أحاديث عن: علم الكتاب والسنة ثم انتهى

📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة

✔ صحيح ◑ حسن ✘ ضعيف ⊘ موضوع ◔ غير محدد

21 نتيجة — لكلمة: علم الكتاب والسنة ثم انتهى

عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ لَهُ: أخْبِرْنا عنْ أصْحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: عنْ أيِّهم؟ قالَ: أخْبِرْنا عنْ عَبدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ، قالَ: علِمَ الكِتابَ والسُّنَّةَ، ثمَّ انْتَهى وكَفى به، وذكَرَ باقيَ الحَديثِ
الراويأبو البختري
المحدثالحاكم
الصفحة أو الرقم5487
خلاصة حكم المحدثصحيح على شرط الشيخين
سألْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما عن قولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لموسى صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40]، فسألْتُه عن الفُتونِ؟ فقال: استأنِفِ النَّهارَ يا ابنَ جُبيرٍ؛ فإنَّ لها حديثًا طويلًا. قال: فغدوْتُ على ابنِ عبَّاسٍ لأنتجِزَ ما وَعَدني مِن حديثِ الفُتونِ، فقال: تذاكَرَ فِرعونُ وجُلساؤُه ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أنْ يجعَلَ في ذُرِّيتَه أنبياءَ ومُلوكًا؛ فقال بعضُهم: إنَّ بني إسرائيلَ لينتظِرونَ ذلك ما يشُكُّون فيه، وقد كانوا يظنُّونَ أنَّه يُوسفُ بنُ يعقوبَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فلمَّا هلَكَ قالوا: ليس هكذا كان، إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال فِرعونُ: فكيف تَرَونَ؟ فائْتَمَروا، واجتمَعوا أمْرَهم على أنْ يبعَثَ رِجالًا بالشِّفارِ، يَطُوفون في بني إسرائيلَ، فلا يَجِدون مولودًا ذكَرًا إلَّا ذَبَحوه، ففَعَلوا ذلك، فلمَّا أنْ رَأَوا أنَّ الكبارَ في بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالِهم، والصِّغارَ يُذْبَحونَ، قالوا: أتوشِكونَ أنْ تُفْنوا بني إسرائيلَ، فتَصيروا إلى أنْ تُباشِروا مِن الأعمالِ والخدمةِ الَّتي كانوا يَكْفُونكم؟ فاقْتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيقِلَّ نَباتُهم، ودَعُوا عامًا، فلا تَقْتلوا منهم أحدًا، فيشِبَّ الصِّغارُ مكانَ مَن يموتُ مِن الكبارِ، فإنَّهم لنْ يَكْثروا بمَن تَسْتحيون، فتخافوا مُكاثرتَهم إياكم، ولنْ يَفْنَوا بمَن تقتُلونَ، فتحتاجونَ إليهم، فأجْمَعوا أمْرَهم على ذلك، فحمَلَت أُمُّ موسى بهارونَ عليهما السَّلامُ العامَ الَّذي لا يُذْبَحُ فيه الغِلمانُ، فولدَتْه عَلانيةً، فلمَّا كان مِن قابلٍ حمَلَتْ بمُوسى عليه السَّلامُ، فوقَعَ في قلْبِها مِن الهَمِّ والحزنِ. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، ما دخَلَ عليه في دهو بَطْنِ أُمِّه ممَّا يُرادُ به، فأوحَى اللهُ تعالى إليها: {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7]، وأمَرَها أنْ إذا ولَدَتْ أنْ تجعَلَه في تابوتٍ، ثمَّ تُلْقِيه في اليمِّ، فلمَّا ولَدَت فعَلَت ذلك به، فألْقَته في اليمِّ، فلمَّا توارى عنها ابنُها أتاها الشَّيطانُ، فقالت في نفْسِها: ما فعَلْتُ بابني؟! لو ذُبِحَ لبِثَ عندي فرأيْتُه وكفَّنْتُه، كان أحَبَّ إليَّ مِن أنْ أُلْقِيَه بيدي إلى دوابِّ البحرِ وحِيتانِه، وانتهى الماءُ به حتَّى أرفَأَ به عند فُرْضَةُ مُسْتَقى جواري امرأةِ فِرعونَ، فلمَّا رأيْنَه أخذْنَه، فهمَمْنَ أنْ يفتحْنَ التَّابوتَ، فقالت بعضُهنَّ: إنَّ في هذا مالًا، وإنَّا إنْ فتحْناه لم تُصدِّقْنا امرأةُ الملِكِ بما وجَدْنا فيه، فحمَلْنَه بهيئةٍ لم يُحرِّكْنَ منه شيئًا، دفعْنَه إليها، فلمَّا فتحَتْه رأتْ فيه غُلامًا، فأُلْقِيَ عليه منها محبَّةٌ لم تُلْقَ مثْلُها على البشَرِ قطُّ، وأصبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فارغًا مِن ذِكْرِ كلِّ شَيءٍ إلَّا مِن ذِكْرِ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا سمِعَ الذَّابِحونَ بأمْرِه أقبلوا بشِفارِهم إلى امرأةِ فرعونَ ليذبَحُوه -وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت للذَّبَّاحينَ: أقِرُّوه؛ فإنَّ هذا الواحدَ لا يَزيدُ في بني إسرائيلَ حتَّى آتِيَ فِرعونَ فأسْتَوْهِبَه منه، فإنْ وهَبَه لي كنْتُم قد أحسنْتُم وأجمَلْتُم، وإنْ أمَرَ بذبْحِه لم أَلُمْكم، فأتَتْ به فرعونَ، فقالت: قُرَّةُ عينٍ لي ولك، قال فِرعونُ: يكونُ لك، فأمَّا لي فلا حاجةَ لي في ذلك. قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: والَّذي أحلِفُ به، لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه، ولكنَّ اللهَ حرَمَه ذلك. فأرسَلَتْ إلى مَن حولَها، مِن كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ، تختارُ لها ظِئرًا، فجعَلَ كلَّما أخذَتْه امرأةٌ منهنَّ، فترُضِعُه، لم يَقْبَلْ ثَدْيَها، حتَّى أشفَقَت عليه امرأةُ فِرعونَ أنْ يَمتنِعَ مِن اللَّبنِ فيموتَ، فأحْزَنَها ذلك، فأمرَتْ به، فأُخْرِجَ إلى السُّوقِ وتجمَّعَ النَّاسُ، تَرْجو أنْ تجِدَ له ظِئرًا يأخُذُ منها، فلم يَقْبَلْ، وأصبَحَتْ أُمُّ موسى والهةً، فقالت لأُخْتِه: قُصِّيه -يعني: أثَرَهُ- واطْلُبِيه، هل تسمعينَ له ذِكْرًا؟ أحيٌّ ابْني أمْ قد أكلَتْه الدَّوابُّ؟ ونسِيَت ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها فيه، فبَصُرتْ به أختُه عن جُنُبٍ وهم لا يَشعُرونَ، والجُنُبُ: أنْ يبصِرَ الإنسانُ إلى الشَّيءِ البعيدِ وهو إلى جَنْبِه لا يشعُرُ به، فقالت مِن الفرحِ حين أعياهم الظُّؤارتُ: أنا {أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12]، فأخَذُوها فقالوا: ما يُدريك ما نُصْحُهم له؟ هل يعرِفونَه؟ حتَّى شكُّوا في ذلك -فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت: نصيحَتُهم له وشفقَتُهم عليه رغبةً في صِهر الـمَلِك، ورجاءَ مَنفعتِه، فأرْسَلوها، فانطلَقَتْ إلى أُمِّها فأخبرتْها الخبرَ، فجاءتْ أُمُّه، فلمَّا وضعَتْه في حِجْرِها، نزَا إلى ثَدْيِها، فمَصَّه حتَّى امتلَأَ جَنباهُ رِيًّا، وانطلَقَ البشيرُ إلى امرأةِ فرعونَ: أنْ قد وجَدْنا لابْنِك، فأرسَلَتْ إليها، فأُوتِيتْ بها وبه، فلمَّا رأت ما يصنَعُ، قالت لها: امْكُثي عندي؛ تُرْضِعي ابني هذا، فإنِّي لم أحجِبْه شيئًا قطُّ، فقالت أُمُّ مُوسى: لا أستطيعُ أنْ أدَعَ بيتي وولدي، فيَضيعَ، فإنْ طابتْ نفْسُك أنْ تُعْطِيَنه، فأذهَبَ به إلى مَنْزلي، فيكونَ معي لا آلوهُ خيرًا، فعلْتُ، وإلَّا فإنِّي غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي، وذكَرَت أُمُّ مُوسى عليه السَّلامُ ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فتعاسَرَت على امرأةِ فرعونَ، وأيقنَتْ بأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يُنْجِزُ موعودَه، فرجَعَتْ إلى بيتِها بابنِها مِن يومِها، فأنبَتَه اللهُ نباتًا حسنًا، وحفِظَه لِمَا قد قَضى فيه، فلم يزَلْ بنو إسرائيلَ وهم في ناحيةِ القريةِ مُمْتنعينَ يَمْتنعونَ به مِن السُّخرةِ ما كان فيهم. فلمَّا تَرعرَعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأُمِّ مُوسى: أريدُ أنْ تُرِيني ابني، فوعَدَتْها يومًا تُرِيها فيه إيَّاه، فقالتِ امرأةُ فِرعونَ لخُزَّانِها، وظُؤورتِها، وقَهارِمَتِها: لا يَبْقينَّ أحدٌ منكم إلَّا استقبَلَ ابني اليومَ بهَديَّةٍ وكَرامةٍ؛ لِأَرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أمينًا يُحْصِي ما يصنَعُ كلُّ إنسانٍ منكم، فلم تَزَلِ الهدايا والكرامةُ والنِّحلةُ، تَستقبِلُه مِن حينِ خرَجَ مِن بيتِ أُمِّه إلى أنْ دخَلَ على امرأةِ فرعونَ، فلمَّا دخَلَ عليها بجَّلَتْه، وأكرمَتْه، وفرِحَت به، وأعجَبَها، ونحَلَت أُمَّه؛ لحُسْنِ أثَرِه، ثمَّ قالت: لآتيَنَّ به فِرعونَ، فليَنْحَلَنَّه، وليُكْرِمَنَّه، فلمَّا دخَلَتْ به عليه، جعَلَه في حِجْرِه، فتناوَلَ مُوسى لِحيةَ فرعونَ، فمَدَّها إلى الأرضِ، فقال الغواةُ مِن أعداءِ اللهِ لفرعونَ: ألَا ترى إلى ما وعَدَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إبراهيمَ نَبِيَّه عليه السَّلامُ أنَّه يرِثُك، ويَعْلوك، ويصرَعُك، فأرسَلَ إلى الذَّبَّاحينَ، وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، بعدَ كلِّ بلاءٍ ابتُلِيَ به، أو أُرِيدَ به فُتونًا. فجاءت امرأةُ فِرعونَ تَسْعى إلى فرعونَ، فقالت: ما بدا لك في هذا الغلامِ الَّذي وهَبْتَه لي؟ قال: ألَا تَرَيْنَه يزعُمُ أنَّه يصرَعُني ويَعْلوني؟ قالت: اجْعَلْ بيني وبينك أمرًا تعرِفُ فيه الحقَّ؛ ائْتِ بجَمْرتينِ ولُؤلؤتَينِ، فقَرِّبْهما إليه، فإنْ بطَش باللُّؤلؤتَينِ واجتنَبَ الجَمْرتينِ، عرَفْتَ أنَّه يعقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرتَينِ ولم يُرِدِ اللُّؤلؤتَينِ، علِمْتَ أنَّ أحدًا لا يُؤثِرُ الجَمرتينِ على اللُّؤلؤتينَ وهو يعقِلُ، فقُرِّبَ ذلك إليه، فتناوَلَ الجَمرتَينِ، فانْتَزَعوهما مِن يَدِه، وخافت أنْ يحرِقَا يدَيْه، فقالت المرأةُ: ألَا ترى؟! فصرَفَه اللهُ عنه بعدما كان قد هَمَّ به، وكان الله عَزَّ وجَلَّ بالغًا فيه أمْرَه. فلمَّا بلَغَ أشُدَّه وصار مِن الرِّجالِ، لم يكُنْ أحدٌ مِن آلِ فِرعونَ يخلُصُ إلى أحدٍ مِن بني إسرائيلَ معه بظُلمٍ، ولا يخرُجُ حتَّى امْتَنعوا كلَّ الامتناعِ. فبينما مُوسى عليه السَّلامُ يَمْشي في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجُلينِ يَقْتتلانِ؛ أحدُهما فرعونيٌّ، والآخرُ إسرائيليٌّ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فغضِبَ مُوسى عليه السَّلامُ غضبًا شديدًا؛ لأنَّه تناوَلَ وهو يعلَمُ منزلةَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن بَني إسرائيلَ، وحِفْظَه لهم، لا يعلَمُ النَّاسُ إلَّا إنَّما ذلك مِن الرَّضاعِ إلَّا أُمُّ مُوسى، إلَّا أنْ يكونَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أَطْلَعَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليه غيرَه. فوكَزَ مُوسى عليه السَّلامُ الفرعونيَّ، فقتَلَه، وليس يراهما أحدٌ إلَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فقال مُوسى عليه السَّلامُ حين قتَلَ الرَّجلَ: هذا مِن عمَلِ الشَّيطانِ؛ إنَّه عدُوٌّ مُضِلٌّ مُبينٌ، ثمَّ قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ}، إلى قولِه: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16]. {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18] الأخبارَ، فأُتِيَ فِرعونُ فقيلَ: إنَّ بني إسرائيلَ قد قتَلَتْ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحَقِّنا، ولا تُرخِّصْ لهم، فقال: ابْغُوني قاتِلَه ومَن شهِدَ عليه؛ فإنَّ الملِكَ وإنْ كان صَفْوُه مع قومِه، لا يستقيمُ له أنْ يُقِيدَ بغيرِ بيِّنةٍ، ولا ثَبَتٍ، فانْظُروا في عِلْمِ ذلك آخُذْ لكم بحَقِّكم، فبينا هم يَطوفونَ لا يَجِدونَ شيئًا، إذا موسى عليه السَّلامُ قد رأى في الغدِ ذلك الإسرائيليَّ يقتُلُ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ آخرَ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادَفَ مُوسى عليه السَّلامُ قد ندِمَ على ما كان منه، فكَرِهَ الَّذي رأى، فغضِبَ الإسرائيليُّ وهو يُريدُ أنْ يبطِشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ -لِمَا فعَلَ أمسِ واليومَ-: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص: 18]. فنظَرَ الإسرائيليُّ إلى مُوسى عليه السَّلامُ بعدما قال له ما قال، فإذا هو غضبانُ كغضَبِه بالأمسِ الَّذي قتَلَ به الفرعونيَّ، فخاف أنْ يكونَ بعدما قال له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} إيَّاه أراد، ولم يكُنْ أراده، إنَّما أراد الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، فحاجَزَ الفرعونيَّ، فقال: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]؟ وإنَّما قال ذلك؛ مخافةَ أنْ يكون إيَّاهُ أراد مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يقتُلَه، فتنازَعَا. فانطلَقَ الفرعونيُّ إلى قومِه، فأخبَرَهم بما سمِعَ مِن الإسرائيليِّ مِن الخبرِ حين يقولُ: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]، فأرسَلَ فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتُلوا موسى عليه السَّلامُ، فأخَذَ رُسلُ فرعونَ الطَّريقَ الأعظمَ يَمْشون على هَيئتِهم يطلُبونَ مُوسى عليه السَّلامُ، وهم لا يخافونَ أنْ يفوتَهم، فجاء رجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى عليه السَّلامُ مِن أَقْصى المدينةِ، فاختصَرَ طريقًا قريبًا حتَّى سبَقَهم إلى موسى عليه السَّلامُ فأخْبَرَه. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ. فخرَجَ مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ مدينَ لم يلْقَ بلاءً قبلَ ذلك، وليس له علمٌ بالطَّريقِ إلَّا حُسْنَ الظَّنِّ بربِّه عَزَّ وجَلَّ، فإنَّه قال: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص: 22]. {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} إلى {تَذُودَانِ} [القصص: 23]، يعني بذلك: حابستَينِ غنَمَهما، فقال لهما: ما خطْبُكما مُعتزلتَينِ لا تَسْقيانِ مع النَّاسِ؟ قالتا: ليس لنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القومَ، وإنَّما ننتظِرُ فُضولَ حياضِهم، فسقى لهما، فجعَلَ يغرِفُ بالدَّلْوِ ماءً كثيرًا، حتَّى كانتا أوَّلَ الرِّعاءِ فراغًا، فانصرَفَتا بغنَمِهما إلى أبيهما، وانصرَفَ موسى عليه السَّلامُ، فاستظَلَّ بشجرةٍ، وقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، فاستنكَرَ أبوهما سُرعةَ صُدورِهما بغنَمِهما حُفَّلًا بطانًا، فقال: إنَّ لكما اليومَ لشأنًا، فأخبَرَتَاه بما صنَعَ موسى عليه السَّلامُ، فأمَرَ إحداهما أنْ تَدْعُوَه له، فأتَتْ موسى عليه السَّلامُ فدَعَتْه، فلمَّا كلَّمَه قال: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25]، ليس لفِرعونَ ولا لقومِه علينا سُلطانٌ، ولسْنا في مَمْلكتِه. قال: فقالت إحداهما: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، فاحتمَلَتْه الغَيرةُ على أنْ قال: وما يُدريكِ ما قُوَّتُه؟ وما أمانَتُه؟ قالت: أمَّا قُوَّتُه: فما رأيْتُ في الدَّلوِ حين سَقى لنا، لم أرَ رجُلًا قطُّ في ذلك المَسْقى أقوى منه، وأمَّا أمانَتُه: فإنَّه نظَرَ إليَّ حين أقبلْتُ إليه وشَخَصْتُ له، فلمَّا علِمَ إنِّي امرأةٌ، صوَّبَ رأْسَه لم يرفَعْه، ولم ينظُرْ إليَّ حتَّى بلَّغْتُه رِسالتَك، ثمَّ قال لي: امشِي خلفي، وانْعَتي لي الطَّريقَ، لم يفعَلْ هذا إلَّا وهو أمينٌ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقَها، وظَنَّ به الَّذي قالت له. فقال له: هل لك {أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}، إلى قوله: {مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص: 27]، ففعَلَ، فكانت على نَبِيِّ اللهِ موسى عليه السَّلامُ ثمانيَ سنينَ واجبةً، وكانت سنتانِ عِدَةً منه، فقَضَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عنه عِدَتَه فأتمَّها عشْرًا. قال سَعيدٌ: فلَقِيَني رجُلٌ مِن أهلِ النَّصرانيَّةِ مِن عُلمائِهم، فقال: هلْ تَدْري أيَّ الأجلينِ قضى مُوسى عليه السَّلامُ؟ قلْتُ: لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقِيتُ ابنَ عبَّاسٍ، فذكَرْتُ ذلك له، فقال: أمَا علِمْتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ عليه السَّلامُ واجبةً، لم يكُنْ نبيُّ اللهِ ليَنْقُصَ منها شيئًا، وتعلَمُ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ كان قاضيًا عن مُوسى عليه السَّلامُ عِدَتَه الَّتي وعَدَ، فإنَّه قضى عشْرَ سنينَ. فلقِيتُ النَّصرانيَّ، فأخبَرْتُه بذلك، فقال: الَّذي سألْتَه فأخبَرَك أعلَمُ منك بذلك؟ قلْتُ: أجلْ، وأَولى. فلمَّا سار مُوسى عليه السَّلامُ بأهلِه كان مِن أمْرِ النَّارِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القُرآنِ، وأمْرِ العصا ويَدِه، فشكا إلى ربِّه عَزَّ وجَلَّ ما يتخوَّفُ مِن آلِ فرعونَ في القتيلِ، وعُقدةَ لسانِه، فآتاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ سُؤْلَه، وحَلَّ عُقدةً مِن لسانِه، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى هارونَ عليه السَّلامُ، وأمَرَه أنْ يلقاهُ، واندفَعَ مُوسى عليه السَّلامُ بعصاهُ، حتَّى لقِيَ هارونَ عليه السَّلامُ، وانطلَقَا جميعًا إلى فرعونَ، فأقاما حِينًا على بابِه لا يُؤْذَنُ لهما، فقالا: إنَّا رسولَا ربِّك، قال: فمَن ربُّكما يا موسى؟ فأخبراهُ بالَّذي قَصَّ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليك في القُرآنِ، قال: فما تُريدانِ؟ وذكَّرَه القتيلَ، واعتذَرَ بما قد سمِعْتَ، وقال: أريدُ أنْ تُؤمِنَ باللهِ، وأنْ تُرْسِلَ معي بني إسرائيلَ، فأبى عليه، وقال: ائتِ بآيةٍ إنْ كنْتَ مِن الصَّادقينَ، فألقى عصاه فإذا هي حيَّةٌ عظيمةٌ، فازعةٌ، فاغرةٌ فاها، مُسرعةٌ إلى فرعونَ، فلمَّا رآها فِرعونُ قاصدةً إليه خافها، فاقتحَمَ عن سَريرِه، واستغاثَ بمُوسى عليه السَّلامُ أنْ يكُفَّها عنه، ففعَلَ، ثمَّ أخرَجَ يَدَه مِن جَيْبِه، فرآها بيضاءَ مِن غيرِ سُوءٍ، يعني: مِن غيرِ برَصٍ، فرَدَّها، فعادت إلى لونِها الأوَّلِ. فاستشارَ الملَأَ حولَه فيما رأى، فقالوا له: {هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} [طه: 63] الآيةَ، والمُثْلى: مُلْكُهم الَّذي هم فيه والعيشُ. فأَبَوا على مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يُعْطُوه شيئًا ممَّا طلَبَ، وقالوا له: اجمَعْ لهما السَّحرةَ؛ فإنَّهم بأرضِك كثيرٌ، حتَّى نغلِبَ سِحْرَهما، وأرسَلَ في المدائنِ، فحُشِرَ له كلُّ ساحرٍ مُتعالمٍ، فلمَّا أَتَوا على فرعونَ، قالوا: ما يعمَلُ هذا السَّاحرُ؟ قالوا: يعمَلُ الحيَّاتِ، قالوا: فلا واللهِ ما أحدٌ في الأرضِ يعمَلُ السِّحرَ والحيَّاتِ والحبالَ والعِصِيَّ الَّذي نعمَلُ، فما أجْرُنا إنْ نحن غلَبْنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصَّتي، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شَيءٍ أحببتم، فتَواعَدوا يومَ الزِّينةِ وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى. قال سعيدٌ: فحدَّثني ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ يومَ الزِّينةِ اليومُ الَّذي أظهَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيه مُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ والسَّحرةِ هو يومُ عاشوراءَ. فلمَّا اجتمعوا في صَعيدٍ، قال النَّاسُ بعضُهم لبعضٍ: انطَلِقوا، فنتخبَّرْ هذا الأمْرَ، {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 40]، يعنون مُوسى وهارونَ عليهما السَّلامُ؛ استهزاءً بهما، فقالوا: يا موسى -لِقُدْرتِهم في أنفُسِهم بسِحْرِهم- إمَّا أنْ تُلْقِيَ، وإمَّا أنْ نكونَ نحن المُلْقينَ، قال: بل ألْقُوا. {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء: 44]، فرأى مُوسى عليه السَّلامُ مِن سِحْرِهم ما أوجَسَ في نفْسِه خِيفةً، فأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إليه: أنْ ألْقِ عصاك، فلمَّا ألقاها، صارت ثُعبانًا عظيمًا فاغرةً فاها، فجُعِلَتِ العِصِيُّ بدَعوةِ مُوسي عليه السَّلامُ تلتبِسُ بالحبالِ، حتَّى صارتْ جُرُزًا إلى الثُّعبانِ تَدخُل فيه، حتَّى ما أبقَتْ عصًا ولا حبلًا إلَّا ابتلعَتْه. فلمَّا عرَفَ السَّحرةُ ذلك، قالوا: لو كان هذا سِحرٌ لم يَبلُغْ مِن سِحرِنا كلَّ هذا، ولكنَّه أمْرٌ مِن اللهِ، آمنَّا باللهِ ربِّنا وما جاء به مُوسى عليه السَّلامُ، ونتوبُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ ممَّا كنَّا عليه. وكسَرَ اللهُ ظهْرَ فِرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِه، وأظهَرَ الحقَّ، وبطَلَ ما كانوا يعمَلونَ، فغُلِبوا هنالك وانقَلَبوا صاغِرينَ. وامرأةُ فِرعونَ بارزةٌ مُتبذِّلَةٌ تَدْعو بالنَّصرِ لمُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ، فمَن رآها مِن آلِ فرعونَ ظَنَّ أنَّها إنَّما تبذَّلَتْ للشفقةِ على فِرعونَ وأشياعِه، وإنَّما كان حُزْنُها وهمُّها لمُوسى عليه السَّلامُ. فلمَّا طال مُكْثُ مُوسى عليه السَّلامُ لمواعيدِ فِرعونَ الكاذبةِ، كلَّما جاءه بآيةٍ وعَدَه عندها أنْ يُرْسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا مضَتْ أخلَفَ موعِدَه، وقال: هل يستطيعُ ربُّك أنْ يصنَعَ غيرَ هذا؟ فأرسَلَ اللهُ عليه وعلى قومِه الطُّوفانَ، والجرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادعَ، آياتٍ مُفصَّلاتٍ، كلُّ ذلك يَشْكو إلى موسى عليه السَّلامُ، ويطلُبُ إليه أنْ يكُفَّها عنه، ويُواثِقُه على أنْ يُرسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا كَفَّ ذلك عنه، أخلَفَ موعِدَه ونكَثَ عهدَه. فأُمِرَ موسى عليه السَّلامُ بالخُروجِ بقومِه، فخرَجَ بهم ليلًا، فلمَّا أصبَحَ فرعونُ ورأى أنَّهم قد مَضَوا، أرسَلَ في المدائنِ حاشرينَ، فتبِعَهم بجُنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى البحرِ: أنْ إذا ضرَبَك مُوسى بعصاهُ، فانفرِقْ له اثنتَيْ عشْرةَ فِرقةً، حتَّى يجوزَ موسى عليه السَّلامُ ومَن معه، ثمَّ الْتَئَمَ على مَن بقِيَ بعدُ مِن فرعونَ وأشياعِه، فنسِيَ مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يضرِبَ البحرَ بالعصا، فانْتَهى إلى البحرِ وله قصيفٌ؛ مخافةَ أنْ يَضرِبَه موسى عليه السَّلامُ، وهو غافِلٌ، فيصيرَ عاصيًا اللهَ عَزَّ وجَلَّ. فلمَّا تراءى الجَمْعانِ وتقارَبَا، قال أصحابُ موسى: إنَّا لمُدْرَكونَ، افعَلْ ما أمرَكَ به ربُّك عَزَّ وجَلَّ؛ فإنَّك لم تكذِبْ ولم تُكْذَبْ، فقال: وعَدَني ربِّي عَزَّ وجَلَّ إذا أتيْتُ البحرَ، انفرَقَ لي اثنتيْ عشْرةَ فِرقةً حتَّى أُجاوزَه، ثمَّ ذكَرَ بعدَ ذلك العصا، فضرَبَ البحرَ بعصاه حين دنا أوائلُ جُندِ فرعونَ مِن أواخرِ جُندِ مُوسى عليه السَّلامُ، فانفرَقَ البحرُ كما أمَرَه اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكما وُعِدَ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا أنْ جاوَزَ موسى عليه السَّلامُ وأصحابُه البحرَ، ودخَلَ فِرعونُ وأصحابُه، الْتَقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ. فلمَّا جاوَزَ مُوسى عليه السَّلامُ البحرَ، قال أصحابُه: إنَّا نخافُ ألَّا يكونَ فِرعونُ قد غرِقَ، فلا نُؤمِنُ بهلاكِه، فدعا ربَّه عَزَّ وجَلَّ، فأخرَجَه له ببدنه حتَّى استيْقَنوا بهلاكِه. ثمَّ مَرُّوا بعدَ ذلك {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، إلى {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139]، قد رأيتُمْ مِن العِبَرِ، وسمِعْتُم ما يَكْفيكم، ومَضَى. فأنزَلَهم مُوسى عليه السَّلامُ منزلًا، ثمَّ قال لهم: أطيعوا هارونَ عليه السَّلامُ؛ فإنِّي قد استخلفْتُه عليكم، وإنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي عَزَّ وجَلَّ، وأجَّلَهم ثلاثينَ يومًا أنْ يَرجِعَ إليهم فيها، فلمَّا أتى ربَّه وأراد أنْ يُكلِّمَه ثلاثينَ يومًا، وقد صامهنَّ: ليلَهنَّ ونهارَهنَّ، وكرِهَ أنْ يُكلِّمَ ربَّه عَزَّ وجَلَّ ورِيحُ فَمِه رِيحُ فَمِ الصَّائمِ، فتناوَلَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن نباتِ الأرضِ شيئًا فمضَغَه، فقال له ربُّه عَزَّ وجَلَّ حين لقاه: لِمَ أفطرْتَ؟ -وهو أعلَمُ بالَّذي كان- قال: يا ربِّ، إنِّي كرِهْتُ أنْ أُكلِّمَك إلَّا وفَمِي طيِّبُ الرِّيحِ، قال: أوما علِمْتَ يا مُوسى أنْ رِيحَ فَمِ الصَّائمِ أطيبُ عندي مِن رِيحِ المِسْكِ؟ ارجِعْ حتَّى تصومَ عشْرًا ثمَّ ائْتِني، ففعَلَ مُوسى عليه السَّلامُ ما أُمِرَ به. فلمَّا رأى قومُ مُوسى عليه السَّلامُ أنَّه لم يرجِعْ إليهم للأجَلِ ساءَهم ذلك، وكان هارونُ عليه السَّلامُ قد خطَبَهم، فقال لهم: خرجْتُم مِن مِصْرَ ولقومِ فرعونَ عندي عواري وودائعُ، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وأنا أرى أنْ تحتَسِبوا ما لكم عندهم، ولا أحلَّ لكم وديعةً اسْتُودِعْتُمُوها، ولا عاريَّةً، ولسنا برادِّين إليهم شيئًا مِن ذلك، ولا مُمْسِكيه لأنفُسِنا، فحفَرَ حفيرًا، وأمَرَ كلَّ قومٍ عليهم شَيءٌ مِن ذلك؛ مِن متاعٍ أو حِليةٍ أنْ يَقْذِفوه في ذلك الحفيرِ، ثمَّ أوقَدَ عليه النَّارَ، فأحرَقَه، فقال: لا يكونُ لنا، ولا لهم. وكان السَّامريُّ رجلًا مِن قومٍ يَعْبُدون البقرَ جيرانٍ لهم، ولم يكُنْ مِن بني إسرائيلَ، فاحتملَ مع مُوسى عليه السَّلامُ وبني إسرائيلَ حين احْتملوا، فقُضِيَ له أنْ رأى أثرًا، فأخَذَ منه بقبْضَتِه، فمَرَّ بهارونَ، فقال له هارونُ عليه السَّلامُ: يا سامريُّ، ألَا تُلْقي ما في يدَيْك؟ وهو قابضٌ عليه لا يَراه أحدٌ طوالَ ذلك، فقال: هذه قبْضةٌ مِن أثرِ الرَّسولِ الَّذي جاوَزَ بكم البحرَ، ولا أُلْقيها لشَيءٍ إلَّا أنْ تَدْعُوَ اللهَ إذا ألقيْتُها أنْ تكونَ ما أُرِيدُ، فألْقاها، ودعا اللهَ هارونُ عليه السَّلامُ، فقال: أريدُ أنْ يكونَ عِجْلًا، واجتمَعَ ما كان في الحُفرةِ مِن متاعٍ له، أو حِلْيةٍ، أو نحاسٍ، أو حديدٍ، فصار عِجْلًا أجوفَ ليس فيه رُوحٌ، له خُوارٌ. قال ابنُ عبَّاسٍ: لا واللهِ ما كان له صوتٌ قطُّ، إنَّما كانت الرِّيحُ تدخُلُ مِن دُبُرِه وتخرُجُ مِن فَمِه، فكان ذلك الصَّوتُ مِن ذلك. فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا؛ فقالت فِرقةٌ: يا سامريُّ، ما هذا فأنت أعلَمُ به؟ قال: هذا ربُّكم عَزَّ وجَلَّ، ولكنَّ مُوسى عليه السَّلامُ أضَلَّ الطَّريقَ. وقالت فِرقةٌ: لا نُكذِّب بهذا حتَّى يرجِعَ إلينا مُوسى، فإنْ كان ربَّنا لم نكُنْ ضيَّعْناه وعجَزْنا فيه حِينَ رأيْناه، وإنْ لم يكُنْ ربَّنا، فإنَّا نتَّبِعُ قولَ مُوسى عليه السَّلامُ. وقالت فِرقةٌ: هذا عمَلُ الشَّيطانِ، وليس بربِّنا، ولا نُؤْمِنُ، ولا نُصدِّقُ. وأُشْرِبَ فِرقةٌ في قُلوبِهم التَّصديقَ بما قال السَّامريُّ في العجلِ، وأعْلَنوا التَّكذيبَ، فقال لهم هارونُ عليه السَّلامُ: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ} [طه: 90]، وإنَّ ربَّكم ليس هكذا، قالوا: فما بالُ مُوسى عليه السَّلامُ؛ وعَدَنا ثلاثينَ يومًا ثمَّ أخلَفَنا، فهذه أربعونَ قد مَضَت؟! فقال سُفهاؤُهم: أخطَأَ ربَّه، فهو يطلُبُه ويتبَعُه. فلمَّا كلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مُوسى عليه السَّلامُ وقال له ما قال، أخبَرَه بما لقِيَ قومُه بعده. {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه: 86]، وقال لهم ما سمِعْتُم في القُرآنِ وأخَذَ برأْسِ أخِيه، وألْقى الألواحَ مِن الغضَبِ، ثمَّ عذَرَ أخاه بعُذْرِه، واستغفَرَ له، وانصرَفَ إلى السَّامريِّ، فقال له: ما حمَلَك على ما صنعْتَ؟ قال: قبَضْتُ قبضةً مِن أثرِ الرَّسولِ وفطِنْتُ لها، وعُمِّيَت عليكم، فقَذفْتُها؛ وكذلك سوَّلَت لي نَفْسي. قال: {اذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ} إلى قولِه: {نَسْفًا} [طه: 97]، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منه. فاستيقَنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ، واغْتَبَطَ الَّذين كان رأيُهم فيه مثلَ رأيِ هارونَ عليه السَّلامُ، فقالوا بجماعتِهم لمُوسى عليه السَّلامُ: سَلْ لنا ربَّك عَزَّ وجَلَّ أنْ يفتَحَ لنا بابَ توبةٍ نصنَعُها؛ فيُكَفِّرَ عنَّا ما عمِلْنا، فاختارَ موسى عليه السَّلامُ قومَه سبعينَ رجُلًا لذلك -لا يأْلُو الخيرَ- خيارَ بني إسرائيلَ، ومَن لم يُشْرِكْ في العجلِ. فانطلَقَ بهم ليسأَلَ لهم التَّوبةَ، فرجَفَتْ بهم الأرضُ، فاستحيا نبيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من قومِه ووفْدِه حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ، فقال: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155]، وفيهم مَن قد كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ اطَّلَعَ على ما أُشْرِبَ قلبُه من حُبِّ العجلِ وإيمانِه به؛ فلذلك رجَفَت بهم الأرضُ. فقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] إلى: {فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]، فقال: رَبِّ سألْتُك التَّوبةَ لقومي، فقلْتَ: إنَّ رحمتي كتبْتُها لقومٍ غيرِ قومي، فليتَكَ أخَّرْتَني حين تُخْرِجُني حيًّا في أُمَّةِ ذلك الرَّجلِ المرحومةِ، فقال اللهُ له: إنَّ توبتَهم أنْ يقتُلَ كلُّ رجُلٍ منهم مَن لقِيَ مِن والدٍ أو ولدٍ، فيقتُلَه بالسَّيفِ لا يُبَالي مَن قتَلَ في ذلك الموطنِ، وتاب أولئك الَّذين كان خفِيَ على موسى وهارونَ عليهما السلام ما اطَّلَعُ اللهُ عليهم من ذُنوبِهم، فاعتَرَفوا بها، وفعَلوا ما أُمِروا، وغفَرَ اللهُ للقاتِلِ والمقتولِ. ثمَّ سار بهم مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ الأرضِ المُقدَّسةِ، وأخَذَ الألواحَ بعدما سكَتَ عنه الغضبُ، وأمَرَهم بالَّذي أُمِرَ به أنْ يُبَلِّغَهم من الوظائفِ، فثقُلَ ذلك عليهم، وأبَوا أنْ يُقِرُّوا بها، فنتَقَ اللهُ عليهم الجبلَ كأنَّه ظُلَّةٌ، ودنا منهم حتَّى خافوا أنْ يقَعَ عليهم، فأخَذُوا الكتابَ بأيمانِهم وهم يَصْغُون ينظُرونَ إلى الجبلِ والأرضِ، والكتابُ بأيديهم وهم يَنظُرونَ إلى الجبلِ؛ مخافةَ أنْ يقَعَ عليهم، ثمَّ مَضَوا إلى الأرضِ المُقدَّسةِ، فوَجَدوا مدينةَ قومٍ جبَّارينَ خَلْقُهم مُنْكرٌ، وذكَرَ من ثِمارِهم أمرًا عجَبًا من عِظَمِها، فقالوا: يا موسى، إنَّ فيها قومًا جبَّارينَ لا طاقةَ لنا بهم، ولا ندخُلُها ما داموا فيها، فإنْ يَخْرجوا منها فإنَّا داخِلونَ، قال رجُلانِ من الَّذين يَخافونَ مِن الجبَّارينَ: آمنَّا بمُوسى عليه السَّلامُ، فخرَجَا إليه، فقالا: نحنُ أعلَمُ بقومِنا، إنْ كنتُمْ إنَّما تَخافونَ ما رأيتُمْ من أجسامِهم وعدَدِهم، فإنَّهم لا قُلوبَ لهم، ولا مَنعةَ عندهم، فادْخُلوا عليهم البابَ، فإذا دخلْتُموه فإنَّكم غالِبونَ. ويقولُ أناسٌ: إنَّهما من قومِ مُوسى عليه السَّلامُ. وزعَمَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ أنَّهما من الجبَّارينَ آمَنَا بمُوسى، بقولِه: {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} [المائدة: 23]: إنَّما عَنى بذلك: مِن الَّذين يَخافونَ بني إسرائيلَ. {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، فأغْضَبوا مُوسَى عليه السَّلامُ، فدعا عليهم، وسمَّاهم فاسقينَ، ولم يدْعُ عليهم قبلَ ذلك؛ لِمَا رأى منهم من المعصيةِ وإساءتِهم حتَّى كان يومئذٍ، فاستجابَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ له، فسمَّاهم كما سمَّاهم مُوسى عليه السَّلامُ فاسقينَ، فحرَّمَها عليهم أربعينَ سَنةً يَتِيهون في الأرضِ؛ يُصْبِحون كلَّ يومٍ، فيَسِيرونَ ليس لهم قرارٌ، ثمَّ ظلَّلَ عليهم الغمامَ في التِّيهِ، وأنزَلَ عليهم المَنَّ والسَّلوى، وجعَلَ لهم ثيابًا لا تَبْلى، ولا تتَّسِخُ، وجعَلَ بين ظَهرِهم حَجرًا مُربَّعًا، وأمَرَ مُوسى عليه السَّلامُ فضرَبَه بعصاهُ، فانفجَرَ منه اثنتا عشْرةَ عينًا، في كلِّ ناحيةٍ ثلاثةُ أعينٍ، وأعلَمَ كلَّ سِبْطٍ عينَهم الَّتي يَشْربون منها، فلا يَرْتحِلونَ من مَنزلٍ إلَّا وجدوا ذلك الحجرَ منهم بالمكانِ الَّذي كان منه أمسِ
الراويعبدالله بن عباس
المحدثالبوصيري
الصفحة أو الرقم6/234
خلاصة حكم المحدثإسناده صحيح
3 ✔ صحيح📌 بحر لا يدرك قعره
أتَينا علِيًّا، فسَألْناه عن أصحابِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: عن أيِّهم تَسألوني؟ قُلْنا: عن ابنِ مَسعودٍ. قال: علِمَ القُرآنَ والسُّنَّةَ، ثُمَّ انتَهى، وكَفى به عِلمًا. قُلْنا: أبو موسى؟ قال: صُبِغَ في العِلمِ صِبغةً، ثُمَّ خرَجَ منه. قُلْنا: حُذَيفةُ؟ قال: أعلَمُ أصحابِ محمَّدٍ بالمُنافقينَ. قالوا: سَلمانُ؟ قال: أدرَكَ العِلمَ الأوَّلَ، والعِلمَ الآخِرَ؛ بَحرٌ لا يُدرَكُ قَعرُه، وهو منَّا أهلَ البَيْتِ. قالوا: أبو ذَرٍّ؟ قال: وَعى عِلمًا عجَزَ عنه. فسُئِلَ عن نَفْسِه. قال: كنتُ إذا سَألْتُ أُعطيتُ، وإذا سَكَتُّ ابتُديتُ
الراويأبو البختري
المحدثشعيب الأرناؤوط
الصفحة أو الرقم2/388
خلاصة حكم المحدثرجاله ثقات
قيلَ لعليٍّ: أخبِرْنا عن أصحابِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال: عن أيِّهم تَسألونَ؟ قيلَ: عن عَبدِ اللهِ. قال: علِمَ القُرآنَ والسُّنَّةَ، ثُمَّ انتَهى، وكَفى به عِلمًا. قالوا: عَمَّارٌ؟ قال: مؤمنٌ نَسِيٌّ، فإنْ ذَكَّرتَه ذَكَرَ. قالوا: أبو ذَرٍّ؟ قال: وَعى عِلمًا عَجِزَ عنه. قالوا: أبو موسى؟ قال: صُبِغَ في العِلمِ صِبغةً، ثُمَّ خرَجَ منه. قالوا: حُذَيفةُ؟ قال: أعلَمُ أصحابِ محمَّدٍ بالمُنافقينَ. قالوا: سَلمانُ؟ قال: أدرَكَ العِلمَ الأوَّلَ، والعِلمَ الآخِرَ، بَحرٌ لا يُدرَكُ قَعرُه، وهو منَّا أهلَ البَيْتِ. قالوا: فأنت يا أميرَ المؤمنينَ؟ قال: كنتُ إذا سَألْتُ أُعطيتُ، وإذا سَكَتُّ ابتُدِيتُ
الراويأبو البختري
المحدثشعيب الأرناؤوط
الصفحة أو الرقم1/541
خلاصة حكم المحدثرجاله ثقات.
حديث الفُتونِ [يعني حديث: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ لموسى عليهِ السلامُ : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا، فسألتُهُ عن الفُتُونِ ما هوَ ؟ قال : استأنِفِ النهارَ يا ابنَ جبيرٍ فإنَّ لها حديثًا طويلًا : فلمَّا أصبحتُ غدوتُ إلى ابنِ عباسٍ لأنتجزَ منهُ ما وعدني من حديثِ الفُتُونِ، فقال : تذاكَرَ فرعونُ وجلساؤُهُ ما كان اللهُ وعدَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ أن يجعلَ في ذريتِهِ أنبياءَ وملوكًا، فقال بعضهم : إنَّ بني إسرائيلَ ينتظرونَ ذلك، ما يَشُكُّونَ فيهِ، وكانوا يظنُّونَ أنَّهُ يوسفُ بنُ يعقوبَ، فلمَّا هلك قالوا : ليس هكذا كان وعدُ إبراهيمَ، فقال فرعونُ : فكيف تَرَوْنَ ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعثَ رجالًا معهم الشِّفَارُ، يطوفونَ في بني إسرائيلَ، فلا يجدونَ، مولودًا ذكرًا إلا ذبحوهُ، ففعلوا ذلك، فلمَّا رَأَوْا أنَّ الكبارَ من بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالهم، والصغارَ يُذْبَحُونَ، قالوا : يُوشِكُ أن تُفْنُوا بني إسرائيلَ، فتصيروا أن تُبَاشِرُوا من الأعمالِ والخدمةِ التي كانوا يَكْفُونَكُمْ، فاقتلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيَقِلُّ أبناؤهم، ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا، فيَشِبُّ الصغارُ مكان من يموتُ من الكبارِ، فإنَّهم لن يكثروا بمن تستحيونَ منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن يَفْنَوا بمن تقتلونَ وتحتاجونَ إليهم. فأَجْمَعُوا أمرهم على ذلك. فحملتْ أمُّ موسى بهارونَ في العامِ الذي لا يُذْبَحُ فيهِ الغلمانُ، فولدتْهُ علانيةً آمنةً. فلمَّا كان من قابلٍ حملتْ بموسى عليهِ السلامُ، فوقع في قلبها الهمُّ والحزنُ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ما دخل عليهِ في بطنِ أُمِّهِ ، ممَّا يُرادُ بهِ. فأوحى اللهُ إليها أن : وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فأمرها إذا ولدتْ أن تجعلَهُ في تابوتٍ ثم تُلْقِيهِ في اليمِّ . فلمَّا ولدتْ فعلتْ ذلك، فلمَّا تَوارَى عنها ابنها أتاها الشيطانُ، فقالت في نفسها : ما فعلتُ بابني، لو ذُبِحَ عندي فواريتُهُ وكفَّنتُهُ كان أحبُّ إليَّ من أن أُلْقِيهِ إلى دوابِّ البحرِ وحيتانِهِ. فانتهى الماءُ بهِ حتى أوفى بهِ عند فُرْضَةِ مُسْتَقَى جواري امرأةِ فرعونَ فلمَّا رأينَهُ أخذنَهُ فهممن أن يفتحْنَ التابوتَ فقال بعضهنَّ : إنَّ في هذا مالًا، وإنَّا إن فتحناهُ لم تُصَدِّقنا امرأةُ المَلِكِ بما وجدنا فيهِ، فحملنَهُ كهيئتِهِ لم يُخْرِجْنَ منهُ شيئًا حتى رفعنَهُ إليها. فلمَّا فتحتْهُ رأتْ فيهِ غلامًا، فأُلْقِي عليهِ منها محبةً لم يُلْقِ منها على أحدٍ قطُّ، وأصبحَ فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من ذِكْرِ كلِّ شيٍء، إلا من ذِكْرِ موسى. فلمَّا سمع الذبَّاحونَ بأمرِهِ، أقبلوا بشِفَارِهِمْ إلى امرأةِ فرعونَ ليذبحوهُ : وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ، فقالت لهم : أَقِرُّوهُ فإنَّ هذا الواحدَ لا يزيدُ في بني إسرائيلَ حتى آتي فرعونَ فأستوهبُهُ منهُ، فإن وهبَهُ لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمرَ بذبحِهِ لم أَلُمْكُمْ. فأتت فرعونَ فقالت قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ. فقال فرعونُ : يكونُ لكَ. فأمَّا لي فلا حاجةَ لي فيهِ : فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : والذي يُحْلَفُ بهِ لو أَقَرَّ فرعونُ أن يكونَ قرَّةَ عينٍ لهُ، كما أَقَرَّتْ امرأتُهُ، لهداهُ اللهُ كما هداها، ولكن حَرَمَهُ ذلك. فأرسلتْ إلى من حولها، إلى كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ لتختارَ لهُ ظِئْرًا، فجعل كلَّما أخذتْهُ امرأةٌ منهنَّ لتُرْضِعَهُ لم يُقْبِلْ على ثديها حتى أشفقتِ امرأةُ فرعونَ أن يمتنعَ من اللبنِ فيموتَ، فأحزنها ذلك، فأمرتْ بهِ فأُخْرِجَ إلى السوقِ ومجمعِ الناسِ، ترجو أن تجدَ لهُ ظِئْرًا تأخذُهُ منها، فلم يُقْبِلْ، وأصبحتْ أمُّ موسى والهًا، فقالت لأختِهِ : قُصِّي أَثَرَهُ واطلبيهِ، هل تسمعينَ لهُ ذِكْرًا، أحيٌّ ابني أم قد أكلتْهُ الدوابُّ ؟ ونَسِيَتْ ما كان اللهُ وعدها فيهِ، فبصرتْ بهِ أختُهُ عن جُنُبٍ وهم لا يشعرونَ – والجُنُبُ : أن يَسْمُو بصرُ الإنسانِ إلى شيٍء بعيدٍ، وهو إلى جنبِهِ، وهو لا يشعرُ بهِ – فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظؤراتُ : أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ. فأخذوها فقالوا ما يُدريكِ ؟ وما نُصْحُهُمْ لهُ ؟ هل يعرفونَهُ ؟ حتى شَكُّوا في ذلك، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ. فقالت : نُصْحُهُمْ لهُ وشفقتهم عليهِ رغبتهم في ظؤرةِ الملكِ، ورجاءَ منفعةِ الملكِ. فأرسلوها فانطلقتْ إلى أُمِّهَا، فأخبرتها الخبرَ. فجاءت أُمُّهُ، فلمَّا وضعتْهُ في حجرها نَزَا إلى ثديها فمَصَّهُ، حتى امتلأَ جنباهُ رِيًّا، وانطلقَ البُشَراءُ إلى امرأةِ فرعونَ يُبَشِّرونها : أن قد وجدنا لابنكِ ظِئْرًا. فأرسلتْ إليها، فأتتْ بها وبهِ، فلمَّا رأت ما يصنعُ بها قالت : امْكُثِي تُرْضِعِي ابني هذا، فإني لم أُحِبَّ شيئًا حُبَّهُ قطُّ. قالت أمُّ موسى : لا أستطيعُ أن أدعَ بيتي وولدي فيضيعُ، فإن طابت نفسكَ أن تُعطينِيهِ فأذهبُ بهِ إلى بيتي، فيكونُ معي لا آلوهُ خيرًا فعلتُ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي. وذكرتْ أمُّ موسى ما كان اللهُ وعدها فيهِ، فتعاسرتْ على امرأةِ فرعونَ ، وأيقنَتْ أنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وعدَهُ، فرجعتْ بهِ إلى بيتها من يومها، وأنبتَهُ اللهُ نباتًا حسنًا، وحَفِظَهُ لما قد قضى فيهِ. فلم يزل بنو إسرائيلَ، وهم في ناحيةِ القريةِ، ممتنعينَ من السخرةِ والظلمِ ما كان فيهم، فلمَّا ترعرعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأمِّ موسى : أَتُرِيني ابني ؟ فوَعَدَتْهَا يومًا تُرِيها إياهُ فيهِ، وقالت امرأةُ فرعونَ لخازنها وظؤرها وقَهَارِمَتِهَا لا يَبْقِيَنَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابني اليومَ بهديةٍ وكرامةٍ لأرى ذلك، وأنا باعثةٌ أمينًا يًحْصِي ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم، فلم تزلِ الهدايا والنِّحَلُ والكرامةُ تستقبلُهُ من حينِ خرج من بيتِ أُمِّهِ إلى أن دخل على امرأةِ فرعونَ ، فلمَّا دخل عليها نَحَلَتْهُ وأكرمتْهُ، وفرحت بهِ، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لحُسْنِ أثرها عليهِ، ثم قالت : لآتِيَنَّ بهِ فرعونَ فليَنْحَلَنَّهُ وليُكْرِمَنَّهُ، فلمَّا دخلت بهِ عليهِ جعلَهُ في حجرِهِ، فتناولَ موسى لِحْيَةَ فرعونَ يَمُدُّها إلى الأرضِ، فقال الغواةُ من أعداءِ اللهِ لفرعونَ : ألا ترى ما وعد اللهُ إبراهيمَ نبيَّهُ، إنَّهُ زعم أن يرثِكَ ويعلوكَ ويصرعكَ، فأرسلَ إلى الذَّبَّاحينَ ليذبحوهُ. وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ بعد كلِّ بلاءٍ ابْتُلِيَ بهِ، وأُريدَ بهِ. فجاءت امرأةُ فرعونَ فقالت : ما بدا لك في هذا الغلامِ الذي وهبتَهُ لي ؟ فقال : ألا تَرَيْنَهُ يزعمُ أنَّهُ يصرعني ويعلوني. فقالت : اجعلْ بيني وبينك أمرًا يُعْرَفُ فيهِ الحقُّ، ائتِ بجمرتيْنِ ولؤلؤتيْنِ، فقرِّبْهُنَّ إليهِ، فإن بطشَ باللؤلؤتيْنِ واجتنبْ الجمرتيْنِ فاعرفْ أنَّهُ يَعْقِلْ وإن تناولَ الجمرتيْنِ ولم يَرُدَّ اللؤلؤتيْنِ علمتَ أنَّ أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتيْنِ على اللؤلؤتيْنِ وهو يَعْقِلُ، فقَرَّبَ إليهِ، فتناولَ الجمرتيْنِ، فانتزعهما منهُ مخافةَ أن يحرقا يدَهُ، فقالت امرأةُ فرعونَ : ألا ترى ؟ فصرفَهُ اللهُ عنهُ بعد ما كان قد همَّ بهِ، وكان اللهُ بالغًا فيهِ أمرَهُ. فلمَّا بلغ أَشُدَّهُ وكان من الرجالِ، لم يكن أحدٌ من آلِ فرعونَ يخلصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيلَ معهُ بظلمٍ ولا سخرةٍ، حتى امتنعوا كلَّ الامتناعِ، فبينما موسى عليهِ السلامُ يمشي في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجليْنِ يقتتلانِ، أحدهما فرعونيٌّ والآخرُ إسرائيليٌّ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فغضب موسى غضبًا شديدًا، لأنَّهُ تناولَهُ وهو يعلمُ منزلتَهُ من بني إسرائيلَ وحِفْظِهِ لهم، لا يعلمُ الناسُ إلا أنما ذلك من الرضاعِ، إلا أمُّ موسى، إلا أن يكون اللهُ أطلعَ موسى من ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليهِ غيرُهُ. فوكزَ موسى الفرعونيَّ، فقتلَهُ وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ والإسرائيليُّ، فقال موسى حين قتلَ الرجلَ : هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. ثم قال : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فأصبحَ في المدينةِ خائفًا يترقَّبُ الأخبارَ، فأُتِيَ فرعونُ، فقيل لهُ : إنَّ بني إسرائيلَ قتلوا رجلًا من آلِ فرعونَ فخُذْ لنا بحَقِّنَا ولا تُرَخِّصْ لهم. فقال : أبغوني قاتِلَهُ، ومن يشهدُ عليهِ، فإنَّ الملكَ وإن كان صَفْوُهُ مع قومِهِ لا يستقيمُ لهُ أن يُقِيدَ بغيرِ بينَةٍ ولا ثَبْتٍ، فاطلبوا لي عِلْمَ ذلك آخُذُ لكم بحقكم. فبينما هم يطوفونَ ولا يجدون ثَبْتًا، إذا بموسى من الغدِ قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يُقاتِلُ رجلًا من آلِ فرعونَ آخرَ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادف موسى قد ندم على ما كان منهُ وكَرِهَ الذي رأى، فغضب الإسرائيليُّ وهو يريدُ أن يبطشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ لما فعل بالأمسِ واليومَ : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ. فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى بعد ما قال لهُ ما قال، فإذا هو غضبانٌ كغضبِهِ بالأمسِ الذي قتلَ فيهِ الفرعونيَّ فخاف أن يكون بعدما قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أن يكونَ إياهُ أرادَ، ولم يكن أرادَهُ، وإنَّما أرادَ الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ وقال : يا موسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ وإنما قالَهُ مخافةَ أن يكون إياهُ أراد موسى ليقتلَهُ، فتتاركا وانطلقَ الفرعونيُّ فأخبرهم بما سمع من الإسرائيليِّ من الخبرِ حين يقولُ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ فأرسل فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتلوا موسى، فأخذ رُسُلُ فرعونَ في الطريقِ الأعظمِ يمشونَ على هيئتهم يطلبونَ موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجلٌ من شيعةِ موسى من أقصى المدينةِ فاختصرَ طريقًا حتى سبقهم إلى موسى فأخبرَهُ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ. فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحوَ مَدْيَنَ لم يَلْقَ بلاءً قبل ذلك، وليس لهُ بالطريقِ علمٌ إلا حُسْنُ ظنِّهِ بربهِ عزَّ وجلَّ فإنَّهُ قال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ يعني بذلك حابستيْنِ غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتيْنِ لا تسقيانِ مع الناسِ ؟ قالتا : ليس لنا قوةٌ نُزاحِمُ القومَ وإنما ننتظرُ فُضُولَ حياضهم، فَسَقَى لهما فجعل يغترفُ في الدَّلْوِ ماءً كثيرًا حتى كان أولَ الرُّعَاءِ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليهِ السلامُ فاستظَلَّ بشجرةٍ وقال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ واستنكرَ أبوهما سرعةَ صدورهما بغنمهما حُفَّلًا بِطَانًا فقال : إنَّ لكما اليومَ لشأنًا، فأخبرتاهُ بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوهُ، فأتتْ موسى فدعتْهُ فلمَّا كلَّمَهُ قال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ليس لفرعونَ ولا لقومِهِ علينا سلطانٌ، ولسنا في مملكتِهِ، فقالت إحداهما : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مِنَ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فاحتملتْهُ الغِيرَةُ على أن قال لها : ما يُدْرِيكِ ما قوتُهُ وما أمانتُهُ ؟ قالت : أما قُوَّتُهُ فما رأيتُ منهُ في الدَّلْوِ حين سقى لنا، لم أَرَ رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السَّقْيِ منهُ، وأما الأمانةُ فإنَّهُ نظر إلي حينِ أقبلتْ إليهِ وشَخَصَتْ لهُ، فلمَّا علم أني امرأةٌ صَوَّبَ رأسَهُ فلم يرفعْهُ حتى بَلَّغْتُهُ رسالتكَ، ثم قال لي : امشي خلفي وانْعُتِي لي الطريقَ، فلم يفعل هذا إلا وهو أمينٌ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقها وظَنَّ بهِ الذي قالت، فقال لهُ : هل لكَ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ففعل فكانت على نبيِّ اللهِ موسى ثماني سنينَ واجبةً وكانت سَنَتَانِ عِدَةً منهُ فقضى اللهُ عنهُ عِدَتَهُ فأَتَمَّها عشرًا. قال سعيدٌ هو ابنُ جبيرٍ : فلَقِيَنِي رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ من علمائهم قال : هل تدري أيُّ الأجلَيْنِ قضى موسى ؟ قلتُ : لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقيتُ ابنَ عباسٍ فذكرتُ ذلك لهُ فقال : أما علمتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ واجبةً لم يكن لنبيٍّ أن يَنْقُصَ منها شيئًا، ويعلمُ أنَّ اللهَ كان قاضيًا عن موسى عِدَتَهُ التي وعدَهُ فعِدَتُهُ التي وعدَهُ فإنَّهُ قضى عشرَ سنينَ، فلقيتُ النصرانيَّ فأخبرتُهُ ذلك فقال : الذي سألتَهُ فأخبركَ أعلمُ منكَ بذلك قلتُ : أجل وأَوْلَى. فلمَّا سار موسى بأهلِهِ كان من أمرِ النارِ والعصا ويدِهِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القرآنِ، فشكا إلى اللهِ تعالى ما يَتَخَوَّفُ من آلِ فرعونَ في القتيلِ وعُقْدَةِ لسانِهِ، فإنَّهُ كان في لسانِهِ عُقْدَةً تمنعُهُ من كثيرٍ من الكلامِ، وسأل ربهُ أن يُعِينَهُ بأخيهِ هارونَ يكونُ لهُ رِدْءًا ويتكلَّمُ عنهُ بكثيرٍ مما لا يُفْصِحُ بهِ لسانُهُ، فآتاهُ اللهُ سُؤْلَهُ وحلَّ عقدةً من لسانِهِ وأوحى اللهُ إلى هارونَ وأَمَرَهُ أن يلقاهُ، فاندفع موسى بعصاهُ حتى لَقِيَ هارونَ عليهما السلامُ فانطلقا جميعًا إلى فرعونَ فأقاما على بابِهِ حينًا لا يُؤْذَنُ لهما، ثم أُذِنَ لهما بعد حجابٍ شديدٍ فقالا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ قال : فمن ربكما ؟ فأخبرَهُ بالذي قَصَّ اللهُ عليكَ في القرآنِ، قال : فما تريدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القتيلَ فاعتذرَ بما قد سمعتَ، قال : أريدً أن تُؤْمِنَ باللهِ وتُرْسِلَ معيَ بني إسرائيلَ، فأَبَى عليهِ وقال ائْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فألقى عصاهُ فإذا هي حيَّةٌ تسعى عظيمةٌ فاغِرَةٌ فاها مسرعةٌ إلى فرعونَ ، فلمَّا رآها قاصدةً إليهِ خافها فاقتحمَ عن سريرِهِ واستغاثَ بموسى أن يَكُفَّهَا عنهُ ففعلَ، ثم أخرج يدَهُ من جيبِهِ فرآها بيضاءَ من غيرِ سوءٍ يعني من غيرِ بَرَصٍ ثم رَدَّهَا فعادت إلى لونها الأولِ، فاستشار الملأَ حولَهُ فيما رأى، فقالوا لهُ : هَذَانِ سَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى يعني مُلْكَهُمْ الذي هم فيهِ والعيشِ، وأَبَوْا على موسى أن يُعْطُوهُ شيئًا ممَّا طلبَ، وقالوا لهُ : اجمعْ لهما السحرةَ فإنَّهم بأرضكَ كثيرٌ حتى تَغْلِبَ بسحركَ سحرهما، فأرسلَ إلى المدائنِ فحُشِرَ لهُ كلُّ ساحرٍ متعالمٍ، فلمَّا أَتَوْا فرعونَ قالوا : بم يعملُ هذا الساحرُ ؟ قالوا : يعمل بالحَيَّاتِ، قالوا : فلا واللهِ ما أَحَدٌ في الأرضِ يعملُ بالسحرِ بالحَيَّاتِ والحبالِ والعِصِيِّ الذي نعملُ، وما أَجْرُنَا إن نحنُ غَلَبْنَا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصَّتي، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيٍء أحببتم، فتواعدوا يومَ الزينةِ وأنْ يُحْشَرَ الناسُ ضحىً، قال سعيدُ بنُ جبيرٍ : فحدَّثني ابنُ عباسٍ أنَّ يومَ الزينةَ الذي أظهرَ اللهُ فيهِ موسى على فرعونَ والسحرةَ هو يومُ عاشوراءَ. فلمَّا اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ قال الناسُ بعضهم لبعضٍ : انطلقوا فلنحضر هذا الأمرَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ يعنون موسى وهارونَ استهزاءً بهما، فقالوا : يا موسى لقدرتهم بسحرهم إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ: بَلْ أَلْقُوا فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فرأى موسى من سحرهم ما أوجسَ في نفسِهِ خيفةً، فأوحى اللهُ إليهِ أن أَلْقِ عصاكَ، فلمَّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمةً فاغِرَةً فاها، فجعلتِ العِصِيُّ تلتبسُ بالحبالِ حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبانِ، تدخلُ فيهِ، حتى ما أبقت عصًا ولا حبالًا إلا ابتلعتْهُ، فلمَّا عرفتِ السحرةُ ذلك قالوا، لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كلَّ هذا، ولكنَّهُ أمرٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ، آمَنَّا باللهِ وبما جاء بهِ موسى، ونتوبُ إلى اللهِ ممَّا كُنَّا عليهِ، فكسرَ اللهُ ظهرَ فرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِهِ، وظَهَرَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وامرأةُ فرعونَ بارزةٌ متبذلةٌ تدعو اللهَ بالنصرِ لموسى على فرعونَ وأشياعِهِ، فمن رآها من آلِ فرعونَ ظنَّ أنَّها إنما ابتُذِلَتْ للشفقةِ على فرعونَ وأشياعِهِ، وإنَّما كان حزنها وهَمُّها لموسى. فلمَّا طال مُكْثُ موسى بمواعيدِ فرعونَ الكاذبةِ، كلَّما جاء بآيةٍ وعدَهُ عندها أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ، فإذا مَضَتْ أخلفَ موعدَهُ وقال : هل يستطيعُ ربكَ أن يصنعَ غيرَ هذا ؟ فأرسلَ اللهُ على قومِهِ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقَمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ، كلُّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلبُ إليهِ أن يَكُفَّها عنهُ، ويُوَاثِقُهُ على أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ، فإذا كَفَّ ذلك عنهُ أخلفَ موعدَهُ، ونكث عهدَهُ. حتى أمرَ اللهُ موسى بالخروجِ بقومِهِ فخرج بهم ليلًا، فلمَّا أصبح فرعونُ ورأى أنهم قد مَضَوْا أَرْسَلَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، فتبعَهُ بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللهُ إلى البحرِ : إذا ضربكَ عبدي موسى بعصاهُ فانفلِقْ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً، حتى يجوزَ موسى ومن معهُ، ثم التَقِ على من بَقِيَ بعد من فرعونَ وأشياعِهِ. فنسيَ موسى أن يضربَ البحرَ بالعصا وانتهى إلى البحرِ ولهُ قصيفٌ، مخافةَ أن يضربَهُ موسى بعصاهُ وهو غافلٌ فيصيرُ عاصيًا للهِ. فلمَّا تراءى الجَمْعَانِ وتقاربا قال أصحابُ موسى : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، افعلْ ما أمركَ بهِ ربكَ، فإنَّهُ لم يَكْذِبْ ولم تَكْذِبْ. قال : وعدني أن إذا أتيتُ البحرَ انْفَرَقَ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً، حتى أُجَاوِزُهُ : ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحرَ بعصاهُ حين دنا أوائلُ جُنْدِ فرعونَ من أواخرِ جُنْدِ موسى، فانفرقَ البحرُ كما أمرَهُ ربهُ وكما وعد موسى فلمَّا أن جاز موسى وأصحابُهُ كلُّهم البحرَ، ودخل فرعونُ وأصحابُهُ، التقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ فلمَّا جاوزَ موسى البحرَ قال أصحابُهُ : إنَّا نخافُ أن لا يكون فرعونُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بهلاكِهِ. فدعا ربهُ فأخرجَهُ لهُ ببدنِهِ حتى استيقنوا بهلاكِهِ. ثم مَرُّوا بعد ذلك عَلَى قَوْمٍ يَعْكِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قد رأيتم من العِبَرِ وسمعتم ما يكفيكم ومضى. فأنزلهم موسى منزلًا وقال : أطيعوا هارونَ فإني قد استخلفتُهُ عليكم، فإني ذاهبٌ إلى ربي. وأَجَّلَهُمْ ثلاثينَ يومًا أن يرجعَ إليهم فيها، فلمَّا أتى ربهُ وأرادَ أن يُكَلِّمَهُ في ثلاثينَ يومًا وقد صامهُنَّ ليلهُنَّ ونهارهُنَّ، وكَرِهَ أن يُكَلِّمَ ربهُ وريحُ فيهِ، ريحُ فمِ الصائمِ، فتناولَ موسى من نباتِ الأرضِ شيئًا فمضغَهُ، فقال لهُ ربهُ حين أتاهُ : لم أفطرتَ ؟ وهو أعلمُ بالذي كان : قال : يا ربِّ، إني كرهتُ أن أُكَلِّمَكَ إلا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ. قال : أوما علمتَ يا موسى أنَّ رِيحَ فمِ الصائمِ أطيبُ من ريحِ المِسْكِ، ارجع فصُمْ عشرًا ثم ائتني. ففعل موسى عليهِ السلامُ ما أُمِرَ بهِ، فلمَّا رأى قومُ موسى أنَّهُ لم يرجع إليهم في الأَجَلِ، ساءهم ذلك : وكان هارونُ قد خطبهم وقال : إنَّكم قد خرجتم من مصرَ، ولقومِ فرعونَ عندكم عَوَارِيَ وودائعُ، ولكم فيهم مثلُ ذلك ولا ممسكيهِ لأنفسنا، فحفرَ حفيرًا، وأمر كلَّ قومٍ عندهم من ذلك من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أن يقذفوهُ في ذلك الحفيرِ، ثم أوقدَ عليهِ النارَ فأحرقَهُ، فقال : لا يكونُ لنا ولا لهم. وكان السامريُّ من قومٍ يعبدونَ البقرَ، جيرانٌ لبني إسرائيلَ، ولم يكن من بني إسرائيلَ، فاحتملَ مع موسى وبني إسرائيلَ حينَ احتملوا، فقضى لهُ أن رأى أَثَرًا فقبضَ منهُ قبضةً، فمرَّ بهارونَ، فقال لهُ هارونُ عليهِ السلامُ : يا سامريُّ، ألا تُلْقِي ما في يدكَ ؟ وهو قابضٌ عليهِ، لا يراهُ أحدٌ طُوَالَ ذلكَ، فقال : هذهِ قبضةٌ من أَثَرِ الرسولِ الذي جاوزَ بكمُ البحرَ، ولا أُلْقِيهَا لشيٍء إلا أن تدعو اللهَ إذا ألقيتُهَا أن يكونَ ما أُريدُ. فألقاها، ودعا لهُ هارونُ، فقال : أُريدُ أن يكونَ عِجْلًا. فاجتمعَ ما كان في الحفيرةِ من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أو نحاسٍ أو حديدٍ، فصار عِجْلَا أجوفَ ، ليس فيهِ روحٌ، ولهُ خُوَارٌ قال ابنُ عباسٍ : لا واللهِ، ما كان لهُ صوتٌ قطُّ، إنَّما كانت الريحُ تدخُلُ في دُبُرِهِ وتخرجُ من فيهِ، فكان ذلك الصوتَ من ذلكَ. فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا، فقالت فِرْقَةٌ : يا سامريُّ، ما هذا ؟ وأنتَ أعلمُ بهِ. قال : هذا ربكم، ولكن موسى أَضَلَّ الطريقَ. وقالت فِرْقَةٌ : لا نُكَذِّبُ بهذا حتى يرجعَ إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضَيَّعْنَاهُ وعجزنا فيهِ حين رأيناهُ، وإن لم يكن ربنا فإنَّا نَتَّبِعُ قولَ موسى، وقالت فِرْقَةٌ : هذا عملُ الشيطانِ، وليس بربنا ولا نُؤْمِنُ بهِ ولا نُصَدِّقُ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قلوبهم الصدقَ بما قال السامريُّ في العِجْلِ، وأعلنوا التكذيبَ بهِ، فقال لهم هارونُ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكَمُ الرَّحْمَنُ. قالوا : فما بالُ موسى وعدنا ثلاثينَ يومًا ثم أخلفنا ؟ هذهِ أربعونَ يومًا قد مضتْ ؟ وقال سفهاؤهم : أخطأَ ربُّهُ فهو يطلبُهُ ويَتْبَعُهُ. فلمَّا كلَّمَ اللهُ موسى وقال لهُ ما قال : أَخْبَرَهُ بما لَقِيَ قومُهُ من بعدِهِ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا فقال لهم ما سمعتم في القرآنِ، وأخذ برأسِ أخيهِ يَجُرُّهُ إليهِ، وألقى الألواحَ من الغضبِ، ثم إنَّهُ عذرَ أخاهُ بعذرِهِ، واستغفرَ لهُ، وانصرفَ إلى السامريِّ فقال لهُ : ما حملكَ على ما صنعتَ ؟ قال : قَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، وفطنتُ لها وعميتْ عليكم، فقذفتها وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منهُ، فاستيقنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ، واغتُبِطَ الذين كان رأيهم فيهِ مثلَ رأي هارونَ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى، سَلْ لنا ربكَ أن يفتحَ لنا بابَ توبةٍ نصنعها، فيُكَفِّرْ عنَّا ما عملنا. فاختارَ موسى قومَهُ سبعينَ رجلًا لذلك، لا يَأْلُو الخيرَ، خيارَ بني إسرائيلَ، ومن لم يُشْرِكْ في العِجْلِ، فانطلقَ بهم يسألُ لهمُ التوبةَ، فرجفتْ بهمُ الأرضَ، فاستحيا نبيُّ اللهِ من قومِهِ ومن وفدِهِ حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ، فقال : ربِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا وفيهم من كان اطَّلَعَ اللهُ منهُ على ما أُشْرِبَ قلبُهُ من حُبِّ العِجْلِ وإيمانٍ بهِ فلذلك رجفتْ بهمُ الأرضُ فقال : رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فقال : يا ربِّ سألتُكَ التوبةَ لقومي، فقلتَ : إنَّ رحمتي كتبتُهَا لقومٍ غيرِ قومي فليتَكَ أَخَّرْتَنِي حتى تُخْرِجَنِي في أُمَّةِ ذلك الرجلِ المرحومةِ، فقال لهُ : إنَّ توبتهم أن يَقْتُلَ كلُّ رجلٍ منهم من لَقِيَ من والدٍ وولدٍ فيقتلُهُ بالسيفِ ولا يُبَالِي من قتلَ في ذلك الموطنِ وتاب أولئكَ الذين كان خَفِيَ على موسى وهارونَ واطَّلَعَ اللهُ من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أُمِرُوا وغفرَ اللهُ للقاتلِ والمقتولِ. ثم سار بهم موسى عليهِ السلامُ مُتَوَجِّهًا نحوَ الأرضِ المقدسةِ، وأخذ الألواحَ بعد ما سكتَ عنهُ الغضبُ فأمرهم بالذي أُمِرَ بهِ أن يُبَلِّغَهُمْ من الوظائفِ، فثَقُلَ ذلك عليهم وأَبَوْا أن يُقِرُّوا بها، فنَتَقَ اللهُ عليهمُ الجبلَ كأنَّهُ ظُلَّةٌ ودنا منهم حتى خافوا أن يقعَ عليهم فأَخَذُوا الكتابَ بأيمانهم وهم مُصْغُونَ ينظرونَ إلى الجبلِ والكتابُ بأيديهم، وهم من وراءِ الجبلِ مخافةَ أن يقعَ عليهم، ثم مَضَوْا حتى أَتَوْا الأرضَ المقدسةَ فوجدوا مدينةً فيها قومٌ جَبَّارُونَ خَلْقُهُمْ خَلْقٌ مُنْكَرٌ، وذكروا من ثمارهم أمرًا عجيبًا من عِظَمِهَا، فقالوا : يا موسى إنَّ فيها قومًا جَبَّارِينَ لا طاقةَ لنا بهم، ولا ندخلها ماداموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلونَ، قال رجلانِ من الذينَ يخافونَ قيل ليزيدٍ : هكذا قرأَهُ ؟ قال : نعم، من الجَبَّارِينَ آمَنَّا بموسى، وخرجا إليهِ فقالوا : نحنُ أعلمُ بقومنا إن كنتم إنَّما تخافونَ ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنَّهم لا قلوبَ لهم ولا مَنَعَةَ عندهم فادخلوا عليهمُ البابَ فإذا دخلتموهُ فإنَّكم غالبونَ، ويقولُ أُناسٌ : إنَّهم من قومِ موسى، فقال الذينَ يخافونَ بنو إسرائيلَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقينَ، ولم يَدْعُ عليهم قبلَ ذلك، لِمَا رأى منهم المعصيةَ وإساءتهم حتى كان يومئذٍ، فاستجاب اللهُ لهُ وسمَّاهم كما سمَّاهم فاسقينَ، فحرَّمَهَا عليهم أربعينَ سَنَةً يتيهونَ في الأرضِ، يُصْبِحُونَ كلَّ يومٍ فيسيرونَ ليس لهم قرارٌ ثم ظَلَّلَ عليهمُ الغمامَ في التِّيهِ وأنزلَ عليهمُ المَنَّ والسلوى وجعل لهم ثيابًا لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخُ، وجعل بين ظهرانيهم حَجَرًا مُرَبَّعًا وأمرَ موسى فضربَهُ بعصاهُ فانفجرتْ منهُ اثنتا عشرةَ عينًا في كلِّ ناحيةٍ ثلاثُ أعينٍ، وأعلمَ كلَّ سِبْطٍ عَيْنُهُمُ التي يشربونَ منها فلا يرتحلونَ من مَنْقَلَةٍ إلا وجدوا ذلك الحَجَرَ معهم بالمكانِ الذي كان فيهِ بالأمسِ]
الراوي[سعيد بن جبير]
المحدثالهيثمي
الصفحة أو الرقم7/59
خلاصة حكم المحدثرجاله رجال الصحيح غير أصبغ بن زيد‏‏ والقاسم بن أبي أيوب وهما ثقتان
«خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عامَ الحُدَيبيةِ يُريدُ زيارةَ البَيتِ، لا يُريدُ قِتالًا، وساقَ مَعَه الهَديَ سَبعينَ بَدَنةً، وكان النَّاسُ سَبعَ مِائةِ رَجُلٍ، فكانَت كُلُّ بَدَنةٍ عن عَشَرةٍ، قال: وخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا كان بعُسفانَ لَقيَه بشرُ بنُ سُفيانَ الكَعبيُّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، هذه قُرَيشٌ قد سَمِعَت بمَسيرِكَ، فخَرَجَت مَعَها العوذُ المَطافيلُ، قد لَبِسوا جُلودَ النُّمورِ، يُعاهِدونَ اللهَ أن لا تَدخُلَها عليهم عَنوةً أبَدًا، وهذا خالِدُ بنُ الوليدِ في خَيلِهم قَدِموا إلى كُراعِ الغَميمِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا وَيحَ قُرَيشٍ، لَقد أكَلَتهمُ الحَربُ، ماذا عليهم لَو خَلَّوا بَيني وبَينَ سائِرِ النَّاسِ، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهَرَني اللهُ عليهم دَخَلوا في الإسلامِ وهُم وافِرونَ، وإن لم يَفعَلوا قاتَلوا وبهم قوَّةٌ، فماذا تَظُنُّ قُرَيشٌ، واللهِ إنِّي لا أزالُ أُجاهِدُهم على الذي بَعَثَني اللهُ له حَتَّى يُظهرَه اللهُ له أو تَنفَرِدَ هذه السَّالِفةُ»، ثُمَّ أمَرَ النَّاسَ، فسَلَكوا ذاتَ اليَمينِ بَينَ ظَهرَيِ الحَمضِ على طَريقٍ تُخرِجُه على ثَنيَّةِ المُرارِ والحُدَيبيةِ مِن أسفَلِ مَكَّةَ، قال: فسَلَكَ بالجَيشِ تلك الطَّريقَ، فلَمَّا رَأت خَيلُ قُرَيشٍ قَترةَ الجَيشِ قد خالَفوا عن طَريقِهم، نَكَصوا راجِعينَ إلى قُرَيشٍ، فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا سَلَكَ ثَنيَّةَ المُرارِ بَرَكَت ناقَتُه، فقال النَّاسُ: خَلَأت. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ما خَلَأت، وما هو لها بخُلُقٍ، ولَكِن حَبَسَها حابِسُ الفيلِ عن مَكَّةَ، واللهِ لا تَدعوني قُرَيشٌ اليَومَ إلى خُطَّةٍ يَسألوني فيها صِلةَ الرَّحِمِ إلَّا أعطَيتُهم إيَّاها» ثُمَّ قال للنَّاسِ: «انزِلوا» فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، ما بالوادي مِن ماءٍ يَنزِلُ عليه النَّاسُ. فأخرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَهمًا مِن كِنانَتِه، فأعطاه رَجُلًا مِن أصحابِه، فنَزَلَ في قَليبٍ مِن تلك القُلُبِ، فغَرَزَه فيه، فجاشَ الماءُ بالرِّواءِ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ عنه بعَطَنٍ، فلَمَّا اطمَأنَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا بُدَيلُ بنُ ورقاءَ في رِجالٍ مِن خُزاعةَ، فقال لهم كَقَولِه لبَشيرِ بنِ سُفيانَ، فرَجَعوا إلى قُرَيشٍ فقالوا: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنَّكُم تَعجَلونَ على مُحَمَّدٍ، وإنَّ مُحَمَّدًا لم يَأتِ لقِتالٍ، إنَّما جاءَ زائِرًا لهذا البَيتِ، مُعَظِّمًا لحَقِّه. فاتَّهَموهُم. قال مُحَمَّدٌ يَعني ابنَ إسحاقَ: قال الزُّهريُّ: وكانَت خُزاعةُ في عَيبةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُسلِمُها ومُشرِكُها، لا يُخفونَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيئًا كان بمَكَّةَ، قالوا: وإن كان إنَّما جاءَ لذلك، فلا واللهِ لا يَدخُلُها أبَدًا علينا عَنوةً، ولا تَتَحَدَّثُ بذلك العَرَبُ. ثُمَّ بَعَثوا إليه مِكرَزَ بنَ حَفصِ بنِ الأخيَفِ، أحَدَ بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، فلَمَّا رَآهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: «هذا رَجُلٌ غادِرٌ». فلَمَّا انتَهى إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَلَّمَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بنَحوٍ مِمَّا كَلَّمَ به أصحابَه، ثُمَّ رَجَعَ إلى قُرَيشٍ، فأخبَرَهم بما قال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فبَعَثوا إليه الحِلْسَ بنَ عَلقَمةَ الكِنانيَّ، وهو يَومَئِذٍ سَيِّدُ الأحابِشِ، فلَمَّا رَآهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «هذا مِن قَومٍ يَتَألَّهونَ، فابعَثوا الهَديَ في وَجههِ». فبَعَثوا الهَديَ، فلَمَّا رَأى الهَديَ يَسيلُ عليه مِن عُرضِ الوادي في قَلائِدِه، قد أُكِلَ أوبارُه مِن طولِ الحَبسِ عن مَحِلِّه، رَجَعَ، ولَم يَصِلْ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إعظامًا لما رَأى، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، قد رَأيتُ ما لا يَحِلُّ صَدُّه: الهَديَ في قَلائِدِه قد أُكِلَ أوبارُه مِن طولِ الحَبسِ عن مَحِلِّه. فقالوا: اجلِسْ، إنَّما أنتَ أعرابيٌّ لا عِلمَ لَكَ، فبَعَثوا إليه عُروةَ بنَ مَسعودٍ الثَّقَفيَّ، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنِّي قد رَأيتُ ما يَلقى مِنكُم مَن تَبعَثونَ إلى مُحَمَّدٍ إذا جاءَكُم، مِنَ التَّعنيفِ وسوءِ اللَّفظِ، وقد عَرَفتُم أنَّكُم والِدٌ وأنِّي ولَدٌ، وقد سَمِعتُ بالذي نابَكُم، فجَمَعتُ مَن أطاعَني مِن قَومي، ثُمَّ جِئتُ حَتَّى آسَيتُكُم بنَفسي. قالوا: صَدَقتَ، ما أنتَ عِندَنا بمُتَّهَمٍ. فخَرَجَ حَتَّى أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجَلَسَ بَينَ يَدَيه، فقال: يا مُحَمَّدُ، جَمَعتَ أوباشَ النَّاسِ، ثُمَّ جِئتَ بهم لبَيضَتِكَ لتَفُضَّها، إنَّها قُرَيشٌ قد خَرَجَت مَعَها العُوذُ المَطافيلُ، قد لَبِسوا جُلودَ النُّمورِ، يُعاهِدونَ اللهَ أن لا تَدخُلَها عليهم عَنوةً أبَدًا، وأيمُ اللهِ لَكَأنِّي بهؤلاء قدِ انكَشَفوا عنكَ غَدًا. قال: وأبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ خَلفَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قاعِدٌ، فقال: امصُصْ بَظرَ اللَّاتِ، أنَحنُ نَنكَشِفُ عنه؟! قال: مَن هذا يا مُحَمَّدُ؟ قال: «هذا ابنُ أبي قُحافةَ» قال: واللهِ لَولا يَدٌ كانَت لَكَ عِندي لَكافَأتُكَ بها، ولَكِن هذه بها. ثُمَّ تَناولَ لحيةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمُغيرةُ بنُ شُعبةَ واقِفٌ على رَأسِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الحَديدِ، قال: يَقرَعُ يَدَه، ثُمَّ قال: أمسِكْ يَدَكَ عن لحيةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ واللهِ لا تَصِلُ إليكَ. قال: ويحَكَ، ما أفظَّكَ وأغلَظَكَ! قال: فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: مَن هذا يا مُحَمَّدُ؟ قال: «هذا ابنُ أخيكَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ» قال: أَغُدَرُ! هَل غَسَلتُ سَوأتَكَ إلَّا بالأمسِ؟! قال: فكَلَّمَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمِثلِ ما كَلَّمَ به أصحابَه، فأخبَرَه أنَّه لم يَأتِ يُريدُ حَربًا. قال: فقامَ مِن عِندِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقد رَأى ما يَصنَعُ به أصحابُه، لا يَتَوضَّأُ وُضوءًا إلَّا ابتَدَروهُ، ولا يَبسُقُ بُساقًا إلَّا ابتَدَروهُ، ولا يَسقُطُ مِن شَعرِه شَيءٌ إلَّا أخَذوهُ، فرَجَعَ إلى قُرَيشٍ، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنِّي جِئتُ كِسرى في مُلكِه، وجِئتُ قَيصَرَ والنَّجاشيَّ في مُلكِهما، واللهِ ما رَأيتُ مَلِكًا قَطُّ مِثلَ مُحَمَّدٍ في أصحابِه، ولَقد رَأيتُ قَومًا لا يُسلِمونَه لشَيءٍ أبَدًا، فرُوا رَأيَكُم. قال: وقد كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ ذلك بَعَثَ خِراشَ بنَ أُمَيَّةَ الخُزاعيَّ إلى مَكَّةَ، وحَمَلَه على جَمَلٍ له يُقالُ له: الثَّعلَبُ، فلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ عَقَرَت به قُرَيشٌ، وأرادوا قَتلَ خِراشٍ، فمَنَعَهمُ الأحابِشُ حَتَّى أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدَعا عُمَرَ ليَبعَثَه إلى مَكَّةَ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أخافُ قُرَيشًا على نَفسي، وليس بها مِن بَني عَديٍّ أحَدٌ يَمنَعُني، وقد عَرَفَت قُرَيشٌ عَداوتي إيَّاها، وغِلظَتي عليها، ولَكِن أدُلُّكَ على رَجُلٍ هو أعَزُّ مِنِّي: عُثمانَ بنِ عَفَّانَ. قال: فدَعاه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبَعَثَه إلى قُرَيشٍ يُخبِرُهم أنَّه لم يَأتِ لحَربٍ، وأنَّه جاءَ زائِرًا لهذا البَيتِ، مُعَظِّمًا لحُرمَتِه، فخَرَجَ عُثمانُ حَتَّى أتى مَكَّةَ، ولَقيَه أبانُ بنُ سَعيدِ بنِ العاصِ، فنَزَلَ عن دابَّتِه وحَمَلَه بَينَ يَدَيه، ورَدِفَ خَلفَه، وأجارَه حَتَّى بَلَّغَ رِسالةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فانطَلَقَ عُثمانُ حَتَّى أتى أبا سُفيانَ وعُظَماءَ قُرَيشٍ، فبَلَّغَهم عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أرسَلَه به، فقالوا لعُثمانَ: إن شِئتَ أن تَطوفَ بالبَيتِ فطُفْ به. فقال: ما كُنتُ لأفعَلَ حَتَّى يَطوفَ به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فاحتَبَسَته قُرَيشٌ عِندَها، فبَلَغَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُسلِمينَ أنَّ عُثمانَ قد قُتِلَ. قال مُحَمَّدٌ: فحَدَّثَني الزُّهريُّ: أنَّ قُرَيشًا بَعَثوا سُهَيلَ بنَ عَمرٍو، أحَدَ بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، فقالوا: ائتِ مُحَمَّدًا فصالِحْه، ولا يَكونُ في صُلحِه إلَّا أن يَرجِعَ عنَّا عامَه هذا، فواللهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّه دَخَلَها علينا عَنوةً أبَدًا، فأتاه سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، فلَمَّا رَآهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «قد أرادَ القَومُ الصُّلحَ حينَ بَعَثوا هذا الرَّجُلَ»، فلَمَّا انتَهى إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَكَلَّما، وأطالا الكَلامَ، وتَراجَعا حَتَّى جَرى بَينَهما الصُّلحُ، فلَمَّا التَأمَ الأمرُ ولَم يَبقَ إلَّا الكِتابُ وثَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فأتى أبا بَكرٍ، فقال: يا أبا بَكرٍ، أوَليس برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ أولَسنا بالمُسلِمينَ؟ أولَيسوا بالمُشرِكينَ؟ قال: بَلى. قال: فعَلامَ نُعطي الذِّلَّةَ في دينِنا. فقال أبو بَكرٍ: يا عُمَرُ، الزَمْ غَرزَه حَيثُ كان، فإنِّي أشهَدُ أنَّه رَسولُ اللهِ. قال عُمَرُ: وأنا أشهَدُ، ثُمَّ أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أولَسنا بالمُسلِمينَ؟ أولَيسوا بالمُشرِكينَ؟ قال: «بَلى»، قال: فعَلامَ نُعطي الذِّلَّةَ في دينِنا؟ فقال: «أنا عَبدُ اللهِ ورَسولُه، لَن أُخالِفَ أمرَه، ولَن يُضَيِّعَني» ثُمَّ قال عُمَرُ: ما زِلتُ أصومُ وأتَصَدَّقُ وأُصَلِّي وأُعتِقُ مِنَ الذي صَنَعتُ؛ مَخافةَ كَلامي الذي تَكَلَّمتُ به يَومَئِذٍ حَتَّى رَجَوتُ أن يَكونَ خَيرًا، قال: ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اكتُبْ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ» فقال سُهَيلُ بنُ عَمرٍو: لا أعرِفُ هذا، ولَكِنِ اكتُبْ: باسمِكَ اللهُمَّ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اكتُبْ: باسمِكَ اللهُمَّ، هذا ما صالَحَ عليه مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو» فقال سُهَيلُ بنُ عَمرٍو: لَو شَهِدتُ أنَّكَ رَسولُ اللهِ لم أُقاتِلْك، ولَكِنِ اكتُبْ: هذا ما اصطَلَحَ عليه مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ وسُهَيلُ بنُ عَمرٍو على وضعِ الحَربِ عَشرَ سِنينَ، يَأمَنُ فيها النَّاسُ، ويَكُفُّ بَعضُهم عن بَعضٍ، على أنَّه مَن أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أصحابِه بغَيرِ إذنِ وليِّه رَدَّه عليهم، ومَن أتى قُرَيشًا مِمَّن مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَرُدُّوهُ عليه، وإنَّ بَينَنا عَيبةً مَكفوفةً، وإنَّه لا إسلالَ ولا إغلالَ. وكان في شَرطِهم حينَ كَتَبوا الكِتابَ أنَّه مَن أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقدِ مُحَمَّدٍ وعَهدِه دَخَلَ فيه، ومَن أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقدِ قُرَيشٍ وعَهدِهم دَخَلَ فيه، فتَواثَبَت خُزاعةُ فقالوا: نَحنُ مَعَ عَقدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعَهدِه، وتَواثَبَت بَنو بَكرٍ، فقالوا: نَحنُ في عَقدِ قُرَيشٍ وعَهدِهم. وأنَّكَ تَرجِعُ عنَّا عامَنا هذا، فلا تَدخُلْ علينا مَكَّةَ، وأنَّه إذا كان عامُ قابِلٍ خَرَجنا عنكَ، فتَدخُلُها بأصحابِكَ، وأقَمتَ فيهم ثَلاثًا مَعَكَ سِلاحُ الرَّاكِبِ، لا تَدخُلها بغَيرِ السُّيوفِ في القُرُبِ. فبَينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَكتُبُ الكِتابَ إذ جاءَه أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو في الحَديدِ قدِ انفَلَتَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: وقد كان أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَرَجوا وهُم لا يَشُكُّونَ في الفَتحِ لرُؤيا رَآها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا رَأوا ما رَأوا مِنَ الصُّلحِ والرُّجوعِ، وما تَحَمَّلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على نَفسِه، دَخَلَ النَّاسَ مِن ذلك أمرٌ عَظيمٌ حَتَّى كادوا أن يَهلِكوا، فلَمَّا رَأى سُهَيلٌ أبا جَندَلٍ، قامَ إليه، فضَرَبَ وجهَه، ثُمَّ قال: يا مُحَمَّدُ، قد لَجَّتِ القَضيَّةُ بَيني وبَينَكَ قَبلَ أن يَأتيَكَ هذا. قال: «صَدَقتَ». فقامَ إليه، فأخَذَ بتَلبيبِه، قال: وصَرَخَ أبو جَندَلٍ بأعلى صَوتِه: يا مَعاشِرَ المُسلِمينَ، أتَرُدُّونَني إلى أهلِ الشِّركِ، فيَفتِنوني في ديني. قال: فزادَ النَّاسُ شَرًّا إلى ما بهم. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا أبا جَندَلٍ اصبِرْ واحتَسِبْ؛ فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ جاعِلٌ لَكَ ولمَن مَعَكَ مِنَ المُستَضعَفينَ فرَجًا ومَخرَجًا، إنَّا قد عَقدنا بَينَنا وبَينَ القَومِ صُلحًا، فأعطَيناهُم على ذلك، وأعطَونا عليه عَهدًا، وإنَّا لَن نَغدِرَ بهم». قال: فوثَبَ إليه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مَعَ أبي جَندَلٍ، فجَعَلَ يَمشي إلى جَنبِه وهو يَقولُ: اصبِرْ أبا جَندَلٍ؛ فإنَّما هُمُ المُشرِكونَ، وإنَّما دَمُ أحَدِهم دَمُ كَلبٍ. قال: ويُدني قائِمَ السَّيفِ مِنه. قال: يَقولُ: رَجَوتُ أن يَأخُذَ السَّيفَ، فيَضرِبَ به أباه. قال: فضَنَّ الرَّجُلُ بأبيه، ونَفَذَتِ القَضيَّةُ، فلَمَّا فرَغا مِنَ الكِتابِ، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي في الحَرَمِ وهو مُضطَرِبٌ في الحِلِّ. قال: فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: «يا أيُّها النَّاسُ، انحَروا واحلِقوا» قال: فما قامَ أحَدٌ، قال: ثُمَّ عادَ بمِثلِها، فما قامَ رَجُلٌ، حَتَّى عادَ بمِثلِها، فما قامَ رَجُلٌ، فرَجَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدَخَلَ على أُمِّ سَلَمةَ، فقال: «يا أُمَّ سَلَمةَ، ما شَأنُ النَّاسِ؟» قالت: يا رَسولَ اللهِ، قد دَخَلَهم ما قد رَأيتَ، فلا تُكَلِّمَنَّ مِنهم إنسانًا، واعمِدْ إلى هَديِكَ حَيثُ كان فانحَرْه واحلِقْ، فلَو قد فعَلتَ ذلك فعَلَ النَّاسُ ذلك. فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يُكَلِّمُ أحَدًا حَتَّى أتى هَديَه فنَحَرَه، ثُمَّ جَلَسَ فحَلَقَ، فقامَ النَّاسُ يَنحَرونَ ويَحلِقونَ. قال: حَتَّى إذا كان بَينَ مَكَّةَ والمَدينةِ في وسَطِ الطَّريقِ، فنَزَلَت سورةُ الفَتحِ
الراويالمسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم
المحدثشعيب الأرناؤوط
الصفحة أو الرقم18910
خلاصة حكم المحدثإسناده حسن
خرج نافعُ بنُ الأزرقِ ونجدةُ بنُ عويمرٍ في نفرٍ من رؤوسِ الخوارجِ ينقرون عن العلمِ ويطلبونَه حتى قدموا مكةَ فإذا هم بعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ قاعدًا قريبًا من زمزمَ وعليه رداءٌ أحمرُ وقميصٌ فإذا أناسٌ قيامٌ يسألونه عن التفسيرِ يقولون يا ابنَ عباسٍ ما تقولُ في كذا وكذا فيقولُ هو كذا وكذا فقال له نافعُ بنُ الأزرقِ ما أجرأكَ يا ابنَ عباسٍ على ما تخبرُ به منذ اليومَ فقال له ابنُ عباسٍ ثكلتْك أُمُّك يا نافعُ وعدمْتُك ألا أخبرُك من هو أجرأُ منِّي قال من هو يا ابنَ عباسٍ قال رجلٌ تكلَّم بما ليس له به عِلْمٌ أو كتم علمًا عندَه قال صدقتَ يا ابنَ عباسٍ أتيتُك لِأسألُك قال هاتِ يا ابنَ الأزرقِ فسلِ قال فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ من نَارٍ ما الشواظُ قال اللهبُ الذي لا دخانَ فيه قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم أما سمعت قولَ أميةَ بنَ أبي الصلْتِ أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ حَسَّانَ عَنِّي مُغَلْغَلَةً تَدِبُّ إلى عُكَاظِ أَلَيْسَ أَبُوكَ قَيْنًا كَانَ فِينَا إلى القَيْنَاتِ فَسْلًا في الحِفَاظِ يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشُبُّ كِيرًا ويَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّوَاظِ قال صدقتَ فأخبرني عن قولِه ونُحاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ما النحاسُ قال الدخانُ الذي لا لهبَ فيه قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيانَ يُضِيءُ كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّليـ ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فِيهِ نُحاسَا قَالَ صَدَقْتَ فَأَخْبِرْنِي عن قَوْلِ اللهِ عزَّ وجلَّ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ قال ماءُ الرجُلِ ومَاءُ المرْأَةِ إذا اجْتَمَعَا في الرَّحِمِ كَانَ مِشْجًا قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ وهو يقولُ كأنَّ النصلَ والفوقينِ فيه خلافُ الريش سيطٌ به مشيجُ – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ما الساقُ بالساقِ قال الحربُ قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قول أبي ذُؤَيْبٍ أَخُو الحَرْبِ إِنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّهَا وإِنْ شَمَّرَتْ عن سَاقِهَا الحَرْبُ شَمَّرَا فأخبرني عن قولِ الله عزَّ وجلَّ بَنِينَ وحَفَدَةً ما البنونُ والحفدةُ قال أمَّا بنوكَ فإنهم يُغاظونَك وأمَّا حفدتُك فإنهم خدمُك قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قول أميةَ بنَ الصلتِ حَفَدَ الوَلَائِدُ حَوْلَهُنَّ وأُلْقِيَتْ بِأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الأَحْمَالِ قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ الله عزَّ وجلَّ إِنَّمَا أَنْتَ من المُسَحَّرِينَ قال من المخلوقين قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ أميةَ بن أبي الصلتِ الثقفيِّ وهو يقولُ فَإِنْ تَسْأَلِينَا مِمَّ نَحْنُ فَإِنَّنَا عَصافِيرُ من هذا الأَنَامِ المُسَحَّرِ قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ فَنَبَذْنَاهُ في اليَمِّ وهُوَ مُلِيمٌ ما المُلِيمُ ؟ قال المُذْنِبُ قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ أميةَ بن أبي الصلتِ وهو يقولُ بَعِيدٌ من الآفَاتِ لَسْتَ لَهَا بِأَهْلٍ ولَكِنَّ المُسِيءَ هو المُلِيمُ قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ ما الفلقُ قال ضوءُ الصبحِ قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ لبيدَ بنِ ربيعةِ وهو يقولُ الفَارِجُ الهَمِّ مَبْذُولٌ عَسَاكِرُهُ كَمَا يُفَرِّجُ ضَوْءَ الظُّلْمَةِ الفَلَقُ – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ لِكَيْلَا تَأْسَوْا على ما فَاتَكُمْ ولَا تَفْرَحُوا بِمَا آتاكُمْ ما الأساةُ قال لا تحزنوا قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ لبيدَ بنِ ربيعةِ قَلِيلُ الأَسَى فِيمَا أَتَى الدَّهْرُ دُونَهُ كَرِيمُ النَّثَا حُلْوُ الشَّمَائِلِ مُعْجِبُ – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ ما يحورُ قال يرجعُ قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ لبيد بن ربيعة ومَا المَرْءُ إِلَّا كَالشِّهَابِ وضَوْؤُهُ يَحُورُ رَمَادًا بَعْدَ إِذْ هو سَاطِعُ قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ما الآن قال الذي قد انتهى حره قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيانَ فَإِنْ يَقْبِضْ عليك أَبْو قُبَيْسٍ تَحُطَّ بِكَ المَنِيَّةُ في هَوَانِ – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ما الصريمُ قال الليلُ المظلمُ قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ نابغةِ بني ذُبيانَ لا تَزْجُرُوا مُكْفَهِرًّا لا كَفَاءَ لَهُ كاللَّيْلِ يَخْلِطُ أَصْرَامًا بِأَصْرَامِ – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ ما غَسَقُ اللَّيْلِ قال إِذَا أَظْلَمَ قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ النابغة وهو يقولُ كَأَنَّمَا جَدُّ ما قَالُوا ومَا وعَدُوا آلٌ تَضَمَّنَهُ من دَامِسٍ غَسَقِ قال أَبُو خَلِيفَةَ الآلُ السَّرَابُقال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ وكَانَ اللهُ على كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ما المقيتُ قال قادرٌ قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ امرئِ القيسِ وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ الضِّغْنَ عنه وإِنِّي في مُسَاءَتِهِ مُقِيتُ – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ واللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ قال إقبالُ سوادَه قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ امرئِ القيسِ عَسْعَسَ حتى لَوْ يُشَا كَا نَ لَهُ من ضَوْئِهِ قَبَسُ– قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ وأَنَا بِهِ زَعِيمٌ قال الزعيمُ الكفيلُ قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ امرئِ القيسِ وإِنِّي زَعِيمٌ إِنْ رَجَعْتُ مُمَلَّكًا بِسَيْرٍ تَرَى مِنْهُ الفَرَانِقَ أَزْوَرَا – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ وفُومِهَا ما الفومُ قال الحنطةُ قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ أبي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُنِي كَأَغْنَى وافِدٍ قَدِمَ المَدِينَةَ عن زِرَاعَةِ فُومِ – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ والْأَزْلَامُ ما الأزلامُ قال القداحُ قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ الحُطَيْئَةِ لا يَزْجُرُ الطَّيْرَ إِنْ مَرَّتْ بِهِ سُنْحًا ولَا يُقَامُ لَهُ قَدَحٌ بِأَزْلَامِ – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ وأَصْحابُ المَشْأَمَةِ ما أَصْحابُ المَشْأَمَةِ قال أصحابُ الشمالِ قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ زُهَيْرِ بنِ أبي سُلْمَى حَيْثُ يقولُ نَزَلَ الشَّيْبُ بِالشِّمَالِ قَرِيبًا والْمُرُورَاتِ دَانِيًا وحَقِيرَا– قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ وإِذَا البِحارُ سُجِّرَتْ قال اختلطَ ماؤها بماءِ الأرضِ قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ زُهَيْرِ بنِ أبي سُلْمَى لَقَدْ عَرَفَتْ رَبِيعَةُ في جُذَامٍ وكَعْبٌ خالُهَا وابْنَا ضِرَارِ لَقَدْ نَازَعْتُهُمْ حَسَبًا قَدِيمًا وقَدْ سَجَرَتْ بِحارُهُمْ بِحارِي – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الحُبُكِ ما الحبكُ قال الطرائقُ قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ زُهَيْرِ بنِ أبي سُلْمَى مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ رِيحُ الشَّمَالِ لِضَاحِي ما بِهِ حُبُكُ – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ وأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا قال ارتفعتْ عَظَمةُ ربِّنا قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ طَرَفَةَ بنِ العَبْدِ لِلنُّعْمَانِ بنِ المُنْذِرِ إلى مَلِكٍ يَضْرِبُ الدَّارِعِينَ لَمْ يَنْقُصِ الشَّيْبُ مِنْهُ قُبالًا أَتَرْفَعُ جَدَّكَ إنِّي امْرُؤٌ سَقَتْنِي الأَعَادِي سِجَالًا سِجَالَا – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ حتى تَكُونَ حَرَضًا قال الحرضُ البالي قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ طَرَفَةَ بنِ العَبْدِ أَمِنْ ذِكْرِ لَيْلَى إِنْ نَأَتْ غُرْبَةٌ بِهَا أَعُدْ حَرِيضًا لِلْكِرَاءِ مُحَرَّمِ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ وأَنْتُمْ سَامِدُونَ قال لاهون قال وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم أما سمعتَ قولَ هُزَيْلَةَ بِنْتِ بَكْرٍ تَبْكِي عَادًا بُعِثَتْ عَادٌ لَقِيمًا وأَتَى سَعْدٌ شَرِيدَا- قِيلَ قُمْ فَانْظُرْ إليهمْ ثمَّ دَعْ عَنْكَ السُّمُودَا – قال فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ إِذَا اتَّسَقَ ما اتساقه قال إذا اجتمع قال فهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ أبي صِرْمَةَ الأَنْصارِيِّ إِنَّ لنا قَلَائِصًا نَقَائِقَا مُسْتَوْسِقَاتٍ لَوْ تَجِدْنَ سَائِقَا – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ الصَّمَدُ أما الأحدُ فقد عرفناه فما الصمدُ قال الذي يصمدُ إليه في الأمورِ كلِّها قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبل أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم أما سمعتَ بقولِ الأسَدِيَّةِ أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدِ بِعَمْرِو بنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ يَلْقَ أَثَامًا أما الأثامُ قال جزاءٌ قال فهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ بشر بن أبي خازمِ الأسديِّ وإِنَّ مَقَامَنَا يَدْعُو عَلَيْهِمْ بِأَبْطَحِ ذِي المَجَازِ لَهُ أَثَامُ – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ وهُوَ كَظِيمٌ قال الساكتُ قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ زهيرِ بنِ خزيمةَ العبسيِّ فَإِنْ يَكُ كَاظِمًا بِمُصابِ شَاسِ فَإِنِّي اليَوْمَ مُنْطَلِقُ اللِّسَانِ – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ما الركزُ قال صوتًا قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ خراشِ بن زهيرٍ فَإِنْ سَمِعْتُمْ بَخِيلٍ هَابِطٍ شَرَفًا أَوْ بَطْنِ قَوٍّ فَأَخْفُوا الرِّكْزَ واكْتَتِمُوا – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ قال إذ تقتلونهم بإذنِه قال وهل كانتِ العربُ تعرفُ ذلك قبلَ أن ينزلَ الكتابُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم قال أما سمعتَ قولَ عتبةَ الليثيِّ نَحُسُّهُمُ بِالْبَيْضِ حتى كَأَنَّنَا نُفَلِّقُ مِنْهُمْ بِالْجَمَاجِمِ حَنْظَلَا – قال صدقتَ فأخبرني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ هل كان الطلاقُ يُعرفُ في الجاهليةِ قال نعم طلاقًا بائنًا ثلاثًا أما سمعتَ قولَ أعشى بني قيس بن ثعلبة حين أخذه أُخْتانُهُ غَيْرَةً فقالوا إنك قد أضررتَ بصاحبتِنا وإنا نُقسمُ باللهِ أن لا نضعَ العصا عنك أو تُطلِّقُها فلما رأى الجدَّ منهم وإنهم فاعلون به شرًّا قال أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ كَذَاكِ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وطَارِقَهْ – فقالوا واللهِ لَتبيننَّ لها الطلاقَ أو لا نضعُ العصا عنك فقال فَبِينِي فَإِنَّ البَيْنَ خَيْرٌ من العَصا وأَنْ لا تَزَالِي فَوْقَ رَأْسِكِ طَارِقَهْ فأبانها بثلاثِ تطليقاتٍ
الراويالضحاك بن مزاحم
المحدثالهيثمي
الصفحة أو الرقم6/306
خلاصة حكم المحدثفيه جويبر وهو متروك
خرَج نافعُ بنُ الأزرَقِ ونَجْدةُ بنُ عُوَيمرٍ في نَفَرٍ مِن رؤوسِ الخوارجِ يُنَقِّرون عَنِ العِلمِ ويطلُبونه حتَّى قدِموا مكَّةَ فإذا هم بعبدِ اللهِ بن عبَّاس قاعدًا قريبًا مِن زَمْزمَ وعليه رِداءٌ له أحمرُ وقميصٌ فإذا ناسٌ قيامٌ يسألونه عن التَّفسيرِ يقولون يا أبا عبَّاسٍ ما تقولُ في كذا وكذا فيقولُ هو كذا وكذا فقال له نافعٌ ما أجْرَأَك يا ابنَ عبَّاسٍ على ما تُخْبِرُ به منذُ اليومَ فقال له ابنُ عبَّاسٍ ثَكِلَتْك أُمُّك وعدِمَتْك ألَا أُخْبِرُك مَن هو أجْرَأُ منِّي قال مَن هو يا ابنَ عبَّاسٍ قال رجلٌ تكلَّم بما ليس له به عِلمٌ أو رجلٌ كتَم عِلمًا عندَه قال صدَقْتَ يا ابنَ عبَّاسٍ إنِّي أتَيْتُك لِأسألَك قال هاتِ يا ابنَ الأزرَقِ فسَلْ قال أخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { يُرْسِلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٍ } ما الشُّواظُ قال اللَّهَبُ الَّذي لا دُخَانَ فيه قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قبل أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قول أُمَيَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ ألَا مِنْ مُبْلِغٍ حَسَّانَ عَنِّي ... مُغَلْغِلَةً تَذبُّ إِلَى عُكَاظٍ أَلَيْسَ أَبُوكَ قَيْنًا كَانَ فِينَا ... إِلَى الْفَتَيَاتِ فَسْلًا فِي الْحِفَاظِ يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشِبُّ كِيرًا ... وَيَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّوَاظِ. قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قولِه { وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ } قال الدُّخَانُ الَّذي لا لهَبَ فيه قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قبل أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ نابغةَ بني ذُبْيانَ يُضِيءُ كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِيـ ـطِ ... لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ نُحَاسًا. يعني دُخَانًا قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قولِ اللهِ { أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ } قال ماءُ الرَّجلِ وماءُ المرأةِ إذا اجتمعا في الرَّحِمِ كان مَشيجًا قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قبل أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قولَ أبي ذُؤَيبٍ الهُذَلِيِّ وهو يقولُ كَأَنَّ النَّصْلَ وَالْقَوْقَيْنِ فِيهِ ... خِلَافُ الرِّيشِ سِيطَ بِهِ مَشِيجُ. قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قولِ اللهِ تعالى { وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ } ما السَّاقُ بالسَّاقِ قال الحربُ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قبل أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ أبي ذُؤَيبٍ أَخُو الْحَرْبِ إِنْ عَضَّتْ بِهِ الْحَرْبُ عَضَّهَا ... وَإِنْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا الْحَرْبُ شَمَّرَا. قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { بَنِينَ وحَفَدَةٍ } ما البَنينُ والحَفَدةُ قال أمَّا بنوك فإنَّهم يتعاطونك وأمَّا حفَدَتُك فإنَّهم خَدَمُك قال وهل كانتِ العربُ تعرِفَ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ أميَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ حَفَدَ الْوَلَائِدُ حَوْلَهُنَّ وَأُلْقِيَتْ ... بِأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الْأَحْمَالِ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { إنَّما أنت مِنَ المُسَحَّرِينَ } قال مِنَ المخلوقينَ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قولَ أُمَيَّةَ بنِ أبي الصَّلتِ الثَّقَفِيِّ وهو يقولُ فَإِنْ تَسْأَلِينَا مِمَّ نَحْنُ فَإنَّنَا عَصَافِيرُ مِنْ هذا الأَنَامِ المُسَحَّرِ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { فَنَبَذْنَاهُ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلَيمٌ } ما المُليمُ قال المُذْنِبُ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ أُمَيَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ وهو يقولُ بَعِيدٌ مِنَ الْآفَاتِ لَسْتَ لَهَا بِأَهْلٍ ... وَلَكِنَّ الْمُسِيءَ هُوَ الْمُلِيمُ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ } ما الفَلَقُ قال هو الصُّبْحُ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ لَبيدِ بنِ رَبيعةَ وهو يقولُ الفَارِجُ الهَمِّ مَبذولٌ عَساكِرُه كَمَا يُفَرِّجُ ضَوءَ الظُّلْمةِ الفَلَقُ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { لَكَيْلَا تَأْسَوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ } ما الأَساةُ قال لا تحزَنوا قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ لَبيدِ بنِ رَبيعةَ قَلِيلُ الأَسَى فِيمَا أَتَى الدَّهْرُ دُونَه كَرِيمُ الثَّنَاءِ حُلْوُ الشَّمَائِلِ مُعْجِبُ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { إنَّهُ ظَنَّ أْنْ لَنْ يَحُورَ } ما يَحورُ قال يرجِعُ قال هل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ لَبيدِ بنِ رَبيعةَ وَمَا المَرْءُ إلَّا كَشِهَابٍ وَضَوْئِهِ يَحُورُ رَمَادًا بَعْدَ إذ هو سَاطِعُ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ } ما الآنُ قال الَّذي انتَهى حَرُّه قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ نابغةَ بني ذُبْيانَ فَإِنْ يَقْبِضْ عَلَيْكَ أَبُو قُبَيْسٍ ... تَحُطَّ بِكَ الْمَنِيَّةُ فِي هَوَانِ وَتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وَخَانَتْ ... بِأَحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الْجَوْفِ آنِ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ } ما الصَّريمُ قال اللَّيلُ المُظلِمُ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ نابِغةَ بني ذبيانَ لَا تَزْجُروا مُكْفَهِرًّا لَا كَفاءَ لَهُ كَاللَّيْلِ يَخْلُطُ أَصْرَامًا بِأَصْرَامِ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } ما غَسَقُ اللَّيلِ قال إذا أظْلَم قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ النَّابِغةِ يقولُ كَأَنَّمَا جَدُّ مَا قَالُوا وَمَا وَعَدُوا ... آلٌ تَضَمَّنَهُ مِنْ دَامِسٍ غَسَقِ قال أبو خَليفةَ الآلُ السَّرابُ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شيءٍ مُقِيتًا } ما المُقيتُ قال قادِرٌ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ النَّابغةَ يقولُ وذي ضِغْنٍ كَفَفْتُ الضِّغْنَ عَنْهُ وإنِّي فِي مَسَاءَتِه مُقِيتُ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { واللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ } قال إقبالُ سَوادِه قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ امرِئِ القَيسِ عَسْعَسَ حتَّى لَوْ يَشَاءُ أَدْنى كَأَنْ له مِن ضَوءِ نُورِهِ مَقْبِسُ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } قال الزَّعيمُ الكَفيلُ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ امرِئِ القَيسِ وإنِّي زَعِيمٌ إنْ رَجَعْتُ مُمَلَّكًا بِسَيرٍ يُرَى مِنْهُ الغَرَانِقُ أَزْوَرَا قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { وَفُوِمِها } ما الفُومُ قال الحِنْطةُ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ أبي ذُؤَيبٍ الهُذَلِيِّ قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُنِي كَأَغْنَى وَافِدٍ قَدِمَ المَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { وَالأَزْلَامَ } ما الأزْلامُ قال القِداحُ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ الحُطَيئةِ لا يَزْجُرُ الطَّيْرَ إنْ مَرَّتْ بِهِ سُنُحًا وَلَا يُقَامُ لَهُ قِدْحٌ بِأَزْلَامِ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قولِه تعالى { وَأَصْحَابُ المَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ المَشْأَمَةِ } قال أصحابُ الشِّمالِ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ زُهَيرَ بنَ أبي سُلْمى حيثُ يقولُ نَزَلَ الشَّيْبُ بالشِّمَالِ قَرِيبًا والمُرُورَاتِ دَانِيًا وَحَقِيرَا قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ } قال اختَلط ماؤها بماءِ الأرضِ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ زُهَيرِ بنِ أبي سُلْمى لَقَدْ عَرَفَتْ رَبِيعَةُ فِي جُذَامٍ وكَعْبٍ حالَها وابْنَا ضِرَارِ لَقَدْ نَازَعْتُمُ حَسَبًا قَدِيمًا وَقَدْ سَجَرَتْ بِحَارُهُمْ بِحَارِي قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { والسَّمَاءِ ذَاتِ الحُبُكِ } ما الحُبُكُ قال الطَّرَائِقُ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ زُهَيرِ بنِ أبي سُلْمى مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ ... رِيحُ الشِّمَالِ لِضَاحِي مَائِهِ حُبُكُ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ } قال ارتفَعَتْ عَظَمةُ رَبِّنا قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ طَرَفَةَ بنِ العَبْدِ للنُّعْمانِ بنِ المُنْذِرِ إِلَى مَلِكٍ يَضْرِبُ الدَّارِعِينَ ... لَمْ يَنْقُصِ الشَّيْبُ مِنْهُ قَبَالَا أتَرْفَعُ جَدَّكَ أنِّي امْرُؤٌ ... سَقَتْنِي الْأَعَادِي سِجَالًا سِجَالَا قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا } قال الحَرَضُ الباكي قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ طَرَفَةَ بنِ العَبْدِ أَمِنْ ذِكْرِ لَيْلَى إنْ نَأَتْ غُرْبَةٌ بِهَا أَعُدْ حَرِيضًا لِلْكِرَامِ مُحَرَّمَا قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ } قال لاهُونَ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ هُزَيْلَةَ بنتِ بَكْرٍ وهي تبكي عادًا نُعِيَتْ عادٌ لِصَمَا وَأَتَى سَعْدٌ شَرِيدَا قِيلَ قُمْ فَانْظُرْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ دَعْ عَنْكَ السُّمُودَا قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { إِذَا اتَّسَقَ } ما اتِّساقُه قال اجتمَع قال فهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ أبي صِرْمَةَ الأنصاريِّ إِنَّ لَنَا قَلَائِصًا نَقَانِقَا مُسْتَوْسِقَاتٍ لَوْ تَجِدْنَ سَائِقَا قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ الأحَدُ الصَّمَدُ أمَّا الأحَدُ فقد عرَفْنَاه فما { الصَّمَدُ } قال الَّذي يُصْمَدُ إليه في الأمورِ كُلِّها قال فهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ بقولِ الأسَدِيَّةِ أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَبَرِ بَنِي أَسَدْ ... بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قولِه تعالى { يَلْقَ أَثَامًا } ما الأثامُ قال الجزاءُ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ بِشْرِ بنِ أبي حازمٍ الأسَدِيِّ وَإِنَّ مَقَامَنَا يَدْعُو عَلَيْهِمْ ... بِأَبْطَحِ ذِي الْمَجَازِ لَهُ أَثَامُ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { وَهُوَ كَظِيمٌ } قال السَّاكِتُ قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ زُهَيرِ بنِ خُزَيْمَةَ العَبْسِيِّ فَإِنْ تَكُ كَاظِمًا بمُصَابِ شَاسٍ فإنِّي اليَوْمَ مُنْطَلِقُ اللِّسَانِ قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا } ما رِكْزًا قال صَوتًا قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ خِرَاشِ بنِ زُهَيرِ فَإِنْ سَمِعْتُمْ بِخَيْلٍ هَابِطٍ شَرَفًا أو بَطْنِ قُفٍّ فأخْفُوا الرِّكْزَ واكتَتِمُوا قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { إذ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } قال إذ تقتُلونهم بإذنِه قال وهل كانتِ العربُ تعرِفُ ذلك قَبلَ أن ينزِلَ الكتابُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال نعم أمَا سمِعْتَ قَولَ عُتْبَةَ اللَّيْثِيِّ نَحُسُّهُمْ بِالْبِيْضِ حَتَّى كَأَنَّمَا نُفَلِّقُ مِنْهُمْ بِالْجَمَاجِمِ حَنْظَلَا قال صدَقْتَ فأخبِرْني عن قَولِ اللهِ عزَّ وجلَّ { يَا أيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ } هل كان الطَّلاقُ يُعرَفُ في الجاهليَّةِ قال نعم طَلاقًا بائنًا ثلاثًا أمَا سمِعْتَ قَولَ أَعْشَى بنِ قَيْسِ بنِ ثَعْلَبَةَ حينَ أخذَه أَخْتانُه غَيرةً فقالوا إنَّك قد أضْرَرْتَ بصاحبتِنا وإنا نُقْسِمُ باللهِ أن لا نضَعَ العَصا عنك أو تُطَلِّقَها فلمَّا رأى الجِدَّ منهم وأنَّهم فاعلون به شرًّا قال أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَةْ كَذَاكِ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَهْ فقالوا واللهِ لتَبِينَنَّ لها الطَّلاقَ أو لا نضَعَ العَصا عنك فقال فبِينِي حَصَانَ الفَرْجِ غَيرَ دَمِيمَةٍ ومَوْمُوقةً مِنَّا كَمَا أَنْتِ وَامِقَةْ فقالوا واللهِ لتَبِينَنَّ لها الطَّلاقَ أو لا نضَعَ العَصا عنك فقال فَبِينِي فَإِنَّ البَينَ خيرٌ مِنَ العَصَا وَأَنْ لَا تَزَالَ فَوْقَ رَأْسِكِ وَبَارِقَةْ فأبانَها بثلاثِ تطليقاتٍ
الراويالضحاك بن مزاحم
المحدثالهيثمي
الصفحة أو الرقم9/281
خلاصة حكم المحدثفيه جويبر وهو ضعيف
عنِ ابنِ عبَّاسٍ قال: كان سُليمانُ عليهِ السَّلامُ يَجلِسُ على سَريرِه، ثُمَّ تُوضَعُ كَراسيُّ حولَه، فيَجلسُ عليها الإنسُ، ثُمَّ يَجلِسُ الجنُّ، ثُمَّ الشَّياطينُ، ثُمَّ تَأتي الرِّيحُ فتَرفَعُهم، ثُمَّ تُظِلُّهم الطَّيرُ، ثُمَّ يَغْدونَ قَدْرَ ما يَشتَهي الرَّاكبُ أن يَنزِلَ شَهرًا، ورَواحُها شَهرًا، قال: فبَينَما هوَ ذاتَ يومٍ في مَسيرٍ لَه إذْ تَفَقَّد الطَّيرَ، فَفَقدَ الهُدهدَ، {فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ}، قال: فَكان عَذابُه إيَّاهُ أنْ يَنتِفَه ثُمَّ يُلقِيَه في الأَرضِ، فَلا يَمتنِعُ مِن نَملةٍ وَلا مِن شَيءٍ مِن هَوامِّ الأرضِ. قال عطاءٌ: وذَكَر سعيدُ بنُ جُبيرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ مِثلَ حَديثِ مُجاهدٍ: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ}... فَقرأ حتَّى انتَهى إلى قَولِه: {سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا} وكتَبَ: بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ إلى بِلْقيسَ، {أنْ لَا تَعْلُوا عَلَيَّ وَائْتُونِي مُسْلِمِينَ}، فلمَّا أَلقى الهدهُدُ الكِتابَ إليها أُلقيَ في رُوعِها: إِنَّهُ كِتَابٌ كَرِيمٌ، وَإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ و{أَنْ لَا تَعْلُوا عَلَيَّ وَائْتُونِي مُسْلِمِينَ}، قالوا: نَحن أُولو قوَّةٍ، قالت: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا، {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ}، فلمَّا جاءتِ الهديَّةُ سُليمانَ قال: {أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ}؟! ارجِعْ إليهِمْ، فلمَّا نَظر إلى الغُبارِ أَخبَرَنا ابنُ عبَّاسٍ قال: وَكان بينَ سُليمانَ وبَين مَلِكةِ سَبَأٍ ومَن مَعَها حينَ نَظَر إلى الغُبارِ كَما بَينَنا وَبَين الحِيرةِ. قال عطاءٌ ومُجاهدٌ: حِينَئذٍ في الأَزدِ، قال سُليمانُ: أيُّكُم يَأتينِي بِعَرشِها؟ قال: وبَينَ عَرشِها وبينَ سُليمانَ حينَ نَظرَ إلى الغُبارِ مَسيرةُ شَهرَينِ، {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ}، قال: وَكان لِسُليمانَ مَجلسٌ يَجلِسُ فيهِ للنَّاسِ كَما يَجلِسُ الأُمراءُ، ثُمَّ يَقومُ قال: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ}، قال سُليمانُ: أُريدُ أَعجَلَ مِن ذلكَ، فَقال الَّذي عِندَه عِلمٌ منَ الكِتابِ: أنا أَنظُرُ في كِتابِ ربِّي، ثُمَّ آتيكَ بِه قبلَ أن يَرتدَّ إليكَ طَرْفُك، قال: فنَظرَ إليه سُليمانُ، فلمَّا قَطَع كلامَه ردَّ سُليمانُ بَصَرَه، فنَبَع عَرشُها مِن تَحت قَدَمِ سُليمانَ، مِن تَحتِ كُرسيٍّ كان سُليمانُ يَضَعُ عَليه رِجْلَه، ثُمَّ يَصعَدُ إلى السَّريرِ، قال: فلمَّا رَأى سُليمانُ عَرشَها قال: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي}، {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا}، {فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ}! قال: فَسألَتْه حينَ جاءَتْه عَن أَمرَينِ؛ قالَت لِسُليمانَ: أُريدُ ماءً ليسَ مِن أَرضٍ وَلا مِن سماءٍ، وَكان سُليمانُ إذا سُئِل عن شيءٍ سألَ الإنسَ، ثُمَّ الجنَّ، ثُمَّ الشَّياطينَ، فَقالَت الشَّياطينُ: هَذا هيِّنٌ، أجْرِ الخيلَ ثُمَّ خُذ عَرَقَها ثُمَّ امْلَأْ مِنه الآنيةَ، قال: فأَمَر بِالخَيلِ فأُجرِيَتْ ثُمَّ أَخَذ عَرَقَها فمَلَأ مِنهُ الآنيةَ، قال: وَسَألَت عَن لونِ اللهِ عزَّ وجلَّ، قال: فوَثبَ سُليمانُ عَن سَريرِه، فخَرَّ ساجدًا، فَقال: يا ربِّ، لَقد سَألَتْني عَن أمرٍ إنَّه يَتكايَدُ- أي يَتَعاظمُ- في قَلبي أنُ أَذكُرَه لكَ، قال: ارجِعْ فَقد كَفَيتُكَهُم، قال: فرَجَع إلى سَريرِه فقال: ما سألْتِ عنهُ؟ قالت: ما سَألتُك إلَّا عنِ الماءِ! فقال لِجُنودِه: ما سألَتْ عَنْه؟ فقالوا: ما سَألتْكَ إلَّا عنِ الماءِ! قال: ونُسُّوه كُلُّهم؟ قال: وقالتِ الشَّياطينُ لسُليمانَ: تُريدُ أن تَتَّخِذَها لِنفسِك، فإن اتَّخذَها لِنَفسِه ثُمَّ وُلِد بَينَهما وَلدٌ لم نَنفكَّ مِن عُبوديَّتِه، قال: فجَعَلوا صَرْحًا مُمرَّدًا مِن قواريرَ فيهِ السَّمكُ، قال: فَقيل لَها: {ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا}، فإذا هيَ شَعْراءُ، فَقال سُليمانُ: هذا قبيحٌ، ما يُذهِبُه؟ فَقالوا: تُذهبُه المواسي، فقال: أَثرُ الموسى قَبيحٌ، قال: فَجعَلَتِ الشَّياطينُ النُّورةَ، قال: فهوَ أوَّلُ من جُعِلت لَه النُّورةُ
الراويمجاهد بن جبر المكي
المحدثابن كثير
الصفحة أو الرقم6/205
خلاصة حكم المحدثمنكر غريب جدا
عن شِهابِ بنِ عَبَّادٍ، أنَّه سَمِعَ بَعضَ وفدِ عَبدِ القَيسِ وهُم يَقولونَ: قدِمنا على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاشتَدَّ فرَحُهم بنا، فلَمَّا انتَهَينا إلى القَومِ أوسَعوا لَنا، فقَعَدنا فرَحَّبَ بنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ودَعا لَنا، ثُمَّ نَظَرَ إلينا فقال: مَن سَيِّدُكُم وزَعيمُكُم؟ فأشَرنا بأجمَعِنا إلى المُنذِرِ بنِ عائِذٍ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أهذا الأشَجُّ، وكان أوَّلَ يَومٍ وُضِعَ عليه هذا الِاسمُ، بضَربةٍ لوجههِ بحافِرِ حِمارٍ، قُلنا: نَعَم، يا رَسولَ اللهِ، فتَخَلَّفَ بَعض القَومِ، فعَقَلَ رَواحِلَهم، وضَمَّ مَتاعَهم، ثُمَّ أخرَجَ عَيبَتَه فألقى عنه ثيابَ السَّفَرِ، ولَبِسَ مِن صالِحِ ثيابِه، ثُمَّ أقبَلَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقد بَسَطَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رِجلَه، واتَّكَأ، فلَمَّا دَنا مِنه الأشَجُّ أوسَعَ القَومُ له، وقالوا: هاهُنا يا أشَجُّ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واستَوى قاعِدًا، وقَبَضَ رِجلَه: هاهُنا يا أشَجُّ، فقَعَدَ عن يَمينِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فرَحَّبَ به وألطَفَه، وسَألَه عن بلادِه، وسَمَّى له قَريةً قَريةً: الصَّفا، والمُشَقَّرَ وغَيرَ ذلك مِن قُرى هَجَرَ، فقال: بأبي وأُمِّي يا رَسولَ اللهِ، لَأنتَ أعلَمُ بأسماءِ قُرانا مِنَّا! فقال: إنِّي قد وَطِئتُ بلادَكُم، وفُسِحَ لي فيها، قال: ثُمَّ أقبَلَ على الأنصارِ فقال: يا مَعشَرَ الأنصارِ، أكرِموا إخوانَكُم؛ فإنَّهم أشباهُكُم في الإسلامِ، أشبَهُ شَيءٍ بكُم أشعارًا وأبشارًا، أسلَموا طائِعينَ غَيرَ مُكرَهينَ ولا مَوتورينَ إذ أبى قَومٌ أن يُسلِموا حَتَّى قُتِلوا، قال: فلَمَّا أن أصبَحوا قال: كَيفَ رَأيتُم كَرامةَ إخوانِكُم لَكُم، وضيافَتَهم إيَّاكُم؟ قالوا: خَيرُ إخوانٍ، ألانوا فِراشَنا، وأطابوا مَطعَمَنا، وباتوا وأصبَحوا يُعَلِّمونا كِتابَ رَبِّنا تَبارَكَ وتَعالى، وسُنَّةَ نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأعجَبَتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وفَرِحَ بها، ثُمَّ أقبَلَ علينا رَجُلًا رَجُلًا يَعرِضُنا على ما تَعَلَّمنا وعَلِمنا، فمِنَّا مَن عَلِمَ التَّحيَّاتِ وأُمَّ الكِتابِ، والسُّورةَ والسُّورَتَينِ، والسُّنَنَ، ثُمَّ أقبَلَ علينا بوَجهِه، فقال: هَل مَعَكُم مِن أزوادِكُم شَيءٌ؟ ففَرِحَ القَومُ بذلك وابتَدَروا رِحالَهم، فأقبَلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم مَعَه صُبرةٌ مِن تَمرٍ فوضَعوها على نِطَعٍ بَينَ يَدَيه، فأومَأ بجَريدةٍ في يَدِه كان يَختَصِرُ بها، فوقَ الذِّراعِ ودونَ الذِّراعَينِ، فقال: أتُسَمُّونَ هذا التَّعضوضَ؟ قُلنا: نَعَم، ثُمَّ أومَأ إلى صُبرةٍ أُخرى، فقال: أتُسَمُّونَ هذا الصَّرَفانَ؟ قُلنا: نَعَم، ثُمَّ أومَأ إلى صُبرةٍ، فقال: أتُسَمُّونَ هذا البَرنيَّ؟ قُلنا: نَعَم، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أما إنَّه خَيرُ تَمرِكُم وأنفَعُه لَكُم، قال: فرَجَعنا مِن وِفادَتِنا تلك فأكثَرنا الغَرزَ مِنه، وعَظُمَت رَغبَتُنا فيه حَتَّى صارَ عُظمَ نَخلِنا وتَمرِنا البَرنيُّ، فقال الأشَجُّ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أرضَنا أرضٌ ثَقيلةٌ وخِمةٌ، وإنَّا إذا لَم نَشرَبْ هذه الأشرِبةَ هِيجَت ألوانُنا، وعَظُمَت بُطونُنا، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تَشرَبوا في الدُّبَّاءِ، والحَنتَمِ، والنَّقيرِ، وليَشرَبْ أحَدُكُم في سِقاءٍ يُلاثُ على فيه، فقال له الأشَجُّ: بأبي وأُمِّي يا رَسولَ اللهِ، رَخِّصْ لَنا في مِثلِ هذه، وأومَأ بكَفَّيه، فقال: يا أشَجُّ، إنِّي إن رَخَّصتُ لَكَ في مِثلِ هذه -وقال بكَفَّيه هَكَذا- شَرِبتَه في مِثلِ هذه -وفَرَّجَ يَدَيه وبَسَطَها، يَعني أعظَمَ مِنها- حَتَّى إذا ثَمِلَ أحَدُكُم مِن شَرابِه قامَ إلى ابنِ عَمِّه فهَزَرَ ساقَه بالسَّيفِ، وكان في الوفدِ رَجُلٌ مِن بَني عَضَلٍ يُقالُ له: الحارِثُ، قد هُزِرَت ساقُه في شَرابٍ لهم في بَيتٍ تَمَثَّلَه مِن الشِّعرِ في امرَأةٍ مِنهم، فقامَ بَعضُ أهلِ ذلك البَيتِ فهَزَرَ ساقَه بالسَّيفِ، فقال الحارِثُ: لَمَّا سَمِعتُها مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَعَلتُ أسدُلُ ثَوبي، فأُغَطِّي الضَّربةَ بساقي، وقد أبداها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى
الراويوفد عبد القيس
المحدثشعيب الأرناؤوط
الصفحة أو الرقم15559
خلاصة حكم المحدثإسناده ضعيف
سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ لموسى عليهِ السلامُ : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ، فسألتُهُ عن الفُتُونِ ما هوَ ؟ قال : استأنِفِ النهارَ يا ابنَ جبيرٍ فإنَّ لها حديثًا طويلًا : فلمَّا أصبحتُ غدوتُ إلى ابنِ عباسٍ لأنتجزَ منهُ ما وعدني من حديثِ الفُتُونِ ، فقال : تذاكَرَ فرعونُ وجلساؤُهُ ما كان اللهُ وعدَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ أن يجعلَ في ذريتِهِ أنبياءَ وملوكًا ، فقال بعضهم : إنَّ بني إسرائيلَ ينتظرونَ ذلك ، ما يَشُكُّونَ فيهِ ، وكانوا يظنُّونَ أنَّهُ يوسفُ بنُ يعقوبَ ، فلمَّا هلك قالوا : ليس هكذا كان وعدُ إبراهيمَ ، فقال فرعونُ : فكيف تَرَوْنَ ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعثَ رجالًا معهم الشِّفَارُ ، يطوفونَ في بني إسرائيلَ ، فلا يجدونَ ، مولودًا ذكرًا إلا ذبحوهُ ، ففعلوا ذلك ، فلمَّا رَأَوْا أنَّ الكبارَ من بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالهم ، والصغارَ يُذْبَحُونَ ، قالوا : يُوشِكُ أن تُفْنُوا بني إسرائيلَ ، فتصيروا أن تُبَاشِرُوا من الأعمالِ والخدمةِ التي كانوا يَكْفُونَكُمْ ، فاقتلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ ، فيَقِلُّ أبناؤهم ، ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا ، فيَشِبُّ الصغارُ مكان من يموتُ من الكبارِ ، فإنَّهم لن يكثروا بمن تستحيونَ منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم ، ولن يَفْنَوا بمن تقتلونَ وتحتاجونَ إليهم . فأَجْمَعُوا أمرهم على ذلك . فحملتْ أمُّ موسى بهارونَ في العامِ الذي لا يُذْبَحُ فيهِ الغلمانُ ، فولدتْهُ علانيةً آمنةً . فلمَّا كان من قابلٍ حملتْ بموسى عليهِ السلامُ ، فوقع في قلبها الهمُّ والحزنُ ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ما دخل عليهِ في بطنِ أُمِّهِ ، ممَّا يُرادُ بهِ . فأوحى اللهُ إليها أن : وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فأمرها إذا ولدتْ أن تجعلَهُ في تابوتٍ ثم تُلْقِيهِ في اليمِّ . فلمَّا ولدتْ فعلتْ ذلك ، فلمَّا تَوارَى عنها ابنها أتاها الشيطانُ ، فقالت في نفسها : ما فعلتُ بابني ، لو ذُبِحَ عندي فواريتُهُ وكفَّنتُهُ كان أحبُّ إليَّ من أن أُلْقِيهِ إلى دوابِّ البحرِ وحيتانِهِ . فانتهى الماءُ بهِ حتى أوفى بهِ عند فُرْضَةِ مُسْتَقَى جواري امرأةِ فرعونَ فلمَّا رأينَهُ أخذنَهُ فهممن أن يفتحْنَ التابوتَ فقال بعضهنَّ : إنَّ في هذا مالًا ، وإنَّا إن فتحناهُ لم تُصَدِّقنا امرأةُ المَلِكِ بما وجدنا فيهِ ، فحملنَهُ كهيئتِهِ لم يُخْرِجْنَ منهُ شيئًا حتى رفعنَهُ إليها . فلمَّا فتحتْهُ رأتْ فيهِ غلامًا ، فأُلْقِي عليهِ منها محبةً لم يُلْقِ منها على أحدٍ قطُّ ، وأصبحَ فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من ذِكْرِ كلِّ شيٍء ، إلا من ذِكْرِ موسى . فلمَّا سمع الذبَّاحونَ بأمرِهِ ، أقبلوا بشِفَارِهِمْ إلى امرأةِ فرعونَ ليذبحوهُ : وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ ، فقالت لهم : أَقِرُّوهُ فإنَّ هذا الواحدَ لا يزيدُ في بني إسرائيلَ حتى آتي فرعونَ فأستوهبُهُ منهُ ، فإن وهبَهُ لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمرَ بذبحِهِ لم أَلُمْكُمْ . فأتت فرعونَ فقالت قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ . فقال فرعونُ : يكونُ لكَ . فأمَّا لي فلا حاجةَ لي فيهِ : فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : والذي يُحْلَفُ بهِ لو أَقَرَّ فرعونُ أن يكونَ قرَّةَ عينٍ لهُ ، كما أَقَرَّتْ امرأتُهُ ، لهداهُ اللهُ كما هداها ، ولكن حَرَمَهُ ذلك . فأرسلتْ إلى من حولها ، إلى كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ لتختارَ لهُ ظِئْرًا ، فجعل كلَّما أخذتْهُ امرأةٌ منهنَّ لتُرْضِعَهُ لم يُقْبِلْ على ثديها حتى أشفقتِ امرأةُ فرعونَ أن يمتنعَ من اللبنِ فيموتَ ، فأحزنها ذلك ، فأمرتْ بهِ فأُخْرِجَ إلى السوقِ ومجمعِ الناسِ ، ترجو أن تجدَ لهُ ظِئْرًا تأخذُهُ منها ، فلم يُقْبِلْ ، وأصبحتْ أمُّ موسى والهًا ، فقالت لأختِهِ : قُصِّي أَثَرَهُ واطلبيهِ ، هل تسمعينَ لهُ ذِكْرًا ، أحيٌّ ابني أم قد أكلتْهُ الدوابُّ ؟ ونَسِيَتْ ما كان اللهُ وعدها فيهِ ، فبصرتْ بهِ أختُهُ عن جُنُبٍ وهم لا يشعرونَ – والجُنُبُ : أن يَسْمُو بصرُ الإنسانِ إلى شيٍء بعيدٍ ، وهو إلى جنبِهِ ، وهو لا يشعرُ بهِ – فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظؤراتُ : أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ . فأخذوها فقالوا ما يُدريكِ ؟ وما نُصْحُهُمْ لهُ ؟ هل يعرفونَهُ ؟ حتى شَكُّوا في ذلك ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ . فقالت : نُصْحُهُمْ لهُ وشفقتهم عليهِ رغبتهم في ظؤرةِ الملكِ ، ورجاءَ منفعةِ الملكِ . فأرسلوها فانطلقتْ إلى أُمِّهَا ، فأخبرتها الخبرَ . فجاءت أُمُّهُ ، فلمَّا وضعتْهُ في حجرها نَزَا إلى ثديها فمَصَّهُ ، حتى امتلأَ جنباهُ رِيًّا ، وانطلقَ البُشَراءُ إلى امرأةِ فرعونَ يُبَشِّرونها : أن قد وجدنا لابنكِ ظِئْرًا . فأرسلتْ إليها ، فأتتْ بها وبهِ ، فلمَّا رأت ما يصنعُ بها قالت : امْكُثِي تُرْضِعِي ابني هذا ، فإني لم أُحِبَّ شيئًا حُبَّهُ قطُّ . قالت أمُّ موسى : لا أستطيعُ أن أدعَ بيتي وولدي فيضيعُ ، فإن طابت نفسكَ أن تُعطينِيهِ فأذهبُ بهِ إلى بيتي ، فيكونُ معي لا آلوهُ خيرًا فعلتُ ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي . وذكرتْ أمُّ موسى ما كان اللهُ وعدها فيهِ ، فتعاسرتْ على امرأةِ فرعونَ ، وأيقنَتْ أنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وعدَهُ ، فرجعتْ بهِ إلى بيتها من يومها ، وأنبتَهُ اللهُ نباتًا حسنًا ، وحَفِظَهُ لما قد قضى فيهِ . فلم يزل بنو إسرائيلَ ، وهم في ناحيةِ القريةِ ، ممتنعينَ من السخرةِ والظلمِ ما كان فيهم ، فلمَّا ترعرعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأمِّ موسى : أَتُرِيني ابني ؟ فوَعَدَتْهَا يومًا تُرِيها إياهُ فيهِ ، وقالت امرأةُ فرعونَ لخازنها وظؤرها وقَهَارِمَتِهَا لا يَبْقِيَنَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابني اليومَ بهديةٍ وكرامةٍ لأرى ذلك ، وأنا باعثةٌ أمينًا يًحْصِي ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم ، فلم تزلِ الهدايا والنِّحَلُ والكرامةُ تستقبلُهُ من حينِ خرج من بيتِ أُمِّهِ إلى أن دخل على امرأةِ فرعونَ ، فلمَّا دخل عليها نَحَلَتْهُ وأكرمتْهُ ، وفرحت بهِ ، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لحُسْنِ أثرها عليهِ ، ثم قالت : لآتِيَنَّ بهِ فرعونَ فليَنْحَلَنَّهُ وليُكْرِمَنَّهُ ، فلمَّا دخلت بهِ عليهِ جعلَهُ في حجرِهِ ، فتناولَ موسى لِحْيَةَ فرعونَ يَمُدُّها إلى الأرضِ ، فقال الغواةُ من أعداءِ اللهِ لفرعونَ : ألا ترى ما وعد اللهُ إبراهيمَ نبيَّهُ ، إنَّهُ زعم أن يرثِكَ ويعلوكَ ويصرعكَ ، فأرسلَ إلى الذَّبَّاحينَ ليذبحوهُ . وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ بعد كلِّ بلاءٍ ابْتُلِيَ بهِ ، وأُريدَ بهِ . فجاءت امرأةُ فرعونَ فقالت : ما بدا لك في هذا الغلامِ الذي وهبتَهُ لي ؟ فقال : ألا تَرَيْنَهُ يزعمُ أنَّهُ يصرعني ويعلوني . فقالت : اجعلْ بيني وبينك أمرًا يُعْرَفُ فيهِ الحقُّ ، ائتِ بجمرتيْنِ ولؤلؤتيْنِ ، فقرِّبْهُنَّ إليهِ ، فإن بطشَ باللؤلؤتيْنِ واجتنبْ الجمرتيْنِ فاعرفْ أنَّهُ يَعْقِلْ وإن تناولَ الجمرتيْنِ ولم يَرُدَّ اللؤلؤتيْنِ علمتَ أنَّ أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتيْنِ على اللؤلؤتيْنِ وهو يَعْقِلُ ، فقَرَّبَ إليهِ ، فتناولَ الجمرتيْنِ ، فانتزعهما منهُ مخافةَ أن يحرقا يدَهُ ، فقالت امرأةُ فرعونَ : ألا ترى ؟ فصرفَهُ اللهُ عنهُ بعد ما كان قد همَّ بهِ ، وكان اللهُ بالغًا فيهِ أمرَهُ . فلمَّا بلغ أَشُدَّهُ وكان من الرجالِ ، لم يكن أحدٌ من آلِ فرعونَ يخلصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيلَ معهُ بظلمٍ ولا سخرةٍ ، حتى امتنعوا كلَّ الامتناعِ ، فبينما موسى عليهِ السلامُ يمشي في ناحيةِ المدينةِ ، إذ هو برجليْنِ يقتتلانِ ، أحدهما فرعونيٌّ والآخرُ إسرائيليٌّ ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ ، فغضب موسى غضبًا شديدًا ، لأنَّهُ تناولَهُ وهو يعلمُ منزلتَهُ من بني إسرائيلَ وحِفْظِهِ لهم ، لا يعلمُ الناسُ إلا أنما ذلك من الرضاعِ ، إلا أمُّ موسى ، إلا أن يكون اللهُ أطلعَ موسى من ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليهِ غيرُهُ . فوكزَ موسى الفرعونيَّ ، فقتلَهُ وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ والإسرائيليُّ ، فقال موسى حين قتلَ الرجلَ : هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . ثم قال : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، فأصبحَ في المدينةِ خائفًا يترقَّبُ الأخبارَ ، فأُتِيَ فرعونُ ، فقيل لهُ : إنَّ بني إسرائيلَ قتلوا رجلًا من آلِ فرعونَ فخُذْ لنا بحَقِّنَا ولا تُرَخِّصْ لهم . فقال : أبغوني قاتِلَهُ ، ومن يشهدُ عليهِ ، فإنَّ الملكَ وإن كان صَفْوُهُ مع قومِهِ لا يستقيمُ لهُ أن يُقِيدَ بغيرِ بينَةٍ ولا ثَبْتٍ ، فاطلبوا لي عِلْمَ ذلك آخُذُ لكم بحقكم . فبينما هم يطوفونَ ولا يجدون ثَبْتًا ، إذا بموسى من الغدِ قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يُقاتِلُ رجلًا من آلِ فرعونَ آخرَ ، فاستغاثَهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ ، فصادف موسى قد ندم على ما كان منهُ وكَرِهَ الذي رأى ، فغضب الإسرائيليُّ وهو يريدُ أن يبطشَ بالفرعونيِّ ، فقال للإسرائيليِّ لما فعل بالأمسِ واليومَ : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ . فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى بعد ما قال لهُ ما قال ، فإذا هو غضبانٌ كغضبِهِ بالأمسِ الذي قتلَ فيهِ الفرعونيَّ فخاف أن يكون بعدما قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أن يكونَ إياهُ أرادَ ، ولم يكن أرادَهُ ، وإنَّما أرادَ الفرعونيَّ ، فخاف الإسرائيليُّ وقال : يا موسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ وإنما قالَهُ مخافةَ أن يكون إياهُ أراد موسى ليقتلَهُ ، فتتاركا وانطلقَ الفرعونيُّ فأخبرهم بما سمع من الإسرائيليِّ من الخبرِ حين يقولُ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ فأرسل فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتلوا موسى ، فأخذ رُسُلُ فرعونَ في الطريقِ الأعظمِ يمشونَ على هيئتهم يطلبونَ موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجلٌ من شيعةِ موسى من أقصى المدينةِ فاختصرَ طريقًا حتى سبقهم إلى موسى فأخبرَهُ ، وذلك من الفُتُونِ يا ابنَ جبيرٍ . فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحوَ مَدْيَنَ لم يَلْقَ بلاءً قبل ذلك ، وليس لهُ بالطريقِ علمٌ إلا حُسْنُ ظنِّهِ بربهِ عزَّ وجلَّ فإنَّهُ قال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ يعني بذلك حابستيْنِ غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتيْنِ لا تسقيانِ مع الناسِ ؟ قالتا : ليس لنا قوةٌ نُزاحِمُ القومَ وإنما ننتظرُ فُضُولَ حياضهم ، فَسَقَى لهما فجعل يغترفُ في الدَّلْوِ ماءً كثيرًا حتى كان أولَ الرُّعَاءِ ، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليهِ السلامُ فاستظَلَّ بشجرةٍ وقال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ واستنكرَ أبوهما سرعةَ صدورهما بغنمهما حُفَّلًا بِطَانًا فقال : إنَّ لكما اليومَ لشأنًا ، فأخبرتاهُ بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوهُ ، فأتتْ موسى فدعتْهُ فلمَّا كلَّمَهُ قال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ليس لفرعونَ ولا لقومِهِ علينا سلطانٌ ، ولسنا في مملكتِهِ ، فقالت إحداهما : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مِنَ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فاحتملتْهُ الغِيرَةُ على أن قال لها : ما يُدْرِيكِ ما قوتُهُ وما أمانتُهُ ؟ قالت : أما قُوَّتُهُ فما رأيتُ منهُ في الدَّلْوِ حين سقى لنا ، لم أَرَ رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السَّقْيِ منهُ ، وأما الأمانةُ فإنَّهُ نظر إلي حينِ أقبلتْ إليهِ وشَخَصَتْ لهُ ، فلمَّا علم أني امرأةٌ صَوَّبَ رأسَهُ فلم يرفعْهُ حتى بَلَّغْتُهُ رسالتكَ ، ثم قال لي : امشي خلفي وانْعُتِي لي الطريقَ ، فلم يفعل هذا إلا وهو أمينٌ ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقها وظَنَّ بهِ الذي قالت ، فقال لهُ : هل لكَ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ففعل فكانت على نبيِّ اللهِ موسى ثماني سنينَ واجبةً وكانت سَنَتَانِ عِدَةً منهُ فقضى اللهُ عنهُ عِدَتَهُ فأَتَمَّها عشرًا . قال سعيدٌ هو ابنُ جبيرٍ : فلَقِيَنِي رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ من علمائهم قال : هل تدري أيُّ الأجلَيْنِ قضى موسى ؟ قلتُ : لا ، وأنا يومئذٍ لا أدري ، فلقيتُ ابنَ عباسٍ فذكرتُ ذلك لهُ فقال : أما علمتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ واجبةً لم يكن لنبيٍّ أن يَنْقُصَ منها شيئًا ، ويعلمُ أنَّ اللهَ كان قاضيًا عن موسى عِدَتَهُ التي وعدَهُ فعِدَتُهُ التي وعدَهُ فإنَّهُ قضى عشرَ سنينَ ، فلقيتُ النصرانيَّ فأخبرتُهُ ذلك فقال : الذي سألتَهُ فأخبركَ أعلمُ منكَ بذلك قلتُ : أجل وأَوْلَى . فلمَّا سار موسى بأهلِهِ كان من أمرِ النارِ والعصا ويدِهِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القرآنِ ، فشكا إلى اللهِ تعالى ما يَتَخَوَّفُ من آلِ فرعونَ في القتيلِ وعُقْدَةِ لسانِهِ ، فإنَّهُ كان في لسانِهِ عُقْدَةً تمنعُهُ من كثيرٍ من الكلامِ ، وسأل ربهُ أن يُعِينَهُ بأخيهِ هارونَ يكونُ لهُ رِدْءًا ويتكلَّمُ عنهُ بكثيرٍ مما لا يُفْصِحُ بهِ لسانُهُ ، فآتاهُ اللهُ سُؤْلَهُ وحلَّ عقدةً من لسانِهِ وأوحى اللهُ إلى هارونَ وأَمَرَهُ أن يلقاهُ ، فاندفع موسى بعصاهُ حتى لَقِيَ هارونَ عليهما السلامُ فانطلقا جميعًا إلى فرعونَ فأقاما على بابِهِ حينًا لا يُؤْذَنُ لهما ، ثم أُذِنَ لهما بعد حجابٍ شديدٍ فقالا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ قال : فمن ربكما ؟ فأخبرَهُ بالذي قَصَّ اللهُ عليكَ في القرآنِ ، قال : فما تريدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القتيلَ فاعتذرَ بما قد سمعتَ ، قال : أريدً أن تُؤْمِنَ باللهِ وتُرْسِلَ معيَ بني إسرائيلَ ، فأَبَى عليهِ وقال ائْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فألقى عصاهُ فإذا هي حيَّةٌ تسعى عظيمةٌ فاغِرَةٌ فاها مسرعةٌ إلى فرعونَ ، فلمَّا رآها قاصدةً إليهِ خافها فاقتحمَ عن سريرِهِ واستغاثَ بموسى أن يَكُفَّهَا عنهُ ففعلَ ، ثم أخرج يدَهُ من جيبِهِ فرآها بيضاءَ من غيرِ سوءٍ يعني من غيرِ بَرَصٍ ثم رَدَّهَا فعادت إلى لونها الأولِ ، فاستشار الملأَ حولَهُ فيما رأى ، فقالوا لهُ : هَذَانِ سَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى يعني مُلْكَهُمْ الذي هم فيهِ والعيشِ ، وأَبَوْا على موسى أن يُعْطُوهُ شيئًا ممَّا طلبَ ، وقالوا لهُ : اجمعْ لهما السحرةَ فإنَّهم بأرضكَ كثيرٌ حتى تَغْلِبَ بسحركَ سحرهما ، فأرسلَ إلى المدائنِ فحُشِرَ لهُ كلُّ ساحرٍ متعالمٍ ، فلمَّا أَتَوْا فرعونَ قالوا : بم يعملُ هذا الساحرُ ؟ قالوا : يعمل بالحَيَّاتِ ، قالوا : فلا واللهِ ما أَحَدٌ في الأرضِ يعملُ بالسحرِ بالحَيَّاتِ والحبالِ والعِصِيِّ الذي نعملُ ، وما أَجْرُنَا إن نحنُ غَلَبْنَا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصَّتي ، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيٍء أحببتم ، فتواعدوا يومَ الزينةِ وأنْ يُحْشَرَ الناسُ ضحىً ، قال سعيدُ بنُ جبيرٍ : فحدَّثني ابنُ عباسٍ أنَّ يومَ الزينةَ الذي أظهرَ اللهُ فيهِ موسى على فرعونَ والسحرةَ هو يومُ عاشوراءَ . فلمَّا اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ قال الناسُ بعضهم لبعضٍ : انطلقوا فلنحضر هذا الأمرَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ يعنون موسى وهارونَ استهزاءً بهما ، فقالوا : يا موسى لقدرتهم بسحرهم إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قَالَ: بَلْ أَلْقُوا فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فرأى موسى من سحرهم ما أوجسَ في نفسِهِ خيفةً ، فأوحى اللهُ إليهِ أن أَلْقِ عصاكَ ، فلمَّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمةً فاغِرَةً فاها ، فجعلتِ العِصِيُّ تلتبسُ بالحبالِ حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبانِ ، تدخلُ فيهِ ، حتى ما أبقت عصًا ولا حبالًا إلا ابتلعتْهُ ، فلمَّا عرفتِ السحرةُ ذلك قالوا ، لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كلَّ هذا ، ولكنَّهُ أمرٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ ، آمَنَّا باللهِ وبما جاء بهِ موسى ، ونتوبُ إلى اللهِ ممَّا كُنَّا عليهِ ، فكسرَ اللهُ ظهرَ فرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِهِ ، وظَهَرَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وامرأةُ فرعونَ بارزةٌ متبذلةٌ تدعو اللهَ بالنصرِ لموسى على فرعونَ وأشياعِهِ ، فمن رآها من آلِ فرعونَ ظنَّ أنَّها إنما ابتُذِلَتْ للشفقةِ على فرعونَ وأشياعِهِ ، وإنَّما كان حزنها وهَمُّها لموسى . فلمَّا طال مُكْثُ موسى بمواعيدِ فرعونَ الكاذبةِ ، كلَّما جاء بآيةٍ وعدَهُ عندها أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ ، فإذا مَضَتْ أخلفَ موعدَهُ وقال : هل يستطيعُ ربكَ أن يصنعَ غيرَ هذا ؟ فأرسلَ اللهُ على قومِهِ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقَمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ، كلُّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلبُ إليهِ أن يَكُفَّها عنهُ ، ويُوَاثِقُهُ على أن يُرْسِلَ معهُ بني إسرائيلَ ، فإذا كَفَّ ذلك عنهُ أخلفَ موعدَهُ ، ونكث عهدَهُ . حتى أمرَ اللهُ موسى بالخروجِ بقومِهِ فخرج بهم ليلًا ، فلمَّا أصبح فرعونُ ورأى أنهم قد مَضَوْا أَرْسَلَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ، فتبعَهُ بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ ، وأوحى اللهُ إلى البحرِ : إذا ضربكَ عبدي موسى بعصاهُ فانفلِقْ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً ، حتى يجوزَ موسى ومن معهُ ، ثم التَقِ على من بَقِيَ بعد من فرعونَ وأشياعِهِ . فنسيَ موسى أن يضربَ البحرَ بالعصا وانتهى إلى البحرِ ولهُ قصيفٌ ، مخافةَ أن يضربَهُ موسى بعصاهُ وهو غافلٌ فيصيرُ عاصيًا للهِ . فلمَّا تراءى الجَمْعَانِ وتقاربا قال أصحابُ موسى : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، افعلْ ما أمركَ بهِ ربكَ ، فإنَّهُ لم يَكْذِبْ ولم تَكْذِبْ . قال : وعدني أن إذا أتيتُ البحرَ انْفَرَقَ اثنتيْ عشرةَ فِرْقَةً ، حتى أُجَاوِزُهُ : ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحرَ بعصاهُ حين دنا أوائلُ جُنْدِ فرعونَ من أواخرِ جُنْدِ موسى ، فانفرقَ البحرُ كما أمرَهُ ربهُ وكما وعد موسى فلمَّا أن جاز موسى وأصحابُهُ كلُّهم البحرَ ، ودخل فرعونُ وأصحابُهُ ، التقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ فلمَّا جاوزَ موسى البحرَ قال أصحابُهُ : إنَّا نخافُ أن لا يكون فرعونُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بهلاكِهِ . فدعا ربهُ فأخرجَهُ لهُ ببدنِهِ حتى استيقنوا بهلاكِهِ . ثم مَرُّوا بعد ذلك عَلَى قَوْمٍ يَعْكِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قد رأيتم من العِبَرِ وسمعتم ما يكفيكم ومضى . فأنزلهم موسى منزلًا وقال : أطيعوا هارونَ فإني قد استخلفتُهُ عليكم ، فإني ذاهبٌ إلى ربي . وأَجَّلَهُمْ ثلاثينَ يومًا أن يرجعَ إليهم فيها ، فلمَّا أتى ربهُ وأرادَ أن يُكَلِّمَهُ في ثلاثينَ يومًا وقد صامهُنَّ ليلهُنَّ ونهارهُنَّ ، وكَرِهَ أن يُكَلِّمَ ربهُ وريحُ فيهِ ، ريحُ فمِ الصائمِ ، فتناولَ موسى من نباتِ الأرضِ شيئًا فمضغَهُ ، فقال لهُ ربهُ حين أتاهُ : لم أفطرتَ ؟ وهو أعلمُ بالذي كان : قال : يا ربِّ ، إني كرهتُ أن أُكَلِّمَكَ إلا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ . قال : أوما علمتَ يا موسى أنَّ رِيحَ فمِ الصائمِ أطيبُ من ريحِ المِسْكِ ، ارجع فصُمْ عشرًا ثم ائتني . ففعل موسى عليهِ السلامُ ما أُمِرَ بهِ ، فلمَّا رأى قومُ موسى أنَّهُ لم يرجع إليهم في الأَجَلِ ، ساءهم ذلك : وكان هارونُ قد خطبهم وقال : إنَّكم قد خرجتم من مصرَ ، ولقومِ فرعونَ عندكم عَوَارِيَ وودائعُ ، ولكم فيهم مثلُ ذلك ولا ممسكيهِ لأنفسنا ، فحفرَ حفيرًا ، وأمر كلَّ قومٍ عندهم من ذلك من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أن يقذفوهُ في ذلك الحفيرِ ، ثم أوقدَ عليهِ النارَ فأحرقَهُ ، فقال : لا يكونُ لنا ولا لهم . وكان السامريُّ من قومٍ يعبدونَ البقرَ ، جيرانٌ لبني إسرائيلَ ، ولم يكن من بني إسرائيلَ ، فاحتملَ مع موسى وبني إسرائيلَ حينَ احتملوا ، فقضى لهُ أن رأى أَثَرًا فقبضَ منهُ قبضةً ، فمرَّ بهارونَ ، فقال لهُ هارونُ عليهِ السلامُ : يا سامريُّ ، ألا تُلْقِي ما في يدكَ ؟ وهو قابضٌ عليهِ ، لا يراهُ أحدٌ طُوَالَ ذلكَ ، فقال : هذهِ قبضةٌ من أَثَرِ الرسولِ الذي جاوزَ بكمُ البحرَ ، ولا أُلْقِيهَا لشيٍء إلا أن تدعو اللهَ إذا ألقيتُهَا أن يكونَ ما أُريدُ . فألقاها ، ودعا لهُ هارونُ ، فقال : أُريدُ أن يكونَ عِجْلًا . فاجتمعَ ما كان في الحفيرةِ من متاعٍ أو حِلْيَةٍ أو نحاسٍ أو حديدٍ ، فصار عِجْلَا أجوفَ ، ليس فيهِ روحٌ ، ولهُ خُوَارٌ قال ابنُ عباسٍ : لا واللهِ ، ما كان لهُ صوتٌ قطُّ ، إنَّما كانت الريحُ تدخُلُ في دُبُرِهِ وتخرجُ من فيهِ ، فكان ذلك الصوتَ من ذلكَ . فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا ، فقالت فِرْقَةٌ : يا سامريُّ ، ما هذا ؟ وأنتَ أعلمُ بهِ . قال : هذا ربكم ، ولكن موسى أَضَلَّ الطريقَ . وقالت فِرْقَةٌ : لا نُكَذِّبُ بهذا حتى يرجعَ إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن ضَيَّعْنَاهُ وعجزنا فيهِ حين رأيناهُ ، وإن لم يكن ربنا فإنَّا نَتَّبِعُ قولَ موسى ، وقالت فِرْقَةٌ : هذا عملُ الشيطانِ ، وليس بربنا ولا نُؤْمِنُ بهِ ولا نُصَدِّقُ ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قلوبهم الصدقَ بما قال السامريُّ في العِجْلِ ، وأعلنوا التكذيبَ بهِ ، فقال لهم هارونُ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكَمُ الرَّحْمَنُ . قالوا : فما بالُ موسى وعدنا ثلاثينَ يومًا ثم أخلفنا ؟ هذهِ أربعونَ يومًا قد مضتْ ؟ وقال سفهاؤهم : أخطأَ ربُّهُ فهو يطلبُهُ ويَتْبَعُهُ . فلمَّا كلَّمَ اللهُ موسى وقال لهُ ما قال : أَخْبَرَهُ بما لَقِيَ قومُهُ من بعدِهِ ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا فقال لهم ما سمعتم في القرآنِ ، وأخذ برأسِ أخيهِ يَجُرُّهُ إليهِ ، وألقى الألواحَ من الغضبِ ، ثم إنَّهُ عذرَ أخاهُ بعذرِهِ ، واستغفرَ لهُ ، وانصرفَ إلى السامريِّ فقال لهُ : ما حملكَ على ما صنعتَ ؟ قال : قَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، وفطنتُ لها وعميتْ عليكم ، فقذفتها وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منهُ ، فاستيقنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ ، واغتُبِطَ الذين كان رأيهم فيهِ مثلَ رأي هارونَ ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى ، سَلْ لنا ربكَ أن يفتحَ لنا بابَ توبةٍ نصنعها ، فيُكَفِّرْ عنَّا ما عملنا . فاختارَ موسى قومَهُ سبعينَ رجلًا لذلك ، لا يَأْلُو الخيرَ ، خيارَ بني إسرائيلَ ، ومن لم يُشْرِكْ في العِجْلِ ، فانطلقَ بهم يسألُ لهمُ التوبةَ ، فرجفتْ بهمُ الأرضَ ، فاستحيا نبيُّ اللهِ من قومِهِ ومن وفدِهِ حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ ، فقال : ربِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا وفيهم من كان اطَّلَعَ اللهُ منهُ على ما أُشْرِبَ قلبُهُ من حُبِّ العِجْلِ وإيمانٍ بهِ فلذلك رجفتْ بهمُ الأرضُ فقال : رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فقال : يا ربِّ سألتُكَ التوبةَ لقومي ، فقلتَ : إنَّ رحمتي كتبتُهَا لقومٍ غيرِ قومي فليتَكَ أَخَّرْتَنِي حتى تُخْرِجَنِي في أُمَّةِ ذلك الرجلِ المرحومةِ ، فقال لهُ : إنَّ توبتهم أن يَقْتُلَ كلُّ رجلٍ منهم من لَقِيَ من والدٍ وولدٍ فيقتلُهُ بالسيفِ ولا يُبَالِي من قتلَ في ذلك الموطنِ وتاب أولئكَ الذين كان خَفِيَ على موسى وهارونَ واطَّلَعَ اللهُ من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أُمِرُوا وغفرَ اللهُ للقاتلِ والمقتولِ . ثم سار بهم موسى عليهِ السلامُ مُتَوَجِّهًا نحوَ الأرضِ المقدسةِ ، وأخذ الألواحَ بعد ما سكتَ عنهُ الغضبُ فأمرهم بالذي أُمِرَ بهِ أن يُبَلِّغَهُمْ من الوظائفِ ، فثَقُلَ ذلك عليهم وأَبَوْا أن يُقِرُّوا بها ، فنَتَقَ اللهُ عليهمُ الجبلَ كأنَّهُ ظُلَّةٌ ودنا منهم حتى خافوا أن يقعَ عليهم فأَخَذُوا الكتابَ بأيمانهم وهم مُصْغُونَ ينظرونَ إلى الجبلِ والكتابُ بأيديهم ، وهم من وراءِ الجبلِ مخافةَ أن يقعَ عليهم ، ثم مَضَوْا حتى أَتَوْا الأرضَ المقدسةَ فوجدوا مدينةً فيها قومٌ جَبَّارُونَ خَلْقُهُمْ خَلْقٌ مُنْكَرٌ ، وذكروا من ثمارهم أمرًا عجيبًا من عِظَمِهَا ، فقالوا : يا موسى إنَّ فيها قومًا جَبَّارِينَ لا طاقةَ لنا بهم ، ولا ندخلها ماداموا فيها ، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلونَ ، قال رجلانِ من الذينَ يخافونَ قيل ليزيدٍ : هكذا قرأَهُ ؟ قال : نعم ، من الجَبَّارِينَ آمَنَّا بموسى ، وخرجا إليهِ فقالوا : نحنُ أعلمُ بقومنا إن كنتم إنَّما تخافونَ ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنَّهم لا قلوبَ لهم ولا مَنَعَةَ عندهم فادخلوا عليهمُ البابَ فإذا دخلتموهُ فإنَّكم غالبونَ ، ويقولُ أُناسٌ : إنَّهم من قومِ موسى ، فقال الذينَ يخافونَ بنو إسرائيلَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقينَ ، ولم يَدْعُ عليهم قبلَ ذلك ، لِمَا رأى منهم المعصيةَ وإساءتهم حتى كان يومئذٍ ، فاستجاب اللهُ لهُ وسمَّاهم كما سمَّاهم فاسقينَ ، فحرَّمَهَا عليهم أربعينَ سَنَةً يتيهونَ في الأرضِ ، يُصْبِحُونَ كلَّ يومٍ فيسيرونَ ليس لهم قرارٌ ثم ظَلَّلَ عليهمُ الغمامَ في التِّيهِ وأنزلَ عليهمُ المَنَّ والسلوى وجعل لهم ثيابًا لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخُ ، وجعل بين ظهرانيهم حَجَرًا مُرَبَّعًا وأمرَ موسى فضربَهُ بعصاهُ فانفجرتْ منهُ اثنتا عشرةَ عينًا في كلِّ ناحيةٍ ثلاثُ أعينٍ ، وأعلمَ كلَّ سِبْطٍ عَيْنُهُمُ التي يشربونَ منها فلا يرتحلونَ من مَنْقَلَةٍ إلا وجدوا ذلك الحَجَرَ معهم بالمكانِ الذي كان فيهِ بالأمسِ
الراويسعيد بن جبير
المحدثابن كثير
الصفحة أو الرقم5/279
خلاصة حكم المحدثموقوف وكأنه تلقاه ابن عباس رضي الله عنه مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره
قُلتُ لابنِ عَبَّاسٍ: إنَّ نَوفًا البَكَاليَّ يَزعُمُ أنَّ موسى صاحِبَ الخَضِرِ ليس هو موسى صاحِبَ بَني إسرائيلَ، فقال ابنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدوُّ اللهِ! حدَّثَني أُبَيُّ بنُ كَعبٍ: أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: إنَّ موسى قامَ خَطيبًا في بَني إسرائيلَ، فسُئِلَ: أيُّ النَّاسِ أعلَمُ؟ فقال: أنا، فعَتَبَ اللهُ عليه؛ إذ لَم يَرُدَّ العِلمَ إليه، فأوحى اللهُ إليه: إنَّ لي عَبدًا بمَجمَعِ البَحرَينِ هو أعلَمُ مِنكَ، قال موسى: يا رَبِّ، فكيفَ لي به؟ قال: تَأخُذُ معكَ حوتًا فتَجعَلُه في مِكتَلٍ، فحَيثُما فقدتَ الحوتَ فهو ثَمَّ، فأخَذَ حوتًا فجَعَلَه في مِكتَلٍ، ثُمَّ انطَلَقَ وانطَلَقَ معهُ بفَتاه يوشَعَ بنِ نونٍ، حتَّى إذا أتَيا الصَّخرةَ وضَعا رُؤوسَهما فناما، واضطَرَبَ الحوتُ في المِكتَلِ، فخَرَجَ منه فسَقَطَ في البَحرِ {فاتَّخَذَ سَبيلَه في البَحرِ سَرَبًا} [الكهف: 61]، وأمسَكَ اللهُ عَنِ الحوتِ جِريةَ الماءِ، فصارَ عليه مِثلَ الطَّاقِ، فلَمَّا استَيقَظَ نَسيَ صاحِبُه أن يُخبِرَه بالحوتِ، فانطَلَقا بَقيَّةَ يَومِهما ولَيلَتَهما، حتَّى إذا كان مِنَ الغَدِ قال موسى لفَتاه: {آتِنا غَداءَنا لَقد لَقينا مِن سَفَرِنا هذا نَصَبًا} [الكهف: 62]، قال: ولَم يَجِدْ موسى النَّصَبَ حتَّى جاوزا المَكان الذي أمَرَ اللهُ به، فقال له فتاه: {أرَأيتَ إذ أوينا إلى الصَّخرةِ فإنِّي نَسيتُ الحوتَ وما أنسانيهُ إلَّا الشَّيطانُ أن أذكُرَه واتَّخَذَ سَبيلَه في البَحرِ عَجَبًا} [الكهف: 63]، قال: فكان للحوتِ سَرَبًا، ولِموسى ولِفَتاه عَجَبًا، فقال موسى: {ذلك ما كُنَّا نَبغي فارتَدَّا على آثارِهما قَصَصًا}، قال: رَجَعا يَقُصَّانِ آثارَهما حتَّى انتَهَيا إلى الصَّخرةِ، فإذا رَجُلٌ مُسَجًّى ثَوبًا، فسَلَّمَ عليه موسى، فقال الخَضِرُ: وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بَني إسرائيلَ؟ قال: نَعَم، أتَيتُكَ لتُعَلِّمَني ممَّا عُلِّمتَ رَشَدًا، قال: {إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا} [الكهف: 67]، يا موسى، إنِّي على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَنيه، لا تَعلَمُه أنتَ، وأنتَ على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَكَه اللهُ، لا أعلَمُه، فقال موسى: {سَتَجِدُني إن شاءَ اللهُ صابِرًا ولا أعصي لَكَ أمرًا} [الكهف: 69]، فقال له الخَضِرُ: {فإنِ اتَّبَعتَني فلا تَسألْني عَن شَيءٍ حَتَّى أُحدِثَ لَكَ مِنْه ذِكرًا} [الكهف: 70]، فانطَلَقا يَمشيانِ على ساحِلِ البَحرِ، فمَرَّت سَفينةٌ، فكَلَّموهم أن يَحمِلوهم، فعَرَفوا الخَضِرَ، فحَمَلوهم بغيرِ نَولٍ، فلَمَّا رَكِبا في السَّفينةِ لَم يَفجَأْ إلَّا والخَضِرُ قد قَلَعَ لَوحًا مِن ألواحِ السَّفينةِ بالقَدومِ، فقال له موسى: قَومٌ قد حَمَلونا بغيرِ نَولٍ عَمَدتَ إلى سَفينَتِهم فخَرَقتَها {لتُغرِقَ أهلَها لَقد جِئتَ شَيئًا إمرًا * قال ألَم أقُل إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا * قال لا تُؤاخِذني بما نَسيتُ ولا تُرهِقني مِن أمري عُسرًا} [الكهف: 71]، قال: وقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وكانَتِ الأولى مِن موسى نِسيانًا، قال: وجاءَ عُصفورٌ، فوقَعَ على حَرفِ السَّفينةِ، فنَقَرَ في البَحرِ نَقرةً، فقال له الخَضِرُ: ما عِلمي وعِلمُكَ مِن عِلمِ اللهِ إلَّا مِثلُ ما نَقَصَ هذا العُصفورُ مِن هذا البَحرِ، ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفينةِ، فبينا هُما يَمشيانِ على السَّاحِلِ إذ أبصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلعَبُ مع الغِلمانِ، فأخَذَ الخَضِرُ رَأسَه بيَدِه، فاقتَلَعَه بيَدِه فقَتَلَه، فقال له موسى: (أقَتَلتَ نَفسًا زاكيةً) {بغَيرِ نَفسٍ لَقد جِئتَ شَيئًا نُكرًا * قال ألَم أقُل لَكَ إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا} [الكهف: 74]، قال: وهذه أشَدُّ مِنَ الأولى، قال: {قال إن سَألتُكَ عَن شَيءٍ بَعدَها فلا تُصاحِبني قد بَلَغتَ مِن لَدُنِّي عُذرًا * فانطَلَقا حَتَّى إذا أتَيا أهلَ قَريةٍ استَطعَما أهلَها فأبَوا أن يُضَيِّفوهما فوجَدا فيها جِدارًا يُريدُ أن يَنقَضَّ} [الكهف: 76]، قال: مائِلٌ، فقامَ الخَضِرُ فأقامَه بيَدِه، فقال موسى: قَومٌ أتَيناهم فلَم يُطعِمونا ولَم يُضَيِّفونا، {لَو شِئتَ لاتَّخَذتَ عليه أجرًا} [الكهف: 77]، قال: {قال هذا فِراقُ بَيني وبَينِكَ} إلى قَولِه: {ذلك تَأويلُ ما لَم تَسطِع عليه صَبرًا} [الكهف: 78]، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ودِدنا أنَّ موسى كان صَبَرَ حتَّى يَقُصَّ اللهُ علينا مِن خَبَرِهما. قال سَعيدُ بنُ جُبَيرٍ: فكان ابنُ عَبَّاسٍ يَقرَأُ (وكان أمامَهم مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفينةٍ صالِحةٍ غَصبًا)، وكان يَقرَأُ: (وأمَّا الغُلامُ فكان كافِرًا، وكان أبَواه مُؤمِنَينِ)
الراويأبي بن كعب
المحدثالبخاري
الصفحة أو الرقم4725
خلاصة حكم المحدث[صحيح]
أنَّ موسى صاحِبَ الخَضِرِ ليس هو موسى بَني إسرائيلَ، إنَّما هو موسى آخَرُ، فقال: كَذَبَ عَدوُّ اللهِ، حَدَّثَنا أُبَيُّ بنُ كَعبٍ، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنَّ موسى قامَ خَطيبًا في بَني إسرائيلَ، فسُئِلَ أيُّ النَّاسِ أعلَمُ؟ فقال: أنا، فعَتَبَ اللهُ عليه؛ إذ لَم يَرُدَّ العِلمَ إليه، فقال له: بَلى، لي عَبدٌ بمَجمَعِ البَحرَينِ هو أعلَمُ مِنكَ، قال: أي رَبِّ ومَن لي بهِ؟ -ورُبَّما قال سُفيانُ: أي رَبِّ، وكيفَ لي بهِ؟- قال: تَأخُذُ حوتًا، فتَجعَلُه في مِكتَلٍ، حَيثُما فقدتَ الحوتَ فهو ثَمَّ، -ورُبَّما قال: فهو ثَمَّهْ-، وأخَذَ حوتًا فجَعَلَه في مِكتَلٍ، ثُمَّ انطَلَقَ هو وفَتاه يوشَعُ بنُ نونٍ، حتَّى إذا أتَيا الصَّخرةَ وضَعا رُؤوسَهما، فرَقدَ موسى واضطَرَبَ الحوتُ فخَرَجَ، فسَقَطَ في البَحرِ فاتَّخَذَ سَبيلَه في البَحرِ سَرَبًا، فأمسَكَ اللهُ عَنِ الحوتِ جِريةَ الماءِ، فصارَ مِثلَ الطَّاقِ، فقال: هَكَذا مِثلُ الطَّاقِ، فانطَلَقا يَمشيانِ بَقيَّةَ لَيلَتِهما ويَومَهما، حتَّى إذا كان مِنَ الغَدِ قال لفَتاه: آتِنا غَداءَنا، لقد لَقينا مِن سَفَرِنا هذا نَصَبًا، ولَم يَجِدْ موسى النَّصَبَ حتَّى جاوزَ حَيثُ أمَرَه اللهُ، قال له فتاه: {أرَأيتَ إذ أوينا إلى الصَّخرةِ فإنِّي نَسيتُ الحوتَ وما أنسانيه إلَّا الشَّيطانُ أن أذكُرَه واتَّخَذَ سَبيلَه في البَحرِ عَجَبًا} فكان للحوتِ سَرَبًا ولَهما عَجَبًا، قال له موسى: {ذلك ما كُنَّا نَبغي فارتَدَّا على آثارِهما قَصَصًا}، رَجَعا يَقُصَّانِ آثارَهما، حتَّى انتَهَيا إلى الصَّخرةِ، فإذا رَجُلٌ مُسَجًّى بثَوبٍ، فسَلَّمَ موسى فرَدَّ عليه، فقال: وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بَني إسرائيلَ؟ قال: نَعَم، أتَيتُكَ لتُعَلِّمَني ممَّا عُلِّمتَ رُشدًا، قال: يا موسى، إنِّي على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَنيه اللهُ لا تَعلَمُه، وأنتَ على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَكَه اللهُ لا أعلَمُه، قال: هل أتَّبِعُكَ؟ قال: {إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا وكيفَ تَصبِرُ على ما لَم تُحِط به خُبرًا} [الكهف: 68] إلى قَولِه: {إِمْرًا} [الكهف: 71] فانطَلَقا يَمشيانِ على ساحِلِ البَحرِ، فمَرَّت بهِما سَفينةٌ كَلَّموهم أن يَحمِلوهم، فعَرَفوا الخَضِرَ فحَمَلوه بغيرِ نَولٍ، فلَمَّا رَكِبا في السَّفينةِ جاءَ عُصفورٌ، فوقَعَ على حَرفِ السَّفينةِ فنَقَرَ في البَحرِ نَقرةً أو نَقرَتَينِ، قال له الخَضِرُ: يا موسى ما نَقَصَ عِلمي وعِلمُكَ مِن عِلمِ اللهِ إلَّا مِثلَ ما نَقَصَ هذا العُصفورُ بمِنقارِه مِنَ البَحرِ، إذ أخَذَ الفَأسَ فنَزَعَ لَوحًا، قال: فلَم يَفجَأْ موسى إلَّا وقد قَلَعَ لَوحًا بالقدُّومِ، فقال له موسى: ما صَنَعتَ؟ قَومٌ حَمَلونا بغيرِ نَولٍ عَمَدتَ إلى سَفينَتِهم فخَرَقتَها لتُغرِقَ أهلَها، لقد جِئتَ شيئًا إمرًا! قال: {ألَم أقُل إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا قال: لا تُؤاخِذني بما نَسيتُ ولا تُرهقني مِن أمري عُسرًا} [الكهف: 72]، فكانَتِ الأولى مِن موسى نِسيانًا، فلَمَّا خَرَجا مِنَ البَحرِ مَرُّوا بغُلامٍ يَلعَبُ مع الصِّبيانِ، فأخَذَ الخَضِرُ برَأسِه فقَلَعَه بيَدِه هَكَذا -وأومَأ سُفيانُ بأطرافِ أصابِعِه كَأنَّه يَقطِفُ شيئًا-، فقال له موسى: {أقَتَلتَ نَفسًا زَكيَّةً بغيرِ نَفسٍ لقد جِئتَ شيئًا نُكرًا * قال ألَم أقُل لكَ إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا * قال إن سَألتُكَ عن شيءٍ بَعدَها فلا تُصاحِبني قد بَلَغتَ مِن لَدُنِّي عُذرًا * فانطَلَقا حتَّى إذا أتَيا أهلَ قَريةٍ استَطعَما أهلَها فأبَوا أن يُضَيِّفوهما فوجَدا فيها جِدارًا يُريدُ أن يَنقَضَّ} مائِلًا، أومَأ بيَدِه هَكَذا -وأشارَ سُفيانُ كَأنَّه يَمسَحُ شيئًا إلى فوقُ، فلَم أسمَع سُفيانَ يَذكُرُ مائِلًا إلَّا مَرَّةً-، قال: قَومٌ أتَيناهم فلَم يُطعِمونا ولَم يُضَيِّفونا، عَمَدتَ إلى حائِطِهم، لو شِئتَ لاتَّخَذتَ عليه أجرًا، قال: هذا فِراقُ بَيني وبَينِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بتَأويلِ ما لَم تَستَطِع عليه صَبرًا، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ودِدنا أنَّ موسى كان صَبَرَ فقَصَّ اللهُ علينا مِن خَبَرِهما -قال سُفيانُ- قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يَرحَمُ اللهُ موسى، لو كان صَبَرَ لَقُصَّ علينا مِن أمرِهما وقَرَأ ابنُ عَبَّاسٍ: أمامَهم مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفينةٍ صالِحةٍ غَصبًا، وأمَّا الغُلامُ فكان كافِرًا وكان أبَواه مُؤمِنَينِ
الراويأبي بن كعب
المحدثالبخاري
الصفحة أو الرقم3401
خلاصة حكم المحدث[صحيح]
قامَ مُوسَى خطيبًا في بنِي إسرائيلَ ، فسُئِلَ ، أيُّ الناسِ أعلَمُ ؟ فقال : أنَا . فعَتِبَ اللهُ عليه إذْ لمْ يَرُدَّ العِلمَ إليه ، وأوْحَى اللهُ إليه : إنَّ لِي عبدًا بِمَجْمَعِ البحريْنِ ، هوَ أعلمُ مِنْكَ ، قال : يا ربِّ ! وكيفَ لِي به ؟ فقِيلَ : احمِلْ حُوتًا في مِكْتَلٍ ، فإذا فقدْتَهُ فهوَ ثَمَّ ، فانْطلَقَ ، وانطلَقَ مَعهُ فتَاهُ يُوشَعُ بنُ نُونٍ ، وحَمَلا حُوتًا في مِكْتَلٍ ، حتى كانَا عند الصخرةِ ، فوَضَعَا رُؤُوسَهُما فنَامَا ، فانْسَلَّ الحوتُ من المِكْتَلِ ، فاتَّخَذَ سَبيلَهُ في البحرِ سَرَبا ، وكانَ لِمُوسَى وفَتاهُ عَجَبًا ، فانْطلَقا بَقِيَّةَ يومِهِما ولَيلَتَهُما ، فلَمَّا أصْبَحا ، قال مُوسَى لِفتاهُ : آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا من سَفَرِنَا هذا نَصَبًا ولمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا من النَّصَبِ حتى جاوَزَ المكانَ الذي أمرَهُ اللهُ به ، فقال لهُ فتاهُ : أرَأَيْتَ إِذْ أوَيْنَا إلى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ قال مُوسَى : ذَلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا فلَمَّا انْتهَيَا إلى الصخرةِ إذا رَجلٌ مُسَجًّى بِثوبٍ ، فسَلَّمَ مُوسى ، فقال الخَضِرُ : أنَّى بِأرْضِكَ السلامُ ؟ قال : أنا مُوسَى ، قال : مُوسَى بنِي إِسرائِيلَ ؟ قال : نَعمْ قال : هَلْ أتَّبِعُكَ عَلَى أنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قال إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا يا مُوسَى إنِّي على عِلمٍ من عِلمِ اللهِ تعالى عَلَّمَنِيهِ ، لا تَعلَمُهُ أنْتَ ، وأنتَ على عِلمٍ من علمِ اللهِ تعالى عَلَّمَكَهُ اللهُ لا أعلَمُهُ ، قال : سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا ولَا أعْصِي لَكَ أمْرًا ، فانْطلَقَا يَمشِيانِ على الساحِلِ ، فمَرَّتْ سفينةٌ ، فكَلَّمُوهمْ أنْ يَحمِلُوهُما ، فعرَفُوا الخَضِرَ ، فحملُوهُما بِغيرِ نَوْلٍ ، وجاءَ عُصفورٌ فوَقعَ على حرْفِ السفينةِ فنَقَرَ نقْرَةً أو نَقْرتيْنِ في البحرِ ، فقال الخضِرُ ، يا مُوسَى ما نَقَصَ عِلْمِي وعلِمُكَ من عِلمِ اللهِ إلَّا كنَقْرَةِ هذا العُصفورِ في هذا البحْرِ ! فعَمِدَ الخَضِرُ إلى لَوْحٍ من ألْواحِ السفينةِ فنَزَعَهُ ، فقال مُوسَى : قومٌ حَمَلُونا بِغيرِ نوْلٍ عَمِدْتَ إلى سَفينتِهِمْ فخَرقْتَها لِتُغرِقَ أهلَها ؟ قال : ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا . قال : لا تؤاخذني بما نسيت فكانَتْ الأُولَى من مُوسَى نِسيانًا ، فانْطلَقَا فإذا غُلامٌ يَلعبُ مع الغِلمانِ ، فأخَذَ الخَضِرُ بِرأسِهِ من أعلاهُ فاقْتلَعَ رأسَهُ بِيدِهِ ، فقال لهُ مُوسَى : أقتلت نفسا زاكية بغير نفس قال ألَمْ أقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ، فَانْطَلَقَا حتى إِذَا أتَيَا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أهْلَهَا فَأَبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ قال الخَضِرُ بِيدِهِ فَأَقَامَهُ ، فقال مُوسَى : لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا . قال هذا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ ، يَرحمُ اللهُ مُوسَى لوَدِدْنا لوْ صَبَرَ حتى يَقُصَّ عليْنا من أمْرِهِما
الراويأبي بن كعب
المحدثالألباني
الصفحة أو الرقم4357
خلاصة حكم المحدثصحيح
عنْ زَيدِ بنِ صُوحانَ، أنَّ رَجُلينِ مِن أهْلِ الكوفةِ كانَا صَديقَينِ لزَيدِ بنِ صُوحانَ أتَياهُ؛ ليُكلِّمَ لهما سَلْمانَ أنْ يُحدِّثَهما حَديثَه، كيف كانَ إسْلامُه فأقْبَلا معَه حتَّى لَقُوا سَلْمانَ، وهو بالمَدائنِ أميرًا عليها، وإذا هو على كُرسيٍّ قاعِدٌ، وإذا خُوصٌ بيْنَ يدَيْه وهو يُسِفُّه، قالَا: فسَلَّمْنا وقعَدْنا، فقالَ له زَيدٌ: يا أبا عَبدِ اللهِ، إنَّ هذين لي صَديقانِ ولهُما إخاءٌ، وقد أحَبَّا أنْ يَسمَعا حَديثَكَ كيف كانَ بَدءُ إسْلامِكَ؟ قالَ: فقالَ سَلْمانُ: كنْتُ يَتيمًا مِن رامَ هُرْمُزَ، وكانَ أبي دِهْقانَ رامَ هُرْمُزَ يَختلِفُ إلى مُعلِّمٍ يُعلِّمُه، فلَزِمْتُه؛ لأكونَ في كَنَفِه، وكانَ لي أخٌ أكبَرُ منِّي، وكانَ مُستَغْنيًا بنَفْسِه، وكنْتُ غُلامًا قَصيرًا، وكانَ إذا قامَ مِن مَجلِسِه تَفرَّقَ مَن يُحفِّظُهم، فإذا تَفرَّقوا خرَجَ فتَقنَّعَ بثَوبِه، ثمَّ صعِدَ الجبَلَ، وكانَ يفعَلُ ذلك غيرَ مرَّةٍ مُتنكِّرًا، قالَ: فقُلْتُ له: إنَّكَ تَفعَلُ كذا وكذا، فلمَ لا تذهَبُ بي معَكَ؟ قالَ: أنتَ غُلامٌ، وأخافُ أنْ يَظهَرَ منكَ شَيءٌ، قالَ: قُلْتُ: لا تَخَفْ، قالَ: فإنَّ في هذا الجبَلِ قَوما في بِرْطيلٍ لهم عِبادةٌ، ولهُم صَلاحٌ يَذْكُرونَ اللهَ تَعالَى، ويَذْكُرونَ الآخِرةَ، ويَزعُمونَ أنَّا عَبَدةُ النِّيرانِ، وعَبَدةُ الأوْثانِ، وأنَّا على غَيرِ دينِهم، قالَ: قُلْتُ: فاذهَبْ بي معَكَ إليهم، قالَ: لا أقدِرُ على ذلك حتَّى أسْتَأْمِرَهم، وأنا أخافُ أنْ يَظهَرَ منكَ شَيءٌ، فيَعلَمَ أبي فيَقتُلَ القَومَ، فيَكونُ هَلاكُهم على يَدي، قالَ: قُلْتُ: لن يَظهَرَ منِّي ذلك، فاسْتَأْمِرْهم، فأتاهُم، فقالَ: غُلامٌ عِنْدي يَتيمٌ، فأُحِبُّ أنْ يَأتيَكم ويَسمَعَ كَلامَكم، قالوا: إنْ كنْتَ تثِقُ به، قالَ: أرْجو ألَّا يَجيءَ منه إلَّا ما أُحِبُّ، قالوا: فجِئْ به، فقالَ لي: لقدِ اسْتأذَنْتُ القَومَ في أنْ تَجيءَ مَعي، فإذا كانتِ السَّاعةُ الَّتي رَأيْتَني أخرُجُ فيها فأْتِني، ولا يَعلَمْ بكَ أحَدٌ، فإنَّ أبي إذا علِمَ بهِم قتَلَهم، قالَ: فلمَّا كانَتِ السَّاعةُ الَّتي يخرُجُ تَبِعْتُه فصَعِدْنا الجبَلَ، فانْتَهَيْنا إليهم، فإذا هُم في بِرْطِيلِهم، قالَ عَليٌّ: وأُراهُ قالَ: وهُم ستَّةٌ أو سَبعةٌ، قالَ: وكأنَّ الرُّوحَ قد خرَجَ منهم منَ العِبادةِ يَصومونَ النَّهارَ، ويَقومونَ اللَّيلَ، ويَأْكُلونَ الشَّجَرَ، ما وَجَدوا، فقَعَدْنا إليهم، فأثْنى الدِّهْقانُ على حَبرٍ، فتَكَلَّموا، فحَمِدوا اللهَ، وأثْنَوْا عليه، وذَكَروا مَن مَضى منَ الرُّسلِ والأنْبياءِ حتَّى خَلُصوا إلى ذِكْرِ عيسَى بنِ مَرْيمَ عليه السَّلامُ، فقالوا: بعَثَ اللهُ عيسَى عليه السَّلامُ رَسولًا، وسخَّرَ له ما كانَ يَفعَلُ مِن إحْياءِ المَوْتى، وخَلْقِ الطَّيرِ، وإبْراءِ الأكْمَهِ، والأبْرَصِ، والأعْمَى، فكفَرَ به قَومٌ وتَبِعَه قَومٌ، وإنَّما كانَ عَبدَ اللهِ ورَسولَه ابْتَلى به خَلْقَه، قالَ: وقالوا قبلَ ذلك: يا غُلامُ، إنَّ لكَ لَرَبًّا، وإنَّ لكَ مَعادًا، وإنَّ بيْنَ يدَيْكَ جنَّةً ونارًا، إليها تَصيرُ، وإنَّ هؤلاء القَومَ الَّذين يَعبُدونَ النِّيرانَ أهْلُ كُفرٍ وضَلالةٍ، لا يَرْضى اللهُ ما يَصنَعونَ، ولَيْسوا على دِينٍ، فلمَّا حضَرَتِ السَّاعةُ الَّتي يَنصرِفُ فيها الغُلامُ انصرَفَ وانصرَفْتُ معَه، ثمَّ غدَوْنا إليهم، فقالوا مثلَ ذلك وأحسَنَ، ولَزِمْتُهم، فقالوا لي: يا سَلْمانُ، إنَّكَ غُلامٌ، وإنَّكَ لا تَستَطيعُ أنْ تصنَعَ كما نصنَعُ فصَلِّ ونَمْ، وكُلْ واشرَبْ، قالَ: فاطَّلَعُ الملِكُ على صَنيعِ ابنِه، فركِبَ في الخَيلِ حتَّى أتاهُم في بِرْطيلِهم، فقالَ: يا هؤلاء، قد جاوَرْتُموني فأحسَنْتُ جِوارَكُم، ولم تَرَوْا منِّي سوءًا، فعمَدْتُم إلى ابْني فأفْسَدْتُموه عليَّ، قد أجَّلْتُكم ثَلاثًا، فإنْ قدِرْتُ عليكم بعدَ ثلاثٍ أحرَقْتُ عليكم بِرْطيلَكم هذا، فالْحَقوا ببِلادِكم؛ فإنِّي أكْرَهُ أنْ يَكونَ منِّي إليكم سوءٌ، قالوا: نعمْ، ما تَعمَّدْنا مَساءَتَكَ، ولا أرَدْنا إلَّا الخَيرَ، فكَفَّ ابنَه عنْ إتْيانِهم. فقُلْتُ له: اتَّقِ اللهَ؛ فإنَّكَ تَعرِفُ أنَّ هذا الدِّينَ دِينُ اللهِ، وأنَّ أباكَ ونحن على غَيرِ دينٍ، إنَّما هُم عَبَدةُ النِّيرانِ لا يَعبُدونَ اللهَ، فلا تَبِعْ آخِرَتَكَ بدُنْيا غَيرِكَ، قالَ: يا سَلْمانُ، هو كما تقولُ: وإنَّما أتخَلَّفُ عنِ القَومِ بَغيًا عليهم، إنْ تَبِعْتُ القَومَ طَلَبَني أبي في الجبَلِ، وقد خرَجَ في إتْياني إيَّاهُم حتَّى طَرَدَهم، وقد أعرِفُ أنَّ الحَقَّ في أيْديهِم فأتَيْتُهم في اليومِ الَّذي أرادُوا أنْ يَرْتَحِلوا فيه، فقالوا: يا سَلْمانُ: قد كنَّا نَحذَرُ مَكانَ ما رَأيْتَ فاتَّقِ اللهَ، واعلَمْ أنَّ الدِّينَ ما أوْصَيْناكَ به، وأنَّ هؤلاء عَبَدةُ النِّيرانِ لا يَعْرِفونَ اللهَ، ولا يَذْكُرونَه، فلا يَخدَعَنَّكَ أحَدٌ عنْ دينِكَ، قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكم، قالوا: أنتَ لا تَقدِرُ أنْ تكونَ مَعَنا، نحن نَصومُ النَّهارَ، ونَقومُ اللَّيلَ، ونأكُلُ عندَ السَّحَرِ، ما أصَبْنا، وأنتَ لا تَستَطيعُ ذلك، قالَ: فقُلْتُ: لا أُفارِقُكم، قالوا: أنتَ أعلَمُ، وقد أعْلَمْناكَ حالَنا، فإذا أتيْتَ خُذْ مِقْدارَ حِملٍ يكونُ معَكَ شَيءٌ تَأْكُلُه؛ فإنَّكَ لا تَستَطيعُ ما نَستَطيعُ بحقٍّ قالَ: ففعَلْتُ ولَقيتُ أخي، فعرَضْتُ عليه، ثمَّ أتَيْتُهم، فأتَيْتُهم يَمْشونَ وأمْشي معَهم، فرزَقَ اللهُ السَّلامةَ إلى أنْ قَدِمْنا المَوصِلَ، فأَتَيْنا بِيعةً بالمَوصِلِ، فلمَّا دَخَلوا احْتَفَوْا بهِم، وقالوا: أين كُنْتم؟ قالوا: كنَّا في بِلادٍ لا يَذْكُرونَ اللهَ، بها عَبَدةُ النِّيرانِ، فطَرَدونا، فقَدِمْنا عليكم، فلمَّا كانَ بعدُ قالوا: يا سَلْمانُ، إنَّ ها هُنا قَومًا في هذه الجِبالِ هُم أهْلُ دِينٍ، وإنَّا نُريدُ لِقاءَهُم، فكُنْ أنتَ ها هنا معَ هؤلاء؛ فإنَّهم أهْلُ دينٍ وسَتَرَى منهم ما تُحِبُّ، قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكم، قالَ: وأوْصَوْا بي أهْلَ البِيعةَ، فقالوا: قُمْ معَنا يا غُلامُ؛ فإنَّه لا يُعجِزُكَ شَيءٌ، قُلْتُ لهم: ما أنا بمُفارِقِكم، قالَ: فخَرَجوا وأنا معَهم، فأصْبَحوا بيْنَ جِبالٍ، وإذا صَخْرةٌ وماءٌ كَثيرٌ في جِرارٍ وخَيرٌ كَثيرٌ، فقَعَدْنا عندَ الصَّخْرةِ، فلمَّا طلَعَتِ الشَّمسُ خَرَجوا منَ الجِبالَ، يَخرُجُ رَجُلٌ مِن مَكانِه، كأنَّ الأرْواحَ قدِ انتُزِعَتْ منهم، حتَّى كَثُروا فرَحَّبوا بهم، وحَفُّوا، وقالوا: أين كُنْتم لم نَرَكم، قالوا: كنَّا في بِلادٍ لا يَذْكُرونَ اللهَ، فيها عَبَدةُ نِيرانٍ، وكنَّا نَعبُدُ اللهَ، فطَرَدونا، فقالوا: ما هذا الغُلامُ؟ فطَفِقوا يُثْنونَ عليَّ، وقالوا: صَحِبَنا مِن تلك البِلادِ، فلم نَرَ منه إلَّا خَيرًا، قالَ سَلَمانُ فوَاللهِ: إنَّهم لَكذلكَ إذا طلَعَ عليهم رَجُلٌ مِن كَهفِ جَبلٍ، قالَ: فجاء حتَّى سلَّمَ وجلَسَ فحَفُّوا به، وعَظَّموه أصْحابي الَّذين كنْتُ معَهم وأحْدَقوا به، فقالَ: أين كُنْتم؟ فأخْبَروه، فقالَ: ما هذا الغُلامُ معَكم؟ فأثْنَوْا عليَّ خَيرًا وأخْبَروه باتِّباعي إيَّاهم، ولم أرَ مِثلَ إعْظامِهم إيَّاه، فحمِدَ اللهَ وأثْنى عليه، ثمَّ ذكَرَ مَن أُرسِلَ مِن رُسلِه وأنْبيائِه وما لَقُوا، وما صنَعَ به، وذكَرَ مَولِدَ عيسَى بنِ مَرْيمَ عليه السَّلامُ، وأنَّه وُلِدَ بغَيرِ ذَكَرٍ فبعَثَه اللهُ عزَّ وجلَّ رَسولًا، وعلى يدَيْه إحْياءُ المَوْتى، وأنَّه يَخلُقُ منَ الطِّينِ كهَيئةِ الطَّيرِ، فيَنفُخُ فيه فيَكونُ طَيرًا بإذْنِ اللهِ، وأنزَلَ عليه الإنْجيلَ وعلَّمَه التَّوْراةَ، وبعَثَه رَسولًا إلى بَني إسْرائيلَ، فكفَرَ به قَومٌ وآمَنَ به قَومٌ، وذكَرَ بعض ما لَقِيَ عيسَى ابنُ مَرْيمَ عليه السَّلامُ، وأنَّه كانَ عَبدَ اللهِ أنعَمَ اللهُ عليه، فشكَرَ ذلك له، ورَضيَ اللهُ عنه حتَّى قبَضَه اللهُ عزَّ وجلَّ وهو يَعِظُهم ويَقولُ: اتَّقوا اللهَ، والْزَموا ما جاءَ به عيسَى عليه السَّلامُ، ولا تُخالِفوا فيُخالَفَ بكم، ثمَّ قالَ: مَن أرادَ أنْ يأخُذَ مِن هذا شَيئًا، فلْيأخُذْ، فجعَلَ الرَّجلُ يَقومُ فيأخُذُ الجَرَّةَ منَ الماءِ والطَّعامِ والشَّيءِ، فقامَ أصْحابي الَّذين جِئْتُ معَهم، فسَلَّموا عليه، وعَظَّموه، وقالَ لهمُ: الْزَموا هذا الدِّينَ، وإيَّاكم أنْ تَفَرَّقوا واسْتَوْصوا بهذا الغُلامِ خَيرًا، وقالَ لي: يا غُلامُ، هذا دِينُ اللهِ الَّذي تَسمَعُني أقولُه، وما سِواهُ الكُفرُ، قالَ: قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكَ، قالَ: إنَّكَ لا تَستَطيعُ أنْ تكونَ مَعي؛ إنِّي لا أخرُجُ مِن كَهْفي هذا إلَّا كلَّ يومِ أحَدٍ، ولا تَقدِرُ على الكَيْنونةِ مَعي، قالَ: وأقبَلَ على أصْحابِه، وقالوا: يا غُلامُ، إنَّكَ لا تَستَطيعُ أنْ تَكونَ معَه، قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكَ، قالَ له أصْحابُه: يا فلانُ، إنَّ هذا غُلامٌ ويُخافُ عليه، فقالَ لي: أنتَ أعلَمُ، قُلْتُ: فإنِّي لا أُفارِقُكَ، فبَكى أصْحابي الأوَّلونَ الَّذين كنْتُ معَهم عندَ فِراقِهم إيَّايَ، فقالوا: يا غُلامُ، خُذْ مِن هذا الطَّعامِ ما تَرى أنَّه يَكْفيكَ إلى الأحَدِ الآخَرِ، وخُذْ منَ الماءِ ما تَكْتَفي له، ففعَلْتُ، فما رَأيْتُه نائمًا ولا طاعِمًا إلَّا راكِعًا وساجِدًا إلى الأحَدِ الآخَرِ، فلمَّا أصْبَحْنا، قالَ لي: خُذْ جرَّتَكَ هذه، وانطَلِقْ، فخرَجْتُ معَه أتْبَعُه، حتَّى انْتَهَيْنا إلى الصَّخْرةِ، وإذا هُم قد خَرَجوا مِن تلك الجِبالِ يَنتَظِرونَ خُروجَه، فقَعَدوا، وعادَ في حَديثِه نحوَ المرَّةِ الأُولى، فقالَ: الْزَموا هذا الدِّينَ ولا تَفَرَّقوا، واذْكُروا اللهَ واعْلَموا أنَّ عيسَى ابنَ مَريمَ عليه السَّلامُ كانَ عَبدًا، أنعَمَ اللهُ عليه، ثمَّ ذَكَرَني، فقالوا له: يا فُلانُ، كيف وجَدْتَ هذا الغُلامَ؟ فأثْنى عليَّ، وقالَ خَيرًا، فحَمِدوا اللهَ تَعالى، وإذا خُبزٌ كَثيرٌ، وماءٌ كَثيرٌ، فأخَذوا، وجعَلَ الرَّجلُ يأخُذُ ما يَكْتَفي به، وفعَلْتُ فتَفَرَّقوا في تلك الجِبالِ، ورجَعَ إلى كَهْفِه، ورجَعْتُ معَه، فلَبِثْنا ما شاءَ اللهُ، يخرُجُ في كلِّ يومِ أحَدٍ، ويَخرُجونَ معَه، ويَحُفُّونَ به ويُوصِيهم بما كانَ يُوصِيهم به، فخرَجَ في أحَدٍ، فلمَّا اجْتَمَعوا حمِدَ اللهَ ووعَظَهم وقالَ مِثلَ ما كانَ يَقولُ لهُم، ثمَّ قالَ لهُم آخِرَ ذلك: يا هؤلاء، إنَّه قد كبِرَ سِنِّي، ورَقَّ عَظْمي، واقتَرَبَ أجَلي، وأنَّه لا عَهدَ لي بهذا البيتِ منذُ كذا وكذا، ولا بُدَّ مِن إتْيانِه، فاسْتَوْصوا بهذا الغُلامِ خَيرًا؛ فإنِّي رأيْتُه لا بأْسَ به، قالَ: فجَزِعَ القَومُ، فما رأيْتُ مثلَ جَزَعِهم، وقالوا: يا فلانُ، أنتَ كَبيرٌ، وأنتَ وَحدَكَ، ولا نأمَنُ مِن أنْ يُصيبَكَ الشَّيءُ، يُساعِدُكَ أحوَجُ ما كنَّا إليكَ، قالَ: فلا تُراجِعوني، لا بُدَّ مِن إتْيانِه، ولكنِ اسْتَوْصوا بهذا الغُلامِ خَيرًا، وافْعَلوا وافْعَلوا، قالَ: فقُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكَ، قالَ: يا سَلْمانُ، قد رأيْتَ حَالي، وما كنْتُ عليه، وليس هذا كذلك، أنا أمْشي أصومُ النَّهارَ وأقومُ اللَّيلَ، ولا أستَطيعُ أنْ أحمِلَ مَعي زادًا ولا غيرَه، وأنتَ لا تَقدِرُ على هذا، قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكَ، قالَ: أنتَ أعلَمُ، قالَ: فقالوا: يا فلانُ، فإنَّا نَخافُ على هذا الغُلامِ، قالَ: فهو أعلَمُ، قد أعلَمْتُه الحالَ، وقد رَأى ما كانَ قبلَ هذا، قُلْتُ: لا أُفارِقُكَ، قالَ: فبَكَوْا، ووَدَّعوهُ، وقالَ لهمُ: اتَّقُوا اللهَ وكونُوا على ما أوْصَيْتُكم به، فإنْ أعِشْ فعَلَيَّ أرجِعُ إليكم، وإنْ مُتُّ، فإنَّ اللهَ حيٌّ لا يَموتُ، فسلَّمَ عليهم، وخرَجَ وخرَجْتُ معَه، وقالَ لي: احمِلْ معَكَ مِن هذا الخُبزِ شَيئًا تَأْكُلُه، فخرَجَ وخرَجْتُ معَه يَمْشي، واتَّبَعْتُه يَذكُرُ اللهَ ولا يَلتَفِتُ، ولا يقِفُ على شَيءٍ، حتَّى إذا أمْسَيْنا، قالَ: يا سَلْمانُ، صَلِّ أنتَ ونَمْ، وكُلْ واشرَبْ، ثمَّ قامَ وهو يُصلِّي حتَّى إذا انْتَهى إلى بيتِ المَقدِسِ، وكانَ لا يَرفَعُ طَرْفَه إلى السَّماءِ، حتَّى إذا انْتَهَيْنا إلى بابِ المَسجِدِ، وإذا على البابِ مُقعَدٌ، فقالَ: يا عبدَ اللهِ، قد تَرى حَالي، فتَصدَّقْ عليَّ بشَيءٍ، فلم يَلتفِتْ إليه، ودخَلَ المَسجِدَ، ودخَلْتُ معَه، فجعَلَ يتَّبِعُ أمْكِنةً في المَسجِدِ فصَلَّى فيها، فقالَ: يا سَلْمانُ، إنِّي لم أجِدْ طَعْمَ النَّومِ منذُ كذا وكذا، فإنْ أنتَ جعَلْتَ أنْ توقِظَني إذا بلَغَ الظِّلُّ مَكانَ كذا وكذا نِمْتُ؛ فإنِّي أُحِبُّ أنْ أنامَ في هذا المَسجِدِ، وإلَّا لم أنَمْ، قالَ: قُلْتُ: فإنِّي أفعَلُ، قالَ: فإذا بلَغَ الظِّلُّ مَكانَ كذا وكذا فأيْقِظْني إذا غلَبَتْني عَيْني، فقامَ، فقُلْتُ في نَفْسي: هذا لم ينَمْ منذُ كذا وكذا، وقد رأيْتُ بعضَ ذلك، لأدَعَنَّه يَنامُ حتَّى يَشتَفيَ منَ النَّومِ، قالَ: وكانَ فيما يَمْشي وأنا معَه يُقبِلُ عليَّ فيَعِظُني، ويُخبِرُني أنَّ لي ربًّا، وأنَّ بيْنَ يدَيَّ جنَّةً ونارًا وحسابًا، ويُعلِّمُني ويُذَكِّرُني نحوَ ما يُذكِّرُ القَومَ يومَ الأحَدِ، حتَّى قالَ فيما يَقولُ: يا سَلْمانُ، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ سوف يَبعَثُ رَسولًا اسمُه أحمَدُ، يَخرُجُ بتِهامةَ -وكانَ رَجُلًا أعْجميًّا لا يُحسِنُ أنْ يقولَ: مُحمَّدٌ- علامَتُه أنَّه يأكُلُ الهَديَّةَ، ولا يأكُلُ الصَّدَقةَ، بيْنَ كَتِفَيْه خاتَمٌ، وهذا زَمانُه الَّذي يخرُجُ فيه قد تَقارَبَ، فأمَّا أنا؛ فإنِّي شَيخٌ كَبيرٌ، ولا أحْسَبُني أُدرِكُه، فإنْ أدْرَكْتَه فصَدِّقْه واتَّبِعْه، قالَ: قُلْتُ: وإنْ أمَرَني بتَرْكِ دينِكَ وما أنتَ عليه، قالَ: فاتْرُكْه؛ فإنَّ الحقَّ فيما يأمُرُ به، ورِضا الرَّحمَنِ فيما قالَ، فلم يَمضِ إلَّا يَسيرًا حتَّى استَيقَظَ فَزِعًا يَذكُرُ اللهَ، فقالَ لي: يا سَلْمانُ، مَضى الفَيْءُ مِن هذا المَكانِ، ولم أذكُرِ اللهَ، أين ما كُنْتَ جعَلْتَ على نفْسِكَ؟ قالَ: أخْبَرْتَني أنَّكَ لم تَنَمْ منذُ كذا وكذا، وقد رَأيْتُ بَعضَ ذلك، فأحبَبْتُ أنْ تَشتَفيَ منَ النَّومِ، فحمِدَ اللهَ، وقامَ، فخرَجَ، وتَبِعْتُه، فمَرَّ بالمُقعَدِ، فقالَ المُقعَدُ: يا عَبدَ اللهِ، دخلْتَ فسألْتُكَ فلم تُعْطِني، وخرَجْتَ فسألْتُكَ فلم تُعْطِني، فقامَ يَنظُرُ، هل يَرى أحَدًا؟ فلم يَرَه، فدَنا منه، فقالَ له: ناوِلْني يدَكَ فناوَلَه، فقالَ: بسمِ اللهِ، فقامَ كأنَّه أُنشِطَ مِن عِقالٍ صَحيحًا لا عَيبَ به، فخَلَّا عنْ يَدِه، فانطلَقَ ذاهِبًا، فكانَ لا يَلْوي على أحَدٍ، ولا يَقومُ عليه، فقالَ لي المُقعَدُ: يا غُلامُ، احمِلْ عليَّ ثِيابي حتَّى أنطَلِقَ أُبشِّرُ أهْلي، فحمَلْتُ عليه ثيابَه، وانطلَقَ لا يَلْوي عليَّ، فخرَجْتُ في إثْرِه أطلُبُه، فكلَّما سألْتُ عنه قالوا: أمامَكَ حتَّى لَقِيَني رَكْبٌ مِن كَلبٍ، فسألْتُهم، فلمَّا سَمِعوا، أناخَ رَجُلٌ مِنهم عليَّ بَعيرَه، فحمَلَني خَلفَه، حتَّى أتَوْا بلادَهُم فباعُوني، فاشْتَرَتْني امْرأةٌ منَ الأنْصارِ، فجعَلَتْني في حائطٍ لها، فقدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأُخبِرْتُ به، فأخذْتُ أشْياءَ مِن ثَمرِ حائِطي، فجعَلْتُه على شَيءٍ، ثمَّ أتَيْتُه، فوجَدْتُ عندَه ناسًا، وإذا أبو بَكرٍ أقرَبُ النَّاسِ إليه، فوضَعْتُه بيْنَ يدَيْه، فقالَ: ما هذا؟ قُلْتُ: صَدَقةٌ، قالَ للقَومِ: كُلوا، ولم يأكُلْ، ثمَّ لبِثْتُ ما شاءَ اللهُ، ثمَّ أخذْتُ مثلَ ذلك، فجعَلْتُه على شَيءٍ، ثمَّ أتيْتُه، فوجَدْتُ عندَه ناسًا، وإذا أبو بَكرٍ أقرَبُ القَومِ منه، فوضَعْتُه بيْنَ يدَيْه، فقالَ لي: ما هذا؟ فقُلْتُ: هَديَّةٌ، قالَ: بسمِ اللهِ، وأكَلَ وأكَلَ القَومُ، قُلْتُ في نَفْسي: هذه مِن آياتِه، كانَ صاحِبي رَجُلًا أعْجميًّا لم يُحسِنْ أنْ يَقولَ: تِهامةَ، فقالَ: تِهْمةَ، وقالَ: أحمَدُ، فدُرْتُ خَلفَه، ففَطِنَ بي، فأرْخى ثوبَه، فإذا الخاتَمُ في ناحيةِ كَتِفِه الأيسَرِ فتَبيَّنْتُه، ثمَّ دُرْتُ حتَّى جلَسْتُ بيْنَ يدَيْه، فقُلْتُ: أشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّكَ رَسولُ اللهِ، قالَ: مَن أنتَ؟ قُلْتُ: مَمْلوكٌ، قالَ: فحَدَّثْتُه حَديثي، وحَديثَ الرَّجلِ الَّذي كنْتُ معَه، وما أمَرَني به، قالَ: لمَن أنتَ؟ قُلْتُ: لامْرأةٍ منَ الأنْصارِ جعَلَتْني في حائطٍ لها، قالَ: يا أبا بَكرٍ، قالَ: لبَّيكَ، قالَ: اشْتَرِه، فاشْتَراني أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فأعْتَقَني، فلَبِثْتُ ما شاءَ اللهُ أنْ ألبَثَ، فسلَّمْتُ عليه، وقعَدْتُ بيْنَ يدَيْه، فقُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما تَقولُ في دينِ النَّصارى، قالَ: لا خَيرَ فيهم، ولا في دِينِهم، فدَخَلَني أمرٌ عَظيمٌ، فقُلْتُ في نَفْسي: هذا الَّذي كنْتُ معَه ورأيْتُ ما رَأيْتُه، ثمَّ رأيْتُه أخَذَ بيَدِ المُقعَدِ فأقامَه اللهُ على يدَيْه لا خيرَ في هؤلاء، ولا في دينِهم، فانصرَفْتُ وفي نَفْسي ما شاءَ اللهُ، فأنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82] إلى آخِرِ الآيةِ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: عليَّ بسَلْمانَ، فأتَى الرَّسولُ وأنا خائفٌ، فجِئْتُ حتَّى قعَدْتُ بيْنَ يدَيْه فقَرَأَ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82] إلى آخِرِ الآيةِ، يا سَلْمانُ، إنَّ أولئك الَّذين كنْتَ معَهم وصاحِبَكَ لم يَكونوا نَصارى، إنَّما كانُوا مُسلِمينَ، فقُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ، والَّذي بعَثَكَ بالحَقِّ لَهوَ الَّذي أمَرَني باتِّباعِكَ، فقُلْتُ له: وإنْ أمَرَني بتَرْكِ دينِكَ وما أنتَ عليه، قالَ: فاتْرُكْه؛ فإنَّ الحقَّ وما يجِبُ فيما يَأمُرُكَ به
الراويسلمان الفارسي
المحدثالحاكم
الصفحة أو الرقم6705
خلاصة حكم المحدثصحيح
قُلتُ لابنِ عَبَّاسٍ: إنَّ نَوفًا البَكاليَّ يَزعُمُ أنَّ موسى بَني إسرائيلَ ليس بموسى الخَضِرِ، فقال: كَذَبَ عَدوُّ اللهِ، حَدَّثَنا أُبَيُّ بنُ كَعبٍ، عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: قامَ موسى خَطيبًا في بَني إسرائيلَ فقيلَ له: أيُّ النَّاسِ أعلَمُ؟ قال: أنا، فعَتَبَ اللهُ عليه إذ لَم يَرُدَّ العِلمَ إليه، وأوحى إليه: بَلى عَبدٌ مِن عِبادي بمَجمَعِ البَحرَينِ، هو أعلَمُ مِنكَ، قال: أي رَبِّ، كيفَ السَّبيلُ إليه؟ قال: تَأخُذُ حوتًا في مِكتَلٍ، فحَيثُما فقدتَ الحوتَ فاتَّبِعْه، قال: فخَرَجَ موسى ومعهُ فتاه يوشَعُ بنُ نونٍ، ومعهُما الحوتُ حتَّى انتَهَيا إلى الصَّخرةِ، فنَزَلا عِندَها، قال: فوضَعَ موسى رَأسَه فنامَ، -قال سُفيانُ: وفي حَديثِ غيرِ عَمرٍو، قال: وفي أصلِ الصَّخرةِ عَينٌ يُقالُ لَها: الحَياةُ لا يُصيبُ مِن مائِها شيءٌ إلَّا حَييَ، فأصابَ الحوتَ مِن ماءِ تلك العَينِ- قال: فتَحَرَّكَ وانسَلَّ مِنَ المِكتَلِ، فدَخَلَ البَحرَ، فلَمَّا استَيقَظَ موسى قال لفَتاه: {آتِنا غَداءَنا} الآيةَ، قال: ولَم يَجِدِ النَّصَبَ حتَّى جاوزَ ما أُمِرَ به، قال له فتاه يوشَعُ بنُ نونٍ: {أرَأيتَ إذ أوينا إلى الصَّخرةِ فإنِّي نَسيتُ الحوتَ} الآيةَ، قال: فرَجَعا يَقُصَّانِ في آثارِهما، فوجَدا في البَحرِ كالطَّاقِ مَمَرَّ الحوتِ، فكان لفَتاه عَجَبًا، وللحوتِ سَرَبًا، قال: فلَمَّا انتَهَيا إلى الصَّخرةِ، إذ هُما برَجُلٍ مُسَجًّى بثَوبٍ، فسَلَّمَ عليه موسى، قال: وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ؟ فقال: أنا موسى، قال: موسى بَني إسرائيلَ؟ قال: نَعَم، قال: هل أتَّبِعُكَ على أن تُعَلِّمَني ممَّا عُلِّمتَ رَشَدًا؟ قال له الخَضِرُ: يا موسى، إنَّكَ على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَكَه اللهُ لا أعلَمُه، وأنا على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَنيه اللهُ لا تَعلَمُه، قال: بَل أتَّبِعُكَ، قال: فإنِ اتَّبَعتَني فلا تَسأَلْني عن شيءٍ حتَّى أُحدِثَ لكَ منه ذِكرًا، فانطَلَقا يَمشيانِ على السَّاحِلِ فمَرَّت بهِم سَفينةٌ فعُرِفَ الخَضِرُ فحَمَلوهم في سَفينَتِهم بغيرِ نَولٍ -يقولُ بغيرِ أجرٍ- فرَكِبا السَّفينةَ، قال: ووقَعَ عُصفورٌ على حَرفِ السَّفينةِ فغَمَسَ مِنقارَه في البَحرِ، فقال الخَضِرُ لموسى: ما عِلمُكَ وعِلمي وعِلمُ الخَلائِقِ في عِلمِ اللهِ إلَّا مِقدارُ ما غَمَسَ هذا العُصفورُ مِنقارَه، قال: فلَم يَفجَأْ موسى إذ عَمَدَ الخَضِرُ إلى قدومٍ فخَرَقَ السَّفينةَ، فقال له موسى: قَومٌ حَمَلونا بغيرِ نَولٍ، عَمَدتَ إلى سَفينَتِهم فخَرَقتَها لتُغرِقَ أهلَها {لقد جِئتَ} الآيةَ، فانطَلَقا إذا هُما بغُلامٍ يَلعَبُ مع الغِلمانِ، فأخَذَ الخَضِرُ برَأسِه فقَطَعَه، قال له موسى: {أقَتَلتَ نَفسًا زَكيَّةً بغيرِ نَفسٍ لَقَدْ جِئتَ شيئًا نُكرًا قال ألَم أقُل لكَ إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعي صَبرًا} إلى قَولِه: {فأبَوا أن يُضَيِّفوهما فوجَدا فيها جِدارًا يُريدُ أن يَنقَضَّ} -فقال بيَدِه هَكَذا- فأقامَه، فقال له موسى: إنَّا دَخَلنا هذه القَريةَ فلَم يُضَيِّفونا ولَم يُطعِمونا، {لَو شِئتَ لاتَّخَذتَ عليه أجرًا قال هذا فِراقُ بَيني وبَينِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بتَأويلِ ما لَم تَستَطِع عليه صَبرًا}، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ودِدنا أنَّ موسى صَبَرَ حتَّى يُقَصَّ علينا مِن أمرِهما، قال: وكان ابنُ عَبَّاسٍ يَقرَأُ: وكان أمامَهم مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفينةٍ صالِحةٍ غَصبًا، وأمَّا الغُلامُ فكان كافِرًا
الراويأبي بن كعب
المحدثالبخاري
الصفحة أو الرقم4727
خلاصة حكم المحدث[صحيح]
عَن عائِشةَ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حينَ قال لَها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبَرَّأها اللهُ، وكُلُّهم حَدَّثَني طائِفةً مِن حَديثِها، وبَعضُهم كان أوعى لحَديثِها مِن بَعضٍ، وأثبَتَ له اقتِصاصًا وقد وعَيتُ عَن كُلِّ رَجُلٍ مِنهُمُ الحَديثَ الذي حَدَّثَني عَن عائِشةَ، وبَعضُ حَديثِهم يُصَدِّقُ بَعضًا، وإن كان بَعضُهم أوعى له مِن بَعضٍ، قالوا: قالت عائِشةُ: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ سَفَرًا أقرَعَ بينَ أزواجِه، فأيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهمُها خَرَجَ بها، فذَكَرَ الحَديثَ، إلَّا أنَّه قال: آذَنَ لَيلةً بالرَّحيلِ فقُمتُ، حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ، وقال: مِن جَزعِ ظَفارٍ، وقال: يَهبُلنَ، وقال: فيَمَّمتُ مَنزِلي، وقال: قال عُروةُ: أُخبِرتُ أنَّه كان يُشاعُ ويُحَدَّثُ به عِندَه فيُقِرُّه ويَستَمِعُه ويَستَوشيه، وقال عُروةُ أيضًا: لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ إلَّا حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ ومِسطَحُ بنُ أُثاثةَ، وحَمنةُ بنتُ جَحشٍ في ناسٍ آخَرينَ لا عِلمَ لي بهم إلَّا أنَّهم عُصبةٌ، كما قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّ كِبرَ ذلك كان يُقالُ عِندَ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ، قال عُروةُ: وكانَت عائِشةُ تَكرَهُ أن يُسَبَّ عِندَها حَسَّانُ وتَقولُ: إنَّه الذي قال [البَحرُ الوافِرُ] فإنَّ أبي ووالِدَه وعِرضي... لعِرضِ مُحَمَّدٍ مِنكُم وِقاءُ. وقالت: وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنزيهِ، وقال: لَها ضَرائِرُ، وقال: بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وقال: فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، وقال: وإن كان مِن إخوانِنا الخَزرَجِ، وقال: فقامَ رَجُلٌ مِنَ الخَزرَجِ، وكانَت أُمُّ حَسَّانَ بنتَ عَمِّه مِن فخِذِه، وهو سَعدُ بنُ عُبادةَ، وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ، قالت: وكانَ قَبلَ ذلك رَجُلًا صالِحًا ولَكِنِ احتَمَلَتْه الحَميَّةُ، وقال: قَلَصَ دَمعي، وقال: وطَفِقَت أُختُها حَمنةُ تُحارِبُ لَها، وقال عُروةُ: قالت عائِشةُ: واللهِ إنَّ الرَّجُلَ الذي قيلَ له ما قيلَ لَيَقولُ: سُبحانَ اللهِ! فوالذي نَفسي بيَدِه ما كَشَفتُ عَن كَنَفِ أُنثى قَطُّ، قالت: ثُمَّ قُتِلَ بَعدَ ذلك في سَبيلِ اللهِ شَهيدًا. قال عبدُ اللهِ بنُ أحمَدَ: قال أبي: في أحَدِ الحَديثَينِ تَجاذُبٌ [عَن حَديثِ عائِشةَ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حينَ قال لَها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبَرَّأها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكُلُّهم حَدَّثَني بطائِفةٍ مِن حَديثِها، وبَعضُهم كان أوعى لحَديثِها مِن بَعضٍ، وأثبَتَ اقتِصاصًا، وقد وعَيتُ عَن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ الحَديثَ الذي حَدَّثَني، وبَعضُ حَديثِهم يُصَدِّقُ بَعضًا، ذَكَروا أنَّ عائِشةَ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت: «كانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ أن يَخرُجَ سَفَرًا أقرَعَ بينَ نِسائِه، فأيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهمُها، خَرَجَ بها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معهُ» قالت عائِشةُ: فأقرَعَ بينَنا في غَزوةٍ غَزاها فخَرَجَ فيها سَهمي، فخَرَجتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك بَعدَما أُنزِلَ الحِجابُ، فأنا أُحمَلُ في هَودَجي، وأُنزَلُ فيه مَسيرَنا، حتَّى إذا فرَغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غَزوِه، وقَفَلَ ودَنَونا مِنَ المَدينةِ، آذَنَ لَيلةً بالرَّحيلِ، فقُمتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ، فمَشَيتُ حتَّى جاوزتُ الجَيشَ، فلَمَّا قَضَيتُ شَأني أقبَلتُ إلى الرَّحلِ، فلَمَستُ صَدري، فإذا عِقدٌ مِن جَزعِ أظفارٍ قدِ انقَطَعَ، فرَجَعتُ فالتَمَستُ عِقدي، فاحتَبَسَني ابتِغاؤُه، وأقبَلَ الرَّهطُ الذينَ كانوا يَرحَلونَ بي، فحَمَلوا هَودَجي فرَحَلوه على بَعيري الذي كُنتُ أركَبُ، وهم يَحسَبونَ أنِّي فيه، قالت: وكانَتِ النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافًا لم يُهَبِّلْهنَّ ولَم يَغشَهنَّ اللحمُ، إنَّما يَأكُلنَ العُلقةَ مِنَ الطَّعامِ، فلَم يَستَنكِرِ القَومُ ثِقَلَ الهَودَجِ حينَ رَحَلوه ورَفَعوه، وكُنتُ جاريةً حَديثةَ السِّنِّ، فبَعَثوا الجَمَلَ وساروا، فوجَدتُ عِقدي بَعدَما استَمَرَّ الجَيشُ، فجِئتُ مَنازِلَهم ولَيسَ بها داعٍ ولا مُجيبٌ، فيَمَّمتُ مَنزِلي الذي كُنتُ فيه، وظَنَنتُ أنَّ القَومَ سَيَفقِدوني، فيَرجِعوا إلَيَّ، فبَينا أنا جالِسةٌ في مَنزِلي، غَلَبَتني عَيني فنِمتُ، وكانَ صَفوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَميُّ ثُمَّ الذَّكوانيُّ قد عَرَّسَ وراءَ الجَيشِ، فأدلَجَ فأصبَحَ عِندَ مَنزِلي، فرَأى سَوادَ إنسانٍ نائِمٍ، فأتاني فعَرَفَني حينَ رَآني، وقد كان يراني قَبلَ أن يُضرَبَ عليَّ الحِجابُ، فاستَيقَظتُ باستِرجاعِه حينَ عَرَفَني، فخَمَّرتُ وجهي بجِلبابي، فواللهِ ما كَلَّمَني كَلِمةً، ولا سَمِعتُ مِنهُ كَلِمةً غيرَ استِرجاعِه حتَّى أناخَ راحِلَتَه، فوطِئَ على يَدِها، فرَكِبتُها فانطَلَقَ يَقودُ بي الرَّاحِلةَ، حتَّى أتَينا الجَيشَ بَعدَما نَزَلوا موغِرينَ في نَحرِ الظَّهيرةِ، فهَلَكَ مَن هَلَكَ في شَأني، وكانَ الذي تَولَّى كِبرَه عبدَ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنَ سَلولَ، فقدِمتُ المَدينةَ فاشتَكَيتُ حينَ قدِمنا شَهرًا، والنَّاسُ يُفيضونَ في قَولِ أهلِ الإفكِ، ولَم أشعُرْ بشيءٍ مِن ذلك، وهو يَريبُني في وجَعي أنِّي لا أعرِفُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللُّطفَ الذي كُنتُ أرى مِنهُ حينَ أشتَكي، إنَّما يَدخُلُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يقولُ: كيفَ تيكُم؟ فذاكَ يَريبُني، ولا أشعُرُ بالشَّرِّ، حتَّى خَرَجتُ بَعدَما نَقَهتُ، وخَرَجتُ مَعي أُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وهو مُتَبَرَّزُنا، ولا نَخرُجُ إلَّا لَيلًا إلى لَيلٍ، وذلك قَبلَ أن تُتَّخَذَ الكُنُفُ قَريبًا مِن بُيوتِنا، وأمرُنا أمرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنَزُّهِ، وكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أن نَتَّخِذَها عِندَ بُيوتِنا، وانطَلَقتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ - وهي بنتُ أبي رُهمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وأُمُّها بنتُ صَخرِ بنِ عامِرٍ، خالةُ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ- وأقبَلتُ أنا وبنتُ أبي رُهمٍ قِبَلَ بَيتي حينَ فرَغنا مِن شَأنِنا، فعَثَرَت أُمُّ مِسطَحٍ في مِرطِها، فقالت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فقُلتُ لَها: بئسَ ما قُلتِ، تَسُبِّينَ رَجُلًا قد شَهِدَ بَدرًا! قالت: أيْ هَنْتاه أولَم تَسمَعي ما قال؟ قُلتُ: وماذا قال؟ فأخبَرَتني بقَولِ أهلِ الإفكِ، فازدَدتُ مَرَضًا إلى مَرَضي، فلَمَّا رَجَعتُ إلى بَيتي، فدَخَلَ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قال: كيفَ تيكُم؟ قُلتُ: أتَأذَنُ لي أن آتيَ أبَويَّ؟ قالت: وأنا حينَئذٍ أُريدُ أن أتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهما، فأذِنَ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجِئتُ أبَويَّ، فقُلتُ لأُمِّي: يا أُمَّتاه ما يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فقالت: أي بُنَيَّةُ هَوِّني عليكِ، فواللهِ لَقَلَّما كانَتِ امرَأةٌ قَطُّ وضيئةً عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّها، ولَها ضَرائِرُ إلَّا كَثَّرنَ عليها، قالت قُلتُ: سُبحانَ اللهِ! أوقد تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ قالت: فبَكَيتُ تلك اللَّيلةَ حتَّى أصبَحتُ، لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ أصبَحتُ أبكي، ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ، وأُسامةَ بنَ زَيدٍ حينَ استَلبَثَ الوحيُ يَستَشيرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأمَّا أُسامةُ بنُ زَيدٍ فأشارَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالذي يَعلَمُ مِن بَراءةِ أهلِه، وبالذي يَعلَمُ في نَفسِه لهم مِنَ الوُدِّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ هُم أهلُكَ، ولا نَعلَمُ إلَّا خَيرًا، وأمَّا عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ فقال: لم يُضَيِّقِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليكَ، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وإن تَسألِ الجاريةَ تَصدُقْكَ، قالت: فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ، قال: أي بَريرةُ هل رَأيتِ مِن شيءٍ يَريبُكِ مِن عائِشةَ؟ قالت له بَريرةُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ إن رَأيتُ عليها أمرًا قَطُّ أغمِصُه عليها أكثَرَ مِن أنَّها جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عَن عَجينِ أهلِها، فتَأتي الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستَعذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ، فقالت قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على المِنبَرِ: «يا مَعشَرَ المُسلِمينَ، مَن يَعذِرُني مِن رَجُلٍ قد بَلَغَني أذاه في أهلِ بَيتي، فواللهِ ما عَلِمتُ على أهلي إلَّا خَيرًا، ولَقد ذَكَروا رَجُلًا ما عَلِمتُ عليه إلَّا خَيرًا، وما كان يَدخُلُ على أهلي إلَّا مَعي»، فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصاريُّ فقال: أعذِرُكَ مِنهُ يا رَسولَ اللهِ؟ إن كان مِنَ الأوسِ ضَرَبنا عُنُقَه، وإن كان مِن إخوانِنا مِنَ الخَزرَجِ أمَرتَنا ففَعَلنا أمرَكَ، قالت: فقامَ سَعدُ بنُ عُبادةَ وهو سَيِّدُ الخَزرَجِ، وكانَ رَجُلًا صالِحًا، ولَكِنِ اجتَهَلَتْه الحَميَّةُ، فقال لسَعدِ بنِ مُعاذٍ: لَعَمرُ اللهِ لا تَقتُلُه، ولا تَقدِرُ على قَتلِه، فقامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابنُ عَمِّ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، فقال لسَعدِ بنِ عُبادةَ: كَذَبتَ! لَعَمرُ اللهِ لَنَقتُلَنَّه؛ فإنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنِ المُنافِقينَ، فثارَ الحَيَّانِ الأوسُ والخَزرَجُ، حتَّى هَمُّوا أن يَقتَتِلوا، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائِمٌ على المِنبَرِ، فلَم يَزَلْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم حتَّى سَكَتوا وسَكَتَ. قالت: وبَكَيتُ يَومي ذاكَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، ثُمَّ بَكَيتُ لَيلَتي المُقبِلةَ لا يَرقَأُ لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنَومٍ، وأبَوايَ يَظُنَّانِ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدي، قالت: فبَينا هُما جالِسانِ عِندي، وأنا أبكي استَأذَنَت عليَّ امرَأةٌ مِنَ الأنصارِ، فأذِنتُ لَها فجَلَسَت تَبكي مَعي، فبَينا نَحنُ على ذلك دَخَلَ علينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قالت: ولَم يَجلِسْ عِندي مُنذُ قيلَ لي ما قيلَ، وقد لَبِثَ شَهرًا لا يوحى إلَيه في شَأني شيءٌ، قالت: فتَشَهَّدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ جَلَسَ، ثُمَّ قال: «أمَّا بَعدُ، يا عائِشةُ فإنَّه بَلَغَني عَنكِ كَذا وكَذا، فإن كُنتِ بَريئةً فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وإن كُنتِ ألمَمتِ بذَنبٍ فاستَغفِري اللهَ، ثُمَّ توبي إلَيه؛ فإنَّ العَبدَ إذا اعتَرَفَ بذَنبٍ، ثُمَّ تابَ تابَ اللهُ عليه»، قالت: فلَمَّا قَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَقالتَه قَلَصَ دَمعي حتَّى ما أُحِسُّ مِنهُ قَطرةً، فقُلتُ لأبي: أجِبْ عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال! فقال: ما أدري واللهِ ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقُلتُ لأُمِّي: أجيبي عَنِّي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقالت: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! قالت: فقُلتُ وأنا جاريةٌ حَديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ كَثيرًا مِنَ القُرآنِ: إنِّي واللهِ قد عَرَفتُ أنَّكُم قد سَمِعتُم بهذا، حتَّى استَقَرَّ في أنفُسِكُم وصَدَّقتُم به، ولَئِن قُلتُ لَكُم إنِّي بَريئةٌ -واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- لا تُصَدِّقوني بذلك، ولَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بأمرٍ -واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ- تُصَدِّقوني، وإنِّي واللهِ ما أجِدُ لي ولَكُم مَثَلًا إلَّا كما قال أبو يوسُفَ {فصَبرٌ جَميلٌ واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفونَ} [يوسف: 18] قالت: ثُمَّ تَحَوَّلتُ فاضطَجَعتُ على فِراشي، قالت: وأنا واللهِ حينَئذٍ أعلَمُ أنِّي بَريئةٌ، وأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ مُبَرِّئي ببَرائَتي، ولَكِن واللهِ ما كُنتُ أظُنُّ أن يُنزَلَ في شَأني وحيٌ يُتلى، ولَشَأني كان أحقَرَ في نَفسي مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولَكِن كُنتُ أرجو أن يَرى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّومِ رُؤيا، يُبَرِّئُني اللهُ عَزَّ وجَلَّ بها، قالت: فواللهِ ما رامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَجلِسَه، ولا خَرَجَ مِن أهلِ البَيتِ أحَدٌ حَتَّى أنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ على نَبيِّه، فأخَذَه ما كان يَأخُذُه مِنَ البُرَحاءِ عِندَ الوحيِ، حَتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثلُ الجُمانِ مِنَ العَرَقِ في اليَومِ الشَّاتي مِن ثِقَلِ القَولِ الذي أُنزِلَ عليه، قالت: فلَمَّا سُرِّيَ عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يَضحَكُ، فكانَ أوَّلَ كَلِمةٍ تَكَلَّمَ بها أن قال: أبشِري يا عائِشةُ، أمَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ فقد بَرَّأكِ، فقالت لي أُمِّي: قومي إلَيه، فقُلتُ: واللهِ لا أقومُ إلَيه، ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ عَزَّ وجَلَّ، هو الذي أنزَلَ بَراءَتي، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {إنَّ الذينَ جاؤوا بالإفكِ عُصبةٌ مِنكُم} عَشرَ آياتٍ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ هذه الآياتِ بَراءَتي، قالت: فقال أبو بَكرٍ -وكانَ يُنفِقُ على مِسطَحٍ لقَرابَتِه منه وفَقرِه: واللهِ لا أُنفِقُ عليه شَيئًا أبَدًا بَعدَ الذي قال لعائِشةَ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {ولا يَأتَلِ أولو الفَضلِ مِنكُم والسَّعةِ} إلى قَولِه {ألا تُحِبُّونَ أن يَغفِرَ اللهُ لَكُم} [النُّور: 22] فقال أبو بَكرٍ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي، فرَجَعَ إلى مِسطَحٍ النَّفَقةَ التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: لا أنزِعُها منه أبَدًا، قالت عائِشةُ: وكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَألَ زَينَبَ بنتَ جَحشٍ زَوجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن أمري: ما عَلِمتِ أو ما رَأيتِ أو ما بَلَغَكِ؟ قالت: يا رَسولَ اللهِ، أحمي سَمعي وبَصَري، وأنا ما عَلِمتُ إلَّا خَيرًا، قالت عائِشةُ: وهيَ التي كانَت تُساميني مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعَصَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ بالورَعِ، وطَفِقَت أُختُها حَمنةُ بنتُ جَحشٍ تُحارِبُ لَها، فهَلَكَت فيمَن هَلَكَ. قال: ابنُ شِهابٍ: فهذا ما انتَهى إلَينا مِن أمرِ هَؤُلاءِ الرَّهطِ]
الراويعائشة أم المؤمنين
المحدثشعيب الأرناؤوط
الصفحة أو الرقم25624
خلاصة حكم المحدثإسناده صحيح على شرط الشيخين
قُلتُ لابنِ عَبَّاسٍ: إنَّ نَوفًا البَكاليَّ يَزعُمُ أنَّ موسى ليس بموسى بَني إسرائيلَ، إنَّما هو موسى آخَرُ؟ فقال: كَذَبَ عَدوُّ اللهِ، حَدَّثَنا أُبَيُّ بنُ كَعبٍ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قامَ موسى النَّبيُّ خَطيبًا في بَني إسرائيلَ فسُئِلَ أيُّ النَّاسِ أعلَمُ؟ فقال: أنا أعلَمُ، فعَتَبَ اللهُ عليه، إذ لَم يَرُدَّ العِلمَ إليه، فأوحى اللهُ إليه: أنَّ عَبدًا مِن عِبادي بمَجمَعِ البَحرَينِ، هو أعلَمُ مِنكَ. قال: يا رَبِّ، وكيفَ بهِ؟ فقيلَ له: احمِلْ حوتًا في مِكتَلٍ، فإذا فقدتَه فهو ثَمَّ، فانطَلَقَ وانطَلَقَ بفَتاه يوشَعَ بنِ نونٍ، وحَمَلا حوتًا في مِكتَلٍ، حتَّى كانا عِندَ الصَّخرةِ وضَعا رُؤوسَهما وناما، فانسَلَّ الحوتُ مِنَ المِكتَلِ فاتَّخَذَ سَبيلَه في البَحرِ سَرَبًا، وكان لموسى وفَتاه عَجَبًا، فانطَلَقا بَقيَّةَ لَيلَتِهما ويَومَهما، فلَمَّا أصبَحَ قال موسى لفَتاه: آتِنا غَداءَنا، لقد لَقينا مِن سَفَرِنا هذا نَصَبًا، ولَم يَجِدْ موسى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حتَّى جاوزَ المَكان الذي أُمِرَ به، فقال له فتاه: {أرَأيتَ إذ أوينا إلى الصَّخرةِ فإنِّي نَسيتُ الحوتَ وما أنسانيه إلَّا الشَّيطانُ} قال موسى: {ذلك ما كُنَّا نَبغي فارتَدَّا على آثارِهما قَصَصًا} فلَمَّا انتَهَيا إلى الصَّخرةِ إذا رَجُلٌ مُسَجًّى بثَوبٍ، أو قال: تَسَجَّى بثَوبِه، فسَلَّمَ موسى، فقال الخَضِرُ: وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ؟ فقال: أنا موسى، فقال: موسى بَني إسرائيلَ؟ قال: نَعَم، قال: هل أتَّبِعُكَ على أن تُعَلِّمَني ممَّا عُلِّمتَ رَشَدًا؟ قال: إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا، يا موسى إنِّي على عِلمٍ مِن عِلمِ اللهِ عَلَّمَنيه لا تَعلَمُه أنتَ، وأنتَ على عِلمٍ عَلَّمَكَه لا أعلَمُه، قال: سَتَجِدُني إن شاءَ اللهُ صابِرًا، ولا أعصي لكَ أمرًا، فانطَلَقا يَمشيانِ على ساحِلِ البَحرِ، ليس لهما سَفينةٌ، فمَرَّت بهِما سَفينةٌ، فكَلَّموهم أن يَحمِلوهما، فعُرِفَ الخَضِرُ فحَمَلوهما بغيرِ نَولٍ، فجاءَ عُصفورٌ، فوقَعَ على حَرفِ السَّفينةِ، فنَقَرَ نَقرةً أو نَقرَتَينِ في البَحرِ، فقال الخَضِرُ: يا موسى ما نَقَصَ عِلمي وعِلمُكَ مِن عِلمِ اللهِ إلَّا كَنَقرةِ هذا العُصفورِ في البَحرِ، فعَمَدَ الخَضِرُ إلى لَوحٍ مِن ألواحِ السَّفينةِ، فنَزَعَه، فقال موسى: قَومٌ حَمَلونا بغيرِ نَولٍ عَمَدتَ إلى سَفينَتِهم فخَرَقتَها لتُغرِقَ أهلَها؟ قال: ألَم أقُلْ إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا؟ قال: لا تُؤاخِذني بما نَسيتُ ولا تُرهِقْني مِن أمري عُسرًا -فكانَتِ الأولى مِن موسى نِسيانًا-، فانطَلَقا، فإذا غُلامٌ يَلعَبُ مع الغِلمانِ، فأخَذَ الخَضِرُ برَأسِه مِن أعلاه فاقتَلَعَ رَأسَه بيَدِه، فقال موسى: أقَتَلتَ نَفسًا زَكيَّةً بغيرِ نَفسٍ؟ قال: ألَم أقُلْ لكَ إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا؟ -قال ابنُ عُيَينةَ: وهذا أوكَدُ- فانطَلَقا، حتَّى إذا أتَيا أهلَ قَريةٍ استَطعَما أهلَها فأبَوا أن يُضَيِّفوهما، فوجَدا فيها جِدارًا يُريدُ أن يَنقَضَّ فأقامَه، قال الخَضِرُ بيَدِه فأقامَه، فقال له موسى: لو شِئتَ لاتَّخَذتَ عليه أجرًا، قال: هذا فِراقُ بَيني وبَينِكَ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يَرحَمُ اللهُ موسى، لَودِدنا لو صَبَرَ حتَّى يُقَصَّ علينا مِن أمرِهما
الراويأبي بن كعب
المحدثالبخاري
الصفحة أو الرقم122
خلاصة حكم المحدث[صحيح]
وجَدتُ عِلمَ الصَّحابةِ انتَهى إلى سِتَّةٍ: عُمَرَ، وعليٍّ، وأُبَيٍّ، وزَيدٍ، وأبي الدَّرداءِ، وابنِ مَسعودٍ، ثُمَّ انتَهى عِلمُهم إلى: عليٍّ، وعَبدِ اللهِ
الراويمسروق
المحدثشعيب الأرناؤوط
الصفحة أو الرقم2/343
خلاصة حكم المحدثإسناده صحيح
تجتمِعُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ في صلاةِ العصرِ وصلاةِ الصبحِ ، فتَصعَدُ ملائكةُ النهارِ في صلاةِ العصرِ ، وتَبقى فيكم ملائكةُ الليلِ ، وتَصعَدُ ملائكةُ الليلِ في صلاةِ الصبحِ ، وتَبقى فيكم ملائكةُ النهارِ ، ويقولونَ : أتيناهم وهم يصلونَ ، وترَكناهم وهم يصلونَ ، وترَكنا فيهم رجلًا لم يُصِبْه خيرٌ قَطُّ ، ولا بلاءٌ قَطُّ إلا علِم أنه مِنكَ ، فيقولُ : ابتَلوا عبدي - أو زيدوا عبدي - قال سفيانُ : لا أدري بأيتِهِما بدَأ قال : فيبتَلونَه ثم يقولُ : ابتَلوه فيُبتَلى ثم يقولُ : ابتَلوه - وهو أعلمُ - فيقولونَ : انتَهى البلاءُ أي ربِّ ، ثم يقولُ : زيدوه فيُزادُ ، ثم يقولُ : زيدوه فيُزادُ ، ثم يقولُ : زيدوه ، فيُزادُ ، ثم يقولُ : زيدوه - وهو أعلمُ - فيقولونَ : انتَهى المزيدُ أي ربِّ فيقولُ : كيف رأيتم عبدي في البلاءِ ، وكيف رأيتُموه في الرخاءِ ؟ فتقولُ : أي ربِّ أصبَرَ عبدٍ وأشكَرَه ، فيقولُ : اكتُبوا عبدي ممن لا يبدلُ ، ولا يغيرُ حتى يَلقاني
الراويرجل من الصحابة
المحدثالبوصيري
الصفحة أو الرقم2/134
خلاصة حكم المحدثإسناده صحيح
عَن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: قُلتُ لابنِ عَبَّاسٍ: إنَّ نَوفًا الشَّاميَّ يَزعُمُ أو يَقولُ: ليس موسى صاحِبُ خَضِرٍ موسى بَني إسرائيلَ، قال: كَذَبَ نَوفٌ عَدوُّ اللهِ، حَدَّثَني أُبَيُّ بنُ كَعبٍ، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنَّ موسى قامَ في بَني إسرائيلَ خَطيبًا، فقالوا لَه: مَن أعلَمُ النَّاسِ؟ قال: أنا، فأوحى اللهُ إليه أنَّ لي عَبدًا أعلَمَ مِنكَ، قال: رَبِّ فأرِنيه. قال: قيلَ: تَأخُذُ حوتًا، فتَجعَلُه في مِكتَلٍ، فحَيثُما فقدتَه فهو ثَمَّ. قال: فأخَذَ حوتًا، فجَعَلَه في مِكتَلٍ، وجَعَلَ هو وصاحِبُه يَمشيانِ على السَّاحِلِ، حَتَّى أتَيا الصَّخرةَ، فرَقدَ موسى، واضطَرَبَ الحوتُ في المِكتَلِ، فوقَعَ في البَحرِ، فحَبَسَ اللهُ عليه جَريةَ الماءِ فاضطَرَبَ الماءُ، فاستَيقَظَ موسى، فقال لفَتاه: {آتِنا غَداءَنا لَقد لَقينا مِن سَفَرِنا هذا نَصَبًا} [الكهف: 62]، ولَم يُصِبِ النَّصَبَ حَتَّى جاوزَ الذي أمَرَه اللهُ به، قال: فقال: {أرَأيتَ إذ أوينا إلى الصَّخرةِ فإنِّي نَسيتُ الحوتَ وما أنسانيهُ إلَّا الشَّيطانُ} {فارتَدَّا على آثارِهما قَصَصًا} فجَعَلا يَقُصَّانِ آثارَهما، واتَّخَذَ سَبيلَه في البَحرِ سَرَبًا، قال: أمسَكَ عنه جِريةَ الماءِ، فصارَ عليه مِثلَ الطَّاقِ، فكانَ للحوتِ سَرَبًا، وكانَ لموسى عَجَبًا، حَتَّى انتَهَيا إلى الصَّخرةِ، فإذا رَجُلٌ مُسَجًّى، عليه ثَوبٌ، فسَلَّمَ موسى عليه، فقال: وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بَني إسرائيلَ؟ قال: نَعَم. {أتَّبِعُكَ على أن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمتَ رُشدًا}، قال: يا موسى، إنِّي على عِلمٍ مِنَ اللهِ لا تَعلَمُه، وأنتَ على عِلمٍ مِنَ اللهِ عَلَّمَكَه اللهُ، فانطَلَقا يَمشيانِ على السَّاحِلِ، فمَرَّت سَفينةٌ، فعَرَفوا الخَضِرَ، فحُمِلَ بغَيرِ نَولٍ، فلَم يُعجِبْه، ونَظَرَ في السَّفينةِ، فأخَذَ القدُّومَ يُريدُ أن يَكسِرَ مِنها لَوحًا، فقال: حُمِلنا بغَيرِ نَولٍ وتُريدُ أن تَخرِقَها لتُغرِقَ أهلَها! قال: {ألَم أقُل إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا} [الكَهف: 72] قال: إنِّي نَسيتُ، وجاءَ عُصفورٌ فنَقَرَ في البَحرِ، قال الخَضِرُ: ما يَنقُصُ عِلمي ولا عِلمُكَ مِن عِلمِ اللهِ إلَّا كما نَقَصَ هذا العُصفورُ مِن هذا البَحرِ، {فانطَلَقا حَتَّى إذا أتَيا أهلَ قَريةٍ استَطعَما أهلَها فأبَوا أن يُضَيِّفوهما} فرَأى غُلامًا فأخَذَ رَأسَه، فانتَزَعَه، فقال: {أقَتَلتَ نَفسًا زَكيَّةً بغَيرِ نَفسٍ لَقد جِئتَ شَيئًا نُكرًا} قال: {ألَم أقُل لَكَ إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعيَ صَبرًا}، قال سُفيانُ: قال عَمرٌو: وهذه أشَدُّ مِنَ الأولى، قال: فانطَلَقا فإذا جِدارٌ يُريدُ أن يَنقَضَّ فأقامَه، وأرانا سُفيانُ بيَدَيه، فرَفَعَ يَدَيه هَكَذا رَفعًا، فوضَعَ راحَتَيه، فرَفَعَهما ببَطنِ كَفَّيه رَفعًا، فقال: {لَو شِئتَ لاتَّخَذتَ عليه أجرًا * قال هذا فِراقُ بَيني وبَينِكَ}، قال ابنُ عَبَّاسٍ: كانَتِ الأولى نِسيانًا، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يَرحَمُ اللهُ موسى، لَو كان صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ علينا مِن أمرِه
الراويأبي بن كعب
المحدثشعيب الأرناؤوط
الصفحة أو الرقم21114
خلاصة حكم المحدثإسناده صحيح على شرط الشيخين

الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.

🏷️ كلمات رئيسية من الأحاديث (100)
الذي عنده علم من الكتابصرحا ممردا من قواريرلا إسلال ولا إغلالعبد الله بن مسعودسقاء يلاث على فيهبحر لا يدرك قعرهلا يبدل ولا يغيرأصحاب رسول اللهعبد الله بن أبيخالد بن الوليدنافع بن الأزرقلا يأكل الصدقةعروة بن مسعودعفريت من الجنملائكة النهارالمن والسلوىصلح الحديبيةالساق بالساقمجمع البحرينحسان بن ثابتملائكة الليلامرأة فرعونالعلم الأولالعلم الآخرعينة مكفوفةخاتم النبوةيأكل الهديةبني إسرائيلبراءة عائشةعلم الصحابةأبي الدرداءابتلوا عبديسورة الفتحيوم الزينةالمائدة 82حديث الإفكصلاة العصرصلاة الصبحنوف الشاميابن مسعودالمنافقينأهل البيتعذاب شديدعبد القيسآية الإفكابن عباسأبو موسىعبد اللهالذباحونالحديبيةأبو جندلالمسحرينلون اللهعتب اللهعلم اللهصبر جميلقرة عينالسامريمنافقينعاشوراءالأمشاجالتعضوضالصرفانالسفينةالكتابكفى بهأبو ذرالشواظالنحاسالحفدةالمليمالمشيجسليمانالهدهدالنورةالدباءالحنتمالنقيرالبرنيالغلامالجدارالصخرةقسيسينالسنةانتهىفرعونالعجلالتيهحذيفةسلمانالهديالفلقبلقيسعرشهاالأشجالخضرالحوتالصبرنسيانسفينة

تخريج حديث علم الكتاب والسنة ثم انتهى



أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة


صحيح البخاري صحيح مسلم
صحيح الجامع صحيح ابن حبان
صحيح النسائي مسند الإمام أحمد
تخريج صحيح ابن حبان تخريج المسند لشاكر
صحيح أبي داود صحيح ابن ماجه
صحيح الترمذي مجمع الزوائد
هداية الرواة تخريج مشكل الآثار
السلسلة الصحيحة صحيح الترغيب
نخب الأفكار الجامع الصغير
صحيح ابن خزيمة الترغيب والترهيب

الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم


Tuesday, July 28, 2026

لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب