مُنزِلٌ في شَأني وحيًا يُتلى؛ لَشَأني في نَفسي كان أحقَرَ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ، ولَكِن كُنتُ أرجو أن يَرى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّومِ رُؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها، فواللهِ ما رامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَجلِسَه، ولا خَرَجَ أحَدٌ مِن أهلِ البَيتِ، حتَّى أُنزِلَ عليه، فأخَذَه ما كان يَأخُذُه مِنَ البُرَحاءِ، حتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِنَ العَرَقِ مِثلُ الجُمانِ، وهو في يَومٍ شاتٍ؛ مِن ثِقَلِ القَولِ الذي أُنزِلَ عليه، قالت: فسُرِّيَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يَضحَكُ، فكانَت أوَّلَ كَلِمةٍ تَكَلَّمَ بها أن قال: يا عائِشةُ، أمَّا اللهُ فقد بَرَّأكِ! قالت: فقالت لي أُمِّي: قومي إليه، فقُلتُ: واللهِ لا أقومُ إليه، فإنِّي لا أحمَدُ إلَّا اللهَ عزَّ وجلَّ، قالت: وأنزَلَ اللهُ تَعالى: {إنَّ الذينَ جاؤوا بالإفكِ عُصبةٌ منكم} العَشرَ الآياتِ، ثُمَّ أنزَلَ اللهُ هذا في بَراءَتي، قال أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ، وكان يُنفِقُ على مِسطَحِ بنِ أُثاثةَ لقَرابَتِه منه وفَقرِه: واللهِ لا أُنفِقُ على مِسطَحٍ شيئًا أبَدًا، بَعدَ الذي قال لعائِشةَ ما قال، فأنزَلَ اللهُ: {ولا يَأتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ} إلى قَولِه: {غَفورٌ رَحيمٌ}، قال أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ: بَلى، واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي، فرَجَعَ إلى مِسطَحٍ النَّفَقةَ التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: واللهِ لا أنزِعُها منه أبَدًا، قالت عائِشةُ: وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَألَ زَينَبَ بنتَ جَحشٍ عن أمري، فقال لزَينَبَ: ماذا عَلِمتِ، أو رَأيتِ؟ فقالت: يا رَسولَ اللهِ، أحمي سَمعي وبَصَري، واللهِ ما عَلِمتُ إلَّا خَيرًا، قالت عائِشةُ: وهي التي كانَت تُساميني مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعَصَمَها اللهُ بالورَعِ، قالت: وطَفِقَت أُختُها حَمنةُ تُحارِبُ لَها، فهَلَكَت فيمَن هَلَك قال ابنُ شِهابٍ: فهذا الذي بَلَغَني مِن حَديثِ هؤلاء الرَّهطِ، ثُمَّ قال عُروةُ: قالت عائِشةُ: واللهِ إنَّ الرَّجُلَ الذي قيلَ له ما قيلَ لَيقولُ: سُبحانَ اللهِ، فوالذي نَفسي بيَدِه ما كَشَفتُ مِن كَنَفِ أُنثى قَطُّ! قالت: ثُمَّ قُتِلَ بَعدَ ذلك في سَبيلِ اللهِ
عَن حَديثِ عائِشةَ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حينَ قال لَها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبَرَّأها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكُلُّهم حَدَّثَني بطائِفةٍ مِن حَديثِها، وبَعضُهم كان أوعى لحَديثِها مِن بَعضٍ، وأثبَتَ اقتِصاصًا، وقد وعَيتُ عَن كُلِّ واحِدٍ منهمُ الحَديثَ الذي حَدَّثَني، وبَعضُ حَديثِهم يُصَدِّقُ بَعضًا، ذَكَروا أنَّ عائِشةَ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ أن يَخرُجَ سَفَرًا، أقرَعَ بَينَ نِسائِه، فأيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهمُها خَرَجَ بها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعَه، قالت عائِشةُ: فأقرَعَ بَينَنا في غَزوةٍ غَزاها فخَرَجَ فيها سَهمي، فخَرَجتُ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك بَعدَما أُنزِلَ الحِجابُ، فأنا أُحمَلُ في هَودَجي، وأنزلُ فيه مَسيرَنا، حَتَّى إذا فرَغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غَزوِه، وقَفَلَ ودَنَونا مِنَ المَدينةِ، آذَنَ لَيلةً بالرَّحيلِ، فقُمتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ، فمَشَيتُ حَتَّى جاوزتُ الجَيشَ، فلَمَّا قَضَيتُ شَأني أقبَلتُ إلى الرَّحلِ، فلَمَستُ صَدري، فإذا عِقدٌ مِن جَزعِ أظفارٍ قدِ انقَطَعَ، فرَجَعتُ فالتَمَستُ عِقدي، فاحتَبَسَني ابتِغاؤُه، وأقبَلَ الرَّهطُ الذينَ كانوا يَرحَلونَ بي، فحَمَلوا هَودَجي فرَحَلوه على بَعيري الذي كُنتُ أركَبُ، وهم يَحسَبونَ أنِّي فيه، قالت: وكانَتِ النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافًا لم يُهَبِّلْهنَّ ولَم يَغشَهنَّ اللحمُ، إنَّما يَأكُلنَ العُلقةَ مِنَ الطَّعامِ، فلَم يَستَنكِرِ القَومُ ثِقَلَ الهَودَجِ حينَ رَحَلوه ورَفَعوه، وكُنتُ جاريةً حَديثةَ السِّنِّ فبَعَثوا الجَمَلَ وساروا، فوجَدتُ عِقدي بَعدَما استَمَرَّ الجَيشُ، فجِئتُ مَنازِلَهم ولَيسَ بها داعٍ ولا مُجيبٌ، فيَمَّمتُ مَنزِلي الذي كُنتُ فيه، وظَنَنتُ أنَّ القَومَ سَيَفقِدوني، فيَرجِعوا إلَيَّ، فبَينَما أنا جالِسةٌ في مَنزِلي غَلَبَتني عَيني فنِمتُ، وكانَ صَفوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَميُّ ثُمَّ الذَّكوانيُّ قد عَرَّسَ وراءَ الجَيشِ، فأدلَجَ فأصبَحَ عِندَ مَنزِلي، فرَأى سَوادَ إنسانٍ نائِمٍ، فأتاني فعَرَفَني حينَ رَآني، وقد كان يَراني قَبلَ أن يُضرَبَ عليَّ الحِجابُ، فاستَيقَظتُ باستِرجاعِه حينَ عَرَفَني، فخَمَّرتُ وجهي بجِلبابي، فواللهِ ما كَلَّمَني كَلِمةً، ولا سَمِعتُ منه كَلِمةً غَيرَ استِرجاعِه حَتَّى أناخَ راحِلَتَه، فوطِئَ على يَدِها، فرَكِبتُها فانطَلَقَ يَقودُ بيَ الرَّاحِلةَ، حَتَّى أتَينا الجَيشَ بَعدَما نَزَلوا موغِرينَ في نَحرِ الظَّهيرةِ، فهَلَكَ مَن هَلَكَ في شَأني، وكانَ الذي تَولَّى كِبرَه عَبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابنَ سَلولَ، فقدِمتُ المَدينةَ فاشتَكَيتُ حينَ قدِمنا شَهرًا، والنَّاسُ يُفيضونَ في قَولِ أهلِ الإفكِ، ولَم أشعُرْ بشَيءٍ مِن ذلك، وهو يَريبُني في وجَعي أنِّي لا أعرِفُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللُّطفَ الذي كُنتُ أرى منه حينَ أشتَكي، إنَّما يَدخُلُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقولُ: كَيفَ تيكُم؟ فذاكَ يَريبُني، ولا أشعُرُ بالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجتُ بَعدَما نَقَهتُ، وخَرَجَت مَعي أُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وهو مُتَبَرَّزُنا، ولا نَخرُجُ إلَّا لَيلًا إلى لَيلٍ، وذلك قَبلَ أن تُتَّخَذَ الكُنُفُ قَريبًا مِن بُيوتِنا، وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنَزُّهِ، وكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أن نَتَّخِذَها عِندَ بُيوتِنا، وانطَلَقتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ - وهيَ بنتُ أبي رُهمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عَبدِ مَنافٍ، وأُمُّها بنتُ صَخرِ بنِ عامِرٍ، خالةُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ- وأقبَلتُ أنا وبنتُ أبي رُهمٍ قِبَلَ بَيتي حينَ فرَغنا مِن شَأنِنا، فعَثَرَت أُمُّ مِسطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فقُلتُ لَها: بئسَ ما قُلتِ، تَسُبِّينَ رَجُلًا قد شَهِدَ بَدرًا! قالت: أيْ هَنْتَاه أولَم تَسمَعي ما قال؟ قُلتُ: وماذا قال؟ فأخبَرَتني بقَولِ أهلِ الإفكِ، فازدَدتُ مَرَضًا إلى مَرَضي، فلَمَّا رَجَعتُ إلى بَيتي، فدَخَلَ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قال: كَيفَ تيكُم؟ قُلتُ: أتَأذَنُ لي أن آتيَ أبَويَّ؟ قالت: وأنا حينَئِذٍ أُريدُ أن أتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهما، فأذِنَ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجِئتُ أبَويَّ، فقُلتُ لأُمِّي: يا أُمَّتاه ما يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فقالت: أيْ بُنَيَّةُ، هَوِّني عليكِ، فواللهِ لَقَلَّما كانَتِ امرَأةٌ قَطُّ وضيئةً عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّها، ولَها ضَرائِرُ، إلَّا كَثَّرنَ عليها، قالت قُلتُ: سُبحانَ اللهِ! أوَقد تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ قالت: فبَكَيتُ تلك اللَّيلةَ حَتَّى أصبَحتُ، لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ أصبَحتُ أبكي، ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ، وأُسامةَ بنَ زَيدٍ حينَ استَلبَثَ الوحيُ يَستَشيرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأمَّا أُسامةُ بنُ زَيدٍ فأشارَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وبالذي يَعلَمُ في نَفسِه لَهم مِنَ الوُدِّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، هُم أهلُكَ، ولا نَعلَمُ إلَّا خَيرًا، وأمَّا عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ فقال: لم يُضَيِّقِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليكَ، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وإن تَسألِ الجاريةَ تَصدُقْكَ، قالت: فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ، قال: أي بَريرةُ هَل رَأيتِ مِن شَيءٍ يَريبُكِ مِن عائِشةَ؟ قالت له بَريرةُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ إن رَأيتُ عليها أمرًا قَطُّ أغمِصُه عليها أكثَرَ مِن أنَّها جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عَن عَجينِ أهلِها، فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستَعذَرَ مِن عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ، فقالت: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على المِنبَرِ: يا مَعشَرَ المُسلِمينَ، مَن يَعذِرُني مِن رَجُلٍ قد بَلَغَني أذاه في أهلِ بَيتي، فواللهِ ما عَلِمتُ على أهلي إلَّا خَيرًا، ولَقد ذَكَروا رَجُلًا ما عَلِمتُ عليه إلَّا خَيرًا، وما كان يَدخُلُ على أهلي إلَّا مَعي، فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصاريُّ، فقال: أعذِرُكَ منه يا رَسولَ اللهِ، إن كان مِنَ الأوسِ ضَرَبنا عُنُقَه، وإن كان مِن إخوانِنا مِنَ الخَزرَجِ أمَرتَنا ففَعَلنا أمرَكَ، قالت: فقامَ سَعدُ بنُ عُبادةَ، وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ، وكانَ رَجُلًا صالِحًا، ولَكِنِ اجتَهَلَتْه الحَميَّةُ، فقال لسَعدِ بنِ مُعاذٍ: لَعَمرُ اللهِ لا تَقتُلُه، ولا تَقدِرُ على قَتلِه، فقامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابنُ عَمِّ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، فقال لسَعدِ بنِ عُبادةَ: كَذَبتَ، لَعَمرُ اللهِ لَنَقتُلَنَّه؛ فإنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنِ المُنافِقينَ، فثارَ الحَيَّانِ الأوسُ والخَزرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أن يَقتَتِلوا، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائِمٌ على المِنبَرِ، فلَم يَزَلْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم حَتَّى سَكَتوا وسَكَتَ. قالت: وبَكَيتُ يَومي ذاكَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ بَكَيتُ لَيلَتي المُقبِلةَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، وأبَوايَ يَظُنَّانِ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدي، قالت: فبَينَما هُما جالِسانِ عِندي، وأنا أبكي، استَأذَنَت عليَّ امرَأةٌ مِنَ الأنصارِ، فأذِنتُ لَها فجَلَسَت تَبكي مَعي، فبَينَما نَحنُ على ذلك دَخَلَ علينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قالت: ولَم يَجلِسْ عِندي مُنذُ قيلَ لي ما قيلَ، وقد لَبِثَ شَهرًا لا يوحى إلَيه في شَأني شَيءٌ، قالت: فتَشَهَّدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ جَلَسَ، ثُمَّ قال: أمَّا بَعدُ، يا عائِشةُ فإنَّه بَلَغَني عَنكِ كَذا وكَذا، فإن كُنتِ بَريئةً فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وإن كُنتِ ألمَمتِ بذَنبٍ فاستَغفِري اللهَ، ثُمَّ توبي إلَيه؛ فإنَّ العَبدَ إذا اعتَرَفَ بذَنبٍ ثُمَّ تابَ، تابَ اللهُ عليه، قالت: فلَمَّا قَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَقالتَه قَلَصَ دَمعي حَتَّى ما أُحِسُّ منه قَطرةً، فقُلتُ لأبي: أجِب عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال! فقال: ما أدري واللهِ ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقُلتُ لأُمِّي: أجيبي عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقالت: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! قالت: فقُلتُ وأنا جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ كَثيرًا مِنَ القُرآنِ: إنِّي واللهِ قد عَرَفتُ أنَّكُم قد سَمِعتُم بهذا حَتَّى استَقَرَّ في أنفُسِكُم وصَدَّقتُم به، ولَئِن قُلتُ لَكُم: إنِّي بَريئةٌ -واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- لا تُصَدِّقوني بذلك، ولَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بأمرٍ -واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- تُصَدِّقوني، وإنِّي واللهِ ما أجِدُ لي ولَكُم مَثَلًا إلَّا كما قال أبو يوسُفَ {فصَبرٌ جَميلٌ واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفونَ} [يوسُف: 18] قالت: ثُمَّ تَحَوَّلتُ فاضطَجَعتُ على فِراشي، قالت: وأنا واللهِ حينَئِذٍ أعلَمُ أنِّي بَريئةٌ، وأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ مُبَرِّئي ببَراءَتي، ولَكِن واللهِ ما كُنتُ أظُنُّ أن يَنزِلَ في شَأني وحيٌ يُتلى، ولَشَأني كان أحقَرَ في نَفسي مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولَكِن كُنتُ أرجو أن يَرى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّومِ رُؤيا يُبَرِّئُني اللهُ عَزَّ وجَلَّ بها، قالت: فواللهِ ما رامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَجلِسَه، ولا خَرَجَ مِن أهلِ البَيتِ أحَدٌ حَتَّى أنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ على نَبيِّه، فأخَذَه ما كان يَأخُذُه مِنَ البُرَحاءِ عِندَ الوحيِ، حَتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثلُ الجُمانِ مِنَ العَرَقِ في اليَومِ الشَّاتي مِن ثِقَلِ القَولِ الذي أُنزِلَ عليه، قالت: فلَمَّا سُرِّيَ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يَضحَكُ، فكانَ أوَّلَ كَلِمةٍ تَكَلَّمَ بها أن قال: أبشِري يا عائِشةُ، أمَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ فقد بَرَّأكِ، فقالت لي أُمِّي: قومي إلَيه، فقُلتُ: واللهِ لا أقومُ إلَيه، ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ عَزَّ وجَلَّ، هو الذي أنزَلَ بَراءَتي، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {إنَّ الذينَ جاؤوا بالإفكِ عُصبةٌ مِنكُم} عَشرَ آياتٍ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ هذه الآياتِ بَراءَتي، قالت: فقال أبو بَكرٍ -وكانَ يُنفِقُ على مِسطَحٍ لقَرابَتِه منه وفَقرِه: واللهِ لا أُنفِقُ عليه شَيئًا أبَدًا بَعدَ الذي قال لعائِشةَ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {ولا يَأتَلِ أولو الفَضلِ مِنكُم والسَّعةِ} إلى قَولِه {ألا تُحِبُّونَ أن يَغفِرَ اللهُ لَكُم} [النُّور: 22] فقال أبو بَكرٍ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي، فرَجَعَ إلى مِسطَحٍ النَّفَقةَ التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: لا أنزِعُها منه أبَدًا، قالت عائِشةُ: وكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَألَ زَينَبَ بنتَ جَحشٍ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن أمري: ما عَلِمتِ أو ما رَأيتِ أو ما بَلَغَكِ؟ قالت: يا رَسولَ اللهِ، أحمي سَمعي وبَصَري، وأنا ما عَلِمتُ إلَّا خَيرًا، قالت عائِشةُ: وهيَ التي كانَت تُساميني مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعَصَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ بالورَعِ، وطَفِقَت أُختُها حَمنةُ بنتُ جَحشٍ تُحارِبُ لَها، فهَلَكَت فيمَن هَلَكَ. قال: ابنُ شِهابٍ: فهذا ما انتَهى إلَينا مِن أمرِ هَؤُلاءِ الرَّهطِ
فذَكَرَ الحَديثَ وإسنادَه، وقال مِن جَزعِ ظَفارٍ، وقال يَهبُلنَ، وقال: تَيَمَّمتُ، وقال: في البَريَّةِ، وقال: لَها ضَرائِرُ، وقال: فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، وقال: وكانَ قَبلَ ذلك رَجُلًا صالِحًا، ولَكِنِ احتَمَلَتْه الحَميَّةُ وقال: لم يَزَل رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم حتَّى سَكَتوا، وقال: قَلَصَ دَمعي، وقال: تُحارِبُ [عَن حَديثِ عائِشةَ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حينَ قال لَها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبَرَّأها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكُلُّهم حَدَّثَني بطائِفةٍ مِن حَديثِها، وبَعضُهم كان أوعى لحَديثِها مِن بَعضٍ، وأثبَتَ اقتِصاصًا، وقد وعَيتُ عَن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ الحَديثَ الذي حَدَّثَني، وبَعضُ حَديثِهم يُصَدِّقُ بَعضًا، ذَكَروا أنَّ عائِشةَ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت: «كانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ أن يَخرُجَ سَفَرًا أقرَعَ بينَ نِسائِه، فأيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهمُها، خَرَجَ بها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معهُ» قالت عائِشةُ: فأقرَعَ بينَنا في غَزوةٍ غَزاها فخَرَجَ فيها سَهمي، فخَرَجتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك بَعدَما أُنزِلَ الحِجابُ، فأنا أُحمَلُ في هَودَجي، وأُنزَلُ فيه مَسيرَنا، حتَّى إذا فرَغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غَزوِه، وقَفَلَ ودَنَونا مِنَ المَدينةِ، آذَنَ لَيلةً بالرَّحيلِ، فقُمتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ، فمَشَيتُ حتَّى جاوزتُ الجَيشَ، فلَمَّا قَضَيتُ شَأني، أقبَلتُ إلى الرَّحلِ، فلَمَستُ صَدري، فإذا عِقدٌ مِن جَزعِ أظفارٍ قدِ انقَطَعَ، فرَجَعتُ فالتَمَستُ عِقدي، فاحتَبَسَني ابتِغاؤُه، وأقبَلَ الرَّهطُ الذينَ كانوا يَرحَلونَ بي، فحَمَلوا هَودَجي فرَحَلوه على بَعيري الذي كُنتُ أركَبُ، وهم يَحسَبونَ أنِّي فيه، قالت: وكانَتِ النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافًا لم يُهَبِّلْهنَّ ولَم يَغشَهنَّ اللحمُ، إنَّما يَأكُلنَ العُلقةَ مِنَ الطَّعامِ، فلَم يَستَنكِرِ القَومُ ثِقَلَ الهَودَجِ حينَ رَحَلوه ورَفَعوه، وكُنتُ جاريةً حَديثةَ السِّنِّ فبَعَثوا الجَمَلَ، وساروا، فوجَدتُ عِقدي بَعدَما استَمَرَّ الجَيشُ، فجِئتُ مَنازِلَهم ولَيسَ بها داعٍ ولا مُجيبٌ، فيَمَّمتُ مَنزِلي الذي كُنتُ فيه، وظَنَنتُ أنَّ القَومَ سَيَفقِدوني، فيَرجِعوا إلَيَّ، فبَينا أنا جالِسةٌ في مَنزِلي، غَلَبَتني عَيني فنِمتُ، وكانَ صَفوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَميُّ ثُمَّ الذَّكوانيُّ قد عَرَّسَ وراءَ الجَيشِ، فأدلَجَ فأصبَحَ عِندَ مَنزِلي، فرَأى سَوادَ إنسانٍ نائِمٍ، فأتاني فعَرَفَني حينَ رَآني، وقد كان يراني قَبلَ أن يُضرَبَ عليَّ الحِجابُ، فاستَيقَظتُ باستِرجاعِه حينَ عَرَفَني، فخَمَّرتُ وجهي بجِلبابي، فواللهِ ما كَلَّمَني كَلِمةً، ولا سَمِعتُ مِنهُ كَلِمةً غيرَ استِرجاعِه حتَّى أناخَ راحِلَتَه، فوطِئَ على يَدِها، فرَكِبتُها فانطَلَقَ يَقودُ بي الرَّاحِلةَ، حتَّى أتَينا الجَيشَ بَعدَما نَزَلوا موغِرينَ في نَحرِ الظَّهيرةِ، فهَلَكَ مَن هَلَكَ في شَأني، وكانَ الذي تَولَّى كِبرَه عبدَ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنَ سَلولَ، فقدِمتُ المَدينةَ فاشتَكَيتُ حينَ قدِمنا شَهرًا، والنَّاسُ يُفيضونَ في قَولِ أهلِ الإفكِ، ولَم أشعُرْ بشيءٍ مِن ذلك، وهو يَريبُني في وجَعي أنِّي لا أعرِفُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللُّطفَ الذي كُنتُ أرى مِنهُ حينَ أشتَكي، إنَّما يَدخُلُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يقولُ: كيفَ تيكُم؟ فذاكَ يَريبُني، ولا أشعُرُ بالشَّرِّ، حتَّى خَرَجتُ بَعدَما نَقَهتُ، وخَرَجتُ مَعي أُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وهو مُتَبَرَّزُنا، ولا نَخرُجُ إلَّا لَيلًا إلى لَيلٍ، وذلك قَبلَ أن تُتَّخَذَ الكُنُفُ قَريبًا مِن بُيوتِنا، وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنَزُّهِ، وكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أن نَتَّخِذَها عِندَ بُيوتِنا، وانطَلَقتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ - وهي بنتُ أبي رُهمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وأُمُّها بنتُ صَخرِ بنِ عامِرٍ، خالةُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ- وأقبَلتُ أنا وبنتُ أبي رُهمٍ قِبَلَ بَيتي حينَ فرَغنا مِن شَأنِنا، فعَثَرَت أُمُّ مِسطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فقُلتُ لَها: بئسَ ما قُلتِ، تَسُبِّينَ رَجُلًا قد شَهِدَ بَدرًا! قالت: أيْ هَنْتاه أولَم تَسمَعي ما قال؟ قُلتُ: وماذا قال؟ فأخبَرَتني بقَولِ أهلِ الإفكِ، فازدَدتُ مَرَضًا إلى مَرَضي، فلَمَّا رَجَعتُ إلى بَيتي، فدَخَلَ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قال: كيفَ تيكُم؟ قُلتُ: أتَأذَنُ لي أن آتيَ أبَويَّ؟ قالت: وأنا حينَئذٍ أُريدُ أن أتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهما، فأذِنَ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجِئتُ أبَويَّ، فقُلتُ لأُمِّي: يا أُمَّتاه ما يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فقالت: أي بُنَيَّةُ هَوِّني عليكِ، فواللهِ لَقَلَّما كانَتِ امرَأةٌ قَطُّ وضيئةً عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّها، ولَها ضَرائِرُ إلَّا كَثَّرنَ عليها، قالت قُلتُ: سُبحانَ اللهِ! أوقد تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ قالت: فبَكَيتُ تلك اللَّيلةَ حتَّى أصبَحتُ، لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ أصبَحتُ أبكي، ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ، وأُسامةَ بنَ زَيدٍ حينَ استَلبَثَ الوحيُ يَستَشيرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأمَّا أُسامةُ بنُ زَيدٍ فأشارَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وبالذي يَعلَمُ في نَفسِه لهم مِنَ الوُدِّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ هُم أهلُكَ، ولا نَعلَمُ إلَّا خَيرًا، وأمَّا عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ فقال: لم يُضَيِّقِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليكَ، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وإن تَسألِ الجاريةَ تَصدُقْكَ، قالت: فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ، قال: أي بَريرةُ هل رَأيتِ مِن شيءٍ يَريبُكِ مِن عائِشةَ؟ قالت له بَريرةُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ إن رَأيتُ عليها أمرًا قَطُّ أغمِصُه عليها أكثَرَ مِن أنَّها جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عَن عَجينِ أهلِها، فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستَعذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ، فقالت قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على المِنبَرِ: «يا مَعشَرَ المُسلِمينَ، مَن يَعذِرُني مِن رَجُلٍ قد بَلَغَني أذاه في أهلِ بَيتي، فواللهِ ما عَلِمتُ على أهلي إلَّا خَيرًا، ولَقد ذَكَروا رَجُلًا ما عَلِمتُ عليه إلَّا خَيرًا، وما كان يَدخُلُ على أهلي إلَّا مَعي»، فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصاريُّ فقال: أعذِرُكَ مِنهُ يا رَسولَ اللهِ؟ إن كان مِنَ الأوسِ ضَرَبنا عُنُقَه، وإن كان مِن إخوانِنا مِنَ الخَزرَجِ أمَرتَنا ففَعَلنا أمرَكَ، قالت: فقامَ سَعدُ بنُ عُبادةَ وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ، وكانَ رَجُلًا صالِحًا، ولَكِنِ اجتَهَلَتْه الحَميَّةُ، فقال لسَعدِ بنِ مُعاذٍ: لَعَمرُ اللهِ لا تَقتُلُه، ولا تَقدِرُ على قَتلِه، فقامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابنُ عَمِّ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، فقال لسَعدِ بنِ عُبادةَ: كَذَبتَ! لَعَمرُ اللهِ لَنَقتُلَنَّه؛ فإنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنِ المُنافِقينَ، فثارَ الحَيَّانِ الأوسُ والخَزرَجُ، حتَّى هَمُّوا أن يَقتَتِلوا، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائِمٌ على المِنبَرِ، فلَم يَزَلْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم حتَّى سَكَتوا وسَكَتَ. قالت: وبَكَيتُ يَومي ذاكَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ بَكَيتُ لَيلَتي المُقبِلةَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، وأبَوايَ يَظُنَّانِ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدي، قالت: فبَينا هُما جالِسانِ عِندي، وأنا أبكي استَأذَنَت عليَّ امرَأةٌ مِنَ الأنصارِ، فأذِنتُ لَها فجَلَسَت تَبكي مَعي، فبَينا نَحنُ على ذلك دَخَلَ علينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قالت: ولَم يَجلِسْ عِندي مُنذُ قيلَ لي ما قيلَ، وقد لَبِثَ شَهرًا لا يوحى إلَيه في شَأني شيءٌ، قالت: فتَشَهَّدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ جَلَسَ، ثُمَّ قال: «أمَّا بَعدُ، يا عائِشةُ فإنَّه بَلَغَني عَنكِ كَذا وكَذا، فإن كُنتِ بَريئةً فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وإن كُنتِ ألمَمتِ بذَنبٍ فاستَغفِري اللهَ، ثُمَّ توبي إلَيه؛ فإنَّ العَبدَ إذا اعتَرَفَ بذَنبٍ، ثُمَّ تابَ تابَ اللهُ عليه»، قالت: فلَمَّا قَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَقالتَه قَلَصَ دَمعي حتَّى ما أُحِسُّ مِنهُ قَطرةً، فقُلتُ لأبي: أجِبْ عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال! فقال: ما أدري واللهِ ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقُلتُ لأُمِّي: أجيبي عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقالت: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! قالت: فقُلتُ وأنا جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ كَثيرًا مِنَ القُرآنِ: إنِّي واللهِ قد عَرَفتُ أنَّكُم قد سَمِعتُم بهذا، حتَّى استَقَرَّ في أنفُسِكُم وصَدَّقتُم به، ولَئِن قُلتُ لَكُم إنِّي بَريئةٌ -واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- لا تُصَدِّقوني بذلك، ولَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بأمرٍ -واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- تُصَدِّقوني، وإنِّي واللهِ ما أجِدُ لي ولَكُم مَثَلًا إلَّا كما قال أبو يوسُفَ {فصَبرٌ جَميلٌ واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفونَ} [يوسف: 18] قالت: ثُمَّ تَحَوَّلتُ فاضطَجَعتُ على فِراشي، قالت: وأنا واللهِ حينَئذٍ أعلَمُ أنِّي بَريئةٌ، وأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ مُبَرِّئي ببَرائَتي، ولَكِن واللهِ ما كُنتُ أظُنُّ أن يُنزَلَ في شَأني وحيٌ يُتلى، ولَشَأني كان أحقَرَ في نَفسي مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولَكِن كُنتُ أرجو أن يَرى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّومِ رُؤيا، يُبَرِّئُني اللهُ عَزَّ وجَلَّ بها، قالت: فواللهِ ما رامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَجلِسَه، ولا خَرَجَ مِن أهلِ البَيتِ أحَدٌ حَتَّى أنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ على نَبيِّه، فأخَذَه ما كان يَأخُذُه مِنَ البُرَحاءِ عِندَ الوحيِ، حَتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثلُ الجُمانِ مِنَ العَرَقِ في اليَومِ الشَّاتي مِن ثِقَلِ القَولِ الذي أُنزِلَ عليه، قالت: فلَمَّا سُرِّيَ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يَضحَكُ، فكانَ أوَّلَ كَلِمةٍ تَكَلَّمَ بها أن قال: أبشِري يا عائِشةُ، أمَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ فقد بَرَّأكِ، فقالت لي أُمِّي: قومي إلَيه، فقُلتُ: واللهِ لا أقومُ إلَيه، ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ عَزَّ وجَلَّ، هو الذي أنزَلَ بَراءَتي، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {إنَّ الذينَ جاؤوا بالإفكِ عُصبةٌ مِنكُم} عَشرَ آياتٍ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ هذه الآياتِ بَراءَتي، قالت: فقال أبو بَكرٍ -وكانَ يُنفِقُ على مِسطَحٍ لقَرابَتِه منه وفَقرِه: واللهِ لا أُنفِقُ عليه شَيئًا أبَدًا بَعدَ الذي قال لعائِشةَ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {ولا يَأتَلِ أولو الفَضلِ مِنكُم والسَّعةِ} إلى قَولِه {ألا تُحِبُّونَ أن يَغفِرَ اللهُ لَكُم} [النُّور: 22] فقال أبو بَكرٍ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي، فرَجَعَ إلى مِسطَحٍ النَّفَقةَ التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: لا أنزِعُها منه أبَدًا، قالت عائِشةُ: وكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَألَ زَينَبَ بنتَ جَحشٍ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن أمري: ما عَلِمتِ أو ما رَأيتِ أو ما بَلَغَكِ؟ قالت: يا رَسولَ اللهِ، أحمي سَمعي وبَصَري، وأنا ما عَلِمتُ إلَّا خَيرًا، قالت عائِشةُ: وهيَ التي كانَت تُساميني مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعَصَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ بالورَعِ، وطَفِقَت أُختُها حَمنةُ بنتُ جَحشٍ تُحارِبُ لَها، فهَلَكَت فيمَن هَلَكَ. قال: ابنُ شِهابٍ: فهذا ما انتَهى إلَينا مِن أمرِ هَؤُلاءِ الرَّهطِ]
عن عائشةَ أنَّ فاطِمةَ عليها السَّلامُ بِنتَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أرسَلَت إلى أبي بَكرٍ تَسألُه ميراثَها مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ممَّا أفاءَ اللهُ عليه بالمَدينةِ، وفَدَكٍ، وما بَقيَ مِن خُمُسِ خَيبَرَ، فقال أبو بَكرٍ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا نورَثُ، ما تَرَكنا صَدَقةٌ، إنَّما يَأكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- في هذا المالِ، وإنِّي واللهِ لا أُغَيِّرُ شيئًا مِن صَدَقةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن حالِها التي كان عليها في عَهدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولَأعمَلَنَّ فيها بما عَمِلَ به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. فأبى أبو بَكرٍ أن يَدفَعَ إلى فاطِمةَ مِنها شيئًا، فوجَدَت فاطِمةُ على أبي بَكرٍ في ذلك، فهَجَرَته فلَم تُكَلِّمْه حتَّى توفِّيَت، وعاشَت بَعدَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سِتَّةَ أشهُرٍ، فلَمَّا توفِّيَت دَفَنَها زَوجُها عَليٌّ لَيلًا، ولم يُؤذِنْ بها أبا بَكرٍ وصَلَّى عليها، وكان لعَليٍّ مِنَ النَّاسِ وجهٌ حَياةَ فاطِمةَ، فلَمَّا توفِّيَتِ استَنكَرَ عَليٌّ وُجوهَ النَّاسِ، فالتَمَسَ مُصالَحةَ أبي بَكرٍ ومُبايَعَتَه، ولم يَكُنْ يُبايِعُ تلك الأشهرَ، فأرسَلَ إلى أبي بَكرٍ: أنِ ائتِنا، ولا يَأتِنا أحَدٌ معك؛ كَراهيةً لمَحضَرِ عُمَرَ، فقال عُمَرُ: لا واللهِ لا تَدخُلُ عليهم وحدَك، فقال أبو بَكرٍ: وما عَسَيتَهم أن يَفعَلوا بي؟! واللهِ لآتيَنَّهم، فدَخَلَ عليهم أبو بَكرٍ، فتَشَهَّدَ عَليٌّ، فقال: إنَّا قد عَرَفنا فضلَك وما أعطاك اللهُ، ولم نَنفَسْ عليك خَيرًا ساقَه اللهُ إليك، ولَكِنَّك استَبدَدتَ علينا بالأمرِ، وكُنَّا نَرى لقَرابَتِنا مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَصيبًا. حتَّى فاضَت عَينا أبي بَكرٍ، فلَمَّا تَكَلَّمَ أبو بَكرٍ قال: والذي نَفسي بيَدِه لَقَرابةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحَبُّ إليَّ أن أصِلَ مِن قَرابَتي، وأمَّا الذي شَجَرَ بَيني وبينَكُم مِن هذه الأموالِ فلَم آلُ فيها عَنِ الخَيرِ، ولم أترُكْ أمرًا رَأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَصنَعُه فيها إلَّا صَنَعتُه، فقال عَليٌّ لأبي بَكرٍ: مَوعِدُك العَشيَّةَ للبَيعةِ، فلَمَّا صَلَّى أبو بَكرٍ الظُّهرَ رَقيَ على المِنبَرِ فتَشَهَّدَ، وذَكَرَ شَأنَ عَليٍّ وتَخَلُّفَه عَنِ البَيعةِ، وعَذَرَه بالذي اعتَذَرَ إليه، ثُمَّ استَغفَرَ وتَشَهَّدَ عَليٌّ، فعَظَّمَ حَقَّ أبي بَكرٍ، وحَدَّثَ أنَّه لم يَحمِلْه على الذي صَنَعَ نَفاسةً على أبي بَكرٍ ولا إنكارًا للذي فضَّلَه اللهُ به، ولَكِنَّا نَرى لنا في هذا الأمرِ نَصيبًا، فاستَبَدَّ علينا، فوجَدْنا في أنفُسِنا. فسُرَّ بذلك المُسلِمونَ، وقالوا: أصَبتَ، وكان المُسلِمونَ إلى عَليٍّ قَريبًا حينَ راجَعَ الأمرَ المَعروفَ
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
أنا أخوك وأنت أخي في الإسلامأم حبيبة بنت أبي سفيانفليتبوأ مقعده من النارأم سلمة بنت أبي أميةمن قال علي ما لم أقلصفية بنت عبد المطلبعائشة بنت أبي بكرالخبيثات للخبيثينأسماء بنت أبي بكرالقرعة بين النساءأنا أخوه وهو أخيخديجة بنت خويلدعبد الله بن أبيالطيبون للطيباتصفوان بن المعطلزينب بنت خزيمةصدقة رسول اللهما تركناه صدقةسودة بنت زمعةمارية القبطيةخولة بنت حكيمسراقة بن مالكما تركنا صدقةمسطح بن أثاثةحفصة بنت عمرأخوة الإسلامبنت سبع سنينآمنة بنت وهبهالة بنت وهبذات النطاقينحسان بن ثابتزينب بنت جحشحمنة بنت جحشالآيات العشرمطعم بن عديبنت ست سنينبراءة عائشةبنت أبي بكرجلد ثمانينبهتان عظيمزواج النبيابن الزبيرمن كذب عليسورة النورابن الدغنةبرك الغمادحديث الإفكرسول اللهغفور رحيممسجد قباءآية الإفكالمنافقونلا تؤذينيثوب امرأةالاستعذارالغزو...النبي...ابن عباسأبو طالبلا تأتليصبر جميلخمس خيبرنكاح...متونهماالصحابةأبو بكرالإسلامست سنينغار ثورالمدينةالأزلامالحرتانلا نورثآل محمدأم سلمةاستبراءأم مسطحتنقزانمشاركةالنساءبحجفتهالحديثالزبيرالخطبةأرجوحةالعباسالبيعةالحجابالحميةالداجنعائشةوسودةخديجةالقربأسماءفاطمةملكهاالإفكبراءةالقذف
تخريج حديث عائشة بنت أبي بكر
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








