أحاديث عن: لم يعد ذلك شيئا
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: لم يعد ذلك شيئا
خطَبَنا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خُطبةً قبلَ وَفاتِه، وهي آخِرُ خُطبةٍ خطَبَها بالمدينةِ حتَّى لحِقَ باللهِ، فوعَظَنا فيها مَوعظةً ذرَفَتْ منها العُيونُ، ووَجِلَت منها القُلوبُ، واقشعَرَّتْ منها الجُلودُ، وتقلْقَلَتْ منها الأحشاءُ، أمَرَ بِلالًا فنادى: الصَّلاةُ جامعةٌ، قبلَ أنْ يتكلَّمَ، فاجتمَعَ النَّاسُ إليه، فارْتَقى المِنْبرَ، فقال: يا أيُّها النَّاسُ، ادْنُوا وأوسِعُوا لِمَن خلْفَكم، ثلاثَ مرَّاتٍ، فدنا النَّاسُ وانضَمَّ بعضُهم إلى بعضٍ، والْتَفتوا فلم يَرَوا أحدًا، ثمَّ قال: ادْنُوا وأوسِعوا لِمَن خلْفَكم، فدنا النَّاسُ وانضَمَّ بعضُهم لبعضٍ، والْتَفتوا فلم يَرَوا أحدًا. ثمَّ قال: ادْنُوا وأوسِعوا لِمَن خلْفَكم، فدَنَوا وانضَمَّ بعضُهم إلى بعضٍ، والْتَفتوا فلم يَرَوا أحدًا، فقام رجُلٌ فقال: لمَن نُوسِّعُ؛ للملائكةِ؟ قال: لا؛ إنَّهم إذا كانوا معكم لم يَكُونوا بين أيديكم ولا خلْفَكم، ولكنْ عن يَمينِكم وشَمائلِكم، فقال: ولِمَ لا يكونونَ بيْن أيدينا ولا خلْفَنا؟ أهمْ أفضَلُ منَّا؟ قال: بلْ أنتُمْ أفضلُ مِن الملائكةِ. اجلِسْ فجلَسَ. ثمَّ خطَبَ، فقال: الحمدُ للهِ، أحمَدُه، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونُؤْمِنُ به، ونَتوكَّلُ عليه، ونَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عبْدُه ورسولُه، ونعوذُ باللهِ مِن شُرورِ أنفُسِنا وسيِّئاتِ أعمالِنا. مَن يَهْدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هاديَ له. أيُّها النَّاسُ، إنَّه كائنٌ في هذه الأُمَّةِ ثلاثونَ كذَّابًا، أوَّلُهم صاحِبُ اليَمامةِ، وصاحبُ صَنعاءَ. أيُّها النَّاسُ، إنَّه مَن لقِيَ اللهَ وهو يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ مُخلِصًا؛ دخَلَ الجنَّةَ. فقام عليُّ بنُ أبي طالبٍ فقال: بأبي وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، كيف يُخلِصُ بها لا يَخلِطُ معها غيرَها؟ بيِّنْ لنا حتَّى نَعرِفَه. فقال: حِرصًا على الدُّنيا، وجمْعًا لها مِن غيرِ حِلِّها، ورضًا بها، وأقوامٌ يقولون أقاويلَ الأخيارِ، ويَعمَلون عمَلَ الفُجَّارِ، فمَن لقِيَ اللهَ وليس فيه شَيءٌ مِن هذه الخِصالِ بقولِه: لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ دخَلَ الجنَّةَ، ومَنِ اختارَ الدُّنيا على الآخرةِ فله النَّارُ، ومَن تَولَّى خُصومةَ قومٍ ظَلمةٍ، أو أعانَهم عليها؛ نزَلَ به مَلَكُ الموتِ يُبشِّرُه بلَعنةٍ ونارٍ خالدًا فيها، وبئْسَ المصيرُ، ومَن خَفَّ لِسُلطانٍ جائرٍ في حاجةٍ، فهو قَرينُه في النَّارِ، ومَن دَلَّ سُلطانًا على جَورٍ، قُرِنَ مع هامانَ في النَّارِ، وكان هو وذلك السُّلطانُ مِن أشدِّ النَّاسِ عَذابًا. ومَن عظَّمَ صاحبَ دُنْيا ومدَحَه طمَعًا في دُنياه، سَخِطَ اللهُ عليه، وكان في دَرجةِ قارونَ في أسفلِ جهنَّمَ. ومَن بنى بِناءً رِياءً وسُمعةً، حُمِّلَه يومَ القيامةِ مع سبْعِ أرضينَ، يُطَوَّقُه نارًا تُوقَدُ في عُنُقِه، ثمَّ يُرْمَى به في النَّارِ. فقيل: وكيف يَبْني بِناءً رِياءً وسُمعةً؟ فقال: يَبْني فضْلًا عمَّا يَكْفِيه، ويَبْنيه مُباهاةً. ومَن ظلَمَ أجيرًا أُجرةً حَبِطَ عمَلُه، وحُرِّمَ عليه رِيحُ الجنَّةِ، ورِيحُها يُوجَدُ مِن مسيرةِ خمسِ مئةِ عامٍ. ومَن خان جارَه شِبرًا مِن الأرضِ، طُوِّقَه يومَ القيامةِ إلى سبْعِ أرضينَ نارًا حتَّى تُدْخِلَه جهنَّمَ. ومَن تعلَّمَ القُرآنَ، ثمَّ نسِيَه مُتعمِّدًا، لقِيَ اللهَ مَجذومًا مَعلولًا، وسلَّطَ اللهُ عليه بكلِّ آيةٍ حيَّةً تَنهَشُه في النَّارِ. ومَن تعلَّمَ القُرآنَ، فلم يَعمَلْ به، وآثَرَ عليه حُطامَ الدُّنيا وزينَتَها؛ استوجَبَ سَخَطَ اللهِ، وكان في دَرجةِ اليهودِ والنَّصارى الَّذين نَبَذوا كِتابَ اللهِ وراءَ ظُهورِهم، واشْتَروا به ثمنًا قليلًا. ومَن نكَحَ امرأةً في دُبُرِها، أو رجُلًا، أو صَبيًّا؛ حُشِرَ يومَ القيامةِ وهو أنتَنُ مِن الجِيفةِ، يتأَذَّى به النَّاسُ حتَّى يَدخُلَ جهنَّمَ، وأحبَطَ اللهُ أجْرَه، ولا يقبَلُ منه صَرْفًا ولا عدلًا، ويدخُلُ في تابوتٍ مِن نارٍ، وتُسلَّطُ عليه مَساميرُ مِن حديدٍ، حتَّى تَسلُكَ تلك المساميرُ في جَوفِه، فلو وُضِعَ عِرْقٌ مِن عُروقِه على أربعِ مئةِ أُمَّةٍ لَماتوا جميعًا، وهو مِن أشدِّ أهلِ النَّارِ عذابًا يومَ القيامةِ. ومَن زنَى بامرأةٍ مُسلمةٍ أو غيرِ مُسلمةٍ، حُرَّةٍ أو أمَةٍ؛ فُتِحَ عليه في قبْرِه ثلاثُ مئةِ ألفِ بابٍ مِن النَّارِ، يَخرُجُ عليه منها حيَّاتٌ وعقارِبُ وشُهُبٌ مِن النَّارِ، فهو يُعَذَّبُ إلى يومِ القيامةِ بتلك النَّارِ مع ما يَلْقى مِن تلك الحيَّاتِ والعقاربِ، ويُبْعَثُ يومَ القيامةِ يتأَذَّى النَّاسُ بنَتنِ فرْجِه، ويُعْرَفُ بذلك حتَّى يدخُلَ النَّارَ، فيتأَذَّى به أهلُ النَّارِ مع ما هم فيه مِن العذابِ؛ لأنَّ اللهَ حرَّمَ المحارمَ، وليس أحدٌ أغيرَ مِن اللهِ، ومِن غَيْرتِه حرَّمَ الفواحشَ وحَدَّ الحُدودَ. ومَن اطَّلعَ إلى بَيتِ جارِه، فرأى عَورةَ رجُلٍ، أو شَعرَ امرأةٍ، أو شيئًا مِن جسَدِها؛ كان حقًّا على اللهِ أنْ يُدْخِلَه النَّارَ مع المُنافقينَ الَّذين كانوا يَتحيَّنونَ عَوراتِ النِّساءِ، ولا يَخرُجُ مِن الدُّنيا حتَّى يفْضَحَه اللهُ، ويُبْدِيَ للنَّاظرينَ عَورتَه يومَ القيامةِ. ومَن سَخِطَ رِزْقَه وبَثَّ شكواهُ، ولم يصبِرْ؛ لم يُرْفَعْ له إلى اللهِ حَسنةٌ، ولقِيَ اللهَ وهو عليه ساخطٌ. ومَن لبِسَ ثوبًا، فاختالَ في ثوبِه؛ خُسِفَ به مِن شفيرِ جهنَّمَ، يتجلجَلُ فيها ما دامتِ السَّمواتُ والأرضُ؛ لأنَّ قارونَ لَبِسَ حُلَّةً فاختالَ، فخُسِفَ به، فهو يَتجلجَلُ فيها إلى يومِ القيامةِ. ومَن نكَحَ امرأةً حلالًا بمالٍ حلالٍ، يُريدُ بذلك الفخرَ والرِّياءَ؛ لم يَزِدْه اللهُ بذلك إلَّا ذُلًّا وهوانًا، وأقامَه اللهُ بقدْرِ ما استمتَعَ منها على شَفيرِ جهنَّمَ، حتَّى يَهْويَ فيها سبعينَ خريفًا. ومَن ظلَمَ امرأةً مهْرَها فهو عند اللهِ زانٍ، ويقولُ اللهُ له يومَ القيامةِ: عبْدي زوَّجْتُك على عَهدي، فلم تُوفِ بعَهْدي! فيتَولَّى اللهُ طلَبَ حَقِّها، فيَستوعِبُ حَسناتِه كلَّها، فما تَفِي به، فيُؤْمَرُ به إلى النَّارِ. ومَن رجَعَ عن شَهادةٍ أو كتَمَها، أطعَمَه اللهُ لحْمَه على رُؤوسِ الخلائقِ، ويُدْخِلُه النَّارَ وهو يَلُوكُ لِسانَه. ومَن كانت له امرأتانِ، فلم يَعدِلْ بيْنهما في القسمِ مِن نَفْسِه ومالِه؛ جاء يومَ القيامةِ مَغلولًا مائلًا شِقُّه، حتَّى يدخُلَ النَّارَ. ومَن آذى جارَه مِن غيرِ حَقٍّ، حرَّمَ اللهُ عليه رِيحَ الجنَّةِ، ومأواهُ النَّارُ. ألَا وإنَّ اللهَ يسأَلُ الرَّجلَ عن جارِه كما يسأَلُه عن حَقِّ أهلِ بيتِه، فمَن ضيَّعَ حَقَّ جارِه فليس مِنَّا. ومَن أهان فقيرًا مُسلِمًا مِن أجْلِ فقْرِه، فاستخَفَّ به؛ فقدِ استخَفَّ بحَقِّ اللهِ، ولم يزَلْ في مَقْتِ اللهِ وسَخَطِه حتَّى يُرْضِيَه. ومَن أكرَمَ فقيرًا مُسلِمًا، لقِيَ اللهَ يومَ القيامةِ وهو يضحَكُ إليه. ومَن عُرِضَت له الدُّنيا والآخرةُ، فاختارَ الدُّنيا على الآخرةِ، لقِيَ اللهَ وليست له حَسنةٌ يَتَّقي بها النَّارَ، وإنِ اختارَ الآخرةَ على الدُّنيا، لقِيَ اللهَ وهو عنه راضٍ. ومَن قَدَرَ على امرأةٍ أو جاريةٍ حَرامًا، فترَكَها مَخافةً منه؛ أمَّنَه اللهُ مِن الفزَعِ الأكبرِ، وحرَّمَه على النَّارِ وأدخَلَه الجنَّةَ، وإنْ واقَعَها حَرامًا، حرَّمَ اللهُ عليه الجنَّةَ وأدخَلَه النَّارَ. ومَن كسَبَ مالًا حرامًا لم تُقْبَلْ له صَدقةٌ، ولا حجٌّ، ولا عُمرةٌ، وكتَبَ اللهُ له بقَدْرِ ذلك أوزارًا، وما بقِيَ عند موتِه كان زادَه إلى النَّارِ. ومَن أصاب مِن امرأةٍ نظْرةً حرامًا، ملَأَ اللهُ عينَيْه نارًا، ثمَّ أمَرَ به إلى النَّارِ، فإنْ غَضَّ بصَرَه عنها، أدخَلَ اللهُ في قلْبِه مَحبَّتَه ورحمَتَه، وأمَرَ به إلى الجنَّةِ. ومَن صافَحَ امرأةً حرامًا، جاء يومَ القيامةِ مَغلولةً يداهُ إلى عُنقِه، ثمَّ يُؤْمَرُ به إلى النَّارِ، وإنْ فاكَهَها، حُبِسَ بكلِّ كلمةٍ كلَّمَها في الدُّنيا ألْفَ عامٍ، والمرأةُ إذا طاوعَتِ الرَّجلَ حرامًا فالْتَزَمها، أو قبَّلَها، أو باشَرَها، أو فاكَهَها، أو واقَعَها؛ فعليها مِن الوِزْرِ مثْلُ ما على الرَّجلِ، فإنْ غلَبَها الرَّجلُ على نفْسِها، كان عليه وِزْرُه ووِزْرُها. ومَن غَشَّ مُسلمًا في بَيعٍ أو شِراءٍ فليس مِنَّا، ويُحْشَرُ يومَ القيامةِ مع اليهودِ؛ لأنَّهم أغَشُّ النَّاسِ للمُسلمينَ. ومَن منَعَ الماعونَ مِن جارِه إذا احتاج إليه، منَعَه اللهُ فضْلَه، ووكَلَه إلى نفْسِه. ومَن وكَلَه إلى نفْسِه هلَكَ آخرَ ما عليها، ولا يُقْبَلُ له عُذرٌ. وأيُّما امرأةٍ آذتْ زوجَها لم تُقْبَلْ صَلاتُها، ولا حَسنةٌ مِن عمَلِها حتَّى تُعْتِبَه وتُرْضِيَه، ولو صامتِ الدَّهرَ، وقامَتْه، وأعتقَتِ الرِّقابَ، وحُمِلَت على الجيادِ في سبيلِ اللهِ؛ لكانت أوَّلَ مَن يَرِدُ النَّارَ إذا لم تُرْضِه وتُعْتِبْه، وقال: وعلى الرَّجلِ مِثْلُ ذلك مِن الوِزْرِ والعذابِ إذا كان لها مُؤْذِيًا ظالمًا. ومَن لطَمَ خَدَّ مُسلمٍ لَطمةً، بدَّدَ اللهُ عِظامَه يومَ القيامةِ، ثمَّ تُسَلَّطُ عليه النَّارُ، ويُبْعَثُ حين يُبْعَثُ مَغلولًا حتَّى يَرِدَ النَّارَ. ومَن بات وفي قلْبِه غِشٌّ لأخيهِ المُسلمِ، بات وأصبَحَ في سَخَطِ اللهِ حتَّى يَتوبَ ويرجِعَ، فإنْ مات على ذلك مات على غيرِ الإسلامِ، ثمَّ قال: ألَا إنَّه مَن غشَّنا فليس مِنَّا، حتَّى قال ذلك ثلاثًا. ومَن يُعلِّقُ سَوطًا بيْن يديْ سُلطانٍ جائرٍ، جعَلَ له اللهُ حيَّةً طُولُها سبعونَ ألفَ ذِراعٍ، فتُسَلَّطُ عليه في نارِ جهنَّمَ خالدًا مُخلَّدًا. ومَنِ اغتابَ مُسلمًا، بطَلَ صَومُه ونقَضَ وُضوءَه، فإنْ مات وهو كذلك، مات كالمُستحِلِّ ما حرَّمَ اللهُ. ومَن مَشى بالنَّميمةِ بيْن اثنينِ، سلَّطَ اللهُ عليه في قبْرِه نارًا تُحرِقُه إلى يومِ القيامةِ، ثمَّ يُدْخِلُه النَّارَ. ومَن عفا عن أخيه المُسلمِ، وكظَمَ غَيظَه، أعطاهُ اللهُ أجْرَ شَهيدٍ. ومَن بَغَى على أخيه، وتطاوَلَ عليه، واستحقَرَه؛ حشَرَه اللهُ يومَ القيامةِ في صُورةِ الذَّرَّةِ، تطَؤُه العِبادُ بأقدامِهم، ثمَّ يدخُلُ النَّارَ، ولم يَزَلْ في سَخَطِ اللهِ حتَّى يموتَ. ومَن يَرُدَّ عن أخيه المُسلمِ غِيبةً سمِعَها تُذْكَرُ عنه في مَجلسٍ، رَدَّ اللهُ عنه ألفَ بابٍ مِن الشَّرِّ في الدُّنيا والآخرةِ، فإنْ هو لم يَرُدَّ عنه وأعجَبَه ما قالوا، كان عليه مِثْلُ وِزْرِهم. ومَن رمى مُحْصَنًا أو مُحصنَةً، حبِطَ عمَلُه، وجُلِدَ يومَ القيامةِ سبعونَ ألفًا مِن بيْن يَديْهِ ومِن خلْفِه، ثمَّ يُؤْمَرُ به إلى النَّارِ. ومَن شرِبَ الخمْرَ في الدُّنيا، سقاهُ اللهُ مِن سُمِّ الأساودِ وسُمِّ العقاربِ شَربةً، يتساقَطُ لَحمُ وَجْهِه في الإناءِ قبْلَ أنْ يشرَبَها، فإذا شرِبَها تفسَّخَ لحْمُه وجِلْدُه كالجِيفةِ يتأَذَّى به أهلُ الجَمعِ، ثمَّ يُؤْمَرُ به إلى النَّارِ. ألَا وشاربُها، وعاصِرُها، ومُعتصِرُها، وبائعُها، ومُبْتاعُها، وحامِلُها، والمَحمولةُ إليه، وآكِلُ ثَمنِها؛ سواءٌ في إثْمِها وعارِها، ولا يقبَلُ اللهُ له صَلاةً ولا صِيامًا، ولا حَجًّا ولا عُمرةً حتَّى يتوبَ. فإنْ مات قبلَ أنْ يتوبَ منها، كان حقًّا على اللهِ أنْ يَسْقِيَه بكلِّ جُرعةٍ شَرِبَها في الدُّنيا شَربةً مِن صَديدِ جهنَّمَ. ألَا وكُلُّ مُسكرٍ خمرٌ، وكلُّ مُسكرٍ حرامٌ. ومَن أكَلَ الرِّبا، ملَأَ اللهُ بطْنَه نارًا بقَدْرِ ما أكَلَ، وإنْ كسَبَ منه مالًا، لم يَقبَلِ اللهُ شيئًا مِن عمَلِه، ولم يَزَلْ في لَعنةِ اللهِ وملائكتِه ما دام عنده منه قِيراطٌ. ومَن خان أمانةً في الدُّنيا ولم يُؤَدِّها إلى أربابِها، مات على غيرِ دِينِ الإسلامِ، ولَقِيَ اللهَ وهو عليه غضْبانُ، ثمَّ يُؤْمَرُ به إلى النَّارِ، فيَهْوي مِن شَفيرِها أبدَ الآبدينَ. ومَن شَهِدَ شَهادةَ زُورٍ على مُسلمٍ أو كافرٍ، عُلِّقَ بلِسانِه يومَ القيامةِ، ثمَّ صُيِّرَ مع المُنافقينَ في الدَّركِ الأسفلِ مِن النَّارِ. ومَن قال لِمَملوكِه، أو مَملوكِ غيرِه، أو لأحدٍ مِن المُسلِمينَ: لا لبَّيْكَ، ولا سَعْديكَ؛ انغمَسَ في النَّارِ. ومَن أضَرَّ بامرأةٍ حتَّى تَفتدِيَ منه، لم يرْضَ اللهُ له بعُقوبةٍ دونَ النَّارِ؛ لأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَغضَبُ للمرأةِ كما يغضَبُ لليتيمِ. ومَن سعى بأخيه إلى السُّلطانِ، أحبَطَ اللهُ عمَلَه كلَّه، فإنْ وصَلَ إليه مَكروهٌ أو أذًى، جعَلَه اللهُ مع هامانَ في دَرجتِه في النَّارِ. ومَن قرَأَ القُرآنَ رِياءً وسُمعةً، أو يُرِيدُ به الدُّنيا؛ لقِيَ اللهَ ووجْهُه عظْمٌ ليس عليه لَحمٌ، ودَعَّ القُرآنُ في قَفاهُ حتَّى يقذِفَه في النَّارِ، فيَهْوي فيها مع مَن هوى. ومَن قرَأَه ولم يَعمَلْ به، حشَرَه اللهُ يومَ القيامةِ أعمى، فيقولُ: ربِّ، لِمَ حَشرْتَني أعمى وقد كنتُ بصيرًا؟! فيقولُ: كذلك أتَتْك آياتُنا فنسِيتَها، وكذلك اليومَ تُنْسى. ثمَّ يُؤْمَرُ به إلى النَّارِ. ومَن اشترى خِيانةً وهو يعلَمُ أنَّها خِيانةٌ، كان كمَن خان في عارِها وإثْمِها. ومَن قاوَدَ بيْن امرأةٍ ورجُلٍ حرامًا، حرَّمَ اللهُ عليه الجنَّةَ، ومأواهُ النَّارُ وساءت مصيرًا. ومَن غَشَّ أخاه المُسلِمَ، نزَعَ اللهُ منه رِزقَه، وأفسَدَ عليه مَعيشتَه، ووكَلَه إلى نفْسِه. ومَن اشْتَرى سَرِقةً وهو يعلَمُ أنَّها سَرقةٌ، كان كمَن سرَقَها في عارِها وإثمِها. ومَن ضارَّ مُسلمًا فليس مِنَّا ولسْنا منه في الدُّنيا والآخرةِ. ومَن سمِعَ بفاحشةٍ فأفْشاها، كان كمَن أتاها. ومَن سمِعَ بخبرٍ فأفشاهُ، كان كمَن عمِلَه. ومَن وصَفَ امرأةً لرجلٍ، فذكَرَ جَمالَها وحُسْنَها حتَّى افْتُتِنَ بها، فأصاب منها فاحِشةً؛ خرَجَ مِن الدُّنيا مَغضوبًا عليه، ومَن غضِبَ اللهُ عليه غضِبَت عليه السَّمواتُ السَّبعُ والأرضونَ السَّبعُ، وكان عليه مِن الوِزرِ مِثْلُ وِزْرِ الَّذي أصابَها. قلْنا: فإنْ تابَا وأصْلَحا؟ قال: قُبِلَ منهما. ولا يُقْبَلُ مِن الَّذي وصَفَها. ومَن أطعَمَ طعامًا رِياءً وسُمعةً، أطعَمَه اللهُ مِن صَديدِ جهنَّمَ، وكان ذلك الطَّعامُ نارًا في بطنِه حتَّى يُقْضَى بيْن النَّاسِ. ومَن فجَرَ بامرأةٍ ذاتِ بعلٍ انفَجَرَ مِن فرْجِها وادٍ مِن صَديدٍ، مَسيرتُه خمسُ مئةِ عامٍ، يتأَذَّى به أهلُ النَّارِ مِن نَتنِ رِيحِه، وكان مِن أشدِّ النَّاسِ عذابًا يومَ القيامةِ. واشتَدَّ غضَبُ اللهِ على امرأةٍ ذاتِ بَعلٍ ملَأَت عَينَها مِن غيرِ زوجِها، أو غيرِ ذي مَحْرَمٍ منها، فإذا فعَلَتْ ذلك أحبَطَ اللهُ كلَّ عمَلٍ عمِلَتْه، فإنْ أوطَأَت فِراشَه غيرَه، كان حقًّا على اللهِ أنْ يُحرِقَها بالنَّارِ مِن يومِ تموتُ في قبْرِها. وأيُّما امرأةٍ اختَلَعت مِن زَوجِها، لم تزَلْ في لَعنةِ اللهِ وملائكتِه، وكُتبِه ورُسلِه، والنَّاسِ أجمعينَ، فإذا نزَلَ بها ملَكُ الموتِ قال لها: أبْشِري بالنَّارِ، فإذا كان يومُ القيامةِ قِيل لها: ادْخُلي النَّارَ مع الدَّاخلينَ. ألَا وإنَّ اللهَ ورسولَه بَريئانِ مِن المُختلِعاتِ بغيرِ حَقٍّ. ألَا وإنَّ اللهَ ورسولَه بَريئانِ ممَّن أضَرَّ بامرأةٍ حتَّى تَختلِعَ منه. ومَن أمَّ قومًا بإذْنِهم وهم به راضونَ، فاقتصَدَ بهم في حُضورِه وقِراءتِه، ورُكوعِه وسُجودِه وقُعودِه؛ فله مِثْلُ أُجورِهم. ومَن لم يَقتصِدْ بهم في ذلك، رُدَّتْ عليه صَلاتُه، ولم تَتجاوَزْ تَراقِيَه، وكان بمَنزلةِ أميرٍ جائرٍ مُعتدٍ لم يُصْلِحْ إلى رعيَّتِه، ولم يَقُمْ فيهم بأمْرِ اللهِ. فقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: يا رسولَ اللهِ بأبي أنت وأُمِّي، وما مَنزلةُ الأميرِ الجائرِ المُعتدي الَّذي لم يُصْلِحْ لرعيَّتِه، ولم يَقُمْ فيهم بأمْرِ اللهِ؟ قال: هو رابعُ أربعةٍ، وهو أشَدُّ النَّاسِ عذابًا يومَ القيامةِ: إبليسُ، وفرعونُ، وقابيلُ قاتلُ النَّفسِ، والأميرُ الجائرُ رابعُهم. ومَنِ احتاجَ إليه أخوهُ المُسلِمُ في قرضٍ، فلم يُقْرِضْه وهو عنده؛ حرَّمَ اللهُ عليه الجنَّةَ يومَ يَجْزي المُحسنينَ. ومَن صبَرَ على سُوءِ خُلقِ امرأتِه، واحتسَبَ الأجْرَ مِن اللهِ؛ أعطاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مِن الثَّوابِ مِثْلَ ما أعطى أيُّوبَ على بلائِه، وكان عليها مِن الوِزْرِ في كلِّ يومٍ وليلةٍ مِثْلُ رَمْلِ عالِجٍ، فإنْ ماتت قبْلَ أنْ تُعْتِبَه وتُرْضِيَه، حُشِرَت يومَ القيامةِ مَنكوسةً مع المُنافقينَ في الدَّركِ الأسفلِ مِن النَّارِ. ومَن كانت له امرأةٌ، فلم تُوافِقْه، ولم تَصبِرْ على ما رزَقَه اللهُ، وشَقَّت عليه، وحمَّلَتْه ما لا يَقْدِرُ عليه؛ لم تُقْبَلْ لها حَسنةٌ، فإنْ ماتت على ذلك حُشِرَت مع المغضوبِ عليهم. ومَن أكرَمَ أخاه المُسلِمَ فإنَّما يُكْرِمُ ربَّه، فما ظنُّكم؟! ومَن تولَّى عرَّافةَ قومٍ، حُبِسَ على شَفيرِ جهنَّمَ، لكلِّ يومٍ ألفُ سَنةٍ، ويُحْشَرُ ويَدُه مَغلولةٌ إلى عُنقِه، فإنْ كان أقام أمْرَ اللهِ فيهم أُطْلِقَ، وإنْ كان ظالمًا هوى في جهنَّمَ سبعينَ خريفًا. ومَن تحلَّمَ ما لم يَحلُمْ كان كمَن شهِدَ بالزُّورِ، وكُلِّفَ يومَ القيامةِ أنْ يَعقِدَ بيْن شَعيرتَينِ يُعَذَّبُ حتَّى يَعقِدَهما، ولنْ يَعقِدَهما. ومَن كان ذا وَجهَينِ ولِسانَينِ في الدُّنيا، جعَلَ اللهُ له وَجهَينِ ولِسانَينِ في النَّارِ. ومَن استنبَطَ حديثًا باطلًا فهو كمَن حدَّثَ به. قيل: كيف يَستنبِطُه؟ قال: هو الرَّجلُ يَلْقى الرَّجلَ، فيقولُ: كان ذَيت وذَيت، فيَفتَتِحُه، فلا يكونُ أحدُكم مِفتاحًا للشَّرِّ والباطلِ. ومَن مَشى في صُلْحٍ بيْن اثنينِ، صَلَّت عليه الملائكةُ حتَّى يرجِعَ، وأُعْطِيَ أجْرَ لَيلةِ القَدْرِ. ومَن مشى في قَطيعةٍ بيْن اثنينِ، كان عليه مِن الوِزْرِ بقَدْرِ ما أُعْطِيَ مَن أصلَحَ بيْن اثنينِ مِن الأجْرِ، ووجَبَت عليه اللَّعنةُ حتَّى يدخُلَ جهنَّمَ، فيُضاعَفُ عليه العذابُ. ومَن مشى في عَونِ أخيهِ المُسلمِ ومَنفعتِه، كان له ثَوابُ المُجاهِدِ في سبيلِ اللهِ. ومَن مشى في غِيبَتِه وكشْفِ عَورتِه، كانت أوَّلُ قدَمٍ يَخْطوها كأنَّما وضَعَها في جهنَّمَ، وتُكْشَفُ عَورتُه يومَ القيامةِ على رُؤوسِ الخلائقِ. ومَن مشى إلى ذي قَرابةٍ أو ذي رحمٍ يتسلَّى به أو يُسَلِّمُ عليه، أعطاهُ اللهُ أجْرَ مئةِ شهيدٍ، وإنْ وصَلَه مع ذلك، كان له بكلِّ خُطوةٍ أربعونَ ألفَ حَسنةٍ، وحُطَّ عنه بها أربعونَ ألفَ ألفِ سيِّئةٍ، ويُرْفَعُ له بها أربعونَ ألفَ ألفِ دَرجةٍ، وكأنَّما عَبَدَ اللهَ مئةَ ألفِ سَنةٍ. ومَن مشى في فسادِ القراباتِ والقطيعةِ بيْنهم، غَضِبَ اللهُ عليه في الدُّنيا ولعَنَهُ، وكان عليه كوِزْرِ مَن قطَعَ الرَّحمَ. ومَن مَشى في تَزويجِ رجُلٍ حلالًا حتَّى يُجْمَعَ بيْنهما، زوَّجَه اللهُ ألفَ امرأةٍ مِن الحُورِ العينِ، كلُّ امرأةٍ في قَصرٍ مِن دُرٍّ وياقوتٍ، وكان له بكلِّ خُطوةٍ خطاها أو كلمةٍ تكلَّمَ بها في ذلك عِبادةُ سَنةٍ؛ قِيامُ ليلِها، وصِيامُ نهارِها. ومَن عمِلَ في فُرقةٍ بيْن امرأةٍ وزوجِها، كان عليه لَعنةُ اللهِ في الدُّنيا والآخرةِ، وحرَّمَ اللهُ عليه النَّظرَ إلى وجْهِه. ومَن قاد ضَريرًا إلى المسجِدِ، أو إلى مَنزلِه، أو إلى حاجةٍ مِن حوائجِه؛ كتَبَ اللهُ له بكلِّ قدَمٍ رفَعَها أو وضَعَها عِتْقَ رقبةٍ، وصَلَّت عليه الملائكةُ حتَّى يُفارِقَه. ومَن مشى بضَريرٍ في حاجةٍ حتَّى يَقضِيَها، أعطاهُ اللهُ بَراءتَينِ: بَراءةً مِن النَّارِ، وبَراءةً مِن النِّفاقِ، وقُضِيَ له سبعونَ ألفَ حاجةٍ مِن حوائجِ الدُّنيا، ولم يزَلْ يَخوضُ في الرَّحمةِ حتَّى يرجِعَ. ومَن قام على مَريضٍ يومًا وليلةً، بعَثَه اللهُ مع خليلِه إبراهيمَ حتَّى يجوزَ على الصِّراطِ كالبرقِ اللَّامعِ. ومَن سَعى لمريضٍ في حاجةٍ، خرَجَ من ذُنوبِه كيَومِ ولَدَتِه أُمُّه. فقال رجُلٌ مِن الأنصارِ: فإنْ كان المريضُ قَرابتَه أو بعضَ أهْلِه؟ قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ومَن أعظَمُ أجْرًا ممَّن سعى في حاجةِ أهْلِه؟! ومَن ضيَّعَ أهْلَه، وقطَعَ رحِمَه، حرَمَه اللهُ حُسنَ الجزاءِ يومَ يَجْزِي المُحسنينَ، وصيَّرَه مع الهالكينَ حتَّى يأتيَ بالمَخرجِ، وأنَّى له بالمَخرجِ! ومَن مشى لضَعيفٍ في حاجةٍ أو مَنفعةٍ، أعطاهُ اللهُ كتابَه بيمينِه. ومَن أقرَضَ مَلْهوفًا، فأحسَنَ طلَبَه، فلْيستَأنِفِ العمَلَ، وله عندَ اللهِ بكلِّ دِرهمٍ ألفُ قِنْطارٍ في الجنَّةِ. ومَن فرَّجَ عن أخيهِ كُربةً مِن كُرَبِ الدُّنيا، فرَّجَ اللهُ عنه كُرَبَ الدُّنيا والآخرةِ، ونظَرَ اللهُ إليه نَظرةَ رَحمةٍ يَنالُ بها الجنَّةَ. ومَن مشى في صُلحٍ بيْن امرأةٍ وزوجِها، كان له أجرُ ألفِ شهيدٍ قُتِلوا في سَبيلِ اللهِ حقًّا، وكان له بكلِّ خُطوةٍ وكلمةٍ عِبادةُ سَنةٍ؛ صيامُها وقيامُها. ومَن أقرَضَ أخاهُ المُسلمَ، فله بكلِّ درهمٍ وَزنُ جبلِ أُحُدٍ، وحِراءَ، وثَبِيرَ، وطُورِ سَيناءَ حَسناتٍ. فإنْ رفَقَ به في طلَبِه بعدَ حِلِّه، جَرى عليه بكلِّ يومٍ صَدقةٌ، وجاز على الصِّراطِ كالبرقِ اللَّامعِ لا حِسابَ عليه، ولا عذابَ. ومَن مطَلَ طالِبَه وهو يَقْدِرُ على قَضائِه، فعليهِ خَطيئةُ عِشارٍ. فقام إليه عوفُ بنُ مالكٍ الأشجعيُّ، فقال: وما خطيئةُ العِشارِ؟ فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: خَطيئةُ العِشارِ: أنَّ عليه في كلِّ يومٍ لَعنةَ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمعينَ، ومَن يلْعَنِ اللهُ فلنْ تجِدَ له نَصيرًا. ومَنِ اصطنَعَ إلى أخيهِ المُسلمِ مَعروفًا، ثمَّ مَنَّ به عليه؛ أُحْبِطَ أجْرُه، وخُيِّبَ سعيُه. ألَا وإنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤُه حرَّمَ على المنَّانِ والبخيلِ، والمُختالِ والقتَّاتِ، والجوَّاظِ والجَعظريِّ، والعُتُلِّ والزَّنيمِ، ومُدمنِ الخمرِ: الجنَّةَ. ومَن تصدَّقَ صَدقةً، أعطاهُ اللهُ بوزنِ كلِّ ذرَّةٍ منها مِثْلَ جبلِ أُحُدٍ مِن نَعيمِ الجنَّةِ. ومَن مشى بها إلى مِسكينٍ كان له مِثْلُ ذلك، ولو تداوَلَها أربعونَ ألفَ إنسانٍ حتَّى تصِلَ إلى المسكينِ، كان لكلِّ واحدٍ منهم مِثْلُ ذلك الأجْرِ كاملًا، وما عندَ اللهِ خيرٌ وأبقى للَّذين اتَّقوا وأحَسْنوا. ومَن بَنى للهِ مَسجدًا، أعطاهُ اللهُ بكلِّ شِبرٍ -أو قال: بكلِّ ذِراعٍ- أربعينَ ألفَ ألفِ مدينةٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، ودُرٍّ وياقوتٍ، وزَبرجدٍ ولُؤلؤٍ، في كلِّ مدينةٍ أربعونَ ألْفَ قَصرٍ، في كلِّ قَصرٍ سبعونَ ألفَ ألفِ دارٍ، في كلِّ دارٍ أربعونَ ألفَ ألفِ بيْتٍ، في كلِّ بيْتٍ أربعونَ ألفَ سريرٍ، على كلِّ سَريرٍ زوجةٌ مِن الحُورِ العينِ، وفي كلِّ بيتٍ أربعونَ ألفَ ألفِ وَصيفٍ، وأربعونَ ألفَ ألفِ وَصيفةٍ، وفي كلِّ بيتٍ أربعونَ ألفَ ألفِ مائدةٍ، على كلِّ مائدةٍ أربعونَ ألفَ ألفِ قَصعةٍ، في كلِّ قَصعةٍ أربعونَ ألفَ ألفِ لونٍ مِن الطَّعامِ، ويُعْطي اللهُ وَلِيَّه مِن القُوَّةِ ما يأتي على تلك الأزواجِ وذلك الطَّعامِ والشَّرابِ في يومٍ واحدٍ. ومَن تَولَّى أذانَ مسجِدٍ مِن مساجِدِ اللهِ، يُريدُ بذلك وجْهَ اللهِ؛ أعطاهُ اللهُ ثوابَ ألفِ ألفِ نَبِيٍّ، وأربعينَ ألفَ ألفِ صِدِّيقٍ، وأربعينَ ألفَ ألفِ شَهيدٍ، ويَدخُلُ في شفاعتِه أربعونَ ألفَ ألفِ أُمَّةٍ، في كلِّ أُمَّةٍ أربعونَ ألفَ ألفِ رجُلٍ، وله في كلِّ جنَّةٍ مِن الجِنانِ أربعونَ ألفَ ألفِ مدينةٍ، في كلِّ مدينةٍ أربعونَ ألفَ ألفِ قَصرٍ، في كلِّ قَصرٍ أربعونَ ألفَ ألفِ دارٍ، في كلِّ دارٍ أربعونَ ألفَ ألفِ بيتٍ، في كلِّ بيتٍ أربعونَ ألفَ ألفِ سَريرٍ، على كلِّ سَريرٍ زَوجةٌ مِن الحُورِ العينِ، سَعةُ كلِّ بيتٍ منها سَعةُ الدُّنيا أربعونَ ألفَ ألفِ مرَّةٍ، بيْن يدي كلِّ زَوجةٍ أربعونَ ألفَ ألفِ وَصيفٍ، وأربعونَ ألفَ ألفِ وَصيفةٍ، في كلِّ بيتٍ أربعونَ ألفَ ألفِ مائدةٍ، على كلِّ مائدةٍ أربعونَ ألفَ ألفِ قَصعةٍ، في كلِّ قَصعةٍ أربعونَ ألفَ ألفِ لونٍ، لو نزَلَ به الثَّقلانِ لَأوسَعَهم بأدنى بيْتٍ مِن بُيوتِه بما شاؤوا مِن الطَّعامِ والشَّرابِ، واللِّباسِ والطِّيبِ، والثِّمارِ، وألْوانِ التُّحفِ والطَّرائفِ، والحُلِيِّ والحُلَلِ، كلُّ بيتٍ منها مُكْتَفٍ بما فيه مِن هذه الأشياءِ عن البيتِ الآخرِ. فإذا قال المُؤذِّنُ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، اكتنَفَه سبعونَ ألفَ ملَكٍ كلُّهم يُصَلُّون عليه، ويَستغفِرونَ له، وهو في ظلِّ رَحمةِ اللهِ حتَّى يَفرُغَ، ويكتُبُ ثوابَه أربعونَ ألفَ ألفِ ملَكٍ، ثمَّ يَصعَدونَ به إلى اللهِ. ومَن مشى إلى مَسجِدٍ مِن المساجِدِ، فله بكلِّ خُطوةٍ يَخْطوها حتَّى يرجِعَ إلى منزلِه عشْرُ حَسناتٍ، وتُمْحى عنه بها عشْرُ سيِّئاتٍ، ويُرْفَعُ له بها عشْرُ درجاتٍ. ومَن حافَظَ على الجماعةِ حيث كان، ومع مَن كان؛ مَرَّ على الصِّراطِ كالبرقِ اللَّامعِ في أوَّلِ زُمرةٍ مِن السَّابقينَ، ووجْهُه أضوَأُ مِن القمرِ ليلةَ البدرِ، وكان له بكلِّ يومٍ وليلةٍ حافَظَ عليها ثوابُ شهيدٍ. ومَن حافَظَ على الصَّفِّ المُقدَّمِ، فأدرَكَ أوَّلَ تكبيرةٍ مِن غيرِ أنْ يُؤْذِيَ مُؤمنًا؛ أعطاهُ اللهُ مِثْلَ ثوابِ المُؤذِّنِ في الدُّنيا والآخرةِ. ومَن بنى بِناءً على ظَهرِ طريقٍ يَأْوي إليه عابرُ السَّبيلِ، بعَثَه اللهُ يومَ القيامةِ على نَجيبةٍ مِن دُرٍّ، ووجْهُه يُضِيءُ لأهْلِ الجَمعِ، حتَّى يقولَ أهلُ الجَمعِ: هذا ملَكٌ مِن الملائكةِ لم يُرَ مِثْلُه، حتَّى يُزاحِمَ إبراهيمَ في قُبَّتِه، ويَدخُلُ الجنَّةَ بشفاعتِه أربعونَ ألفَ رجُلٍ. ومَن شفَعَ لأخيه المُسلمِ في حاجةٍ له، نظَرَ اللهُ إليه. وحَقٌّ على اللهِ ألَّا يُعذِّبَ عبْدًا بعدَ نظَرِه إليه، إذا كان ذلك بطلبٍ منه إليه أنْ يشفَعَ له، فإذا شفَعَ له مِن غيرِ طلَبٍ، كان له مع ذلك أجْرُ سبعينَ شهيدًا. ومَن صام رمضانَ، وكَفَّ عن اللَّغوِ والغِيبةِ، والكذِبِ والخوضِ في الباطلِ، وأمسَكَ لِسانَه إلَّا عن ذِكْرِ اللهِ، وكَفَّ سمْعَه وبصَرَه وجميعَ جَوارحِه عن مَحارمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وعن أذى المُسلمينَ؛ كانت له مِن القُربةِ عند اللهِ أنْ تمَسَّ رُكبَتُه رُكبةَ إبراهيمَ خليلِه. ومَنِ احتفَرَ بئرًا حتَّى يَنبسِطَ ماؤُها، فيَبذُلُها للمُسلمينَ؛ كان له أجْرُ مَن توضَّأَ منها وصَلَّى، وله بعدَدِ شَعرِ مَن شَرِبَ منها حَسناتٌ؛ إنسٌ أو جِنٌّ، أو بَهيمةٌ أو سبُعٌ، أو طائرٌ، أو غيرُ ذلك، وله بكلِّ شَعرةٍ مِن ذلك عِتْقُ رَقبةٍ، ويَرِدُ في شفاعتِه يومَ القيامةِ حَوضَ القُدسِ عدَدُ نُجومِ السَّماءِ. قيل: يا رسولَ اللهِ: وما حوضُ القُدسِ؟ قال: حَوضي، حوضي، حوضي. ومَن حفَرَ قبْرًا لمُسلمٍ، حرَّمَه اللهُ على النَّارِ، وبوَّأَه بَيتًا في الجنَّةِ، لو وُضِعَ فيه ما بين صَنعاءَ والحبشةِ لَوسِعَها. ومَن غسَّلَ ميتًا، وأدَّى الأمانةَ فيه، كان له بكلِّ شَعرةٍ منه عِتقُ رقبةٍ، ورُفِعَ له بها مئةُ درجةٍ. فقال عمرُ بنُ الخطَّابِ: وكيف يُؤدِّي فيه الأمانةَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: يَستُرُ عَورتَه، ويَكتُمُ شَيْنَه، وإنْ هو لم يَستُرْ عورتَه، ولم يَكتُمْ شَيْنَه؛ أبْدى اللهُ عَورتَه على رُؤوسِ الخلائقِ. ومَن صَلَّى على ميِّتٍ صَلَّى عليه جبريلُ ومعه سبعونَ ألفَ ملكٍ، وغُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذَنْبِه، وإنْ أقام حتَّى يُدْفَنَ وحَثَا عليه مِن التُّرابِ، انقلَبَ وله بكلِّ خُطوةٍ حتَّى يرجِعَ إلى مَنزلِه قِيراطٌ مِن الأجْرِ، والقِيراط ُمِثْلُ أُحُدٍ. ومَن ذرَفَت عَيناهُ مِن خَشيةِ اللهِ، كان له بكلِّ قَطرةٍ مِن دُموعِه مِثْلُ أُحُدٍ في مِيزانِه، وله بكلِّ قَطرةٍ عَينٌ في الجنَّةِ، على حافتَيْها مِن المدائنِ والقُصورِ ما لا عَينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، ولا خطَرَ على قلْبِ واصفٍ. ومَن عاد مَريضًا فله بكلِّ خُطوةٍ خطاها حتَّى يرجِعَ إلى منزلِه سبعونَ ألفَ حَسنةٍ، ومَحْوُ سبعينَ ألفَ سيِّئةٍ، وتُرْفَعُ له سبعونَ ألفَ درجةٍ، ويُوَكَّلُ به سبعونَ ألفَ ملَكٍ يَعودونَه، ويَستغفِرونَ له إلى يومِ القيامةِ. ومَن تبِعَ جنازةً فله بكلِّ خُطوةٍ يَخْطوها حتَّى يرجِعَ مئةُ ألفِ حَسنةٍ، ومَحْوُ مئةِ ألفِ سيِّئةٍ، ويُرْفَعُ له مئةُ ألفِ درجةٍ. فإنْ صَلَّى عليها وُكِّلَ به سبعونَ ألفَ ملَكٍ يستغفِرونَ له حتَّى يرجِعَ، وإنْ شَهِدَ دفْنَها استغْفَروا له حتَّى يُبْعَثَ مِن قبْرِه. ومَن خرَجَ حاجًّا أو مُعتمِرًا، فله بكلِّ خُطوةٍ حتَّى يرجِعَ ألفُ ألفِ حَسنةٍ، ومَحْوُ ألفِ ألفِ سيِّئةٍ، ورُفِعَ له ألفُ ألفِ درجةٍ، وله عند ربِّه بكلِّ دِرهمٍ يُنفِقُه ألفُ ألفِ دِرهمٍ، وبكلِّ دِينارٍ ألفُ ألفِ دِينارٍ، وبكلِّ حَسنةٍ يعمَلُها ألفُ ألفِ حَسنةٍ، حتَّى يرجِعَ وهو في ضَمانِ اللهِ، فإنْ توفَّاهُ أدخَلَه الجنَّةَ، وإنْ رجَعَه، رجَعَه مَغفورًا له مُستجابًا له، فاغتَنِموا دعوتَه إذا قدِمَ قبْلَ أنْ يُصيبَ الذُّنوبَ؛ فإنَّه يَشفَعُ في مئةِ ألفِ رجُلٍ يومَ القيامةِ. ومَن خلَفَ حاجًّا أو مُعتمِرًا في أهلِه بخيرٍ، كان له مِثْلُ أجْرِه كاملًا مِن غيرِ أنْ ينقُصَ مِن أجْرِه شَيءٌ. ومَن رابَطَ أو جاهَدَ في سبيلِ اللهِ، كان له بكلِّ خُطوةٍ حتَّى يرجِعَ سبعُ مئةِ ألفِ ألفِ حَسنةٍ، ومَحْوُ سبعِ مئةِ ألفِ ألفِ سيِّئةٍ، ورُفِعَ له سبْعُ مئةِ ألْفِ ألفِ دَرجةٍ، وكان في ضَمانِ اللهِ، فإنْ توفَّاهُ بأيِّ حتْفٍ كان، أدخَلَه الجنَّةَ، وإنْ رجَعَه، رجَعَه مَغفورًا له مُستجابًا له. ومَن زار أخاهُ المُسلمَ فله بكلِّ خُطوةٍ حتَّى يرجِعَ عِتْقُ مئةِ ألفِ رَقبةٍ، ومَحْوُ مئةِ ألفِ ألفِ سيِّئةٍ، ويُكْتَبُ له مئةُ ألفِ ألفِ حَسنةٍ، ويُرْفَعُ له بها مئةُ ألفِ ألفِ درجةٍ. قال: فقُلْنا لأبي هُريرةَ: أوليسَ قد قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن أعتَقَ رقبةً فهي فِكاكُه مِن النَّارِ؟ قال: بلى. ويُرْفَعُ له سائرُهم في كُنوزِ العرشِ عندَ ربِّه. ومَن تعلَّمَ القُرآنَ ابتغاءَ وجْهِ اللهِ، وتفَقَّه في دِينِ اللهِ؛ كان له مِن الثَّوابِ مِثْلُ جميعِ ما أُعْطِيَ الملائكةُ والأنبياءُ والرُّسلُ. ومَن تعلَّمَ القُرآنَ رِياءً وسُمعةً ليُمارِيَ به السُّفهاءَ، ويُباهِيَ به العُلماءَ، أو يطلُبَ به الدُّنيا؛ بدَّدَ اللهُ عِظامَه يومَ القيامةِ، وكان مِن أشَدِّ أهلِ النَّارِ عذابًا، ولا يَبْقى فيها نوعٌ مِن أنواعِ العذابِ إلَّا عُذِّبَ به؛ لشِدَّةِ غضَبِ اللهِ وسَخَطِه عليه. ومَن تعلَّمَ العلمَ وتواضَعَ في العلمِ، وعلَّمَه عِبادَ اللهِ، يُرِيدُ بذلك ما عندَ اللهِ؛ لم يكُنْ في الجنَّةِ أفضَلُ ثوابًا ولا أعظَمُ مَنزلةً منه، ولم يكُنْ في الجنَّةِ مَنزلةٌ ولا درجةٌ رفيعةٌ نَفِيسةٌ إلَّا وله فيها أوفَرُ نَصيبٍ وأوفَرُ المنازلِ. ألَا وإنَّ العِلْمَ أفضَلُ العِبادةِ. ومِلاكُ الدِّينِ الورَعُ. وإنَّما العالِمُ مَن عمِلَ بعلْمِه وإنْ كان قليلَ العِلْمِ، فلا تَحقِرُنَّ مِن المعاصي شيئًا وإنْ صغُرَ في أعيُنِكم؛ فإنَّه لا صَغيرةَ مع الإصرارِ، ولا كبيرةَ مع استغفارٍ. ألَا وإنَّ اللهَ سائِلُكم عن أعمالِكم، حتَّى عن مَسِّ أحدِكم ثَوبَ أخيهِ، فاعْلَموا عِبادَ اللهِ: أنَّ العبدَ يُبْعَثُ يومَ القيامةِ على ما قد مات عليه، وقد خلَقَ اللهُ الجنَّةَ والنَّارَ، فمَن اختارَ النَّارَ على الجنَّةِ، فأبعَدَهُ اللهُ. ألَا وإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَني أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ. فإذا قالوها عَصَموا مِنِّي دِماءَهم وأموالَهم إلَّا بحَقِّها، وحسابُهم على اللهِ. ألَا وإنَّ اللهَ لم يَدَعْ شيئًا ممَّا نهى عنه إلَّا وقد بيَّنَه لكم؛ {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42]. ألَا وإنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤُه لا يَظلِمُ، ولا يَجوزُ عليه ظُلمٌ، وهو بالمِرصادِ؛ ليَجْزِيَ الَّذين أساؤوا بما عَمِلوا، ويَجْزيَ الَّذين أحْسَنوا بالحُسنى، فمَن أحسَنَ فلِنفْسِه، ومَن أساء فعليها، وما ربُّك بظلَّامٍ للعبيدِ. يا أيُّها النَّاسُ، إنَّه قد كَبِرَتْ سِنِّي، ودَقَّ عَظْمي، وانهَدَّ جِسْمي، ونُعِيَت إليَّ نَفْسي، واقترَبَ أجَلي، واشتقْتُ إلى ربِّي. ألَا وإنَّ هذا آخِرُ العهدِ مِنِّي ومنكم، فما دُمْتُ حيًّا فقد تَرَوني، فإذا أنا مِتُّ فاللهُ خَلِيفتي على كلِّ مُسلمٍ. والسَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه. ثمَّ نزَلَ، فابتدَرَه رَهطٌ مِن الأنصارِ قبْلَ أنْ ينزِلَ مِن المِنبرِ، وقالوا: جُعِلَت أنفُسُنا فِداك يا رسولَ اللهِ، مَن يقومُ بهذه الشَّدائدِ؟ وكيف العيشُ بعدَ هذا اليومِ؟ فقال لهم: وأنتم فَداكم أبي وأُمِّي، نازَلْتُ ربِّي في أُمَّتي، فقال لي: بابُ التَّوبةِ مفتوحٌ حتَّى يُنْفَخَ في الصُّورِ. ثمَّ قال: مَن تاب قبلَ مَوتِه بسَنةٍ تاب اللهُ عليه، ثمَّ قال: سَنةٌ كثيرٌ. مَن تاب قبلَ مَوتِه بشَهرٍ تاب اللهُ عليه، ثمَّ قال: شَهرٌ كثيرٌ. ومَن تاب قبلَ موتِه بجُمعةٍ تاب اللهُ عليه، ثمَّ قال: جُمعةٌ كثيرٌ. مَن تاب قبلَ مَوتِه بيومٍ تاب اللهُ عليه، ثمَّ قال: يومٌ كثيرٌ. ثمَّ قال: مَن تاب قبلَ موتِه بساعةٍ تاب اللهُ عليه. ثمَّ قال: مَن تاب قبْلَ أنْ يُغرغِرَ بالموتِ تاب اللهُ عليه. ثمَّ نزَلَ. فكانت آخِرَ خُطبةٍ خطَبَها صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ
2
✔ صحيح📌 لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه
سألْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما عن قولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لموسى صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40]، فسألْتُه عن الفُتونِ؟ فقال: استأنِفِ النَّهارَ يا ابنَ جُبيرٍ؛ فإنَّ لها حديثًا طويلًا. قال: فغدوْتُ على ابنِ عبَّاسٍ لأنتجِزَ ما وَعَدني مِن حديثِ الفُتونِ، فقال: تذاكَرَ فِرعونُ وجُلساؤُه ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أنْ يجعَلَ في ذُرِّيتَه أنبياءَ ومُلوكًا؛ فقال بعضُهم: إنَّ بني إسرائيلَ لينتظِرونَ ذلك ما يشُكُّون فيه، وقد كانوا يظنُّونَ أنَّه يُوسفُ بنُ يعقوبَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فلمَّا هلَكَ قالوا: ليس هكذا كان، إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال فِرعونُ: فكيف تَرَونَ؟ فائْتَمَروا، واجتمَعوا أمْرَهم على أنْ يبعَثَ رِجالًا بالشِّفارِ، يَطُوفون في بني إسرائيلَ، فلا يَجِدون مولودًا ذكَرًا إلَّا ذَبَحوه، ففَعَلوا ذلك، فلمَّا أنْ رَأَوا أنَّ الكبارَ في بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالِهم، والصِّغارَ يُذْبَحونَ، قالوا: أتوشِكونَ أنْ تُفْنوا بني إسرائيلَ، فتَصيروا إلى أنْ تُباشِروا مِن الأعمالِ والخدمةِ الَّتي كانوا يَكْفُونكم؟ فاقْتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيقِلَّ نَباتُهم، ودَعُوا عامًا، فلا تَقْتلوا منهم أحدًا، فيشِبَّ الصِّغارُ مكانَ مَن يموتُ مِن الكبارِ، فإنَّهم لنْ يَكْثروا بمَن تَسْتحيون، فتخافوا مُكاثرتَهم إياكم، ولنْ يَفْنَوا بمَن تقتُلونَ، فتحتاجونَ إليهم، فأجْمَعوا أمْرَهم على ذلك، فحمَلَت أُمُّ موسى بهارونَ عليهما السَّلامُ العامَ الَّذي لا يُذْبَحُ فيه الغِلمانُ، فولدَتْه عَلانيةً، فلمَّا كان مِن قابلٍ حمَلَتْ بمُوسى عليه السَّلامُ، فوقَعَ في قلْبِها مِن الهَمِّ والحزنِ. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، ما دخَلَ عليه في دهو بَطْنِ أُمِّه ممَّا يُرادُ به، فأوحَى اللهُ تعالى إليها: {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7]، وأمَرَها أنْ إذا ولَدَتْ أنْ تجعَلَه في تابوتٍ، ثمَّ تُلْقِيه في اليمِّ، فلمَّا ولَدَت فعَلَت ذلك به، فألْقَته في اليمِّ، فلمَّا توارى عنها ابنُها أتاها الشَّيطانُ، فقالت في نفْسِها: ما فعَلْتُ بابني؟! لو ذُبِحَ لبِثَ عندي فرأيْتُه وكفَّنْتُه، كان أحَبَّ إليَّ مِن أنْ أُلْقِيَه بيدي إلى دوابِّ البحرِ وحِيتانِه، وانتهى الماءُ به حتَّى أرفَأَ به عند فُرْضَةُ مُسْتَقى جواري امرأةِ فِرعونَ، فلمَّا رأيْنَه أخذْنَه، فهمَمْنَ أنْ يفتحْنَ التَّابوتَ، فقالت بعضُهنَّ: إنَّ في هذا مالًا، وإنَّا إنْ فتحْناه لم تُصدِّقْنا امرأةُ الملِكِ بما وجَدْنا فيه، فحمَلْنَه بهيئةٍ لم يُحرِّكْنَ منه شيئًا، دفعْنَه إليها، فلمَّا فتحَتْه رأتْ فيه غُلامًا، فأُلْقِيَ عليه منها محبَّةٌ لم تُلْقَ مثْلُها على البشَرِ قطُّ، وأصبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فارغًا مِن ذِكْرِ كلِّ شَيءٍ إلَّا مِن ذِكْرِ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا سمِعَ الذَّابِحونَ بأمْرِه أقبلوا بشِفارِهم إلى امرأةِ فرعونَ ليذبَحُوه -وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت للذَّبَّاحينَ: أقِرُّوه؛ فإنَّ هذا الواحدَ لا يَزيدُ في بني إسرائيلَ حتَّى آتِيَ فِرعونَ فأسْتَوْهِبَه منه، فإنْ وهَبَه لي كنْتُم قد أحسنْتُم وأجمَلْتُم، وإنْ أمَرَ بذبْحِه لم أَلُمْكم، فأتَتْ به فرعونَ، فقالت: قُرَّةُ عينٍ لي ولك، قال فِرعونُ: يكونُ لك، فأمَّا لي فلا حاجةَ لي في ذلك. قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: والَّذي أحلِفُ به، لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه، ولكنَّ اللهَ حرَمَه ذلك. فأرسَلَتْ إلى مَن حولَها، مِن كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ، تختارُ لها ظِئرًا، فجعَلَ كلَّما أخذَتْه امرأةٌ منهنَّ، فترُضِعُه، لم يَقْبَلْ ثَدْيَها، حتَّى أشفَقَت عليه امرأةُ فِرعونَ أنْ يَمتنِعَ مِن اللَّبنِ فيموتَ، فأحْزَنَها ذلك، فأمرَتْ به، فأُخْرِجَ إلى السُّوقِ وتجمَّعَ النَّاسُ، تَرْجو أنْ تجِدَ له ظِئرًا يأخُذُ منها، فلم يَقْبَلْ، وأصبَحَتْ أُمُّ موسى والهةً، فقالت لأُخْتِه: قُصِّيه -يعني: أثَرَهُ- واطْلُبِيه، هل تسمعينَ له ذِكْرًا؟ أحيٌّ ابْني أمْ قد أكلَتْه الدَّوابُّ؟ ونسِيَت ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها فيه، فبَصُرتْ به أختُه عن جُنُبٍ وهم لا يَشعُرونَ، والجُنُبُ: أنْ يبصِرَ الإنسانُ إلى الشَّيءِ البعيدِ وهو إلى جَنْبِه لا يشعُرُ به، فقالت مِن الفرحِ حين أعياهم الظُّؤارتُ: أنا {أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12]، فأخَذُوها فقالوا: ما يُدريك ما نُصْحُهم له؟ هل يعرِفونَه؟ حتَّى شكُّوا في ذلك -فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت: نصيحَتُهم له وشفقَتُهم عليه رغبةً في صِهر الـمَلِك، ورجاءَ مَنفعتِه، فأرْسَلوها، فانطلَقَتْ إلى أُمِّها فأخبرتْها الخبرَ، فجاءتْ أُمُّه، فلمَّا وضعَتْه في حِجْرِها، نزَا إلى ثَدْيِها، فمَصَّه حتَّى امتلَأَ جَنباهُ رِيًّا، وانطلَقَ البشيرُ إلى امرأةِ فرعونَ: أنْ قد وجَدْنا لابْنِك، فأرسَلَتْ إليها، فأُوتِيتْ بها وبه، فلمَّا رأت ما يصنَعُ، قالت لها: امْكُثي عندي؛ تُرْضِعي ابني هذا، فإنِّي لم أحجِبْه شيئًا قطُّ، فقالت أُمُّ مُوسى: لا أستطيعُ أنْ أدَعَ بيتي وولدي، فيَضيعَ، فإنْ طابتْ نفْسُك أنْ تُعْطِيَنه، فأذهَبَ به إلى مَنْزلي، فيكونَ معي لا آلوهُ خيرًا، فعلْتُ، وإلَّا فإنِّي غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي، وذكَرَت أُمُّ مُوسى عليه السَّلامُ ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فتعاسَرَت على امرأةِ فرعونَ، وأيقنَتْ بأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يُنْجِزُ موعودَه، فرجَعَتْ إلى بيتِها بابنِها مِن يومِها، فأنبَتَه اللهُ نباتًا حسنًا، وحفِظَه لِمَا قد قَضى فيه، فلم يزَلْ بنو إسرائيلَ وهم في ناحيةِ القريةِ مُمْتنعينَ يَمْتنعونَ به مِن السُّخرةِ ما كان فيهم. فلمَّا تَرعرَعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأُمِّ مُوسى: أريدُ أنْ تُرِيني ابني، فوعَدَتْها يومًا تُرِيها فيه إيَّاه، فقالتِ امرأةُ فِرعونَ لخُزَّانِها، وظُؤورتِها، وقَهارِمَتِها: لا يَبْقينَّ أحدٌ منكم إلَّا استقبَلَ ابني اليومَ بهَديَّةٍ وكَرامةٍ؛ لِأَرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أمينًا يُحْصِي ما يصنَعُ كلُّ إنسانٍ منكم، فلم تَزَلِ الهدايا والكرامةُ والنِّحلةُ، تَستقبِلُه مِن حينِ خرَجَ مِن بيتِ أُمِّه إلى أنْ دخَلَ على امرأةِ فرعونَ، فلمَّا دخَلَ عليها بجَّلَتْه، وأكرمَتْه، وفرِحَت به، وأعجَبَها، ونحَلَت أُمَّه؛ لحُسْنِ أثَرِه، ثمَّ قالت: لآتيَنَّ به فِرعونَ، فليَنْحَلَنَّه، وليُكْرِمَنَّه، فلمَّا دخَلَتْ به عليه، جعَلَه في حِجْرِه، فتناوَلَ مُوسى لِحيةَ فرعونَ، فمَدَّها إلى الأرضِ، فقال الغواةُ مِن أعداءِ اللهِ لفرعونَ: ألَا ترى إلى ما وعَدَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إبراهيمَ نَبِيَّه عليه السَّلامُ أنَّه يرِثُك، ويَعْلوك، ويصرَعُك، فأرسَلَ إلى الذَّبَّاحينَ، وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، بعدَ كلِّ بلاءٍ ابتُلِيَ به، أو أُرِيدَ به فُتونًا. فجاءت امرأةُ فِرعونَ تَسْعى إلى فرعونَ، فقالت: ما بدا لك في هذا الغلامِ الَّذي وهَبْتَه لي؟ قال: ألَا تَرَيْنَه يزعُمُ أنَّه يصرَعُني ويَعْلوني؟ قالت: اجْعَلْ بيني وبينك أمرًا تعرِفُ فيه الحقَّ؛ ائْتِ بجَمْرتينِ ولُؤلؤتَينِ، فقَرِّبْهما إليه، فإنْ بطَش باللُّؤلؤتَينِ واجتنَبَ الجَمْرتينِ، عرَفْتَ أنَّه يعقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرتَينِ ولم يُرِدِ اللُّؤلؤتَينِ، علِمْتَ أنَّ أحدًا لا يُؤثِرُ الجَمرتينِ على اللُّؤلؤتينَ وهو يعقِلُ، فقُرِّبَ ذلك إليه، فتناوَلَ الجَمرتَينِ، فانْتَزَعوهما مِن يَدِه، وخافت أنْ يحرِقَا يدَيْه، فقالت المرأةُ: ألَا ترى؟! فصرَفَه اللهُ عنه بعدما كان قد هَمَّ به، وكان الله عَزَّ وجَلَّ بالغًا فيه أمْرَه. فلمَّا بلَغَ أشُدَّه وصار مِن الرِّجالِ، لم يكُنْ أحدٌ مِن آلِ فِرعونَ يخلُصُ إلى أحدٍ مِن بني إسرائيلَ معه بظُلمٍ، ولا يخرُجُ حتَّى امْتَنعوا كلَّ الامتناعِ. فبينما مُوسى عليه السَّلامُ يَمْشي في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجُلينِ يَقْتتلانِ؛ أحدُهما فرعونيٌّ، والآخرُ إسرائيليٌّ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فغضِبَ مُوسى عليه السَّلامُ غضبًا شديدًا؛ لأنَّه تناوَلَ وهو يعلَمُ منزلةَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن بَني إسرائيلَ، وحِفْظَه لهم، لا يعلَمُ النَّاسُ إلَّا إنَّما ذلك مِن الرَّضاعِ إلَّا أُمُّ مُوسى، إلَّا أنْ يكونَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أَطْلَعَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليه غيرَه. فوكَزَ مُوسى عليه السَّلامُ الفرعونيَّ، فقتَلَه، وليس يراهما أحدٌ إلَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فقال مُوسى عليه السَّلامُ حين قتَلَ الرَّجلَ: هذا مِن عمَلِ الشَّيطانِ؛ إنَّه عدُوٌّ مُضِلٌّ مُبينٌ، ثمَّ قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ}، إلى قولِه: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16]. {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18] الأخبارَ، فأُتِيَ فِرعونُ فقيلَ: إنَّ بني إسرائيلَ قد قتَلَتْ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحَقِّنا، ولا تُرخِّصْ لهم، فقال: ابْغُوني قاتِلَه ومَن شهِدَ عليه؛ فإنَّ الملِكَ وإنْ كان صَفْوُه مع قومِه، لا يستقيمُ له أنْ يُقِيدَ بغيرِ بيِّنةٍ، ولا ثَبَتٍ، فانْظُروا في عِلْمِ ذلك آخُذْ لكم بحَقِّكم، فبينا هم يَطوفونَ لا يَجِدونَ شيئًا، إذا موسى عليه السَّلامُ قد رأى في الغدِ ذلك الإسرائيليَّ يقتُلُ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ آخرَ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادَفَ مُوسى عليه السَّلامُ قد ندِمَ على ما كان منه، فكَرِهَ الَّذي رأى، فغضِبَ الإسرائيليُّ وهو يُريدُ أنْ يبطِشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ -لِمَا فعَلَ أمسِ واليومَ-: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص: 18]. فنظَرَ الإسرائيليُّ إلى مُوسى عليه السَّلامُ بعدما قال له ما قال، فإذا هو غضبانُ كغضَبِه بالأمسِ الَّذي قتَلَ به الفرعونيَّ، فخاف أنْ يكونَ بعدما قال له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} إيَّاه أراد، ولم يكُنْ أراده، إنَّما أراد الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، فحاجَزَ الفرعونيَّ، فقال: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]؟ وإنَّما قال ذلك؛ مخافةَ أنْ يكون إيَّاهُ أراد مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يقتُلَه، فتنازَعَا. فانطلَقَ الفرعونيُّ إلى قومِه، فأخبَرَهم بما سمِعَ مِن الإسرائيليِّ مِن الخبرِ حين يقولُ: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]، فأرسَلَ فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتُلوا موسى عليه السَّلامُ، فأخَذَ رُسلُ فرعونَ الطَّريقَ الأعظمَ يَمْشون على هَيئتِهم يطلُبونَ مُوسى عليه السَّلامُ، وهم لا يخافونَ أنْ يفوتَهم، فجاء رجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى عليه السَّلامُ مِن أَقْصى المدينةِ، فاختصَرَ طريقًا قريبًا حتَّى سبَقَهم إلى موسى عليه السَّلامُ فأخْبَرَه. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ. فخرَجَ مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ مدينَ لم يلْقَ بلاءً قبلَ ذلك، وليس له علمٌ بالطَّريقِ إلَّا حُسْنَ الظَّنِّ بربِّه عَزَّ وجَلَّ، فإنَّه قال: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص: 22]. {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} إلى {تَذُودَانِ} [القصص: 23]، يعني بذلك: حابستَينِ غنَمَهما، فقال لهما: ما خطْبُكما مُعتزلتَينِ لا تَسْقيانِ مع النَّاسِ؟ قالتا: ليس لنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القومَ، وإنَّما ننتظِرُ فُضولَ حياضِهم، فسقى لهما، فجعَلَ يغرِفُ بالدَّلْوِ ماءً كثيرًا، حتَّى كانتا أوَّلَ الرِّعاءِ فراغًا، فانصرَفَتا بغنَمِهما إلى أبيهما، وانصرَفَ موسى عليه السَّلامُ، فاستظَلَّ بشجرةٍ، وقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، فاستنكَرَ أبوهما سُرعةَ صُدورِهما بغنَمِهما حُفَّلًا بطانًا، فقال: إنَّ لكما اليومَ لشأنًا، فأخبَرَتَاه بما صنَعَ موسى عليه السَّلامُ، فأمَرَ إحداهما أنْ تَدْعُوَه له، فأتَتْ موسى عليه السَّلامُ فدَعَتْه، فلمَّا كلَّمَه قال: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25]، ليس لفِرعونَ ولا لقومِه علينا سُلطانٌ، ولسْنا في مَمْلكتِه. قال: فقالت إحداهما: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، فاحتمَلَتْه الغَيرةُ على أنْ قال: وما يُدريكِ ما قُوَّتُه؟ وما أمانَتُه؟ قالت: أمَّا قُوَّتُه: فما رأيْتُ في الدَّلوِ حين سَقى لنا، لم أرَ رجُلًا قطُّ في ذلك المَسْقى أقوى منه، وأمَّا أمانَتُه: فإنَّه نظَرَ إليَّ حين أقبلْتُ إليه وشَخَصْتُ له، فلمَّا علِمَ إنِّي امرأةٌ، صوَّبَ رأْسَه لم يرفَعْه، ولم ينظُرْ إليَّ حتَّى بلَّغْتُه رِسالتَك، ثمَّ قال لي: امشِي خلفي، وانْعَتي لي الطَّريقَ، لم يفعَلْ هذا إلَّا وهو أمينٌ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقَها، وظَنَّ به الَّذي قالت له. فقال له: هل لك {أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}، إلى قوله: {مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص: 27]، ففعَلَ، فكانت على نَبِيِّ اللهِ موسى عليه السَّلامُ ثمانيَ سنينَ واجبةً، وكانت سنتانِ عِدَةً منه، فقَضَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عنه عِدَتَه فأتمَّها عشْرًا. قال سَعيدٌ: فلَقِيَني رجُلٌ مِن أهلِ النَّصرانيَّةِ مِن عُلمائِهم، فقال: هلْ تَدْري أيَّ الأجلينِ قضى مُوسى عليه السَّلامُ؟ قلْتُ: لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقِيتُ ابنَ عبَّاسٍ، فذكَرْتُ ذلك له، فقال: أمَا علِمْتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ عليه السَّلامُ واجبةً، لم يكُنْ نبيُّ اللهِ ليَنْقُصَ منها شيئًا، وتعلَمُ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ كان قاضيًا عن مُوسى عليه السَّلامُ عِدَتَه الَّتي وعَدَ، فإنَّه قضى عشْرَ سنينَ. فلقِيتُ النَّصرانيَّ، فأخبَرْتُه بذلك، فقال: الَّذي سألْتَه فأخبَرَك أعلَمُ منك بذلك؟ قلْتُ: أجلْ، وأَولى. فلمَّا سار مُوسى عليه السَّلامُ بأهلِه كان مِن أمْرِ النَّارِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القُرآنِ، وأمْرِ العصا ويَدِه، فشكا إلى ربِّه عَزَّ وجَلَّ ما يتخوَّفُ مِن آلِ فرعونَ في القتيلِ، وعُقدةَ لسانِه، فآتاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ سُؤْلَه، وحَلَّ عُقدةً مِن لسانِه، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى هارونَ عليه السَّلامُ، وأمَرَه أنْ يلقاهُ، واندفَعَ مُوسى عليه السَّلامُ بعصاهُ، حتَّى لقِيَ هارونَ عليه السَّلامُ، وانطلَقَا جميعًا إلى فرعونَ، فأقاما حِينًا على بابِه لا يُؤْذَنُ لهما، فقالا: إنَّا رسولَا ربِّك، قال: فمَن ربُّكما يا موسى؟ فأخبراهُ بالَّذي قَصَّ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليك في القُرآنِ، قال: فما تُريدانِ؟ وذكَّرَه القتيلَ، واعتذَرَ بما قد سمِعْتَ، وقال: أريدُ أنْ تُؤمِنَ باللهِ، وأنْ تُرْسِلَ معي بني إسرائيلَ، فأبى عليه، وقال: ائتِ بآيةٍ إنْ كنْتَ مِن الصَّادقينَ، فألقى عصاه فإذا هي حيَّةٌ عظيمةٌ، فازعةٌ، فاغرةٌ فاها، مُسرعةٌ إلى فرعونَ، فلمَّا رآها فِرعونُ قاصدةً إليه خافها، فاقتحَمَ عن سَريرِه، واستغاثَ بمُوسى عليه السَّلامُ أنْ يكُفَّها عنه، ففعَلَ، ثمَّ أخرَجَ يَدَه مِن جَيْبِه، فرآها بيضاءَ مِن غيرِ سُوءٍ، يعني: مِن غيرِ برَصٍ، فرَدَّها، فعادت إلى لونِها الأوَّلِ. فاستشارَ الملَأَ حولَه فيما رأى، فقالوا له: {هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} [طه: 63] الآيةَ، والمُثْلى: مُلْكُهم الَّذي هم فيه والعيشُ. فأَبَوا على مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يُعْطُوه شيئًا ممَّا طلَبَ، وقالوا له: اجمَعْ لهما السَّحرةَ؛ فإنَّهم بأرضِك كثيرٌ، حتَّى نغلِبَ سِحْرَهما، وأرسَلَ في المدائنِ، فحُشِرَ له كلُّ ساحرٍ مُتعالمٍ، فلمَّا أَتَوا على فرعونَ، قالوا: ما يعمَلُ هذا السَّاحرُ؟ قالوا: يعمَلُ الحيَّاتِ، قالوا: فلا واللهِ ما أحدٌ في الأرضِ يعمَلُ السِّحرَ والحيَّاتِ والحبالَ والعِصِيَّ الَّذي نعمَلُ، فما أجْرُنا إنْ نحن غلَبْنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصَّتي، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شَيءٍ أحببتم، فتَواعَدوا يومَ الزِّينةِ وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى. قال سعيدٌ: فحدَّثني ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ يومَ الزِّينةِ اليومُ الَّذي أظهَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيه مُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ والسَّحرةِ هو يومُ عاشوراءَ. فلمَّا اجتمعوا في صَعيدٍ، قال النَّاسُ بعضُهم لبعضٍ: انطَلِقوا، فنتخبَّرْ هذا الأمْرَ، {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 40]، يعنون مُوسى وهارونَ عليهما السَّلامُ؛ استهزاءً بهما، فقالوا: يا موسى -لِقُدْرتِهم في أنفُسِهم بسِحْرِهم- إمَّا أنْ تُلْقِيَ، وإمَّا أنْ نكونَ نحن المُلْقينَ، قال: بل ألْقُوا. {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء: 44]، فرأى مُوسى عليه السَّلامُ مِن سِحْرِهم ما أوجَسَ في نفْسِه خِيفةً، فأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إليه: أنْ ألْقِ عصاك، فلمَّا ألقاها، صارت ثُعبانًا عظيمًا فاغرةً فاها، فجُعِلَتِ العِصِيُّ بدَعوةِ مُوسي عليه السَّلامُ تلتبِسُ بالحبالِ، حتَّى صارتْ جُرُزًا إلى الثُّعبانِ تَدخُل فيه، حتَّى ما أبقَتْ عصًا ولا حبلًا إلَّا ابتلعَتْه. فلمَّا عرَفَ السَّحرةُ ذلك، قالوا: لو كان هذا سِحرٌ لم يَبلُغْ مِن سِحرِنا كلَّ هذا، ولكنَّه أمْرٌ مِن اللهِ، آمنَّا باللهِ ربِّنا وما جاء به مُوسى عليه السَّلامُ، ونتوبُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ ممَّا كنَّا عليه. وكسَرَ اللهُ ظهْرَ فِرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِه، وأظهَرَ الحقَّ، وبطَلَ ما كانوا يعمَلونَ، فغُلِبوا هنالك وانقَلَبوا صاغِرينَ. وامرأةُ فِرعونَ بارزةٌ مُتبذِّلَةٌ تَدْعو بالنَّصرِ لمُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ، فمَن رآها مِن آلِ فرعونَ ظَنَّ أنَّها إنَّما تبذَّلَتْ للشفقةِ على فِرعونَ وأشياعِه، وإنَّما كان حُزْنُها وهمُّها لمُوسى عليه السَّلامُ. فلمَّا طال مُكْثُ مُوسى عليه السَّلامُ لمواعيدِ فِرعونَ الكاذبةِ، كلَّما جاءه بآيةٍ وعَدَه عندها أنْ يُرْسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا مضَتْ أخلَفَ موعِدَه، وقال: هل يستطيعُ ربُّك أنْ يصنَعَ غيرَ هذا؟ فأرسَلَ اللهُ عليه وعلى قومِه الطُّوفانَ، والجرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادعَ، آياتٍ مُفصَّلاتٍ، كلُّ ذلك يَشْكو إلى موسى عليه السَّلامُ، ويطلُبُ إليه أنْ يكُفَّها عنه، ويُواثِقُه على أنْ يُرسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا كَفَّ ذلك عنه، أخلَفَ موعِدَه ونكَثَ عهدَه. فأُمِرَ موسى عليه السَّلامُ بالخُروجِ بقومِه، فخرَجَ بهم ليلًا، فلمَّا أصبَحَ فرعونُ ورأى أنَّهم قد مَضَوا، أرسَلَ في المدائنِ حاشرينَ، فتبِعَهم بجُنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى البحرِ: أنْ إذا ضرَبَك مُوسى بعصاهُ، فانفرِقْ له اثنتَيْ عشْرةَ فِرقةً، حتَّى يجوزَ موسى عليه السَّلامُ ومَن معه، ثمَّ الْتَئَمَ على مَن بقِيَ بعدُ مِن فرعونَ وأشياعِه، فنسِيَ مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يضرِبَ البحرَ بالعصا، فانْتَهى إلى البحرِ وله قصيفٌ؛ مخافةَ أنْ يَضرِبَه موسى عليه السَّلامُ، وهو غافِلٌ، فيصيرَ عاصيًا اللهَ عَزَّ وجَلَّ. فلمَّا تراءى الجَمْعانِ وتقارَبَا، قال أصحابُ موسى: إنَّا لمُدْرَكونَ، افعَلْ ما أمرَكَ به ربُّك عَزَّ وجَلَّ؛ فإنَّك لم تكذِبْ ولم تُكْذَبْ، فقال: وعَدَني ربِّي عَزَّ وجَلَّ إذا أتيْتُ البحرَ، انفرَقَ لي اثنتيْ عشْرةَ فِرقةً حتَّى أُجاوزَه، ثمَّ ذكَرَ بعدَ ذلك العصا، فضرَبَ البحرَ بعصاه حين دنا أوائلُ جُندِ فرعونَ مِن أواخرِ جُندِ مُوسى عليه السَّلامُ، فانفرَقَ البحرُ كما أمَرَه اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكما وُعِدَ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا أنْ جاوَزَ موسى عليه السَّلامُ وأصحابُه البحرَ، ودخَلَ فِرعونُ وأصحابُه، الْتَقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ. فلمَّا جاوَزَ مُوسى عليه السَّلامُ البحرَ، قال أصحابُه: إنَّا نخافُ ألَّا يكونَ فِرعونُ قد غرِقَ، فلا نُؤمِنُ بهلاكِه، فدعا ربَّه عَزَّ وجَلَّ، فأخرَجَه له ببدنه حتَّى استيْقَنوا بهلاكِه. ثمَّ مَرُّوا بعدَ ذلك {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، إلى {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139]، قد رأيتُمْ مِن العِبَرِ، وسمِعْتُم ما يَكْفيكم، ومَضَى. فأنزَلَهم مُوسى عليه السَّلامُ منزلًا، ثمَّ قال لهم: أطيعوا هارونَ عليه السَّلامُ؛ فإنِّي قد استخلفْتُه عليكم، وإنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي عَزَّ وجَلَّ، وأجَّلَهم ثلاثينَ يومًا أنْ يَرجِعَ إليهم فيها، فلمَّا أتى ربَّه وأراد أنْ يُكلِّمَه ثلاثينَ يومًا، وقد صامهنَّ: ليلَهنَّ ونهارَهنَّ، وكرِهَ أنْ يُكلِّمَ ربَّه عَزَّ وجَلَّ ورِيحُ فَمِه رِيحُ فَمِ الصَّائمِ، فتناوَلَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن نباتِ الأرضِ شيئًا فمضَغَه، فقال له ربُّه عَزَّ وجَلَّ حين لقاه: لِمَ أفطرْتَ؟ -وهو أعلَمُ بالَّذي كان- قال: يا ربِّ، إنِّي كرِهْتُ أنْ أُكلِّمَك إلَّا وفَمِي طيِّبُ الرِّيحِ، قال: أوما علِمْتَ يا مُوسى أنْ رِيحَ فَمِ الصَّائمِ أطيبُ عندي مِن رِيحِ المِسْكِ؟ ارجِعْ حتَّى تصومَ عشْرًا ثمَّ ائْتِني، ففعَلَ مُوسى عليه السَّلامُ ما أُمِرَ به. فلمَّا رأى قومُ مُوسى عليه السَّلامُ أنَّه لم يرجِعْ إليهم للأجَلِ ساءَهم ذلك، وكان هارونُ عليه السَّلامُ قد خطَبَهم، فقال لهم: خرجْتُم مِن مِصْرَ ولقومِ فرعونَ عندي عواري وودائعُ، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وأنا أرى أنْ تحتَسِبوا ما لكم عندهم، ولا أحلَّ لكم وديعةً اسْتُودِعْتُمُوها، ولا عاريَّةً، ولسنا برادِّين إليهم شيئًا مِن ذلك، ولا مُمْسِكيه لأنفُسِنا، فحفَرَ حفيرًا، وأمَرَ كلَّ قومٍ عليهم شَيءٌ مِن ذلك؛ مِن متاعٍ أو حِليةٍ أنْ يَقْذِفوه في ذلك الحفيرِ، ثمَّ أوقَدَ عليه النَّارَ، فأحرَقَه، فقال: لا يكونُ لنا، ولا لهم. وكان السَّامريُّ رجلًا مِن قومٍ يَعْبُدون البقرَ جيرانٍ لهم، ولم يكُنْ مِن بني إسرائيلَ، فاحتملَ مع مُوسى عليه السَّلامُ وبني إسرائيلَ حين احْتملوا، فقُضِيَ له أنْ رأى أثرًا، فأخَذَ منه بقبْضَتِه، فمَرَّ بهارونَ، فقال له هارونُ عليه السَّلامُ: يا سامريُّ، ألَا تُلْقي ما في يدَيْك؟ وهو قابضٌ عليه لا يَراه أحدٌ طوالَ ذلك، فقال: هذه قبْضةٌ مِن أثرِ الرَّسولِ الَّذي جاوَزَ بكم البحرَ، ولا أُلْقيها لشَيءٍ إلَّا أنْ تَدْعُوَ اللهَ إذا ألقيْتُها أنْ تكونَ ما أُرِيدُ، فألْقاها، ودعا اللهَ هارونُ عليه السَّلامُ، فقال: أريدُ أنْ يكونَ عِجْلًا، واجتمَعَ ما كان في الحُفرةِ مِن متاعٍ له، أو حِلْيةٍ، أو نحاسٍ، أو حديدٍ، فصار عِجْلًا أجوفَ ليس فيه رُوحٌ، له خُوارٌ. قال ابنُ عبَّاسٍ: لا واللهِ ما كان له صوتٌ قطُّ، إنَّما كانت الرِّيحُ تدخُلُ مِن دُبُرِه وتخرُجُ مِن فَمِه، فكان ذلك الصَّوتُ مِن ذلك. فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا؛ فقالت فِرقةٌ: يا سامريُّ، ما هذا فأنت أعلَمُ به؟ قال: هذا ربُّكم عَزَّ وجَلَّ، ولكنَّ مُوسى عليه السَّلامُ أضَلَّ الطَّريقَ. وقالت فِرقةٌ: لا نُكذِّب بهذا حتَّى يرجِعَ إلينا مُوسى، فإنْ كان ربَّنا لم نكُنْ ضيَّعْناه وعجَزْنا فيه حِينَ رأيْناه، وإنْ لم يكُنْ ربَّنا، فإنَّا نتَّبِعُ قولَ مُوسى عليه السَّلامُ. وقالت فِرقةٌ: هذا عمَلُ الشَّيطانِ، وليس بربِّنا، ولا نُؤْمِنُ، ولا نُصدِّقُ. وأُشْرِبَ فِرقةٌ في قُلوبِهم التَّصديقَ بما قال السَّامريُّ في العجلِ، وأعْلَنوا التَّكذيبَ، فقال لهم هارونُ عليه السَّلامُ: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ} [طه: 90]، وإنَّ ربَّكم ليس هكذا، قالوا: فما بالُ مُوسى عليه السَّلامُ؛ وعَدَنا ثلاثينَ يومًا ثمَّ أخلَفَنا، فهذه أربعونَ قد مَضَت؟! فقال سُفهاؤُهم: أخطَأَ ربَّه، فهو يطلُبُه ويتبَعُه. فلمَّا كلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مُوسى عليه السَّلامُ وقال له ما قال، أخبَرَه بما لقِيَ قومُه بعده. {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه: 86]، وقال لهم ما سمِعْتُم في القُرآنِ وأخَذَ برأْسِ أخِيه، وألْقى الألواحَ مِن الغضَبِ، ثمَّ عذَرَ أخاه بعُذْرِه، واستغفَرَ له، وانصرَفَ إلى السَّامريِّ، فقال له: ما حمَلَك على ما صنعْتَ؟ قال: قبَضْتُ قبضةً مِن أثرِ الرَّسولِ وفطِنْتُ لها، وعُمِّيَت عليكم، فقَذفْتُها؛ وكذلك سوَّلَت لي نَفْسي. قال: {اذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ} إلى قولِه: {نَسْفًا} [طه: 97]، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منه. فاستيقَنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ، واغْتَبَطَ الَّذين كان رأيُهم فيه مثلَ رأيِ هارونَ عليه السَّلامُ، فقالوا بجماعتِهم لمُوسى عليه السَّلامُ: سَلْ لنا ربَّك عَزَّ وجَلَّ أنْ يفتَحَ لنا بابَ توبةٍ نصنَعُها؛ فيُكَفِّرَ عنَّا ما عمِلْنا، فاختارَ موسى عليه السَّلامُ قومَه سبعينَ رجُلًا لذلك -لا يأْلُو الخيرَ- خيارَ بني إسرائيلَ، ومَن لم يُشْرِكْ في العجلِ. فانطلَقَ بهم ليسأَلَ لهم التَّوبةَ، فرجَفَتْ بهم الأرضُ، فاستحيا نبيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من قومِه ووفْدِه حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ، فقال: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155]، وفيهم مَن قد كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ اطَّلَعَ على ما أُشْرِبَ قلبُه من حُبِّ العجلِ وإيمانِه به؛ فلذلك رجَفَت بهم الأرضُ. فقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] إلى: {فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]، فقال: رَبِّ سألْتُك التَّوبةَ لقومي، فقلْتَ: إنَّ رحمتي كتبْتُها لقومٍ غيرِ قومي، فليتَكَ أخَّرْتَني حين تُخْرِجُني حيًّا في أُمَّةِ ذلك الرَّجلِ المرحومةِ، فقال اللهُ له: إنَّ توبتَهم أنْ يقتُلَ كلُّ رجُلٍ منهم مَن لقِيَ مِن والدٍ أو ولدٍ، فيقتُلَه بالسَّيفِ لا يُبَالي مَن قتَلَ في ذلك الموطنِ، وتاب أولئك الَّذين كان خفِيَ على موسى وهارونَ عليهما السلام ما اطَّلَعُ اللهُ عليهم من ذُنوبِهم، فاعتَرَفوا بها، وفعَلوا ما أُمِروا، وغفَرَ اللهُ للقاتِلِ والمقتولِ. ثمَّ سار بهم مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ الأرضِ المُقدَّسةِ، وأخَذَ الألواحَ بعدما سكَتَ عنه الغضبُ، وأمَرَهم بالَّذي أُمِرَ به أنْ يُبَلِّغَهم من الوظائفِ، فثقُلَ ذلك عليهم، وأبَوا أنْ يُقِرُّوا بها، فنتَقَ اللهُ عليهم الجبلَ كأنَّه ظُلَّةٌ، ودنا منهم حتَّى خافوا أنْ يقَعَ عليهم، فأخَذُوا الكتابَ بأيمانِهم وهم يَصْغُون ينظُرونَ إلى الجبلِ والأرضِ، والكتابُ بأيديهم وهم يَنظُرونَ إلى الجبلِ؛ مخافةَ أنْ يقَعَ عليهم، ثمَّ مَضَوا إلى الأرضِ المُقدَّسةِ، فوَجَدوا مدينةَ قومٍ جبَّارينَ خَلْقُهم مُنْكرٌ، وذكَرَ من ثِمارِهم أمرًا عجَبًا من عِظَمِها، فقالوا: يا موسى، إنَّ فيها قومًا جبَّارينَ لا طاقةَ لنا بهم، ولا ندخُلُها ما داموا فيها، فإنْ يَخْرجوا منها فإنَّا داخِلونَ، قال رجُلانِ من الَّذين يَخافونَ مِن الجبَّارينَ: آمنَّا بمُوسى عليه السَّلامُ، فخرَجَا إليه، فقالا: نحنُ أعلَمُ بقومِنا، إنْ كنتُمْ إنَّما تَخافونَ ما رأيتُمْ من أجسامِهم وعدَدِهم، فإنَّهم لا قُلوبَ لهم، ولا مَنعةَ عندهم، فادْخُلوا عليهم البابَ، فإذا دخلْتُموه فإنَّكم غالِبونَ. ويقولُ أناسٌ: إنَّهما من قومِ مُوسى عليه السَّلامُ. وزعَمَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ أنَّهما من الجبَّارينَ آمَنَا بمُوسى، بقولِه: {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} [المائدة: 23]: إنَّما عَنى بذلك: مِن الَّذين يَخافونَ بني إسرائيلَ. {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، فأغْضَبوا مُوسَى عليه السَّلامُ، فدعا عليهم، وسمَّاهم فاسقينَ، ولم يدْعُ عليهم قبلَ ذلك؛ لِمَا رأى منهم من المعصيةِ وإساءتِهم حتَّى كان يومئذٍ، فاستجابَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ له، فسمَّاهم كما سمَّاهم مُوسى عليه السَّلامُ فاسقينَ، فحرَّمَها عليهم أربعينَ سَنةً يَتِيهون في الأرضِ؛ يُصْبِحون كلَّ يومٍ، فيَسِيرونَ ليس لهم قرارٌ، ثمَّ ظلَّلَ عليهم الغمامَ في التِّيهِ، وأنزَلَ عليهم المَنَّ والسَّلوى، وجعَلَ لهم ثيابًا لا تَبْلى، ولا تتَّسِخُ، وجعَلَ بين ظَهرِهم حَجرًا مُربَّعًا، وأمَرَ مُوسى عليه السَّلامُ فضرَبَه بعصاهُ، فانفجَرَ منه اثنتا عشْرةَ عينًا، في كلِّ ناحيةٍ ثلاثةُ أعينٍ، وأعلَمَ كلَّ سِبْطٍ عينَهم الَّتي يَشْربون منها، فلا يَرْتحِلونَ من مَنزلٍ إلَّا وجدوا ذلك الحجرَ منهم بالمكانِ الَّذي كان منه أمسِ
أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ كَعبِ بنِ مالِكٍ -وكان قائِدَ كَعبٍ مِن بَنيه حينَ عَميَ- قال: سَمِعتُ كَعبَ بنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حينَ تَخَلَّفَ عن قِصَّةِ تَبوكَ، قال كَعبٌ: لَم أتَخَلَّفْ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةٍ غَزاها إلَّا في غَزوةِ تَبوكَ، غيرَ أنِّي كُنتُ تَخَلَّفتُ في غَزوةِ بَدرٍ، ولَم يُعاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنها، إنَّما خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُريدُ عيرَ قُرَيشٍ، حتَّى جَمَعَ اللهُ بينَهم وبينَ عَدوِّهِم على غيرِ ميعادٍ، ولقد شَهِدتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيلةَ العَقَبةِ حينَ تَواثَقنا على الإسلامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشهَدَ بَدرٍ، وإن كانَت بَدرٌ أذكَرَ في النَّاسِ منها، كان مِن خَبَري: أنِّي لَم أكُنْ قَطُّ أقوى ولا أيسَرَ حينَ تَخَلَّفتُ عنه في تلك الغَزاةِ، واللهِ ما اجتَمعت عِندي قَبلَه راحِلَتانِ قَطُّ، حتَّى جَمَعتُهما في تلك الغَزوةِ، ولَم يَكُنْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُريدُ غَزوةً إلَّا ورَّى بغَيرِها، حتَّى كانَت تلك الغَزوةُ غَزاها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حَرٍّ شَديدٍ، واستَقبَلَ سَفَرًا بَعيدًا ومَفازًا وعَدوًّا كَثيرًا، فجَلَّى للمُسلِمينَ أمرَهم؛ ليَتَأهَّبوا أُهبةَ غَزوِهم، فأخبَرَهم بوجهِه الذي يُريدُ، والمُسلِمونَ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَثيرٌ، ولا يَجمَعُهم كِتابٌ حافِظٌ -يُريدُ الدِّيوانَ- قال كَعبٌ: فما رَجُلٌ يُريدُ أن يَتَغَيَّبَ إلَّا ظَنَّ أن سَيَخفى له، ما لَم يَنزِلْ فيه وحيُ اللهِ، وغَزا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تلك الغَزوةَ حينَ طابَتِ الثِّمارُ والظِّلالُ، وتَجَهَّزَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُسلِمونَ معهُ، فطَفِقتُ أغدو لكَي أتَجَهَّزَ معهُم، فأرجِعُ ولَم أقضِ شيئًا، فأقولُ في نَفسي: أنا قادِرٌ عليه، فلَم يَزَلْ يَتَمادى بي حتَّى اشتَدَّ بالنَّاسِ الجِدُّ، فأصبَحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُسلِمونَ معهُ، ولَم أقضِ مِن جَهازي شيئًا، فقُلتُ: أتَجَهَّزُ بَعدَه بيَومٍ أو يَومَينِ، ثُمَّ ألحَقُهم، فغَدَوتُ بَعدَ أن فصَلوا لأتَجَهَّزَ، فرَجَعتُ ولَم أقضِ شيئًا، ثُمَّ غَدَوتُ، ثُمَّ رَجَعتُ ولَم أقضِ شيئًا، فلَم يَزَلْ بي حتَّى أسرَعوا وتَفارَطَ الغَزوُ، وهَمَمتُ أن أرتَحِلَ فأُدرِكَهم، ولَيتَني فعَلتُ! فلَم يُقدَّرْ لي ذلك، فكُنتُ إذا خَرَجتُ في النَّاسِ بَعدَ خُروجِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطُفتُ فيهم، أحزَنَني أنِّي لا أرى إلَّا رَجُلًا مَغموصًا عليه النِّفاقُ، أو رَجُلًا مِمَّن عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفاءِ، ولَم يَذكُرْني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى بَلَغَ تَبوكَ، فقال وهو جالِسٌ في القَومِ بتَبوكَ: ما فعَلَ كَعبٌ؟ فقال رَجُلٌ مِن بَني سَلِمةَ: يا رَسولَ اللهِ، حَبَسَه بُرداه ونَظَرُه في عِطفِه، فقال مُعاذُ بنُ جَبَلٍ: بئسَ ما قُلتَ، واللهِ يا رَسولَ اللهِ، ما عَلِمنا عليه إلَّا خَيرًا، فسَكَتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال كَعبُ بنُ مالِكٍ: فلَمَّا بَلَغَني أنَّه تَوجَّهَ قافِلًا، حَضَرَني هَمِّي، وطَفِقتُ أتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وأقولُ: بماذا أخرُجُ مِن سَخَطِه غَدًا؟! واستَعَنتُ على ذلك بكُلِّ ذي رَأيٍ مِن أهلي، فلَمَّا قيلَ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظَلَّ قادِمًا، زاحَ عَنِّي الباطِلُ، وعَرَفتُ أنِّي لَن أخرُجَ منه أبَدًا بشَيءٍ فيه كَذِبٌ، فأجمَعتُ صِدقَه، وأصبَحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادِمًا، وكان إذا قدِمَ مِن سَفَرٍ بَدَأ بالمَسجِدِ، فيَركَعُ فيه رَكعَتَينِ، ثُمَّ جَلَسَ للنَّاسِ، فلَمَّا فعَلَ ذلك جاءَه المُخَلَّفونَ، فطَفِقوا يَعتَذِرونَ إليه ويَحلِفونَ له، وكانوا بضعةً وثَمانينَ رَجُلًا، فقَبِلَ منهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَلانيَتَهم، وبايَعَهم واستَغفَرَ لهم، ووكَلَ سَرائِرَهم إلى اللهِ، فجِئتُه، فلَمَّا سَلَّمتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغضَبِ، ثُمَّ قال: تَعالَ، فجِئتُ أمشي حتَّى جَلَستُ بينَ يَدَيه، فقال لي: ما خَلَّفَكَ؟ ألَم تَكُنْ قدِ ابتَعتَ ظَهرَكَ؟ فقُلتُ: بَلى، إنِّي واللهِ لو جَلَستُ عِندَ غيرِكَ مِن أهلِ الدُّنيا، لَرَأيتُ أن سَأخرُجُ مِن سَخَطِه بعُذرٍ، ولقد أُعطيتُ جَدَلًا، ولَكِنِّي واللهِ، لقد عَلِمتُ لَئِن حَدَّثتُكَ اليومَ حَديثَ كَذِبٍ تَرضى به عَنِّي، لَيوشِكَنَّ اللهُ أن يُسخِطَكَ عليَّ، ولَئِن حَدَّثتُكَ حَديثَ صِدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه، إنِّي لَأرجو فيه عَفوَ اللهِ، لا واللهِ، ما كان لي مِن عُذرٍ، واللهِ ما كُنتُ قَطُّ أقوى ولا أيسَرَ مِنِّي حينَ تَخَلَّفتُ عَنكَ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا هذا فقد صَدَقَ، فقُمْ حتَّى يَقضيَ اللهُ فيكَ. فقُمتُ، وثارَ رِجالٌ مِن بَني سَلِمةَ فاتَّبَعوني، فقالوا لي: واللهِ ما عَلِمناكَ كُنتَ أذنَبتَ ذَنبًا قَبلَ هذا، ولقد عَجَزتَ أن لا تَكونَ اعتَذَرتَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتَذَرَ إليه المُتَخَلِّفونَ، قد كان كافيَكَ ذَنبَكَ استِغفارُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَكَ، فواللهِ ما زالوا يُؤَنِّبوني حتَّى أرَدتُ أن أرجِعَ فأُكَذِّبَ نَفسي، ثُمَّ قُلتُ لهم: هل لَقيَ هذا مَعي أحَدٌ؟ قالوا: نَعَم، رَجُلانِ قالا مِثلَ ما قُلتَ، فقيلَ لهما مِثلُ ما قيلَ لَكَ، فقُلتُ: مَن هُما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ الرَّبيعِ العَمريُّ، وهِلالُ بنُ أُمَيَّةَ الواقِفيُّ، فذَكَروا لي رَجُلَينِ صالِحَينِ قد شَهِدا بَدرًا، فيهما أُسوةٌ، فمَضَيتُ حينَ ذَكَروهما لي، ونَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المُسلِمينَ عن كَلامِنا أيُّها الثَّلاثةُ مِن بَينِ مَن تَخَلَّفَ عنه، فاجتَنَبَنا النَّاسُ، وتَغَيَّروا لَنا حتَّى تَنَكَّرَت في نَفسي الأرضُ، فما هي التي أعرِفُ، فلَبِثنا على ذلك خَمسينَ لَيلةً، فأمَّا صاحِبايَ فاستَكانا وقَعَدا في بُيوتِهما يَبكيانِ، وأمَّا أنا فكُنتُ أشَبَّ القَومِ وأجلَدَهم، فكُنتُ أخرُجُ فأشهَدُ الصَّلاةَ مع المُسلِمينَ، وأطوفُ في الأسواقِ ولا يُكَلِّمُني أحَدٌ، وآتي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأُسَلِّمُ عليه وهو في مَجلِسِه بَعدَ الصَّلاةِ، فأقولُ في نَفسي: هل حَرَّكَ شَفَتَيه برَدِّ السَّلامِ عليَّ أم لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَريبًا منه، فأُسارِقُه النَّظَرَ، فإذا أقبَلتُ على صَلاتي أقبَلَ إليَّ، وإذا التَفَتُّ نَحوه أعرَضَ عَنِّي، حتَّى إذا طالَ عليَّ ذلك مِن جَفوةِ النَّاسِ مَشَيتُ حتَّى تَسَوَّرتُ جِدارَ حائِطِ أبي قَتادةَ، وهو ابنُ عَمِّي وأحَبُّ النَّاسِ إليَّ، فسَلَّمتُ عليه، فواللهِ ما رَدَّ عليَّ السَّلامَ، فقُلتُ: يا أبا قَتادةَ، أنشُدُكَ باللهِ، هل تَعلَمُني أُحِبُّ اللهَ ورَسولَه؟ فسَكَتَ، فعُدتُ له فنَشَدتُه، فسَكَتَ، فعُدتُ له فنَشَدتُه، فقال: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، ففاضَت عَينايَ، وتَولَّيتُ حتَّى تَسَوَّرتُ الجِدارَ، قال: فبينا أنا أمشي بسوقِ المَدينةِ إذا نَبَطيٌّ مِن أنباطِ أهلِ الشَّأمِ مِمَّن قدِمَ بالطَّعامِ يَبيعُه بالمَدينةِ، يقولُ: مَن يَدُلُّ على كَعبِ بنِ مالِكٍ؟ فطَفِقَ النَّاسُ يُشيرونَ له، حتَّى إذا جاءَني دَفَعَ إليَّ كِتابًا مِن مَلِكِ غَسَّانَ، فإذا فيه: أمَّا بَعدُ، فإنَّه قد بَلَغَني أنَّ صاحِبَكَ قد جَفاكَ، ولَم يَجعَلكَ اللهُ بدارِ هَوانٍ ولا مَضيَعةٍ، فالحَقْ بنا نواسِكَ، فقُلتُ لَمَّا قَرَأتُها: وهذا أيضًا مِنَ البَلاءِ، فتَيَمَّمتُ بها التَّنُّورَ فسَجَرتُه بها، حتَّى إذا مَضَت أربَعونَ لَيلةً مِنَ الخَمسينَ، إذا رَسولُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأتيني، فقال: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأمُرُكَ أن تَعتَزِلَ امرَأتَكَ، فقُلتُ: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعَلُ؟ قال: لا، بَلِ اعتَزِلْها ولا تَقرَبْها، وأرسَلَ إلى صاحِبَيَّ مِثلَ ذلك، فقُلتُ لامرَأتي: الحَقي بأهلِكِ، فتَكوني عِندَهم حتَّى يَقضيَ اللهُ في هذا الأمرِ، قال كَعبٌ: فجاءَتِ امرَأةُ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت: يا رَسولَ اللهِ: إنَّ هِلالَ بنَ أُمَيَّةَ شيخٌ ضائِعٌ، ليس له خادِمٌ، فهل تَكرَهُ أن أخدُمَه؟ قال: لا، ولَكِن لا يَقرَبْكِ. قالت: إنَّه واللهِ ما به حَرَكةٌ إلى شَيءٍ، واللهِ ما زالَ يَبكي مُنذُ كان مِن أمرِه ما كان إلى يَومِه هذا، فقال لي بَعضُ أهلي: لَوِ استَأذَنتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرَأتِكَ كما أذِنَ لامرَأةِ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ أن تَخدُمَه؟ فقُلتُ: واللهِ لا أستَأذِنُ فيها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يُدريني ما يقولُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استَأذَنتُه فيها وأنا رَجُلٌ شابٌّ؟ فلَبِثتُ بَعدَ ذلك عَشرَ لَيالٍ، حتَّى كَمَلَت لَنا خَمسونَ لَيلةً مِن حينَ نَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كَلامِنا، فلَمَّا صَلَّيتُ صَلاةَ الفَجرِ صُبحَ خَمسينَ لَيلةً وأنا على ظَهرِ بَيتٍ مِن بُيوتِنا، فبينا أنا جالِسٌ على الحالِ التي ذَكَرَ اللهُ قد ضاقَت عليَّ نَفسي، وضاقَت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَت، سَمِعتُ صَوتَ صارِخٍ، أوفى على جَبَلِ سَلعٍ بأعلى صَوتِه: يا كَعبُ بنَ مالِكٍ، أبشِرْ، قال: فخَرَرتُ ساجِدًا، وعَرَفتُ أنْ قد جاءَ فرَجٌ، وآذَنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتَوبةِ اللهِ علينا حينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجرِ، فذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرونَنا، وذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرونَ، ورَكَضَ إليَّ رَجُلٌ فرَسًا، وسَعى ساعٍ مِن أسلَمَ، فأوفى على الجَبَلِ، وكان الصَّوتُ أسرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فلَمَّا جاءَني الذي سَمِعتُ صَوتَه يُبَشِّرُني، نَزَعتُ له ثَوبَيَّ، فكَسَوتُه إيَّاهما ببُشراه، واللهِ ما أملِكُ غَيرَهما يَومَئذٍ، واستَعَرتُ ثَوبَينِ فلَبِستُهما، وانطَلَقتُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَتَلَقَّاني النَّاسُ فوجًا فوجًا، يُهَنُّوني بالتَّوبةِ، يَقولونَ: لتَهنِكَ تَوبةُ اللهِ عليك! قال كَعبٌ: حتَّى دَخَلتُ المَسجِدَ، فإذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالِسٌ حَولَه النَّاسُ، فقامَ إليَّ طَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ يُهَروِلُ حتَّى صافَحَني وهَنَّاني، واللهِ ما قامَ إليَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرينَ غَيرَه، ولا أنساها لطَلحةَ، قال كَعبٌ: فلَمَّا سَلَّمتُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يَبرُقُ وجهُه مِنَ السُّرورِ: أبشِرْ بخَيرِ يَومٍ مَرَّ عليك مُنذُ ولَدَتكَ أُمُّكَ، قال: قُلتُ: أمِن عِندِكَ يا رَسولَ اللهِ، أم مِن عِندِ اللهِ؟ قال: لا، بَل مِن عِندِ اللهِ. وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سُرَّ استَنارَ وجهُه حتَّى كَأنَّه قِطعةُ قَمَرٍ، وكُنَّا نَعرِفُ ذلك منه، فلَمَّا جَلَستُ بينَ يَدَيه قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ مِن تَوبَتي أن أنخَلِعَ مِن مالي صَدَقةً إلى اللهِ وإلى رَسولِ اللهِ، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمسِكْ عليك بَعضَ مالِكَ؛ فهو خَيرٌ لَكَ. قُلتُ: فإنِّي أُمسِكُ سَهمي الذي بخَيبَرَ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ إنَّما نَجَّاني بالصِّدقِ، وإنَّ مِن تَوبَتي أن لا أُحَدِّثَ إلَّا صِدقًا ما بَقيتُ. فواللهِ ما أعلَمُ أحَدًا مِنَ المُسلِمينَ أبلاه اللهُ في صِدقِ الحَديثِ مُنذُ ذَكَرتُ ذلك لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسَنَ ممَّا أبلاني؛ ما تَعَمَّدتُ مُنذُ ذَكَرتُ ذلك لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يَومي هذا كَذِبًا، وإنِّي لَأرجو أن يَحفَظَني اللهُ فيما بَقيتُ، وأنزَلَ اللهُ على رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {لَقد تابَ اللهُ على النَّبيِّ والمُهاجِرينَ والأنصارِ} إلى قَولِه: {وكونوا مَعَ الصَّادِقينَ} [التوبة: 117]، فواللهِ ما أنعَمَ اللهُ عليَّ مِن نِعمةٍ قَطُّ بَعدَ أن هَداني للإسلامِ أعظَمَ في نَفسي مِن صِدقي لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكونَ كَذَبتُه، فأهلِكَ كما هَلَكَ الذينَ كَذَبوا؛ فإنَّ اللهَ قال للَّذينَ كَذَبوا -حينَ أنزَلَ الوحيَ- شَرَّ ما قال لأحَدٍ، فقال تَبارَكَ وتَعالى: {سَيَحلِفونَ باللهِ لكم إذا انقَلَبتُم} إلى قَولِه: {فإنَّ اللهَ لا يَرضى عَنِ القَومِ الفاسِقينَ} [التوبة: 96]. قال كَعبٌ: وكُنَّا تَخَلَّفنا أيُّها الثَّلاثةُ عن أمرِ أولئك الذينَ قَبِلَ منهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ حَلَفوا له، فبايَعَهم واستَغفَرَ لهم، وأرجَأ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرَنا حتَّى قَضى اللهُ فيه، فبِذلك قال اللهُ: {وعَلى الثَّلاثةِ الذينَ خُلِّفوا} [التوبة: 118]، وليسَ الذي ذَكَرَ اللهُ ممَّا خُلِّفنا عَنِ الغَزوِ، إنَّما هو تَخليفُه إيَّانا وإرجاؤُه أمرَنا عَمَّن حَلَفَ له واعتَذَرَ إليه فقَبِلَ منه
عنْ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها أنَّها قالتْ: قَدِمَتِ امرأةٌ مِن أهْلِ دُومةِ الجَنْدلِ علَيَّ، جاءتْ تَبتَغي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعْدَ مَوتِه حَدَاثةَ ذلكَ، تَسْألُه عنْ شَيْءٍ دخَلَتْ فيهِ مِن أمرِ السَّحَرةِ لم تَعْمَلْ بهِ، قالتْ عائشةُ لعُروةَ: يا ابنَ أُختِي، فرَأيتُها تَبكِي حينَ لمْ تَجِدْ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فيَشْفِيَها، حتَّى إنِّي لَأرْحَمُها، وتقولُ: إنِّي لَأخافُ أنْ أكونَ قدْ هلَكْتُ؛ كانَ لي زوجٌ فغابَ عنِّي، فدخَلَتْ علَيَّ عجوزٌ، فشَكَوْتُ إليْها، فقالتْ: إنْ فعَلْتِ ما آمُرِكِ، فأجْعَلَه يَأتيكِ، فلمَّا كانَ اللَّيْلُ جاءتْنِي بكَلْبَيْنِ أسوَدَيْنِ، فرَكِبْتُ أحدَهما، ورَكِبَتِ الآخَرَ، فلمْ يكُنْ مُكْثِي حتَّى وقَفْنَا ببابِلَ، فإذا أنا برَجُلَيْن مُعَلَّقَيْنِ بأرجُلِهِما، فقالا: ما جاءَ بكِ؟ فقلْتُ: أتعلَّمُ السِّحْرَ، [فقالَا]: إنَّما نحنُ فِتنةٌ، فلا تَكْفُري وارْجِعي، فأبَيْتُ وقلْتُ: لا، [فقالَا]: فاذْهَبِي إلى ذلِكَ التَّنُّورِ فبُولِي فيهِ، فذَهَبْتُ وفَزِعْتُ، فلَمْ أفعَلْ، فرَجَعْتُ إليْهما، فقالَا لي: فَعَلْتِ؟ قُلتُ: نعمْ، قالَا: هلْ رَأيتِ شيئًا؟ قُلْتُ: لم أرَ شيئًا، فقالَا: لم تَفْعَلي، ارْجِعي إلى بلادِكِ ولا تَكْفُري، فأبَيْتُ، فقالَا: اذهَبِي إلى ذلكَ التَّنُّورِ فبُولِي فيهِ، فذَهبْتُ فاقشَعَرَّ جِلْدي وخِفْتُ، ثمَّ رَجَعْتُ إليهما، فقُلتُ: قدْ فعَلْتُ، فقالَا: ما رأيْتِ؟ فقلْتُ: لم أرَ شيئًا، فقالَا: كَذَبْتِ، لم تَفعَلي، ارْجِعي إلى بِلادِكِ، ولا تَكْفُري؛ فإنَّكِ على رأسِ أمْرِكِ، فأبَيْتُ، فقالا: اذهَبِي إلى ذلكَ التَّنُّورِ، فبُولِي فيهِ، فذهَبْتُ فبُلْتُ فيهِ، فرَأيتُ فارِسًا مُتقَنِّعًا بحديدٍ خرَجَ منِّي حتَّى ذهَبَ في السَّماءِ فغابَ عنِّي حتَّى ما أراه، فأتيْتُهُما، فقُلْتُ: قدْ فعَلْتُ، فقالَا: فما رأيتِ؟ قلْتُ: رَأيتُ فارِسًا مُتقَنِّعًا بحديدٍ خَرَجَ منِّي، فذَهَبَ في السَّماءِ فغابَ عنِّي حتَّى ما أرى شيئًا، قالا: صَدَقْتِ، ذلكِ إيمانُكَ خَرَجَ منكِ، اذْهَبِي. فقُلْتُ للمرأةِ: واللهِ ما أعلَمُ شيئًا وما قالَا لي شَيْئًا، فقالَا: بَلَى إنْ تُريدِينَ شيئًا إلَّا كانَ، خُذِي هذا القَمْحَ فابْذُرِي، فبَذَرْتُ، فقُلْتُ: اطْلُعِي، فطَلَعَتْ، وقُلْتُ: احْقِلْ، فحَقَلَتْ، ثمَّ قُلْتُ: أفْرِخِي، فأفْرَخَتْ، ثُمَّ قُلْتُ: ايبَسِي، فيَبِسَتْ، ثمَّ قلْتُ: اطْحَنِي، فطَحَنَتْ، ثمَّ قُلتُ: اخبِزِي، فخَبَزَتْ، فلَمَّا رَأيتُ أنِّي لا أريدُ شيئًا إلَّا كانَ، سُقِطَ في يَدِي ونَدِمْتُ، واللهِ يا أُمَّ المؤمِنينَ، ما فعَلْتُ شيئًا قَطُّ، ولا أفْعَلُه أبدًا. فسَألَتْ أصحابَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حَداثةَ وَفاةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهُم يومَئِذٍ مُتوافِرونَ، فمَا دَرَوْا ما يَقُولونَ لها، وكلُّهم هابَ وخافَ أنْ يُفْتِيَها بما لا يَعْلَمُ، إلَّا أنَّهم قالوا: لوْ كان أبَواكِ حَيِّينِ أو أحدُهُما لَكانَا يَكْفِيانِكِ
أنا سَيِّدُ النَّاسِ يَومَ القيامةِ، وهَل تَدرونَ لمَ ذلك؟ يَجمَعُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ الأوَّلينَ والآخِرينَ في صَعيدٍ واحِدٍ، يُسمِعُهمُ الدَّاعي، ويَنفُذُهمُ البَصَرُ، وتَدنو الشَّمسُ فيَبلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَربِ ما لا يُطيقونَ، ولا يَحتَمِلونَ، فيَقولُ بَعضُ النَّاسِ لبَعضٍ: ألا تَرَونَ إلى ما أنتُم فيه؟ ما قد بَلَغَكُم؟ ألا تَنظُرونَ مَن يَشفَعُ لَكُم إلى رَبِّكُم عَزَّ وجَلَّ؟ فيَقولُ بَعضُ النَّاسِ لبَعضٍ: أبوكُم آدَمُ، فيَأتونَ آدَمَ، فيَقولونَ: يا آدَمُ، أنتَ أبو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بيَدِه، ونَفَخَ فيكَ مِن روحِه، وأمَرَ المَلائِكةَ فسَجَدوا لَكَ، فاشفَعْ لَنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرى ما نَحنُ فيه؟ ألا تَرى ما قد بَلَغنا؟ فيَقولُ آدَمُ عليه السَّلامُ: إنَّ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ قد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لَم يَغضَب قَبلَه مِثلَه، ولَن يَغضَبَ بَعدَه مِثلَه، وإنَّه نَهاني عَنِ الشَّجَرةِ فعَصَيتُه، نَفسي نَفسي، نَفسي نَفسي، اذهَبوا إلى غَيري، اذهَبوا إلى نوحٍ، فيَأتونَ نوحًا فيَقولونَ: يا نوحُ، أنتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى أهلِ الأرضِ، وسَمَّاكَ اللهُ عَبدًا شَكورًا، فاشفَعْ لَنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرى ما نَحنُ فيه؟ ألا تَرى ما قد بَلَغنا؟ فيَقولُ نوحٌ: إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لَم يَغضَبْ قَبلَه مِثلَه، ولَن يَغضَبَ بَعدَه مِثلَه، وإنَّه كانَت لي دَعوةٌ على قَومي، نَفسي نَفسي، نَفسي نَفسي، اذهَبوا إلى غَيري، اذهَبوا إلى إبراهيمَ، فيَأتونَ إبراهيمَ فيَقولونَ: يا إبراهيمُ، أنتَ نَبيُّ اللهِ وخَليلُه مِن أهلِ الأرضِ، اشفَعْ لَنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرى إلى ما نَحنُ فيه؟ ألا تَرى ما قد بَلَغنا؟ فيَقولُ لهم إبراهيمُ: إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لَم يَغضَبْ قَبلَه مِثلَه، ولَن يَغضَبَ بَعدَه مِثلَه، فذَكَرَ كَذَباتِه، نَفسي نَفسي، نَفسي نَفسي، اذهَبوا إلى غَيري، اذهَبوا إلى موسى، فيَأتونَ موسى فيَقولونَ: يا موسى، أنتَ رَسولُ اللهِ، اصطَفاكَ اللهُ برِسالاتِه وبتَكليمِه على النَّاسِ، اشفَعْ لَنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرى إلى ما نَحنُ فيه؟ ألا تَرى ما قد بَلَغنا؟ فيَقولُ لهم موسى: إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لَم يَغضَبْ قَبلَه مِثلَه، ولَن يَغضَبَ بَعدَه مِثلَه، وإنِّي قَتَلتُ نَفسًا لَم أومَرْ بقَتلِها، نَفسي نَفسي، نَفسي نَفسي، اذهَبوا إلى غَيري، اذهَبوا إلى عيسى، فيَأتونَ عيسى، فيَقولونَ: يا عيسى، أنتَ رَسولُ اللهِ، وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ، وروحٌ منه، قال: هَكَذا هو، وكَلَّمتَ النَّاسَ في المَهدِ، فاشفَعْ لَنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرى إلى ما نَحنُ فيه؟ ألا تَرى ما قد بَلَغنا؟ فيَقولُ لهم عيسى، إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لَم يَغضَب قَبلَه مِثلَه، ولَن يَغضَبَ بَعدَه مِثلَه، ولَم يَذكُرْ له ذَنبًا، اذهَبوا إلى غَيري، اذهَبوا إلى مُحَمَّدٍ، فيَأتوني فيَقولونَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رَسولُ اللهِ، وخاتَمُ الأنبياءِ، غَفَرَ اللهُ لَكَ ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تَأخَّرَ، فاشفَعْ لَنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرى إلى ما نَحنُ فيه؟ ألا تَرى ما قد بَلَغنا؟ فأقومُ فآتي تَحتَ العَرشِ، فأقَعُ ساجِدًا لرَبِّي عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ يَفتَحُ اللهُ عليَّ ويُلهِمُني مِن مَحامِدِه وحُسنِ الثَّناءِ عليه شَيئًا لَم يَفتَحْه على أحَدٍ قَبلي، فيُقالُ: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأسَكَ، سَلْ تُعطَه، اشفَعْ تُشَفَّعْ، فأقولُ: يا رَبِّ أُمَّتي أُمَّتي، يا رَبِّ أُمَّتي أُمَّتي، يا رَبِّ أُمَّتي أُمَّتي، يا رَبِّ، فيَقولُ: يا مُحَمَّدُ، أدخِلْ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسابَ عليه مِنَ البابِ الأيمَنِ مِن أبوابِ الجَنَّةِ، وهم شُرَكاءُ النَّاسِ فيما سِواه مِنَ الأبوابِ، ثُمَّ قال: والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيَدِه، لَما بَينَ مِصراعَينِ مِن مَصاريعِ الجَنَّةِ كما بَينَ مَكَّةَ وهَجَرَ، أو كما بَينَ مَكَّةَ وبُصرى
أنا سيِّدُ النَّاسِ. [يعني حديث: أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُتِيَ بلَحْمٍ فَرُفِعَ إلَيْهِ الذِّرَاعُ، وكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ منها نَهْشَةً، ثُمَّ قالَ: أنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ، وهلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذلكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ ولَا يَحْتَمِلُونَ، فيَقولُ النَّاسُ: ألَا تَرَوْنَ ما قدْ بَلَغَكُمْ، ألَا تَنْظُرُونَ مَن يَشْفَعُ لَكُمْ إلى رَبِّكُمْ؟ فيَقولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: علَيْكُم بآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ عليه السَّلَامُ فيَقولونَ له: أنْتَ أبو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بيَدِهِ، ونَفَخَ فِيكَ مِن رُوحِهِ، وأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، ألَا تَرَى إلى ما قدْ بَلَغَنَا؟ فيَقولُ آدَمُ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنَّه قدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فيَقولونَ: يا نُوحُ، إنَّكَ أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى أهْلِ الأرْضِ، وقدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ: إنَّ رَبِّي عزَّ وجلَّ قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنَّه قدْ كَانَتْ لي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا علَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى إبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إبْرَاهِيمَ فيَقولونَ: يا إبْرَاهِيمُ أنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وخَلِيلُهُ مِن أهْلِ الأرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، فيَقولُ لهمْ : إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنِّي قدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أبو حَيَّانَ في الحَديثِ - نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى مُوسَى فَيَأْتُونَ، مُوسَى فيَقولونَ: يا مُوسَى أنْتَ رَسولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ برِسَالَتِهِ وبِكَلَامِهِ علَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنِّي قدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فيَقولونَ: يا عِيسَى أنْتَ رَسولُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ منه، وكَلَّمْتَ النَّاسَ في المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ عِيسَى: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إلى غيرِي اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فيَقولونَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ رَسولُ اللَّهِ وخَاتِمُ الأنْبِيَاءِ، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، فأنْطَلِقُ فَآتي تَحْتَ العَرْشِ ، فأقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عزَّ وجلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِن مَحَامِدِهِ وحُسْنِ الثَّنَاءِ عليه شيئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ علَى أحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ فأرْفَعُ رَأْسِي، فأقُولُ: أُمَّتي يا رَبِّ، أُمَّتي يا رَبِّ، أُمَّتي يا رَبِّ، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ أدْخِلْ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسَابَ عليهم مِنَ البَابِ الأيْمَنِ مِن أبْوَابِ الجَنَّةِ، وهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيما سِوَى ذلكَ مِنَ الأبْوَابِ، ثُمَّ قالَ: والذي نَفْسِي بيَدِهِ، إنَّ ما بيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِن مَصَارِيعِ الجَنَّةِ، كما بيْنَ مَكَّةَ وحِمْيَرَ - أوْ كما بيْنَ مَكَّةَ وبُصْرَى]
حديثُ الشَّفاعةِ أنتَ أوَّلُ رسولٍ إلى أهلِ الأرضِ [يعني حديث: أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُتِيَ بلَحْمٍ فَرُفِعَ إلَيْهِ الذِّرَاعُ، وكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ منها نَهْشَةً، ثُمَّ قالَ: أنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ، وهلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذلكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ ولَا يَحْتَمِلُونَ، فيَقولُ النَّاسُ: ألَا تَرَوْنَ ما قدْ بَلَغَكُمْ، ألَا تَنْظُرُونَ مَن يَشْفَعُ لَكُمْ إلى رَبِّكُمْ؟ فيَقولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: علَيْكُم بآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ عليه السَّلَامُ فيَقولونَ له: أنْتَ أبو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بيَدِهِ، ونَفَخَ فِيكَ مِن رُوحِهِ، وأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، ألَا تَرَى إلى ما قدْ بَلَغَنَا؟ فيَقولُ آدَمُ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنَّه قدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فيَقولونَ: يا نُوحُ، إنَّكَ أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى أهْلِ الأرْضِ، وقدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ: إنَّ رَبِّي عزَّ وجلَّ قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنَّه قدْ كَانَتْ لي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا علَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى إبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إبْرَاهِيمَ فيَقولونَ: يا إبْرَاهِيمُ أنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وخَلِيلُهُ مِن أهْلِ الأرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، فيَقولُ لهمْ : إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنِّي قدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أبو حَيَّانَ في الحَديثِ - نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى مُوسَى فَيَأْتُونَ، مُوسَى فيَقولونَ: يا مُوسَى أنْتَ رَسولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ برِسَالَتِهِ وبِكَلَامِهِ علَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنِّي قدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فيَقولونَ: يا عِيسَى أنْتَ رَسولُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ منه، وكَلَّمْتَ النَّاسَ في المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ عِيسَى: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إلى غيرِي اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فيَقولونَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ رَسولُ اللَّهِ وخَاتِمُ الأنْبِيَاءِ، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، فأنْطَلِقُ فَآتي تَحْتَ العَرْشِ ، فأقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عزَّ وجلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِن مَحَامِدِهِ وحُسْنِ الثَّنَاءِ عليه شيئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ علَى أحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ فأرْفَعُ رَأْسِي، فأقُولُ: أُمَّتي يا رَبِّ، أُمَّتي يا رَبِّ، أُمَّتي يا رَبِّ، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ أدْخِلْ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسَابَ عليهم مِنَ البَابِ الأيْمَنِ مِن أبْوَابِ الجَنَّةِ، وهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيما سِوَى ذلكَ مِنَ الأبْوَابِ، ثُمَّ قالَ: والذي نَفْسِي بيَدِهِ، إنَّ ما بيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِن مَصَارِيعِ الجَنَّةِ، كما بيْنَ مَكَّةَ وحِمْيَرَ - أوْ كما بيْنَ مَكَّةَ وبُصْرَى -]
أُتِىَ رسولُ اللهِ بلحمٍ ، فدُفِعَ إليهِ منها الذِّراعُ ، وكانتْ تُعْجِبُهُ ، فنَهَسَ منها نَهْسَةً ، ثُمَّ قال : أنا سيدُ الناسِ يومَ القيامَةِ ، وهلْ تدرونَ لِمَ ذلِكَ ؟ يجمعُ اللهُ الأولينَ والآخرينَ في صعيدٍ واحدٍ ، فيقولُ بعضُ الناسِ لبعضٍ : ألَا تَرونَ إلى ما أنتم فيه ؟ ألَا تَرونَ إلى ما قَدْ بلَغَكُمْ ؟ ألَا تنظرونَ مَنْ يشفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ ؟ فيقولُ بعضُ الناسِ لبعضٍ : أبوكم آدمُ ، فيأتونَ آدمَ ، فيقولونَ : أنتَ أبو البشرِ ، فاشفع لنا إِلَى ربِّكَ ، ألَا تَرَى إِلَى ما نَحْنُ فيِهِ ؟ ألَا تَرَى ما قَدْ بلَغَنا ؟ فيقولُ آدمَ : إِنَّ ربِّي قَدْ غَضِبَ اليومَ غضبًا لَمْ يَغْضَبْ قبْلَهُ مثلَهُ ، وَلَنْ يغْضَبَ بَعْدَهُ مثلَهُ ، وإِنَّهُ نَهانِي عَنِ الشجرةِ فعصيتُهُ ، نَفْسِي نَفْسِي ، ( نَفْسِي نَفْسِي ) اذهبوا إلى غَيرِي ، اذهبوا إلى نوحِ ، فيأتونَ نوحًا ، فيقولونَ : يانوحُ ، أنتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إِلى الأرْضِ ، وسمَّاكَ اللهُ عبدًا شَكُورًا ، فاشفَعْ لَنا إِلَى رَبِّكَ ، ألَاتَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فيه ؟ ألَا تَرَى مَا قَدْ بلَغَنا ؟ فيقولُ نوحٌ : ؟ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليومَ غضبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثَلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنَّهُ كانَتْ لِي دَعْوةٌ دَعَوتُ بِها علَى قَومِي ، نَفْسِي نَفْسِي ( نَفْسِي نَفْسِي ) اذهبوا إِلى غيرِي ، اذهبُوا إِلى إبراهيمَ ، فيقولونَ : يا إبراهيمُ أنتَ نَبِيُّ اللهُ وخلِيلَهُ مِنْ أَهْلِ الأرْضِ ، ألَا تَرَى إِلى مانَحْنُ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنا ؟ فيقولُ : ؟ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليومَ غضبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثَلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وذَكَرَ كَذَباتِهِ ، نَفْسِي نَفْسِي ( نَفْسِي نَفْسِي ) اذهبوا إلى غَيْرِي ، اذهبوا إِلى موسى ، فيقولُونَ يا موسَى أنْتَ رسولُ اللهِ ، اصطفاكَ اللهُ بِرسالاتِهِ وتَكْلِيمِهِ علَى الناسِ ، اشفع لنَا إِلى ربِّكَ ، أَلَا تَرَى إلى مَا نَحْنُ فيه ؟ ألَا تَرَى ما قَدْ بلَغَنا ؟ فيقولُ لهم موسَى : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليومَ غضبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثَلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وإِنَِّّي قتلْتُ نَفْسًا لَمْ أومَرْ بقتْلِها ، نَفْسِي نَفْسِي ( نَفْسِي نَفْسِي ) اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى عيسى ، فيقولونَ : يا عيسى أنتَ رسولُ اللهِ وكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مريمَ وروحٌ مِّنْهُ ، قال : هكذا هُوَ ، وكَلَّمْتَ الناسَ في المهدِ فاشْفَعْ لنا إِلَى رَبِّكَ ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فيه ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فيقولُ لَهُمْ عِيسى : إِنَّ ربِّي قَدْ غَضِبَ اليومَ غضبًا لَمْ يَغْضَبْ قبلَه مثلَهُ ، وَلَنْ يغْضَبَ بعدَهُ مثلَهُ ، ( وَلَمْ يذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا ) اذهبوا إلى غيرِى ، اذهبوا إلى محمدٍ ، فيأتُونِي ، فيقولُونَ : يا محمدُ ، أنتَ رسولُ اللهِ ، وخاتِمُ الأنبياءِ ، غفرَ اللهُ لَكَ ذنبَكَ ، ما تَقَدَّمَ مِنْهُ وما تأخَّرَ ، فاشفعْ لنا إِلَى ربِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فيهِ ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فأقومُ ، فَآتِي تَحْتَ العرِشِ ، فَأَقَعُ ساجِدًا إِلَى رَبِّي عزَّ وجلَّ ، ثُمَّ يفتحُ اللهُ علَيَّ ويُلْهِمُني مِنْ مَحامِدِهِ وحُسْنِ الثناءِ عليهِ شيْئًا لم يَفْتَحْهُ علَى أحدٍ مِنْ قَبْلِي ، فيُقالُ : يا محمدُ ارفعْ رأسَكَ ، سَلْ تُعْطَهْ ، اشفعْ تُشَفَّعْ ، فأقولُ : يا ربِّ أُمَّتِي أُمَّتِي ( ياربِّ أُمَّتي أُمَّتي ، ياربِّ أُمَّتي أُمَّتي ) ، فيقولُ : أدخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسابَ علَيْهِ مِنْ البابِ الأيْمَنِ مِنْ أبْوابِ الجنةِ وهمْ شُرَكَاءُ الناسِ فيما سواهُ مِنَ الأبْوابِ ، ثُمَّ قالَ : والِّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَمَا بينَ مصراعَيْنِ مِنْ مصاريعِ الجنةِ كما بَيْنَ مكةَ وهَجَرٍ ، أوْ كَمَا بينَ مكةَ وبُصْرَى
أُتيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومًا بلَحمٍ، فرُفِعَ إليه الذِّراعُ، وكانَت تُعجِبُه، فنَهَسَ مِنها نَهسةً فقال: أنا سَيِّدُ النَّاسِ يَومَ القيامةِ، وهل تَدرونَ بمَ ذاك؟ يَجمَعُ اللهُ يَومَ القيامةِ الأوَّلينَ والآخِرينَ في صَعيدٍ واحِدٍ، فيُسمِعُهمُ الدَّاعي، ويَنفُذُهمُ البَصَرُ، وتَدنو الشَّمسُ، فيَبلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَربِ ما لا يُطيقونَ وما لا يَحتَمِلونَ، فيَقولُ بَعضُ النَّاسِ لبَعضٍ: ألا تَرَونَ ما أنتُم فيه؟ ألا تَرَونَ ما قد بَلَغَكُم؟ ألا تَنظُرونَ مَن يَشفَعُ لكم إلى رَبِّكُم؟ فيَقولُ بَعضُ النَّاسِ لبَعضٍ: ائتوا آدَمَ، فيَأتونَ آدَمَ، فيَقولونَ: يا آدَمُ، أنتَ أبو البَشَرِ، خَلَقَك اللهُ بيَدِه، ونَفَخَ فيك مِن روحِه، وأمَرَ المَلائِكةَ فسَجَدوا لَك، اشفَعْ لنا إلى رَبِّك، ألا تَرى إلى ما نَحنُ فيه؟ ألا تَرى إلى ما قد بَلَغَنا؟ فيَقولُ آدَمُ: إنَّ رَبِّي غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَم يَغضَبْ قَبلَه مِثلَه، ولَن يَغضَبَ بَعدَه مِثلَه، وإنَّه نَهاني عَنِ الشَّجَرةِ فعَصَيتُه، نَفسي نَفسي، اذهَبوا إلى غيري، اذهَبوا إلى نوحٍ، فيَأتونَ نوحًا، فيَقولونَ: يا نوحُ، أنتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى الأرضِ، وسَمَّاك اللهُ عَبدًا شَكورًا، اشفَعْ لنا إلى رَبِّك، ألا تَرى ما نَحنُ فيه؟ ألا تَرى ما قد بَلَغَنا؟ فيَقولُ لهم: إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَم يَغضَبْ قَبلَه مِثلَه، ولَن يَغضَبَ بَعدَه مِثلَه، وإنَّه قد كانَت لي دَعوةٌ دَعَوتُ بها على قَومي، نَفسي نَفسي، اذهَبوا إلى إبراهيمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَأتونَ إبراهيمَ، فيَقولونَ: أنتَ نَبيُّ اللهِ وخَليلُه مِن أهلِ الأرضِ، اشفَعْ لنا إلى رَبِّك، ألا تَرى إلى ما نَحنُ فيه؟ ألا تَرى إلى ما قد بَلَغَنا؟ فيَقولُ لهم إبراهيمُ: إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَم يَغضَبْ قَبلَه مِثلَه، ولا يَغضَبُ بَعدَه مِثلَه، وذَكَرَ كَذَباتِه، نَفسي نَفسي، اذهَبوا إلى غيري، اذهَبوا إلى موسى، فيَأتونَ موسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقولونَ: يا موسى، أنتَ رَسولُ اللهِ فضَّلَك اللهُ برِسالاتِه، وبتَكليمِه على النَّاسِ، اشفَعْ لنا إلى رَبِّك، ألا تَرى إلى ما نَحنُ فيه؟ ألا تَرى ما قد بَلَغَنا؟ فيَقولُ لهم موسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَم يَغضَبْ قَبلَه مِثلَه، ولَن يَغضَبَ بَعدَه مِثلَه، وإنِّي قَتَلتُ نَفسًا لَم أومَرْ بقَتلِها، نَفسي نَفسي، اذهَبوا إلى عيسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَأتونَ عيسى، فيَقولونَ: يا عيسى أنتَ رَسولُ اللهِ، وكَلَّمتَ النَّاسَ في المَهدِ، وكَلِمةٌ منه ألقاها إلى مَريَمَ، وروحٌ منه، فاشفَعْ لنا إلى رَبِّك، ألا تَرى ما نَحنُ فيه؟ ألا تَرى ما قد بَلَغَنا؟ فيَقولُ لهم عيسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَم يَغضَبْ قَبلَه مِثلَه، ولَن يَغضَبَ بَعدَه مِثلَه، ولَم يَذكُرْ له ذَنبًا، نَفسي نَفسي، اذهَبوا إلى غيري، اذهَبوا إلى مُحَمَّدٍ، فيَأتونِّي فيَقولونَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رَسولُ اللهِ، وخاتَمُ الأنبياءِ، وغَفَرَ اللهُ لك ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِك وما تَأخَّرَ، اشفَعْ لنا إلى رَبِّك، ألا تَرى ما نَحنُ فيه؟ ألا تَرى ما قد بَلَغَنا؟ فأنطَلِقُ، فآتي تَحتَ العَرشِ، فأقَعُ ساجِدًا لرَبِّي، ثُمَّ يَفتَحُ اللهُ عليَّ ويُلهمُني مِن مَحامِدِه، وحُسنِ الثَّناءِ عليه شيئًا لَم يَفتَحْه لأحَدٍ قَبلي، ثُمَّ يُقالُ: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأسَك، سَلْ تُعطَه، اشفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفَعُ رَأسي، فأقولُ: يا رَبِّ، أُمَّتي أُمَّتي، فيُقالُ: يا مُحَمَّدُ، أدخِلِ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِك مَن لا حِسابَ عليه مِنَ البابِ الأيمَنِ مِن أبوابِ الجَنَّةِ، وهم شُرَكاءُ النَّاسِ فيما سِوى ذلك مِنَ الأبوابِ، والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيَدِه، إنَّ ما بينَ المِصراعَينِ مِن مَصاريعِ الجَنَّةِ لَكما بينَ مَكَّةَ وهَجَرٍ، أو كما بينَ مَكَّةَ وبُصرى
أنَا سَيِّدُ الناسِ يَومَ القِيامَةِ ، وهَلْ تَدرُونَ مِمَّ ذلكَ ؟ يَجمعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخِرينَ في صَعيدٍ واحِدٍ يُسمِعُهم الدَّاعِي ، ويَنفُذُهُمُ البَصَرُ ، وتَدنُو الشمسُ مِنهُمْ ، فيَبْلُغُ الناسُ من الغمِّ والكَرْبِ ما لا يُطِيقونَ ، ولا يَحْتَمِلُونَ ، فيَقولُ بعضُ الناسِ لبعَضٍ : ألا تَرونَ ما قَدْ بلغَكُم ؟ ألا تَنظُرُونَ مَن يَشفعُ لَكمْ إلى رَبِّكُمْ ؟ فيَقولُ بَعضُ الناسِ لِبعضٍ : ائْتُوا آدَمَ ، فيَأْتُونَ آدَمَ فيَقولُونَ : يا آدَمُ أنتَ أبُونا ، أنتَ أبُو البَشَرِ ، خَلقكَ اللهُ بِيدِهِ ، ونَفَخَ فِيكَ من رُوحِه ، وأمَرَ الملائِكةَ فسَجَدُوا لَكَ ، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ ، ألا تَرى ما نحن فيه ؟ ألا تَرى ما قَدْ بَلَغَنا ؟ فيَقولُ لَهمْ آدَمُ : إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليومَ غَضبًا لَمْ يَغضَبْ قَبلهُ مِثْلَهُ ، ولَنْ يَغضبَ بعدَهُ مِثلَهُ ، وإنَّهُ نهاني عنِ الشَّجرةِ ، فعصَيْتُهُ ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي ، اذهَبوا إلى غيري ، اذْهَبُوا إلى نُوحٍ ، فيَأتُونَ نُوحًا ، فيَقولون : أنتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى أهلِ الأرضِ ، وسَمَّاكَ اللهُ عَبدًا شَكورًا اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ ، ألا تَرى ما نحن فيه ؟ ألا تَرى ما قَدْ بَلَغَنا ؟ فيَقولُ لَهمْ نُوحٌ : إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليومَ غَضبًا لَمْ يَغضَبْ قَبلَهُ مِثْلَهُ ، ولَنْ يَغضبَ بَعدَهُ مِثلَهُ ، وإنَّهُ قَدْ كانَتْ لي دَعوةٌ دَعوتُ بِها على قَومِي ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي ، اذْهَبوا إلى غيرِي ، اذهَبُوا إلى إبراهِيمَ ، فيَأتُونَ إبراهِيمَ فيقولُونَ : يا إبراهِيمُ ؟ أنت نَبيُّ اللهِ وخَليلُهُ من أهلِ الأرضِ ، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ ، ألا تَرى ما نحن فيه ؟ ألا تَرى ما قَدْ بلغَنا ؟ فيقولُ لهم إبراهيمُ : إنَّ ربِّي قَدْ غَضِبَ اليومَ غَضبًا لَمْ يَغضَبْ قَبلَهُ مِثْلَهُ ، ولَنْ يَغضبَ بعدَهُ مِثلَهُ ، وإني قد كنتُ كذبتُ ثلاثَ كذباتٍ ، نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذْهبُوا إلى مُوسى . فيأْتُونَ موسى ، فيقولونَ : يا موسى ! أنت رسولُ اللهِ ، فَضَّلَكَ اللهُ برسالاتِه وبكلامِه على الناسِ ، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ ، ألا تَرى ما نحن فيه ؟ ألا تَرى ما قَدْ بَلَغَنا ؟ ؟ فيقول : إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليومَ غَضبًا لمْ يَغضَبْ قبلَهُ مِثْلَهُ ، ولنْ يَغضبَ بعدَه مِثلَه، وإِنِّي قَتلْتُ نَفسًا لَمْ أُومَرَ بِقتلِها ، نفسي نفسي نفسي ، اذْهَبوا إلى غَيرِي ، اذْهَبُوا إلى عِيسَى ، فيَأْتُونَ عِيسَى فيَقولُونَ : يا عِيسَى ! أنتَ رسولُ اللهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ ، وكَلَّمْتَ الناسَ في المهدِ ، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ ، ألا تَرى ما نحن فيه ؟ ألا تَرى ما قَدْ بَلَغَنا ؟ فيَقولُ لَهمْ عيسى : إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليومَ غَضبًا لَمْ يَغضَبْ قَبلَهُ مِثْلَهُ ، ولَنْ يَغضبَ بَعدَهُ مِثلَهُ ، نفسي نفسي نفسي ، اذْهَبوا إلى غَيرِي ، اذْهَبوا إلى مُحمدٍ ، فيَأتونَ فيَقولُونَ : يا مُحمدُ ! أنتَ رسولُ اللهِ ، وخاتَمُ الأنبياءِ ، وغَفَرَ اللهُ لكَ ما تَقَدَّمَ من ذَنبِكَ ، ومَا تأَخَّرَ ، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ ، ألا تَرى ما نحن فيه ؟ ألا تَرى ما قَدْ بَلَغَنا ؟ فأَنْطَلِقُ ، فآتِي تَحتَ العرشِ ، فأقَعُ ساجِدًا لِربِّي ، ثُم يَفتَحُ اللهُ عليَّ ، ويُلْهِمُنِي من مَحامِدِه وحُسنِ الثَّناءِ عليه شَيئًا لم يَفتَحْهُ لأحَدٍ قَبْلِي ، ثُمَّ يُقالُ : يا مُحمدُ ! ارْفَعْ رأسَكَ ، سَلْ تُعطَ ، واشْفعْ تُشَفَّعْ ، فأَرْفَعُ رأسِي ، فأقولُ : يا رَبِّ ! أُمَّتِي أُمَّتِي ، فيُقالُ : يا مُحمدُ أدْخِلِ الجنةَ من أُمَّتِكَ مَن لا حِسابَ عليه من البابِ الأيمنِ من أبوابِ الجنةِ ، وهُمْ شُركاءُ الناسِ فِيما سِوى ذلِكَ من الأبوابِ ، والَّذِي نفسِي بِيدِهِ ، إنَّ ما بين مِصْراعَيْنِ من مَصارِيعِ الجنةِ لَكَمَا بين مَكَّةَ وهجر ، أو كَمَا بين مَكَّةَ وبُصْرَى
أنَّ رسولَ اللَّهِ ، بينا هوَ جالسٌ في صفِّ الصَّلاةِ [إِذْ جاءهُ رجلٌ كَالبَدَوِيِّ, فصلَّى, فأَخَفَّ صَلاتَهُ ثُمَّ انصرفَ فَسَلَّمَ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ, فقال النبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : و عليكَ, فارْجِعْ فَصَلِّ فإنَّكَ لمْ تُصَلِّ, فرجعَ فصلَّى, ثُمَّ جاءَ فَسَلَّمَ عليهِ, فقال : وعليكَ, فارْجِعْ فَصَلِّ فإنَّكَ لمْ تُصَلِّ, [ ففعلَ ذلكَ ] مرتينِ أوْ ثَلاثًا، كلُّ ذلكَ يأتي النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيسلَّمُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ, فيقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : وعليكَ, فارْجِعْ فَصَلِّ فإنَّكَ لمْ تُصَلِّ, فَخَافَ الناسُ وكَبُرَ عليهم أنْ يَكُونَ مَنْ أَخَفَّ صَلاتَهُ لمْ يُصَلِّ, فقال الرجلُ في آخرِ ذلكَ : فَأَرِنِي و عَلِّمْنِي, فإنَّما أنا بَشَرٌ أُصِيبُ وأُخْطِئُ, فقال : أَجَلْ, إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فَتَوَضَّأْ كما أمرَكَ اللهُ, ثُمَّ تَشَهَّدْ و أَقِمْ, فإنْ كان معَكَ قُرْآنٌ فاقرأْ, وإلَّا فَاحْمَدِ اللهَ وكَبِّرْهُ وهَلِّلْهُ, ثُمَّ ارْكَعْ فَاطْمَئِنَّ رَاكِعًا, ثُمَّ اعْتَدِلْ قائِمًا, ثُمَّ اسْجُدْ فَاعْتَدِلْ ساجِدًا، ثُمَّ اجْلِسْ فَاطْمَئِنَّ جالسًا, ثُمَّ قُمْ, فإذا فَعَلْتَ ذلكَ فقد تَمَّ صَلاتُكَ, وإِنِ انْتَقَصْتَ مِنْها شيئًا انْتَقَصْتَ من صَلاتِكِ, قال : وكان هذا أَهْوَنُ عليهم مِنَ الأُولِ : أنَّهُ مَنِ انْتَقَصَ من ذلكَ شيئًا انْتَقَصَ من صلاتِهِ ولمْ تذْهَبْ كلُّها]
[عن] ابن عباس رضي الله عنهما يقول: لَم أزَل حريصًا أن أسألَ عمرَ عنِ المرأتينِ من أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ اللَّتينِ قالَ اللَّهُ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا حتَّى حجَّ عُمرُ وحجَجتُ معَهُ فصببتُ عليْهِ منَ الإداوةِ فتوضَّأَ فقلتُ يا أميرَ المؤمنينَ منِ المرأتانِ مَن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ اللَّتانِ قالَ اللَّهُ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا فقالَ لي واعجَبًا لَكَ يا ابنَ عبَّاسٍ قالَ الزُّهريُّ وَكرِهَ واللَّهِ ما سألَهُ عنْهُ ولم يَكتُمْهُ فقالَ لي هيَ عائشَةُ وحَفصةُ قالَ ثمَّ أنشَأَ يحدِّثُني الحديثَ فقالَ كنَّا مَعشرَ قريشٍ نغلِبُ النِّساءَ فلمَّا قدِمنا المدينةَ وجَدنا قومًا تَغلبُهم نساؤُهم فطفِقَ نساؤنا يتعلَّمنَ من نسائِهم فتغضَّبتُ يومًا على امرَأَتي فإذا هيَ تُراجِعُني فقالت ما تُنكرُ من ذلِكَ فواللَّهِ إنَّ أزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ ليراجعنَهُ وتَهجرُهُ إحداهنَّ اليومَ إلى اللَّيلِ. قالَ فقلتُ في نفسي قد خابَت مَن فعَلت ذلِكَ منْهنَّ وخسِرَت قالَ وَكانَ منزلي بالعوالي في بني أميَّةَ وَكانَ لي جارٌ منَ الأنصارِ كُنَّا نتناوَبُ النُّزولَ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فينزِلُ يومًا فيأتيني بخبَرِ الوحيِ وغيرِهِ وأنزَلُ يومًا فآتيهِ بمثلِ ذلِكَ. قالَ كنَّا نحدِّثُ أنَّ غسَّانَ تنعَلُ الخيلَ لتَغزونا. قالَ فجاءني يومًا عشاءً فضربَ على البابِ فخرجتُ إليْهِ فقالَ حدثَ أمرٌ عظيمٌ. قلتُ أجاءت غسَّانُ قالَ أعظمُ من ذلِكَ طلَّقَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ نساءَه. قالَ فقلتُ في نفسي قد خابَت حفصةُ وخسِرَت قد كنتُ أظنُّ هذا كائنًا قالَ فلمَّا صلَّيتُ الصُّبحَ شَددتُ عليَّ ثيابي ثمَّ انطلَقتُ حتَّى دخلتُ على حفصةَ فإذا هيَ تبْكي فقلتُ أطلَّقَكنَّ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ قالت لا أدري هوَ ذا معتزلٌ في هذِهِ المشربةِ قالَ فانطلقتُ فأتيتُ غُلامًا أسوَدَ فقلتُ استأذن لعُمرَ قالَ فدخلَ ثُمَّ خرجَ إليَّ قالَ ذَكرتُكَ لَهُ فلم يقُل شيئًا. فانطلَقتُ إلى المسجِدِ فإذا حولَ المنبَرِ نفرٌ يبْكونَ فجلَستُ إليْهِم ثمَّ غلَبني ما أجدُ فأتيتُ الغلامَ فقلتُ استأذَن لعمرَ فدخلَ ثمَّ خرجَ إليَّ فقالَ قد ذَكرتُكَ لَهُ فلم يقُل شيئًا قالَ فانطلَقتُ إلى المسجدِ أيضًا فجلَستُ ثُمَّ غلَبني ما أجدُ فأتيتُ الغُلامَ فقلتُ استأذنَ لعمرَ فدخلَ ثمَّ خرجَ إليَّ فقالَ قد ذَكرتُكَ لَهُ فلم يقُل شيئًا. قالَ فولَّيتُ مُنطلقًا فإذا الغلامُ يدعوني فقالَ ادخُل فقد أذنَ لَكَ فدخلتُ فإذا النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ متَّكئٌ على رملِ حصيرٍ فرأيتُ أثرَهُ في جَنبيهِ فقلتُ يا رسولَ اللَّهِ أطلَّقتَ نساءَكَ قالَ لا . قلتُ اللَّهُ أَكبرُ لو رأيتَنا يا رسولَ اللَّهِ وَكنَّا معشرَ قريشٍ نغلِبُ النِّساءَ فلمَّا قدمنا المدينةَ وجدنا قومًا تغلبُهم نساؤُهم فطفقَ نساؤنا يتعلَّمنَ من نسائِهم فتغضَّبتُ يومًا على امرأتي فإذا هيَ تراجعني فأنْكرتُ ذلِكَ فقالت ما تنْكرُ فواللَّهِ إنَّ أزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ ليراجعنَهُ وتَهجرُهُ إحداهنَّ اليومَ إلى اللَّيلِ قالَ فقلتُ لِحَفصةَ أتراجِعينَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ قالَت نعَم وتَهجرُهُ إحدانا اليومَ إلى اللَّيلِ قال فقلتُ قد خابَت مَن فعَلت ذلِكَ منْكنَّ وخسِرَت أتأمنُ إحداكنَّ أن يغضبَ اللَّهُ عليْها لغَضبِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فإذا هيَ قد هلَكت فتبسَّمَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ. قالَ فقلتُ لحفصةَ لا تراجعي رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ ولا تسأليهِ شيئًا وسليني ما بدا لَكِ ولا يغرَّنَّكِ إن كانت صاحبتُكِ أوسَمَ منْكِ وأحبَّ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ. قالَ فتبسَّمَ أخرى فقلتُ يا رسولَ اللَّهِ أستأنِسُ قالَ نعَم . قالَ فرفعتُ رأسي فما رأيتُ في البيتِ إلَّا أُهبةً ثلاثةً. فقلتُ يا رسولَ اللَّهِ ادعُ اللَّهَ أن يوسِّعَ على أمَّتِكَ فقد وسَّعَ على فارسَ والرُّومِ وَهم لا يعبدونَهُ فاستوى جالسًا فقالَ أفي شَكٍّ أنتَ يا ابنَ الخطَّابِ أولئِكَ قومٌ عُجِّلت لَهم طيِّباتُهم في الحياةِ الدُّنيا . قالَ وَكانَ أقسمَ أن لا يدخلَ على نسائِهِ شَهرًا فعاتبَهُ اللَّهُ في ذلِكَ فجعلَ لَهُ كفَّارةَ اليمينِ قالَ الزُّهريُّ فأخبرَني عروةُ عن عائشةَ قالت فلمَّا مضت تسعٌ وعشرونَ دخلَ عليَّ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ بدأَ بي قالَ يا عائشةُ إنِّي ذاكرٌ لَكِ شيئًا فلا تعجَلي حتَّى تستأمري أبويْكِ قالت ثمَّ قرأَ هذِهِ الآيةَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ الآيةَ. قالت علِمَ واللَّهِ أنَّ أبويَّ لم يَكونا يأمُراني بفراقِهِ قلتُ أفي هذا أستأمرُ أبويَّ فإنِّي أريدُ اللَّهَ ورسولَهُ والدَّارَ الآخرةَ
كنَّا عِندَ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه، فذُكِر عِنده الدَّجَّالُ، فقال عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ: تَفترِقون أيُّها النَّاسُ لخُروجِه على ثَلاثِ فِرَقٍ: فِرقةٍ تَتْبَعُه، وفِرقةٍ تَلْحَقُ بأرضِ آبائِها بمَنابتِ الشِّيحِ، وفِرقةٍ تَأخُذُ شطَّ الفُراتِ يُقاتِلُهم ويُقاتِلونه، حتَّى يَجتمِعَ المؤمنونَ بقُرى الشَّامِ، فيَبْعَثون إليهم طَليعةً فيهم فارسٌ على فرَسٍ أشقَرَ وأبْلَقَ، قال: فيَقتَتِلون، فلا يَرجِعُ منهم بشَرٌ -قال سَلَمةُ: فحَدَّثَني أبو صادقٍ، عن رَبيعةَ بنِ ناجذٍ، أنَّ عبدَ اللهِ بن مَسعودٍ- قال: فرَسٍ أشقَرَ، قال عبْدُ اللهِ: ويَزعُمُ أهلُ الكتابِ أنَّ المسيحَ يَنزِلُ إليه- قال: سَمِعتُه يَذكُرُ عن أهلِ الكتابِ حَديثًا غيْرَ هذا- ثمَّ يَخرُجُ يَأْجوجُ ومَأْجوجُ، فيَمْرَحون في الأرضِ، فيُفسِدون فيها، ثمَّ قَرَأ عبدُ اللهِ: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 96]. قال: ثمَّ يَبعَثُ اللهُ عليهم دابَّةً مِثلَ هذا النَّغَفِ، فتَلِجُ في أسماعِهم ومَناخِرِهم، فيَموتون منها، فتَنْتُنُ الأرضُ منهم، قال: ثمَّ يَبعَثُ اللهُ رِيحًا فيها زَمْهريرٌ باردةٌ، فلمْ تَدَعْ على وجْهِ الأرضِ مُؤمنًا إلَّا كَفَتْه تلكَ الرِّيحُ، قال: ثمَّ تَقومُ السَّاعةُ على شِرارِ النَّاسِ، ثمَّ يقومُ الملَكُ بالصُّورِ بيْن السَّماءِ والأرضِ، فيَنفُخُ فيه -والصُّورُ قَرْنٌ- فلا يَبْقى خلْقٌ في السَّمواتِ والأرضِ إلَّا مات، إلَّا مَن شاء ربُّكَ، ثمَّ يكونُ بيْن النَّفختينِ ما شاء اللهُ أنْ يكونَ، فليْس مِن بَني آدَمَ خَلْقٌ إلَّا منه شَيءٌ. قال: فيُرسِلُ اللهُ ماءً مِن تحْتِ العرشِ كمَنيِّ الرِّجالِ، فتَنبُتُ لُحمانُهم وجُثمانُهم مِن ذلكَ الماءِ، كما يُنبِتُ الأرضُ مِنَ الثَّرى، ثمَّ قَرَأ عبدُ اللهِ: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9]، قال: ثمَّ يقومُ ملَكٌ بالصُّورِ بيْن السَّماءِ والأرضِ، فيَنفُخُ فيه، فيَنطلِقُ كلُّ نفْسٍ إلى جسَدِها حتَّى تَدخُلَ فيه، ثمَّ يَقومون، فيَحْيَون حياةَ رجُلٍ واحدٍ قِيامًا لربِّ العالَمِين. قال: ثمَّ يَتمثَّلُ اللهُ تعالَى إلى الخلْقِ فيَلْقاهم، فليْس أحدٌ يَعبُدُ مِن دونِ اللهِ شَيئًا إلَّا وهو مَرفوعٌ له يَتْبَعُه، قال: فيَلْقى، قال: فيَقولُ: مَن تَعبِدون؟ قال: فيَقولُون: نَعبُدُ عُزَيرًا، قال: هلْ يَسُرُّكم الماءُ؟ فيَقولُون: نعمْ، فيُرِيهم جَهنَّمَ كهَيئةِ السَّرابِ، قال: ثمَّ قَرَأ عبدُ اللهِ: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} [الكهف: 100]. قال: ثمَّ يَلْقى النَّصارى فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: المسيحَ، قال: فيَقولُ: هلْ يَسُرُّكم الماءُ؟ قال: فيَقولُون: نعمْ، قال: فيُرِيهم جَهنَّمَ كهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ كذلكَ لمَن كان يَعبُدُ مِن دونِ اللهِ شَيئًا، قال: ثمَّ قَرَأ عبدُ اللهِ: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24]. قال: ثمَّ يَتمثَّلُ اللهُ تعالَى للخلْقِ حتَّى يَمُرَّ المسْلِمون، قال: فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ اللهَ ولا نُشرِكُ به شَيئًا، فيَنتَهِرُهم مرَّتينِ أو ثلاثًا، فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ اللهَ ولا نُشرِكُ به شَيئًا، قال: فيَقولُ: هلْ تَعرِفون ربَّكم؟ قال: فيَقولُون: سُبحانه! إذا اعتَرَفَ لنا عَرَفْناه، قال: فعِندَ ذلكَ يُكشَفُ عن ساقٍ، فلا يَبْقى مُؤمنٌ إلَّا خَرَّ للهِ ساجدًا، ويَبْقى المنافِقون ظُهورُهم طبَقًا واحدًا كأنَّما فيها السَّفافيدُ، قال: فيَقولُون: ربَّنا، فيَقولُ: قدْ كُنتم تُدْعَون إلى السُّجودِ وأنتُم سالِمون. قال: ثمَّ يَأمُرُ بالصِّراطِ فيُضرَبُ على جَهنَّمَ، فيَمُرُّ النَّاسُ كقدْرِ أعمالِهم زُمَرًا؛ كلمْحِ البَرْقِ، ثمَّ كمَرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمَرِّ الطَّيرِ، ثمَّ كأسرَعِ البهائمِ، ثمَّ كذلكَ حتَّى يَمُرَّ الرَّجلُ سَعيًا ثمَّ مَشْيًا، ثمَّ يكونُ آخِرُهم رجُلًا يَتلبَّطُ على بَطنِه، قال: فيَقولُ: أيْ ربِّ، لِماذا أبطَأْتَ بي؟ فيَقولُ: لمْ أُبْطِئْ بكَ، إنَّما أبطَأَ بكَ عَملُكَ. قال: ثمَّ يَأذَنُ اللهُ تعالَى في الشَّفاعةِ، فيكونُ أوَّلُ شافعٍ رُوحَ القُدسِ جِبريلَ عليه السَّلامُ، ثمَّ إبراهيمَ خَليلَ اللهِ، ثمَّ مُوسى، ثمَّ عِيسى عليهما السَّلامُ، قال: ثمَّ يقومُ نبيُّكم رابعًا، لا يَشفَعُ أحدٌ بعْدَه فيما يَشفَعُ فيه، وهو المقامُ المحمودُ الَّذي ذَكَره اللهُ تبارَك وتعالَى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]. قال: فليْس مِن نفْسٍ إلَّا وهي تَنظُرُ إلى بَيتٍ في الجنَّة أو بَيتٍ في النَّارِ، قال: وهو يوْمُ الحسْرةِ. قال: فيَرى أهلُ النَّارِ البيتَ الَّذي في الجنَّةِ، ثمَّ يُقالُ: لوْ عَمِلْتُم، قال: فتَأخُذُهم الحسرةُ، قال: ويَرى أهلُ الجنَّةِ البيتَ الَّذي في النَّارِ، فيُقالُ: لوْلا أنَّ مَنَّ اللهُ عليكم، قال: ثمَّ يَشفَعُ الملائكةُ والنَّبيُّون والشُّهداءُ والصَّالِحون والمؤمنونَ، فيُشَفِّعُهم اللهُ، قال: ثمَّ يَقولُ اللهُ: أنا أرحَمُ الرَّاحمينَ، فيُخرِجُ مِنَ النَّارِ أكثَرَ ممَّا أخْرَجَ مِن جَميعِ الخلْقِ برَحمتِه، قال: ثمَّ يَقولُ: أنا أرحَمُ الرَّاحمينَ. قال: ثمَّ قَرَأ عبدُ اللهِ: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المدثر: 42]، قال: فعقَدَ عبدُ اللهِ بيَدِه أربعًا، ثمَّ قال: هلْ تَرَون في هؤلاء مِن خيرٍ؟ ما يَنزِلُ فيها أحدٌ فيه خَيرٌ، فإذا أراد اللهُ عزَّ وجلَّ ألَّا يَخرُجَ منها أحدٌ غيَّرَ وُجوهَهم وألْوانَهم، قال: فيَجِيءُ الرَّجلُ فيَنظُرُ ولا يَعرِفُ أحدًا، فيُناديه الرَّجلُ فيَقولُ: يا فُلانُ، أنا فلانٌ، فيَقولُ: ما أعْرِفُكَ، فعندَ ذلكَ يَقولُون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون: 107]، فيَقولُ عِندَ ذلك: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108]، فإذا قال ذلكَ أُطبِقَت عليهم، فلا يَخرُجُ منهم بشَرٌ
حديثُ أنَّهُ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ طافَ يومَ النَّحرِ بالنَّهارِ [يعني حديث: دَخَلْنَا علَى جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، فَسَأَلَ عَنِ القَوْمِ حتَّى انْتَهَى إلَيَّ، فَقُلتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ، فأهْوَى بيَدِهِ إلى رَأْسِي، فَنَزَعَ زِرِّي الأعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الأسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَومَئذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقالَ: مَرْحَبًا بكَ يا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ، وَهو أَعْمَى، وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ في نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بهَا، كُلَّما وَضَعَهَا علَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إلَيْهِ؛ مِن صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إلى جَنْبِهِ علَى المِشْجَبِ، فَصَلَّى بنَا، فَقُلتُ: أَخْبِرْنِي عن حَجَّةِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ بيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا، فَقالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ في النَّاسِ في العَاشِرَةِ أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حَاجٌّ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ برَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ. فَخَرَجْنَا معهُ، حتَّى أَتَيْنَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بنَ أَبِي بَكْرٍ، فأرْسَلَتْ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: كيفَ أَصْنَعُ؟ قالَ: اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بثَوْبٍ وَأَحْرِمِي. فَصَلَّى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في المَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ، حتَّى إذَا اسْتَوَتْ به نَاقَتُهُ علَى البَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إلى مَدِّ بَصَرِي بيْنَ يَدَيْهِ، مِن رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذلكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذلكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذلكَ، وَرَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعليه يَنْزِلُ القُرْآنُ، وَهو يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَما عَمِلَ به مِن شَيءٍ عَمِلْنَا بهِ. فَأَهَلَّ بالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لكَ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بهذا الذي يُهِلُّونَ به، فَلَمْ يَرُدَّ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عليهم شيئًا منه، وَلَزِمَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ تَلْبِيَتَهُ. قالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: لَسْنَا نَنْوِي إلَّا الحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ العُمْرَةَ، حتَّى إذَا أَتَيْنَا البَيْتَ معهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إلى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ عليه السَّلَام، فَقَرَأَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]، فَجَعَلَ المَقَامَ بيْنَهُ وبيْنَ البَيْتِ، فَكانَ أَبِي يقولُ -وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إلَّا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ-: كانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَ{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}. ثُمَّ رَجَعَ إلى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البَابِ إلى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]، أَبْدَأُ بما بَدَأَ اللَّهُ به، فَبَدَأَ بالصَّفَا، فَرَقِيَ عليه، حتَّى رَأَى البَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهو علَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بيْنَ ذلكَ، قالَ مِثْلَ هذا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلى المَرْوَةِ، حتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ في بَطْنِ الوَادِي سَعَى، حتَّى إذَا صَعِدَتَا مَشَى، حتَّى أَتَى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ علَى المَرْوَةِ كما فَعَلَ علَى الصَّفَا، حتَّى إذَا كانَ آخِرُ طَوَافِهِ علَى المَرْوَةِ، فَقالَ: لو أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِن أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فمَن كانَ مِنكُم ليسَ معهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعْشُمٍ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هذا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً في الأُخْرَى، وَقالَ: دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ –مَرَّتَيْنِ- لا، بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ. وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ ببُدْنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فأنْكَرَ ذلكَ عَلَيْهَا، فَقالَتْ: إنَّ أَبِي أَمَرَنِي بهذا، قالَ: فَكانَ عَلِيٌّ يقولُ بالعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مُحَرِّشًا علَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فِيما ذَكَرَتْ عنْه، فأخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذلكَ عَلَيْهَا، فَقالَ: صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الحَجَّ؟ قالَ: قُلتُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُهِلُّ بما أَهَلَّ به رَسولُكَ، قالَ: فإنَّ مَعِيَ الهَدْيَ، فلا تَحِلُّ، قالَ: فَكانَ جَمَاعَةُ الهَدْيِ الذي قَدِمَ به عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ وَالَّذِي أَتَى به النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مِائَةً. قالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إلَّا النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَمَن كانَ معهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فأهَلُّوا بالحَجِّ، وَرَكِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَصَلَّى بهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ تُضْرَبُ له بنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ كما كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ في الجَاهِلِيَّةِ، فأجَازَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قدْ ضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بهَا، حتَّى إذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بالقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ له، فأتَى بَطْنَ الوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقالَ: إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ علَيْكُم، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، أَلَا كُلُّ شَيءٍ مِن أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وإنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِن دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ، كانَ مُسْتَرْضِعًا في بَنِي سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا؛ رِبَا عَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، فإنَّه مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ؛ فإنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عليهنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فإنْ فَعَلْنَ ذلكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ علَيْكُم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمَعروفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ ما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنِ اعْتَصَمْتُمْ به؛ كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَما أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قالوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقالَ بإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بيْنَهُما شيئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حتَّى أَتَى المَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ إلى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حتَّى غَابَ القُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، ويقولُ بيَدِهِ اليُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّما أَتَى حَبْلًا مِنَ الحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حتَّى تَصْعَدَ، حتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بهَا المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بأَذَانٍ وَاحِدٍ وإقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بيْنَهُما شيئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، وَصَلَّى الفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ بأَذَانٍ وإقَامَةٍ. ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الفَضْلَ بنَ عَبَّاسٍ، وَكانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مَرَّتْ به ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَدَهُ علَى وَجْهِ الفَضْلِ، فَحَوَّلَ الفَضْلُ وَجْهَهُ إلى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ علَى وَجْهِ الفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، حتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الوُسْطَى الَّتي تَخْرُجُ علَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الَّتي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كُلِّ حَصَاةٍ منها، مِثْلِ حَصَى الخَذْفِ، رَمَى مِن بَطْنِ الوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ ما غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ ببَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فأكَلَا مِن لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِن مَرَقِهَا. ثُمَّ رَكِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فأفَاضَ إلى البَيْتِ، فَصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهْرَ، فأتَى بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، يَسْقُونَ علَى زَمْزَمَ، فَقالَ: انْزِعُوا بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ علَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ معكُمْ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ منه.]
يَجْمَعُ اللهُ الأولِينَ والآخِرِينَ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلومٍ قِيامًا أربعينَ سَنَةً ، شَاخِصَةً أَبْصارُهُمْ إلى السَّماءِ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ القَضَاءِ قال : ويَنْزِلُ اللهُ عزَّ وجلَّ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ مِنَ العرشِ إلى الكُرْسِيِّ ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ أيُّها الناسُ أَلْم تَرْضَوْا من رَبِّكُمُ الذي خلقَكُمْ ورَزَقَكُمْ وأمرَكُمْ أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بهِ شيئًا أنْ يُوَلِّيَ كلَّ أناسٍ مِنكمْ ما كانُوا يتولونَ ويعبدونَ في الدنيا ، أَليسَ ذلكَ عَدْلا من رَبِّكُمْ ؟ قالوا : بلى ، فَيَنْطَلِقُ كلُّ قومٍ إلى ما كانُوا يعبدونَ ويَتَوَلَّوْنَ في الدنيا ، قال : فَيَنْطَلِقُونَ ، ويمثلُ لهُمْ أَشْباهُ ما كَانُوا يَعْبُدُونَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إلى الشمسِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إلى القمرِ ، والأوْثَانِ مِنَ الحِجَارَةِ وأشْباهِ ما كَانُوا يَعْبُدونَ ، قال : ويمثلُ لِمَنْ كان يَعْبُدُ عِيسَى شَيْطَانُ عِيسَى ، ويمثلُ لِمَنْ كان يَعْبُدُ عُزَيْرًا شَيْطَانُ عُزَيْرٍ ، ويَبْقَى محمدٌ وأُمَّتُهُ ، قال : فيتمثلُ الربُّ تباركَ وتعالى ، فَيأتيهِمُ فيقولُ : ما لَكُمْ لا تَنْطَلِقُونَ كما انطلقَ الناسُ ؟ قال : فَيقولونَ : إِنَّ لَنا إِلَهًا ما رَأَيْناهُ ( بَعْدُ ( فيقولُ : هل تَعْرِفُونَهُ إنْ رأيتُمُوهُ ؟ فَيقولونَ : إنَّ بينَنا وبينَهُ عَلامَةٌ إذا رأيناهُ ، عرفناهُ ، قال فيقولُ : ماهيَ ؟ فَيقولونَ : يَكْشِفُ عن ساقِهِ ، ( قال : ( فعندَ ذلكَ يَكْشِفُ عن ساقِهِ ، فَيَخِرُّ كلُّ مَنْ كان لِظهرِهِ طَبَقٌ ساجدًّا ، ويَبْقَى قومٌ ظُهورُهُمْ كَصَياصِي البَقَرِ ، يُرِيدُونَ السُّجُودَ فلا يَسْتَطِيعُونَ ، ( وقد كَانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهُمْ سالِمُونَ ( ثُمَّ يقولُ : ارفعُوا رؤوسَكُمْ ، فَيَرْفَعُونَ روؤسَهُمْ ، فِيُعْطِيهِمْ نُورَهُمْ على قدرِ أَعْمالِهِمْ ، فمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مثل الجَبَلِ العَظِيمِ ، يَسْعَى بين أيديهِمْ ، ومِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نورَهُ أَصْغَرَ من ذلكَ ، ومِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى مثلَ النخلةِ بِيَمِينِهِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى أَصْغَرَ من ذلكَ حتى يَكُونَ آخِرُهُمْ رجلًا يُعْطَى نُورَهُ على إِبْهامِ قَدَمِهِ ، يُضِيءُ مرةً ، ويطفأُ مرةً ، فإذا أَضَاءَ قَدَمَهُ قدمٌ ( ومَشَى ) وإذا طُفِىءَ قامَ ، قال : والربُّ تباركَ وتعالى أَمامَهُمْ حتى يَمُرَّ بِهَمْ إلى النارِ فَيَبْقَى أَثَرُهُ كَحَدِّ السَّيْفِ ( دَحْضٌ مَزِلَّةٌ ) قال : فيقولُ : مُرُّوا ، فَيَمُرُّونَ على قدرِ نُورِهِمْ ، مِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كطرفةِ العَيْنِ ،وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالبَرْقِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كالسَّحابِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الكوكبِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الفَرَسِ ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرجلِ ، حتى يَمُرُّ الذي يُعطَى نورَهُ على ظهرِ ( إبهِامِ ) قَدَمِهِ يَحْبُو على وجهِهِ ويديْهِ ورِجْلَيْهِ ، تخرُّ يدٌ وتعلقُ يدٌ ، وتخرُّ رجلٌ ، وتعلقُ رجلٌ ، وتُصِيبُ جَوَانِبَهُ النارُ فلا يزالُ كَذلكَ حتى يَخْلُصَ فإذا خَلَصَ وقَفَ عليْها فقال : الحمدُ للهِ الذي أَعْطَانِي ما لمْ يُعْطِ أحدًا ، إذْ أنجانِي مِنْها بعدَ إذْ رأيْتُها قال : فَيُنْطَلَقُ بهِ إلى غَدِيرٍ عندَ بابِ الجنةِ فَيَغْتَسِلُ ، فَيَعُودُ إليهِ رِيحُ أهلِ الجنةِ وأَلْوَانُهُمْ ، فيَرَى ما في الجنةِ من خِلالِ البابِ ، فيقولُ : رَبِّ أَدْخِلْنِي الجنةَ فيقولُ اللهُ ( لهُ ) : أَتَسْأَلُ الجنةَ وقد نَجَّيْتُكَ مِنَ النارِ ؟ فيقولُ : رَبِّ اجعلْ بَيْنِي وبينَها حِجابًا حتى لا أَسْمَعُ حَسِيسَها قال : فَيدخلُ الجنةَ ، ويَرَى أوْ يُرْفَعُ لهُ مَنْزِلٌ أَمامَ ذلكَ كأنَّ ما هو فيهِ بالنسبةِ إليهِ حُلْمٌ ، فيقولُ : رَبِّ ! أعطِنِي ذلكَ المَنْزِلَ فيقولُ ( لهُ ) لَعَلَّكَ إنْ أَعْطَيْتُكَ تَسْأَلُ غيرَهُ ؟ فيقولُ لا وعِزَّتِكَ لا أسألُكَ غيرَهُ ، وأنَّى مَنْزِلٌ أحسنُ مِنْهُ ؟ فَيُعْطَاهُ ، فَيَنْزِلُهُ ، ويَرَى أَمامَ ذلكَ مَنْزِلًا ، كأنَّ ما هو فيهِ بالنسبةِ إليهِ حُلْمٌ قال : رَبِّ أعطِنِي ذلكَ المَنْزِلَ فيقولُ اللهُ تباركَ وتعالى لهُ : لَعَلَّكَ إنْ أَعْطَيْتُكَ تَسْأَلُ غيرَهُ ؟ فيقولُ : لا وعِزَّتِكَ ( لا أسألُكَ ) وأنَّى منَزَلٌ أحسنُ مِنْهُ ؟ فَيُعْطَاهُ فَيَنْزِلُهُ ، ثُمَّ يسكتُ فيقولُ اللهُ جلَّ ذكرهُ : ما لكَ لا تَسْأَلُ ؟ فيقولُ : رَبِّ ! قد سَأَلْتُكَ حتى اسْتَحْيَيْتُكَ ، ( أَقْسَمْتُ لكَ حتى اسْتَحْيَيْتُكَ ( فيقولُ اللهُ جلَّ ذكرهُ : ألمْ ترضَ أنْ أُعْطِيَكَ مثل الدنيا مُنْذُ خَلَقْتُها إلى يومِ أَفْنَيْتُها وعشرَةَ أَضْعَافِهِ ؟ فيقولُ : أتهزأُ بي وأنتَ رَبُّ العزةِ ؟ ( فَيَضْحَكُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ من قولِهِ قال : فَرأيْتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ إذا بَلَغَ هذا المكانَ من هذا الحَدِيثِ ضَحِكَ ، فقال لهُ رجلٌ : يا أبا عَبْدِ الرحمنِ ! قد سَمِعْتُكَ تُحَدِّثُ بهِذا الحَدِيثِ مِرَارًا ، كلَّما بَلَغْتَ هذا المكانَ ضَحِكْتَ ؟ فقال : إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ يُحَدِّثُ هذا الحديثَ مِرَارًا كلَّما بَلَغَ هذا المكانَ من هذا الحَدِيثِ ضَحِكَ حتى تبدُو أضراسَهُ ( ، قال : فيقولُ الرَّبُّ جلَّ ذكرهُ : لا ، ولَكِنِّي على ذلكَ قادِرٌ ، فيقولُ : أَلْحِقْنِي بِالناسِ ، فيقولُ : الحَقْ بِالناسِ . فَيَنْطَلِقُ يرملُ في الجنةِ ، حتى إذا دَنا مِنَ الناسِ رُفِعَ لهُ قَصْرٌ من دُرَّةٍ ، فَيَخِرُّ ساجِدًا ، فيقولُ لهُ : ارفعْ رأسَكَ مالكَ ؟ فيقولُ : رأيْتُ ربِّي أوْ تَرَاءَى لي ربِّي ، فيقالُ إِنَّما هو مَنْزِلٌ من مَنازِلِكَ قال ثُمَّ يَلْقَى رجلًا فَيَتَهَيَّأُ للسجودِ لهُ فيقالُ لهُ : مَهْ ! فيقولُ : رأيْتُ أنَّكَ مَلَكٌ مِنَ الملائكةِ ، فيقولُ : إِنَّما أنا خَازِنٌ من خُزَّانِكَ ، وعَبْدٌ من عَبيدِكَ ، تَحْتَ يَدَيَّ أَلْفُ قَهْرَمانٍ على ( مثل ( ما أنا عليهِ قال : فَيَنْطَلِقُ أَمامَهُ حتى يَفْتَحَ لهُ بابَ القصرِ ، قال وهوَ من دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ شقائقُها وأبوابُها وإغْلاقُها ومَفَاتِيحُها مِنْها ، تَسْتَقْبِلُهُ جَوْهَرَةٌ خَضْرَاءُ مُبَطَّنَةٌ بِحمراءَ ( فيها سبعونَ بابًا ، كلُّ بابٍ يُقضِي إلى جوهرةٍ خضراءُ ، مبطنةٍ كلُّ جوهرةٍ تُفضِي إلى جَوْهَرَةٍ على غَيْرِ لَوْنِ الأُخْرَى ، في كلِّ جَوْهَرَةٍ سُرُرٌ وأزواجٌ ووَصائِفُ ، أَدْناهُنَّ حَوْرَاءُ عَيْناءُ ، عليْها سبعونَ حُلَّةً يُرَى مُخُّ ساقِها من ورَاءِ حُلَلِها ، كَبِدُها مِرْآتُهُ ، وكَبِدُهُ مِرْآتُها إذا أَعْرَضَ عَنْها إِعْرَاضَةً ازْدَادَتْ في عَيْنِهِ سبعينَ ضِعْفًا عَمَّا كانَتْ قبلَ ذلكَ فيقولُ لها : واللهِ لَقَدِ ازْدَدْتِ في عَيْنِي سبعينَ ضِعْفًا عما كُنْتِ قبلَ ذلكَ ، وتَقُولَ لهُ وأنت ( واللهِ ) لقد ازددت في عيني سبعينَ ضعفا فيقالُ لهُ : أشرف ، أشرف . فيشرف ، فيقالُ لهُ : ملكُكَ مسيرةُ مِئةِ عامٍ ، يُنْفِذُهُ بَصَرُكَ قال : فقال لهُ عمرُ : ألا تسمَعُ ما يحَدَّثُنا ابنُ أمِّ عبدٍ يا كعبُ عن أَدْنَى أهلِ الجنةِ منزلًا ، فكَيْفَ أعلاهُمْ ؟ قال : يا أَمِيرَ المؤمنينَ مالًا عينٌ رأَتْ ولا أذنٌ سمَعَتْ ، فذكرَ الحَدِيثَ
خَطَبَنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: إنَّكُم تَسيرونَ عَشيَّتَكُم ولَيلَتَكُم، وتَأتونَ الماءَ إن شاءَ اللهُ غَدًا، فانطَلَقَ النَّاسُ لا يَلوي أحَدٌ على أحَدٍ، قال أبو قَتادةَ: فبينَما رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسيرُ حتَّى ابهارَّ اللَّيلُ، وأنا إلى جَنبِه، قال: فنَعَسَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فمالَ عن راحِلَتِه، فأتَيتُه فدَعَمتُه مِن غيرِ أن أوقِظَه حتَّى اعتَدَلَ على راحِلَتِه، قال: ثُمَّ سارَ حتَّى تَهَوَّرَ اللَّيلُ، مالَ عن راحِلَتِه، قال: فدَعَمتُه مِن غيرِ أن أوقِظَه حتَّى اعتَدَلَ على راحِلَتِه، قال: ثُمَّ سارَ حتَّى إذا كان مِن آخِرِ السَّحَرِ، مالَ مَيلةً هي أشَدُّ مِنَ المَيلَتَينِ الأولَيَينِ، حتَّى كادَ يَنجَفِلُ، فأتَيتُه فدَعَمتُه، فرَفَعَ رَأسَه، فقال: مَن هذا؟ قُلتُ: أبو قَتادةَ، قال: مَتى كان هذا مَسيرَكَ مِنِّي؟ قُلتُ: ما زالَ هذا مَسيري مُنذُ اللَّيلةِ، قال: حَفِظَكَ اللهُ بما حَفِظتَ به نَبيَّه، ثُمَّ قال: هل تَرانا نَخفى على النَّاسِ؟ ثُمَّ قال: هل تَرى مِن أحَدٍ؟ قُلتُ: هذا راكِبٌ، ثُمَّ قُلتُ: هذا راكِبٌ آخَرُ، حتَّى اجتَمَعنا فكُنَّا سَبعةَ رَكبٍ، قال: فمالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِ الطَّريقِ، فوضَعَ رَأسَه، ثُمَّ قال: احفَظوا علينا صَلاتَنا، فكان أوَّلَ مَنِ استَيقَظَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والشَّمسُ في ظَهرِه، قال: فقُمنا فزِعينَ، ثُمَّ قال: اركَبْوا، فرَكِبنا فسِرْنا حتَّى إذا ارتَفَعَتِ الشَّمسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعا بميضَأةٍ كانَت مَعي فيها شيءٌ مِن ماءٍ، قال: فتَوضَّأ منها وُضوءًا دونَ وُضوءٍ، قال: وبَقيَ فيها شيءٌ مَن ماءٍ، ثُمَّ قال لأبي قَتادةَ: احفَظْ علينا ميضَأتَكَ، فسَيَكونُ لَها نَبَأٌ، ثُمَّ أذَّنَ بلالٌ بالصَّلاةِ، فصَلَّى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَكعَتَينِ، ثُمَّ صَلَّى الغَداةَ، فصَنَعَ كما كان يَصنَعُ كُلَّ يَومٍ، قال: ورَكِبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورَكِبنا معهُ، قال: فجَعَلَ بَعضُنا يَهمِسُ إلى بَعضٍ ما كَفَّارةُ ما صَنَعنا بتَفريطِنا في صَلاتِنا؟ ثُمَّ قال: أما لَكُم فيَّ أُسوةٌ؟ ثُمَّ قال: أما إنَّه ليس في النَّومِ تَفريطٌ، إنَّما التَّفريطُ على مَن لَم يُصَلِّ الصَّلاةَ حتَّى يَجيءَ وقتُ الصَّلاةَ الأُخرى، فمَن فعَلَ ذلك فليُصَلِّها حينَ يَنتَبِهُ لَها، فإذا كان الغَدُ فليُصَلِّها عِندَ وقتِها، ثُمَّ قال: ما تَرَونَ النَّاسَ صَنَعوا؟ قال: ثُمَّ قال: أصبَحَ النَّاسُ فقدوا نَبيَّهُم، فقال أبو بَكرٍ وعُمَرُ: رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَكُم، لَم يَكُنْ ليُخَلِّفَكُم، وقال النَّاسُ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بينَ أيديكُم، فإن يُطيعوا أبا بَكرٍ وعُمَرَ يَرشُدوا. قال: فانتَهَينا إلى النَّاسِ حينَ امتَدَّ النَّهارُ، وحَميَ كُلُّ شيءٍ، وهم يقولونَ: يا رَسولَ اللهِ، هَلَكنا، عَطِشنا، فقال: لا هُلكَ علَيكُم، ثُمَّ قال: أطلِقوا لي غُمَري، قال: ودَعا بالميضَأةِ، فجَعَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَصُبُّ، وأبو قَتادةَ يَسقيهم، فلَم يَعْدُ أن رَأى النَّاسُ ماءً في الميضَأةِ تَكابُّوا عليها، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أحسِنوا المَلَأَ، كُلُّكُم سَيَروى، قال: ففَعَلوا، فجَعَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَصُبُّ وأسقيهم، حتَّى ما بَقيَ غيري، وغَيرُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ثُمَّ صَبَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال لي: اشرَبْ، فقُلتُ: لا أشرَبُ حتَّى تَشرَبَ يا رَسولَ اللهِ، قال: إنَّ ساقيَ القَومِ آخِرُهم شُربًا، قال: فشَرِبتُ، وشَرِبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فأتى النَّاسُ الماءَ جامِّينَ رِواءً. قال: فقال عبدُ اللهِ بنُ رَباحٍ: إنِّي لأُحَدِّثُ هذا الحَديثَ في مَسجِدِ الجامِعِ، إذ قال عِمرانُ بنُ حُصَينٍ: انظُرْ أيُّها الفَتى كيفَ تُحَدِّثُ، فإنِّي أحَدُ الرَّكبِ تلك اللَّيلةَ، قال: قُلتُ: فأنتَ أعلَمُ بالحَديثِ، فقال: مِمَّن أنتَ؟ قُلتُ: مِنَ الأنصارِ، قال: حَدِّثْ، فأنتُم أعلَمُ بحَديثِكُم، قال: فحَدَّثتُ القَومَ، فقال عِمرانُ: لقد شَهِدتُ تلك اللَّيلةَ، وما شَعَرتُ أن أحَدًا حَفِظَه كما حَفِظتُه
أنَّ أبا سُفيانَ بنَ حَربٍ أخبَرَه أنَّ هِرَقلَ أرسَلَ إليه في رَكبٍ مِن قُرَيشٍ، وكانوا تُجَّارًا بالشَّأمِ في المُدَّةِ التي كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّ فيها أبا سُفيانَ وكُفَّارَ قُرَيشٍ، فأتَوه وهم بإيلياءَ، فدَعاهم في مَجلِسِه، وحَولَه عُظَماءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعاهم ودَعا بتَرجُمانِه، فقال: أيُّكُم أقرَبُ نَسَبًا بهذا الرَّجُلِ الذي يَزعُمُ أنَّه نَبيٌّ؟ فقال أبو سُفيانَ: فقُلتُ: أنا أقرَبُهم نَسَبًا، فقال: أدنوه مِنِّي، وقَرِّبوا أصحابَه فاجعَلوهم عِندَ ظَهرِه، ثُمَّ قال لتَرجُمانِه: قُل لهم: إنِّي سائِلٌ هذا عن هذا الرَّجُلِ، فإن كَذَبَني فكَذِّبوه. فواللهِ لَولا الحَياءُ مِن أن يَأثُروا عليَّ كَذِبًا لَكَذَبتُ عنه. ثُمَّ كان أوَّلَ ما سَألَني عنه أن قال: كيفَ نَسَبُه فيكُم؟ قُلتُ: هو فينا ذو نَسَبٍ، قال: فهل قال هذا القَولَ مِنكُم أحَدٌ قَطُّ قَبلَه؟ قُلتُ: لا. قال: فهل كان مِن آبائِه مِن مَلِكٍ؟ قُلتُ: لا، قال: فأشرافُ النَّاسِ يَتَّبِعونَه أم ضُعَفاؤُهم؟ فقُلتُ: بَل ضُعَفاؤُهم. قال: أيَزيدونَ أم يَنقُصونَ؟ قُلتُ: بَل يَزيدونَ. قال: فهل يَرتَدُّ أحَدٌ منهم سَخطةً لدينِه بَعدَ أن يَدخُلَ فيه؟ قُلتُ: لا. قال: فهل كُنتُم تَتَّهِمونَه بالكَذِبِ قَبلَ أن يَقولَ ما قال؟ قُلتُ: لا. قال: فهل يَغدِرُ؟ قُلتُ: لا، ونَحنُ منه في مُدَّةٍ لا نَدري ما هو فاعِلٌ فيها، قال: ولَم تُمكِنِّي كَلِمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا غَيرُ هذه الكَلِمةِ، قال: فهل قاتَلتُموه؟ قُلتُ: نَعَم. قال: فكيفَ كان قِتالُكُم إيَّاه؟ قُلتُ: الحَربُ بينَنا وبينَه سِجالٌ، يَنالُ مِنَّا ونَنالُ منه. قال: ماذا يَأمُرُكُم؟ قُلتُ: يقولُ: اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤُكُم، ويَأمُرُنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ. فقال للتَّرجُمانِ: قُل له: سَألتُكَ عن نَسَبِه فذَكَرتَ أنَّه فيكُم ذو نَسَبٍ، فكَذلك الرُّسُلُ تُبعَثُ في نَسَبِ قَومِها. وسَألتُكَ: هل قال أحَدٌ مِنكُم هذا القَولَ؟ فذَكَرتَ أنْ لا، فقُلتُ: لو كان أحَدٌ قال هذا القَولَ قَبلَه، لَقُلتُ: رَجُلٌ يَأتَسي بقَولٍ قيلَ قَبلَه. وسَألتُكَ: هل كان مِن آبائِه مِن مَلِكٍ، فذَكَرتَ أنْ لا، قُلتُ: فلو كان مِن آبائِه مِن مَلِكٍ قُلتُ: رَجُلٌ يَطلُبُ مُلكَ أبيه، وسَألتُكَ: هل كُنتُم تَتَّهِمونَه بالكَذِبِ قَبلَ أن يَقولَ ما قال، فذَكَرتَ أنْ لا، فقد أعرِفُ أنَّه لَم يَكُنْ ليَذَرَ الكَذِبَ على النَّاسِ ويَكذِبَ على اللهِ. وسَألتُكَ: أشرافُ النَّاسِ اتَّبَعوه أم ضُعَفاؤُهم، فذَكَرتَ أنَّ ضُعَفاءَهمُ اتَّبَعوه، وهم أتباعُ الرُّسُلِ. وسَألتُكَ: أيَزيدونَ أم يَنقُصونَ، فذَكَرتَ أنَّهم يَزيدونَ، وكَذلك أمرُ الإيمانِ حتَّى يَتِمَّ. وسَألتُكَ: أيَرتَدُّ أحَدٌ سَخطةً لدينِه بَعدَ أن يَدخُلَ فيه، فذَكَرتَ أنْ لا، وكَذلك الإيمانُ حينَ تُخالِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ. وسَألتُكَ: هل يَغدِرُ، فذَكَرتَ أنْ لا، وكَذلك الرُّسُلُ لا تَغدِرُ. وسَألتُكَ: بما يَأمُرُكُم، فذَكَرتَ أنَّه يَأمُرُكُم أن تَعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكُم عن عِبادةِ الأوثانِ، ويَأمُرُكُم بالصَّلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ، فإن كان ما تَقولُ حَقًّا فسَيَملِكُ مَوضِعَ قدَمَيَّ هاتَينِ، وقد كُنتُ أعلَمُ أنَّه خارِجٌ، لَم أكُنْ أظُنُّ أنَّه مِنكُم، فلو أنِّي أعلَمُ أنِّي أخلُصُ إليه لَتَجَشَّمتُ لقاءَه، ولو كُنتُ عِندَه لَغَسَلتُ عن قدَمِه. ثُمَّ دَعا بكِتابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي بَعَثَ به دِحيةُ إلى عَظيمِ بُصرى، فدَفَعَه إلى هِرَقلَ، فقَرَأهُ فإذا فيه: بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، مِن مُحَمَّدٍ عبدِ اللهِ ورَسولِه إلى هِرَقلَ عَظيمِ الرُّومِ: سَلامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، أمَّا بَعدُ، فإنِّي أدعوكَ بدِعايةِ الإسلامِ، أسلِمْ تَسلَمْ، يُؤتِكَ اللهُ أجرَكَ مَرَّتَينِ، فإن تَولَّيتَ فإنَّ عليك إثمَ الأريسيِّينَ و{يا أهلَ الكِتابِ تَعالَوا إلى كَلِمةٍ سَواءٍ بينَنا وبينَكُم أن لا نَعبُدَ إلَّا اللهَ ولا نُشرِكَ به شيئًا ولا يَتَّخِذَ بَعضُنا بَعضًا أربابًا مِن دونِ اللهِ فإن تَولَّوا فقولوا اشهَدوا بأنَّا مُسلِمونَ} قال أبو سُفيانَ: فلَمَّا قال ما قال، وفَرَغَ مِن قِراءةِ الكِتابِ، كَثُرَ عِندَه الصَّخَبُ وارتَفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجنا، فقُلتُ لأصحابي حينَ أُخرِجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابنِ أبي كَبشةَ! إنَّه يَخافُه مَلِكُ بَني الأصفَرِ. فما زِلتُ موقِنًا أنَّه سَيَظهَرُ حتَّى أدخَلَ اللهُ عليَّ الإسلامَ. وكان ابنُ النَّاظورِ صاحِبُ إيلياءَ وهِرَقلَ، سُقُفًّا على نَصارى الشَّأمِ يُحَدِّثُ أنَّ هِرَقلَ حينَ قدِمَ إيلياءَ، أصبَحَ يَومًا خَبيثَ النَّفسِ، فقال بَعضُ بَطارِقَتِه: قدِ استَنكَرنا هَيئَتَكَ، قال ابنُ النَّاظورِ: وكان هِرَقلُ حَزَّاءً يَنظُرُ في النُّجومِ، فقال لهم حينَ سَألوه: إنِّي رَأيتُ اللَّيلةَ حينَ نَظَرتُ في النُّجومِ مَلِكَ الخِتانِ قد ظَهَرَ، فمَن يَختَتِنُ مِن هذه الأُمَّةِ؟ قالوا: ليس يَختَتِنُ إلَّا اليَهودُ، فلا يُهِمَّنَّكَ شَأنُهم، واكتُبْ إلى مَدايِنِ مُلكِكَ، فيَقتُلوا مَن فيهم مِنَ اليَهودِ. فبينَما هُم على أمرِهم، أُتيَ هِرَقلُ برَجُلٍ أرسَلَ به مَلِكُ غَسَّانَ يُخبِرُ عن خَبَرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا استَخبَرَه هِرَقلُ قال: اذهَبوا فانظُروا أمُختَتِنٌ هو أم لا، فنَظَروا إليه، فحَدَّثوه أنَّه مُختَتِنٌ، وسَألَه عَنِ العَرَبِ، فقال: هُم يَختَتِنونَ، فقال هِرَقلُ: هذا مُلكُ هذه الأُمَّةِ قد ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقلُ إلى صاحِبٍ له برُوميةَ، وكان نَظيرَه في العِلمِ، وسارَ هِرَقلُ إلى حِمصَ، فلَم يَرِمْ حِمصَ حتَّى أتاه كِتابٌ مِن صاحِبِه يوافِقُ رَأيَ هِرَقلَ على خُروجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّه نَبيٌّ، فأذِنَ هِرَقلُ لعُظَماءِ الرُّومِ في دَسكَرةٍ له بحِمصَ، ثُمَّ أمَرَ بأبوابِها فغُلِّقَت، ثُمَّ اطَّلَعَ فقال: يا مَعشَرَ الرُّومِ، هل لكم في الفَلاحِ والرُّشدِ، وأن يَثبُتَ مُلكُكُم، فتُبايِعوا هذا النَّبيَّ؟ فحاصوا حَيصةَ حُمُرِ الوحشِ إلى الأبوابِ، فوجَدوها قد غُلِّقَت، فلَمَّا رَأى هِرَقلُ نَفرَتَهم، وأيِسَ مِنَ الإيمانِ، قال: رُدُّوهم عليَّ، وقال: إنِّي قُلتُ مَقالتي آنِفًا أختَبِرُ بها شِدَّتَكُم على دينِكُم، فقد رَأيتُ، فسَجَدوا له ورَضوا عنه، فكان ذلك آخِرَ شَأنِ هِرَقلَ
أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَتَبَ إلى قَيصَرَ يَدعوه إلى الإسلامِ، وبَعَثَ بكِتابِه إليه مع دِحيةَ الكَلبيِّ، وأمَرَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَدفَعَه إلى عَظيمِ بُصرى ليَدفَعَه إلى قَيصَرَ، وكان قَيصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللهُ عنه جُنودَ فارِسَ، مَشى مِن حِمصَ إلى إيلياءَ شُكرًا لما أبلاه اللهُ، فلَمَّا جاءَ قَيصَرَ كِتابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال حينَ قَرَأهُ: التَمِسوا لي هاهُنا أحَدًا مِن قَومِه؛ لأسألَهم عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال ابنُ عَبَّاسٍ: فأخبَرَني أبو سُفيانَ بنُ حَربٍ أنَّه كان بالشَّأمِ في رِجالٍ مِن قُرَيشٍ قدِموا تِجارًا في المُدَّةِ التي كانَت بينَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبينَ كُفَّارِ قُرَيشٍ، قال أبو سُفيانَ: فوجَدَنا رَسولُ قَيصَرَ ببَعضِ الشَّأمِ، فانطُلِقَ بي وبأصحابي، حتَّى قدِمنا إيلياءَ، فأُدخِلنا عليه، فإذا هو جالِسٌ في مَجلِسِ مُلكِه، وعليه التَّاجُ، وإذا حَولَه عُظَماءُ الرُّومِ، فقال لتَرجُمانِه: سَلهُم أيُّهم أقرَبُ نَسَبًا إلى هذا الرَّجُلِ الذي يَزعُمُ أنَّه نَبيٌّ، قال أبو سُفيانَ: فقُلتُ: أنا أقرَبُهم إليه نَسَبًا، قال: ما قَرابةُ ما بينَكَ وبينَه؟ فقُلتُ: هو ابنُ عَمِّي، وليسَ في الرَّكبِ يَومَئذٍ أحَدٌ مِن بَني عبدِ مَنافٍ غيري، فقال قَيصَرُ: أدنوه، وأمَرَ بأصحابي، فجُعِلوا خَلفَ ظَهري عِندَ كَتِفي، ثُمَّ قال لتَرجُمانِه: قُل لأصحابِه: إنِّي سائِلٌ هذا الرَّجُلَ عَنِ الذي يَزعُمُ أنَّه نَبيٌّ، فإن كَذَبَ فكَذِّبوه، قال أبو سُفيانَ: واللهِ لَولا الحَياءُ يَومَئذٍ مِن أن يَأثُرَ أصحابي عَنِّي الكَذِبَ لَكَذَبتُه حينَ سَألَني عنه، ولَكِنِّي استَحيَيتُ أن يَأثُروا الكَذِبَ عَنِّي، فصَدَقتُه، ثُمَّ قال لتَرجُمانِه: قُلْ له كيفَ نَسَبُ هذا الرَّجُلِ فيكُم؟ قُلتُ: هو فينا ذو نَسَبٍ، قال: فهل قال هذا القَولَ أحَدٌ مِنكُم قَبلَه؟ قُلتُ: لا، فقال: كُنتُم تَتَّهِمونَه على الكَذِبِ قَبلَ أن يَقولَ ما قال؟ قُلتُ: لا، قال: فهل كان مِن آبائِه مِن مَلِكٍ؟ قُلتُ: لا، قال: فأشرافُ النَّاسِ يَتَّبِعونَه أم ضُعَفاؤُهم؟ قُلتُ: بَل ضُعَفاؤُهم، قال: فيَزيدونَ أو يَنقُصونَ؟ قُلتُ: بَل يَزيدونَ، قال: فهل يَرتَدُّ أحَدٌ سَخطةً لدينِه بَعدَ أن يَدخُلَ فيه؟ قُلتُ: لا، قال: فهل يَغدِرُ؟ قُلتُ: لا، ونَحنُ الآنَ منه في مُدَّةٍ، نَحنُ نَخافُ أن يَغدِرَ -قال أبو سُفيانَ: ولَم يُمكِنِّي كَلِمةٌ أُدخِلُ فيها شيئًا أنتَقِصُه به، لا أخافُ أن تُؤثَرَ عَنِّي غَيرُها-، قال: فهل قاتَلتُموه أو قاتَلَكم؟ قُلتُ: نَعَم، قال: فكيفَ كانَت حَربُه وحَربُكُم؟ قُلتُ: كانَت دُوَلًا وسِجالًا، يُدالُ علينا المَرَّةَ، ونُدالُ عليه الأُخرى، قال: فماذا يَأمُرُكُم بهِ؟ قال: يَأمُرُنا أن نَعبُدَ اللهَ وحدَه لا نُشرِكُ به شيئًا، ويَنهانا عَمَّا كان يَعبُدُ آباؤُنا، ويَأمُرُنا بالصَّلاةِ، والصَّدَقةِ، والعَفافِ، والوفاءِ بالعَهدِ، وأداءِ الأمانةِ، فقال لتَرجُمانِه حينَ قُلتُ ذلك له: قُلْ له: إنِّي سَألتُكَ عن نَسَبِه فيكُم، فزَعَمتَ أنَّه ذو نَسَبٍ، وكَذلك الرُّسُلُ تُبعَثُ في نَسَبِ قَومِها، وسَألتُكَ: هل قال أحَدٌ مِنكُم هذا القَولَ قَبلَه، فزَعَمتَ أن لا، فقُلتُ: لو كان أحَدٌ مِنكُم قال هذا القَولَ قَبلَه، قُلتُ: رَجُلٌ يَأتَمُّ بقَولٍ قد قيلَ قَبلَه، وسَألتُكَ: هل كُنتُم تَتَّهِمونَه بالكَذِبِ قَبلَ أن يَقولَ ما قال، فزَعَمتَ أن لا، فعَرَفتُ أنَّه لَم يَكُنْ ليَدَعَ الكَذِبَ على النَّاسِ ويَكذِبَ على اللهِ، وسَألتُكَ: هل كان مِن آبائِه مِن مَلِكٍ، فزَعَمتَ أن لا، فقُلتُ: لو كان مِن آبائِه مَلِكٌ، قُلتُ: يَطلُبُ مُلكَ آبائِه، وسَألتُكَ: أشرافُ النَّاسِ يَتَّبِعونَه أم ضُعَفاؤُهم، فزَعَمتَ أنَّ ضُعَفاءَهمُ اتَّبَعوه، وهم أتباعُ الرُّسُلِ، وسَألتُكَ: هل يَزيدونَ أو يَنقُصونَ، فزَعَمتَ أنَّهم يَزيدونَ، وكَذلك الإيمانُ حتَّى يَتِمَّ، وسَألتُكَ هل يَرتَدُّ أحَدٌ سَخطةً لدينِه بَعدَ أن يَدخُلَ فيه، فزَعَمتَ أنْ لا، فكَذلك الإيمانُ حينَ تَخلِطُ بَشاشَتُه القُلوبَ، لا يَسخَطُه أحَدٌ، وسَألتُكَ هل يَغدِرُ، فزَعَمتَ أن لا، وكَذلك الرُّسُلُ لا يَغدِرونَ، وسَألتُكَ: هل قاتَلتُموه وقاتلكم، فزَعَمتَ أن قد فعَلَ، وأنَّ حَربَكُم وحَربَه تَكونُ دُوَلًا، ويُدالُ عليكمُ المَرَّةَ وتُدالونَ عليه الأُخرى، وكَذلك الرُّسُلُ تُبتَلى وتَكونُ لَها العاقِبةُ، وسَألتُكَ: بماذا يَأمُرُكُم، فزَعَمتَ أنَّه يَأمُرُكُم أن تَعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، ويَنهاكُم عَمَّا كان يَعبُدُ آباؤُكُم، ويَأمُرُكُم بالصَّلاةِ، والصَّدَقةِ، والعَفافِ، والوفاءِ بالعَهدِ، وأداءِ الأمانةِ، قال: وهذه صِفةُ النَّبيِّ، قد كُنتُ أعلَمُ أنَّه خارِجٌ، ولَكِن لَم أظُنَّ أنَّه مِنكُم، وإن يَكُ ما قُلتَ حَقًّا فيوشِكُ أن يَملِكَ مَوضِعَ قدَمَيَّ هاتَينِ، ولو أرجو أن أخلُصَ إليه لَتَجَشَّمتُ لُقيَّه، ولو كُنتُ عِندَه لَغَسَلتُ قدَمَيه، قال أبو سُفيانَ: ثُمَّ دَعا بكِتابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُرِئَ، فإذا فيه: بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، مِن مُحَمَّدٍ عبدِ اللهِ ورَسولِه، إلى هِرَقلَ عَظيمِ الرُّومِ، سَلامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، أمَّا بَعدُ: فإنِّي أدعوكَ بدِعايةِ الإسلامِ، أسلِمْ تَسلَمْ، وأسلِمْ يُؤتِكَ اللهُ أجرَكَ مَرَّتَينِ، فإن تَولَّيتَ فعليك إثمُ الأريسيِّينَ، و: {يا أهلَ الكِتابِ تَعالَوا إلى كَلِمةٍ سَواءٍ بينَنا وبينَكُم ألَّا نَعبُدَ إلَّا اللهَ ولا نُشرِكَ به شيئًا ولا يَتَّخِذَ بَعضُنا بَعضًا أربابًا مِن دونِ اللهِ فإن تَولَّوا فقولوا اشهَدوا بأنَّا مُسلِمونَ} [آل عمران: 64]، قال أبو سُفيانَ: فلَمَّا أن قَضى مَقالتَه عَلَت أصواتُ الذينَ حَولَه مِن عُظَماءِ الرُّومِ، وكَثُرَ لَغَطُهم، فلا أدري ماذا قالوا، وأُمِرَ بنا فأُخرِجنا، فلَمَّا أن خَرَجتُ مع أصحابي وخَلَوتُ بهِم قُلتُ لهم: لقد أَمِرَ أمرُ ابنِ أبي كَبشةَ! هذا مَلِكُ بَني الأصفَرِ يَخافُه، قال أبو سُفيانَ: واللهِ ما زِلتُ ذَليلًا مُستَيقِنًا بأنَّ أمرَه سَيَظهَرُ، حتَّى أدخَلَ اللهُ قَلبي الإسلامَ وأنا كارِهٌ
ذُكِر الدَّجَّالُ عندَ عبدِ اللهِ، فقال: تَفترِقون أيُّها النَّاسُ عندَ خُروجِه ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرقةٍ تَتبَعُه، وفِرقةٍ تَلحَقُ بآبائِها بمَنابتِ الشِّيحِ، وفِرقةٍ تَأخُذُ شطَّ هذا الفُراتِ، يُقاتِلُهم ويُقاتِلونه، حتَّى يُقتَلون بغَربيِّ الشَّامِ، فيَبعَثون طَليعةً فيهم فَرسٌ أشقَرُ -أو أبْلَقُ- فيَقتَتِلون، فلا يَرجِعُ منهم أحدٌ، قال: وأخبَرَني أبو صادقٍ، عن رَبيعةَ بنِ ناجذٍ: أنَّه فرَسٌ أشقَرُ. ثمَّ قال عبدُ اللهِ: ويَزعُمُ أهلُ الكتابِ أنَّ المسيحَ عليه السَّلامُ يَنزِلُ فيَقتُلُه، ويَخرُجُ يَأجوجُ ومَأجوجُ، وهمْ مِن كلِّ حَدْبٍ يَنسِلون، فيَموجُون في الأرضِ فيُفسِدون فيها، ثمَّ قَرَأ عبدُ اللهِ {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 96]، فيَبعَثُ اللهُ عليهم دابَّةً مِثلَ النَّغَفِ، فتَلِجُ في أسماعِهِم ومَناخِرِهم، فيَموتونَ منها، فتُنتِنُ الأرضُ منهم، فيَجأَرُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، فيُرسِلُ ماءً، فيُطهِّرُ الأرضُ منهم، ويَبعَثُ اللهُ رِيحًا فيها زَمْهريرٌ باردةٌ، فلا تَدَعُ على الأرضِ مُؤمِنًا إلَّا كفَتْه تلك الرِّيحُ، ثمَّ تقومُ السَّاعةُ على شِرارِ النَّاسِ، ثمَّ يقومُ مَلَكٌ بالصُّورِ بيْن السَّماءِ والأرضِ، فيَنفَخُ فيه، فلا يَبْقى مِن خلْقِ اللهِ في السَّمواتِ والأرضِ إلَّا ماتَ، إلَّا مَن شاء ربُّك، ثمَّ يكونُ بيْن النَّفختينِ ما شاء اللهُ، فليْس مِن بَني آدَمَ أحدٌ إلَّا في الأرضِ منه شَيءٌ، ثمَّ يُرسِلُ اللهُ ماءً مِن تحْتِ العرشِ مَنيًّا كمَنيِّ الرِّجالِ، فتَنبُتُ لُحْمانُهم وجِثمانُهم كما تَنبُتُ الأرضُ مِنَ الثَّرى، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ} حتَّى بلَغَ {كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9]. ثمَّ يقومُ مَلَكٌ بالصُّورِ بيْن السَّماءِ والأرضِ، فيَنفُخُ فيه، فيَنطلِقُ كلُّ رُوحٍ إلى جَسدِها، فتَدخُلُ فيه، فيَقومون فيَجِيئون مَجيئةَ رجُلٍ واحدٍ قِيامًا لرَبِّ العالَمِينَ، ثمَّ يَتمثَّلُ اللهُ تعالَى للخلْقِ، فيَلْقى اليهودَ، فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ عُزيرًا، فيَقولُ: هلْ يَسُرُّكم الماءُ؟ قالوا: نعمْ، فيُرِيهم جَهنَّمَ وهي كَهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} [الكهف: 100]، ثمَّ يَلْقى النَّصارى فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ المسيحَ، فيَقولُ: هلْ يَسُرُّكم الماءُ؟ فيَقولُون: نعمْ، فيُرِيهم جَهنَّمَ وهي كَهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ كذلك مَن كان يَعبُدُ مِن دونِ اللهِ شَيئًا، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24]. حتَّى يَبْقى المسْلِمون فيَقولُ: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ اللهَ لا نُشرِكُ به شَيئًا، فيَنتهِرُهم مرَّتينِ أو ثَلاثًا: مَن تَعبُدون؟ فيَقولُون: نَعبُدُ اللهَ لا نُشرِكُ به شَيئًا، فيَقولُ: هلْ تَعرِفون ربَّكم؟ فيَقولُون: سُبحانه! إذا اعتَرَفَ لنا عَرَفْناه، فعندَ ذلكَ يُكشَفُ عن ساقٍ، فلا يَبْقى مُؤمِنٌ إلَّا خرَّ للهِ ساجدًا، ويَبْقى المنافِقون ظُهورُهم طبَقٌ واحدٌ كأنَّما فيها السَّفافيدُ، فيَقولُون: ربَّنا، فيَقولُ: قدْ كُنتُم تُدْعَون إلى السُّجودِ وأنتمْ سالِمون، ثمَّ يَأمُرُ اللهُ بالصِّراطِ، فيُضرَبُ على جَهنَّمَ، فيمُرُّ النَّاسُ بقدْرِ أعمالِهم زُمَرًا؛ أوائلُهم كلَمْحِ البرْقِ، ثمَّ كمَرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمَرِّ الطَّيرِ، ثمَّ كمَرِّ البهائمِ، حتَّى يمُرَّ الرَّجلُ سَعيًا، ثمَّ يَمُرُّ الرَّجلُ مَشْيًا، حتَّى يَجِيءَ آخِرُهم رجُلٌ يَتلبَّطُ على بَطنِه فيَقولُ: يا ربِّ، لِمَ أبْطَأْتَ بي؟ قال: إنِّي لم أُبطِئْ بكَ، إنَّما أبْطَأَ بكَ عمَلُك. ثمَّ يَأذَنُ اللهُ تعالَى في الشَّفاعةِ، فيكونُ أوَّلُ شافعٍ رُوحَ اللهِ القُدسَ جِبريلَ، ثمَّ إبراهيمَ، ثمَّ مُوسى، ثمَّ عِيسى، ثمَّ يقومُ نَبيُّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلا يَشْفَعُ أحدٌ فيما يَشفَعُ فيه، وهو المقامُ المحمودُ الَّذي ذَكَره اللهُ تعالَى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]، فليْس مِن نفْسٍ إلَّا وهي تَنظُرُ إلى بَيتٍ في الجنَّةِ وبَيتٍ في النَّارِ، قال: وهو يومُ الحسْرةِ، فيَرى أهلُ النَّارِ البيتَ الَّذي في الجنَّةِ، قال سُفيانُ: أوَّاهُ، لوْ عَلِمتُم يوْمَ يَرى أهلُ الجنَّةِ الَّذي في النَّارِ! فيَقولُون: لوْلا أنَّ مَنَّ اللهُ علينا! ثمَّ تَشفَعُ الملائكةُ والنَّبيُّون والشُّهداءُ والصَّالِحون والمؤمنونَ، فيُشفِّعُهم اللهُ، ثمَّ يَقولُ: أنا أرحَمُ الرَّاحمينَ، فيُخرِجُ مِنَ النَّارِ أكثَرَ ممَّا أخرَجَ جَميعُ الخلْقِ برَحمتِه، حتَّى لا يَترُكَ أحدًا فيه خَيرٌ، ثمَّ قرَأَ عبدُ اللهِ {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42]، وقال بيَدِه فعَقَدَه: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المدثر: 43]، هلْ تَرَون في هؤلاء مِن خَيرٍ؟! وما يُترَكُ فيها أحدٌ فيه خيرٌ. فإذا أراد اللهُ ألَّا يُخرِجَ أحدًا غيْرَ وُجوهِهم وألوانِهم، فيَجِيءُ الرَّجلُ، فيَشفَعُ فيَقولُ: مَن عرَفَ أحدًا فلْيُخرِجْه، فيَجِيءُ فلا يَعرِفُ أحدًا، فيُنادِيه رجُلٌ فيَقولُ: أنا فلانٌ، فيَقولُ: ما أعْرِفُك، فعندَ ذلكَ قالوا: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 107]، فإذا قال ذلكَ انطَبَقَت عليهم، فلم يَخرُجْ منهم بشَرٌ
كُنتُ مُتَّكِئًا عِندَ عائِشةَ، فقالت: يا أبا عائِشةَ، ثَلاثٌ مَن تَكَلَّمَ بواحِدةٍ منهنَّ فقد أعظَمَ على اللهِ الفِريةَ، قُلتُ: ما هُنَّ؟ قالت: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَأى رَبَّه فقد أعظَمَ على اللهِ الفِريةَ، قال: وكُنتُ مُتَّكِئًا فجَلَستُ، فقُلتُ: يا أُمَّ المُؤمِنينَ، أنظِريني، ولا تُعجِليني، ألَم يَقُلِ اللهُ عزَّ وجلَّ: {ولقد رَآهُ بالأُفُقِ المُبينِ} [التكوير: 23]، {ولقد رَآهُ نَزلةً أُخرى} [النجم: 13]؟ فقالت: أنا أوَّلُ هذه الأُمَّةِ سَألَ عن ذلك رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: إنَّما هو جِبريلُ، لَم أرَه على صورَتِه التي خُلِقَ عليها غيرَ هاتَينِ المَرَّتَينِ، رَأيتُه مُنهَبِطًا مِنَ السَّماءِ سادًّا عِظَمُ خَلقِه ما بينَ السَّماءِ إلى الأرضِ، فقالت: أو لَم تَسمَعْ أنَّ اللهَ يقولُ: {لا تُدرِكُه الأبصارُ وهو يُدرِكُ الأبصارَ وهو اللَّطيفُ الخَبيرُ} [الأنعام: 103] أو لَم تَسمَعْ أنَّ اللهَ يقولُ: {وما كانَ لبَشَرٍ أن يُكَلِّمَه اللهُ إلَّا وحيًا أو مِن وراءِ حِجابٍ أو يُرسِلَ رَسولًا فيوحيَ بإذنِه ما يَشاءُ إنَّه عَليٌّ حَكيمٌ} [الشورى: 51]؟ قالت: ومَن زَعَمَ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَتَمَ شيئًا مِن كِتابِ اللهِ، فقد أعظَمَ على اللهِ الفِريةَ، والله يقولُ: {يا أيُّها الرَّسولُ بَلِّغْ ما أُنزِلَ إلَيك مِن رَبِّك وإن لَم تَفعَل فما بَلَّغتَ رِسالَتَه} [المائدة: 67]، قالت: ومَن زَعَمَ أنَّه يُخبِرُ بما يَكونُ في غَدٍ فقد أعظَمَ على اللهِ الفِريةَ، والله يقولُ: {قُل لا يَعلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرضِ الغَيبَ إلَّا اللهُ} [النمل: 65]
حديثُ عائشةَ أنَّ رسولَ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لم يرَ ملكَ الموتِ على صورتِهِ الَّتي خُلِقَ عليْها إلَّا مرَّتينِ [يعني حديث: كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عائِشَةَ، فقالَتْ: يا أبا عائِشَةَ، ثَلاثٌ مَن تَكَلَّمَ بواحِدَةٍ منهنَّ فقَدْ أعْظَمَ علَى اللهِ الفِرْيَةَ، قُلتُ: ما هُنَّ؟ قالَتْ: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ رَأَى رَبَّهُ فقَدْ أعْظَمَ علَى اللهِ الفِرْيَةَ، قالَ: وكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ، فَقُلتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أنْظِرِينِي، ولا تُعْجِلِينِي، ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَلقَدْ رَآهُ بالأُفُقِ المُبِينِ} [التكوير: 23]، {وَلقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13]؟ فقالَتْ: أنا أوَّلُ هذِه الأُمَّةِ سَأَلَ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: إنَّما هو جِبْرِيلُ، لَمْ أرَهُ علَى صُورَتِهِ الَّتي خُلِقَ عليها غيرَ هاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّماءِ سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بيْنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، فقالَتْ: أوَ لَمْ تَسْمَعْ أنَّ اللَّهَ يقولُ: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأَبْصارَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، أوَ لَمْ تَسْمَعْ أنَّ اللَّهَ يقولُ: {وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسولًا فيُوحِيَ بإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّه عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]؟ قالَتْ: ومَن زَعَمَ أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ كَتَمَ شيئًا مِن كِتابِ اللهِ، فقَدْ أعْظَمَ علَى اللهِ الفِرْيَةَ، واللَّهُ يقولُ: {يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ} [المائدة: 67] ، قالَتْ: ومَن زَعَمَ أنَّه يُخْبِرُ بما يَكونُ في غَدٍ، فقَدْ أعْظَمَ علَى اللهِ الفِرْيَةَ، واللَّهُ يقولُ: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والْأَرْضِ الغَيْبَ إلَّا اللَّهُ} [النمل: 65].]
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
النور على قدر الأعمالكتم شيئا من كتاب اللهالصورة التي خلق عليهاأدنى أهل الجنة منزلةيؤتك الله أجرك مرتيناحفظوا علينا صلاتنافارس متقنع بحديدلا تدركه الأبصارلا إله إلا اللهلبيك اللهم لبيكهرقل عظيم الرومإيمانك خرج منكالمقام المحمودالعمرة في الحجكتاب رسول اللهدابة مثل النغفخاتم الأنبياءعمر بن الخطابتخيير الأزواجالمشعر الحراممسيرة مئة عاميا أهل الكتابإثم الأريسييندعاية الإسلامالمن والسلوىالباب الأيمنكفارة اليمينيأجوج ومأجوجلا هلك عليكمالأفق المبينامرأة فرعونمعاذ بن جبلكعب بن مالكدومة الجندليوم القيامةالغم والكرباعتدل قائماالمسيح ينزلالحور العينأم المؤمنينخمسين ليلةأمتي يا ربطلاق النبيأهبة ثلاثةحجة الوداعلا شريك لكوقت الصلاةساقي القومغربي الشامرؤية النبيغزوة تبوكسيد الناسنفسي نفسيتحت العرشأمتي أمتيأخف صلاتهيوم النحركشف الساقسبعون حلةحفظك اللهأبو قتادةأبو سفيانأسلم تسلمكلمة سواءصفة النبيلا يغدرونشط الفراتعلم الغيبنزلة أخرىملك الموتابن عباسالصادقينلا تكفرياشفع لناغضب اللهثلاث فرقلأبد أبدالنفختينقرة عينالسامريالشفاعةإبراهيمالقصواءالإيمانالعاقبةرأى ربهالدنياالآخرةالرياءالسمعةاعتزالالتنورلم تصلالدجالالنشورالصراطالسجودالغديرالصلاةالختان
تخريج حديث لم يعد ذلك شيئا
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








