أحاديث عن: كنت أراه يستحي أن أراه حاسرا
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: كنت أراه يستحي أن أراه حاسرا
أنَّ العَبَّاسَ لَم يَحضُرْ غُسلَ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: لأنِّي كُنتُ أراه يَستَحي أن أراه حاسِرًا
كنْتُ جالسًا عند الحسنِ بنِ عليٍّ فجاءه رجلٌ فقال لقد سَبَّ عندَ معاويةَ عليًّا سبًّا قبيحًا رجلٌ يُقالُ له معاويةُ بنُ حُدَيجٍ فلم يعرِفْه قال إذا رأيْتَه فائتِني به قال فرآه عند دارِ عمرِو بنِ حُرَيثٍ فأراه إيَّاه قال أنت معاويةُ بنُ حُدَيجٍ فسكَت فلم يُجِبْه ثلاثًا ثمَّ قال أنت السَّابُّ عليًّا عندَ ابنِ آكِلةِ الأكبادِ أمَا لئن ورَدْتَ عليه الحوضَ وما أُراك تَرِدُه لَتَجِدَنَّه مُشمِّرًا حاسِرًا عن ذِراعيه يَذودُ الكفَّارَ والمنافقين عن حوضِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قولَ الصَّادقِ المصدوقِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وفي روايةٍ عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ مولى بني أُمَيَّةَ قال حجَّ معاويةُ بنُ أبي سفيانَ وحجَّ معه معاويةُ بنُ حُدَيجٍ وكان مِن أسبِّ النَّاسِ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ فمَرَّ في المدينةِ في مسجدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والحَسَنُ بنُ عليٍّ جالسٌ فذكَر نحوَه إلَّا أنَّه زاد { وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى}
عنْ زَيدِ بنِ صُوحانَ، أنَّ رَجُلينِ مِن أهْلِ الكوفةِ كانَا صَديقَينِ لزَيدِ بنِ صُوحانَ أتَياهُ؛ ليُكلِّمَ لهما سَلْمانَ أنْ يُحدِّثَهما حَديثَه، كيف كانَ إسْلامُه فأقْبَلا معَه حتَّى لَقُوا سَلْمانَ، وهو بالمَدائنِ أميرًا عليها، وإذا هو على كُرسيٍّ قاعِدٌ، وإذا خُوصٌ بيْنَ يدَيْه وهو يُسِفُّه، قالَا: فسَلَّمْنا وقعَدْنا، فقالَ له زَيدٌ: يا أبا عَبدِ اللهِ، إنَّ هذين لي صَديقانِ ولهُما إخاءٌ، وقد أحَبَّا أنْ يَسمَعا حَديثَكَ كيف كانَ بَدءُ إسْلامِكَ؟ قالَ: فقالَ سَلْمانُ: كنْتُ يَتيمًا مِن رامَ هُرْمُزَ، وكانَ أبي دِهْقانَ رامَ هُرْمُزَ يَختلِفُ إلى مُعلِّمٍ يُعلِّمُه، فلَزِمْتُه؛ لأكونَ في كَنَفِه، وكانَ لي أخٌ أكبَرُ منِّي، وكانَ مُستَغْنيًا بنَفْسِه، وكنْتُ غُلامًا قَصيرًا، وكانَ إذا قامَ مِن مَجلِسِه تَفرَّقَ مَن يُحفِّظُهم، فإذا تَفرَّقوا خرَجَ فتَقنَّعَ بثَوبِه، ثمَّ صعِدَ الجبَلَ، وكانَ يفعَلُ ذلك غيرَ مرَّةٍ مُتنكِّرًا، قالَ: فقُلْتُ له: إنَّكَ تَفعَلُ كذا وكذا، فلمَ لا تذهَبُ بي معَكَ؟ قالَ: أنتَ غُلامٌ، وأخافُ أنْ يَظهَرَ منكَ شَيءٌ، قالَ: قُلْتُ: لا تَخَفْ، قالَ: فإنَّ في هذا الجبَلِ قَوما في بِرْطيلٍ لهم عِبادةٌ، ولهُم صَلاحٌ يَذْكُرونَ اللهَ تَعالَى، ويَذْكُرونَ الآخِرةَ، ويَزعُمونَ أنَّا عَبَدةُ النِّيرانِ، وعَبَدةُ الأوْثانِ، وأنَّا على غَيرِ دينِهم، قالَ: قُلْتُ: فاذهَبْ بي معَكَ إليهم، قالَ: لا أقدِرُ على ذلك حتَّى أسْتَأْمِرَهم، وأنا أخافُ أنْ يَظهَرَ منكَ شَيءٌ، فيَعلَمَ أبي فيَقتُلَ القَومَ، فيَكونُ هَلاكُهم على يَدي، قالَ: قُلْتُ: لن يَظهَرَ منِّي ذلك، فاسْتَأْمِرْهم، فأتاهُم، فقالَ: غُلامٌ عِنْدي يَتيمٌ، فأُحِبُّ أنْ يَأتيَكم ويَسمَعَ كَلامَكم، قالوا: إنْ كنْتَ تثِقُ به، قالَ: أرْجو ألَّا يَجيءَ منه إلَّا ما أُحِبُّ، قالوا: فجِئْ به، فقالَ لي: لقدِ اسْتأذَنْتُ القَومَ في أنْ تَجيءَ مَعي، فإذا كانتِ السَّاعةُ الَّتي رَأيْتَني أخرُجُ فيها فأْتِني، ولا يَعلَمْ بكَ أحَدٌ، فإنَّ أبي إذا علِمَ بهِم قتَلَهم، قالَ: فلمَّا كانَتِ السَّاعةُ الَّتي يخرُجُ تَبِعْتُه فصَعِدْنا الجبَلَ، فانْتَهَيْنا إليهم، فإذا هُم في بِرْطِيلِهم، قالَ عَليٌّ: وأُراهُ قالَ: وهُم ستَّةٌ أو سَبعةٌ، قالَ: وكأنَّ الرُّوحَ قد خرَجَ منهم منَ العِبادةِ يَصومونَ النَّهارَ، ويَقومونَ اللَّيلَ، ويَأْكُلونَ الشَّجَرَ، ما وَجَدوا، فقَعَدْنا إليهم، فأثْنى الدِّهْقانُ على حَبرٍ، فتَكَلَّموا، فحَمِدوا اللهَ، وأثْنَوْا عليه، وذَكَروا مَن مَضى منَ الرُّسلِ والأنْبياءِ حتَّى خَلُصوا إلى ذِكْرِ عيسَى بنِ مَرْيمَ عليه السَّلامُ، فقالوا: بعَثَ اللهُ عيسَى عليه السَّلامُ رَسولًا، وسخَّرَ له ما كانَ يَفعَلُ مِن إحْياءِ المَوْتى، وخَلْقِ الطَّيرِ، وإبْراءِ الأكْمَهِ، والأبْرَصِ، والأعْمَى، فكفَرَ به قَومٌ وتَبِعَه قَومٌ، وإنَّما كانَ عَبدَ اللهِ ورَسولَه ابْتَلى به خَلْقَه، قالَ: وقالوا قبلَ ذلك: يا غُلامُ، إنَّ لكَ لَرَبًّا، وإنَّ لكَ مَعادًا، وإنَّ بيْنَ يدَيْكَ جنَّةً ونارًا، إليها تَصيرُ، وإنَّ هؤلاء القَومَ الَّذين يَعبُدونَ النِّيرانَ أهْلُ كُفرٍ وضَلالةٍ، لا يَرْضى اللهُ ما يَصنَعونَ، ولَيْسوا على دِينٍ، فلمَّا حضَرَتِ السَّاعةُ الَّتي يَنصرِفُ فيها الغُلامُ انصرَفَ وانصرَفْتُ معَه، ثمَّ غدَوْنا إليهم، فقالوا مثلَ ذلك وأحسَنَ، ولَزِمْتُهم، فقالوا لي: يا سَلْمانُ، إنَّكَ غُلامٌ، وإنَّكَ لا تَستَطيعُ أنْ تصنَعَ كما نصنَعُ فصَلِّ ونَمْ، وكُلْ واشرَبْ، قالَ: فاطَّلَعُ الملِكُ على صَنيعِ ابنِه، فركِبَ في الخَيلِ حتَّى أتاهُم في بِرْطيلِهم، فقالَ: يا هؤلاء، قد جاوَرْتُموني فأحسَنْتُ جِوارَكُم، ولم تَرَوْا منِّي سوءًا، فعمَدْتُم إلى ابْني فأفْسَدْتُموه عليَّ، قد أجَّلْتُكم ثَلاثًا، فإنْ قدِرْتُ عليكم بعدَ ثلاثٍ أحرَقْتُ عليكم بِرْطيلَكم هذا، فالْحَقوا ببِلادِكم؛ فإنِّي أكْرَهُ أنْ يَكونَ منِّي إليكم سوءٌ، قالوا: نعمْ، ما تَعمَّدْنا مَساءَتَكَ، ولا أرَدْنا إلَّا الخَيرَ، فكَفَّ ابنَه عنْ إتْيانِهم. فقُلْتُ له: اتَّقِ اللهَ؛ فإنَّكَ تَعرِفُ أنَّ هذا الدِّينَ دِينُ اللهِ، وأنَّ أباكَ ونحن على غَيرِ دينٍ، إنَّما هُم عَبَدةُ النِّيرانِ لا يَعبُدونَ اللهَ، فلا تَبِعْ آخِرَتَكَ بدُنْيا غَيرِكَ، قالَ: يا سَلْمانُ، هو كما تقولُ: وإنَّما أتخَلَّفُ عنِ القَومِ بَغيًا عليهم، إنْ تَبِعْتُ القَومَ طَلَبَني أبي في الجبَلِ، وقد خرَجَ في إتْياني إيَّاهُم حتَّى طَرَدَهم، وقد أعرِفُ أنَّ الحَقَّ في أيْديهِم فأتَيْتُهم في اليومِ الَّذي أرادُوا أنْ يَرْتَحِلوا فيه، فقالوا: يا سَلْمانُ: قد كنَّا نَحذَرُ مَكانَ ما رَأيْتَ فاتَّقِ اللهَ، واعلَمْ أنَّ الدِّينَ ما أوْصَيْناكَ به، وأنَّ هؤلاء عَبَدةُ النِّيرانِ لا يَعْرِفونَ اللهَ، ولا يَذْكُرونَه، فلا يَخدَعَنَّكَ أحَدٌ عنْ دينِكَ، قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكم، قالوا: أنتَ لا تَقدِرُ أنْ تكونَ مَعَنا، نحن نَصومُ النَّهارَ، ونَقومُ اللَّيلَ، ونأكُلُ عندَ السَّحَرِ، ما أصَبْنا، وأنتَ لا تَستَطيعُ ذلك، قالَ: فقُلْتُ: لا أُفارِقُكم، قالوا: أنتَ أعلَمُ، وقد أعْلَمْناكَ حالَنا، فإذا أتيْتَ خُذْ مِقْدارَ حِملٍ يكونُ معَكَ شَيءٌ تَأْكُلُه؛ فإنَّكَ لا تَستَطيعُ ما نَستَطيعُ بحقٍّ قالَ: ففعَلْتُ ولَقيتُ أخي، فعرَضْتُ عليه، ثمَّ أتَيْتُهم، فأتَيْتُهم يَمْشونَ وأمْشي معَهم، فرزَقَ اللهُ السَّلامةَ إلى أنْ قَدِمْنا المَوصِلَ، فأَتَيْنا بِيعةً بالمَوصِلِ، فلمَّا دَخَلوا احْتَفَوْا بهِم، وقالوا: أين كُنْتم؟ قالوا: كنَّا في بِلادٍ لا يَذْكُرونَ اللهَ، بها عَبَدةُ النِّيرانِ، فطَرَدونا، فقَدِمْنا عليكم، فلمَّا كانَ بعدُ قالوا: يا سَلْمانُ، إنَّ ها هُنا قَومًا في هذه الجِبالِ هُم أهْلُ دِينٍ، وإنَّا نُريدُ لِقاءَهُم، فكُنْ أنتَ ها هنا معَ هؤلاء؛ فإنَّهم أهْلُ دينٍ وسَتَرَى منهم ما تُحِبُّ، قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكم، قالَ: وأوْصَوْا بي أهْلَ البِيعةَ، فقالوا: قُمْ معَنا يا غُلامُ؛ فإنَّه لا يُعجِزُكَ شَيءٌ، قُلْتُ لهم: ما أنا بمُفارِقِكم، قالَ: فخَرَجوا وأنا معَهم، فأصْبَحوا بيْنَ جِبالٍ، وإذا صَخْرةٌ وماءٌ كَثيرٌ في جِرارٍ وخَيرٌ كَثيرٌ، فقَعَدْنا عندَ الصَّخْرةِ، فلمَّا طلَعَتِ الشَّمسُ خَرَجوا منَ الجِبالَ، يَخرُجُ رَجُلٌ مِن مَكانِه، كأنَّ الأرْواحَ قدِ انتُزِعَتْ منهم، حتَّى كَثُروا فرَحَّبوا بهم، وحَفُّوا، وقالوا: أين كُنْتم لم نَرَكم، قالوا: كنَّا في بِلادٍ لا يَذْكُرونَ اللهَ، فيها عَبَدةُ نِيرانٍ، وكنَّا نَعبُدُ اللهَ، فطَرَدونا، فقالوا: ما هذا الغُلامُ؟ فطَفِقوا يُثْنونَ عليَّ، وقالوا: صَحِبَنا مِن تلك البِلادِ، فلم نَرَ منه إلَّا خَيرًا، قالَ سَلَمانُ فوَاللهِ: إنَّهم لَكذلكَ إذا طلَعَ عليهم رَجُلٌ مِن كَهفِ جَبلٍ، قالَ: فجاء حتَّى سلَّمَ وجلَسَ فحَفُّوا به، وعَظَّموه أصْحابي الَّذين كنْتُ معَهم وأحْدَقوا به، فقالَ: أين كُنْتم؟ فأخْبَروه، فقالَ: ما هذا الغُلامُ معَكم؟ فأثْنَوْا عليَّ خَيرًا وأخْبَروه باتِّباعي إيَّاهم، ولم أرَ مِثلَ إعْظامِهم إيَّاه، فحمِدَ اللهَ وأثْنى عليه، ثمَّ ذكَرَ مَن أُرسِلَ مِن رُسلِه وأنْبيائِه وما لَقُوا، وما صنَعَ به، وذكَرَ مَولِدَ عيسَى بنِ مَرْيمَ عليه السَّلامُ، وأنَّه وُلِدَ بغَيرِ ذَكَرٍ فبعَثَه اللهُ عزَّ وجلَّ رَسولًا، وعلى يدَيْه إحْياءُ المَوْتى، وأنَّه يَخلُقُ منَ الطِّينِ كهَيئةِ الطَّيرِ، فيَنفُخُ فيه فيَكونُ طَيرًا بإذْنِ اللهِ، وأنزَلَ عليه الإنْجيلَ وعلَّمَه التَّوْراةَ، وبعَثَه رَسولًا إلى بَني إسْرائيلَ، فكفَرَ به قَومٌ وآمَنَ به قَومٌ، وذكَرَ بعض ما لَقِيَ عيسَى ابنُ مَرْيمَ عليه السَّلامُ، وأنَّه كانَ عَبدَ اللهِ أنعَمَ اللهُ عليه، فشكَرَ ذلك له، ورَضيَ اللهُ عنه حتَّى قبَضَه اللهُ عزَّ وجلَّ وهو يَعِظُهم ويَقولُ: اتَّقوا اللهَ، والْزَموا ما جاءَ به عيسَى عليه السَّلامُ، ولا تُخالِفوا فيُخالَفَ بكم، ثمَّ قالَ: مَن أرادَ أنْ يأخُذَ مِن هذا شَيئًا، فلْيأخُذْ، فجعَلَ الرَّجلُ يَقومُ فيأخُذُ الجَرَّةَ منَ الماءِ والطَّعامِ والشَّيءِ، فقامَ أصْحابي الَّذين جِئْتُ معَهم، فسَلَّموا عليه، وعَظَّموه، وقالَ لهمُ: الْزَموا هذا الدِّينَ، وإيَّاكم أنْ تَفَرَّقوا واسْتَوْصوا بهذا الغُلامِ خَيرًا، وقالَ لي: يا غُلامُ، هذا دِينُ اللهِ الَّذي تَسمَعُني أقولُه، وما سِواهُ الكُفرُ، قالَ: قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكَ، قالَ: إنَّكَ لا تَستَطيعُ أنْ تكونَ مَعي؛ إنِّي لا أخرُجُ مِن كَهْفي هذا إلَّا كلَّ يومِ أحَدٍ، ولا تَقدِرُ على الكَيْنونةِ مَعي، قالَ: وأقبَلَ على أصْحابِه، وقالوا: يا غُلامُ، إنَّكَ لا تَستَطيعُ أنْ تَكونَ معَه، قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكَ، قالَ له أصْحابُه: يا فلانُ، إنَّ هذا غُلامٌ ويُخافُ عليه، فقالَ لي: أنتَ أعلَمُ، قُلْتُ: فإنِّي لا أُفارِقُكَ، فبَكى أصْحابي الأوَّلونَ الَّذين كنْتُ معَهم عندَ فِراقِهم إيَّايَ، فقالوا: يا غُلامُ، خُذْ مِن هذا الطَّعامِ ما تَرى أنَّه يَكْفيكَ إلى الأحَدِ الآخَرِ، وخُذْ منَ الماءِ ما تَكْتَفي له، ففعَلْتُ، فما رَأيْتُه نائمًا ولا طاعِمًا إلَّا راكِعًا وساجِدًا إلى الأحَدِ الآخَرِ، فلمَّا أصْبَحْنا، قالَ لي: خُذْ جرَّتَكَ هذه، وانطَلِقْ، فخرَجْتُ معَه أتْبَعُه، حتَّى انْتَهَيْنا إلى الصَّخْرةِ، وإذا هُم قد خَرَجوا مِن تلك الجِبالِ يَنتَظِرونَ خُروجَه، فقَعَدوا، وعادَ في حَديثِه نحوَ المرَّةِ الأُولى، فقالَ: الْزَموا هذا الدِّينَ ولا تَفَرَّقوا، واذْكُروا اللهَ واعْلَموا أنَّ عيسَى ابنَ مَريمَ عليه السَّلامُ كانَ عَبدًا، أنعَمَ اللهُ عليه، ثمَّ ذَكَرَني، فقالوا له: يا فُلانُ، كيف وجَدْتَ هذا الغُلامَ؟ فأثْنى عليَّ، وقالَ خَيرًا، فحَمِدوا اللهَ تَعالى، وإذا خُبزٌ كَثيرٌ، وماءٌ كَثيرٌ، فأخَذوا، وجعَلَ الرَّجلُ يأخُذُ ما يَكْتَفي به، وفعَلْتُ فتَفَرَّقوا في تلك الجِبالِ، ورجَعَ إلى كَهْفِه، ورجَعْتُ معَه، فلَبِثْنا ما شاءَ اللهُ، يخرُجُ في كلِّ يومِ أحَدٍ، ويَخرُجونَ معَه، ويَحُفُّونَ به ويُوصِيهم بما كانَ يُوصِيهم به، فخرَجَ في أحَدٍ، فلمَّا اجْتَمَعوا حمِدَ اللهَ ووعَظَهم وقالَ مِثلَ ما كانَ يَقولُ لهُم، ثمَّ قالَ لهُم آخِرَ ذلك: يا هؤلاء، إنَّه قد كبِرَ سِنِّي، ورَقَّ عَظْمي، واقتَرَبَ أجَلي، وأنَّه لا عَهدَ لي بهذا البيتِ منذُ كذا وكذا، ولا بُدَّ مِن إتْيانِه، فاسْتَوْصوا بهذا الغُلامِ خَيرًا؛ فإنِّي رأيْتُه لا بأْسَ به، قالَ: فجَزِعَ القَومُ، فما رأيْتُ مثلَ جَزَعِهم، وقالوا: يا فلانُ، أنتَ كَبيرٌ، وأنتَ وَحدَكَ، ولا نأمَنُ مِن أنْ يُصيبَكَ الشَّيءُ، يُساعِدُكَ أحوَجُ ما كنَّا إليكَ، قالَ: فلا تُراجِعوني، لا بُدَّ مِن إتْيانِه، ولكنِ اسْتَوْصوا بهذا الغُلامِ خَيرًا، وافْعَلوا وافْعَلوا، قالَ: فقُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكَ، قالَ: يا سَلْمانُ، قد رأيْتَ حَالي، وما كنْتُ عليه، وليس هذا كذلك، أنا أمْشي أصومُ النَّهارَ وأقومُ اللَّيلَ، ولا أستَطيعُ أنْ أحمِلَ مَعي زادًا ولا غيرَه، وأنتَ لا تَقدِرُ على هذا، قُلْتُ: ما أنا بمُفارِقِكَ، قالَ: أنتَ أعلَمُ، قالَ: فقالوا: يا فلانُ، فإنَّا نَخافُ على هذا الغُلامِ، قالَ: فهو أعلَمُ، قد أعلَمْتُه الحالَ، وقد رَأى ما كانَ قبلَ هذا، قُلْتُ: لا أُفارِقُكَ، قالَ: فبَكَوْا، ووَدَّعوهُ، وقالَ لهمُ: اتَّقُوا اللهَ وكونُوا على ما أوْصَيْتُكم به، فإنْ أعِشْ فعَلَيَّ أرجِعُ إليكم، وإنْ مُتُّ، فإنَّ اللهَ حيٌّ لا يَموتُ، فسلَّمَ عليهم، وخرَجَ وخرَجْتُ معَه، وقالَ لي: احمِلْ معَكَ مِن هذا الخُبزِ شَيئًا تَأْكُلُه، فخرَجَ وخرَجْتُ معَه يَمْشي، واتَّبَعْتُه يَذكُرُ اللهَ ولا يَلتَفِتُ، ولا يقِفُ على شَيءٍ، حتَّى إذا أمْسَيْنا، قالَ: يا سَلْمانُ، صَلِّ أنتَ ونَمْ، وكُلْ واشرَبْ، ثمَّ قامَ وهو يُصلِّي حتَّى إذا انْتَهى إلى بيتِ المَقدِسِ، وكانَ لا يَرفَعُ طَرْفَه إلى السَّماءِ، حتَّى إذا انْتَهَيْنا إلى بابِ المَسجِدِ، وإذا على البابِ مُقعَدٌ، فقالَ: يا عبدَ اللهِ، قد تَرى حَالي، فتَصدَّقْ عليَّ بشَيءٍ، فلم يَلتفِتْ إليه، ودخَلَ المَسجِدَ، ودخَلْتُ معَه، فجعَلَ يتَّبِعُ أمْكِنةً في المَسجِدِ فصَلَّى فيها، فقالَ: يا سَلْمانُ، إنِّي لم أجِدْ طَعْمَ النَّومِ منذُ كذا وكذا، فإنْ أنتَ جعَلْتَ أنْ توقِظَني إذا بلَغَ الظِّلُّ مَكانَ كذا وكذا نِمْتُ؛ فإنِّي أُحِبُّ أنْ أنامَ في هذا المَسجِدِ، وإلَّا لم أنَمْ، قالَ: قُلْتُ: فإنِّي أفعَلُ، قالَ: فإذا بلَغَ الظِّلُّ مَكانَ كذا وكذا فأيْقِظْني إذا غلَبَتْني عَيْني، فقامَ، فقُلْتُ في نَفْسي: هذا لم ينَمْ منذُ كذا وكذا، وقد رأيْتُ بعضَ ذلك، لأدَعَنَّه يَنامُ حتَّى يَشتَفيَ منَ النَّومِ، قالَ: وكانَ فيما يَمْشي وأنا معَه يُقبِلُ عليَّ فيَعِظُني، ويُخبِرُني أنَّ لي ربًّا، وأنَّ بيْنَ يدَيَّ جنَّةً ونارًا وحسابًا، ويُعلِّمُني ويُذَكِّرُني نحوَ ما يُذكِّرُ القَومَ يومَ الأحَدِ، حتَّى قالَ فيما يَقولُ: يا سَلْمانُ، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ سوف يَبعَثُ رَسولًا اسمُه أحمَدُ، يَخرُجُ بتِهامةَ -وكانَ رَجُلًا أعْجميًّا لا يُحسِنُ أنْ يقولَ: مُحمَّدٌ- علامَتُه أنَّه يأكُلُ الهَديَّةَ، ولا يأكُلُ الصَّدَقةَ، بيْنَ كَتِفَيْه خاتَمٌ، وهذا زَمانُه الَّذي يخرُجُ فيه قد تَقارَبَ، فأمَّا أنا؛ فإنِّي شَيخٌ كَبيرٌ، ولا أحْسَبُني أُدرِكُه، فإنْ أدْرَكْتَه فصَدِّقْه واتَّبِعْه، قالَ: قُلْتُ: وإنْ أمَرَني بتَرْكِ دينِكَ وما أنتَ عليه، قالَ: فاتْرُكْه؛ فإنَّ الحقَّ فيما يأمُرُ به، ورِضا الرَّحمَنِ فيما قالَ، فلم يَمضِ إلَّا يَسيرًا حتَّى استَيقَظَ فَزِعًا يَذكُرُ اللهَ، فقالَ لي: يا سَلْمانُ، مَضى الفَيْءُ مِن هذا المَكانِ، ولم أذكُرِ اللهَ، أين ما كُنْتَ جعَلْتَ على نفْسِكَ؟ قالَ: أخْبَرْتَني أنَّكَ لم تَنَمْ منذُ كذا وكذا، وقد رَأيْتُ بَعضَ ذلك، فأحبَبْتُ أنْ تَشتَفيَ منَ النَّومِ، فحمِدَ اللهَ، وقامَ، فخرَجَ، وتَبِعْتُه، فمَرَّ بالمُقعَدِ، فقالَ المُقعَدُ: يا عَبدَ اللهِ، دخلْتَ فسألْتُكَ فلم تُعْطِني، وخرَجْتَ فسألْتُكَ فلم تُعْطِني، فقامَ يَنظُرُ، هل يَرى أحَدًا؟ فلم يَرَه، فدَنا منه، فقالَ له: ناوِلْني يدَكَ فناوَلَه، فقالَ: بسمِ اللهِ، فقامَ كأنَّه أُنشِطَ مِن عِقالٍ صَحيحًا لا عَيبَ به، فخَلَّا عنْ يَدِه، فانطلَقَ ذاهِبًا، فكانَ لا يَلْوي على أحَدٍ، ولا يَقومُ عليه، فقالَ لي المُقعَدُ: يا غُلامُ، احمِلْ عليَّ ثِيابي حتَّى أنطَلِقَ أُبشِّرُ أهْلي، فحمَلْتُ عليه ثيابَه، وانطلَقَ لا يَلْوي عليَّ، فخرَجْتُ في إثْرِه أطلُبُه، فكلَّما سألْتُ عنه قالوا: أمامَكَ حتَّى لَقِيَني رَكْبٌ مِن كَلبٍ، فسألْتُهم، فلمَّا سَمِعوا، أناخَ رَجُلٌ مِنهم عليَّ بَعيرَه، فحمَلَني خَلفَه، حتَّى أتَوْا بلادَهُم فباعُوني، فاشْتَرَتْني امْرأةٌ منَ الأنْصارِ، فجعَلَتْني في حائطٍ لها، فقدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأُخبِرْتُ به، فأخذْتُ أشْياءَ مِن ثَمرِ حائِطي، فجعَلْتُه على شَيءٍ، ثمَّ أتَيْتُه، فوجَدْتُ عندَه ناسًا، وإذا أبو بَكرٍ أقرَبُ النَّاسِ إليه، فوضَعْتُه بيْنَ يدَيْه، فقالَ: ما هذا؟ قُلْتُ: صَدَقةٌ، قالَ للقَومِ: كُلوا، ولم يأكُلْ، ثمَّ لبِثْتُ ما شاءَ اللهُ، ثمَّ أخذْتُ مثلَ ذلك، فجعَلْتُه على شَيءٍ، ثمَّ أتيْتُه، فوجَدْتُ عندَه ناسًا، وإذا أبو بَكرٍ أقرَبُ القَومِ منه، فوضَعْتُه بيْنَ يدَيْه، فقالَ لي: ما هذا؟ فقُلْتُ: هَديَّةٌ، قالَ: بسمِ اللهِ، وأكَلَ وأكَلَ القَومُ، قُلْتُ في نَفْسي: هذه مِن آياتِه، كانَ صاحِبي رَجُلًا أعْجميًّا لم يُحسِنْ أنْ يَقولَ: تِهامةَ، فقالَ: تِهْمةَ، وقالَ: أحمَدُ، فدُرْتُ خَلفَه، ففَطِنَ بي، فأرْخى ثوبَه، فإذا الخاتَمُ في ناحيةِ كَتِفِه الأيسَرِ فتَبيَّنْتُه، ثمَّ دُرْتُ حتَّى جلَسْتُ بيْنَ يدَيْه، فقُلْتُ: أشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّكَ رَسولُ اللهِ، قالَ: مَن أنتَ؟ قُلْتُ: مَمْلوكٌ، قالَ: فحَدَّثْتُه حَديثي، وحَديثَ الرَّجلِ الَّذي كنْتُ معَه، وما أمَرَني به، قالَ: لمَن أنتَ؟ قُلْتُ: لامْرأةٍ منَ الأنْصارِ جعَلَتْني في حائطٍ لها، قالَ: يا أبا بَكرٍ، قالَ: لبَّيكَ، قالَ: اشْتَرِه، فاشْتَراني أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فأعْتَقَني، فلَبِثْتُ ما شاءَ اللهُ أنْ ألبَثَ، فسلَّمْتُ عليه، وقعَدْتُ بيْنَ يدَيْه، فقُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما تَقولُ في دينِ النَّصارى، قالَ: لا خَيرَ فيهم، ولا في دِينِهم، فدَخَلَني أمرٌ عَظيمٌ، فقُلْتُ في نَفْسي: هذا الَّذي كنْتُ معَه ورأيْتُ ما رَأيْتُه، ثمَّ رأيْتُه أخَذَ بيَدِ المُقعَدِ فأقامَه اللهُ على يدَيْه لا خيرَ في هؤلاء، ولا في دينِهم، فانصرَفْتُ وفي نَفْسي ما شاءَ اللهُ، فأنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82] إلى آخِرِ الآيةِ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: عليَّ بسَلْمانَ، فأتَى الرَّسولُ وأنا خائفٌ، فجِئْتُ حتَّى قعَدْتُ بيْنَ يدَيْه فقَرَأَ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82] إلى آخِرِ الآيةِ، يا سَلْمانُ، إنَّ أولئك الَّذين كنْتَ معَهم وصاحِبَكَ لم يَكونوا نَصارى، إنَّما كانُوا مُسلِمينَ، فقُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ، والَّذي بعَثَكَ بالحَقِّ لَهوَ الَّذي أمَرَني باتِّباعِكَ، فقُلْتُ له: وإنْ أمَرَني بتَرْكِ دينِكَ وما أنتَ عليه، قالَ: فاتْرُكْه؛ فإنَّ الحقَّ وما يجِبُ فيما يَأمُرُكَ به
حينَ قال لها أهلُ الإفكِ ما قالوا فبرَّأها اللهُ، وكلٌّ حدَّثني بطائفةٍ مِن الحديثِ، وبعضُهم أوعى لحديثِها مِن بعضٍ وأسَدُّ اقتصاصًا، وقد وعَيْتُ مِن كلِّ واحدٍ الحديثَ الَّذي حدَّثني به، وبعضُهم يُصدِّقُ بعضًا، ذكَروا أنَّ عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أنْ يخرُجَ سفرًا أقرَع بينَ نسائِه فأيَّتُهنَّ خرَج سهمُها خرَج بها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معه، قالت: فأقرَع بينَنا في غزوةٍ غزاها فخرَج سهمي فخرَجْنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وذلك بعدَ أنْ أُنزِل الحجابُ فأنا أُحمَلُ في هَودجي وأنزِلُ فيه مسيرَنا حتَّى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غزوتِه تلك وقفَل ودنَوْنا مِن المدينةِ آذَن بالرَّحيلِ ليلةً فقُمْتُ [ حينَ آذَنوا ] في الرَّحيلِ، فمشَيْتُ حتَّى جاوَزْتُ الجيشَ فلمَّا قضَيْتُ شأني رجَعْتُ فلمَسْتُ صدري فإذا عِقدٌ مِن جَزْعِ ظَفارِ قد وقَع فرجَعْتُ فالتمَسْتُ عِقدي فحبَسني ابتغاؤُه وأقبَل الرَّهطُ الَّذينَ يرحَلونَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فحمَلوا هَودجي ورحَلوه على البعيرِ الَّذي كُنْتُ أركَبُ وهم يحسَبون أنِّي فيه قالت عائشةُ: وكان النِّساءُ إذ ذاك خِفافًا لم يغشَهنَّ اللَّحمُ فرحَلوه ورفَعوه فلمَّا بعَثوا وسار الجيشُ وجَدْتُ عِقدي بعدَما استمرَّ الجيشُ فجِئْتُ منازلَهم وليس بها داعي ولا مجيبٌ، فأقَمْتُ منزلي الَّذي كُنْتُ فيه فبَيْنا أنا جالسةٌ غلَبتْني عيني فنِمْتُ وكان صفوانُ بنُ المعطَّلِ السُّلَميُّ ثمَّ الذَّكوانيُّ عرَّس فأدلَج فأصبَح عندَ منزلي فرأى سوادَ إنسانٍ فعرَفني حينَ رآني وكان رآني قبْلَ أنْ ينزِلَ الحجابُ فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفني فخمَّرْتُ وجهي بجلبابي واللهِ ما كلَّمني بكلمةٍ ولا سمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه حتَّى أناخ راحلتَه فوطِئ على يدِها فركِبْتُه ثمَّ انطلَق يقودُ بي الرَّاحلةَ حتَّى أتَيْنا الجيشَ بعدَما نزَلوا موغِرينَ في نحرِ الظَّهيرةِ فهلَك في شأني مَن هلَك، وكان الَّذي تولَّى كِبْرَه منهم عبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ ابنِ سلولٍ فقدِمْتُ المدينةَ فاشتكَيْتُ حينَ قدِمْتُها شهرًا والنَّاسُ يُفيضونَ في قولِ أهلِ الإفكِ ولا أشعُرُ بشيءٍ مِن ذلك وهو يُريبُني مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنِّي لا أرى منه اللُّطفَ الَّذي كُنْتُ أراه منه حينَ أشتكي إنَّما يدخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيقولُ: ( كيف تِيكُم ؟ ) فيُريبُني ذلك ولا أشعُرُ حتَّى خرَجْتُ بعدَما نقَهْتُ مِن مرَضي ومعي أمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ وهي مُتبرَّزُنا ولا نخرُجُ إلَّا ليلًا إلى ليلٍ وذلك أنَّا نكرَهُ أنْ نتَّخذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا، وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلِ في التَّبرُّزِ، وكنَّا نتأذَّى بالكُنُفِ قُرْبَ بيوتِنا فانطلَقْتُ ومعي أمُّ مِسطَحٍ وهي بنتُ أبي رُهمِ بنِ المطَّلبِ بنِ عبدِ منافٍ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عبَّادِ بنِ المطَّلبِ، فأقبَلْنا حينَ فرَغْنا مِن شأنِنا لنأتيَ البيتَ فعثَرتْ أمُّ مِسطَحٍ في مِرطِها فقالت: تعِس مِسطَحٌ فقُلْتُ لها: بئس ما قُلْتِ، أتسُبِّينَ رجلًا قد شهِد بدرًا ؟! فقالت: أيْ هَنتاه، أوَلم تسمَعي ما قال ؟ قُلْتُ: وما قال فأخبَرتْني بقولِ أهلِ الإفكِ فازدَدْتُ مرضًا إلى مرَضي ورجَعْتُ إلى بيتي فدخَل عليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلَّم ثمَّ قال: ( كيف تِيكُم ؟ ) فقُلْتُ: أتأذَنُ لي أنْ آتيَ أبوَيَّ ؟ وأنا حينَئذٍ أُريدُ أنْ أتيقَّنَ الخبَرَ مِن قِبَلِهما فأذِن لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجِئْتُ أبويَّ فقُلْتُ لأمِّي: يا أمَّتاه ما يتَّحدثُ النَّاسُ ؟ قالت: أيْ بنيَّةُ هوِّني عليكِ فواللهِ لَقَلَّ امرأةٌ وضيئةٌ كانت عندَ رجلٍ يُحِبُّها ولها ضرائرُ إلَّا أكثَرْنَ عليها قالت: فقُلْتُ: سبحانَ اللهِ أوَتحدَّث النَّاسُ بذلك ؟ ! قالت: فمكَثْتُ تلك اللَّيلةَ لا يرقَأُ لي دمعٌ ولا أكتحِلُ بنومٍ، أُصبِحُ وأبكي ودعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ وهو حينَئذٍ يُريدُ أنْ يستشيرَهما في فِراقِ أهلِه وذلك حينَ استَلْبَث الوحيُ فأمَّا أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالَّذي يعلَمُ مِن براءةِ أهلِه وما له في نفسِه لهم مِن الوُدِّ فقال: هم أهلُك ولا نعلَمُ إلَّا خيرًا وأمَّا عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضوانُ اللهِ عليه فقال: لم يُضيِّقِ اللهُ عليك والنِّساءُ سواها كثيرٌ وإنْ تسأَلِ الجاريةَ تصدُقْكَ قالت: فدعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ فقال: ( أيْ بَريرةُ، هل رأَيْتِ مِن عائشةَ شيئًا يُريبُكِ ؟ ) قالت بَريرةُ: يا رسولَ اللهِ والَّذي بعَثك بالحقِّ ما رأَيْتُ عليها أمرًا قطُّ أغمضه عليها أكثرَ مِن أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ تنامُ عن عجينِ أهلِها فيدخُلُ الدَّاجنُ فيأكُلُه فقام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستعذَر مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ ابنِ سلولٍ فقال وهو على المنبرِ: ( يا معشرَ المسلِمينَ مَن يعذِرُني مِن رجلٍ بلَغ أذاه في أهلِ بيتي ؟ فواللهِ ما علِمْتُ مِن أهلي إلَّا خيرًا ولقد ذكَروا رجلًا ما علِمْتُ منه إلَّا خيرًا وما كان يدخُلُ على أهلي إلَّا معي ) فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: أنا أعذِرُك منه يا رسولَ اللهِ إنْ كان مِن الأوسِ ضرَبْنا عُنقَه وإنْ كان مِن الخزرجِ أمَرْتَنا ففعَلْنا أمرَك فقام سعدُ بنُ عُبادةَ وهو سيِّدُ الخزرجِ وكان رجلًا صالحًا ولكنِ احتمَلتْه الحميَّةُ فقال: واللهِ ما تقتُلُه ولا تقدِرُ على قتلِه فقام أُسيدُ بنُ حُضيرٍ وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ مُعاذٍ فقال: كذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لنقتُلَنَّه فإنَّك منافقٌ تجادِلُ عن المنافقينَ فثار الحيَّانِ: الأوسُ والخزرجُ حتَّى همُّوا أنْ يقتتِلوا ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخفِّضُهم حتَّى سكَتوا وسكَت رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبكَيْتُ يومي لا يرقَأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ وأبواي يظنُّانِ أنَّ البكاءَ فالقٌ كبِدي فبينما هما جالسانِ عندي إذ استأذَنتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأذِنْتُ لها فجلَستْ معي فبينما نحنُ على حالِنا ذلك إذ دخَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلَّم ثمَّ جلَس ولم يكُنْ جلَس قبْلَ يومي ذلك مذُ كان مِن أمري ما كان ولبِث شهرًا لا يُوحى إليه قالت: فتشهَّد ثمَّ قال: ( أمَّا بعدُ فقد بلَغني يا عائشةُ عنكِ كذا وكذا فإنْ كُنْتِ بريئةً فسيُبرِّئُكِ اللهُ وإنْ كُنْتِ ألمَمْتِ بذنبٍ فاستغفِري اللهَ وتوبي فإنَّ العبدَ إذا اعترَف بالذَّنبِ ثمَّ تاب تاب اللهُ عليه ) فلمَّا قضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتَه قلَص دمعي حتَّى ما أُحِسُّ منه بقطرةٍ فقُلْتُ لأبي: أجِبْ عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ لأمِّي: أجيبي عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت: واللهِ لا أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [ فقُلْتُ ] ـ وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ كثيرًا مِن القرآنِ: إنِّي واللهِ لقد عرَفْتُ أنَّكم سمِعْتُم بذاك حتَّى استقرَّ في أنفسِكم وصدَّقْتُم به فإنْ قُلْتُ لكم: إنِّي بريئةٌ ـ واللهُ يعلَمُ أنِّي بريئةٌ ـ لم تُصدِّقوني وإنِ اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ـ واللهُ يعلَمُ أنِّي بريئةٌ ـ لتُصَدِّقوني وإنِّي واللهِ لا أجِدُ مثَلي ومَثَلَكم إلَّا كما قال أبو يوسفَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] ثمَّ تحوَّلْتُ فاضطجَعْتُ على فراشي وأنا واللهِ حينَئذٍ أعلَمُ أنِّي بريئةٌ وأنَّ اللهَ جلَّ وعلا يُبرِّئُني ببراءتي ولكنْ لم أظُنَّ أنَّ اللهَ جلَّ وعلا يُنزِلُ في شأني وحيًا يُتلَى ولَشأني كان أحقَرَ في نفسي مِن أنْ يتكلَّمَ اللهُ جلَّ وعلا فيَّ بأمرٍ يُتلى ولكنْ أرجو أنْ يرى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في منامِه رؤيا يُبرِّئُني اللهُ بها قالت: فواللهِ ما رام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مجلسَه ولا خرَج مِن البيتِ أحدٌ حتَّى أنزَل اللهُ على نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخَذه ما كان يأخُذُه مِن البُرحاءِ عندَ الوحيِ مِن ثِقَلِ القولِ الَّذي أُنزِل عليه فلمَّا سُرِّي عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان أوَّلَ كلمةٍ تكلَّم بها أنْ قال: ( يا عائشةُ أمَا واللهِ فقد برَّأكِ اللهُ ) فقالت لي أمِّي: قومي إليه فقُلْتُ: واللهِ لا أقومُ إليه ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ الَّذي هو أنزَل براءتي فأنزَل اللهُ: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور: 11] العشْرَ الآياتِ، قالت: فأنزَل اللهُ هذه الآياتِ في براءتي وكان أبو بكرٍ رضوانُ اللهِ عليه يُنفِقُ على مِسطَحٍ لقرابتِه منه وفقرِه فقال: واللهِ لا أُنفِقُ عليه أبدًا بعدَ الَّذي قال لعائشةَ ما قال فأنزَل اللهُ {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} [النور: 22] إلى قولِه: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] فقال أبو بكرٍ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أنْ يغفِرَ اللهُ لي فرجَع إلى مِسطَحٍ بالنَّفقةِ الَّتي كان يُنفِقُ عليه فقال: واللهِ لا أنزِعُها منه أبدًا قالت: وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سأَل زينبَ بنتَ جحشٍ عن أمري: ( ما علِمْتِ وما رأَيْتِ ؟ ) فقالت: أحمي سمعي وبصري ما علِمْتُ إلَّا خيرًا قالت: وهي الَّتي كانت تُساميني مِن أزواجِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فعصَمها اللهُ بالورَعِ وطفِقتْ أختُها حَمنةُ بنتُ جحشٍ تُحارِبُ لها فهلَكتْ فيمَن هلَك قال الزُّهريُّ: فهذا ما انتهى إليَّ مِن أمرِ هؤلاء الرَّهطِ
عن ابنِ شِهابٍ، حَدَّثَني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيْرِ، وسَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَلْقَمةُ بنُ وَقَّاصٍ، وعُبَيْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبةَ بنِ مَسْعودٍ، عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، عن قَوْلِ أهْلِ الإفْكِ ما قالوا، فبَرَّأَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ مِن ذلك، وكلُّهم قد حَدَّثني بطائِفةٍ مِن حَديثِها، وبعضُهم كانَ أَوْعى لحَديثِها مِن بعضٍ، وأَحسَنَ اقْتِصاصًا، وبعضُهم يُصدِّقُ حَديثَ بعضٍ، قالَتْ: كانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا أرادَ سَفَرًا أَقرَعَ بَيْنَ نِسائِه، فأَيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بِها معَه، قالَتْ: فأَقرَعَ بَيْنَنا في غَزاةٍ غَزاها، فخَرَجَ سَهْمي، فخَرَجْتُ معَه بَعْدَما أَنزَلَ آيةَ الحِجابِ، فأنا أُحمَلُ في هَوْدَجي، وأَنزِلُ فيه، حتَّى إذا فَرَغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنْ غَزْوتِه تلك وقَفَلَ ودَنَونا مِن المَدينةِ، أَذِنَ لَيْلَه بالرَّحيلِ، فمَشَيْتُ حتَّى جاوَزْتُ الجَيْشَ، فلمَّا قَضيْتُ شَأني أقْبَلْتُ إلى الرَّحْلِ، فالتَمَسْتُ صَدْري، فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ أظْفارٍ قد انْقَطَعَ، فرَجَعْتُ فالْتَمَسْتُ عِقْدي، فحَبَسَني ابْتِغاؤُه، فأَقبَلَ الَّذين يَرْحَلونَ بي، فاحْتَمَلوا هَوْدَجي فرَحَلوه على بَعيري الَّذي كُنْتُ أركَبُهُ، وهُمْ يَحسَبونَ أنَّني فيه، وكانَ النِّساءُ إذ ذاك خِفافًا لم يَثقُلْنَ ولم يَهبُلْهُنَّ اللَّحْمُ، إنَّما يَأكُلْنَ العُلْقةَ مِن الطَّعامِ، فلم يَسْتنكِرِ القَوْمُ حينَ رَفَعوه ثِقَلَ الهَوْدَجِ فاحْتَمَلوه، وكُنْتُ جارِيةً حَديثةَ السِّنِّ، فبَعَثوا الجَمَلَ وساروا، فوَجَدْتُ العِقْدَ بَعْدَما اسْتَمَرَّ الجَيْشُ، فجِئْتُ مَنزِلَهم وليس فيه داعٍ ولا مُجيبٌ، فتَيَمَّمْتُ مَنزِلي الَّذي كُنْتُ فيه، وظَنَنْتُ أنَّهم سَيَفْقِدونِّي فيَرجِعونَ إليَّ، قالَتْ: فبَيْنَما أنا جالِسةٌ في مَنزِلي غَلَبَتْني عَيْني، وكانَ صَفْوانُ بنُ المُعطَّلِ السُّلَميُّ، ثُمَّ الذَّكْوانيُّ رَضِيَ اللهُ عنه قد عَرَّسَ مِن وَراءِ الجَيْشِ، فأَدلَجَ عنْدَ مَنزِلي، فرأى سَوادَ إنْسانٍ نائِمٍ، فأتاني، وكانَ يَراني قَبْلَ نُزولِ الحِجابِ، فما اسْتَيْقَظْتُ إلَّا باسْتِرْجاعِه حينَ رآني، فواللهِ ما كَلَّمَني، ولا سَمِعْتُ مِنه كَلِمةً غَيْرَ اسْتِرْجاعِه، ثُمَّ أَناخَ راحِلتَه، فوَطِئَ على يَدِها فرَكِبْتُها، فانْطَلَقَ يَقودُ بي الرَّاحِلةَ حتَّى أَتَيْنا الجَيْشَ بَعْدَما نَزَلوا مُعَرِّسينَ نَحْرَ الظَّهيرةِ -كَذا في هذه الرِّوايةِ، وفي غَيْرِها: موغِرينَ- فهَلَكَ مَن هَلَكَ، وكانَ الَّذي تَوَلَّى كِبْرَ الإفْكِ عَبْدَ اللهِ بنَ أُبَيِّ [ابنَ] سَلولَ، فقَدِمْنا المَدينةَ، فاشْتَكَيْتُ بها شَهْرًا، والنَّاسُ يُفيضونَ في قَوْلِ أصْحابِ الإفْكِ، لا أَشعُرُ بشيءٍ مِن ذلك، ويَريبُني في وَجَعي أنِّي لا أرى مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اللُّطْفَ الَّذي كُنْتُ أراه مِنه حينَ أَمرَضُ، إنَّما يَدخُلُ فيُسلِّمُ، ثُمَّ يقولُ: كيف تِيكُم؟ فذلك يَريبُني ولا أَشعُرُ حتَّى نَقَهْتُ، فخَرَجْتُ أنا وأُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتُ أبي رُهْمٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وهو مُتَبَرَّزُنا، لا نَخرُجُ إلَّا مِن لَيْلٍ إلى لَيْلٍ، وذلك قَبْلَ أن نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَريبًا مِن بُيوتِنا، وأمْرُنا أمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنَزُّهِ، وأَقبَلْتُ أنا وأُمُّ مِسْطَحٍ نَمْشي فعَثَرَتْ في مِرْطِها فقالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ!فقُلْتُ لها: بِئْسَ ما قُلْتِ! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟ قالَتْ: يا هَنْتَاهْ! أَلَمْ تَسمَعي ما قالَ؟ قُلْتُ: وماذا قالَ؟ فأَخبَرَتْني بقَوْلِ أهْلِ الإفْكِ، فازْدَدْتُ مَرَضًا إلى مَرضِي، فلمَّا رَجَعْتُ إلى بَيْتي دَخَلَ علَيَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالَ: كيف تيكم؟ فقُلْتُ: ائْذَنْ لي إلى أبَوَيَّ، قالَتْ: وأنا حينَئذٍ أُريدُ أن أَسْتيقِنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهما، قالَت: فأَتَيْتُ أَبَوَيَّ فقُلْتُ لأُمِّي: ما يُحدِّثُ [به] النَّاسُ؟ قالَتْ: يا بُنَيَّةُ، هَوِّني على نفْسِك، فوَاللهِ لَقَلَّ ما كانَتِ امْرَأةٌ قَطُّ وَظِبَةً عنْدَ رَجُلٍ ولها ضَرائِرُ إلَّا أَكثَرْنَ عليها، فقُلْتُ: وقد تَحدَّثَ النَّاسُ بِهذا؟! قالَتْ: فبِتُّ تلك اللَّيْلةَ حتَّى أَصبَحْتُ ولا يَرْقى لي دَمْعٌ، ولا أَكْتَحِلُ بنَوْمٍ حتَّى أَصبَحْتُ. فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ [علِيَّ بنَ أبي طالِبٍ] وأُسامةَ بنَ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عنهما حينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ يَسْتَشيرُهما في فِراقِ أهْلِه، فأمَّا أُسامةُ فأَشارَ عليه بالَّذي يَعرِفُ مِن بَراءةِ أهْلِه، وبالَّذي يَعلَمُ في نفْسِه مِن الوُدِّ لهم، فقالَ أُسامةُ: أهْلُك يا رَسولَ اللهِ، ولا نَعلَمُ إلَّا خَيْرًا، وأمَّا علِيٌّ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، لم يُضَيِّقِ اللهُ تَعالى عليك، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وسَلِ الجارِيةَ تَصدُقْك، قالَتْ: فدَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَريرةَ، فقالَ لها: هل عَلِمْتِ مِن عائِشةَ شَيئًا يَريبُكِ؟ فقالَتْ بَريرةُ: لا والَّذي بَعَثَك بالحَقِّ، ما رَأيْتُ مِنها أمْرًا أَغمِضُه عليها أَكثَرَ مِن أنَّها جارِيةٌ حَديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عن العَجينِ حتَّى تأتيَ الدَّاجِنُ فتَأكُلُه، قالَتْ: فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منِ يومِه فاسْتَعْذَرَ مِن عَبْدِ اللهِ بن أُبَيٍّ[ابنِ] سَلولَ، فقالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا مَعشَرَ المُسلِمينَ، مَن يَعذِرُني مِن رَجُلٍ قد بَلَغَ أذاه في أهْلي، فواللهِ ما عَلِمْتُ على أهْلي إلَّا خَيْرًا، ولقد ذَكَروا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عليه إلَّا خَيْرًا، وما كانَ يَدخُلُ على أهْلي إلَّا مَعي، فقامَ سَعْدُ بنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللهُ عنه، [فقالَ]: أنا أَعذِرُك مِنه يا رَسولَ اللهِ، إن كانَ مِن الأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَه، وإن كانَ مِن إخْوانِنا مِن الخَزْرَجِ أمَرْتَنا ففَعَلْنا أمْرَك، فقامَ سَعْدُ بنُ عُبادةَ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو سَيِّدُ الخَزْرَجِ، وكانَ قَبْلَ ذلك رَجُلًا صالِحًا، ولكنِ احْتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ، فقالَ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللهِ لا تَقتُلُه، ولا تَقدِرُ على قَتْلِه، فقَامَ أُسيدُ بنُ حُضَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عنه -وهو ابنُ عَمِّ سَعْدِ بنِ مُعاذٍ- فقالَ لِسَعْدِ بنِ عُبادةَ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّه؛ فإنَّك مُنافِقٌ تُجادِلُ عن المُنافِقينَ، فثارَ الحَيَّانِ؛ الأَوْسُ والخَزْرَجُ حتَّى هَمُّوا بالقِتالِ، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُخَفِّضُهم حتَّى سَكَنوا. وبَكَيْتُ يَوْمي لا يَرْقى لي دَمْعٌ، ولا أَكْتَحِلُ بنَوْمٍ حتَّى ظَنَنْتُ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدي، فبَيْنا أنا على ذلك إذ اسْتَأذَنَتِ امْرَأةٌ مِن الأنْصارِ، فأَذِنْتُ لها، فجَلَسَتْ تَبْكي معي، فبَيْنا نحن كذلك إذ دَخَلَ [علينا] رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فجَلَسَ -ولم يَجلِسْ عنْدي مُنْذُ قيلَ لي ما قيلَ قَبْلَها، وقد مَكَثَ شَهْرًا لا يُوحى إليه في شَأني- فتَشَهَّدَ ثُمَّ قالَ: أمَّا بَعْدُ، يا عائِشةُ، فإنَّه قد بَلَغَني عنكِ كَذا وكَذا، فإن كُنْتِ بَريئةً فسَيُبَرِّئُك اللهُ تَعالى، وإن كُنْتِ أَلْمَمْتِ بذَنْبٍ فاسْتَغْفِري اللهَ وتوبي إليه؛ فإنَّ العَبْدَ إذا اعْتَرَفَ بذَنْبٍ ثُمَّ تابَ تابَ اللهُ عليه، فلمَّا قَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ [مَقالتَه] قلَصَ دَمْعي حتَّى ما أُحِسُّ مِنه قَطْرةً، فقُلْتُ لأبي: أَجِبْ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيما قالَ، قالَ: واللهِ ما أَدْري ما أَقولُ لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ!فقُلْتُ لأُمِّي، فقالَتْ مِثلَ ذلك، فقُلْتُ وأنا جارِيةٌ حَديثةُ السِّنِّ لا أَقرَأْ كَثيرًا مِن القُرْآنِ: واللهِ لقد عَلِمْتُ أنَّكم قد سَمِعتُم ما يُحدَّثُ به، وقَرَّ في أنْفُسِكم فصَدَّقْتُم، ولئِنْ قُلْتُ: إنِّي بَريئةٌ، واللهُ تَعالى يَعلَمُ أنِّي بَريئةٌ لا تُصَدِّقوني بِذلك، ولئِنِ اعْتَرَفْتُ لكم بأمْرٍ يَعلَمُ اللهُ أنِّي مِنه بَريئةٌ لَتُصَدِّقُنِّي، واللهِ لا أَجِدُ لي ولكم مَثَلًا إلَّا كما قالَ أبو يوسُفَ إذ قالَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}، قالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ على فِراشي وأنا أَرْجو أن يُبَرِّئَني اللهُ تَعالى ببَراءتي، ولكِنْ ما طَمِعْتُ أن يُنزَلَ في شَأني وَحْيٌ يُتْلى، ولأنا كُنْتُ أَحقَرُ في نفْسي مِن أن يُنزَلَ فيَّ قُرْآنٌ يُتْلى، ولكن كُنْتُ أَرْجو أن يَرى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في النَّوْمِ رُؤْيا تُبَرِّئُني، قالَتْ: فواللهِ ما رامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن مَجلِسِه، ولا خَرَجَ أحَدٌ مِن البَيْتِ حتَّى أَنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليه، فأخَذَه ما كانَ يَأخُذُه مِن البُرَحاءِ حتَّى إنَّه لَيَنْحدِرُ مِنه مِثلُ الجُمانِ مِن العَرَقِ في يَوْمٍ شاتٍ، قالَتْ: فسُرِّيَ [عن] رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو يَضحَكُ، فكانَ أوَّلُ كَلِمةٍ تَكلَّمَ بِها قالَ: يا عائِشةُ، احْمَدي اللهَ تعالى فقد بَرَّأَك اللهُ تعالى، فقُلْتُ: بحَمْدِ اللهِ لا بحَمْدِكم، فقالَتْ أُمِّي: قومي إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقُلْتُ: [لا] واللهِ لا أَقومُ إليه، ولا أَحمَد إلَّا اللهَ عَزَّ وجَلَّ، وأَنزَلَ: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} الآياتِ كلَّها، فلمَّا أَنزَلَ اللهُ تَعالى براءتي قالَ أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنه -وكانَ يُنفِقُ على مِسْطَحٍ- فقالَ: واللهِ ما أُنفِقُ على مِسْطَحٍ شَيئًا أبَدًا بَعْدَما قالَ لعائِشةَ ما قالَ، فأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ}إلى آخِرِ الآيِة، فقالَ أبو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنه: بَلى [إنِّي] أُحِبُّ أن يَغفِرَ [اللهُ] لي، فرَجَعَ إلى مِسْطَحٍ الَّذي كانَ يُجْري عليه، قالَتْ: وكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَألَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ رَضِيَ اللهُ عنها عن أمْري، فقالَ: يا زَيْنَبُ، ما عَلِمْتِ وما رَأيُك؟ فقالَتْ: أَحْمي سَمْعي وبَصَري، واللهِ ما عَلِمْتُ عليها إلَّا خَيْرًا، قالَتْ عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها: وهي الَّتي كانَت تُساميني مِن أزْواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فعَصَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ بالوَرَعِ، وطَفِقَتْ أخْتُها حَمْنةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحارِبُ عنها، فهَلَكَتْ فيمَن هَلَكَ. قالَ الزُّهْريُّ رَحِمَه اللهُ: فهذا ما انْتَهى إلينا مِن حَديثِ هؤلاء الرَّهْطِ
رأيتُه نورًا أنَّى أراه [يعني حديث: قلْتُ لأبي ذَرٍّ: لو أدركْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لسأَلْتُه. فقال: عمَّا كنْتَ تسأَلُه؟ قال: كنْتُ أسأَلُه: هل رأى محمَّدٌ ربَّه. فقال: قد سأَلْتُه، فقال: نورٌ أنَّى أَراهُ.]
قالتْ أُمُّ حَبيبةَ: اللَّهمَّ أمتِعْني بزَوجي رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وبأبي أبي سُفْيانَ، وبأخي مُعاويةَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: سَأَلتِ اللهَ عزَّ وجلَّ لِآجالٍ مَضروبةٍ، وأيَّامٍ مَعدودةٍ، وأرزاقٍ مَقسومةٍ، لنْ يُعجِّلَ شيئًا قبلَ حِلِّه، أو يُؤَخِّرَ شيئًا عن حِلِّه، ولو كنتِ سَأَلتِ اللهَ عزَّ وجلَّ أنْ يُعيذَكِ مِن عَذابٍ في النَّارِ، أو عَذابٍ في القَبرِ؛ كان خيرًا وأفضلَ. قال: وذُكِرَ عندَه أنَّ القِرَدةَ -قال مِسعَرٌ: أُراه قال: والخَنازيرَ- ممَّا مُسِخَ، قال: فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لم يَجعَلْ لمَسيخٍ نَسلًا، ولا عَقِبًا، وقد كانتِ القِرَدةُ -أُراه قال: والخَنازيرُ- قبلَ ذلك
قالت أمُّ حبيبةَ : اللهمَّ أمتعني بزوجِي رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ وبأبي أبي سفيانَ وبأخي معاويةَ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ : سألت اللهَ عزَّ وجلَّ لآجالٍ مضروبةٍ وأيامٍ معدودةٍ وأرزاقٍ مقسومةٍ لن يعجلَ شيئًا قبلَ حِلِّه أو يُؤخرَ شيئًا عن حِلِّه ولو كنتِ سألتِ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يُعيذَك من عذابٍ في النارِ أو عذابٍ في القبرِ كان خيرًا وأفضلَ قال : وذُكِر عندَه أن القرَدةَ قال مِسعَرٌ : أُراه قال والخنازيرَ مما مُسِخ قال : فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ : إن اللهَ عزَّ وجلَّ لم يجعلْ لمسيخٍ نسلًا ولا عَقِبًا وقد كانت القردةُ أُراه قال : والخنازيرُ قبلَ ذلك
أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين أو قال المؤمنين واحدة حتى لقد هممت أن أبث رجالا في الدور ينادون الناس بحين الصلاة وحتى هممت أن آمر رجالا يقومون على الآطام ينادون المسلمين بحين الصلاة حتى نقسوا أو كادوا أن ينقسوا قال فجاء رجل من الأنصار فقال يا رسول اللهِ إني لما رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلا كأن عليه ثوبين أخضرين فقام على المسجد فأذن ثم قعد قعدة ثم قام فقال مثلها إلا أنه يقول قد قامت الصلاة ولولا أن يقول الناس قال ابن المثنى أن تقولوا لقلت إني كنت يقظان غير نائم فقال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وقال ابن المثنى لقد أراك الله عز وجل خيرا ولم يقل عمرو لقد أراك الله خيرا فمر بلالا فليؤذن قال فقال عمر أما إني قد رأيت مثل الذي رأى ولكني لما سبقت استحييت قال وحدثنا أصحابنا قال وكان الرجل إذا جاء يسأل فيخبر بما سبق من صلاته وإنهم قاموا مع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم من بين قائم وراكع وقاعد ومصل مع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال ابن المثنى قال عمرو وحدثني بها حصين عن ابن أبي ليلى حتى جاء معاذ قال شعبة وقد سمعتها من حصين فقال لا أراه على حال إلى قوله كذلك فافعلوا قال أبو داود ثم رجعت إلى حديث عمرو بن مرزوق قال فجاء معاذ فأشاروا إليه قال شعبة وهذه سمعتها من حصين قال فقال معاذ لا أراه على حال إلا كنت عليها قال فقال إن معاذا قد سن لكم سنة كذلك فافعلوا قال وحدثنا أصحابنا أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أمرهم بصيام ثلاثة أيام ثم أنزل رمضان وكانوا قوما لم يتعودوا الصيام وكان الصيام عليهم شديدا فكان من لم يصم أطعم مسكينا فنزلت هذه الآية ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فكانت الرخصة للمريض والمسافر فأمروا بًالصيام قال وحدثنا أصحابنا قال وكان الرجل إذا أفطر فنام قبل أن يأكل لم يأكل حتى يصبح قال فجاء عمر بن الخطاب فأراد امرأته فقالت إني قد نمت فظن أنها تعتل فأتاها فجاء رجل من الأنصار فأراد الطعام فقالوا حتى نسخن لك شيئا فنام فلما أصبحوا أنزلت عليه هذه الآية ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم )
كنتُ أكرَهُ أذى قريشٍ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلما ظننتُ أنهم سيقتُلُوهُ خرجْتُ حتى لحِقْتُ بدَيْرٍ من الدِّياراتِ فذهَبَ أهلُ الدَّيْرِ إلى رأْسِهِمْ فأخبروهُ فقال أقيموا له حقَّهُ الذي ينبغِي له ثلاثًا رأَوْهُ لم يَذْهَبْ فانطلقُوا إلى صاحبِهِم فأخبَرُوهُ فقال قولوا له قَدْ أقمْنَا لَكَ بحقِّكَ الذي ينبغِي لَكَ فإن كنْتَ وصِبًا فقدْ ذهبَ وصبُكَ وإنْ كنتَ واصِلًا فقدْ أنَى لكَ أنْ تذهبَ إلى من تَصِلُ وإنْ كنتَ تاجرًا فقدْ أنَى لَكَ أن تخرجَ إلى تجارتِكَ فقال ما كنتُ واصلًا ولا تاجرًا وما أنا بنَصِبٍ فذهبوا إليه فأخبروه فقال إنَّ له لشأْنًا فاسألوه ما شأْنُهُ قال فأَتَوهُ فسألوه فقال لا واللهِ إلَّا أنَّ في قريةِ إبراهيمَ ابنَ عمِّي يزْعُمُ أنَّهُ نبيٌّ فآذاه قومُهُ فخرجْتُ لِئَلَّا أشهدَ ذلِكَ فذهبوا إلى صاحبِهم فأخبروه قَولِي قال هلُمُّوا فأتَيْتُهُ فقصَصْتُ علَيْهِ قصَصَي قال تخافُ أنْ يقْتُلُوهُ قلْتُ نعم قال وتعرفُ شبَهَهُ لو تَرَاهُ مصوَّرًا قلتُ عهْدِي به منذُ قريبٍ فأراه صُوَرًا مُغَطَّاةٌ يكشِفُ صورةً صورةً ثم يقولُ أتعرِفُ فأقولُ لا حتى كشفَ صورةً مغُطَّاةً فقلْتُ ما رأيتُ شيئًا أشبَهَ بشيءٍ من هذِهِ الصورةِ به كأنَّهُ طولَهُ وجسمَهُ وبُعْدَ ما بَينَ مَنكِبَيْهِ قال فتخافُ أن يقتلُوهُ قلْتُ أظنُّهم قَدْ فرغوا منه قال واللهِ لا يقتُلُوهُ وليَقْتُلَنَّ مَنْ يُريدُ قتْلَهُ وإنَّهُ لَنَبِيٌّ ولَيُظْهِرَنَّهُ اللهُ ولكنْ قدْ وجبَ حقُّكَ علَيْنَا فامْكُثْ ما بدا لكَ وادعُ بما شِئْتَ قال فمكَثْتُ عندَهم ثم قلْتُ لو أطعتُهم فقدِمْتُ مكةَ فوجدتُّهم قدْ أخرجوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينةِ فلما قدِمْتُ قامت آلُ قريشٍ فقالوا قدْ تبيَّنَ لنا أمرُكَ فعرَفْنَا شأْنَكَ فهَلُمَّ أموالَ الصِّبْيَةِ التي عندَكَ التي استودَعَكَها أبوكَ فقلْتُ ما كنتُ لأفْعَلَ هذا حتى تُفَرِّقُوا بينَ رأْسِي وجسدي ولكن دعوني أذْهَبْ فأدْفَعْها إليهم فقالوا إنَّ عليكَ عهْدَ اللهِ وميثاقَهُ أنَّ لا تأكُلَ من طعامِهِ قال فقدِمْتُ المدينةَ وقدْ بلَغَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الخبرُ فدَخَلْتُ عليه فقال لِي فيما يقولُ إني لأراكَ جائِعًا هلُمُّوا طعامًا قُلْتُ إني لَا آكلُ حتى أُخْبِرَكَ فإنْ رأيتَ أنْ آكُلَ أكَلْتُ قال فحدَّثْتُهُ بما أخذوا علَيَّ قال فأَوْفِ بعهْدِ اللهِ وميثاقِهِ أنْ لَّا تأكُلَ من طعامِنا ولَا تشربَ من شرابِنا
كنتُ ممَّن وُلِدَ برامَهُرْمُزَ، وبها نشأْتُ، وأمَّا أبي فمِن أَصْبَهانَ، وكانتْ أُمِّي لها غِنًى، فأسلَمَتْني إلى الكُتَّابِ، وكنتُ أنطلِقُ مع غِلمانٍ مِن أهلِ قَرْيَتِنا، إلى أنْ دَنا مِنِّي فراغٌ مِنَ الكتابةِ، ولم يَكُنْ في الغِلمانِ أكبَرُ مِنِّي ولا أطوَلُ، وكان ثَمَّ جَبَلٌ فيهِ كَهْفٌ في طريقِنا، فمَرَرْتُ ذاتَ يَومٍ وحْدي، فإذا أنا فيهِ برجُلٍ عليه ثيابُ شَعرٍ، ونَعْلاهُ شَعرٌ، فأشارَ إليَّ، فدَنَوْتُ منهُ، فقال: يا غُلامُ، أَتَعْرِفُ عيسى ابنَ مريمَ؟ قلتُ: لا، قال: هو رسولُ اللهِ، آمِنْ بعيسى وبرسولٍ يأتي مِن بَعْدِهِ اسمُهُ أحمدُ، أخرَجَهُ اللهُ مِن غَمِّ الدُّنيا إلى رَوْحِ الآخِرَةِ ونعيمِها، قلتُ: ما نعيمُ الآخِرَةِ؟ قال: نعيمٌ لا يَفْنَى، فرأيْتُ الحَلاوةَ والنُّورَ يخرُجُ مِن شَفَتَيْهِ، فعَلِقَهُ فُؤادي، وفارقْتُ أصحابي، وجعلْتُ لا أذهَبُ ولا أَجيءُ إلَّا وحْدي، وكانت أُمِّي تُرسِلُني إلى الكُتَّابِ، فأَنقَطِعُ دونَهُ، فعلَّمَني شَهادةَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ عيسى رسولُ اللهِ، ومحمَّدًا بَعدَهُ رسولُ اللهِ، والإيمانَ بالبعثِ، وعلَّمَني القيامَ في الصَّلاةِ، وكان يقولُ لي: إذا قُمْتَ في الصَّلاةِ فاستَقبَلْتَ القِبلةَ فاحتَوَشَتْكَ النَّارُ فلا تَلتَفِتْ، وإنْ دَعَتْكَ أُمُّكَ وأبوكَ فلا تَلتَفِتْ، إلَّا أنْ يَدْعوَكَ رسولٌ مِن رُسُلِ اللهِ، وإنْ دعاكَ وأنتَ في فريضةٍ فاقطَعْها؛ فإنَّهُ لا يَدْعوكَ إلَّا بوَحْيٍ، وأمَرَني بطولِ القُنوتِ، وزعَمَ أنَّ عيسى عليه السَّلامُ قال: طولُ القُنوتِ أمانٌ على الصِّراطِ، وطولُ السُّجودِ أمانٌ مِن عذابِ القَبْرِ، وقال: لا تَكْذِبَنَّ مازِحًا ولا جادًّا؛ حتَّى يُسَلِّمَ عليكَ ملائكةُ اللهِ، ولا تَعْصِيَنَّ اللهَ في طَمَعٍ ولا غَضَبٍ؛ لا تُحجَبُ عنِ الجنَّةِ طَرفةَ عَيْنٍ، ثمَّ قال لي: إنْ أَدرَكْتَ مُحمَّدَ بنَ عبدِ اللهِ الَّذي يخرُجُ مِن جبالِ تِهامةَ فآمِنْ بهِ، واقْرَأْ عليه السَّلامَ مِنِّي؛ فإنَّهُ بَلَغَني أنَّ عيسى ابنَ مريمَ عليه السَّلامُ قال: مَن سَلَّمَ على مُحمَّدٍ، رآهُ أوْ لَمْ يَرَهُ، كان له مُحمَّدٌ شافِعًا ومُصافِحًا؛ فدخَلَ حَلاوةُ الإنجيلِ في صَدري، قال: فأقامَ في مَقامِهِ حَوْلًا، ثمَّ قال: أيْ بُنَيَّ، إنَّكَ قد أَحبَبْتَني وأَحبَبْتُكَ، وإنَّما قَدِمْتُ بلادَكُم هذهِ: أنَّه كان لي قريبٌ، فمات، فأَحبَبْتُ أنْ أكونَ قريبًا مِن قبرِهِ، أُصَلِّي عليه، وأُسَلِّمُ عليه؛ لِمَا عَظَّمَ اللهُ علينا في الإنجيلِ مِن حقِّ القَرابةِ، يقولُ اللهُ: مَن وَصَلَ قَرابَتَهُ وَصَلَني، ومَن قَطَعَ قَرابَتَهُ فقد قَطَعَني، وإنَّهُ قد بَدا ليَ الشُّخوصُ مِن هذا المكانِ، فإنْ كنتَ تُريدُ صُحبَتي فأنا طَوْعُ يدَيْكَ، قلتُ: عَظَّمْتَ حقَّ القَرابةِ، وهنا أُمِّي وقَرابَتي، قال: إنْ كنتَ تُريدُ أنْ تُهاجِرَ مُهاجَرَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ فدَعِ الوالدةَ والقَرابةَ، ثمَّ قال: إنَّ اللهَ يُصْلِحُ بينَكَ وبينَهُم حتَّى لا تَدْعوَ عليكَ الوالدةُ، فخرجْتُ معهُ، فأَتَيْنا نَصِيبِينَ، فاستَقْبَلَهُ اثنا عشَرَ مِنَ الرُّهْبانِ يَبتَدِرونَهُ ويَبسُطونَ له أَرْديَتَهم، وقالوا: مرحبًا بسيِّدِنا وواعي كتابِ ربِّنا، فحَمِدَ اللهَ، ودَمَعَتْ عَيْناهُ، وقال: إنْ كنتُم تُعَظِّموني لتعظيمِ جَلالِ اللهِ، فأَبْشِروا بالنَّظَرِ إلى اللهِ، ثمَّ قال: إنِّي أُريدُ أنْ أَتَعَبَّدَ في مِحرابِكُمْ هذا شهرًا، فاستَوْصوا بهذا الغُلامِ؛ فإنِّي رأيْتُهُ رقيقًا، سريعَ الإجابةِ، فمَكَثَ شهرًا لا يَلتَفِتُ إليَّ، ويَجتَمِعُ الرُّهْبانُ خلْفَهُ يَرْجونَ أنْ يَنصَرِفَ ولا يَنصَرِفُ، فقالوا: لوْ تَعَرَّضْتَ له، فقلتُ: أنتُم أَعْظَمُ عليه حقًّا مِنِّي، قالوا: أنتَ ضعيفٌ، غريبٌ، ابنُ سبيلٍ، وهو نازِلٌ عليْنا، فلا تَقْطَعْ عليه صلاتَهُ مخافةَ أنْ يَرى أنَّا نَستَثْقِلُهُ، فعَرَضْتُ له فارتَعَدَ، ثمَّ جَثا على رُكبَتَيْهِ، ثمَّ قال: ما لَكَ يا بُنَيَّ؟ جائِعٌ أنتَ؟ عطشانُ أنتَ؟ مَقْرورٌ أنتَ؟ اشتَقْتَ إلى أهلِكَ؟ قلتُ: بل أَطَعْتُ هؤلاءِ العُلماءَ، قال: أتدري ما يقولُ الإنجيلُ؟ قلتُ: لا، قال: يقولُ: مَن أطاعَ العُلماءَ فاسِدًا كان أو مُصْلِحًا، فماتَ، فهو صِدِّيقٌ، وقد بَدا لي أنْ أَتَوَجَّهَ إلى بيتِ المَقْدِسِ، فجاءَ العُلماءُ، فقالوا: يا سيِّدَنا، امكُثْ يَوْمَكَ تُحَدِّثْنا وتُكَلِّمْنا، قال: إنَّ الإنجيلَ حدَّثَني أنَّه مَن هَمَّ بخيرٍ فلا يُؤَخِّرْهُ، فقامَ، فجَعَلَ العُلماءُ يُقَبِّلونَ كَفَّيْهِ وثيابَهُ، كلَّ ذلكَ يقولُ: أوصيكُم ألَّا تحتَقروا معصيةَ اللهِ، ولا تُعجَبوا بحسنةٍ تَعْمَلونَها، فمَشَى ما بينَ نَصِيبِينَ والأرضِ المُقَدَّسةِ شهرًا، يمشي نَهارَهُ، ويقومُ لَيْلَهُ، حتَّى دخَلَ بيتَ المَقْدِسِ، فقام شهرًا يُصَلِّي اللَّيلَ والنَّهارَ، فاجتَمَعَ إليهِ عُلماءُ بيتِ المَقْدِسِ، فطَلَبوا إليَّ أنْ أَتَعَرَّضَ له، ففَعَلْتُ، فانصرَفَ إليَّ، فقال لي كما قال في المَرَّةِ الأولى، فلمَّا تكلَّمَ، اجتمَعَ حَوْلَهُ عُلماءُ بيتِ المَقْدِسِ، فحالوا بيني وبينَهُ يَوْمَهم ولَيْلَتَهم حتَّى أصبَحوا، فمَلُّوا وتَفَرَّقوا، فقال لي: أيْ بُنَيَّ، إنِّي أُريدُ أنْ أضَعَ رأسي قليلًا، فإذا بَلَغَتِ الشَّمسُ قَدَمي فأَيْقِظْني، قال: وبينَه وبينَ الشَّمسِ ذِراعانِ، فبَلَغَتْهُ الشَّمسُ، فرَحِمْتُهُ لطولِ عَنائِهِ وتَعَبِهِ في العِبادةِ، فلمَّا بَلَغَتِ الشَّمسُ سُرَّتَهُ استَيْقَظَ بحَرِّها، فقال: ما لَكَ لم توقِظْني؟ قلتُ: رَحِمْتُكَ لطولِ عَنائِكَ، قال: إنِّي لا أُحِبُّ أنْ تأتيَ عليَّ ساعةٌ لا أذكُرُ اللهَ فيها ولا أعبُدُهُ، أفلا رَحِمْتَني مِن طولِ الموقفِ؟ أيْ بُنَيَّ، إنِّي أُريدُ الشُّخوصَ إلى جبلٍ فيه خمسونَ ومئةُ رجُلٍ أَشَرُّهُمْ خَيْرٌ مِنِّي، أَتَصْحَبُني؟ قلتُ: نعم، فقام، فتعلَّقَ به أعمى على البابِ، فقال: يا أبا الفضْلِ، تخرُجُ ولم أُصِبْ مِنكَ خَيْرًا؟! فمسَحَ يَدَهُ على وجْهِهِ، فصار بصيرًا، فوَثَبَ مُقْعَدٌ إلى جنبِ الأعمى، فتعلَّقَ بهِ، فقال: مُنَّ عليَّ، مَنَّ اللهُ عليكَ بالجنَّةِ، فمسَحَ يَدَهُ عليه، فقام، فمَضَى -يعني: الرَّاهِبَ-، فقُمْتُ أنظُرُ يمينًا وشِمالًا لا أرَى أحَدًا، فدخَلْتُ بيتَ المَقْدِسِ، فإذا أنا برجُلٍ في زاويةٍ عليه المُسوحُ، فجلسْتُ حتَّى انصرَفَ، فقلتُ: يا عبدَ اللهِ، ما اسمُكَ؟ قال: فذكَرَ اسمَهُ، فقلتُ: أَتَعْرِفُ أبا الفضْلِ؟ قال: نعم، ووَدِدْتُ أنِّي لا أَموتُ حتَّى أَراهُ، أَمَا إنَّه هو الذي مَنَّ عليَّ بهذا الدِّينِ، فأنا أنتظِرُ نبيَّ الرَّحمةِ الذي وَصَفَهُ لي، يخرُجُ مِن جبالِ تِهامةَ، يُقالُ لهُ: مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ، يركَبُ الجَمَلَ والحِمارَ والفَرَسَ والبَغلةَ، ويكونُ الحُرُّ والمملوكُ عِندَهُ سواءً، وتكونُ الرَّحمةُ في قلْبِهِ وجَوارِحِهِ، لو قُسِّمَتْ بينَ الدُّنيا كلِّها لم يَكُنْ لها مَكانٌ، بينَ كَتِفَيْهِ كبَيضةِ الحمامةِ عليها مكتوبٌ باطِنَها: اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ له، محمَّدٌ رسولُ اللهِ، وظاهِرَها: تَوَجَّهْ حيثُ شِئْتَ فإنَّكَ المنصورُ، يأكُلُ الهَديَّةَ، ولا يأكُلُ الصَّدَقةَ، ليس بحَقودٍ ولا حَسودٍ، ولا يظلِمُ مُعاهَدًا ولا مُسْلِمًا، فقُمْتُ مِن عِندِهِ فقلتُ: لعلِّي أَقْدِرُ على صاحِبي، فمَشَيْتُ غيرَ بعيدٍ، فالْتَفَتُّ يمينًا وشِمالًا لا أَرَى شيئًا، فمَرَّ بي أعرابٌ مِن كَلْبٍ، فاحتَمَلوني حتَّى أَتَوْا بي يَثْرِبَ، فسَمَّوْني مَيْسَرةَ، فجَعَلْتُ أُناشِدُهم فلا يَفْقَهونَ كلامي، فاشتَرَتْني امرأةٌ يُقالُ لها: خُلَيْسَةُ، بثلاثِ مئةِ دِرهمٍ، فقالتْ: ما تُحْسِنُ؟ قلتُ: أُصَلِّي لربِّي وأعبُدُهُ، وأَسِفُّ الخوصَ، قالتْ: ومَن رَبُّكَ؟ قلتُ: ربُّ مُحمَّدٍ، قالتْ: وَيْحَكَ! ذاكَ بمكَّةَ، ولكنْ عليكَ بهذهِ النَّخلةِ، وصَلِّ لربِّكَ لا أَمنَعُكَ، وسِفَّ الخوصَ، واسْعَ على بناتي؛ فإنَّ ربَّكَ يَعْني إنْ تُناصِحْهُ في العبادةِ يُعْطِكَ سُؤْلَكَ، فمَكَثْتُ عندَها سِتَّةَ عشَرَ شهرًا، حتَّى قَدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المدينةَ، فبَلَغَني ذلكَ وأنا في أقصى المدينةِ في زمنِ الخِلالِ، فانتَقيْتُ شيئًا مِنَ الخِلالِ، فجَعَلْتُهُ في ثَوْبي، وأَقبَلْتُ أسألُ عنه، حتَّى دخلْتُ عليه وهو في منزلِ أبي أيُّوبَ، وقد وَقَعَ حُبٌّ لهُم فانكَسَرَ، وانصَبَّ الماءُ، فقام أبو أيُّوبَ وامرأتُهُ يَلتَقِطانِ الماءَ بقَطيفةٍ لهُما لا يَكِفُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فخرَجَ رسولُ اللهِ فقال: ما تَصنَعُ يا أبا أيُّوبَ؟ فأخبَرَهُ، فقال: لكَ ولزَوْجَتِكَ الجنَّةُ، فقلتُ: هذا واللهِ مُحمَّدٌ رسولُ الرَّحمةِ، فسلَّمْتُ عليه، ثمَّ أَخَذْتُ الخِلالَ فوَضَعْتُهُ بينَ يدَيْهِ، فقال: ما هذا يا بُنَيَّ؟ قلتُ: صدقةٌ، قال: إنَّا لا نأكُلُ الصَّدَقةَ، فأخذْتُهُ، وتناوَلْتُ إزاري وفيهِ شيءٌ آخَرُ، فقلتُ: هذهِ هَديَّةٌ، فأكَلَ وأَطْعَمَ مَن حَوْلَهُ، ثمَّ نَظَرَ إليَّ، فقال: أَحُرٌّ أنتَ أَمْ مملوكٌ؟ قلتُ: مملوكٌ، قال: ولِمَ وَصَلْتَني بهذهِ الهَديَّةِ؟ قلتُ: كان لي صاحبٌ مِن أَمْرِهِ كذا، وصاحبٌ مِن أَمْرِهِ كذا، فأَخبَرْتُهُ بأَمْرِهما، قال: أَمَا إنَّ صاحِبَيْكَ مِنَ الذينَ قال اللهُ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ ...} [القصص: 52] الآيةَ، ما رأيْتَ فيَّ ما خَبَّرَكَ؟ قلتُ: نعم، إلَّا شيئًا بينَ كَتِفَيْكَ، فألْقَى ثَوْبَهُ، فإذا الخاتَمُ، فقَبَّلْتُهُ، وقلتُ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّكَ رسولُ اللهِ، فقال: يا بُنيَّ، أنتَ سَلْمانُ، ودَعا عليًّا، فقال: اذهَبْ إلى خُلَيْسَةَ، فقُلْ لها: يقولُ لكِ مُحمَّدٌ: إمَّا أنْ تُعتِقي هذا، وإمَّا أنْ أُعْتِقَهُ؛ فإنَّ الحِكمةَ تُحَرِّمُ عليكِ خِدْمَتَهُ، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَشْهَدُ أنَّها لم تُسْلِمْ، قال: يا سَلْمانُ، أَوَ لَا تدري ما حدَثَ بَعْدَكَ؟ دخَلَ عليها ابنُ عمِّها، فعرَضَ عليها الإسلامَ فأَسلَمَتْ، فانطلَقَ عليٌّ، وإذا هي تذكُرُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأخبَرَها عليٌّ، فقالتْ: انطلِقْ إلى أخي -تَعْني: النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، فقُلْ لهُ: إنْ شِئْتَ فأَعْتِقْهُ، وإنْ شِئْتَ فهو لكَ، قال: فكنتُ أَغْدو وأَروحُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وتَعولُني خُلَيْسَةُ، فقال ليَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذاتَ يومٍ: انطلِقْ بنا نُكافِئْ خُلَيْسَةَ، فكنتُ معه خمسةَ عشَرَ يومًا في حائِطِها يُعَلِّمُني وأُعينُهُ، حتَّى غَرَسْنا لها ثلاثَ مئةِ فَسيلةٍ، فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا اشتَدَّ عليه حَرُّ الشَّمسِ وَضَعَ على رأسهِ مِظَلَّةٌ لي مِن صوفٍ، فعَرِقَ فيها مِرارًا، فما وَضَعْتُها بَعْدُ على رأسي إعظامًا له، وإبقاءً على ريحِهِ، وما زِلْتُ أَخْبَؤُها ويَنْجابُ منها حتَّى بَقِيَ منها أربعُ أصابِعَ، فغَزَوْتُ مَرَّةً فسَقَطَتْ مِنِّي
نُورٌ أنَّى أَراه [يعني حديث: قلْتُ لأبي ذَرٍّ: لو أدركْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لسأَلْتُه. فقال: عمَّا كنْتَ تسأَلُه؟ قال: كنْتُ أسأَلُه: هل رأى محمَّدٌ ربَّه. فقال: قد سأَلْتُه، فقال: نورٌ أنَّى أَراهُ.]
كان من حديثِ ابنِ مُلْجَمٍ (لَعَنَه اللهُ) وأصحابِهِ، أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ مُلْجَمٍ، والبَرْكَ بنَ عبدِ اللهِ، وعمْرَو بنَ بكرٍ التَّميميَّ، اجتمَعوا بمكةَ فذَكَروا أمْرَ النَّاسِ، وعابوا عليهم وُلاتَهم، ثمَّ ذَكَروا أهْلَ النَّهروانِ، فترحَّموا عليهِمْ، فقالوا: واللهِ ما نَصنَعُ بالبقاءِ بعدَهم شيئًا، إخوانُنا الَّذينَ كانوا دُعاةَ النَّاسِ لعِبادةِ ربِّهم، الَّذينَ كانوا لا يَخافونَ في اللهِ لَومَةَ لائِمٍ، فلوْ شَرَيْنا أنفُسَنا، فأتَيْنا أئِمَّةَ الضَّلالةِ، فالتَمَسْنا قتْلَهم، فأَرَحْنا منهمُ البلادَ، وثَأَرْنا بهم إخوانَنا. قالَ ابنُ مُلْجَمٍ (وكانَ منْ أهلِ مِصرَ): أنا أكفيكُم عليَّ بنَ أبي طالبٍ، وقال البَرْكُ بنُ عبدِ اللهِ: أنا أكفيكُم مُعاويةَ بنَ أبي سُفيانَ، وقال عمرُو بنُ بكرٍ التَّميميُّ: أنا أكفيكُم عمرَو بنَ العاصِ، فتَعاهَدوا وتواثَقوا باللهِ ألَّا ينكُصَ رَجُلٌ منهم عن صاحبِهِ الَّذي توجَّهَ إليهِ حتى يقتُلَه أوْ يموتَ دونَه، فأخذوا أسيافَهم فسَمُّوها، وتواعَدوا لسبعَ عشْرةَ خَلَتْ منْ شَهرِ رَمَضانَ أنْ يَثِبَ كُلُّ واحدٍ على صاحبِهِ الَّذي توجَّهَ إليهِ، وأقْبَلَ كلُّ رَجُلٍ منهمْ إلى المِصْرِ الَّذي فيه صاحِبُه الَّذي يطلُبُ، فأمَّا ابنُ مُلْجَمٍ المُراديُّ فأتى أصحابَه بالكوفةِ وكاتَمَهم أمْرَه كراهيةَ أنْ يُظْهِروا شيئًا من أمْرِه، وأنَّهُ لَقِيَ أصحابَهُ منْ تيْمِ الرَّبابِ، وقدْ قَتَلَ عليٌّ منهمْ عِدَّةَ يَومَ النَّهرِ، فذَكَروا قَتْلاهُمْ فترَحَّمُوا عليهم، قال: ولَقِيَ من يومِه ذلكَ امرأةً منْ تَيْمِ الرَّبابِ، يُقالُ لها: قَطامُ بنتُ الشَّحنةِ، وقد قَتَلَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ أباها وأخاها يَومَ النَّهرِ، وكانتْ فائقةَ الجمالِ، فلمَّا رآها الْتبسَتْ بعَقْلِه ونَسِيَ حاجتَه الَّتي جاءَ لها، فخَطَبَها، فقالتْ: لا أتزوَّجُ حتَّى تَشفِيَني. قالَ: وما تَشائينَ؟ قالت: ثلاثةُ آلافٍ، وعبدٌ، وقَيْنةٌ، وقتْلُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، فقال: هو مَهْرٌ لكِ، فأمَّا قتْلُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، فما أراكِ ذَكَرتيهِ وأنتِ تُريدينَه، قالت: بلى، فالْتمِسْ غُرَّتَهُ، فإنْ أصَبْتَه شَفَيْتَ نفْسَكَ ونَفْسي، ونَفَعَك معي العَيشُ، وإنْ قُتِلتَ فما عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ خَيرٌ من الدُّنيا وزِبْرِجِ أهْلِها، فقال: ما جاءَ بي إلى هذا المِصْرِ إلَّا قتْلُ عليٍّ، قالت: فإذا أردْتَ ذلك، فأخْبِرْني حتى أطلُبَ لكَ مَن يشُدُّ ظَهْرَك، ويُساعِدُكَ على أمْرِكَ، فبَعَثَتْ إلى رَجُلٍ منْ قَومِها منْ تيمِ الرَّبابِ، يُقالُ لهُ: وَرْدانُ، فكَلَّمَتْه فأجابَها، وأتى ابْنُ مُلْجَمٍ رَجُلًا منْ أشْجَعَ، يُقالُ لهُ: شَبيبُ بنُ نَجْدةَ، فقال له: هل لكَ في شَرَفِ الدُّنيا والآخِرَةِ؟ قالَ: وما ذاكَ؟ قالَ: قَتْلُ عليٍّ. قالَ: ثَكِلَتْكَ أمُّكَ، لقد جِئْتَ شيئًا إدًّا! كيْفَ تَقدِرُ على قَتْلِه؟! قال: أكْمُنُ له في السَّحَرِ، فإذا خرَجَ إلى صَلاةِ الغَداةِ شَدَدْنا عليه فقَتَلْناه، فإنْ نَجَوْنَا شَفَيْنا أنفُسَنا وأدْرَكْنا ثَأْرَنا، وإنْ قُتِلْنا فما عندَ اللهِ خَيرٌ منَ الدُّنيا وزِبْرِجِ أهْلِها. قالَ: وَيْحَكَ! لوْ كانَ غَيرَ عليٍّ كانَ أهْوَنَ عليَّ، قد عَرَفتُ بَلاءَهُ في الإسلامِ، وسابِقَتَه معَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما أَجِدُني أنشَرِحُ لقتْلِه، قالَ: أمَا تعلَمُ أنَّهُ قتَلَ أهْلَ النَّهروانِ العُبَّادَ المُصلِّينَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: نقتُلُه بما قَتَلَ من إخوانِنا، فأجابَهُ، فجاؤُوا حتى دَخَلوا على قَطامِ وهي في المسجِدِ الأعظَمِ مُعتكِفَةٌ فيهِ، فقالوا لها: قدِ اجتمَعَ رَأْيُنا على قَتْلِ عليٍّ، قالت: فإذا أرَدتُم ذلكَ فَأْتُوني ضُحًى، فقال: هذهِ اللَّيلةُ الَّتي واعَدتُ فيها صاحِبَيَّ أنْ يقتُلَ كلُّ واحدٍ منَّا صاحِبَه، فدَعَتْ لهمْ بالحَريرِ فعصَّبَتْهم، وأَخَذوا أسيافَهُم وجَلَسوا مُقابِلَ السُّدَّةِ التي يَخرجُ منها عليٌّ، فخرَجَ لصَلاةِ الغَداةِ، فجَعَلَ يقولُ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، فشَدَّ عليهِ شَبيبٌ فضَرَبَه بالسَّيفِ فوَقَعَ السَّيفُ بعِضادَيِ البابِ أوْ بالطَّاقِ، فشَدَّ عليهِ ابنُ مُلْجَمٍ فضَرَبَه على قَرْنِه، وهَرَبَ وَرْدانُ حتى دَخَلَ مَنزِلَه، ودَخَلَ رَجُلٌ من بني أسيدٍ وهوَ يَنزِعُ السَّيفَ والحديدَ عنْ صَدرِه، فقالَ: ما هذا السَّيفُ والحَديدُ؟ فأخبَرَه بما كانَ، فذَهَبَ إلى مَنزِلِه، فجاءَ بسَيفِهِ فضَرَبَه حتى قَتَلَه، وخَرَجَ شَبيبٌ نحوَ أبوابِ كِندَةَ فشَدَّ عليهِ الناسُ، إلَّا أنَّ رَجُلًا يُقالُ لهُ: عُوَيمِرُ ضَرَبَ رِجْلَه بالسَّيْفِ فصَرَعَه، وجَثَمَ عليهِ الحَضْرميُّ، فلمَّا رأى النَّاسَ قد أقبَلوا في طَلَبِه، وسَيفُ شَبيبٍ في يَدِه، خَشِيَ على نَفْسِه فتَرَكَه، فنَجا بنَفْسِه، ونَجا شَبيبٌ في غِمارِ النَّاسِ، وخَرَجَ ابنُ مُلْجَمٍ فشَدَّ عليهِ رَجُلٌ من هَمْذانَ يُكَنَّى أبا أَدَما، فضَرَبَ رِجْلَه فصَرَعَهُ، وتَأَخَّرَ عليٌّ ودَفَعَ في ظَهْرِ جَعْدةَ بنِ هُبَيرةَ بنِ أبي وَهْبٍ، فصلَّى بالناسِ الغَداةَ، وشَدَّ عليهِ النَّاسُ منْ كُلِّ جانِبٍ، وذَكَروا أنَّ مُحمَّدَ بنَ حُنَيفٍ قالَ: واللهِ إنِّي لأَصُلِّي تلكَ اللَّيلةَ في المسجِدِ الأعظَمِ قريبًا منَ السُّدَّةِ في رجالٍ كثيرةٍ منْ أهلِ المِصْرِ، ما فيهم إلَّا قِيَامٌ ورُكوعٌ وسُجودٌ، ما يَسْأَمونَ من أوَّلِ اللَّيلِ إلى آخِرِهِ، إذْ خَرَجَ عليٌّ لصَلاةِ الغَداةِ، وجَعَلَ يُنادي: أيُّها الناسُ، الصَّلاةَ الصَّلاةَ، فما أدري أتكلَّمَ بهذهِ الكَلِماتِ أو نَظَرتُ إلى بَريقِ السَّيفِ، وسَمِعتُ: الحُكْمُ للهِ، لا لكَ يا عليُّ، ولا لأصحابِكَ، فرأيتُ سَيفًا، ورأيتُ ناسًا، وسَمِعتُ عليًّا يقولُ: لا يَفوتَنَّكُم الرَّجُلُ، وشَدَّ عليه الناسُ منْ كلِّ جانبٍ، فلم أبرَحْ حتى أُخِذَ ابنُ مُلْجَمٍ فأُدخِلَ على عليٍّ، فدَخَلتُ فيمَنْ دَخَلَ من النَّاسِ، فسَمِعتُ عليًّا يقولُ: النَّفْسُ بالنَّفْسِ، إنْ هلكْتُ فاقْتُلوهُ كما قَتَلَني، وإنْ بَقيتُ رأيتُ فيه رَأْيي، ولما أُدخِلَ ابنُ مُلْجَمٍ على عليٍّ قال له: يا عَدُوَّ اللهِ، أَلَمْ أُحْسِنْ إليكَ، ألمْ أفعَلْ بكَ، قالَ: بلى، قالَ: فما حمَلَكَ على هذا؟ قالَ: شَحَذتُه أربعينَ صباحًا، فسألتُ اللهَ أنْ يَقتُلَ بهِ شرَّ خلْقِه، قالَ لهُ عليٌّ: ما أراكَ إلَّا مَقتولًا به، وما أراكَ إلَّا من شَرِّ خَلْقِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وكانَ ابنُ مُلْجَمٍ مَكتوفًا بين يَدَيِ الحَسَنِ إذْ نادَتْه أمُّ كلثومٍ بنتُ عليٍّ وهيَ تَبْكي: يا عَدُوَّ اللهِ، لا بأسَ على أبي، واللهُ عزَّ وجلَّ مُخزيكَ، قالَ: فعَلامَ تَبكينَ؟ واللهِ لقدِ اشتريتُه بأَلْفٍ، وسَمَمْتُه بأَلْفٍ، ولو كانتْ هذهِ الضَّربةُ لجميعِ أهلِ مِصْرَ ما بَقِيَ منهمْ أحدٌ ساعةً، وهذا أبوكِ باقٍ حتى الآنَ، فقال عليٌّ للحَسَنِ: إنْ بَقيتُ رأيتُ فيهِ رأيي، ولئنْ هَلَكتُ منْ ضَربَتي هذه، فاضرِبْهُ ضَربةً، ولا تُمثِّلْ بهِ، فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَنْهى عن المُثْلَةِ، ولو بالكَلبِ العَقورِ، وذكرَ أنَّ جُندُبَ بنَ عبدِ اللهِ دَخَلَ على عليٍّ يَسأَلُ بهِ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنْ فَقَدناكَ (ولا نَفقِدُكَ) فنُبايِعُ الحَسَنَ؟ قالَ: ما آمرُكُم ولا أنْهاكم، أنتم أبْصَرُ، فلما قُبِضَ عليٌّ رضِيَ اللهُ عنهُ بَعَثَ الحَسَنُ إلى ابنِ مُلْجَمٍ فدَخَلَ عليه، فقال له ابنُ مُلْجَمٍ: هل لكَ في خَصلَةٍ؟ إني واللهِ ما أعطيتُ اللهَ عَهدًا إلَّا وَفَّيتُ بهِ، إني كُنتُ أعطيتُ اللهَ عَهدًا أنْ أقتُلَ عليًّا ومُعاويةَ أو أموتَ دُونَهما، فإنْ شئتَ خلَّيْت بيني وبينَهُ، ولكَ اللهَ عليَّ إنْ لمْ أقتُلْه أنْ آتيَكَ حتى أضَعَ يدي في يَدِكَ، فقال له الحَسَنُ: لا واللهِ، أو تُعايِنُ النَّارَ، فقَدَّمَه فقَتَلَه، فأَخَذَه الناسُ فأدرَجُوه في بَوارٍ، ثم أحرَقوهُ بالنارِ، وقد كانَ عليٌّ رضِيَ اللهُ عنه قالَ: يا بني عبدِ المُطَّلِبِ، لا أُلفِيَنَّكُم تَخوضونَ دِماءَ المُسلِمينَ، تَقولونَ: قُتِلَ أميرُ المؤمنينَ، قُتِلَ أميرُ المؤمنينَ، ألَا لا يُقتَلُ بي إلَّا قاتلي، وأمَّا البَرْكُ بنُ عبدِ اللهِ فقَعَدَ لمُعاويةَ، فخَرَجَ لصَلاةِ الغَداةِ فشَدَّ عليهِ بسَيفِه، وأدْبَرَ مُعاويةُ هاربًا، فوَقَعَ السَّيفُ في إليتِه، فقالَ: إنَّ عندي خَبَرًا أُبَشِّرُكَ بهِ، فإنْ أخبَرْتُكَ أنافِعي ذلكَ عندَكَ؟ قال: وما هو؟ قال: إنَّ أخًا لي قَتَلَ عليًّا اللَّيلةَ، قالَ: فلعلَّهُ لم يَقدِرْ عليه؟ قال: بلى، إنَّ عليًّا يَخرُجُ ليسَ معهُ أحدٌ يَحرُسُه. فأَمَرَ به مُعاويةُ فقُتِلَ، فبَعَثَ إلى الساعديِّ وكانَ طبيبًا، فنَظَرَ إليهِ فقال: إنَّ ضَرْبَتَك مَسْمومةٌ، فاخْتَرْ مني إحدى خَصْلتَيْنِ؛ إمَّا أنْ أَحمِيَ حَديدةً فأضَعَها في مَوضِعِ السَّيفِ، وإمَّا أنْ أسْقِيَك شَرْبةً تَقطَعُ منكَ الوَلَدَ وتَبرَأُ منها، فإنَّ ضَرْبتَكَ مَسْمومةٌ، فقال له مُعاويةُ: أمَّا النارُ فلا صَبْرَ لي عليها، وأمَّا انقطاعُ الوَلَدِ، فإنَّ في يزيدَ وعبدِ اللهِ وولدِهِما ما تَقَرُّ بهِ عيني، فسَقاهُ تلكَ اللَّيلةَ الشَّرْبةَ، فبَرَأَ، فلمْ يولَدْ لهُ بعدُ، فأَمَرَ مُعاويةُ بعدَ ذلكَ بالمُقْصوراتِ، وقيامِ الشُّرَطِ على رأسِهِ، وقالَ عليٌّ للحَسَنِ والحُسَينِ: أيْ بَنيَّ، أُوصيكُما بتَقْوى اللهِ، والصَّلاةِ لوَقْتِها، وإيتاءِ الزَّكاةِ عندَ مَحِلِّها، وحُسْنِ الوُضوءِ؛ فإنَّهُ لا تُقبَلُ صَلاةٌ إلَّا بطَهورٍ، وأُوصيكُمْ بغَفْرِ الذَّنْبِ، وكَظْمِ الغَيظِ، وصِلَةِ الرَّحِمِ، والحِلْمِ عنِ الجاهِلِ، والتَّفقُّهِ في الدِّينِ، والتَّثبُّتِ في الأمْرِ، وتعاهُدِ القُرآنِ، وحُسنِ الجِوارِ، والأمْرِ بالمَعروفِ، والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ، واجتنابِ الفَواحِشِ. قال: ثمَّ نَظَرَ إلى مُحمَّدِ ابنِ الحنفيَّةِ، فقالَ: هلْ حَفِظتَ ما أَوْصَيتُ بهِ أَخَوَيْكَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: إنِّي أُوصيكَ بمِثْلِهِ، وأُوصيكَ بتَوقيرِ أَخَوَيْكَ لعِظَمِ حَقِّهما عليكَ، وتَزيينِ أمْرِهما، ولا تَقْطعْ أمرًا دُونَهما، ثمَّ قال لهما: أُوصيكُما بهِ، فإنَّهُ شَقيقُكما، وابنُ أبيكما، وقد عَلِمْتُما أنَّ أباكما كانَ يُحِبُّه، ثمَّ أوصى، فكانت وَصيَّتُه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذا ما أوْصى بهِ عليُّ بنُ أبي طالبٍ، أوْصى أنْ يُشهَدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وَحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَهُ بالهُدى ودِينِ الحقِّ لِيُظهِرَهُ على الدِّينِ كلِّه، ولو كَرِهَ المُشرِكونَ، ثمَّ إنَّ صَلاتي ونُسُكي ومَحْيايَ ومَماتي للهِ رَبِّ العالَمينَ، لا شريكَ لهُ، وبذلِكَ أُمِرتُ وأنا منَ المُسلِمينَ، ثم أُوصيكما يا حَسَنُ، ويا حُسَينُ، ويا جميعَ أهلي ووَلَدي، ومَنْ بَلَغَه كتابي بتَقْوى اللهِ ربِّكم، ولا تَموتُنَّ إلَّا وأنتم مُسلِمونَ، واعتَصِموا بحَبْلِ اللهِ جَميعًا ولا تَفرَّقوا، فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: إنَّ صلاحَ ذاتِ البَينِ أعظَمُ منْ عامَّةِ الصَّلاةِ والصيامِ، وانْظُروا إلى ذَوي أرحامِكُم، فَصِلُوهم يُهوِّنُ اللهُ عليكم الحسابَ، واللهَ اللهَ في الأيتامِ، لا يَضيعُنَّ بحَضرَتِكُم، واللهَ اللهَ في الصَّلاةِ؛ فإنَّها عَمودُ دينِكُم، واللهَ اللهَ في الزَّكاةِ؛ فإنَّها تُطفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، واللهَ اللهَ في الفُقراءِ والمساكينِ، فأشْرِكوهم في مَعايِشِكم، واللهَ اللهَ في القُرآنِ، لا يَسبِقَنَّكم بالعَمَلِ بهِ غَيرُكُم، واللهَ اللهَ في الجِهادِ في سبيلِ اللهِ بأموالِكُم وأنفُسِكُم، واللهَ اللهَ في بيْتِ ربِّكُم، لا يَخلُوَنَّ ما بَقيتُمْ، فإنَّهُ إنْ تُرِكَ لم تَنَاظَرُوا، واللهَ اللهَ في ذِمَّةِ نبيِّكُم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلا يُظْلَمَنَّ بين ظَهْرانَيكُمْ، واللهَ اللهَ في جيرانِكُمْ؛ فإنَّهمْ وَصيَّةُ نبيِّكُم صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، قالَ: ما زالَ جِبريلُ يوصِيني بهم حتَّى ظَنَنتُ أنَّهُ سيُورِّثُهم، اللهَ اللهَ في أصحابِ نبيِّكُم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّهُ أوصى بهم، واللهَ اللهَ في الضَّعيفَيْنِ؛ منَ النساءِ، وما مَلَكَتْ أيمانُكم، الصَّلاةَ الصَّلاةَ، لا تَخافُنَّ في اللهِ لَومَةَ لائِمٍ، اللهُ يَكفيكُمْ مَن أرادَكُم وبَغَى عليكمْ {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، كما أمَرَكُم اللهُ، ولا تَترُكوا الأمْرَ بالمَعروفِ، والنَّهيَ عنِ المُنكَرِ، فيُوَلِّيَ أمْرَكُم شِرارَكُم، ثمَّ تَدْعونَ ولا يُستجابُ لكمْ، عليكم بالتَّواصُلِ والتَّبادُلِ، إياكُم والتَّقاطُعَ والتَّدابُرَ والتفرُّقَ، {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2] حَفِظَكُم اللهُ من أهلِ بَيتٍ، وحَفِظَ فيكم نبيَّكُم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أستَودِعُكم اللهَ، وأَقْرَأُ عليكم السَّلامَ، ثمَّ لم يَنطِقْ إلَّا بلا إلهَ إلَّا اللهُ، حتَّى قُبِضَ في شَهرِ رَمَضانَ في سَنةِ أربعينَ، وغَسَّلَه الحَسَنُ والحُسَينُ وعبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ، وكُفِّنَ في ثلاثةِ أثْوابٍ، ليسَ فيها قَميصٌ، وكَبَّرَ عليهِ الحَسَنُ تِسعَ تكبيراتٍ، ووَلِيَ الحَسَنُ عَمَلَه سِتَّةَ أشهُرٍ، وكانَ ابنُ مُلْجَمٍ قَبْلَ أنْ يَضْرِبَ عليًّا قعَدَ في بني بَكْرِ بنِ وائلٍ، إذْ مُرَّ عليهِ بجِنازةِ أبجَرَ بنِ جابرٍ العِجْليِّ أبي حَجَّارٍ، وكانَ نَصرانيًّا، والنَّصارى حولَه، وناسٌ معَ حَجَّارٍ بمَنزلتِه يَمشونَ بجانِبِ إمامِهِم شَقيقِ بنِ ثَورٍ السُّلَميِّ، فلمَّا رآهمْ قالَ: مَن هؤلاءِ؟ فأُخبِرَ، ثمَّ أنشأَ يقولُ: لَئِنْ كَانَ حَجَّارُ بُنُ أَبْجرَ مُسْلِمًا لَقَدْ بُوعِدَتْ مِنْهُ جِنَازَةُ أَبْجَرِ وَإِنْ كَانَ حَجَّارُ بنُ أَبْجَرَ كَافِرًا فَمَا مِثْلُ هَذَا مِنْ كُفُورٍ بِمُنْكَرِ أَتَرْضَوْنَ هَذَا إنَّ قِسًّا وَمُسْلِمًا جَمِيعًا لَدَى نَعْشٍ فَيَا قُبْحَ مَنْظَرِ وقالَ ابنُ عبَّاسٍ المُراديُّ: وَلَمْ أرَ مَهْرًا سَاقَهُ ذُو سَمَاحَةٍ ** كَمَهْرِ قَطَامٍ مِنْ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَعَبْدٌ وَقَيْنَةٌ ** وَضَرْبُ عَلِيٍّ بِالْحُسَامِ الْمُصَمَّمِ وَلَا مَهْرَ أَغْلَى مِنْ عَلِيٍّ وَإِنْ غَلَا ** وَلَا قَتْلَ إِلَّا دُونَ قَتْلِ ابْنِ مُلْجَمِ وقال أبو الأسْوَدِ الدُّؤَليُّ: أَلَا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ ** فَلَا قَرَّتْ عُيُونُ الشَّامِتِينَا أَفِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَجَعْتُمُونَا ** بِخَيْرِ النَّاسِ طُرًّا أَجْمَعِينَا قَتَلْتُمُ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ** وَحَسَّنَهَا وَمَنْ رَكِبَ السَّفِينَا وَمَنْ لَبِسَ النِّعَالَ وَمَنْ حَذَاهَا ** وَمَنْ قَرَأَ الْمَثَانِيَ وَالْمِئِينَا لَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ حِينَ كَانَتْ ** بِأَنَّكَ خَيْرُهَا حَسَبًا وَدِينَا وأمَّا عمرُو بنُ بَكرٍ، فقَعَدَ لعَمرِو بنِ العاصِ في تلكَ الليلةِ التي ضُرِبَ فيها مُعاويةُ، فلمْ يخرُجْ، واشْتَكَى فيها بَطْنَهُ، فأَمَرَ خارجةَ بنَ حبيبٍ -وكانَ صاحِبَ شُرطَتِه، وكان من بني عامرِ بنِ لُؤَيٍّ- فخَرَجَ يُصَلِّي بالنَّاسِ، فشَدَّ عليهِ وهوَ يرى أنَّه عمرُو بنُ العاصِ، فضَرَبَه بالسَّيفِ فقَتَلَه، وأُدخِلَ على عمرٍو، فلمَّا رآهم يُسَلِّمونَ عليهِ بالإمْرَةِ، فقال: مَن هذا؟ قالوا: عمرُو بنُ العاصِ، قالَ: مَنْ قَتَلتُ؟ قالوا: خارجةَ. قالَ: أَمَا واللهِ يا فاسِقُ ما ضمَّدْتُ غَيرَكَ، قالَ عمرٌو: أَرَدْتَني واللهُ أرادَ خارجةَ، وقدَّمه وقَتَلَه، فبَلَغَ ذلكَ مُعاويةَ، فكَتَبَ إليهِ: وَقَتْكَ وَأَسْبَابُ الْأُمُورِ كَثِيرَةٌ ** مَسَبَّةُ سَاعٍ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ فَيَا عَمْرُو مَهْلًا إِنَّمَا أَنْتَ عَمُّهُ ** وَصَاحِبُهُ دُونَ الرِّجَالِ الْأَقَارَبِ نَجَوْتَ وَقَدْ بَلَّ الْمُرَادِيُّ سَيْفَهُ ** مِنِ ابْنِ أَبِي شَيْخِ الْأَبَاطِحِ طَالِبِ وَيَضْرِبُنِي بِالسَّيْفِ آخَرُ مِثْلُهُ ** فَكَانَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ ضَرْبَةَ لَازِبِ وَأَنْتَ تُبَاغِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ** بِمِصْرِكَ بِيضًا كَالظِّبَاءِ الشَّوَارِبِ وكانَ الذي ذَهبَ بنَعْيِه سُفيانُ بنُ عبدِ شمسِ بنِ أبي وقَّاصٍ الزُّهْريُّ، وكانَ الحَسَنُ قدْ بعثَ قيسَ بنَ سعدِ بنِ عُبادةَ على مُقدِّمتِه في اثْنَيْ عَشَرَ ألفًا، وخَرَجَ مُعاويةُ حتى نَزَلَ بإيلياءَ في ذلكَ العامِ، وخَرَجَ الحَسَنُ حتى نَزَلَ في القُصورِ البيضِ في المدائنِ، وخَرَجَ مُعاويةُ حتى نَزَلَ مَسْكنًا، وكان على المدائنِ عمُّ المُختارِ بنِ أبي عُبَيدٍ، وكانَ يقالُ له: سعدُ بنُ مسعودٍ، فقال له المُختارُ وهو يَومَئِذٍ غُلامٌ شابٌّ: هلْ لكَ في الغِنَى والشَّرَفِ؟ قالَ: وما ذاكَ؟ قالَ: تُوثِقُ الحَسَنَ، وتَسْتأمِرُ بهِ إلى مُعاويةَ، فقالَ لهُ سَعدٌ: عَليكَ لَعنَةُ اللهِ! أَأثِبُ على ابنِ ابنةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فأُوثِقُه؟! فلمَّا رأى الحَسَنُ تفرُّقَ الناسِ عنهُ بَعَثَ إلى مُعاويةَ يطلُبُ الصُّلحَ، فبَعَثَ إليهِ مُعاويةُ عبدَ اللهِ بنَ عامرٍ، وعبدَ اللهِ بنَ سَمُرَةَ بنِ حبيبِ بنِ عبدِ شَمسٍ، فقَدِمَا على الحَسَنِ بالمدائنِ، فأعطياهُ ما أرادَ، وصالَحاهُ، ثمَّ قامَ الحَسَنُ في الناسِ فقالَ: يا أهلَ العِراقِ، إنَّما يَسْتَحي بنَفْسي عليكم ثلاثٌ؛ قتلُكُم أبي، وطَعْنُكم إياي، وانتِهابُكم مَتاعي، ودَخَلَ في طاعَةِ مُعاويةَ، ودَخَلَ الكوفةَ فبايَعَهُ الناسُ
كنت مجاورةَ أمِّ سلمةَ زوجِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت أمُّ سليمٍ يا رسولَ اللهِ أرأيت إذا رأتِ المرأةُ أن زوجَها جامعَها في المنامِ أتغتسلُ فقالت أمُّ سلمةَ ترِبت يداكِ أمَّ سليمٍ فضحتِ النساءَ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت أمُّ سليمٍ إن اللهَ لا يستحِي من الحقِّ ولنا أن نسألَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عما أُشكِلَ علينا خيرٌ من أن نكونَ منه على عمياءَ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ترِبت يداكِ يا أمَّ سليمٍ عليها الغسلُ إذا وجدت الماءَ فقالت أمُّ سلمةَ يا رسولَ اللهِ وهل للمرأةِ ماءٌ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأنَّى يُشبهُها ولدُها هن شقائقُ الرجالِ
رأيتُ جبريلَ عليه السَّلامُ في خَلْقِهِ الذي خُلِقَ عليه، وكنتُ أراهُ قبلَ ذلك في صُوَرٍ مختلِفةٍ، وأكثرُ ما كنتُ أراهُ في صورةِ دِحْيَةَ الكَلْبيِّ
عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ قال: رأيتُ جِبريلَ في خَلْقِه الذي خُلِقَ عليه، وكنتُ أراه قَبْلَ ذلك في صُوَرٍ مُختَلِفةٍ، وأكثَرُ ما كنتُ أراه في صُورةِ دِحْيَةَ الكَلبيِّ
17
✔ صحيح📌 لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه
سألْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما عن قولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لموسى صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40]، فسألْتُه عن الفُتونِ؟ فقال: استأنِفِ النَّهارَ يا ابنَ جُبيرٍ؛ فإنَّ لها حديثًا طويلًا. قال: فغدوْتُ على ابنِ عبَّاسٍ لأنتجِزَ ما وَعَدني مِن حديثِ الفُتونِ، فقال: تذاكَرَ فِرعونُ وجُلساؤُه ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أنْ يجعَلَ في ذُرِّيتَه أنبياءَ ومُلوكًا؛ فقال بعضُهم: إنَّ بني إسرائيلَ لينتظِرونَ ذلك ما يشُكُّون فيه، وقد كانوا يظنُّونَ أنَّه يُوسفُ بنُ يعقوبَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فلمَّا هلَكَ قالوا: ليس هكذا كان، إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال فِرعونُ: فكيف تَرَونَ؟ فائْتَمَروا، واجتمَعوا أمْرَهم على أنْ يبعَثَ رِجالًا بالشِّفارِ، يَطُوفون في بني إسرائيلَ، فلا يَجِدون مولودًا ذكَرًا إلَّا ذَبَحوه، ففَعَلوا ذلك، فلمَّا أنْ رَأَوا أنَّ الكبارَ في بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالِهم، والصِّغارَ يُذْبَحونَ، قالوا: أتوشِكونَ أنْ تُفْنوا بني إسرائيلَ، فتَصيروا إلى أنْ تُباشِروا مِن الأعمالِ والخدمةِ الَّتي كانوا يَكْفُونكم؟ فاقْتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيقِلَّ نَباتُهم، ودَعُوا عامًا، فلا تَقْتلوا منهم أحدًا، فيشِبَّ الصِّغارُ مكانَ مَن يموتُ مِن الكبارِ، فإنَّهم لنْ يَكْثروا بمَن تَسْتحيون، فتخافوا مُكاثرتَهم إياكم، ولنْ يَفْنَوا بمَن تقتُلونَ، فتحتاجونَ إليهم، فأجْمَعوا أمْرَهم على ذلك، فحمَلَت أُمُّ موسى بهارونَ عليهما السَّلامُ العامَ الَّذي لا يُذْبَحُ فيه الغِلمانُ، فولدَتْه عَلانيةً، فلمَّا كان مِن قابلٍ حمَلَتْ بمُوسى عليه السَّلامُ، فوقَعَ في قلْبِها مِن الهَمِّ والحزنِ. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، ما دخَلَ عليه في دهو بَطْنِ أُمِّه ممَّا يُرادُ به، فأوحَى اللهُ تعالى إليها: {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7]، وأمَرَها أنْ إذا ولَدَتْ أنْ تجعَلَه في تابوتٍ، ثمَّ تُلْقِيه في اليمِّ، فلمَّا ولَدَت فعَلَت ذلك به، فألْقَته في اليمِّ، فلمَّا توارى عنها ابنُها أتاها الشَّيطانُ، فقالت في نفْسِها: ما فعَلْتُ بابني؟! لو ذُبِحَ لبِثَ عندي فرأيْتُه وكفَّنْتُه، كان أحَبَّ إليَّ مِن أنْ أُلْقِيَه بيدي إلى دوابِّ البحرِ وحِيتانِه، وانتهى الماءُ به حتَّى أرفَأَ به عند فُرْضَةُ مُسْتَقى جواري امرأةِ فِرعونَ، فلمَّا رأيْنَه أخذْنَه، فهمَمْنَ أنْ يفتحْنَ التَّابوتَ، فقالت بعضُهنَّ: إنَّ في هذا مالًا، وإنَّا إنْ فتحْناه لم تُصدِّقْنا امرأةُ الملِكِ بما وجَدْنا فيه، فحمَلْنَه بهيئةٍ لم يُحرِّكْنَ منه شيئًا، دفعْنَه إليها، فلمَّا فتحَتْه رأتْ فيه غُلامًا، فأُلْقِيَ عليه منها محبَّةٌ لم تُلْقَ مثْلُها على البشَرِ قطُّ، وأصبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فارغًا مِن ذِكْرِ كلِّ شَيءٍ إلَّا مِن ذِكْرِ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا سمِعَ الذَّابِحونَ بأمْرِه أقبلوا بشِفارِهم إلى امرأةِ فرعونَ ليذبَحُوه -وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت للذَّبَّاحينَ: أقِرُّوه؛ فإنَّ هذا الواحدَ لا يَزيدُ في بني إسرائيلَ حتَّى آتِيَ فِرعونَ فأسْتَوْهِبَه منه، فإنْ وهَبَه لي كنْتُم قد أحسنْتُم وأجمَلْتُم، وإنْ أمَرَ بذبْحِه لم أَلُمْكم، فأتَتْ به فرعونَ، فقالت: قُرَّةُ عينٍ لي ولك، قال فِرعونُ: يكونُ لك، فأمَّا لي فلا حاجةَ لي في ذلك. قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: والَّذي أحلِفُ به، لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه، ولكنَّ اللهَ حرَمَه ذلك. فأرسَلَتْ إلى مَن حولَها، مِن كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ، تختارُ لها ظِئرًا، فجعَلَ كلَّما أخذَتْه امرأةٌ منهنَّ، فترُضِعُه، لم يَقْبَلْ ثَدْيَها، حتَّى أشفَقَت عليه امرأةُ فِرعونَ أنْ يَمتنِعَ مِن اللَّبنِ فيموتَ، فأحْزَنَها ذلك، فأمرَتْ به، فأُخْرِجَ إلى السُّوقِ وتجمَّعَ النَّاسُ، تَرْجو أنْ تجِدَ له ظِئرًا يأخُذُ منها، فلم يَقْبَلْ، وأصبَحَتْ أُمُّ موسى والهةً، فقالت لأُخْتِه: قُصِّيه -يعني: أثَرَهُ- واطْلُبِيه، هل تسمعينَ له ذِكْرًا؟ أحيٌّ ابْني أمْ قد أكلَتْه الدَّوابُّ؟ ونسِيَت ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها فيه، فبَصُرتْ به أختُه عن جُنُبٍ وهم لا يَشعُرونَ، والجُنُبُ: أنْ يبصِرَ الإنسانُ إلى الشَّيءِ البعيدِ وهو إلى جَنْبِه لا يشعُرُ به، فقالت مِن الفرحِ حين أعياهم الظُّؤارتُ: أنا {أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12]، فأخَذُوها فقالوا: ما يُدريك ما نُصْحُهم له؟ هل يعرِفونَه؟ حتَّى شكُّوا في ذلك -فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت: نصيحَتُهم له وشفقَتُهم عليه رغبةً في صِهر الـمَلِك، ورجاءَ مَنفعتِه، فأرْسَلوها، فانطلَقَتْ إلى أُمِّها فأخبرتْها الخبرَ، فجاءتْ أُمُّه، فلمَّا وضعَتْه في حِجْرِها، نزَا إلى ثَدْيِها، فمَصَّه حتَّى امتلَأَ جَنباهُ رِيًّا، وانطلَقَ البشيرُ إلى امرأةِ فرعونَ: أنْ قد وجَدْنا لابْنِك، فأرسَلَتْ إليها، فأُوتِيتْ بها وبه، فلمَّا رأت ما يصنَعُ، قالت لها: امْكُثي عندي؛ تُرْضِعي ابني هذا، فإنِّي لم أحجِبْه شيئًا قطُّ، فقالت أُمُّ مُوسى: لا أستطيعُ أنْ أدَعَ بيتي وولدي، فيَضيعَ، فإنْ طابتْ نفْسُك أنْ تُعْطِيَنه، فأذهَبَ به إلى مَنْزلي، فيكونَ معي لا آلوهُ خيرًا، فعلْتُ، وإلَّا فإنِّي غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي، وذكَرَت أُمُّ مُوسى عليه السَّلامُ ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فتعاسَرَت على امرأةِ فرعونَ، وأيقنَتْ بأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يُنْجِزُ موعودَه، فرجَعَتْ إلى بيتِها بابنِها مِن يومِها، فأنبَتَه اللهُ نباتًا حسنًا، وحفِظَه لِمَا قد قَضى فيه، فلم يزَلْ بنو إسرائيلَ وهم في ناحيةِ القريةِ مُمْتنعينَ يَمْتنعونَ به مِن السُّخرةِ ما كان فيهم. فلمَّا تَرعرَعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأُمِّ مُوسى: أريدُ أنْ تُرِيني ابني، فوعَدَتْها يومًا تُرِيها فيه إيَّاه، فقالتِ امرأةُ فِرعونَ لخُزَّانِها، وظُؤورتِها، وقَهارِمَتِها: لا يَبْقينَّ أحدٌ منكم إلَّا استقبَلَ ابني اليومَ بهَديَّةٍ وكَرامةٍ؛ لِأَرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أمينًا يُحْصِي ما يصنَعُ كلُّ إنسانٍ منكم، فلم تَزَلِ الهدايا والكرامةُ والنِّحلةُ، تَستقبِلُه مِن حينِ خرَجَ مِن بيتِ أُمِّه إلى أنْ دخَلَ على امرأةِ فرعونَ، فلمَّا دخَلَ عليها بجَّلَتْه، وأكرمَتْه، وفرِحَت به، وأعجَبَها، ونحَلَت أُمَّه؛ لحُسْنِ أثَرِه، ثمَّ قالت: لآتيَنَّ به فِرعونَ، فليَنْحَلَنَّه، وليُكْرِمَنَّه، فلمَّا دخَلَتْ به عليه، جعَلَه في حِجْرِه، فتناوَلَ مُوسى لِحيةَ فرعونَ، فمَدَّها إلى الأرضِ، فقال الغواةُ مِن أعداءِ اللهِ لفرعونَ: ألَا ترى إلى ما وعَدَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إبراهيمَ نَبِيَّه عليه السَّلامُ أنَّه يرِثُك، ويَعْلوك، ويصرَعُك، فأرسَلَ إلى الذَّبَّاحينَ، وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، بعدَ كلِّ بلاءٍ ابتُلِيَ به، أو أُرِيدَ به فُتونًا. فجاءت امرأةُ فِرعونَ تَسْعى إلى فرعونَ، فقالت: ما بدا لك في هذا الغلامِ الَّذي وهَبْتَه لي؟ قال: ألَا تَرَيْنَه يزعُمُ أنَّه يصرَعُني ويَعْلوني؟ قالت: اجْعَلْ بيني وبينك أمرًا تعرِفُ فيه الحقَّ؛ ائْتِ بجَمْرتينِ ولُؤلؤتَينِ، فقَرِّبْهما إليه، فإنْ بطَش باللُّؤلؤتَينِ واجتنَبَ الجَمْرتينِ، عرَفْتَ أنَّه يعقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرتَينِ ولم يُرِدِ اللُّؤلؤتَينِ، علِمْتَ أنَّ أحدًا لا يُؤثِرُ الجَمرتينِ على اللُّؤلؤتينَ وهو يعقِلُ، فقُرِّبَ ذلك إليه، فتناوَلَ الجَمرتَينِ، فانْتَزَعوهما مِن يَدِه، وخافت أنْ يحرِقَا يدَيْه، فقالت المرأةُ: ألَا ترى؟! فصرَفَه اللهُ عنه بعدما كان قد هَمَّ به، وكان الله عَزَّ وجَلَّ بالغًا فيه أمْرَه. فلمَّا بلَغَ أشُدَّه وصار مِن الرِّجالِ، لم يكُنْ أحدٌ مِن آلِ فِرعونَ يخلُصُ إلى أحدٍ مِن بني إسرائيلَ معه بظُلمٍ، ولا يخرُجُ حتَّى امْتَنعوا كلَّ الامتناعِ. فبينما مُوسى عليه السَّلامُ يَمْشي في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجُلينِ يَقْتتلانِ؛ أحدُهما فرعونيٌّ، والآخرُ إسرائيليٌّ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فغضِبَ مُوسى عليه السَّلامُ غضبًا شديدًا؛ لأنَّه تناوَلَ وهو يعلَمُ منزلةَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن بَني إسرائيلَ، وحِفْظَه لهم، لا يعلَمُ النَّاسُ إلَّا إنَّما ذلك مِن الرَّضاعِ إلَّا أُمُّ مُوسى، إلَّا أنْ يكونَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أَطْلَعَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليه غيرَه. فوكَزَ مُوسى عليه السَّلامُ الفرعونيَّ، فقتَلَه، وليس يراهما أحدٌ إلَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فقال مُوسى عليه السَّلامُ حين قتَلَ الرَّجلَ: هذا مِن عمَلِ الشَّيطانِ؛ إنَّه عدُوٌّ مُضِلٌّ مُبينٌ، ثمَّ قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ}، إلى قولِه: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16]. {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18] الأخبارَ، فأُتِيَ فِرعونُ فقيلَ: إنَّ بني إسرائيلَ قد قتَلَتْ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحَقِّنا، ولا تُرخِّصْ لهم، فقال: ابْغُوني قاتِلَه ومَن شهِدَ عليه؛ فإنَّ الملِكَ وإنْ كان صَفْوُه مع قومِه، لا يستقيمُ له أنْ يُقِيدَ بغيرِ بيِّنةٍ، ولا ثَبَتٍ، فانْظُروا في عِلْمِ ذلك آخُذْ لكم بحَقِّكم، فبينا هم يَطوفونَ لا يَجِدونَ شيئًا، إذا موسى عليه السَّلامُ قد رأى في الغدِ ذلك الإسرائيليَّ يقتُلُ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ آخرَ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادَفَ مُوسى عليه السَّلامُ قد ندِمَ على ما كان منه، فكَرِهَ الَّذي رأى، فغضِبَ الإسرائيليُّ وهو يُريدُ أنْ يبطِشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ -لِمَا فعَلَ أمسِ واليومَ-: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص: 18]. فنظَرَ الإسرائيليُّ إلى مُوسى عليه السَّلامُ بعدما قال له ما قال، فإذا هو غضبانُ كغضَبِه بالأمسِ الَّذي قتَلَ به الفرعونيَّ، فخاف أنْ يكونَ بعدما قال له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} إيَّاه أراد، ولم يكُنْ أراده، إنَّما أراد الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، فحاجَزَ الفرعونيَّ، فقال: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]؟ وإنَّما قال ذلك؛ مخافةَ أنْ يكون إيَّاهُ أراد مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يقتُلَه، فتنازَعَا. فانطلَقَ الفرعونيُّ إلى قومِه، فأخبَرَهم بما سمِعَ مِن الإسرائيليِّ مِن الخبرِ حين يقولُ: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]، فأرسَلَ فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتُلوا موسى عليه السَّلامُ، فأخَذَ رُسلُ فرعونَ الطَّريقَ الأعظمَ يَمْشون على هَيئتِهم يطلُبونَ مُوسى عليه السَّلامُ، وهم لا يخافونَ أنْ يفوتَهم، فجاء رجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى عليه السَّلامُ مِن أَقْصى المدينةِ، فاختصَرَ طريقًا قريبًا حتَّى سبَقَهم إلى موسى عليه السَّلامُ فأخْبَرَه. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ. فخرَجَ مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ مدينَ لم يلْقَ بلاءً قبلَ ذلك، وليس له علمٌ بالطَّريقِ إلَّا حُسْنَ الظَّنِّ بربِّه عَزَّ وجَلَّ، فإنَّه قال: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص: 22]. {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} إلى {تَذُودَانِ} [القصص: 23]، يعني بذلك: حابستَينِ غنَمَهما، فقال لهما: ما خطْبُكما مُعتزلتَينِ لا تَسْقيانِ مع النَّاسِ؟ قالتا: ليس لنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القومَ، وإنَّما ننتظِرُ فُضولَ حياضِهم، فسقى لهما، فجعَلَ يغرِفُ بالدَّلْوِ ماءً كثيرًا، حتَّى كانتا أوَّلَ الرِّعاءِ فراغًا، فانصرَفَتا بغنَمِهما إلى أبيهما، وانصرَفَ موسى عليه السَّلامُ، فاستظَلَّ بشجرةٍ، وقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، فاستنكَرَ أبوهما سُرعةَ صُدورِهما بغنَمِهما حُفَّلًا بطانًا، فقال: إنَّ لكما اليومَ لشأنًا، فأخبَرَتَاه بما صنَعَ موسى عليه السَّلامُ، فأمَرَ إحداهما أنْ تَدْعُوَه له، فأتَتْ موسى عليه السَّلامُ فدَعَتْه، فلمَّا كلَّمَه قال: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25]، ليس لفِرعونَ ولا لقومِه علينا سُلطانٌ، ولسْنا في مَمْلكتِه. قال: فقالت إحداهما: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، فاحتمَلَتْه الغَيرةُ على أنْ قال: وما يُدريكِ ما قُوَّتُه؟ وما أمانَتُه؟ قالت: أمَّا قُوَّتُه: فما رأيْتُ في الدَّلوِ حين سَقى لنا، لم أرَ رجُلًا قطُّ في ذلك المَسْقى أقوى منه، وأمَّا أمانَتُه: فإنَّه نظَرَ إليَّ حين أقبلْتُ إليه وشَخَصْتُ له، فلمَّا علِمَ إنِّي امرأةٌ، صوَّبَ رأْسَه لم يرفَعْه، ولم ينظُرْ إليَّ حتَّى بلَّغْتُه رِسالتَك، ثمَّ قال لي: امشِي خلفي، وانْعَتي لي الطَّريقَ، لم يفعَلْ هذا إلَّا وهو أمينٌ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقَها، وظَنَّ به الَّذي قالت له. فقال له: هل لك {أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}، إلى قوله: {مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص: 27]، ففعَلَ، فكانت على نَبِيِّ اللهِ موسى عليه السَّلامُ ثمانيَ سنينَ واجبةً، وكانت سنتانِ عِدَةً منه، فقَضَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عنه عِدَتَه فأتمَّها عشْرًا. قال سَعيدٌ: فلَقِيَني رجُلٌ مِن أهلِ النَّصرانيَّةِ مِن عُلمائِهم، فقال: هلْ تَدْري أيَّ الأجلينِ قضى مُوسى عليه السَّلامُ؟ قلْتُ: لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقِيتُ ابنَ عبَّاسٍ، فذكَرْتُ ذلك له، فقال: أمَا علِمْتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ عليه السَّلامُ واجبةً، لم يكُنْ نبيُّ اللهِ ليَنْقُصَ منها شيئًا، وتعلَمُ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ كان قاضيًا عن مُوسى عليه السَّلامُ عِدَتَه الَّتي وعَدَ، فإنَّه قضى عشْرَ سنينَ. فلقِيتُ النَّصرانيَّ، فأخبَرْتُه بذلك، فقال: الَّذي سألْتَه فأخبَرَك أعلَمُ منك بذلك؟ قلْتُ: أجلْ، وأَولى. فلمَّا سار مُوسى عليه السَّلامُ بأهلِه كان مِن أمْرِ النَّارِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القُرآنِ، وأمْرِ العصا ويَدِه، فشكا إلى ربِّه عَزَّ وجَلَّ ما يتخوَّفُ مِن آلِ فرعونَ في القتيلِ، وعُقدةَ لسانِه، فآتاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ سُؤْلَه، وحَلَّ عُقدةً مِن لسانِه، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى هارونَ عليه السَّلامُ، وأمَرَه أنْ يلقاهُ، واندفَعَ مُوسى عليه السَّلامُ بعصاهُ، حتَّى لقِيَ هارونَ عليه السَّلامُ، وانطلَقَا جميعًا إلى فرعونَ، فأقاما حِينًا على بابِه لا يُؤْذَنُ لهما، فقالا: إنَّا رسولَا ربِّك، قال: فمَن ربُّكما يا موسى؟ فأخبراهُ بالَّذي قَصَّ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليك في القُرآنِ، قال: فما تُريدانِ؟ وذكَّرَه القتيلَ، واعتذَرَ بما قد سمِعْتَ، وقال: أريدُ أنْ تُؤمِنَ باللهِ، وأنْ تُرْسِلَ معي بني إسرائيلَ، فأبى عليه، وقال: ائتِ بآيةٍ إنْ كنْتَ مِن الصَّادقينَ، فألقى عصاه فإذا هي حيَّةٌ عظيمةٌ، فازعةٌ، فاغرةٌ فاها، مُسرعةٌ إلى فرعونَ، فلمَّا رآها فِرعونُ قاصدةً إليه خافها، فاقتحَمَ عن سَريرِه، واستغاثَ بمُوسى عليه السَّلامُ أنْ يكُفَّها عنه، ففعَلَ، ثمَّ أخرَجَ يَدَه مِن جَيْبِه، فرآها بيضاءَ مِن غيرِ سُوءٍ، يعني: مِن غيرِ برَصٍ، فرَدَّها، فعادت إلى لونِها الأوَّلِ. فاستشارَ الملَأَ حولَه فيما رأى، فقالوا له: {هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} [طه: 63] الآيةَ، والمُثْلى: مُلْكُهم الَّذي هم فيه والعيشُ. فأَبَوا على مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يُعْطُوه شيئًا ممَّا طلَبَ، وقالوا له: اجمَعْ لهما السَّحرةَ؛ فإنَّهم بأرضِك كثيرٌ، حتَّى نغلِبَ سِحْرَهما، وأرسَلَ في المدائنِ، فحُشِرَ له كلُّ ساحرٍ مُتعالمٍ، فلمَّا أَتَوا على فرعونَ، قالوا: ما يعمَلُ هذا السَّاحرُ؟ قالوا: يعمَلُ الحيَّاتِ، قالوا: فلا واللهِ ما أحدٌ في الأرضِ يعمَلُ السِّحرَ والحيَّاتِ والحبالَ والعِصِيَّ الَّذي نعمَلُ، فما أجْرُنا إنْ نحن غلَبْنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصَّتي، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شَيءٍ أحببتم، فتَواعَدوا يومَ الزِّينةِ وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى. قال سعيدٌ: فحدَّثني ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ يومَ الزِّينةِ اليومُ الَّذي أظهَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيه مُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ والسَّحرةِ هو يومُ عاشوراءَ. فلمَّا اجتمعوا في صَعيدٍ، قال النَّاسُ بعضُهم لبعضٍ: انطَلِقوا، فنتخبَّرْ هذا الأمْرَ، {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 40]، يعنون مُوسى وهارونَ عليهما السَّلامُ؛ استهزاءً بهما، فقالوا: يا موسى -لِقُدْرتِهم في أنفُسِهم بسِحْرِهم- إمَّا أنْ تُلْقِيَ، وإمَّا أنْ نكونَ نحن المُلْقينَ، قال: بل ألْقُوا. {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء: 44]، فرأى مُوسى عليه السَّلامُ مِن سِحْرِهم ما أوجَسَ في نفْسِه خِيفةً، فأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إليه: أنْ ألْقِ عصاك، فلمَّا ألقاها، صارت ثُعبانًا عظيمًا فاغرةً فاها، فجُعِلَتِ العِصِيُّ بدَعوةِ مُوسي عليه السَّلامُ تلتبِسُ بالحبالِ، حتَّى صارتْ جُرُزًا إلى الثُّعبانِ تَدخُل فيه، حتَّى ما أبقَتْ عصًا ولا حبلًا إلَّا ابتلعَتْه. فلمَّا عرَفَ السَّحرةُ ذلك، قالوا: لو كان هذا سِحرٌ لم يَبلُغْ مِن سِحرِنا كلَّ هذا، ولكنَّه أمْرٌ مِن اللهِ، آمنَّا باللهِ ربِّنا وما جاء به مُوسى عليه السَّلامُ، ونتوبُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ ممَّا كنَّا عليه. وكسَرَ اللهُ ظهْرَ فِرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِه، وأظهَرَ الحقَّ، وبطَلَ ما كانوا يعمَلونَ، فغُلِبوا هنالك وانقَلَبوا صاغِرينَ. وامرأةُ فِرعونَ بارزةٌ مُتبذِّلَةٌ تَدْعو بالنَّصرِ لمُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ، فمَن رآها مِن آلِ فرعونَ ظَنَّ أنَّها إنَّما تبذَّلَتْ للشفقةِ على فِرعونَ وأشياعِه، وإنَّما كان حُزْنُها وهمُّها لمُوسى عليه السَّلامُ. فلمَّا طال مُكْثُ مُوسى عليه السَّلامُ لمواعيدِ فِرعونَ الكاذبةِ، كلَّما جاءه بآيةٍ وعَدَه عندها أنْ يُرْسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا مضَتْ أخلَفَ موعِدَه، وقال: هل يستطيعُ ربُّك أنْ يصنَعَ غيرَ هذا؟ فأرسَلَ اللهُ عليه وعلى قومِه الطُّوفانَ، والجرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادعَ، آياتٍ مُفصَّلاتٍ، كلُّ ذلك يَشْكو إلى موسى عليه السَّلامُ، ويطلُبُ إليه أنْ يكُفَّها عنه، ويُواثِقُه على أنْ يُرسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا كَفَّ ذلك عنه، أخلَفَ موعِدَه ونكَثَ عهدَه. فأُمِرَ موسى عليه السَّلامُ بالخُروجِ بقومِه، فخرَجَ بهم ليلًا، فلمَّا أصبَحَ فرعونُ ورأى أنَّهم قد مَضَوا، أرسَلَ في المدائنِ حاشرينَ، فتبِعَهم بجُنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى البحرِ: أنْ إذا ضرَبَك مُوسى بعصاهُ، فانفرِقْ له اثنتَيْ عشْرةَ فِرقةً، حتَّى يجوزَ موسى عليه السَّلامُ ومَن معه، ثمَّ الْتَئَمَ على مَن بقِيَ بعدُ مِن فرعونَ وأشياعِه، فنسِيَ مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يضرِبَ البحرَ بالعصا، فانْتَهى إلى البحرِ وله قصيفٌ؛ مخافةَ أنْ يَضرِبَه موسى عليه السَّلامُ، وهو غافِلٌ، فيصيرَ عاصيًا اللهَ عَزَّ وجَلَّ. فلمَّا تراءى الجَمْعانِ وتقارَبَا، قال أصحابُ موسى: إنَّا لمُدْرَكونَ، افعَلْ ما أمرَكَ به ربُّك عَزَّ وجَلَّ؛ فإنَّك لم تكذِبْ ولم تُكْذَبْ، فقال: وعَدَني ربِّي عَزَّ وجَلَّ إذا أتيْتُ البحرَ، انفرَقَ لي اثنتيْ عشْرةَ فِرقةً حتَّى أُجاوزَه، ثمَّ ذكَرَ بعدَ ذلك العصا، فضرَبَ البحرَ بعصاه حين دنا أوائلُ جُندِ فرعونَ مِن أواخرِ جُندِ مُوسى عليه السَّلامُ، فانفرَقَ البحرُ كما أمَرَه اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكما وُعِدَ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا أنْ جاوَزَ موسى عليه السَّلامُ وأصحابُه البحرَ، ودخَلَ فِرعونُ وأصحابُه، الْتَقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ. فلمَّا جاوَزَ مُوسى عليه السَّلامُ البحرَ، قال أصحابُه: إنَّا نخافُ ألَّا يكونَ فِرعونُ قد غرِقَ، فلا نُؤمِنُ بهلاكِه، فدعا ربَّه عَزَّ وجَلَّ، فأخرَجَه له ببدنه حتَّى استيْقَنوا بهلاكِه. ثمَّ مَرُّوا بعدَ ذلك {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، إلى {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139]، قد رأيتُمْ مِن العِبَرِ، وسمِعْتُم ما يَكْفيكم، ومَضَى. فأنزَلَهم مُوسى عليه السَّلامُ منزلًا، ثمَّ قال لهم: أطيعوا هارونَ عليه السَّلامُ؛ فإنِّي قد استخلفْتُه عليكم، وإنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي عَزَّ وجَلَّ، وأجَّلَهم ثلاثينَ يومًا أنْ يَرجِعَ إليهم فيها، فلمَّا أتى ربَّه وأراد أنْ يُكلِّمَه ثلاثينَ يومًا، وقد صامهنَّ: ليلَهنَّ ونهارَهنَّ، وكرِهَ أنْ يُكلِّمَ ربَّه عَزَّ وجَلَّ ورِيحُ فَمِه رِيحُ فَمِ الصَّائمِ، فتناوَلَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن نباتِ الأرضِ شيئًا فمضَغَه، فقال له ربُّه عَزَّ وجَلَّ حين لقاه: لِمَ أفطرْتَ؟ -وهو أعلَمُ بالَّذي كان- قال: يا ربِّ، إنِّي كرِهْتُ أنْ أُكلِّمَك إلَّا وفَمِي طيِّبُ الرِّيحِ، قال: أوما علِمْتَ يا مُوسى أنْ رِيحَ فَمِ الصَّائمِ أطيبُ عندي مِن رِيحِ المِسْكِ؟ ارجِعْ حتَّى تصومَ عشْرًا ثمَّ ائْتِني، ففعَلَ مُوسى عليه السَّلامُ ما أُمِرَ به. فلمَّا رأى قومُ مُوسى عليه السَّلامُ أنَّه لم يرجِعْ إليهم للأجَلِ ساءَهم ذلك، وكان هارونُ عليه السَّلامُ قد خطَبَهم، فقال لهم: خرجْتُم مِن مِصْرَ ولقومِ فرعونَ عندي عواري وودائعُ، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وأنا أرى أنْ تحتَسِبوا ما لكم عندهم، ولا أحلَّ لكم وديعةً اسْتُودِعْتُمُوها، ولا عاريَّةً، ولسنا برادِّين إليهم شيئًا مِن ذلك، ولا مُمْسِكيه لأنفُسِنا، فحفَرَ حفيرًا، وأمَرَ كلَّ قومٍ عليهم شَيءٌ مِن ذلك؛ مِن متاعٍ أو حِليةٍ أنْ يَقْذِفوه في ذلك الحفيرِ، ثمَّ أوقَدَ عليه النَّارَ، فأحرَقَه، فقال: لا يكونُ لنا، ولا لهم. وكان السَّامريُّ رجلًا مِن قومٍ يَعْبُدون البقرَ جيرانٍ لهم، ولم يكُنْ مِن بني إسرائيلَ، فاحتملَ مع مُوسى عليه السَّلامُ وبني إسرائيلَ حين احْتملوا، فقُضِيَ له أنْ رأى أثرًا، فأخَذَ منه بقبْضَتِه، فمَرَّ بهارونَ، فقال له هارونُ عليه السَّلامُ: يا سامريُّ، ألَا تُلْقي ما في يدَيْك؟ وهو قابضٌ عليه لا يَراه أحدٌ طوالَ ذلك، فقال: هذه قبْضةٌ مِن أثرِ الرَّسولِ الَّذي جاوَزَ بكم البحرَ، ولا أُلْقيها لشَيءٍ إلَّا أنْ تَدْعُوَ اللهَ إذا ألقيْتُها أنْ تكونَ ما أُرِيدُ، فألْقاها، ودعا اللهَ هارونُ عليه السَّلامُ، فقال: أريدُ أنْ يكونَ عِجْلًا، واجتمَعَ ما كان في الحُفرةِ مِن متاعٍ له، أو حِلْيةٍ، أو نحاسٍ، أو حديدٍ، فصار عِجْلًا أجوفَ ليس فيه رُوحٌ، له خُوارٌ. قال ابنُ عبَّاسٍ: لا واللهِ ما كان له صوتٌ قطُّ، إنَّما كانت الرِّيحُ تدخُلُ مِن دُبُرِه وتخرُجُ مِن فَمِه، فكان ذلك الصَّوتُ مِن ذلك. فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا؛ فقالت فِرقةٌ: يا سامريُّ، ما هذا فأنت أعلَمُ به؟ قال: هذا ربُّكم عَزَّ وجَلَّ، ولكنَّ مُوسى عليه السَّلامُ أضَلَّ الطَّريقَ. وقالت فِرقةٌ: لا نُكذِّب بهذا حتَّى يرجِعَ إلينا مُوسى، فإنْ كان ربَّنا لم نكُنْ ضيَّعْناه وعجَزْنا فيه حِينَ رأيْناه، وإنْ لم يكُنْ ربَّنا، فإنَّا نتَّبِعُ قولَ مُوسى عليه السَّلامُ. وقالت فِرقةٌ: هذا عمَلُ الشَّيطانِ، وليس بربِّنا، ولا نُؤْمِنُ، ولا نُصدِّقُ. وأُشْرِبَ فِرقةٌ في قُلوبِهم التَّصديقَ بما قال السَّامريُّ في العجلِ، وأعْلَنوا التَّكذيبَ، فقال لهم هارونُ عليه السَّلامُ: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ} [طه: 90]، وإنَّ ربَّكم ليس هكذا، قالوا: فما بالُ مُوسى عليه السَّلامُ؛ وعَدَنا ثلاثينَ يومًا ثمَّ أخلَفَنا، فهذه أربعونَ قد مَضَت؟! فقال سُفهاؤُهم: أخطَأَ ربَّه، فهو يطلُبُه ويتبَعُه. فلمَّا كلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مُوسى عليه السَّلامُ وقال له ما قال، أخبَرَه بما لقِيَ قومُه بعده. {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه: 86]، وقال لهم ما سمِعْتُم في القُرآنِ وأخَذَ برأْسِ أخِيه، وألْقى الألواحَ مِن الغضَبِ، ثمَّ عذَرَ أخاه بعُذْرِه، واستغفَرَ له، وانصرَفَ إلى السَّامريِّ، فقال له: ما حمَلَك على ما صنعْتَ؟ قال: قبَضْتُ قبضةً مِن أثرِ الرَّسولِ وفطِنْتُ لها، وعُمِّيَت عليكم، فقَذفْتُها؛ وكذلك سوَّلَت لي نَفْسي. قال: {اذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ} إلى قولِه: {نَسْفًا} [طه: 97]، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منه. فاستيقَنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ، واغْتَبَطَ الَّذين كان رأيُهم فيه مثلَ رأيِ هارونَ عليه السَّلامُ، فقالوا بجماعتِهم لمُوسى عليه السَّلامُ: سَلْ لنا ربَّك عَزَّ وجَلَّ أنْ يفتَحَ لنا بابَ توبةٍ نصنَعُها؛ فيُكَفِّرَ عنَّا ما عمِلْنا، فاختارَ موسى عليه السَّلامُ قومَه سبعينَ رجُلًا لذلك -لا يأْلُو الخيرَ- خيارَ بني إسرائيلَ، ومَن لم يُشْرِكْ في العجلِ. فانطلَقَ بهم ليسأَلَ لهم التَّوبةَ، فرجَفَتْ بهم الأرضُ، فاستحيا نبيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من قومِه ووفْدِه حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ، فقال: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155]، وفيهم مَن قد كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ اطَّلَعَ على ما أُشْرِبَ قلبُه من حُبِّ العجلِ وإيمانِه به؛ فلذلك رجَفَت بهم الأرضُ. فقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] إلى: {فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]، فقال: رَبِّ سألْتُك التَّوبةَ لقومي، فقلْتَ: إنَّ رحمتي كتبْتُها لقومٍ غيرِ قومي، فليتَكَ أخَّرْتَني حين تُخْرِجُني حيًّا في أُمَّةِ ذلك الرَّجلِ المرحومةِ، فقال اللهُ له: إنَّ توبتَهم أنْ يقتُلَ كلُّ رجُلٍ منهم مَن لقِيَ مِن والدٍ أو ولدٍ، فيقتُلَه بالسَّيفِ لا يُبَالي مَن قتَلَ في ذلك الموطنِ، وتاب أولئك الَّذين كان خفِيَ على موسى وهارونَ عليهما السلام ما اطَّلَعُ اللهُ عليهم من ذُنوبِهم، فاعتَرَفوا بها، وفعَلوا ما أُمِروا، وغفَرَ اللهُ للقاتِلِ والمقتولِ. ثمَّ سار بهم مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ الأرضِ المُقدَّسةِ، وأخَذَ الألواحَ بعدما سكَتَ عنه الغضبُ، وأمَرَهم بالَّذي أُمِرَ به أنْ يُبَلِّغَهم من الوظائفِ، فثقُلَ ذلك عليهم، وأبَوا أنْ يُقِرُّوا بها، فنتَقَ اللهُ عليهم الجبلَ كأنَّه ظُلَّةٌ، ودنا منهم حتَّى خافوا أنْ يقَعَ عليهم، فأخَذُوا الكتابَ بأيمانِهم وهم يَصْغُون ينظُرونَ إلى الجبلِ والأرضِ، والكتابُ بأيديهم وهم يَنظُرونَ إلى الجبلِ؛ مخافةَ أنْ يقَعَ عليهم، ثمَّ مَضَوا إلى الأرضِ المُقدَّسةِ، فوَجَدوا مدينةَ قومٍ جبَّارينَ خَلْقُهم مُنْكرٌ، وذكَرَ من ثِمارِهم أمرًا عجَبًا من عِظَمِها، فقالوا: يا موسى، إنَّ فيها قومًا جبَّارينَ لا طاقةَ لنا بهم، ولا ندخُلُها ما داموا فيها، فإنْ يَخْرجوا منها فإنَّا داخِلونَ، قال رجُلانِ من الَّذين يَخافونَ مِن الجبَّارينَ: آمنَّا بمُوسى عليه السَّلامُ، فخرَجَا إليه، فقالا: نحنُ أعلَمُ بقومِنا، إنْ كنتُمْ إنَّما تَخافونَ ما رأيتُمْ من أجسامِهم وعدَدِهم، فإنَّهم لا قُلوبَ لهم، ولا مَنعةَ عندهم، فادْخُلوا عليهم البابَ، فإذا دخلْتُموه فإنَّكم غالِبونَ. ويقولُ أناسٌ: إنَّهما من قومِ مُوسى عليه السَّلامُ. وزعَمَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ أنَّهما من الجبَّارينَ آمَنَا بمُوسى، بقولِه: {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} [المائدة: 23]: إنَّما عَنى بذلك: مِن الَّذين يَخافونَ بني إسرائيلَ. {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، فأغْضَبوا مُوسَى عليه السَّلامُ، فدعا عليهم، وسمَّاهم فاسقينَ، ولم يدْعُ عليهم قبلَ ذلك؛ لِمَا رأى منهم من المعصيةِ وإساءتِهم حتَّى كان يومئذٍ، فاستجابَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ له، فسمَّاهم كما سمَّاهم مُوسى عليه السَّلامُ فاسقينَ، فحرَّمَها عليهم أربعينَ سَنةً يَتِيهون في الأرضِ؛ يُصْبِحون كلَّ يومٍ، فيَسِيرونَ ليس لهم قرارٌ، ثمَّ ظلَّلَ عليهم الغمامَ في التِّيهِ، وأنزَلَ عليهم المَنَّ والسَّلوى، وجعَلَ لهم ثيابًا لا تَبْلى، ولا تتَّسِخُ، وجعَلَ بين ظَهرِهم حَجرًا مُربَّعًا، وأمَرَ مُوسى عليه السَّلامُ فضرَبَه بعصاهُ، فانفجَرَ منه اثنتا عشْرةَ عينًا، في كلِّ ناحيةٍ ثلاثةُ أعينٍ، وأعلَمَ كلَّ سِبْطٍ عينَهم الَّتي يَشْربون منها، فلا يَرْتحِلونَ من مَنزلٍ إلَّا وجدوا ذلك الحجرَ منهم بالمكانِ الَّذي كان منه أمسِ
قال ابنُ عمرَ لغلامِهِ نافعٍ لما رآهُ يصلِّي حاسِرًا : أرأيتَ لو خرجتَ إلى النَّاسِ ، كنتَ تخرجُ هكذا ؟ قال : لا . قال : فاللَّهُ أحقُّ مَن يُتجمَّلُ لهُ
حديثُ الإفكِ الطويلِ في قصةِ عائشةَ رضوانُ اللهِ عليها [يعني حديث: كانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بيْنَ نِسَائِهِ، فأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ معهُ . قالَتْ عَائِشَةُ: فأقْرَعَ بيْنَنَا في غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مع رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَذلكَ بَعْدَ ما أُنْزِلَ الحِجَابُ، فأنَا أُحْمَلُ في هَوْدَجِي، وَأُنْزَلُ فيه مَسِيرَنَا حتَّى إذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مِن غَزْوِهِ، وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بالرَّحِيلِ، فَمَشيتُ حتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ مِن شَأْنِي أَقْبَلْتُ إلى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدِي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ علَى بَعِيرِيَ الذي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ . قالَتْ: وَكَانَتِ النِّسَاءُ إذْ ذَاكَ خِفَافًا، لَمْ يُهَبَّلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إنَّما يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ ثِقَلَ الهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الجَمَلَ وَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ ما اسْتَمَرَّ الجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَليسَ بهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الذي كُنْتُ فِيهِ، وَظَنَنْتُ أنَّ القَوْمَ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إلَيَّ، فَبيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ في مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكانَ صَفْوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قدْ عَرَّسَ مِن وَرَاءِ الجَيْشِ فَادَّلَجَ، فأصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إنْسَانٍ نَائِمٍ، فأتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَقَدْ كانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الحِجَابُ عَلَيَّ، فَاسْتَيْقَظْتُ باسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بجِلْبَابِي، وَوَاللَّهِ ما يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعْتُ منه كَلِمَةً غيرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ علَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بيَ الرَّاحِلَةَ، حتَّى أَتَيْنَا الجَيْشَ، بَعْدَ ما نَزَلُوا مُوغِرِينَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَن هَلَكَ في شَأْنِي، وَكانَ الذي تَوَلَّى كِبْرَهُ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ، حِينَ قَدِمْنَا المَدِينَةَ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ في قَوْلِ أَهْلِ الإفْكِ، وَلَا أَشْعُرُ بشيءٍ مِن ذلكَ، وَهو يَرِيبُنِي في وَجَعِي أَنِّي لا أَعْرِفُ مِن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ اللُّطْفَ، الذي كُنْتُ أَرَى منه حِينَ أَشْتَكِي، إنَّما يَدْخُلُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يقولُ: كيفَ تِيكُمْ؟ فَذَاكَ يَرِيبُنِي، وَلَا أَشْعُرُ بالشَّرِّ، حتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ ما نَقَهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ، وَهو مُتَبَرَّزُنَا، وَلَا نَخْرُجُ إلَّا لَيْلًا إلى لَيْلٍ وَذلكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِن بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنَزُّهِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهي بنْتُ أَبِي رُهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بنِ عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابنُهَا مِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ، فأقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي، حِينَ فَرَغْنَا مِن شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِهَا، فَقالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلتُ لَهَا: بئْسَ ما قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قدْ شَهِدَ بَدْرًا، قالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ، أَوْ لَمْ تَسْمَعِي ما قالَ؟ قُلتُ: وَمَاذَا قالَ؟ قالَتْ: فأخْبَرَتْنِي بقَوْلِ أَهْلِ الإفْكِ فَازْدَدْتُ مَرَضًا إلى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إلى بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قالَ: كيفَ تِيكُمْ؟ قُلتُ: أَتَأْذَنُ لي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهِمَا، فأذِنَ لي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلتُ لِأُمِّي: يا أُمَّتَاهْ ما يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقالَتْ: يا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَوَاللَّهِ لَقَلَّما كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ، إلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قالَتْ قُلتُ: سُبْحَانَ اللهِ وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ قالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلكَ اللَّيْلَةَ حتَّى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ، يَسْتَشِيرُهُما في فِرَاقِ أَهْلِهِ، قالَتْ فأمَّا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ فأشَارَ علَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بالَّذِي يَعْلَمُ مِن بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ في نَفْسِهِ لهمْ مِنَ الوُدِّ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، هُمْ أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وإنْ تَسْأَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، قالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ فَقالَ: أَيْ بَرِيرَةُ هلْ رَأَيْتِ مِن شيءٍ يَرِيبُكِ مِن عَائِشَةَ؟ قالَتْ له بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ إنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا، أَكْثَرَ مِن أنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عن عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، قالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ علَى المِنْبَرِ، فَاسْتَعْذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، قالَتْ: فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَهو علَى المِنْبَرِ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مَن يَعْذِرُنِي مِن رَجُلٍ قدْ بَلَغَ أَذَاهُ في أَهْلِ بَيْتي فَوَاللَّهِ ما عَلِمْتُ علَى أَهْلِي إلَّا خَيْرًا، وَلقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عليه إلَّا خَيْرًا، وَما كانَ يَدْخُلُ علَى أَهْلِي إلَّا مَعِي فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ الأنْصَارِيُّ، فَقالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ منه، يا رَسُولَ اللهِ، إنْ كانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ وإنْ كانَ مِن إخْوَانِنَا الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وَهو سَيِّدُ الخَزْرَجِ، وَكانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الحَمِيَّةُ، فَقالَ لِسَعْدِ بنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ علَى قَتْلِهِ فَقَامَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، وَهو ابنُ عَمِّ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ، فَقالَ لِسَعْدِ بنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فإنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ فَثَارَ الحَيَّانِ الأوْسُ وَالْخَزْرَجُ حتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، قَائِمٌ علَى المِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قالَتْ: وَبَكَيْتُ يَومِي ذلكَ لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بنَوْمٍ، ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتي المُقْبِلَةَ لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بنَوْمٍ وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فَبيْنَما هُما جَالِسَانِ عِندِي وَأَنَا أَبْكِي اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأنْصَارِ، فأذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي، قالَتْ: فَبيْنَا نَحْنُ علَى ذلكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِندِي مُنْذُ قيلَ لي ما قيلَ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لا يُوحَى إلَيْهِ في شَأْنِي بشيءٍ، قالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قالَ: أَمَّا بَعْدُ يا عَائِشَةُ، فإنَّه قدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وإنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إلَيْهِ، فإنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بذَنْبٍ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عليه قالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، مَقالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حتَّى ما أُحِسُّ منه قَطْرَةً، فَقُلتُ لأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فِيما قالَ فَقالَ: وَاللَّهِ ما أَدْرِي ما أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فَقُلتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَتْ: وَاللَّهِ ما أَدْرِي ما أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقُلتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ إنِّي وَاللَّهِ لقَدْ عَرَفْتُ أنَّكُمْ قدْ سَمِعْتُمْ بهذا حتَّى اسْتَقَرَّ في نُفُوسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ به، فإنْ قُلتُ لَكُمْ إنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لا تُصَدِّقُونِي بذلكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُونَنِي وإنِّي، وَاللَّهِ ما أَجِدُ لي وَلَكُمْ مَثَلًا إلَّا كما قالَ أَبُو يُوسُفَ {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ علَى ما تَصِفُونَ} . قالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ علَى فِرَاشِي، قالَتْ: وَأَنَا، وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي ببَرَاءَتِي، وَلَكِنْ، وَاللَّهِ ما كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ في شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى، وَلَشَأْنِي كانَ أَحْقَرَ في نَفْسِي مِن أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ بأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بهَا، قالَتْ: فَوَاللَّهِ ما رَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ مِن أَهْلِ البَيْتِ أَحَدٌ حتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ علَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فأخَذَهُ ما كانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ عِنْدَ الوَحْيِ، حتَّى إنَّه لَيَتَحَدَّرُ منه مِثْلُ الجُمَانِ مِنَ العَرَقِ، في اليَومِ الشَّاتِ، مِن ثِقَلِ القَوْلِ الذي أُنْزِلَ عليه، قالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَهو يَضْحَكُ، فَكانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بهَا أَنْ قالَ: أَبْشِرِي يا عَائِشَةُ أَمَّا اللَّهُ فقَدْ بَرَّأَكِ فَقالَتْ لي أُمِّي: قُومِي إلَيْهِ، فَقُلتُ: وَاللَّهِ لا أَقُومُ إلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إلَّا اللَّهَ، هو الذي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، قالَتْ: فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُم} عَشْرَ آيَاتٍ فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ بَرَاءَتِي، قالَتْ: فَقالَ أَبُو بَكْرٍ وَكانَ يُنْفِقُ علَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ منه وَفَقْرِهِ: وَاللَّهِ لا أُنْفِقُ عليه شيئًا أَبَدًا بَعْدَ الذي قالَ لِعَائِشَةَ فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا يَأْتَلِ أُولو الفَضْلِ مِنكُم وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى} إلى قَوْلِهِ: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} . قالَ حِبَّانُ بنُ مُوسَى: قالَ عبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ: هذِه أَرْجَى آيَةٍ في كِتَابِ اللَّهِ . فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ إنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إلى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتي كانَ يُنْفِقُ عليه، وَقالَ: لا أَنْزِعُهَا منه أَبَدًا . قالَتْ عَائِشَةُ: وَكانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ سَأَلَ زَيْنَبَ بنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عن أَمْرِي ما عَلِمْتِ؟ أَوْ ما رَأَيْتِ؟ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ ما عَلِمْتُ إلَّا خَيْرًا . قالَتْ عَائِشَةُ: وَهي الَّتي كَانَتْ تُسَامِينِي مِن أَزْوَاجِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بالوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ . قالَ الزُّهْرِيُّ: فَهذا ما انْتَهَى إلَيْنَا مِن أَمْرِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ . وقالَ في حَديثِ يُونُسَ: احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ .]
قصةُ إسلامِ سلمانَ [يعني حديث: عن عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، قال: حدَّثَني سَلْمانُ الفارِسيُّ حَديثَه مِن فيه، قال: كُنتُ رَجُلًا فارسِيًّا مِن أهْلِ أصْبَهانَ مِن أهْلِ قَرْيةٍ منها يُقالُ لها جَيُّ، وكان أبي دِهْقانَ قَرْيَتِه، وكُنتُ أحَبَّ خَلقِ اللهِ إليه، فلم يَزَلْ به حُبُّه إيَّايَ حتى حَبَسَني في بَيتِه كما تُحبَسُ الجاريةُ، واجتَهَدْتُ في المَجوسيَّةِ حتى كُنتُ قَطِنَ النارِ الذي يُوقِدُها لا يَترُكُها تَخْبو ساعةً، قال: وكانَتْ لأبي ضَيْعةٌ عَظيمةٌ، قال: فشُغِلَ في بُنْيانٍ له يَومًا، فقال لي: يا بُنَيَّ، إنِّي قد شُغِلْتُ في بُنْيانٍ هذا اليومَ عن ضَيْعَتي، فاذْهَبْ فاطَّلِعْها، وأمَرَني فيها ببَعْضِ ما يُريدُ، فخَرَجْتُ أُريدُ ضَيْعَتَه، فمَرَرْتُ بكَنيسةٍ مِن كَنائِسِ النَّصارى، فسَمِعتُ أصْواتَهُم فيها وهُم يُصَلُّون، وكُنتُ لا أدْري ما أمْرُ الناسِ لِحَبْسِ أبي إيَّايَ في بَيتِه، فلمَّا مَرَرتُ بهِم، وسَمِعتُ أصْواتَهم، دَخَلتُ عليهم أنظُرُ ما يَصنَعون، قال: فلمَّا رَأيتُهُم أعْجَبَني صَلاتُهُم، ورَغِبتُ في أمْرِهِم، وقُلتُ: هذا -واللهِ- خَيرٌ مِن الدِّينِ الذي نَحنُ عليه، فواللهِ ما تَرَكْتُهم حتى غَرَبَتِ الشمسُ، وتَرَكْتُ ضَيْعةَ أبي ولم آتِها، فقُلتُ لهُم: أين أصْلُ هذا الدِّينِ؟ قالوا: بالشَّامِ قال: ثُمَّ رَجَعتُ إلى أبي، وقد بَعَثَ في طَلَبي وشَغَلْتُه عن عَمَلِه كلِّه، قال: فلمَّا جِئْتُه، قال: أيْ بُنَيَّ، أين كُنتَ؟ ألم أكُنْ عَهِدتُ إليكَ ما عَهِدتُ؟ قال: قلتُ: يا أبَتِ، مَرَرتُ بناسٍ يُصَلُّون في كَنيسةٍ لهُم فأعْجَبَني ما رَأيتُ مِن دِينِهِم، فواللهِ ما زِلتُ عِندَهُم حتى غَرَبَتِ الشمسُ، قال: أيْ بُنَيَّ، ليس في ذلك الدِّينِ خَيرٌ، دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ خَيرٌ منه! قال: قلتُ: كلَّا واللهِ إنَّه لخَيرٌ مِن دِينِنا، قال: فخافَني، فجَعَلَ في رِجْلي قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَني في بَيتِه، قال: وبَعَثتُ إلى النَّصارى فقُلتُ لهم: إذا قَدِمَ عليكم رَكْبٌ مِن الشَّامِ تُجَّارٌ مِن النَّصارى فأخْبِروني بهم، قال: فقَدِمَ عليهم رَكْبٌ مِن الشَّامِ تُجَّارٌ مِن النَّصارى، قال: فأخْبَروني بهم، قال: فقُلتُ لهُم: إذا قَضَوْا حَوائِجَهُم وأرادوا الرَّجْعةَ إلى بِلادِهِم فآذَنوني بهِم، قال: فلمَّا أرادوا الرَّجْعةَ إلى بِلادِهم أخْبَروني بهم، فألْقَيتُ الحَديدَ مِن رِجْلي، ثُمَّ خَرَجتُ معهم حتى قَدِمتُ الشَّامَ، فلمَّا قَدِمتُها، قُلتُ: مَن أفْضَلُ أهْلِ هذا الدِّينِ؟ قالوا: الأُسْقُفُّ في الكَنيسةِ، قال: فجِئْتُه، فقُلتُ: إنِّي قد رَغِبتُ في هذا الدِّينِ، وأحْبَبتُ أنْ أكونَ معَكَ أخْدِمُكَ في كَنيسَتِكَ، وأتَعَلَّمُ منكَ وأُصَلِّي معَكَ، قال: فادْخُلْ فدَخَلتُ معَه، قال: فكان رَجُلَ سُوءٍ؛ يَأمُرُهم بالصَّدَقةِ ويُرَغِّبُهم فيها، فإذا جَمَعوا إليه منها أشْياءَ، اكْتَنَزَه لنَفْسِه، ولم يُعْطِه المَساكينَ، حتى جَمَعَ سَبعَ قِلالٍ مِن ذَهَبٍ ووَرِقٍ، قال: وأبغَضْتُه بُغْضًا شَديدًا لِما رَأيتُه يَصنَعُ، ثُمَّ ماتَ، فاجتَمَعَتْ إليه النَّصارى لِيَدْفِنوه، فقُلتُ لهم: إنَّ هذا كان رَجُلَ سُوءٍ؛ يَأمُرُكم بالصَّدَقةِ ويُرَغِّبُكُم فيها، فإذا جِئْتُموه بها اكْتَنَزَها لنَفْسِه، ولم يُعْطِ المَساكينَ منها شَيئًا، قالوا: وما عِلْمُكَ بذلك؟ قال: قلتُ أنا أدُلُّكُم على كَنْزِه، قالوا: فدُلَّنا عليه، قال: فأرَيتُهُم مَوضِعَه، قال: فاسْتَخْرَجوا منه سَبْعَ قِلالٍ مَمْلوءةً ذَهَبًا ووَرِقًا، قال: فلمَّا رَأوْها قالوا: واللهِ لا نَدْفِنُه أبَدًا فصَلَبوه، ثُمَّ رَجَموه بالحِجارةِ، ثُمَّ جاؤوا برَجُلٍ آخَرَ، فجَعَلوه بمَكانِه، قال: يَقولُ سَلْمانُ: فما رَأيتُ رَجُلًا لا يُصلِّي الخَمْسَ، أرى أنَّه أفْضَلُ منه، أزْهَدُ في الدُّنْيا، ولا أرْغَبُ في الآخِرةِ، ولا أدْأبُ ليلًا ونَهارًا منه، قال: فأحبَبْتُه حُبًّا لم أُحِبَّه مَن قَبْلَه، فأقَمْتُ معَه زَمانًا، ثُمَّ حَضَرَتْه الوَفاةُ، فقُلتُ له: يا فُلانُ، إنِّي كُنتُ معَكَ وأحْبَبْتُكَ حُبًّا لم أُحِبَّه مَن قَبْلَكَ، وقد حَضَرَكَ ما تَرى مِن أمْرِ اللهِ، فإلى مَن تُوصي بي، وما تَأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعْلَمُ أحَدًا اليومَ على ما كُنتُ عليه، لقد هَلَكَ الناسُ وبَدَّلوا وتَرَكوا أكثَرَ ما كانوا عليه، إلَّا رَجُلًا بالمَوْصِلِ، وهو فُلانٌ، فهو على ما كُنتُ عليه، فالْحَقْ به، قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ، لَحِقتُ بصاحِبِ المَوْصِلِ فقُلتُ له: يا فُلانُ، إنَّ فُلانًا أوْصاني عِندَ مَوتِه أنْ ألْحَقَ بكَ، وأخْبَرَني أنَّكَ على أمْرِه، قال: فقال لي: أقِمْ عِندي فأقَمتُ عِندَه، فوَجَدْتُه خَيرَ رَجُلٍ على أمْرِ صاحِبِه، فلم يَلبَثْ أنْ ماتَ، فلمَّا حَضَرَتْه الوَفاةُ، قُلتُ له: يا فُلانُ، إنَّ فُلانًا أوْصى بي إليكَ، وأمَرَني باللُّحوقِ بكَ، وقد حَضَرَكَ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ ما تَرى، فإلى مَن تُوصي بي، وما تَأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعْلَمُ رَجُلًا على مِثْلِ ما كُنَّا عليه إلَّا بِنَصِيبينَ، وهو فُلانٌ، فالْحَقْ به، قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ لَحِقتُ بصاحِبِ نَصِيبينَ، فجِئْتُه فأخبَرْتُه خَبَري، وما أمَرَني به صاحِبي، قال: فأقِمْ عِندي، فأقَمْتُ عِندَه، فوَجَدْتُه على أمْرِ صاحِبَيْه، فأقَمْتُ مع خَيرِ رَجُلٍ، فواللهِ ما لَبِثَ أنْ نَزَلَ به الموتُ، فلمَّا حَضَرَ، قُلتُ له: يا فُلانُ، إنَّ فُلانًا كان أوْصى بي إلى فُلانٍ، ثُمَّ أوْصى بي فُلانٌ إليكَ، فإلى مَن تُوصي بي، وما تَأمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما نَعلَمُ أحَدًا بَقِيَ على أمْرِنا آمُرُكَ أنْ تَأتيَه إلَّا رَجُلًا بِعَمُّوريَّةَ؛ فإنَّه على مِثْلِ ما نَحنُ عليه، فإنْ أحْبَبْتَ فأْتِه، قال: فإنَّه على أمْرِنا، قال: فلمَّا ماتَ وغُيِّبَ لَحِقتُ بصاحِبِ عَمُّوريَّةَ، وأخْبَرْتُه خَبَري، فقال: أقِمْ عِندي، فأقَمْتُ مع رَجُلٍ على هَدْيِ أصحابِه وأمْرِهِم، قال: واكتَسَبْتُ حتى كان لي بَقَراتٌ وغُنَيْمةٌ، قال: ثُمَّ نَزَلَ به أمْرُ اللهِ، فلمَّا حُضِرَ قُلتُ له: يا فُلانُ، إنِّي كُنتُ مع فُلانٍ، فأوْصى بي فُلانٌ إلى فُلانٍ، وأوْصى بي فُلانٌ إلى فُلانٍ، ثُمَّ أوْصى بي فُلانٌ إليكَ، فإلى مَن تُوصي بي، وما تأْمُرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعْلَمُه أصْبَحَ على ما كُنَّا عليه أحَدٌ مِن الناسِ آمُرُكَ أنْ تَأتيَه، ولكنَّه قد أظَلَّكَ زَمانُ نَبيٍّ هو مَبْعوثٌ بدِينِ إبْراهيمَ يَخرُجُ بأرْضِ العَرَبِ، مُهاجِرًا إلى أرضٍ بَينَ حرَّتَينِ بَينَهُما نَخْلٌ، به عَلاماتٌ لا تَخْفى: يَأكُلُ الهَديَّةَ ولا يَأكُلُ الصَّدَقةَ، بَينَ كَتِفَيْه خاتَمُ النُّبوَّةِ، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَلحَقَ بتلك البِلادِ فافْعَلْ، قال: ثُمَّ ماتَ وغُيِّبَ، فمَكَثْتُ بِعَمُّوريَّةَ ما شاءَ اللهُ أنْ أمكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بي نَفَرٌ مِن كَلْبٍ تُجَّارًا، فقُلتُ لهُم: تَحمِلوني إلى أرضِ العَرَبِ، وأُعْطيكُم بَقَراتي هذه وغُنَيْمَتي هذه؟ قالوا: نَعَمْ، فأعطَيْتُهُموها وحَمَلوني، حتى إذا قَدِموا بي واديَ القُرى ظَلَموني فباعوني مِن رَجُلٍ مِن يَهودَ عَبدًا، فكُنتُ عِندَه، ورَأيتُ النَّخلَ، ورَجَوْتُ أنْ تكونَ البَلَدَ الذي وَصَفَ لي صاحِبي، ولم يَحِقْ لي في نَفْسي، فبَينَما أنا عِندَه، قَدِمَ عليه ابنُ عَمٍّ له مِن المَدينةِ مِن بَني قُرَيْظةَ فابْتاعَني منه، فاحْتَمَلَني إلى المَدينةِ، فواللهِ ما هو إلَّا أنْ رَأيْتُها فعَرَفْتُها بصِفةِ صاحِبي، فأقَمْتُ بها وبَعَثَ اللهُ رسولَه، فأقامَ بمكَّةَ ما أقامَ لا أسْمَعُ له بذِكْرٍ مع ما أنا فيه مِن شُغْلِ الرِّقِّ، ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدينةِ، فواللهِ إنِّي لَفي رَأسِ عَذْقٍ لسَيِّدي أعْمَلُ فيه بَعضَ العَمَلِ، وسَيِّدي جالِسٌ، إذْ أقبَلَ ابنُ عَمٍّ له حتى وَقَفَ عليه، فقال: فُلانُ، قاتَلَ اللهُ بَني قَيْلةَ، واللهِ إنَّهم الآنَ لَمُجتَمِعون بقُباءٍ على رَجُلٍ قَدِمَ عليهم مِن مكَّةَ اليومَ، يَزْعُمون أنَّه نَبيٌّ، قال: فلمَّا سَمِعْتُها أخَذَتْني العُرَواءُ، حتى ظَنَنتُ سأسْقُطُ على سيِّدي، قال: ونَزَلَتْ عن النَّخلةِ، فجَعَلتُ أقولُ لابنِ عمِّهِ ذلك: ماذا تقولُ؟ ماذا تقولُ؟ قال: فغَضِبَ سيِّدي فلَكَمَني لَكْمةً شَديدةً، ثُمَّ قال: ما لكَ ولهذا، أقْبِلْ على عَمَلِكَ، قال: قُلتُ: لا شَيءَ، إنَّما أرَدْتُ أنْ أسْتَثْبِتْه عمَّا قال، وقد كان عِندي شَيءٌ قد جَمَعْتُه، فلمَّا أمْسَيتُ أخَذْتُه ثُمَّ ذَهَبتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وهو بقُباءٍ، فدَخَلتُ عليه، فقُلتُ له: إنَّه قد بَلَغَني أنَّكَ رَجُلٌ صالِحٌ، ومعَكَ أصحابٌ لكَ غُرَباءُ ذَوو حاجَةٍ، وهذا شَيءٌ كان عِندي للصَّدَقةِ، فرَأيْتُكُم أحَقَّ به مِن غَيرِكُم، قال: فقَرَّبتُه إليه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لِأصحابِه: كُلوا، وأمْسَكَ يَدَه فلم يَأكُلْ، قال: فقُلتُ في نفْسي: هذه واحِدةٌ، ثُمَّ انصَرَفتُ عنه فجَمَعتُ شَيئًا، وتَحَوَّلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ إلى المَدينةِ، ثُمَّ جِئْتُه به، فقُلتُ: إنِّي رَأيتُكَ لا تَأكُلُ الصَّدَقةَ، وهذه هَديَّةٌ أكرَمْتُكَ بها، قال: فأكَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ منها، وأمَرَ أصحابَه فأكَلوا معَه، قال: فقُلتُ في نَفْسي: هاتانِ اثْنَتانِ، قال: ثُمَّ جِئتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وهو ببَقيعِ الغَرْقَدِ، قال: وقد تَبِعَ جِنازةً مِن أصحابِه، عليه شَمْلَتانِ له، وهو جالِسٌ في أصحابِه، فسَلَّمتُ عليه، ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أنظُرُ إلى ظَهْرِه، هل أرَى الخاتَمَ الذي وَصَفَ لي صاحِبي؟ فلمَّا رَآني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ استَدْبَرْتُه، عَرَفَ أنِّي أسْتَثْبِتُ في شَيءٍ وُصِفَ لي، قال: فألْقى رِداءَه عن ظَهْرِه، فنَظَرْتُ إلى الخاتَمِ فعَرَفْتُه، فانْكَبَبْتُ عليه أُقَبِّلُه وأبْكي، فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: تَحَوَّلْ، فتَحَوَّلتُ، فقَصَصْتُ عليه حَديثي كما حَدَّثتُكَ يا ابنَ عبَّاسٍ، قال: فأُعجِبَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ أنْ يَسمَعَ ذلك أصحابُه، ثُمَّ شَغَلَ سَلْمانَ الرِّقُّ حتى فاتَه مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بَدْرٌ، وأُحُدٌ، قال: ثُمَّ قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: كاتِبْ يا سَلْمانُ، فكاتَبْتُ صاحِبي على ثَلاثِ مِئةِ نَخلةٍ، أُحْييها له بالفَقيرِ، وبأرْبَعينَ أُوقيَّةً، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لِأصحابِه: أعِينوا أخاكُم، فأعانوني بالنَّخلِ: الرَّجُلُ بثَلاثينَ وَدِيَّةً، والرَّجُلُ بعِشْرينَ، والرَّجُلُ بخَمْسَ عَشْرةَ، والرَّجُلُ بعَشْرٍ؛ يَعْني: الرَّجُلُ بقَدْرِ ما عِندَه، حتى اجتَمَعَتْ لي ثلاثُ مِئةِ وَدِيَّةٍ، فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: اذْهَبْ يا سَلْمانُ ففَقِّرْ لها، فإذا فَرَغْتُ فأْتِني أكونُ أنا أضَعُها بِيَدي، قال: ففَقَّرتُ لها، وأعانَني أصْحابي، حتى إذا فَرَغتُ منها جِئْتُه فأخبَرْتُه، فخَرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ معي إليها، فجَعَلْنا نُقَرِّبُ له الوَديَّ ويَضَعُه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بِيَدِه، فوالذي نَفْسُ سَلْمانَ بِيَدِه، ما ماتَتْ منها وَدِيَّةٌ واحِدةٌ، فأدَّيتُ النَّخلَ، وبَقِيَ علَيَّ المالُ، فأُتِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بمِثْلِ بَيْضةِ الدَّجاجةِ مِن ذَهَبٍ مِن بَعضِ المَغازي، فقال: ما فَعَلَ الفارِسيُّ المُكاتَبُ؟ قال: فدُعِيتُ له، فقال: خُذْ هذه فأدِّ بها ما عليكَ يا سَلْمانُ، فقُلتُ: وأين تَقَعُ هذه يا رسولَ اللهِ ممَّا علَيَّ؟ قال: خُذْها؛ فإنَّ اللهَ سيُؤَدِّي بها عنكَ، قال: فأخَذْتُها فوَزَنْتُ لهُم منها، والذي نَفْسُ سلَمْانَ بِيَدِه، أربَعينَ أُوقِيَّةً، فأوْفَيْتُهم حَقَّهُم، وعَتَقْتُ! فشَهِدتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ الخَندَقَ، ثُمَّ لم يَفُتْني معَه مَشهَدٌ.]
عن عائشةَ زوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ قال لها أهلُ الإفكِ ما قالوا فبرَّأها اللهُ منه قال الزُّهريُّ : وكلُّهم حدَّثني طائفةً مِن حديثِها وبعضُهم أوعى مِن بعضٍ وأثبَتُ له اقتصاصًا وقد وعَيْتُ عن كلِّ واحدٍ منهم الحديثَ الَّذي حدَّثني عن عائشةَ وبعضُ حديثِهم يُصدِّقُ بعضًا زعَموا أنَّ عائشةَ رضِي اللهُ عنها قالت : كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أنْ يخرُجَ سفَرًا أقرَع بَيْنَ أزواجِه فأيَّتُهنَّ خرَج سهمُها خرَج بها معه فأقرَع بَيْنَنا في غَزاةٍ غزاها فخرَج سهمي فخرَجْتُ معه بعدَما أُنزِل الحجابُ وأنا أُحمَلُ في هَوْدجي وأنزِلُ فيه فسِرْنا حتَّى إذا فرَغ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غزوتِه تلك قفَل ودنَوْنا مِن المدينةِ فآذَن ليلةً بالرَّحيلِ فقُمْتُ فمشَيْتُ حتَّى جاوَزْتُ الجيشَ فلمَّا قضَيْتُ شأني أقبَلْتُ إلى الرَّحْلِ فلمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ أظفارٍ قدِ انقطَع فرجَعْتُ فالتمَسْتُ عِقدي فحبَسني ابتغاؤُه فأقبَل الَّذينَ يرحَلونَ بي فاحتمَلوا هَوْدجي فرحَلوه على بعيري الَّذي كُنْتُ أركَبُ وهم يحسَبونَ أنِّي فيه وكان النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافًا لَمْ يثقُلْنَ ولَمْ يغشَهنَّ اللَّحمُ وإنَّما يأكُلْنَ العُلقةَ مِن الطَّعامِ فلَمْ يستنكِرِ القومُ حينَ رفَعوه ثِقَلَ الهَوْدجِ فاحتمَلوه وكُنْتُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ فبعَثوا الجمَلَ وساروا فوجَدْتُ عِقدي بعدَما استمرَّ الجيشُ فجِئْتُ منزِلَهم وليس فيه أحَدٌ فأقمَتْ منزِلي الَّذي كُنْتُ به وظنَنْتُ أنَّهم سيفقِدوني فيرجِعونَ إلَيَّ فبَيْنا أنا جالسةٌ غلَبَتْني عينايَ فنِمْتُ وكان صفوانُ بنُ المعطَّلِ السُّلَميُّ ثمَّ الذَّكوانيُّ مِن وراءِ الجيشِ فأصبَح عندَ منزلي فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ وكان يراني قبْلَ الحجابِ فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفني فخمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي واللهِ ما تكلَّمْتُ بكلمةٍ ولا سمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه حتَّى أناخ راحلتَه فوطِئ يدَها فركِبْتُها فانطلَق يقودُ بي الرَّاحلةَ حتَّى أتَيْنا الجيشَ بعدَما نزَلوا معرِّسينَ في نحرِ الظَّهيرةِ فهلَك مَن هلَك وكان الَّذي تولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولٍ فقدِمْنا المدينةَ فاشتكَيْتُ بها شهرًا والنَّاسُ يُفيضونَ في قولِ أصحابِ الإفكِ ويَريبني في وجَعي أنِّي لا أرى مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللُّطْفَ الَّذي كُنْتُ أرى منه حينَ أمرَضُ إنَّما يدخُلُ فيُسلِّمُ ثمَّ يقولُ : ( كيفَ تِيكُمْ ) ؟ ولا أشعُرُ بشيءٍ مِن ذلك حتَّى نقِهْتُ فخرَجْتُ أنا وأمُّ مِسطَحٍ بنتُ أبي رُهْمٍ قِبَلَ المَناصِعِ وكان مُتبرَّزَنا لا نخرُجُ إلَّا ليلًا إلى ليلٍ وذلكَ قبْلَ أنْ نتَّخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا وأمرُنا أمرُ العرَبِ الأُوَلِ في البَرِّيَّةِ أو في التَّبرُّزِ فأقبَلْتُ أنا وأمُّ مِسطَحٍ بنتُ أبي رُهْمٍ نمشي فعثَرَتْ في مِرْطِها فقالت : تعِس مِسطَحٌ فقُلْتُ : بِئس ما قُلْتِ أتسُبُّينَ رجُلًا شهِد بدرًا ؟ فقالت : يا هَنْتاه ألَمْ تسمَعي ما قالوا ؟ فأخبَرَتْني بما يقولُ أهلُ الإفكِ فازدَدْتُ مرَضًا على مرضٍ فلمَّا رجَعْتُ إلى بيتي دخَل علَيَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال : ( كيف تِيكم ) ؟ فقُلْتُ : ائذَنْ لي آتي أبويَّ قالت : وأنا حينَئذٍ أُريدُ أنْ أستيقِنَ الخبَرَ مِن قِبَلِهما فأذِن لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتَيْتُ أبويَّ فقُلْتُ لِأُمِّي : ما يتحدَّثُ به النَّاسُ ؟ فقالت : يا بُنيَّةُ هوِّني على نفسِك الشَّأنَ فواللهِ لقلَّما كانتِ امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عندَ رجُلٍ يُحِبُّها ولها ضرائرُ إلَّا أكثَرْنَ عليها فقُلْتُ : سُبحانَ اللهِ لقد تحدَّث النَّاسُ بهذا ؟ قالت : نَعم فبِتُّ تلكَ اللَّيلةَ حتَّى أصبَحْتُ لا يرقَأُ لي دَمْعٌ ولا أكتحِلُ بنومٍ ثمَّ أصبَحْتُ فدعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علِيَّ بنَ أبي طالبٍ وأُسامةَ بنَ زيدٍ حينَ استَلْبَث الوحيُ يستشيرُهما في فِراقِ أهلِه فأمَّا أُسامةُ فأشار عليه بالَّذي يعلَمُ في نفسِه مِن الوُدِّ لهم فقال : أهلُك يا رسولَ اللهِ ولا نعلَمُ واللهِ إلَّا خيرًا وأمَّا علِيٌّ فقال : يا رسولَ اللهِ لَمْ يُضيِّقِ اللهُ عليكَ والنِّساءُ سواها كثيرٌ وسَلِ الجاريةَ تصدُقْكَ فدعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَريرةَ فقال : ( يا بَريرةُ هل رأَيْتِ فيها شيئًا ما يريبُكِ ) ؟ فقالت : لا والَّذي بعَثكَ بالحقِّ إنْ رأَيْتُ منها أمرًا أغمِصُه عليها أكثَرَ مِن أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ تنامُ عنِ العجينِ فتأتي الدَّاجنُ فتأكُلُه فقام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن يومِه فاستعذَر مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولٍ فقال : ( مَن يعذِرُني مِن رجُلٍ بلَغ أذاه في أهلي وواللهِ ما علِمْتُ على أهلي إلَّا خيرًا وقد ذكَروا رجُلًا ما علِمْتُ عليه إلَّا خيرًا وما كان يدخُلُ على أهلي إلَّا معي ) فقام سعدُ بنُ مُعاذٍ فقال : يا رسولَ اللهِ وأنا واللهِ أعذِرُك منه إنْ كان مِن الأوسِ ضرَبْنا عُنُقَه وإنْ كان مِن إخوانِنا مِن الخَزرجِ أمَرْتَنا ففعَلْنا فيه أمرَك فقام سعدُ بنُ عُبادةَ وكان قبْلَ ذلكَ رجُلًا صالِحًا ولكِنِ احتمَلَتْه الحَميَّةُ فقال : كذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لا تقتُلُه ولا تقدِرُ على ذلكَ فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ فقال كذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنقتُلَنَّه فإنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عنِ المُنافِقينَ فثار الحيَّانِ الأوسُ والخَزرجُ حتَّى همُّوا ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المِنبَرِ فجعَل يُخفِّضُهم حتَّى سكَتوا ومكَثْتُ يومي لا يرقَأُ لي دمعٌ ولا أكتحِلُ بنومٍ فأصبَح عندي أبواي وقد بكَيْتُ ليلتي ويومي حتَّى أظُنَّ أنَّ البكاءَ فالِقٌ كبِدي قالت : فبَيْنا هما جالسانِ عندي وأنا أبكي إذِ استأذَنَتِ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأذِنْتُ لها فجلَسَتْ تبكي معي فبَيْنا نحنُ كذلك إذ دخَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلَس ولَمْ يجلِسْ عندي مِن يومِ قيل لي ما قيل قبْلَها وقد مكَث شهرًا لا يُوحَى إليه في شأني شيءٌ قالت : فتشهَّد ثمَّ قال : ( يا عائشةُ أمَّا بعدُ فإنَّه قد بلَغني عنكِ كذا وكذا فإنْ كُنْتِ بريئةً فسيُبرِّئُكِ اللهُ وإنْ كُنْتِ ألمَمْتِ فاستغفِري اللهَ وتُوبي إليه فإنَّ العبدَ إذا اعترَف بذَنبِه ثمَّ تاب تاب اللهُ عليه ) فلمَّا قضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتَه قلَص دمعي حتَّى ما أُحِسُّ منه بقَطرةٍ وقُلْتُ لِأَبي : أجِبْ عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال : واللهِ ما أدري ما أقولُ لِرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ لِأمِّي : أجيبي عنِّي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال قالت : واللهِ ما أدري ما أقولُ لِرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت : وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أقرَأُ كثيرًا مِن القُرآنِ فقُلْتُ : إي واللهِ لقد علِمْتُ أنَّكم سمِعْتُم ما تحدَّث النَّاسُ ووقَر في أنفسِكم وصدَّقْتُم به ولئِنْ قُلْتُ لكم : إنِّي بريئةٌ واللهُ يعلَمُ أنِّي بريئةٌ ـ لا تُصدِّقوني بذلكَ وإنِ اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ـ واللهُ يعلَمُ أنِّي بريئةٌ ـ لَتُصدِّقُنِّي واللهِ ما أجِدُ لي ولكم مَثَلًا إلَّا أبا يوسُفَ إذ قال : {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] ثمَّ تحوَّلْتُ على فِراشي وأنا أرجو أنْ يُبرِّئَني اللهُ ولكِنْ واللهِ ما ظنَنْتُ أنْ ينزِلَ في شأني وحيٌ ولَأنا أحقَرُ في نفسي مِن أنْ يُتكلَّمَ بالقُرآنِ في أمري ولكنِّي كُنْتُ أرجو أنْ يرى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّومِ رؤيا تُبرِّئُني فواللهِ ما رام في مجلسِه ولا خرَج أحَدٌ مِن البيتِ حتَّى أُنزِل عليه فأخَذه ما كان يأخُذُه مِن البُّرَحاءِ حتَّى إنَّه لَينحدِرُ منه مِثلُ الجُمَانِ مِن العَرَقِ في يومٍ شاتٍ فلمَّا سُرِّي عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحَكُ فكان أوَّلَ كلمةٍ تكلَّم بها أنْ قال : ( يا عائشةُ احمَدي اللهَ فقد برَّأكِ اللهُ ) فقالت لي أُمِّي : قومي إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ : لا واللهِ لا أقومُ إليه ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ فأنزَل اللهُ تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور: 11] الآياتِ فلمَّا أنزَل اللهُ هذا في براءتي قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضِي اللهُ عنه وكان يُنفِقُ على مِسطَحٍ لقَرابتِه منه : واللهِ لا أُنفِقُ على مِسطَحٍ شيئًا أبدًا بعدَما قال لِعائشةَ فأنزَل اللهُ : {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} [النور: 22] إلى قولِه : {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] فقال أبو بكرٍ : واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أنْ يغفِرَ اللهُ لي فرجَع إلى مِسطَحٍ بالَّذي كان يُجري عليه وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سأَل زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري فقالت : يا رسولَ اللهِ [ أحمي ] سَمْعي وبصَري وكانت تُساميني فعصَمها اللهُ بالوَرَعِ
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
شهادة أن لا إله إلا اللهالنبي صلى الله عليه وسلمالرخصة للمريض والمسافرخلقه الذي خلق عليهلا تأكل من طعامناعهد الله وميثاقهلا يستحي من الحقصورة دحية الكلبيصفوان بن المعطلعبد الله بن أبيمن سلم على محمدمعاوية بن حديجالصادق المصدوقلا يأكل الصدقةسؤال عن الرؤيةلا نأكل الصدقةصلاح ذات البينعذاب في النارعذاب في القبرصلاة المسلمينعمر بن الخطابعيسى ابن مريمسلمان الفارسيثلاث مئة نخلةالحسن بن عليزينب بنت جحشرأى محمد ربهأرزاق مقسومةشقائق الرجالالمن والسلوىأربعين أوقيةخاتم النبوةيأكل الهديةبراءة عائشةآجال مضروبةأيام معدودةرؤيا الأذانيظهرنه اللهدحية الكلبيامرأة فرعونالمائدة 82آيات الإفكآية الحجابسورة النورعذاب النارعذاب القبرطول القنوتصور مختلفةالتجمل للهحديث الإفكرسول اللهالمنافقينالنور: 11رؤية اللهشهر رمضانتربت يداكآية الإفكبين حرتينأنى أراهأذى قريشلا تكذبنابن ملجموصية عليابن عباسالله أحقالمكاتبةاستعذارقتل عليالتواصلقرة عينالسامريابن عمرالمدينةأبو بكرالعباسالكفارسب عليقسيسينأبو ذرخنازيرالأذانالصياميقتلوهالهديةالخاتمالصلاةالمثلةالتقوىالمرأةالمنامالحجابالصدقةيستحيحاسراالحوضسلمانرهبانالإفكالوحيبريرة
تخريج حديث كنت أراه يستحي أن أراه حاسرا
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








