أحاديث عن: كان ابن عمر يبعث بزكاة الفطر قبل الفطر بيومين أو ثلاثة
📚 كتب الحديث | 🌙 حديث شريف | 📖 الأحاديث الصحيحة
✔ صحيح
◑ حسن
✘ ضعيف
⊘ موضوع
◔ غير محدد
21 نتيجة — لكلمة: كان ابن عمر يبعث بزكاة الفطر قبل الفطر بيومين أو ثلاثة
كانَ ابنُ عُمَرَ يَبعَثُ بزَكاةِ الفِطرِ إلى الذي تُجمَعُ عِندَه قَبلَ الفِطرِ بيَومَيْنِ أو ثَلاثةٍ
عن ابنِ عمرَ : أنَّه كان يبعَثُ بزكاةِ الفطرِ إلى الَّذي تُجمَعُ عنده قبلَ الفِطرِ بيَومينِ أو ثلاثةٍ
أنَّ ابنَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما كان يبعثُ صدقةَ الفطرِ إلى الَّذي تُجمعُ عنده قبلَ الفِطرِ بيومَينِ
4
✔ صحيح📌 لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه
سألْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما عن قولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لموسى صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40]، فسألْتُه عن الفُتونِ؟ فقال: استأنِفِ النَّهارَ يا ابنَ جُبيرٍ؛ فإنَّ لها حديثًا طويلًا. قال: فغدوْتُ على ابنِ عبَّاسٍ لأنتجِزَ ما وَعَدني مِن حديثِ الفُتونِ، فقال: تذاكَرَ فِرعونُ وجُلساؤُه ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أنْ يجعَلَ في ذُرِّيتَه أنبياءَ ومُلوكًا؛ فقال بعضُهم: إنَّ بني إسرائيلَ لينتظِرونَ ذلك ما يشُكُّون فيه، وقد كانوا يظنُّونَ أنَّه يُوسفُ بنُ يعقوبَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فلمَّا هلَكَ قالوا: ليس هكذا كان، إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال فِرعونُ: فكيف تَرَونَ؟ فائْتَمَروا، واجتمَعوا أمْرَهم على أنْ يبعَثَ رِجالًا بالشِّفارِ، يَطُوفون في بني إسرائيلَ، فلا يَجِدون مولودًا ذكَرًا إلَّا ذَبَحوه، ففَعَلوا ذلك، فلمَّا أنْ رَأَوا أنَّ الكبارَ في بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالِهم، والصِّغارَ يُذْبَحونَ، قالوا: أتوشِكونَ أنْ تُفْنوا بني إسرائيلَ، فتَصيروا إلى أنْ تُباشِروا مِن الأعمالِ والخدمةِ الَّتي كانوا يَكْفُونكم؟ فاقْتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيقِلَّ نَباتُهم، ودَعُوا عامًا، فلا تَقْتلوا منهم أحدًا، فيشِبَّ الصِّغارُ مكانَ مَن يموتُ مِن الكبارِ، فإنَّهم لنْ يَكْثروا بمَن تَسْتحيون، فتخافوا مُكاثرتَهم إياكم، ولنْ يَفْنَوا بمَن تقتُلونَ، فتحتاجونَ إليهم، فأجْمَعوا أمْرَهم على ذلك، فحمَلَت أُمُّ موسى بهارونَ عليهما السَّلامُ العامَ الَّذي لا يُذْبَحُ فيه الغِلمانُ، فولدَتْه عَلانيةً، فلمَّا كان مِن قابلٍ حمَلَتْ بمُوسى عليه السَّلامُ، فوقَعَ في قلْبِها مِن الهَمِّ والحزنِ. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، ما دخَلَ عليه في دهو بَطْنِ أُمِّه ممَّا يُرادُ به، فأوحَى اللهُ تعالى إليها: {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7]، وأمَرَها أنْ إذا ولَدَتْ أنْ تجعَلَه في تابوتٍ، ثمَّ تُلْقِيه في اليمِّ، فلمَّا ولَدَت فعَلَت ذلك به، فألْقَته في اليمِّ، فلمَّا توارى عنها ابنُها أتاها الشَّيطانُ، فقالت في نفْسِها: ما فعَلْتُ بابني؟! لو ذُبِحَ لبِثَ عندي فرأيْتُه وكفَّنْتُه، كان أحَبَّ إليَّ مِن أنْ أُلْقِيَه بيدي إلى دوابِّ البحرِ وحِيتانِه، وانتهى الماءُ به حتَّى أرفَأَ به عند فُرْضَةُ مُسْتَقى جواري امرأةِ فِرعونَ، فلمَّا رأيْنَه أخذْنَه، فهمَمْنَ أنْ يفتحْنَ التَّابوتَ، فقالت بعضُهنَّ: إنَّ في هذا مالًا، وإنَّا إنْ فتحْناه لم تُصدِّقْنا امرأةُ الملِكِ بما وجَدْنا فيه، فحمَلْنَه بهيئةٍ لم يُحرِّكْنَ منه شيئًا، دفعْنَه إليها، فلمَّا فتحَتْه رأتْ فيه غُلامًا، فأُلْقِيَ عليه منها محبَّةٌ لم تُلْقَ مثْلُها على البشَرِ قطُّ، وأصبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فارغًا مِن ذِكْرِ كلِّ شَيءٍ إلَّا مِن ذِكْرِ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا سمِعَ الذَّابِحونَ بأمْرِه أقبلوا بشِفارِهم إلى امرأةِ فرعونَ ليذبَحُوه -وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت للذَّبَّاحينَ: أقِرُّوه؛ فإنَّ هذا الواحدَ لا يَزيدُ في بني إسرائيلَ حتَّى آتِيَ فِرعونَ فأسْتَوْهِبَه منه، فإنْ وهَبَه لي كنْتُم قد أحسنْتُم وأجمَلْتُم، وإنْ أمَرَ بذبْحِه لم أَلُمْكم، فأتَتْ به فرعونَ، فقالت: قُرَّةُ عينٍ لي ولك، قال فِرعونُ: يكونُ لك، فأمَّا لي فلا حاجةَ لي في ذلك. قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: والَّذي أحلِفُ به، لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه، ولكنَّ اللهَ حرَمَه ذلك. فأرسَلَتْ إلى مَن حولَها، مِن كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ، تختارُ لها ظِئرًا، فجعَلَ كلَّما أخذَتْه امرأةٌ منهنَّ، فترُضِعُه، لم يَقْبَلْ ثَدْيَها، حتَّى أشفَقَت عليه امرأةُ فِرعونَ أنْ يَمتنِعَ مِن اللَّبنِ فيموتَ، فأحْزَنَها ذلك، فأمرَتْ به، فأُخْرِجَ إلى السُّوقِ وتجمَّعَ النَّاسُ، تَرْجو أنْ تجِدَ له ظِئرًا يأخُذُ منها، فلم يَقْبَلْ، وأصبَحَتْ أُمُّ موسى والهةً، فقالت لأُخْتِه: قُصِّيه -يعني: أثَرَهُ- واطْلُبِيه، هل تسمعينَ له ذِكْرًا؟ أحيٌّ ابْني أمْ قد أكلَتْه الدَّوابُّ؟ ونسِيَت ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها فيه، فبَصُرتْ به أختُه عن جُنُبٍ وهم لا يَشعُرونَ، والجُنُبُ: أنْ يبصِرَ الإنسانُ إلى الشَّيءِ البعيدِ وهو إلى جَنْبِه لا يشعُرُ به، فقالت مِن الفرحِ حين أعياهم الظُّؤارتُ: أنا {أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12]، فأخَذُوها فقالوا: ما يُدريك ما نُصْحُهم له؟ هل يعرِفونَه؟ حتَّى شكُّوا في ذلك -فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت: نصيحَتُهم له وشفقَتُهم عليه رغبةً في صِهر الـمَلِك، ورجاءَ مَنفعتِه، فأرْسَلوها، فانطلَقَتْ إلى أُمِّها فأخبرتْها الخبرَ، فجاءتْ أُمُّه، فلمَّا وضعَتْه في حِجْرِها، نزَا إلى ثَدْيِها، فمَصَّه حتَّى امتلَأَ جَنباهُ رِيًّا، وانطلَقَ البشيرُ إلى امرأةِ فرعونَ: أنْ قد وجَدْنا لابْنِك، فأرسَلَتْ إليها، فأُوتِيتْ بها وبه، فلمَّا رأت ما يصنَعُ، قالت لها: امْكُثي عندي؛ تُرْضِعي ابني هذا، فإنِّي لم أحجِبْه شيئًا قطُّ، فقالت أُمُّ مُوسى: لا أستطيعُ أنْ أدَعَ بيتي وولدي، فيَضيعَ، فإنْ طابتْ نفْسُك أنْ تُعْطِيَنه، فأذهَبَ به إلى مَنْزلي، فيكونَ معي لا آلوهُ خيرًا، فعلْتُ، وإلَّا فإنِّي غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي، وذكَرَت أُمُّ مُوسى عليه السَّلامُ ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فتعاسَرَت على امرأةِ فرعونَ، وأيقنَتْ بأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يُنْجِزُ موعودَه، فرجَعَتْ إلى بيتِها بابنِها مِن يومِها، فأنبَتَه اللهُ نباتًا حسنًا، وحفِظَه لِمَا قد قَضى فيه، فلم يزَلْ بنو إسرائيلَ وهم في ناحيةِ القريةِ مُمْتنعينَ يَمْتنعونَ به مِن السُّخرةِ ما كان فيهم. فلمَّا تَرعرَعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأُمِّ مُوسى: أريدُ أنْ تُرِيني ابني، فوعَدَتْها يومًا تُرِيها فيه إيَّاه، فقالتِ امرأةُ فِرعونَ لخُزَّانِها، وظُؤورتِها، وقَهارِمَتِها: لا يَبْقينَّ أحدٌ منكم إلَّا استقبَلَ ابني اليومَ بهَديَّةٍ وكَرامةٍ؛ لِأَرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أمينًا يُحْصِي ما يصنَعُ كلُّ إنسانٍ منكم، فلم تَزَلِ الهدايا والكرامةُ والنِّحلةُ، تَستقبِلُه مِن حينِ خرَجَ مِن بيتِ أُمِّه إلى أنْ دخَلَ على امرأةِ فرعونَ، فلمَّا دخَلَ عليها بجَّلَتْه، وأكرمَتْه، وفرِحَت به، وأعجَبَها، ونحَلَت أُمَّه؛ لحُسْنِ أثَرِه، ثمَّ قالت: لآتيَنَّ به فِرعونَ، فليَنْحَلَنَّه، وليُكْرِمَنَّه، فلمَّا دخَلَتْ به عليه، جعَلَه في حِجْرِه، فتناوَلَ مُوسى لِحيةَ فرعونَ، فمَدَّها إلى الأرضِ، فقال الغواةُ مِن أعداءِ اللهِ لفرعونَ: ألَا ترى إلى ما وعَدَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إبراهيمَ نَبِيَّه عليه السَّلامُ أنَّه يرِثُك، ويَعْلوك، ويصرَعُك، فأرسَلَ إلى الذَّبَّاحينَ، وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، بعدَ كلِّ بلاءٍ ابتُلِيَ به، أو أُرِيدَ به فُتونًا. فجاءت امرأةُ فِرعونَ تَسْعى إلى فرعونَ، فقالت: ما بدا لك في هذا الغلامِ الَّذي وهَبْتَه لي؟ قال: ألَا تَرَيْنَه يزعُمُ أنَّه يصرَعُني ويَعْلوني؟ قالت: اجْعَلْ بيني وبينك أمرًا تعرِفُ فيه الحقَّ؛ ائْتِ بجَمْرتينِ ولُؤلؤتَينِ، فقَرِّبْهما إليه، فإنْ بطَش باللُّؤلؤتَينِ واجتنَبَ الجَمْرتينِ، عرَفْتَ أنَّه يعقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرتَينِ ولم يُرِدِ اللُّؤلؤتَينِ، علِمْتَ أنَّ أحدًا لا يُؤثِرُ الجَمرتينِ على اللُّؤلؤتينَ وهو يعقِلُ، فقُرِّبَ ذلك إليه، فتناوَلَ الجَمرتَينِ، فانْتَزَعوهما مِن يَدِه، وخافت أنْ يحرِقَا يدَيْه، فقالت المرأةُ: ألَا ترى؟! فصرَفَه اللهُ عنه بعدما كان قد هَمَّ به، وكان الله عَزَّ وجَلَّ بالغًا فيه أمْرَه. فلمَّا بلَغَ أشُدَّه وصار مِن الرِّجالِ، لم يكُنْ أحدٌ مِن آلِ فِرعونَ يخلُصُ إلى أحدٍ مِن بني إسرائيلَ معه بظُلمٍ، ولا يخرُجُ حتَّى امْتَنعوا كلَّ الامتناعِ. فبينما مُوسى عليه السَّلامُ يَمْشي في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجُلينِ يَقْتتلانِ؛ أحدُهما فرعونيٌّ، والآخرُ إسرائيليٌّ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فغضِبَ مُوسى عليه السَّلامُ غضبًا شديدًا؛ لأنَّه تناوَلَ وهو يعلَمُ منزلةَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن بَني إسرائيلَ، وحِفْظَه لهم، لا يعلَمُ النَّاسُ إلَّا إنَّما ذلك مِن الرَّضاعِ إلَّا أُمُّ مُوسى، إلَّا أنْ يكونَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أَطْلَعَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليه غيرَه. فوكَزَ مُوسى عليه السَّلامُ الفرعونيَّ، فقتَلَه، وليس يراهما أحدٌ إلَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فقال مُوسى عليه السَّلامُ حين قتَلَ الرَّجلَ: هذا مِن عمَلِ الشَّيطانِ؛ إنَّه عدُوٌّ مُضِلٌّ مُبينٌ، ثمَّ قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ}، إلى قولِه: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16]. {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18] الأخبارَ، فأُتِيَ فِرعونُ فقيلَ: إنَّ بني إسرائيلَ قد قتَلَتْ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحَقِّنا، ولا تُرخِّصْ لهم، فقال: ابْغُوني قاتِلَه ومَن شهِدَ عليه؛ فإنَّ الملِكَ وإنْ كان صَفْوُه مع قومِه، لا يستقيمُ له أنْ يُقِيدَ بغيرِ بيِّنةٍ، ولا ثَبَتٍ، فانْظُروا في عِلْمِ ذلك آخُذْ لكم بحَقِّكم، فبينا هم يَطوفونَ لا يَجِدونَ شيئًا، إذا موسى عليه السَّلامُ قد رأى في الغدِ ذلك الإسرائيليَّ يقتُلُ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ آخرَ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادَفَ مُوسى عليه السَّلامُ قد ندِمَ على ما كان منه، فكَرِهَ الَّذي رأى، فغضِبَ الإسرائيليُّ وهو يُريدُ أنْ يبطِشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ -لِمَا فعَلَ أمسِ واليومَ-: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص: 18]. فنظَرَ الإسرائيليُّ إلى مُوسى عليه السَّلامُ بعدما قال له ما قال، فإذا هو غضبانُ كغضَبِه بالأمسِ الَّذي قتَلَ به الفرعونيَّ، فخاف أنْ يكونَ بعدما قال له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} إيَّاه أراد، ولم يكُنْ أراده، إنَّما أراد الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، فحاجَزَ الفرعونيَّ، فقال: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]؟ وإنَّما قال ذلك؛ مخافةَ أنْ يكون إيَّاهُ أراد مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يقتُلَه، فتنازَعَا. فانطلَقَ الفرعونيُّ إلى قومِه، فأخبَرَهم بما سمِعَ مِن الإسرائيليِّ مِن الخبرِ حين يقولُ: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]، فأرسَلَ فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتُلوا موسى عليه السَّلامُ، فأخَذَ رُسلُ فرعونَ الطَّريقَ الأعظمَ يَمْشون على هَيئتِهم يطلُبونَ مُوسى عليه السَّلامُ، وهم لا يخافونَ أنْ يفوتَهم، فجاء رجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى عليه السَّلامُ مِن أَقْصى المدينةِ، فاختصَرَ طريقًا قريبًا حتَّى سبَقَهم إلى موسى عليه السَّلامُ فأخْبَرَه. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ. فخرَجَ مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ مدينَ لم يلْقَ بلاءً قبلَ ذلك، وليس له علمٌ بالطَّريقِ إلَّا حُسْنَ الظَّنِّ بربِّه عَزَّ وجَلَّ، فإنَّه قال: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص: 22]. {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} إلى {تَذُودَانِ} [القصص: 23]، يعني بذلك: حابستَينِ غنَمَهما، فقال لهما: ما خطْبُكما مُعتزلتَينِ لا تَسْقيانِ مع النَّاسِ؟ قالتا: ليس لنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القومَ، وإنَّما ننتظِرُ فُضولَ حياضِهم، فسقى لهما، فجعَلَ يغرِفُ بالدَّلْوِ ماءً كثيرًا، حتَّى كانتا أوَّلَ الرِّعاءِ فراغًا، فانصرَفَتا بغنَمِهما إلى أبيهما، وانصرَفَ موسى عليه السَّلامُ، فاستظَلَّ بشجرةٍ، وقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، فاستنكَرَ أبوهما سُرعةَ صُدورِهما بغنَمِهما حُفَّلًا بطانًا، فقال: إنَّ لكما اليومَ لشأنًا، فأخبَرَتَاه بما صنَعَ موسى عليه السَّلامُ، فأمَرَ إحداهما أنْ تَدْعُوَه له، فأتَتْ موسى عليه السَّلامُ فدَعَتْه، فلمَّا كلَّمَه قال: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25]، ليس لفِرعونَ ولا لقومِه علينا سُلطانٌ، ولسْنا في مَمْلكتِه. قال: فقالت إحداهما: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، فاحتمَلَتْه الغَيرةُ على أنْ قال: وما يُدريكِ ما قُوَّتُه؟ وما أمانَتُه؟ قالت: أمَّا قُوَّتُه: فما رأيْتُ في الدَّلوِ حين سَقى لنا، لم أرَ رجُلًا قطُّ في ذلك المَسْقى أقوى منه، وأمَّا أمانَتُه: فإنَّه نظَرَ إليَّ حين أقبلْتُ إليه وشَخَصْتُ له، فلمَّا علِمَ إنِّي امرأةٌ، صوَّبَ رأْسَه لم يرفَعْه، ولم ينظُرْ إليَّ حتَّى بلَّغْتُه رِسالتَك، ثمَّ قال لي: امشِي خلفي، وانْعَتي لي الطَّريقَ، لم يفعَلْ هذا إلَّا وهو أمينٌ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقَها، وظَنَّ به الَّذي قالت له. فقال له: هل لك {أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}، إلى قوله: {مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص: 27]، ففعَلَ، فكانت على نَبِيِّ اللهِ موسى عليه السَّلامُ ثمانيَ سنينَ واجبةً، وكانت سنتانِ عِدَةً منه، فقَضَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عنه عِدَتَه فأتمَّها عشْرًا. قال سَعيدٌ: فلَقِيَني رجُلٌ مِن أهلِ النَّصرانيَّةِ مِن عُلمائِهم، فقال: هلْ تَدْري أيَّ الأجلينِ قضى مُوسى عليه السَّلامُ؟ قلْتُ: لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقِيتُ ابنَ عبَّاسٍ، فذكَرْتُ ذلك له، فقال: أمَا علِمْتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ عليه السَّلامُ واجبةً، لم يكُنْ نبيُّ اللهِ ليَنْقُصَ منها شيئًا، وتعلَمُ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ كان قاضيًا عن مُوسى عليه السَّلامُ عِدَتَه الَّتي وعَدَ، فإنَّه قضى عشْرَ سنينَ. فلقِيتُ النَّصرانيَّ، فأخبَرْتُه بذلك، فقال: الَّذي سألْتَه فأخبَرَك أعلَمُ منك بذلك؟ قلْتُ: أجلْ، وأَولى. فلمَّا سار مُوسى عليه السَّلامُ بأهلِه كان مِن أمْرِ النَّارِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القُرآنِ، وأمْرِ العصا ويَدِه، فشكا إلى ربِّه عَزَّ وجَلَّ ما يتخوَّفُ مِن آلِ فرعونَ في القتيلِ، وعُقدةَ لسانِه، فآتاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ سُؤْلَه، وحَلَّ عُقدةً مِن لسانِه، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى هارونَ عليه السَّلامُ، وأمَرَه أنْ يلقاهُ، واندفَعَ مُوسى عليه السَّلامُ بعصاهُ، حتَّى لقِيَ هارونَ عليه السَّلامُ، وانطلَقَا جميعًا إلى فرعونَ، فأقاما حِينًا على بابِه لا يُؤْذَنُ لهما، فقالا: إنَّا رسولَا ربِّك، قال: فمَن ربُّكما يا موسى؟ فأخبراهُ بالَّذي قَصَّ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليك في القُرآنِ، قال: فما تُريدانِ؟ وذكَّرَه القتيلَ، واعتذَرَ بما قد سمِعْتَ، وقال: أريدُ أنْ تُؤمِنَ باللهِ، وأنْ تُرْسِلَ معي بني إسرائيلَ، فأبى عليه، وقال: ائتِ بآيةٍ إنْ كنْتَ مِن الصَّادقينَ، فألقى عصاه فإذا هي حيَّةٌ عظيمةٌ، فازعةٌ، فاغرةٌ فاها، مُسرعةٌ إلى فرعونَ، فلمَّا رآها فِرعونُ قاصدةً إليه خافها، فاقتحَمَ عن سَريرِه، واستغاثَ بمُوسى عليه السَّلامُ أنْ يكُفَّها عنه، ففعَلَ، ثمَّ أخرَجَ يَدَه مِن جَيْبِه، فرآها بيضاءَ مِن غيرِ سُوءٍ، يعني: مِن غيرِ برَصٍ، فرَدَّها، فعادت إلى لونِها الأوَّلِ. فاستشارَ الملَأَ حولَه فيما رأى، فقالوا له: {هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} [طه: 63] الآيةَ، والمُثْلى: مُلْكُهم الَّذي هم فيه والعيشُ. فأَبَوا على مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يُعْطُوه شيئًا ممَّا طلَبَ، وقالوا له: اجمَعْ لهما السَّحرةَ؛ فإنَّهم بأرضِك كثيرٌ، حتَّى نغلِبَ سِحْرَهما، وأرسَلَ في المدائنِ، فحُشِرَ له كلُّ ساحرٍ مُتعالمٍ، فلمَّا أَتَوا على فرعونَ، قالوا: ما يعمَلُ هذا السَّاحرُ؟ قالوا: يعمَلُ الحيَّاتِ، قالوا: فلا واللهِ ما أحدٌ في الأرضِ يعمَلُ السِّحرَ والحيَّاتِ والحبالَ والعِصِيَّ الَّذي نعمَلُ، فما أجْرُنا إنْ نحن غلَبْنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصَّتي، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شَيءٍ أحببتم، فتَواعَدوا يومَ الزِّينةِ وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى. قال سعيدٌ: فحدَّثني ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ يومَ الزِّينةِ اليومُ الَّذي أظهَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيه مُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ والسَّحرةِ هو يومُ عاشوراءَ. فلمَّا اجتمعوا في صَعيدٍ، قال النَّاسُ بعضُهم لبعضٍ: انطَلِقوا، فنتخبَّرْ هذا الأمْرَ، {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 40]، يعنون مُوسى وهارونَ عليهما السَّلامُ؛ استهزاءً بهما، فقالوا: يا موسى -لِقُدْرتِهم في أنفُسِهم بسِحْرِهم- إمَّا أنْ تُلْقِيَ، وإمَّا أنْ نكونَ نحن المُلْقينَ، قال: بل ألْقُوا. {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء: 44]، فرأى مُوسى عليه السَّلامُ مِن سِحْرِهم ما أوجَسَ في نفْسِه خِيفةً، فأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إليه: أنْ ألْقِ عصاك، فلمَّا ألقاها، صارت ثُعبانًا عظيمًا فاغرةً فاها، فجُعِلَتِ العِصِيُّ بدَعوةِ مُوسي عليه السَّلامُ تلتبِسُ بالحبالِ، حتَّى صارتْ جُرُزًا إلى الثُّعبانِ تَدخُل فيه، حتَّى ما أبقَتْ عصًا ولا حبلًا إلَّا ابتلعَتْه. فلمَّا عرَفَ السَّحرةُ ذلك، قالوا: لو كان هذا سِحرٌ لم يَبلُغْ مِن سِحرِنا كلَّ هذا، ولكنَّه أمْرٌ مِن اللهِ، آمنَّا باللهِ ربِّنا وما جاء به مُوسى عليه السَّلامُ، ونتوبُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ ممَّا كنَّا عليه. وكسَرَ اللهُ ظهْرَ فِرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِه، وأظهَرَ الحقَّ، وبطَلَ ما كانوا يعمَلونَ، فغُلِبوا هنالك وانقَلَبوا صاغِرينَ. وامرأةُ فِرعونَ بارزةٌ مُتبذِّلَةٌ تَدْعو بالنَّصرِ لمُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ، فمَن رآها مِن آلِ فرعونَ ظَنَّ أنَّها إنَّما تبذَّلَتْ للشفقةِ على فِرعونَ وأشياعِه، وإنَّما كان حُزْنُها وهمُّها لمُوسى عليه السَّلامُ. فلمَّا طال مُكْثُ مُوسى عليه السَّلامُ لمواعيدِ فِرعونَ الكاذبةِ، كلَّما جاءه بآيةٍ وعَدَه عندها أنْ يُرْسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا مضَتْ أخلَفَ موعِدَه، وقال: هل يستطيعُ ربُّك أنْ يصنَعَ غيرَ هذا؟ فأرسَلَ اللهُ عليه وعلى قومِه الطُّوفانَ، والجرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادعَ، آياتٍ مُفصَّلاتٍ، كلُّ ذلك يَشْكو إلى موسى عليه السَّلامُ، ويطلُبُ إليه أنْ يكُفَّها عنه، ويُواثِقُه على أنْ يُرسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا كَفَّ ذلك عنه، أخلَفَ موعِدَه ونكَثَ عهدَه. فأُمِرَ موسى عليه السَّلامُ بالخُروجِ بقومِه، فخرَجَ بهم ليلًا، فلمَّا أصبَحَ فرعونُ ورأى أنَّهم قد مَضَوا، أرسَلَ في المدائنِ حاشرينَ، فتبِعَهم بجُنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى البحرِ: أنْ إذا ضرَبَك مُوسى بعصاهُ، فانفرِقْ له اثنتَيْ عشْرةَ فِرقةً، حتَّى يجوزَ موسى عليه السَّلامُ ومَن معه، ثمَّ الْتَئَمَ على مَن بقِيَ بعدُ مِن فرعونَ وأشياعِه، فنسِيَ مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يضرِبَ البحرَ بالعصا، فانْتَهى إلى البحرِ وله قصيفٌ؛ مخافةَ أنْ يَضرِبَه موسى عليه السَّلامُ، وهو غافِلٌ، فيصيرَ عاصيًا اللهَ عَزَّ وجَلَّ. فلمَّا تراءى الجَمْعانِ وتقارَبَا، قال أصحابُ موسى: إنَّا لمُدْرَكونَ، افعَلْ ما أمرَكَ به ربُّك عَزَّ وجَلَّ؛ فإنَّك لم تكذِبْ ولم تُكْذَبْ، فقال: وعَدَني ربِّي عَزَّ وجَلَّ إذا أتيْتُ البحرَ، انفرَقَ لي اثنتيْ عشْرةَ فِرقةً حتَّى أُجاوزَه، ثمَّ ذكَرَ بعدَ ذلك العصا، فضرَبَ البحرَ بعصاه حين دنا أوائلُ جُندِ فرعونَ مِن أواخرِ جُندِ مُوسى عليه السَّلامُ، فانفرَقَ البحرُ كما أمَرَه اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكما وُعِدَ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا أنْ جاوَزَ موسى عليه السَّلامُ وأصحابُه البحرَ، ودخَلَ فِرعونُ وأصحابُه، الْتَقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ. فلمَّا جاوَزَ مُوسى عليه السَّلامُ البحرَ، قال أصحابُه: إنَّا نخافُ ألَّا يكونَ فِرعونُ قد غرِقَ، فلا نُؤمِنُ بهلاكِه، فدعا ربَّه عَزَّ وجَلَّ، فأخرَجَه له ببدنه حتَّى استيْقَنوا بهلاكِه. ثمَّ مَرُّوا بعدَ ذلك {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، إلى {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139]، قد رأيتُمْ مِن العِبَرِ، وسمِعْتُم ما يَكْفيكم، ومَضَى. فأنزَلَهم مُوسى عليه السَّلامُ منزلًا، ثمَّ قال لهم: أطيعوا هارونَ عليه السَّلامُ؛ فإنِّي قد استخلفْتُه عليكم، وإنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي عَزَّ وجَلَّ، وأجَّلَهم ثلاثينَ يومًا أنْ يَرجِعَ إليهم فيها، فلمَّا أتى ربَّه وأراد أنْ يُكلِّمَه ثلاثينَ يومًا، وقد صامهنَّ: ليلَهنَّ ونهارَهنَّ، وكرِهَ أنْ يُكلِّمَ ربَّه عَزَّ وجَلَّ ورِيحُ فَمِه رِيحُ فَمِ الصَّائمِ، فتناوَلَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن نباتِ الأرضِ شيئًا فمضَغَه، فقال له ربُّه عَزَّ وجَلَّ حين لقاه: لِمَ أفطرْتَ؟ -وهو أعلَمُ بالَّذي كان- قال: يا ربِّ، إنِّي كرِهْتُ أنْ أُكلِّمَك إلَّا وفَمِي طيِّبُ الرِّيحِ، قال: أوما علِمْتَ يا مُوسى أنْ رِيحَ فَمِ الصَّائمِ أطيبُ عندي مِن رِيحِ المِسْكِ؟ ارجِعْ حتَّى تصومَ عشْرًا ثمَّ ائْتِني، ففعَلَ مُوسى عليه السَّلامُ ما أُمِرَ به. فلمَّا رأى قومُ مُوسى عليه السَّلامُ أنَّه لم يرجِعْ إليهم للأجَلِ ساءَهم ذلك، وكان هارونُ عليه السَّلامُ قد خطَبَهم، فقال لهم: خرجْتُم مِن مِصْرَ ولقومِ فرعونَ عندي عواري وودائعُ، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وأنا أرى أنْ تحتَسِبوا ما لكم عندهم، ولا أحلَّ لكم وديعةً اسْتُودِعْتُمُوها، ولا عاريَّةً، ولسنا برادِّين إليهم شيئًا مِن ذلك، ولا مُمْسِكيه لأنفُسِنا، فحفَرَ حفيرًا، وأمَرَ كلَّ قومٍ عليهم شَيءٌ مِن ذلك؛ مِن متاعٍ أو حِليةٍ أنْ يَقْذِفوه في ذلك الحفيرِ، ثمَّ أوقَدَ عليه النَّارَ، فأحرَقَه، فقال: لا يكونُ لنا، ولا لهم. وكان السَّامريُّ رجلًا مِن قومٍ يَعْبُدون البقرَ جيرانٍ لهم، ولم يكُنْ مِن بني إسرائيلَ، فاحتملَ مع مُوسى عليه السَّلامُ وبني إسرائيلَ حين احْتملوا، فقُضِيَ له أنْ رأى أثرًا، فأخَذَ منه بقبْضَتِه، فمَرَّ بهارونَ، فقال له هارونُ عليه السَّلامُ: يا سامريُّ، ألَا تُلْقي ما في يدَيْك؟ وهو قابضٌ عليه لا يَراه أحدٌ طوالَ ذلك، فقال: هذه قبْضةٌ مِن أثرِ الرَّسولِ الَّذي جاوَزَ بكم البحرَ، ولا أُلْقيها لشَيءٍ إلَّا أنْ تَدْعُوَ اللهَ إذا ألقيْتُها أنْ تكونَ ما أُرِيدُ، فألْقاها، ودعا اللهَ هارونُ عليه السَّلامُ، فقال: أريدُ أنْ يكونَ عِجْلًا، واجتمَعَ ما كان في الحُفرةِ مِن متاعٍ له، أو حِلْيةٍ، أو نحاسٍ، أو حديدٍ، فصار عِجْلًا أجوفَ ليس فيه رُوحٌ، له خُوارٌ. قال ابنُ عبَّاسٍ: لا واللهِ ما كان له صوتٌ قطُّ، إنَّما كانت الرِّيحُ تدخُلُ مِن دُبُرِه وتخرُجُ مِن فَمِه، فكان ذلك الصَّوتُ مِن ذلك. فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا؛ فقالت فِرقةٌ: يا سامريُّ، ما هذا فأنت أعلَمُ به؟ قال: هذا ربُّكم عَزَّ وجَلَّ، ولكنَّ مُوسى عليه السَّلامُ أضَلَّ الطَّريقَ. وقالت فِرقةٌ: لا نُكذِّب بهذا حتَّى يرجِعَ إلينا مُوسى، فإنْ كان ربَّنا لم نكُنْ ضيَّعْناه وعجَزْنا فيه حِينَ رأيْناه، وإنْ لم يكُنْ ربَّنا، فإنَّا نتَّبِعُ قولَ مُوسى عليه السَّلامُ. وقالت فِرقةٌ: هذا عمَلُ الشَّيطانِ، وليس بربِّنا، ولا نُؤْمِنُ، ولا نُصدِّقُ. وأُشْرِبَ فِرقةٌ في قُلوبِهم التَّصديقَ بما قال السَّامريُّ في العجلِ، وأعْلَنوا التَّكذيبَ، فقال لهم هارونُ عليه السَّلامُ: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ} [طه: 90]، وإنَّ ربَّكم ليس هكذا، قالوا: فما بالُ مُوسى عليه السَّلامُ؛ وعَدَنا ثلاثينَ يومًا ثمَّ أخلَفَنا، فهذه أربعونَ قد مَضَت؟! فقال سُفهاؤُهم: أخطَأَ ربَّه، فهو يطلُبُه ويتبَعُه. فلمَّا كلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مُوسى عليه السَّلامُ وقال له ما قال، أخبَرَه بما لقِيَ قومُه بعده. {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه: 86]، وقال لهم ما سمِعْتُم في القُرآنِ وأخَذَ برأْسِ أخِيه، وألْقى الألواحَ مِن الغضَبِ، ثمَّ عذَرَ أخاه بعُذْرِه، واستغفَرَ له، وانصرَفَ إلى السَّامريِّ، فقال له: ما حمَلَك على ما صنعْتَ؟ قال: قبَضْتُ قبضةً مِن أثرِ الرَّسولِ وفطِنْتُ لها، وعُمِّيَت عليكم، فقَذفْتُها؛ وكذلك سوَّلَت لي نَفْسي. قال: {اذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ} إلى قولِه: {نَسْفًا} [طه: 97]، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منه. فاستيقَنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ، واغْتَبَطَ الَّذين كان رأيُهم فيه مثلَ رأيِ هارونَ عليه السَّلامُ، فقالوا بجماعتِهم لمُوسى عليه السَّلامُ: سَلْ لنا ربَّك عَزَّ وجَلَّ أنْ يفتَحَ لنا بابَ توبةٍ نصنَعُها؛ فيُكَفِّرَ عنَّا ما عمِلْنا، فاختارَ موسى عليه السَّلامُ قومَه سبعينَ رجُلًا لذلك -لا يأْلُو الخيرَ- خيارَ بني إسرائيلَ، ومَن لم يُشْرِكْ في العجلِ. فانطلَقَ بهم ليسأَلَ لهم التَّوبةَ، فرجَفَتْ بهم الأرضُ، فاستحيا نبيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من قومِه ووفْدِه حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ، فقال: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155]، وفيهم مَن قد كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ اطَّلَعَ على ما أُشْرِبَ قلبُه من حُبِّ العجلِ وإيمانِه به؛ فلذلك رجَفَت بهم الأرضُ. فقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] إلى: {فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]، فقال: رَبِّ سألْتُك التَّوبةَ لقومي، فقلْتَ: إنَّ رحمتي كتبْتُها لقومٍ غيرِ قومي، فليتَكَ أخَّرْتَني حين تُخْرِجُني حيًّا في أُمَّةِ ذلك الرَّجلِ المرحومةِ، فقال اللهُ له: إنَّ توبتَهم أنْ يقتُلَ كلُّ رجُلٍ منهم مَن لقِيَ مِن والدٍ أو ولدٍ، فيقتُلَه بالسَّيفِ لا يُبَالي مَن قتَلَ في ذلك الموطنِ، وتاب أولئك الَّذين كان خفِيَ على موسى وهارونَ عليهما السلام ما اطَّلَعُ اللهُ عليهم من ذُنوبِهم، فاعتَرَفوا بها، وفعَلوا ما أُمِروا، وغفَرَ اللهُ للقاتِلِ والمقتولِ. ثمَّ سار بهم مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ الأرضِ المُقدَّسةِ، وأخَذَ الألواحَ بعدما سكَتَ عنه الغضبُ، وأمَرَهم بالَّذي أُمِرَ به أنْ يُبَلِّغَهم من الوظائفِ، فثقُلَ ذلك عليهم، وأبَوا أنْ يُقِرُّوا بها، فنتَقَ اللهُ عليهم الجبلَ كأنَّه ظُلَّةٌ، ودنا منهم حتَّى خافوا أنْ يقَعَ عليهم، فأخَذُوا الكتابَ بأيمانِهم وهم يَصْغُون ينظُرونَ إلى الجبلِ والأرضِ، والكتابُ بأيديهم وهم يَنظُرونَ إلى الجبلِ؛ مخافةَ أنْ يقَعَ عليهم، ثمَّ مَضَوا إلى الأرضِ المُقدَّسةِ، فوَجَدوا مدينةَ قومٍ جبَّارينَ خَلْقُهم مُنْكرٌ، وذكَرَ من ثِمارِهم أمرًا عجَبًا من عِظَمِها، فقالوا: يا موسى، إنَّ فيها قومًا جبَّارينَ لا طاقةَ لنا بهم، ولا ندخُلُها ما داموا فيها، فإنْ يَخْرجوا منها فإنَّا داخِلونَ، قال رجُلانِ من الَّذين يَخافونَ مِن الجبَّارينَ: آمنَّا بمُوسى عليه السَّلامُ، فخرَجَا إليه، فقالا: نحنُ أعلَمُ بقومِنا، إنْ كنتُمْ إنَّما تَخافونَ ما رأيتُمْ من أجسامِهم وعدَدِهم، فإنَّهم لا قُلوبَ لهم، ولا مَنعةَ عندهم، فادْخُلوا عليهم البابَ، فإذا دخلْتُموه فإنَّكم غالِبونَ. ويقولُ أناسٌ: إنَّهما من قومِ مُوسى عليه السَّلامُ. وزعَمَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ أنَّهما من الجبَّارينَ آمَنَا بمُوسى، بقولِه: {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} [المائدة: 23]: إنَّما عَنى بذلك: مِن الَّذين يَخافونَ بني إسرائيلَ. {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، فأغْضَبوا مُوسَى عليه السَّلامُ، فدعا عليهم، وسمَّاهم فاسقينَ، ولم يدْعُ عليهم قبلَ ذلك؛ لِمَا رأى منهم من المعصيةِ وإساءتِهم حتَّى كان يومئذٍ، فاستجابَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ له، فسمَّاهم كما سمَّاهم مُوسى عليه السَّلامُ فاسقينَ، فحرَّمَها عليهم أربعينَ سَنةً يَتِيهون في الأرضِ؛ يُصْبِحون كلَّ يومٍ، فيَسِيرونَ ليس لهم قرارٌ، ثمَّ ظلَّلَ عليهم الغمامَ في التِّيهِ، وأنزَلَ عليهم المَنَّ والسَّلوى، وجعَلَ لهم ثيابًا لا تَبْلى، ولا تتَّسِخُ، وجعَلَ بين ظَهرِهم حَجرًا مُربَّعًا، وأمَرَ مُوسى عليه السَّلامُ فضرَبَه بعصاهُ، فانفجَرَ منه اثنتا عشْرةَ عينًا، في كلِّ ناحيةٍ ثلاثةُ أعينٍ، وأعلَمَ كلَّ سِبْطٍ عينَهم الَّتي يَشْربون منها، فلا يَرْتحِلونَ من مَنزلٍ إلَّا وجدوا ذلك الحجرَ منهم بالمكانِ الَّذي كان منه أمسِ
5
✔ صحيح📌 لَئِن سَلَّمَني اللهُ لَأدَعَنَّ أرامِلَ أهلِ العِراقِ لا يَحتَجنَ إلى رَجُلٍ بَعدي أبَدًا
رَأيتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه قَبلَ أن يُصابَ بأيَّامٍ بالمَدينةِ وقَفَ على حُذَيفةَ بنِ اليَمانِ وعُثمانَ بنِ حُنَيفٍ، قال: كيفَ فعَلتُما؟ أتَخافانِ أن تَكونا قد حَمَّلتُما الأرضَ ما لا تُطيقُ؟ قالا: حَمَّلناها أمرًا هي له مُطيقةٌ، ما فيها كَبيرُ فضلٍ، قال: انظُرا أن تَكونا حَمَّلتُما الأرضَ ما لا تُطيقُ، قال: قالا: لا، فقال عُمَرُ: لَئِن سَلَّمَني اللهُ لَأدَعَنَّ أرامِلَ أهلِ العِراقِ لا يَحتَجنَ إلى رَجُلٍ بَعدي أبَدًا، قال: فما أتَت عليه إلَّا رابِعةٌ حتَّى أُصيبَ، قال: إنِّي لَقائِمٌ ما بَيني وبينَه إلَّا عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ غَداةَ أُصيبَ، وكان إذا مَرَّ بينَ الصَّفَّينِ قال: استَووا، حتَّى إذا لَم يَرَ فيهنَّ خَلَلًا تَقدَّمَ فكَبَّرَ، ورُبَّما قَرَأ سورةَ يوسُفَ، أوِ النَّحلَ، أو نَحوَ ذلك في الرَّكعةِ الأولى حتَّى يَجتَمِعَ النَّاسُ، فما هو إلَّا أن كَبَّرَ، فسَمِعتُه يقولُ: قَتَلَني -أو أكَلَني- الكَلبُ، حينَ طَعَنَه، فطارَ العِلجُ بسِكِّينٍ ذاتِ طَرَفَينِ، لا يَمُرُّ على أحَدٍ يَمينًا ولا شِمالًا إلَّا طَعَنَه، حتَّى طَعَنَ ثَلاثةَ عَشَرَ رَجُلًا، ماتَ منهم سَبعةٌ، فلَمَّا رَأى ذلك رَجُلٌ مِنَ المُسلِمينَ طَرَحَ عليه بُرنُسًا، فلَمَّا ظَنَّ العِلجُ أنَّه مَأخوذٌ نَحَرَ نَفسَه، وتَناولَ عُمَرُ يَدَ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ فقدَّمَه، فمَن يَلي عُمَرَ فقد رَأى الذي أرى، وأمَّا نَواحي المَسجِدِ فإنَّهم لا يَدرونَ، غيرَ أنَّهم قد فقدوا صَوتَ عُمَرَ، وهم يقولونَ: سُبحانَ اللهِ! سُبحانَ اللهِ! فصَلَّى بهِم عبدُ الرَّحمَنِ صَلاةً خَفيفةً، فلَمَّا انصَرَفوا قال: يا ابنَ عَبَّاسٍ، انظُرْ مَن قَتَلَني، فجالَ ساعةً ثُمَّ جاءَ فقال: غُلامُ المُغيرةِ، قال: الصَّنَعُ؟ قال: نَعَم، قال: قاتَلَه اللهُ! لقد أمَرتُ به مَعروفًا، الحَمدُ للَّهِ الذي لَم يَجعَلْ مَيتَتي بيَدِ رَجُلٍ يَدَّعي الإسلامَ، قد كُنتَ أنتَ وأبوكَ تُحِبَّانِ أن تَكثُرَ العُلوجُ بالمَدينةِ -وكان العَبَّاسُ أكثَرَهم رَقيقًا- فقال: إن شِئتَ فعَلتُ -أي: إن شِئتَ قَتَلنا- قال: كَذَبتَ، بَعدَما تَكَلَّموا بلِسانِكُم، وصَلَّوا قِبلَتَكُم، وحَجُّوا حَجَّكُم! فاحتُمِلَ إلى بَيتِه، فانطَلَقنا معهُ وكَأنَّ النَّاسَ لَم تُصِبْهم مُصيبةٌ قَبلَ يَومَئذٍ، فقائِلٌ يقولُ: لا بَأسَ، وقائِلٌ يقولُ: أخافُ عليه، فأُتيَ بنَبيذٍ فشَرِبَه، فخَرَجَ مِن جَوفِه، ثُمَّ أُتيَ بلَبَنٍ فشَرِبَه فخَرَجَ مِن جُرحِه، فعَلِموا أنَّه مَيِّتٌ، فدَخَلنا عليه، وجاءَ النَّاسُ، فجَعَلوا يُثنونَ عليه، وجاءَ رَجُلٌ شابٌّ، فقال: أبشِرْ يا أميرَ المُؤمِنينَ ببُشرى اللهِ لَكَ؛ مِن صُحبةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقدَمٍ في الإسلامِ ما قد عَلِمتَ، ثُمَّ وَلِيتَ فعَدَلتَ، ثُمَّ شَهادةٌ، قال: ودِدتُ أنَّ ذلك كَفافٌ لا عليَّ ولا لي، فلَمَّا أدبَرَ إذا إزارُه يَمَسُّ الأرضَ، قال: رُدُّوا عليَّ الغُلامَ، قال: يا ابنَ أخي، ارفَعْ ثَوبَكَ؛ فإنَّه أبقى لثَوبِكَ، وأتقى لرَبِّكَ. يا عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، انظُرْ ما عليَّ مِنَ الدَّينِ، فحَسَبوه فوجَدوه سِتَّةً وثَمانينَ ألفًا أو نَحوَه، قال: إنْ وفى له مالُ آلِ عُمَرَ فأدِّه مِن أموالِهم، وإلَّا فسَلْ في بَني عَديِّ بنِ كَعبٍ، فإن لَم تَفِ أموالُهم فسَلْ في قُرَيشٍ، ولا تَعدُهم إلى غيرِهم، فأدِّ عَنِّي هذا المالَ. انطَلِقْ إلى عائِشةَ أُمِّ المُؤمِنينَ، فقُلْ: يَقرَأُ عليكِ عُمَرُ السَّلامَ، ولا تَقُلْ: أميرُ المُؤمِنينَ؛ فإنِّي لَستُ اليومَ للمُؤمِنينَ أميرًا، وقُل: يَستَأذِنُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أن يُدفَنَ مع صاحِبَيه، فسَلَّمَ واستَأذَنَ، ثُمَّ دَخَلَ عليها، فوجَدَها قاعِدةً تَبكي، فقال: يَقرَأُ عليكِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ السَّلامَ، ويَستَأذِنُ أن يُدفَنَ مع صاحِبَيه، فقالت: كُنتُ أُريدُه لنَفسي، ولَأوثِرَنَّ به اليومَ على نَفسي، فلَمَّا أقبَلَ قيلَ: هذا عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ قد جاءَ، قال: ارفَعوني، فأسنَدَه رَجُلٌ إليه، فقال: ما لَدَيكَ؟ قال: الذي تُحِبُّ يا أميرَ المُؤمِنينَ؛ أذِنَت، قال: الحَمدُ للَّهِ، ما كان مِن شَيءٍ أهَمُّ إليَّ مِن ذلك، فإذا أنا قَضَيتُ فاحمِلوني، ثُمَّ سَلِّمْ، فقُل: يَستَأذِنُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فإن أذِنَت لي فأدخِلوني، وإن رَدَّتني رُدُّوني إلى مَقابِرِ المُسلِمينَ، وجاءَت أُمُّ المُؤمِنينَ حَفصةُ والنِّساءُ تَسيرُ معها، فلَمَّا رَأيناها قُمنا، فولَجَت عليه، فبَكَت عِندَه ساعةً. واستَأذَنَ الرِّجالُ، فولَجَت داخِلًا لهم، فسَمِعنا بُكاءَها مِنَ الدَّاخِلِ، فقالوا: أوصِ يا أميرَ المُؤمِنينَ، استَخلِفْ، قال: ما أجِدُ أحَدًا أحَقَّ بهذا الأمرِ مِن هؤلاء النَّفَرِ -أوِ الرَّهطِ- الذينَ توفِّيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو عنهم راضٍ، فسَمَّى عَليًّا، وعُثمانَ، والزُّبَيرَ، وطَلحةَ، وسَعدًا، وعَبدَ الرَّحمَنِ، وقال: يَشهَدُكُم عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وليسَ له مِنَ الأمرِ شَيءٌ -كَهَيئةِ التَّعزيةِ له- فإن أصابَتِ الإمرةُ سَعدًا فهو ذاكَ، وإلَّا فليَستَعِنْ به أيُّكُم ما أُمِّرَ؛ فإنِّي لَم أعزِلْه عن عَجزٍ ولا خيانةٍ، وقال: أوصي الخَليفةَ مِن بَعدي بالمُهاجِرينَ الأوَّلينَ؛ أن يَعرِفَ لهم حَقَّهم، ويَحفَظَ لهم حُرمَتَهم، وأوصيه بالأنصارِ خَيرًا الذينَ تَبَوَّؤوا الدَّارَ والإيمانَ مِن قَبلِهم؛ أن يُقبَلَ مِن مُحسِنِهم، وأن يُعفى عن مُسيئِهم، وأوصيه بأهلِ الأمصارِ خَيرًا؛ فإنَّهم رِدءُ الإسلامِ، وجُباةُ المالِ، وغَيظُ العَدوِّ، وألَّا يُؤخَذَ منهم إلَّا فضلُهم عن رِضاهم، وأوصيه بالأعرابِ خَيرًا؛ فإنَّهم أصلُ العَرَبِ، ومادَّةُ الإسلامِ؛ أن يُؤخَذَ مِن حَواشي أموالِهم، ويُرَدَّ على فُقَرائِهم، وأوصيه بذِمَّةِ اللهِ، وذِمَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يوفى لهم بعَهدِهم، وأن يُقاتَلَ مِن ورائِهم، ولا يُكَلَّفوا إلَّا طاقَتَهم. فلَمَّا قُبِضَ خَرَجنا به، فانطَلَقنا نَمشي، فسَلَّمَ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، قال: يَستَأذِنُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قالت: أدخِلوه، فأُدخِلَ، فوُضِعَ هُنالِكَ مع صاحِبَيه، فلَمَّا فُرِغَ مِن دَفنِه اجتَمع هؤلاء الرَّهطُ، فقال عبدُ الرَّحمَنِ: اجعَلوا أمرَكُم إلى ثَلاثةٍ مِنكُم، فقال الزُّبَيرُ: قد جَعَلتُ أمري إلى عَليٍّ، فقال طَلحةُ: قد جَعَلتُ أمري إلى عُثمانَ، وقال سَعدٌ: قد جَعَلتُ أمري إلى عبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، فقال عبدُ الرَّحمَنِ: أيُّكُما تَبَرَّأ مِن هذا الأمرِ، فنَجعَلُه إليه، واللهُ عليه والإسلامُ، لَيَنظُرَنَّ أفضَلَهم في نَفسِه؟ فأُسكِتَ الشَّيخانِ، فقال عبدُ الرَّحمَنِ: أفَتَجعَلونَه إليَّ؟ واللهُ عليَّ ألَّا آلُ عن أفضَلِكُم؟ قالا: نَعَم، فأخَذَ بيَدِ أحَدِهما فقال: لكَ قَرابةٌ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والقَدَمُ في الإسلامِ ما قد عَلِمتَ، فاللهُ عليك لَئِن أمَّرتُكَ لَتَعدِلَنَّ، ولَئِن أمَّرتُ عُثمانَ لَتَسمعنَّ ولَتُطيعَنَّ، ثُمَّ خَلا بالآخَرِ فقال له مِثلَ ذلك، فلَمَّا أخَذَ الميثاقَ قال: ارفَعْ يَدَكَ يا عُثمانُ، فبايَعَه، فبايَعَ له عَليٌّ، وولَجَ أهلُ الدَّارِ فبايَعوه
عنْ عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ قالَ: إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالَى لمَّا أرادَ هَدْيَ زَيدِ بنِ سَعْنةَ، قالَ زَيدُ بنُ سَعْنةَ: ما مِن عَلاماتِ النُّبوَّةِ شيءٌ إلَّا وقد عرَفْتُها في وجهِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينَ نظرْتُ إليه إلَّا شَيئَينِ لم أَخبُرْهما منه، هل سبَقَ حِلمُه جَهلَه، ولا يَزيدُه شدَّةُ الجَهلِ عليه إلَّا حِلمًا، فكنْتُ ألطُفُ به لئنْ أُخالِطَه فأعرِفَ حِلمَه مِن جَهلِه، قالَ زَيدُ بنُ سَعْنةَ: فخرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومًا منَ الحُجُراتِ، ومعَه عليُّ بنُ أبي طالِبٍ رَضيَ اللهُ عنه، فأتاهُ رَجُلٌ على راحِلَتِه كالبَدويِّ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ بُصْرى قَريةُ بَني فُلانٍ، قد أسْلَموا، ودَخَلوا في الإسْلامِ، وكنْتُ حدَّثْتُهم إنْ أسْلَموا آتاهُمُ الرِّزقُ رَغَدًا، وقد أصابَتْهم سَنةٌ وشدَّةٌ وقُحوطٌ منَ الغَيثِ، فأنا أخْشى يا رَسولَ اللهِ أنْ يَخْرجوا منَ الإسْلامِ طَمَعًا، كما دَخَلوا فيه طَمَعًا، فإنْ رأيْتَ أنْ تُرسِلَ إليهم بشَيءٍ تُعينُهم به، فعلْتَ، فنظَرَ إليَّ رَجُلٌ جانِبَه أُراهُ عَليًّا رَضيَ اللهُ عنه، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، ما بَقيَ منه شيءٌ، قالَ زَيدُ بنُ سَعْنةَ: فدنَوْتُ إليه، فقُلْتُ: يا مُحمَّدُ، هل لكَ أنْ تَبيعَني تَمرًا مَعْلومًا مِن حائطِ بَني فلانٍ إلى أجَلِ كذا وكذا، قالَ: لا يا يَهوديُّ، ولكنْ أَبيعُكَ تَمرًا مَعلومًا إلى أجَلِ كذا وكذا، ولا أُسمِّي حائطَ بَني فلانٍ. فقُلْتُ: نعمْ، فبايَعَني فأطلَقْتُ هِمْياني فأعْطَيْتُه ثَمانينَ مِثْقالًا مِن ذهَبٍ في تَمرٍ مَعْلومٍ إلى أجَلِ كذا وكذا، فأعْطاها الرَّجلَ، فقالَ: اعجَلْ عليهم وأغِثْهم بها، قالَ زَيدُ بنُ سَعْنةَ: فلمَّا كانَ قبلَ محلِّ الأجَلِ بيَومَينِ أو ثَلاثةٍ أتَيْتُه، فأخذْتُ مجامِعَ قَميصِه ورِدائِه، ونظرْتُ إليه بوجهٍ غَليظٍ فقُلْتُ له: ألَا تَقْضيني يا مُحمَّدُ حقِّي، فواللهِ ما عَلِمْتم بَني عبدِ المُطَّلِبِ بمَطْلٍ، ولقد كانَ لي بمُخالَطَتِكم عِلمٌ، ونظرْتُ إلى عُمَرَ، وإذا عَيْناه تَدورانِ في وَجهِه كالفَلَكِ المُستَديرِ، ثمَّ رَماني ببَصَرِه، فقالَ: يا عَدوَّ اللهِ، أتَقولُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما أسمَعُ وتصنَعُ به كما أرَى، فوالَّذي بعَثَه بالحقِّ لولا ما أُحاذِرُ قوَّتَه لَضربْتُ بسَيْفي رأسَكَ، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ينظُرُ إلى عُمَرَ في سُكونٍ وتُؤَدةٍ وتبَسُّمٍ، ثمَّ قالَ: يا عُمَرُ، أنا وهو كنَّا أحوَجَ إلى غيرِ هذا، أنْ تَأْمُرَني بحُسنِ الأداءِ، وتأمُرَه بحُسنِ التَّباعةِ، اذهَبْ به يا عُمَرُ، فأعْطِه حقَّه، وزِدْه عِشْرينَ صاعًا مِن تَمرٍ فقُلْتُ: ما هذه الزِّيادةُ يا عُمَرُ؟ قالَ: أمَرَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ أَزيدَكَ مَكانَ ما روَّعْتُكَ قُلْتُ: وتَعرِفُني؟ قالَ: لا، مَن أنتَ؟ قُلْتُ: زَيدُ بنُ سَعْنةَ، قالَ: الحَبرُ، قُلْتُ: الحَبرُ، قالَ: فما دَعاكَ أنْ فعلْتَ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما فعلْتَ، وقلْتَ له ما قلْتَ؟ قلْتُ له: يا عُمَرُ، لم يكُنْ مِن عَلَاماتِ النُّبوَّةِ شَيءٌ إلَّا وقد عَرفْتُه في وَجهِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينَ نظَرْتُ إليه إلَّا اثْنَينِ لم أَخبُرْهما منه: هل يَسبِقُ حِلمُه جَهلَه، ولا تَزيدُه شدَّةُ الجهلِ عليه إلَّا حِلمًا؛ فقدِ اختَبَرْتُهما، فأُشهِدُكَ يا عُمَرُ أنِّي قد رَضيتُ باللهِ ربًّا وبالإسْلامِ دينًا، وبمُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَبيًّا، وأُشهِدُكَ أنَّ شَطرَ مالي -فإنِّي أكثَرُ مالًا- صَدَقةٌ على أمَّةِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه: أوْ على بَعضِهم؛ فإنَّكَ لا تَسَعُهم، قُلْتُ: أوْ على بَعضِهم، فرجَعَ زَيدٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ زَيدٌ: أشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، وآمَنَ به وصدَّقَه وبايَعَه، وشهِدَ معَه مَشاهِدَ كَثيرةً، ثمَّ تُوفِّيَ زَيدٌ في غَزْوةِ تَبوكَ مُقبِلًا غيرَ مُدبِرٍ ورحِمَ اللهُ زَيدًا
إنَّ اللهَ تبارَك وتعالى لمَّا أراد هُدى زيدِ بنِ سَعْنةَ قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: إنَّه لم يبقَ مِن علاماتِ النُّبوَّةِ شيءٌ إلَّا وقد عرَفْتُها في وجهِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نظَرْتُ إليه إلَّا أثنين لم أخبُرْهما منه: يسبِقُ حِلْمُه جهلَه ولا يزيدُه شدَّةُ الجهلِ عليه إلَّا حِلمًا فكُنْتُ أتلطَّفُ له لِأنْ أُخالِطَه فأعرِفَ حِلْمَه وجهلَه قال: فخرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الحُجُراتِ ومعه عليُّ بنُ أبي طالبٍ فأتاه رجلٌ على راحلتِه كالبدويِّ فقال: يا رسولَ اللهِ قريةُ بني فلانٍ قد أسلَموا ودخَلوا في الإسلامِ كُنْتُ أخبرته أنَّهم إنْ أسلَموا أتاهم الرِّزقُ رغدًا وقد أصابهم شدَّةٌ وقحطٌ مِن الغيثِ وأنا أخشى يا رسولَ اللهِ أنْ يخرُجوا مِن الإسلامِ طمَعًا كما دخَلوا فيه طمَعًا فإنْ رأَيْتَ أنْ تُرسِلَ إليهم مَن يُغيثُهم به فعَلْتَ قال: فنظَر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى رجلٍ إلى جانبِه أراه عمرَ فقال: ما بقي منه شيءٌ يا رسولَ اللهِ قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: فدنَوْتُ إليه فقُلْتُ له: يا محمَّدُ هل لك أنْ تبيعَني تمرًا معلومًا مِن حائطِ بني فلانٍ إلى أجلِ كذا وكذا ؟ فقال: ( لا يا يهوديُّ ولكنْ أبيعُك تمرًا معلومًا إلى أجلِ كذا وكذا ولا أُسمِّي حائطَ بن فلانٍ ) قُلْتُ: نَعم فبايَعني صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأطلَقْتُ هِمياني فأعطَيْتُه ثمانينَ مثقالًا مِن ذهبٍ في تمرٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وكذا قال: فأعطاها الرَّجلَ وقال: ( اعجَلْ عليهم وأغِثْهم بها ) قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: فلمَّا كان قبْلَ محلِّ الأجلِ بيومينِ أو ثلاثةٍ خرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جِنازةِ رجلٍ مِن الأنصارِ ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ ونفرٌ مِن أصحابِه فلمَّا صلَّى على الجِنازةِ دنا مِن جدارٍ فجلَس إليه فأخَذْتُ بمجامعِ قميصِه ونظَرْتُ إليه بوجهٍ غليظٍ ثمَّ قُلْتُ: ألا تقضيني يا محمَّدُ حقِّي ؟ فواللهِ ما علِمْتُكم بني عبدِ المطَّلبِ - بمُطلٍ ولقد كان لي بمُخالَطتِكم عِلمٌ قال: ونظَرْتُ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ وعيناه تدورانِ في وجهِه كالفلَكِ المستديرِ ثمَّ رماني ببصرِه وقال: أيْ عدوَّ اللهِ أتقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أسمَعُ وتفعَلُ به ما أرى ؟ فوالَّذي بعَثه بالحقِّ لولا ما أُحاذِرُ فَوْتَه لضرَبْتُ بسيفي هذا عنقَك ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ينظُرُ إلى عمرَ في سكونٍ وتُؤدةٍ ثمَّ قال: ( إنَّا كنَّا أحوجَ إلى غيرِ هذا منك يا عمرُ أنْ تأمُرَني بحُسنِ الأداءِ وتأمُرَه بحُسنِ التِّباعةِ اذهَبْ به يا عمرُ فاقضِه حقَّه وزِدْه عشرينَ صاعًا مِن غير مكانَ ما رُعْتَه ) قال زيدٌ: فذهَب بي عمرُ فقضاني حقِّي وزادني عشرينَ صاعًا مِن تمرٍ فقُلْتُ: ما هذه الزِّيادةُ ؟ قال: أمَرني رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ أزيدَك مكانَ ما رُعْتُك فقُلْتُ: أتعرِفُني يا عمرُ ؟ قال: لا، فمَن أنتَ ؟ قُلْتُ: أنا زيدُ بنُ سَعْنةَ قال: الحبرُ ؟ قُلْتُ: نَعم، الحبرُ، قال: فما دعاك أنْ تقولَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما قُلْتَ وتفعَلَ به ما فعَلْتَ فقُلْتُ: يا عمرُ كلُّ علاماتِ النُّبوَّةِ قد عرَفْتُها في وجهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نظَرْتُ إليه إلَّا اثنتينِ لم أختبِرْهما منه: يسبِقُ حِلْمُه جهلَه ولا يزيدُه شدَّةُ الجهلِ عليه إلَّا حِلْمًا فقد اختبَرْتُهما فأُشهِدُك يا عمرُ أنِّي قد رضيتُ باللهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نبيًّا وأُشهِدُك أنَّ شَطْرَ مالي - فإنِّي أكثرُها مالًا - صدقةٌ على أمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال عمرُ أو على بعضِهم فإنَّك لا تسَعُهم كلَّهم قُلْتُ: أو على بعضِهم فرجَع عمرُ وزيدٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال زيدٌ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فآمَن به وصدَّقه وشهِد مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مشاهدَ كثيرةً ثمَّ توفِّي في غزوةِ تبوكَ مُقبِلًا غيرَ مُدبِرٍ ) رحِم اللهُ زيدًا قال: فسمِعْتُ الوليدَ يقولُ: حدَّثني بهذا كلِّه محمَّدُ بنُ حمزةَ عن أبيه عن جدِّه عن عبدِ اللهِ بنِ سلَامٍ
أنه رأى عُمَرَ بنَ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه قبْلَ أنْ يُصابَ بأيَّامٍ بالمدينةِ وقَف على حُذيفةَ بنِ اليَمانِ وعُثمانَ بنِ حُنيفٍ فقال : أتخافانِ أنْ تكونا قد حمَّلْتُما الأرضَ ما لا تُطيقُ ؟ قالا : حمَّلْناها أمرًا هي له مُطيقةٌ وما فيها كثيرٌ فَضْلٌ فقال : انظُرا ألَّا تكونا حمَّلْتُما الأرضَ ما لا تُطيقُ فقالا : لا فقال : لئِنْ سلَّمني اللهُ لَأدَعَنَّ أراملَ أهلِ العِراقِ لا يحتَجْنَ إلى أحَدٍ بعدي قال : فما أتَتْ عليه إلَّا رابعةٌ حتَّى أُصيبَ قال عمرُو بنُ مَيمونٍ : وإنِّي لَقائمٌ ما بَيْني وبَيْنَه إلَّا عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ غَداةَ أُصيب وكان إذا مَرَّ بيْنَ الصَّفَّيْنِ قام بَيْنَهما فإذا رأى خَلَلًا قال : استَووا حتَّى إذا لَمْ يَرَ فيهم خَلَلًا تقدَّم فكبَّر قال : وربَّما قرَأ سورةَ يوسُفَ أو النَّحلِ في الرَّكعةِ الأُولى حتَّى يجتمِعَ النَّاسُ قال : فما كان إلَّا أنْ كبَّر فسمِعْتُه يقولُ : قتَلني الكلبُ - أو أكَلني الكلبُ - حينَ طعَنه وطار العِلْجُ بسِكِّينٍ ذي طرَفَيْنِ لا يمُرُّ على أحَدٍ يمينًا وشِمالًا إلَّا طعَنه حتَّى طعَن ثلاثةَ عشَر رجُلًا فمات منهم تسعةٌ فلمَّا رأى ذلك رجُلٌ مِن المُسلِمينَ طرَح عليه بُرنُسًا فلمَّا ظنَّ العِلْجُ أنَّه مأخوذٌ نحَر نفسَه وأخَذ عُمَرُ بيدِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ فقدَّمه فأمَّا مَن يَلي عُمَرَ فقد رأى الَّذي رأَيْتُ وأمَّا نواحي المسجِدِ فإنَّهم لا يَدرونَ ما الأمرُ غيرَ أنَّهم فقَدوا صوتَ عُمَرَ وهم يقولونَ : سُبحانَ اللهِ سُبحانَ اللهِ فصلَّى عبدُ الرَّحمنِ بالنَّاسِ صلاةً خفيفةً فلمَّا انصرَفوا قال : يا ابنَ عبَّاسٍ : انظُرْ مَن قتَلني فجال ساعةً ثمَّ قال : غلامُ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ فقال : قاتَله اللهُ لقد كُنْتُ أمَرْتُه بمعروفٍ ثمَّ قال : الحمدُ للهِ الَّذي لَمْ يجعَلْ مَنيَّتي بيدِ رجُلٍ يدَّعي الإسلامَ، كُنْتَ أنتَ وأبوكَ تُحِبَّانِ أنْ يكثُرُ العُلوجُ بالمدينةِ وكان العبَّاسُ أكثَرَهم رقيقًا فاحتُمِل إلى بيتِه فكأنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهم مصيبةٌ قبْلَ يومَئذٍ فقائلٌ يقولُ : نخافُ عليه وقائلٌ يقولُ لا بأسَ فأُتِي بنَبيذٍ فشرِب منه فخرَج مِن جُرحِه ثمَّ أُتِي بلَبَنٍ فشرِب منه فخرَج مِن جُرحِه فعرَفوا أنَّه ميِّتٌ وولَجْنا عليه وجاء النَّاسُ يُثنونَ عليه وجاء رجُلٌ شابٌّ فقال : أبشِرْ يا أميرَ المُؤمِنينَ ببُشرى اللهِ قد كان لكَ مِن صُحبةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقِدَمِ الإسلامِ ما قد علِمْتَ ثمَّ استُخلِفْتَ فعدَلْتَ ثمَّ شَهادةٌ قال : يا ابنَ أخي ودِدْتُ أنَّ ذلك كَفافٌ لا علَيَّ ولا ليَ فلمَّا أدبَر الرَّجُلُ إذا إزارُه يمَسُّ الأرضَ فقال : رُدُّوا علَيَّ الغلامَ فقال : يا ابنَ أخي ارفَعْ ثوبَك فإنَّه أَنْقَى لثوبِك وأَتْقَى لِربِّكَ، يا عبدَ اللهِ انظُرْ ما علَيَّ مِن الدَّيْنِ فحسَبوه فوجَدوه ستَّةً وثمانينَ ألفًا فقال : إنْ وفَى مالُ آلِ عُمَرَ فأَدِّه مِن أموالِهم وإلَّا فسَلْ في بني عَدِيِّ بنِ كعبٍ فإنْ لَمْ يَفِ بأموالِهم فسَلْ في قُرَيشٍ ولا تَعْدُهم إلى غيرِهم اذهَبْ إلى أمِّ المُؤمِنينَ عائشةَ فقُلْ لها : يقرَأُ عليكِ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ السَّلامَ ولا تقُلْ : أميرُ المُؤمِنينَ فإنِّي لَسْتُ لِلمُؤمِنينَ بأميرٍ فقُلْ : يستأذِنُ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ أنْ يُدفَنَ مع صاحبَيْهِ فسلَّم عبدُ اللهِ ثمَّ استأذَن فوجَدها تبكي فقال لها : يستأذِنُ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ أنْ يُدفَنَ مع صاحبَيْه فقالت : واللهِ كُنْتُ أرَدْتُه لِنفسي ولَأُوثِرَنَّه اليومَ على نفسي فجاء فلمَّا أقبَل قيل : هذا عبدُ اللهِ قد جاء فقال : ارفَعاني فأسنَده إليه رجُلٌ فقال : ما قالت ؟ قال : الَّذي تُحِبُّ يا أميرَ المُؤمِنينَ قد أذِنَتْ لكَ قال : الحمدُ للهِ ما كان شيءٌ أهمَّ إليَّ مِن ذلك المُضطجَعِ فإذا أنا قُبِضْتُ فسلِّمْ وقُلْ : يستأذِنُ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ فإنْ أذِنَتْ لي فأدخِلوني وإنْ ردَّتْني فرُدُّوني إلى مقابِرِ المُسلِمينَ ثم جاءَتْ أمُّ المُؤمِنينَ حفصةُ والنِّساءُ يستُرْنَها فلمَّا رأَيْناها قُمْنا فمكَثَتْ عندَه ساعةً ثمَّ استأذَن الرِّجالُ فولَجَتْ داخِلًا ثمَّ سمِعْنا بكاءَها مِن الدَّاخِلِ فقيل له : أوصِ يا أميرَ المُؤمِنينَ استخلِفْ قال : ما أرى أحَدًا أحَقَّ بهذا الأمرِ مِن هؤلاءِ النَّفرِ الَّذينَ تُوفِّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو عنهم راضٍ فسمَّى علِيًّا وطَلحةَ وعُثمانَ والزُّبيرَ وعبدَ الرَّحمنِ بنَ عوفٍ وسعدًا رضِي اللهُ عنهم قال : ولْيشهَدْ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ وليس له مِن الأمرِ شيءٌ كهيئةِ التَّعزيةِ له فإنْ أصاب الأمرُ سعدًا فهو ذلك وإلَّا فلْيستَعِنْ به أيُّكم ما أُمِّر فإنِّي لَمْ أعزِلْه مِن عجزٍ ولا خيانةٍ ثم قال : أُوصي الخليفةَ بعدي بتَقْوى اللهِ وأوصيه بالمُهاجِرينَ الأوَّلينَ أنْ يعلَمَ لهم فَيْئَهم ويحفَظَ لهم حُرمتَهم وأوصيه بالأنصارِ خيرًا الَّذينَ تبَوَّؤُوا الدَّارَ والإيمانَ مِن قبْلِهم أنْ يُقبَلَ مِن مُحسِنِهم ويُعفَى عن مُسيئِهم وأُوصيه بأهلِ الأمصارِ خيرًا فإنَّهم رِدْءُ الإسلامِ وجُباةُ المالِ وغَيْظُ العدوِّ وألَّا يُؤخَذَ منهم إلَّا فَضْلُهم عن رضًا وأُوصيه بالأعرابِ خيرًا إنَّهم أصلُ العرَبِ ومادَّةُ الإسلامِ أنْ يُؤخَذَ منهم مِن حواشي أموالِهم فيُرَدَّ في فُقرائِهم وأوصيه بذِمَّةِ اللهِ وذِمَّةِ رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ يُوفَى لهم بعهدِهم وأنْ يُقاتَلَ مِن ورائِهم وألَّا يُكلَّفوا إلَّا طاقتَهم فلمَّا تُوفِّي رضوانُ اللهِ عليه خرَجْنا به نمشي فسلَّم عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ فقال : يستأذِنُ عُمَرُ فقالت : أدخِلوه فأُدخِل فوُضِع هناك مع صاحبَيْهِ فلمَّا فُرِغ مِن دفنِه ورجَعوا اجتمَع هؤلاءِ الرَّهطِ فقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ : اجعَلوا أمرَكم إلى ثلاثةٍ منكم فقال الزُّبيرُ : قد جعَلْتُ أمري إلى علِيٍّ وقال سعدٌ : قد جعَلْتُ أمري إلى عبدِ الرَّحمنِ وقال طَلحةُ : قد جعَلْتُ أمري إلى عثمانَ فجاء هؤلاءِ الثَّلاثةُ : علِيٌّ وعُثمانُ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ فقال عبدُ الرَّحمنِ للآخَرَيْنِ : أيُّكما يتبرَّأُ مِن هذا الأمرِ ويجعَلُه إليه واللهُ عليه والإسلامُ لَينظُرَنَّ أفضلَهم في نفسِه ولَيحرِصَنَّ على صلاحِ الأمَّةِ قال : فأسكَت الشَّيخانِ : علِيٌّ وعُثمانُ فقال عبدُ الرَّحمنِ : اجعَلوه إليَّ واللهُ علَيَّ ألَّا آلوَ عن أفضلِكم قالا : نَعم فجاء بعلِيٍّ فقال : لكَ مِن القِدَمِ والإسلامِ والقَرابةِ ما قد علِمْتَ آللهِ عليك لئِنْ أمَّرْتُك لَتعدِلَنَّ ولئِنْ أمَّرْتُ عليكَ لَتسمَعَنَّ ولَتُطيعَنَّ ؟ ثمَّ جاء بعُثمانَ فقال له مِثْلَ ذلك فلمَّا أخَذ الميثاقَ قال لِعُثمانَ : ارفَعْ يدَك فبايَعه ثمَّ بايَعه علِيٌّ ثمَّ ولَج أهلُ الدَّارِ فبايَعوه
قال جابرٌ رضيَ اللهُ تعالَى عنهُ : إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مكث [ بالمدينةِ ] تسعَ سنين لم يحجَّ . ثم أذَّنَ في الناسِ في العاشرةِ : أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حاجٌّ [ هذا العامَ ] . فقدم المدينةَ بشرٌ كثيرٌ ( وفي روايةٍ : فلم يبق أحدٌ يقدرُ أن يأتيَ راكبًا أو راجلًا إلا قَدِمَ ) [ فتدارك الناسُ ليخرجوا معهُ ] كلُّهم يلتمسُ أن يَأْتَمَّ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ويعملَ مثلَ عملِه . [ وقال جابرٌ رضيَ اللهُ عنهُ : سمعتُ – قال الراوي : أحسبُه رُفِعَ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، ( وفي روايةٍ قال : خطَبَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ) فقال : مَهِلُّ أهلِ المدينةِ من ذي الحليفةِ ، و [ مَهِلُّ أهلِ ] الطريقِ الآخرِ الجحفةُ ، ومَهِلُّ أهلِ العراقِ من ذاتِ عرقٍ ومَهِلُّ أهلِ نجدٍ من قرنٍ ، ومَهِلُّ أهلِ اليمنِ من يلملمَ ] . [ قال فخرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ] [ لخمسٍ بَقَيْنَ من ذي القعدةِ أو أربعٍ ] . [ وساق هديًا ] . فخرجنا معه [ معنا النساءُ والولدانُ ] . حتى أتينا ذا الحليفَةَ فولدتْ أسماءُ بنتُ عميسٍ محمدَ بنَ أبي بكرٍ . فأرسلت إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : كيف أصنعُ ؟ [ ف ] قال : اغتَسِلي واستثفري بثوبٍ وأحْرِمي . فصلى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في المسجدِ [ وهو صامتٌ ] . ثم ركب القصواءَ حتى إذا استوت به ناقتُه على البيداءِ [ أهلَّ بالحجِّ ( وفي روايةٍ : أفرد الحجَّ ) هو وأصحابُه ] . [ قال جابرٌ ] : فنظرتُ إلى مَدِّ بصري [ من ] بين يديهِ من راكبٍ وماشٍ ، وعن يمينِه مثلَ ذلك ، وعن يسارِه مثلَ ذلك ، ومن خلفِه مثلَ ذلك ، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بين أَظْهُرِنا وعليه ينزلُ القرآنُ ، وهو يعرفُ تأويلَه ، وما عمل بهِ من شيٍء عمِلْنا به . فأَهَلَّ بالتوحيدِ : لبيكَ اللهمَّ لبيكَ ، لبيكَ لا شريكَ لك لبيكَ ، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لك والمُلْكُ ، لا شريكَ لك . وأهلُ الناسِ بهذا الذي يُهِلُّونَ به ، ( وفي روايةٍ : ولبَّى الناسُ [ والناسُ يزيدون ] [ لبيكَ ذا المعارجِ لبيكَ ذا الفواصلِ ] فلم يَرُدَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عليهم شيئًا منه . ولزم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم تلبِيَتَه . قال جابرٌ : [ ونحنُ نقولُ [ لبيكَ اللهمَّ ] لبيكَ بالحجِّ ] [ نصرخُ صراخًا ] لسنا ننوي إلا الحجَّ [ مفردًا ] [ لا نخلطُه بعمرةٍ ] ( وفي روايةٍ : لسنا نعرفُ العمرةَ ) وفي أخرى : أَهْلَلْنَا أصحابَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بالحجِّ خالصًا ليس معهُ غيرُه ، خالصًا وحدَه ) [ قال : وأقبلت عائشةُ بعمرةٍ حتى إذا كانت ب ( ( سَرَفَ ) ) عركتْ ] . حتى إذا أتينا البيتَ معَهُ [ صُبْحَ رابعةٍ مضتْ من ذي الحجةِ ] ( وفي روايةٍ : دخلنا مكةَ عند ارتفاعِ الضحى ) فأتى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بابَ المسجدِ فأناخ راحلتَه ثم دخل المسجدَ ، ف ) استلمَ الركنَ ( وفي روايةٍ : الحجرَ الأسودَ ) [ ثم مضى عن يمينِه ] . فرَمَلَ [ حتى عاد إليهِ ] ثلاثًا ، ومشى أربعًا [ على هينتِه ] . ثم نفذ إلى مقامِ إبراهيمَ عليه السلامُ فقرأ ( وَاتَّخِذُوْا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى ) ، [ ورفع صوتَه يُسْمِعُ الناسَ ] . فجعل المقامَ بينَه وبين البيتِ . [ فصلى ركعتينِ ] . [ قال ] : فكان يقرأُ في الركعتينِ : ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) و ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) ( وفي روايةٍ : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) . [ ثم ذهب إلى زمزمَ فشرب منها ، وصبَّ على رأسِه ] . ثم رجع إلى الركنِ فاستلمَه . ثم خرج من البابِ ( وفي روايةٍ : بابِ الصفا ) إلى الصفا . فلما دنا من الصفا قرأ : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) أبدأُ ( وفي روايةٍ : نبدأُ ) بما بدأ اللهُ به ، فبدأَ بالصفا فرقى عليهِ حتى رأى البيتَ . فاستقبل القِبلةَ فوحَّدَ اللهَ وكبَّرَه [ ثلاثًا ] و [ حمدَه ] وقال : لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ ، له المُلْكُ وله الحمدُ [ يُحْيِي ويُمِيتُ ] ، وهو على كلِّ شيٍء قديرٌ ، لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه [ لا شريكَ له ] ، أنجزَ وعدَه ، ونصر عبدَه ، وهزم الأحزابَ وحدَه ، ثم دعا بين ذلك ، وقال مثلَ هذا ثلاثَ مراتٍ . ثم نزل [ ماشيًا ] إلى المروةِ ، حتى إذا انصبَّتْ قدماهُ في بطنِ الوادي سعى ، حتى إذا صعَدْنا [ يعني ] [ الشِّقَّ الآخرَ ] مشى حتى أتى المروةَ [ فرقى عليها حتى نظرَ إلى البيتِ ] ففعل على المروةِ كما فعل على الصفا . حتى إذا كان آخرَ طوافِه ( وفي روايةٍ : كان السابعَ ) على المروةِ فقال : [ يا أيها الناسُ ] لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أَسُقِ الهَدْيَ و [ ل ] جعلتُها عمرةً ، فمن كان منكم معَهُ هَدْيٌ فليُحِلَّ وليجعَلْها عمرةً ، ( وفي روايةٍ : فقال : أحِلُّوا من إحرامِكم ، فطوفوا بالبيتِ ، وبين الصفا والمروةِ وقصرُوا ، وأقيموا حلالًا . حتى إذا كان يومَ الترويةِ فأهِلُّوا بالحجِّ واجعلوا التي قدِمْتُمْ بها متعةً ) . فقام سراقةُ بنُ مالكِ بنُ جعشمٍ ( وهو في أسفلِ المروةَ ) فقال : يا رسولَ اللهِ [ أرأيتَ عُمْرَتَنا ( وفي لفظٍ : مُتْعَتَنا ) هذه ] [أ]لعامِنا هذا أم لأبدِ [ الأبدِ ] ؟ [ قال ] فشبَّك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أصابعَه واحدةً في أخرى وقال : دخلتِ العمرةُ في الحجِّ [ إلى يومِ القيامةِ ] لا بل لأبدِ الأبدِ ، [ لا بل لأبدِ الأبدِ ] ، [ ثلاثَ مراتٍ ] . [ قال : يا رسولَ اللهِ بيِّنْ لنا دِينَنا كأنَّا خُلِقْنا الآن ، فيما العملُ اليومَ ؟ أفيما جفَّت به الأقلامُ وجرَتْ به المقاديرُ أفيما نستقبلُ ؟ قال : لا بل فيما جفَّتْ به الأقلامُ وجرَتْ به المقاديرُ . قال : ففيم العملُ [ إذن ] ؟ قال : اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ ] ، ( لِمَا خُلِقَ له ] . ( قال جابرٌ : فأُمِرْنَا إذا حَلَلْنَا أن نُهْدِيَ ، ويجتمعُ النفرُ منا في الهديةِ ] [ كلُّ سبعةٍ منا في بدنةٍ ] [ فمن لم يكن معَه هديٌ ، فليصم ثلاثةَ أيامٍ وسبعةً إذا رجع إلى أهلِه ] . [ قال : فقلنا : حَلَّ ماذا ؟ قال : الحِلُّ كلُّه ] . [ قال : فكبُرَ ذلك علينا ، وضاقت به صدُورُنا ] . [ قال : فخرجنا إلى البطحاءِ ، قال : فجعل الرجلُ يقول : عهدي بأهلي اليومَ ] . [ قال : فتذاكَرْنا بيننا فقلنا : خرجنا حُجَّاجًا لا نُرِيدُ إلا الحجَّ ، ولا ننوي غيرَه ، حتى إذا لم يكن بيننا وبين عرفةَ إلا أربعٌ ] ( وفي روايةٍ : خمسَ [ ليالٍ ] أمرنا أن نُفْضِي إلى نسائِنا فنأتيَ عرفةَ تقطرُ مذاكيرُنا المنيَّ [ من النساءِ ] ، قال : يقولُ جابرٌ بيدِه ، ( قال الرواي ) : كأني أنظرُ إلى قولِه بيدِه يُحرِّكُها ، [ قالوا : كيف نجعلُها متعةً وقد سمَّيْنا الحجَّ ؟ ] . قال : [ فبلغ ذلك النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فما ندري أشيٌء بلغَه من السماءِ . أم شيءٌ بلغَه من قِبَلِ السماءِ ] . [ فقام ] [ فخطب الناسَ فحمد اللهَ وأثنى عليهِ ] فقال : [ أباللهِ تُعلموني أيها الناسُ ! ؟ ] قد علمتُم أني أتقاكُم للهِ وأصدَقُكم وأبرُّكم ، [ افعلوا ما آمُرُكم به فإني ] لولا هَدْيِي لحللتُ لكم كما تُحِلُّونَ [ ولكن لا يحلُّ مني حرامٌ حتى يبلغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ] ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أَسُقِ الهَدْيَ ، فحُلُّوا ] . [ قال : فواقعنا النساءَ وتطيَّبْنَا بالطِّيبِ ولبسنا ثيابَنا ] [ وسمِعْنا وأطعنا ] . فحلَّ الناسُ كلُّهم وقصَّرُوا إلا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ومن كان معه هديٌ ] . [ قال : وليس مع أحدٍ منهم هديٌ غيرَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وطلحةَ ] . وقدم علي [ من سعايَتِه ] من اليمنِ ببدنِ النبيِّ ص . فوجد فاطمةَ رضيَ اللهُ عنها ممن حلَّ : [ ترجَّلَتْ ] ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلتْ ، فأنكرَ ذلك عليها ، [ وقال : من أمرَكِ بهذا ؟ ! ] ، فقالت أبي أمرَنِي بهذا . قال : فكان عليٌّ يقول بالعراقِ : فذهبتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم محرشًا على فاطمةَ للذي صنعتْ مستفتيًا لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فيما ذكرتُ عنه ، فأخبرتُه أني أنكرتُ ذلك عليها [ فقالت : أبي أمرَني بهذا ] فقال : صدقتْ ، صدقتْ ، [ صدقتْ ] [ أنا أمرتُها به ] . قال جابرٌ : وقال لعليٍّ : ماذا قلتَ حين فُرِضَ الحجُّ ؟ قال قلتُ : اللهمَّ إني أُهِلُّ بما أهلَّ به رسولُ اللهِ ص . قال : فإنَّ معيَ الهديَ فلا تحلُّ ، [ وامكث حرامًا كما أنت ] . قال : فكان جماعةُ الهديِ الذي قدم به عليٌّ من اليمنِ ، والذي أتى به النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم [ من المدينةِ ] مائةَ [ بدنةٍ ] . قال : فحلَّ الناسُ كلُّهم وقصرُوا ، إلا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ومن كان معه هديٌ . فلما كان يومُ الترويةِ [ وجعلنا مكةَ بظهرٍ ] توجهوا إلى مِنى فأهِلُّوا بالحجِّ [ من البطحاءِ ] . [ قال : ثم دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم على عائشةَ رضيَ اللهُ عنها فوجدها تبكي فقال : ما شأنُكِ ؟ قالت : شأني أني قد حِضْتُ ، وقد حلَّ الناسُ ولم أحلُلْ ، ولم أَطُفْ بالبيتِ ، والناسُ يذهبون إلى الحجِّ الآن ، فقال : إنَّ هذا أمرٌ كتبَه اللهُ على بناتِ آدمَ ، فاغتسلي ثم أهِلِّي بالحجِّ [ ثم حُجِّي واصنعي ما يصنعُ الحاجُّ غيرَ أن لا تطوفي بالبيتِ ولا تصلي ] ففعلتْ ] . ( وفي روايةٍ : فنسكتِ المناسكَ كلَّها غيرَ أنها لم تَطُفْ بالبيتِ ) وركب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وصلى بها ( يعني مِنَى ، وفي روايةٍ : بنا ) الظهرَ والعصرَ والمغربِ والعشاءِ والفجرِ . ثم مكث قليلًا حتى طلعتِ الشمسُ وأمر بقُبَّةٍ [ له ] من شعرٍ تُضْرَبُ له بنَمِرَةَ . فسار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ولا تشكُّ قريشٌ إلا أنَّهُ واقفٌ عند المشعرِ الحرامِ [ بالمزدلفةِ ] [ ويكونُ منزلُه ثم ] كما كانت قريشٌ تصنعُ في الجاهليةِ – فأجاز رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حتى أتى عرفةَ فوجد القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ ، فنزل بها . حتى إذا زاغتِ الشمسُ أمر بالقصواءِ فرُحِّلَتْ له ، ف [ ركب حتى ] أتى بطنَ الوادي . فخطب الناسَ وقال : إنَّ دماءَكم وأموالَكم حرامٌ عليكم ، كحُرْمَةِ يومِكم هذا ، في شهرِكم هذا ، في بلدِكم هذا ، ألا [ و ] [ إنَّ ] كلَّ شيٍء من أمرِ الجاهليةِ تحت قدمي [ هاتين ] موضوعٌ ، ودماءُ الجاهليةِ موضوعةٌ ، وإنَّ أولَ دمٍ أضعُ من دمائِنا دمَ ابنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ [ ابنِ عبدِ المطلبِ ] – كان مسترضعًا في بني سعدٍ فقتَلَتْه هذيلٌ - . وربا الجاهليةِ موضوعٌ ، وأولُ ربًا أضعُ رِبَانَا : ربا العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ فإنَّهُ موضوعٌ كلُّه فاتّقوا اللهَ في النساءِ ، فإنكم أخذتموهنَّ بأمانِ [ ة ] اللهِ واستحللتُم فروجهنَّ بكلمةِ اللهِ و [ إنَّ ] لكم عليهنَّ أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحدًا تكرهونَه ، فإن فعلْنَ ذلك فاضربوهنَّ ضربًا غيرَ مبرِّحٍ ولهنَّ عليكم رزقُهُنَّ وكسوتُهُنَّ بالمعروفِ ، و [ إني ] قد تركتُ فيكم ما لن تضلُّوا بعدُ إن اعتصمتُم به كتابَ اللهِ وأنتم تسألون ( وفي لفظٍ مسؤولونَ ) عني ، فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهدُ أنك قد بلَّغْتَ [ رسالاتِ ربكَ ] وأدَّيْتَ ، ونصحتَ [ لأُمَّتِكَ ، وقضيتَ الذي عليك ] فقال بأصبعِه السبابةِ يرفعُها إلى السماءِ ويُنْكِتُها إلى الناسِ : اللهمَّ اشهد ، اللهمَّ اشهدْ . ثم أذَّنَ [ بلالٌ ] [ بنداءٍ واحدٍ ] ، ثم أقام فصلى الظهرَ ، ثم أقام فصلى العصرَ ، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا ، ثم ركب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم [ القصواءَ ] حتى أتى الموقفَ فجعل بطنَ ناقتِه القصواءَ إلى الصخراتِ ، وجعل حبلَ المشاةِ بين يديهِ ، واستقبلَ القِبلةَ . فلم يزل واقفًا حتى غربتِ الشمسُ وذهبت الصُّفرةُ قليلًا حتى غاب القرصُ . [ وقال : وقفتُ ههنا وعرفةُ كلُّها موقفٌ ] . وأردف أسامةَ [ ابنَ زيدٍ ] خلفَه . ودفع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ( وفي روايةٍ : أفاض وعليه السكينةُ : ) وقد شنق للقصواءِ الزمامَ ، حتى إنَّ رأسَها ليُصيبُ مورِكَ رَحْلَه ويقول بيدِه اليمنى [ هكذا : وأشار بباطنِ كفِّهِ إلى السماءِ ] أيها الناسُ السكينةُ السكينةُ . كلما أتى حبلًا من الحبالِ أرخى لها قليلًا حتى تصعدَ حتى أتى المزدلفةَ فصلى بها [ فجمع بين ] المغربِ والعشاءِ ، بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ . ولم يُسَبِّحْ بينهما شيئًا . ثم اضطجع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حتى طلع الفجرُ وصلى الفجرَ حين تبيَّنَ له الفجرُ ، بأذانٍ وإقامةٍ . ثم ركب القصواءَ حتى أتى المشعرَ الحرامَ [ فرقى عليه ] . فاستقبلَ القِبلةَ ، فدعاه ( وفي لفظٍ : فحمد اللهَ ) وكبَّرَه وهلَّلَه ووحَّدَه . فلم يزل واقفًا حتى أسفرَ جدًّا . ( وقال : وقفتُ ههنا ، والمزدلفةُ كلُّها موقفٌ ) . فدفع [ من جمعٍ ] قبل أن تطلعَ الشمسُ [ وعليه السكينةُ ] . وأردف الفضلَ بنَ عباسٍ – وكان رجلًا حسنَ الشعرِ أبيضَ وسيمًا - ، فلما دفع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مرَّتْ به ظُعُنٌ تَجْرِينَ ، فطفق الفضلُ ينظرُ إليهنَّ ، فوضع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يدَه على وجهِ الفضلِ ، فحوَّلَ الفضلُ وجهَه إلى الشِّقِّ الآخرِ ، فحوَّلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يدَه من الشقِّ الآخرِ على وجهِ الفضلِ ، يصرفُ وجهَه من الشقِّ الآخرِ ينظرُ ! حتى أتى بطنَ مُحَسِّرٍ ، فحرك قليلًا [ وقال : عليكم السكينةَ ] . ثم سلك الطريقَ الوسطى التي تخرجُ [ ك ] على الجمرةِ الكبرى [ حتى أتى الجمرةَ التي ] عند الشجرةِ ، فرماها [ ضُحًى ] بسبعِ حصياتٍ ، يُكبِّرُ مع كلِّ حصاةٍ منها ، مثل حصى الخذفِ [ ف ] رمى من بطنِ الوادي [ وهو على راحلتِه [ وهو ] يقول : لِتَأْخُذوا مناسِكَكم ، فإني لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حجَّتي هذه ] . [ قال : ورمى بعدَ يومِ النحرِ [ في سائرِ أيامِ التشريقِ ] إذا زالتِ الشمسُ ] . [ ولقيَه سراقةُ وهو يرمي جمرةَ العقبةِ ، فقال : يا رسولَ اللهِ ، ألنا هذه خاصةً ؟ قال : لا ، بل لأبدٍ ] . ثم انصرف إلى المنحرِ فنحر ثلاثًا وستين [ بدنةً ] بيدِه ، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غَبَرَ [ يقول : ما بقيَ ] ، وأشرَكَه في هدْيِهِ . ثم أمر من كلِّ بدنةٍ ببضعةٍ فجُعِلَتْ في قِدْرٍ فطُبِخَتْ فأكلا من لحمِها ، وشربا من مَرَقِها . ( وفي روايةٍ قال : نحر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عن نسائِه بقرةً ) . ( وفي أخرى قال : فنحرنا البعيرَ ( وفي أخرى : نحر البعيرَ ) عن سبعةٍ ، والبقرةَ عن سبعةٍ ) ( وفي روايةٍ خامسةٍ عنه قال : فاشتركنا في الجزورِ سبعةً ، فقال له رجلٌ : أرأيتَ البقرةَ أيُشْتَرَكُ فيها ؟ فقال ما هيَ إلا من البُدْنِ ) ( وفي روايةٍ : قال جابرٌ : كنا لا نأكلُ من البُدْنِ إلا ثلاثَ مِنًى ، فأرخص لنا رسولُ اللهِ ص ، قال : كُلُوا وتزوَّدُوا ) . قال : فأكلنا وتزوَّدْنا ] ، [ حتى بَلَغْنَا بها المدينةَ ] ( وفي روايةٍ : نحر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم [ فحلق ] ، وجلس [ بمنى يومَ النحرِ ] للناسِ ، فما سُئِلَ [ يومئذٍ ] عن شيٍء [ قُدِّمَ قبلَ شيٍء ] إلا قال : لا حرجَ ، لا حرجَ . حتى جاءَه رجلٌ فقال : حلقتُ قبلَ أن أنحرَ ؟ قال : لا حرجَ . ثم جاء آخرُ فقال : حلقتُ قبل أن أرمي ؟ قال : لا حرجَ . [ ثم جاءَه آخرُ فقال : طُفْتُ قبل أن أرمي ؟ قال لا حرج ] . [ قال آخرُ : طُفْتُ قبل أن أذبحَ ، قال : اذبح ولا حرجَ ] . [ ثم جاءَه آخرُ فقال : إني نحرتُ قبل أن أرميَ ؟ قال : [ ارْمِ و ] لا حرج ] . ثم قال نبيُّ اللهِ ص : قد نحرتُ ههنا ، ومِنَى كلُّها منحرٌ . [ وكلُّ فِجاجِ مكةَ طريقٌ ومنحرٌ ] . [ فانحروا من رِحالِكُم ] . [ وقال جابرٌ رضيَ اللهُ عنه : خَطَبَنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يومَ النحرِ فقال : أيُّ يومٍ أعظمُ حُرْمةً ؟ فقالوا : يومُنا هذا ، قال : فأيُّ شهرٍ أعظمُ حُرْمَةً ؟ قالوا : شهرُنا هذا ، قال : أيُّ بلدٍ أعظمُ حُرْمَةً ؟ قالوا بلدُنا هذا ، قال : فإنَّ دماءَكم وأموالَكم عليكم حرامٌ كحُرْمَةِ يومكم هذا في بلدِكم هذا في شهرِكم هذا ، هل بلَّغْتُ ؟ قالوا : نعم . قال : اللهمَّ اشهدْ ] . ثم ركب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فأفاض إلى البيتِ [ فطافوا ولم يطوفوا بين الصفا والمروةِ ] . فصلى بمكةَ الظهرَ . فأتى بني عبدِ المطلبِ [ وهم ] يسقون على زمزمَ فقال : انزعوا بني عبدِ المطلبِ ، فلولا أن يَغْلِبَكُمُ الناسُ على سِقَايَتِكُمْ لنزعتُ معكم ، فناولوهُ دَلْوًا فشرب منهُ . [ وقال جابرٌ رضيَ اللهُ عنهُ : وإنَّ عائشةَ حاضت فنسكتِ المناسكَ كلَّها غيرَ أنها لم تَطُفْ بالبيتِ ] . [ قال : حتى إذا طهرت طافت بالكعبةِ والصفا والمروةِ ، ثم قال : قد حللتِ من حجِّكِ وعمرتِكِ جميعًا ] ، [ قالت : يا رسولَ اللهِ أتنطلقون بحجٍّ وعمرةٍ وأنطلقُ بحجٍّ ؟ ] [ قال : إنَّ لكِ مثلَ ما لهم ] . [ فقالت : إني أجدُ في نفسي أني لم أَطُفْ بالبيتِ حتى حججتُ ] . [ قال : وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم رجلًا سهلًا إذا هويَتِ الشيءَ تابعَها عليه ] [ قال : فاذهب بها يا عبدَ الرحمنِ فأَعْمِرْها من التنعيمِ [ فاعتمرت بعد الحجِّ ] [ ثم أقبلت ] وذلك ليلةَ الحصبةِ ] . [ وقال جابرٌ : طاف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بالبيتِ في حجةِ الوداعِ على راحلتِه يستلمُ الحجرَ بمحجَنِه لأن يراهُ الناسُ ، وليُشْرِفَ ، وليسألوهُ ، فإنَّ الناسَ غشُوهُ ] . [ وقال : رفعت امرأةٌ صبيًّا لها إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فقالت يا رسولَ اللهِ ألهذا حجٌّ ؟ قال : نعم ، ولكِ أجرٌ ]
عن عَلقمةَ: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ثم قالَ: إذا أُحْصِرَ الرَّجلُ، بعثَ بالهَديِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فصيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ، فإن عجلَ فحلقَ قبلَ أن يبلغَ الهدي محلَّهُ، فعليهِ فِديةٌ مِن صيامٍ أو صدقةٍ أو نسُكٍ: صامَ ثلاثةَ أيَّامٍ، أو يَتصدُّقُ على ستَّةِ مساكينَ، كلُّ مسكينٍ نِصفُ صاعٍ، والنُّسُكُ شاةٌ، فإذا أمِن مِمَّا كانَ بِهِ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فإن مضَى على وجهِهِ ذلِكَ، فعَليهِ حَجَّةٌ، وإذا أخَّرَ العُمرةَ إلى قابلٍ، فعَليهِ حجَّةٌ وعمرةٌ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ آخرُها يَومُ عرفةَ . وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ قالَ: فذَكَرتُ ذلِكَ لسَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ فقالَ: هذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ، وعقدَ ثلاثينَ
{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة: 196]، قال: إذا أُحصِرَ الرَّجلُ بعَثَ بالهَدْيِ، {وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]، فصيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ، فإنْ عجَّلَ فحلَقَ قبلَ أنْ يبلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه فعليه فِديةٌ من صيامٍ، أو صَدقةٍ، أو نُسُكٍ: صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ، أو تَصدَّقَ على سِتَّةِ مساكينَ، كلُّ مسكينٍ نِصفُ صاعٍ، والنُّسُكُ شاةٌ، فإذا أمِنَ ممَّا كان به، {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196]، فإنْ مَضى في وَجهِه ذلك، فعليه حَجَّةٌ، وإنْ أخَّرَ العُمرةَ إلى قابلٍ، فعليه حَجَّةٌ وعُمرةٌ، {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196]، {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 196]، آخِرُها يومُ عَرَفةَ {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196]، قال إبراهيمُ: فذكَرْتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، فقال: هذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ، وعقَدَ ثَلاثينَ
حديثُ مقتلِ عمرَ . . . . . فطارَ العِلجُ بسكِّينٍ هو أبو لؤلؤةَ فيروزُ غلامُ المغيرةِ بنِ شعبةٍ . . . . . . حتَّى طعَن ثلاثةَ عشرَ رجلًا مات منهم سبعةٌ منهم الكُليَبُ بن البُكيرِ اللَّيثِيُّ [يعني حديث: رَأَيْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه قَبْلَ أنْ يُصَابَ بأَيَّامٍ بالمَدِينَةِ، وقَفَ علَى حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ وعُثْمَانَ بنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: كيفَ فَعَلْتُمَا؟ أتَخَافَانِ أنْ تَكُونَا قدْ حَمَّلْتُما الأرْضَ ما لا تُطِيقُ؟ قَالَا: حَمَّلْنَاهَا أمْرًا هي له مُطِيقَةٌ، ما فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ، قَالَ: انْظُرَا أنْ تَكُونَا حَمَّلْتُما الأرْضَ ما لا تُطِيقُ، قَالَ: قَالَا: لَا، فَقَالَ عُمَرُ: لَئِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ، لَأَدَعَنَّ أرَامِلَ أهْلِ العِرَاقِ لا يَحْتَجْنَ إلى رَجُلٍ بَعْدِي أبَدًا، قَالَ: فَما أتَتْ عليه إلَّا رَابِعَةٌ حتَّى أُصِيبَ، قَالَ: إنِّي لَقَائِمٌ ما بَيْنِي وبيْنَهُ إلَّا عبدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ، وكانَ إذَا مَرَّ بيْنَ الصَّفَّيْنِ، قَالَ: اسْتَوُوا، حتَّى إذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، ورُبَّما قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ، أوِ النَّحْلَ، أوْ نَحْوَ ذلكَ في الرَّكْعَةِ الأُولَى حتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَما هو إلَّا أنْ كَبَّرَ، فَسَمِعْتُهُ يقولُ: قَتَلَنِي -أوْ أكَلَنِي- الكَلْبُ، حِينَ طَعَنَهُ، فَطَارَ العِلْجُ بسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ، لا يَمُرُّ علَى أحَدٍ يَمِينًا ولَا شِمَالًا إلَّا طَعَنَهُ، حتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مَاتَ منهمْ سَبْعَةٌ، فَلَمَّا رَأَى ذلكَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ طَرَحَ عليه بُرْنُسًا، فَلَمَّا ظَنَّ العِلْجُ أنَّه مَأْخُوذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ، وتَنَاوَلَ عُمَرُ يَدَ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ، فمَن يَلِي عُمَرَ فقَدْ رَأَى الذي أرَى، وأَمَّا نَوَاحِي المَسْجِدِ فإنَّهُمْ لا يَدْرُونَ، غيرَ أنَّهُمْ قدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ، وهُمْ يقولونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! سُبْحَانَ اللَّهِ! فَصَلَّى بهِمْ عبدُ الرَّحْمَنِ صَلَاةً خَفِيفَةً، فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ: يا ابْنَ عَبَّاسٍ، انْظُرْ مَن قَتَلَنِي، فَجَالَ سَاعَةً ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: غُلَامُ المُغِيرَةِ، قَالَ: الصَّنَعُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ! لقَدْ أمَرْتُ به مَعْرُوفًا، الحَمْدُ لِلَّهِ الذي لَمْ يَجْعَلْ مِيتَتي بيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الإسْلَامَ، قدْ كُنْتَ أنْتَ وأَبُوكَ تُحِبَّانِ أنْ تَكْثُرَ العُلُوجُ بالمَدِينَةِ -وكانَ العَبَّاسُ أكْثَرَهُمْ رَقِيقًا- فَقَالَ: إنْ شِئْتَ فَعَلْتُ -أيْ: إنْ شِئْتَ قَتَلْنَا- قَالَ: كَذَبْتَ، بَعْدَما تَكَلَّمُوا بلِسَانِكُمْ، وصَلَّوْا قِبْلَتَكُمْ، وحَجُّوا حَجَّكُمْ! فَاحْتُمِلَ إلى بَيْتِهِ، فَانْطَلَقْنَا معهُ وكَأنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ يَومَئذٍ، فَقَائِلٌ يقولُ: لا بَأْسَ، وقَائِلٌ يقولُ: أخَافُ عليه، فَأُتِيَ بنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ، فَخَرَجَ مِن جَوْفِهِ، ثُمَّ أُتِيَ بلَبَنٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِن جُرْحِهِ، فَعَلِمُوا أنَّه مَيِّتٌ، فَدَخَلْنَا عليه، وجَاءَ النَّاسُ، فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عليه، وجَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ، فَقَالَ: أبْشِرْ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ببُشْرَى اللَّهِ لَكَ؛ مِن صُحْبَةِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقَدَمٍ في الإسْلَامِ ما قدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ وَلِيتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ شَهَادَةٌ، قَالَ: وَدِدْتُ أنَّ ذلكَ كَفَافٌ لا عَلَيَّ ولَا لِي، فَلَمَّا أدْبَرَ إذَا إزَارُهُ يَمَسُّ الأرْضَ، قَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الغُلَامَ، قَالَ: يا ابْنَ أخِي، ارْفَعْ ثَوْبَكَ؛ فإنَّه أبْقَى لِثَوْبِكَ، وأَتْقَى لِرَبِّكَ. يا عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ، انْظُرْ ما عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ، فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ سِتَّةً وثَمَانِينَ ألْفًا أوْ نَحْوَهُ، قَالَ: إنْ وَفَى له مَالُ آلِ عُمَرَ، فأدِّهِ مِن أمْوَالِهِمْ، وإلَّا فَسَلْ في بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ، فإنْ لَمْ تَفِ أمْوَالُهُمْ فَسَلْ في قُرَيْشٍ، ولَا تَعْدُهُمْ إلى غيرِهِمْ، فأدِّ عَنِّي هذا المَالَ. انْطَلِقْ إلى عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، فَقُلْ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ السَّلَامَ، ولَا تَقُلْ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ؛ فإنِّي لَسْتُ اليومَ لِلْمُؤْمِنِينَ أمِيرًا، وقُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أنْ يُدْفَنَ مع صَاحِبَيْهِ، فَسَلَّمَ واسْتَأْذَنَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبْكِي، فَقَالَ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ السَّلَامَ، ويَسْتَأْذِنُ أنْ يُدْفَنَ مع صَاحِبَيْهِ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، ولَأُوثِرَنَّ به اليومَ علَى نَفْسِي، فَلَمَّا أقْبَلَ، قيلَ: هذا عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ قدْ جَاءَ، قَالَ: ارْفَعُونِي، فأسْنَدَهُ رَجُلٌ إلَيْهِ، فَقَالَ: ما لَدَيْكَ؟ قَالَ: الذي تُحِبُّ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ أذِنَتْ، قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، ما كانَ مِن شَيءٍ أهَمُّ إلَيَّ مِن ذلكَ، فَإِذَا أنَا قَضَيْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمْ، فَقُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فإنْ أذِنَتْ لي فأدْخِلُونِي، وإنْ رَدَّتْنِي رُدُّونِي إلى مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ، وجَاءَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ والنِّسَاءُ تَسِيرُ معهَا، فَلَمَّا رَأَيْنَاهَا قُمْنَا، فَوَلَجَتْ عليه، فَبَكَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً. واسْتَأْذَنَ الرِّجَالُ، فَوَلَجَتْ دَاخِلًا لهمْ، فَسَمِعْنَا بُكَاءَهَا مِنَ الدَّاخِلِ، فَقالوا: أوْصِ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اسْتَخْلِفْ، قَالَ: ما أجِدُ أحَدًا أحَقَّ بهذا الأمْرِ مِن هَؤُلَاءِ النَّفَرِ -أوِ الرَّهْطِ- الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو عنْهمْ رَاضٍ، فَسَمَّى عَلِيًّا، وعُثْمَانَ، والزُّبَيْرَ، وطَلْحَةَ، وسَعْدًا، وعَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وقَالَ: يَشْهَدُكُمْ عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، وليسَ له مِنَ الأمْرِ شَيءٌ -كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ له- فإنْ أصَابَتِ الإمْرَةُ سَعْدًا فَهو ذَاكَ، وإلَّا فَلْيَسْتَعِنْ به أيُّكُمْ ما أُمِّرَ؛ فإنِّي لَمْ أعْزِلْهُ عن عَجْزٍ ولَا خِيَانَةٍ، وقَالَ: أُوصِي الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِي بالمُهَاجِرِينَ الأوَّلِينَ؛ أنْ يَعْرِفَ لهمْ حَقَّهُمْ، ويَحْفَظَ لهمْ حُرْمَتَهُمْ، وأُوصِيهِ بالأنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ والإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ؛ أنْ يُقْبَلَ مِن مُحْسِنِهِمْ، وأَنْ يُعْفَى عن مُسِيئِهِمْ، وأُوصِيهِ بأَهْلِ الأمْصَارِ خَيْرًا؛ فإنَّهُمْ رِدْءُ الإسْلَامِ، وجُبَاةُ المَالِ، وغَيْظُ العَدُوِّ، وأَلَّا يُؤْخَذَ منهمْ إلَّا فَضْلُهُمْ عن رِضَاهُمْ، وأُوصِيهِ بالأعْرَابِ خَيْرًا؛ فإنَّهُمْ أصْلُ العَرَبِ، ومَادَّةُ الإسْلَامِ؛ أنْ يُؤْخَذَ مِن حَوَاشِي أمْوَالِهِمْ، ويُرَدَّ علَى فُقَرَائِهِمْ، وأُوصِيهِ بذِمَّةِ اللَّهِ، وذِمَّةِ رَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُوفَى لهمْ بعَهْدِهِمْ، وأَنْ يُقَاتَلَ مِن ورَائِهِمْ، ولَا يُكَلَّفُوا إلَّا طَاقَتَهُمْ. فَلَمَّا قُبِضَ خَرَجْنَا به، فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي، فَسَلَّمَ عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، قَالَ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قَالَتْ: أدْخِلُوهُ، فَأُدْخِلَ، فَوُضِعَ هُنَالِكَ مع صَاحِبَيْهِ، فَلَمَّا فُرِغَ مِن دَفْنِهِ اجْتَمع هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عبدُ الرَّحْمَنِ: اجْعَلُوا أمْرَكُمْ إلى ثَلَاثَةٍ مِنكُمْ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: قدْ جَعَلْتُ أمْرِي إلى عَلِيٍّ، فَقَالَ طَلْحَةُ: قدْ جَعَلْتُ أمْرِي إلى عُثْمَانَ، وقَالَ سَعْدٌ: قدْ جَعَلْتُ أمْرِي إلى عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ، فَقَالَ عبدُ الرَّحْمَنِ: أيُّكُما تَبَرَّأَ مِن هذا الأمْرِ، فَنَجْعَلُهُ إلَيْهِ، واللَّهُ عليه والإِسْلَامُ، لَيَنْظُرَنَّ أفْضَلَهُمْ في نَفْسِهِ؟ فَأُسْكِتَ الشَّيْخَانِ، فَقَالَ عبدُ الرَّحْمَنِ: أفَتَجْعَلُونَهُ إلَيَّ؟ واللَّهُ عَلَيَّ ألَّا آلُ عن أفْضَلِكُمْ؟ قَالَا: نَعَمْ، فأخَذَ بيَدِ أحَدِهِما فَقَالَ: لكَ قَرَابَةٌ مِن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والقَدَمُ في الإسْلَامِ ما قدْ عَلِمْتَ، فَاللَّهُ عَلَيْكَ لَئِنْ أمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ، ولَئِنْ أمَّرْتُ عُثْمَانَ لَتَسْمعنَّ ولَتُطِيعَنَّ، ثُمَّ خَلَا بالآخَرِ فَقَالَ له مِثْلَ ذلكَ، فَلَمَّا أخَذَ المِيثَاقَ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ يا عُثْمَانُ، فَبَايَعَهُ، فَبَايَعَ له عَلِيٌّ، ووَلَجَ أهْلُ الدَّارِ فَبَايَعُوهُ.]
حديث في قصَّةِ إسلامِ زيدِ بن [سَعْنة] [يعني حديث: إنَّ اللهَ تعالى لما أراد هُدى زيدِ بنِ سُعنةَ قال زيدُ بنُ سُعنةَ ما من علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلا وقد عرفتُها في وجهِ محمدٍ حين نظرتُ إليه إلا اثنتَينِ لم أُخبَرْهما منه يَسْبِقُ حلمُه جهلَه ولا يزيدُه شدةُ الجهلِ عليه إلا حلمًا فكنتُ ألطف له إلى أن أخالطَه فأعرفَ حلمَه مِنْ جهلِهِ قال زيدُ بنُ سُعنةَ فخرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومًا مِنَ الحُجُراتِ ومعه علي بنُ أبي طالبٍ فأتاه رجلٌ على راحلتِهِ كالبدويِّ فقال يا رسولَ اللهِ إنَّ بقربي قريةَ بني فلانٍ قد أسلموا أو دخلوا في الإسلامِ وكنتُ حدَّثتُهم إن أسلموا أتاهم الرزقُ رغدًا وقد أصابتْهم سَنةٌ وشدَّةٌ وقحوطٌ مِنَ الغيثِ فأنا أخشى يا رسولَ اللهِ أن يخرجوا مِنَ الإسلامِ طمعًا كما دخلوا فيه طمعًا فإن رأيتَ أن ترسلَ إليهم بشيءٍ تعينُهم به فعلتَ فنظر إلى رجلٍ إلى جانِبِه أراه عليًّا فقال يا رسولَ اللهِ ما بقِيَ منه شيءٌ قال زيدُ بنُ سُعنةَ فدنوتُ إليه فقلتُ يا محمد هل لك أن تبيعَني تمرًا معلومًا في حائطِ بني فلانٍ إلى أجلِ كذا وكذا فقال لا يا يهوديُّ ولكن أبيعُك تمرًا معلومًا إلى أجلِ كذا وكذا ولا تسمِّي حائطَ بني فلانٍ قلتُ نعم فبايعني فأطلقتُ هِمْياني فأعطيتُه ثمانين مثقالًا من ذهبٍ في تمرٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وكذا فأعطاه الرجلَ وقال اعدِلْ عليهم وأعِنهُم بها قال زيدُ بنُ سُعنةَ فلما كان قبلَ محلِّ الأجلِ بيومين أو ثلاثةٍ خرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ في نفرٍ مِنْ أصحابِه فلما صلَّى على الجنازةِ وَدَنا مِنْ جِدَارٍ ليجلِسَ أتيتُه فأخذتُ بمجامعِ قميصِه ورداءِه ونظرتُ إليه بوجهٍ غليظٍ فقلتُ له ألا تقضيني يا محمدُ حقِّي فواللهِ ما علمتُكم بني عبدِ المطلبِ لمُطلٌ ولقد كان لي بمخالطتِكم علمٌ ونظرتُ إلى عمرَ وإذا عيناه تدورانِ في وجهِهِ كالفَلَكِ المستديرِ ثم رماني ببصرِه فقال يا عدوَّ اللهِ أتقولُ لرسولِ اللهِ ما أسمعُ وتصنعُ به ما أرى فوالذي بعثه بالحقِّ لولا ما أحاذرُ فوتَه لضربتُ بسيفي رأسَكَ ورسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ينظرُ إلى عمرَ في سكونٍ وتُؤَدَةٍ وتبسُّمٍ ثم قال يا عمرُ أنا وهو كنا أحوجُ إلى غيرِ هذا أن تأمرَني بحسنِ الأداءِ وتأمرَه بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ اذهبْ به يا عمرُ فأعطِه حقَّه وزِدهُ عشرين صاعًا من تمرٍ مكان ما رُعتَه قال زيدٌ فذهب بي عمرُ فأعطاني حقِّي وزادني عشرين صاعًا من تمرٍ فقلتُ ما هذه الزيادةُ يا عمرُ قال أمرني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أن أزيدَك مكانَ ما رعتُكَ قال وتعرفُني يا عمرُ قال لا فما دعاك أن فعلتَ برسولِ اللهِ ما فعلتَ وقلتَ له ما قلتَ قلتُ يا عمرُ لم يكن من علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلا وقد عرفتُه في وجهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حين نظرتُ إليه إلا اثنتَين لم أُخبَرْهما منه يسبِقُ حلمُه جهلَه ولا يزيدُهُ شدَّةُ الجهلِ عليه إلا حلمًا فقد اختبرتُهما فأُشهدُكَ يا عمرُ أني قد رضيتُ بالله ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ نبيًّا وأشهدُكَ أنَّ شطرَ مالي فإني أكثُرها مالًا صدقةٌ على أمةِ محمدٍ قال عمرُ أو على بعضِهم فإنكَ لا تسعُهم قلتُ أو على بعضِهم فرجع عمرُ وزيدٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال زيدٌ أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه وآمن به وصدَّقه وتابعه وشهِد معه مشاهد َكثيرةً ثم تُوُفيَ في غزوةِ تبوكَ مُقبِلًا غيرَ مُدبِرٍ رحم اللهُ زيدًا]
إنَّ اللهَ تعالى لما أراد هُدى زيدِ بنِ سُعنةَ قال زيدُ بنُ سُعنةَ ما من علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلا وقد عرفتُها في وجهِ محمدٍ حين نظرتُ إليه إلا اثنتَينِ لم أُخبَرْهما منه يَسْبِقُ حلمُه جهلَه ولا يزيدُه شدةُ الجهلِ عليه إلا حلمًا فكنتُ ألطف له إلى أن أخالطَه فأعرفَ حلمَه مِنْ جهلِهِ قال زيدُ بنُ سُعنةَ فخرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومًا مِنَ الحُجُراتِ ومعه علي بنُ أبي طالبٍ فأتاه رجلٌ على راحلتِهِ كالبدويِّ فقال يا رسولَ اللهِ إنَّ بقربي قريةَ بني فلانٍ قد أسلموا أو دخلوا في الإسلامِ وكنتُ حدَّثتُهم إن أسلموا أتاهم الرزقُ رغدًا وقد أصابتْهم سَنةٌ وشدَّةٌ وقحوطٌ مِنَ الغيثِ فأنا أخشى يا رسولَ اللهِ أن يخرجوا مِنَ الإسلامِ طمعًا كما دخلوا فيه طمعًا فإن رأيتَ أن ترسلَ إليهم بشيءٍ تعينُهم به فعلتَ فنظر إلى رجلٍ إلى جانِبِه أراه عليًّا فقال يا رسولَ اللهِ ما بقِيَ منه شيءٌ قال زيدُ بنُ سُعنةَ فدنوتُ إليه فقلتُ يا محمد هل لك أن تبيعَني تمرًا معلومًا في حائطِ بني فلانٍ إلى أجلِ كذا وكذا فقال لا يا يهوديُّ ولكن أبيعُك تمرًا معلومًا إلى أجلِ كذا وكذا ولا تسمِّي حائطَ بني فلانٍ قلتُ نعم فبايعني فأطلقتُ هِمْياني فأعطيتُه ثمانين مثقالًا من ذهبٍ في تمرٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وكذا فأعطاه الرجلَ وقال اعدِلْ عليهم وأعِنهُم بها قال زيدُ بنُ سُعنةَ فلما كان قبلَ محلِّ الأجلِ بيومين أو ثلاثةٍ خرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ في نفرٍ مِنْ أصحابِه فلما صلَّى على الجنازةِ وَدَنا مِنْ جِدَارٍ ليجلِسَ أتيتُه فأخذتُ بمجامعِ قميصِه ورداءِه ونظرتُ إليه بوجهٍ غليظٍ فقلتُ له ألا تقضيني يا محمدُ حقِّي فواللهِ ما علمتُكم بني عبدِ المطلبِ لمُطلٌ ولقد كان لي بمخالطتِكم علمٌ ونظرتُ إلى عمرَ وإذا عيناه تدورانِ في وجهِهِ كالفَلَكِ المستديرِ ثم رماني ببصرِه فقال يا عدوَّ اللهِ أتقولُ لرسولِ اللهِ ما أسمعُ وتصنعُ به ما أرى فوالذي بعثه بالحقِّ لولا ما أحاذرُ فوتَه لضربتُ بسيفي رأسَكَ ورسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ينظرُ إلى عمرَ في سكونٍ وتُؤَدَةٍ وتبسُّمٍ ثم قال يا عمرُ أنا وهو كنا أحوجُ إلى غيرِ هذا أن تأمرَني بحسنِ الأداءِ وتأمرَه بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ اذهبْ به يا عمرُ فأعطِه حقَّه وزِدهُ عشرين صاعًا من تمرٍ مكان ما رُعتَه قال زيدٌ فذهب بي عمرُ فأعطاني حقِّي وزادني عشرين صاعًا من تمرٍ فقلتُ ما هذه الزيادةُ يا عمرُ قال أمرني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أن أزيدَك مكانَ ما رعتُكَ قال وتعرفُني يا عمرُ قال لا فما دعاك أن فعلتَ برسولِ اللهِ ما فعلتَ وقلتَ له ما قلتَ قلتُ يا عمرُ لم يكن من علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلا وقد عرفتُه في وجهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حين نظرتُ إليه إلا اثنتَين لم أُخبَرْهما منه يسبِقُ حلمُه جهلَه ولا يزيدُهُ شدَّةُ الجهلِ عليه إلا حلمًا فقد اختبرتُهما فأُشهدُكَ يا عمرُ أني قد رضيتُ بالله ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ نبيًّا وأشهدُكَ أنَّ شطرَ مالي فإني أكثُرها مالًا صدقةٌ على أمةِ محمدٍ قال عمرُ أو على بعضِهم فإنكَ لا تسعُهم قلتُ أو على بعضِهم فرجع عمرُ وزيدٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال زيدٌ أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه وآمن به وصدَّقه وتابعه وشهِد معه مشاهد َكثيرةً ثم تُوُفيَ في غزوةِ تبوكَ مُقبِلًا غيرَ مُدبِرٍ رحم اللهُ زيدًا
قَدِمَ على أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه مالٌ مِنَ البَحرَيْنِ فقالَ: مَن كان له على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عِدةٌ فليَأتِ فليَأخُذْ. قال: فجاءَ جابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ فقالَ: قد وَعَدَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: إذا جاءَني مِنَ البَحرَيْنِ مالٌ أعطَيتُكَ هكذا وهكذا. ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِلءَ كَفَّيْه. قال: خُذْ بيَدَيْكَ. فأخَذَ بيَدَيْه، فوَجَدَ خَمسَ مِئةٍ. قال: عُدْ إليها. ثم أعطاهُ مِثلَها، ثم قَسَمَ بَينَ الناسِ ما بَقيَ فأصابَ عَشَرةَ الدَّراهِمِ، يَعني لِكُلِّ واحِدٍ، فلَمَّا كانَ العامُ المُقبِلُ جاءَه مالٌ أكثَرُ مِن ذاك، فقَسَمَ بَينَهم، فأصابَ كُلَّ إنسانِ عِشرينَ دِرهمًا، وفَضَلَ مِنَ المالِ فَضلٌ، فقالَ لِلنَّاسِ: أيُّها الناسُ، قد فَضَلَ مِن هذا المالِ فَضلٌ، ولكم خَدَمٌ يُعالِجونَ لكم، ويَعمَلونَ لكم، إنْ شِئتُمْ رَضَخْنا لهم. فرَضَخَ لهم خَمسةَ الدَّراهِمِ خَمسةَ الدَّراهِمِ. فقالوا: يا خَليفةَ رَسولِ اللهِ، لو فَضَّلتَ المُهاجِرينَ؟ قال: أجْرُ أولئك على اللهِ، إنَّما هذه مَعايِشُ، الأُسوةُ فيها خَيرٌ مِنَ الأثَرةِ. فلَمَّا ماتَ أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه استُخلِفَ عُمَرُ، ففُتِحَ عليه الفُتوحُ، فجاءَه أكثَرُ مِن ذلك المالِ، فقالَ: قد كانَ لِأبي بَكرٍ في هذا المالِ رَأيٌ، ولي رَأيٌ آخَرُ، لا أجعَلُ مَن قاتَلَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كمَن قاتَلَ معه. ففَضَّلَ المُهاجِرينَ والأنصارَ، ففَرَضَ لِمَن شَهِدَ بَدرًا منهم خَمسةَ آلافٍ، ومَن كانَ إسلامُه قَبلَ إسلامِ أهلِ بَدرٍ فَرَضَ له أربَعةَ آلافٍ أربَعةَ آلافٍ، وفَرَضَ لِأزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اثنَي عَشَرَ ألْفًا، لِكُلِّ امرَأةٍ منهُنَّ، إلَّا صَفيَّةَ وجُوَيريةَ، فَرَضَ لِكُلِّ واحِدةٍ سِتَّةَ آلافٍ سِتَّةَ آلافٍ، فأبَيْنَ أنْ يَأخُذْنَها، فقالَ: إنَّما فَرَضتُ لَهُنَّ بالهِجرةِ. قُلنَ: ما فَرَضتَ لهُنَّ بالهِجرةِ، إنَّما فَرَضتَ لهُنَّ لِمَكانِهِنَّ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولنا مِثلُ مَكانِهِنَّ. فأبصَرَ ذلك فجَعَلَهُنَّ سَواءً مِثلَهُنَّ، وفَرَضَ لِلعبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ اثنَيْ عَشَرَ ألْفًا؛ لِقَرابَتِه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وفَرَضَ لِأُسامةَ بنِ زَيدٍ أربَعةَ آلافٍ، وفَرَضَ لِلحَسَنِ والحُسَينِ خَمسةَ آلافٍ خَمسةَ آلافٍ، فألحَقَهما بأبيهما؛ لِقَرابَتِهما مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وفَرَضَ لِعَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ثلاثةَ آلافٍ، فقالَ: يا أبةِ، فَرَضتَ لِأُسامةَ أربَعةَ آلافٍ وفَرَضتَ لي ثَلاثةَ آلافٍ، فما كانَ لِأبيه مِنَ الفَضلِ ما لم يَكُنْ لكَ، وما كان له مِنَ الفَضلِ ما لم يَكُنْ لي. فقالَ: إنَّ أباه كانَ أحَبَّ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أبيكَ، وهو كانَ أحَبَّ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنكَ. وفَرَضَ لِأبناءِ المُهاجِرينَ والأنصارِ مِمَّن شَهِدوا بَدرًا ألفَيْنِ ألفَيْنِ، فمَرَّ به عُمَرُ بنُ أبي سَلَمةَ، فقالَ: زيدوه ألْفًا. أو قالَ: زِدْه ألْفًا يا غُلامُ. فقال مُحمدُ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ جَحشٍ: لِأيِّ شَيءٍ تَزيدُه علينا؟ ما كانَ لِأبيه مِنَ الفَضلِ ما لم يَكُنْ لِآبائِنا. فقالَ: فَرَضتُ له بأبي سَلَمةَ ألفَيْنِ، وزِدتُه بأُمِّ سَلَمةَ ألْفًا؛ فإنْ كانت لكَ أُمٌّ مِثلُ أُمِّه زِدتُكَ ألْفًا. وفَرَضَ لِأهلِ مَكةَ ثَمانَ مِئةٍ ثَمانَ مِئةٍ، وفَرَضَ لِعُثمانَ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عُثمانَ، وهو ابنُ أخي طَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ، يَعني عُثمانَ بنَ عَبدِ اللهِ ثَمانَ مِئةٍ، وفَرَضَ لابنِ النَّضرِ بنِ أنَسٍ ألْفَيْ دِرهمٍ، فقال طَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ: جاءَكَ ابنُ عُثمانَ مِثلُه ففَرَضتَ له ثَمانَ مِئةٍ، وجاءَكَ غُلامٌ مِنَ الأنصارِ ففَرَضتَ له ألفَيْنِ؟ فقالَ: إنِّي لَقيتُ أبا هذا يَومَ أُحُدٍ فسألني عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقُلتُ: ما أُراهُ إلَّا قد قُتِلَ. فسَلَّ سَيفَه وكَسَرَ زِندَه وقالَ: إنْ كانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد قُتِلَ فإنَّ اللهَ حَيٌّ لا يَموتُ، فقاتَل حتى قُتِلَ، وهذا يَرعى الغَنَمَ، أفتُريدونَ أنْ أجعَلَهما سَواءً. فعَمِلَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه عُمُرَه بهذا، حتى إذا كانَ مِن آخِرِ السَّنةِ التي حَجَّ فيها قال ناسٌ مِنَ الناسِ: لو قد ماتَ أميرُ المُؤمِنينَ أقَمْنا فُلانًا. يَعنونَ طَلحةَ بنَ عُبَيدِ اللهِ، وقالوا: كانت بَيعةُ أبي بَكرٍ فَلتةً. فأرادَ أنْ يَتكَلَّمَ في أوسَطِ أيَّامِ التَّشريقِ بمِنًى، فقالَ له عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ: إنَّ هذا المَجلِسَ يَغلِبُ عليه غَوغاءُ الناسِ، وهم لا يَحتَمِلونَ كَلامَكَ، فأمهِلْ، أو أخِّرْ حتى تَأتيَ أرضَ الهِجرةِ وحيث أصحابُكَ ودارُ الإيمانِ والمهاجِرينَ والأنصارِ، فتَتكَلَّمَ بكَلامِكَ أو تَتكَلَّمَ فيُحمَلَ كَلامُكَ. قال: فأسرَعَ السَّيرَ حتى قَدِمَ المَدينةَ، فخَرَجَ يَومَ الجُمُعةِ فحَمِدَ اللهَ وأثْنى عليه، ثم قال: قد بَلَغَني مَقالةُ قائِلِكم: لو قد ماتَ عُمَرُ -أو لو قد ماتَ أميرُ المُؤمِنينَ- أقَمْنا فُلانًا فبايَعْناه، وكانت إمارةُ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه فَلتةً -أجَلْ واللهِ، لقدْ كانتْ فَلتةً- ومِن أينَ لنا مِثلُ أبي بَكرٍ نَمُدُّ أعناقَنا إليه كما نَمُدُّ أعناقَنا إلى أبي بَكرٍ، وإنَّ أبا بَكرٍ رأى رَأيًا ورَأيتُ أنا رَأيًا، فرَأى أبو بَكرٍ أنْ يَقسِمَ بالسَّويَّةِ، ورَأيتُ أنا أنْ أُفَضِّلَ، فإنْ أعِشْ إلى هذه السَّنةِ، فسَأرجِعُ إلى رَأيِ أبي بَكرٍ؛ فرَأيُه خَيرٌ مِن رَأيي، إنِّي قد رأيتُ رُؤيا، وما أُرى ذلك إلَّا عِندَ اقتِرابِ أجَلي، رأيتُ أنَّ ديكًا أحمَرَ نَقَرَني ثَلاثَ نَقَراتٍ، فاستَعبَرتُ أسماءَ فقالت: يَقتُلُكَ عَبدٌ أعجَميٌّ. فإنْ أهلِكْ؛ فإنَّ أمْرَكم إلى هؤلاءِ السِّتَّةِ الذين تُوُفِّيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو عنهم راضٍ: عُثمانَ بنِ عَفَّانَ، وعلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ، وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، والزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ، وطَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ، وسَعدِ بنِ مالِكٍ، وإنْ عِشتُ فسأعهَدُ عَهدًا لا تَهلِكوا، ألَا ثم إنَّ الرَّجمَ قد رَجَمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ورَجَمْنا بَعدَه، ولولا أنْ يَقولوا: كَتَبَ عُمَرُ ما ليس في كِتابِ اللهِ لَكَتَبتُه، قد قَرَأْنا في كِتابِ اللهِ: (الشَّيخُ والشَّيخةُ إذا زَنَيا فارجُموهما ألْبَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللهِ واللهُ عَزيزٌ حَكيمٌ). نَظَرتُ إلى العَمَّةِ وابنةِ الأخِ فما جَعَلتُهما وارِثَتَيْنِ ولا يَرِثا، وإنْ أعِشْ فسأفتَحُ لكم منه طَريقًا تَعرِفونَه، وإنْ أهلِكْ فاللهُ خَليفَتي، وتَختارونَ رَأيَكم، إنِّي قد دَوَّنتُ الدِّيوانَ، ومَصَّرتُ الأمصارَ، وإنَّما أتخَوَّفُ عليكم أحَدَ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ تَأوَّلَ القُرآنَ على غَيرِ تَأويلِه فيُقاتِلُ عليه، ورَجُلٍ يَرى أنَّه أحَقُّ بالمُلكِ مِن صاحِبِه، فيُقاتِلُ عليه. تَكَلَّمَ بهذا الكَلامِ يَومَ الجُمُعةِ، وماتَ رَضيَ اللهُ عنه يَومَ الأربِعاءِ
«خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عامَ الحُدَيبيةِ يُريدُ زيارةَ البَيتِ، لا يُريدُ قِتالًا، وساقَ مَعَه الهَديَ سَبعينَ بَدَنةً، وكان النَّاسُ سَبعَ مِائةِ رَجُلٍ، فكانَت كُلُّ بَدَنةٍ عن عَشَرةٍ، قال: وخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا كان بعُسفانَ لَقيَه بشرُ بنُ سُفيانَ الكَعبيُّ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، هذه قُرَيشٌ قد سَمِعَت بمَسيرِكَ، فخَرَجَت مَعَها العوذُ المَطافيلُ، قد لَبِسوا جُلودَ النُّمورِ، يُعاهِدونَ اللهَ أن لا تَدخُلَها عليهم عَنوةً أبَدًا، وهذا خالِدُ بنُ الوليدِ في خَيلِهم قَدِموا إلى كُراعِ الغَميمِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا وَيحَ قُرَيشٍ، لَقد أكَلَتهمُ الحَربُ، ماذا عليهم لَو خَلَّوا بَيني وبَينَ سائِرِ النَّاسِ، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهَرَني اللهُ عليهم دَخَلوا في الإسلامِ وهُم وافِرونَ، وإن لم يَفعَلوا قاتَلوا وبهم قوَّةٌ، فماذا تَظُنُّ قُرَيشٌ، واللهِ إنِّي لا أزالُ أُجاهِدُهم على الذي بَعَثَني اللهُ له حَتَّى يُظهرَه اللهُ له أو تَنفَرِدَ هذه السَّالِفةُ»، ثُمَّ أمَرَ النَّاسَ، فسَلَكوا ذاتَ اليَمينِ بَينَ ظَهرَيِ الحَمضِ على طَريقٍ تُخرِجُه على ثَنيَّةِ المُرارِ والحُدَيبيةِ مِن أسفَلِ مَكَّةَ، قال: فسَلَكَ بالجَيشِ تلك الطَّريقَ، فلَمَّا رَأت خَيلُ قُرَيشٍ قَترةَ الجَيشِ قد خالَفوا عن طَريقِهم، نَكَصوا راجِعينَ إلى قُرَيشٍ، فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا سَلَكَ ثَنيَّةَ المُرارِ بَرَكَت ناقَتُه، فقال النَّاسُ: خَلَأت. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ما خَلَأت، وما هو لها بخُلُقٍ، ولَكِن حَبَسَها حابِسُ الفيلِ عن مَكَّةَ، واللهِ لا تَدعوني قُرَيشٌ اليَومَ إلى خُطَّةٍ يَسألوني فيها صِلةَ الرَّحِمِ إلَّا أعطَيتُهم إيَّاها» ثُمَّ قال للنَّاسِ: «انزِلوا» فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، ما بالوادي مِن ماءٍ يَنزِلُ عليه النَّاسُ. فأخرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَهمًا مِن كِنانَتِه، فأعطاه رَجُلًا مِن أصحابِه، فنَزَلَ في قَليبٍ مِن تلك القُلُبِ، فغَرَزَه فيه، فجاشَ الماءُ بالرِّواءِ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ عنه بعَطَنٍ، فلَمَّا اطمَأنَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا بُدَيلُ بنُ ورقاءَ في رِجالٍ مِن خُزاعةَ، فقال لهم كَقَولِه لبَشيرِ بنِ سُفيانَ، فرَجَعوا إلى قُرَيشٍ فقالوا: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنَّكُم تَعجَلونَ على مُحَمَّدٍ، وإنَّ مُحَمَّدًا لم يَأتِ لقِتالٍ، إنَّما جاءَ زائِرًا لهذا البَيتِ، مُعَظِّمًا لحَقِّه. فاتَّهَموهُم. قال مُحَمَّدٌ يَعني ابنَ إسحاقَ: قال الزُّهريُّ: وكانَت خُزاعةُ في عَيبةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُسلِمُها ومُشرِكُها، لا يُخفونَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيئًا كان بمَكَّةَ، قالوا: وإن كان إنَّما جاءَ لذلك، فلا واللهِ لا يَدخُلُها أبَدًا علينا عَنوةً، ولا تَتَحَدَّثُ بذلك العَرَبُ. ثُمَّ بَعَثوا إليه مِكرَزَ بنَ حَفصِ بنِ الأخيَفِ، أحَدَ بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، فلَمَّا رَآهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: «هذا رَجُلٌ غادِرٌ». فلَمَّا انتَهى إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَلَّمَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بنَحوٍ مِمَّا كَلَّمَ به أصحابَه، ثُمَّ رَجَعَ إلى قُرَيشٍ، فأخبَرَهم بما قال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فبَعَثوا إليه الحِلْسَ بنَ عَلقَمةَ الكِنانيَّ، وهو يَومَئِذٍ سَيِّدُ الأحابِشِ، فلَمَّا رَآهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «هذا مِن قَومٍ يَتَألَّهونَ، فابعَثوا الهَديَ في وَجههِ». فبَعَثوا الهَديَ، فلَمَّا رَأى الهَديَ يَسيلُ عليه مِن عُرضِ الوادي في قَلائِدِه، قد أُكِلَ أوبارُه مِن طولِ الحَبسِ عن مَحِلِّه، رَجَعَ، ولَم يَصِلْ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إعظامًا لما رَأى، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، قد رَأيتُ ما لا يَحِلُّ صَدُّه: الهَديَ في قَلائِدِه قد أُكِلَ أوبارُه مِن طولِ الحَبسِ عن مَحِلِّه. فقالوا: اجلِسْ، إنَّما أنتَ أعرابيٌّ لا عِلمَ لَكَ، فبَعَثوا إليه عُروةَ بنَ مَسعودٍ الثَّقَفيَّ، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنِّي قد رَأيتُ ما يَلقى مِنكُم مَن تَبعَثونَ إلى مُحَمَّدٍ إذا جاءَكُم، مِنَ التَّعنيفِ وسوءِ اللَّفظِ، وقد عَرَفتُم أنَّكُم والِدٌ وأنِّي ولَدٌ، وقد سَمِعتُ بالذي نابَكُم، فجَمَعتُ مَن أطاعَني مِن قَومي، ثُمَّ جِئتُ حَتَّى آسَيتُكُم بنَفسي. قالوا: صَدَقتَ، ما أنتَ عِندَنا بمُتَّهَمٍ. فخَرَجَ حَتَّى أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجَلَسَ بَينَ يَدَيه، فقال: يا مُحَمَّدُ، جَمَعتَ أوباشَ النَّاسِ، ثُمَّ جِئتَ بهم لبَيضَتِكَ لتَفُضَّها، إنَّها قُرَيشٌ قد خَرَجَت مَعَها العُوذُ المَطافيلُ، قد لَبِسوا جُلودَ النُّمورِ، يُعاهِدونَ اللهَ أن لا تَدخُلَها عليهم عَنوةً أبَدًا، وأيمُ اللهِ لَكَأنِّي بهؤلاء قدِ انكَشَفوا عنكَ غَدًا. قال: وأبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ خَلفَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قاعِدٌ، فقال: امصُصْ بَظرَ اللَّاتِ، أنَحنُ نَنكَشِفُ عنه؟! قال: مَن هذا يا مُحَمَّدُ؟ قال: «هذا ابنُ أبي قُحافةَ» قال: واللهِ لَولا يَدٌ كانَت لَكَ عِندي لَكافَأتُكَ بها، ولَكِن هذه بها. ثُمَّ تَناولَ لحيةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمُغيرةُ بنُ شُعبةَ واقِفٌ على رَأسِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الحَديدِ، قال: يَقرَعُ يَدَه، ثُمَّ قال: أمسِكْ يَدَكَ عن لحيةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ واللهِ لا تَصِلُ إليكَ. قال: ويحَكَ، ما أفظَّكَ وأغلَظَكَ! قال: فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: مَن هذا يا مُحَمَّدُ؟ قال: «هذا ابنُ أخيكَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ» قال: أَغُدَرُ! هَل غَسَلتُ سَوأتَكَ إلَّا بالأمسِ؟! قال: فكَلَّمَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمِثلِ ما كَلَّمَ به أصحابَه، فأخبَرَه أنَّه لم يَأتِ يُريدُ حَربًا. قال: فقامَ مِن عِندِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقد رَأى ما يَصنَعُ به أصحابُه، لا يَتَوضَّأُ وُضوءًا إلَّا ابتَدَروهُ، ولا يَبسُقُ بُساقًا إلَّا ابتَدَروهُ، ولا يَسقُطُ مِن شَعرِه شَيءٌ إلَّا أخَذوهُ، فرَجَعَ إلى قُرَيشٍ، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، إنِّي جِئتُ كِسرى في مُلكِه، وجِئتُ قَيصَرَ والنَّجاشيَّ في مُلكِهما، واللهِ ما رَأيتُ مَلِكًا قَطُّ مِثلَ مُحَمَّدٍ في أصحابِه، ولَقد رَأيتُ قَومًا لا يُسلِمونَه لشَيءٍ أبَدًا، فرُوا رَأيَكُم. قال: وقد كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ ذلك بَعَثَ خِراشَ بنَ أُمَيَّةَ الخُزاعيَّ إلى مَكَّةَ، وحَمَلَه على جَمَلٍ له يُقالُ له: الثَّعلَبُ، فلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ عَقَرَت به قُرَيشٌ، وأرادوا قَتلَ خِراشٍ، فمَنَعَهمُ الأحابِشُ حَتَّى أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدَعا عُمَرَ ليَبعَثَه إلى مَكَّةَ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أخافُ قُرَيشًا على نَفسي، وليس بها مِن بَني عَديٍّ أحَدٌ يَمنَعُني، وقد عَرَفَت قُرَيشٌ عَداوتي إيَّاها، وغِلظَتي عليها، ولَكِن أدُلُّكَ على رَجُلٍ هو أعَزُّ مِنِّي: عُثمانَ بنِ عَفَّانَ. قال: فدَعاه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبَعَثَه إلى قُرَيشٍ يُخبِرُهم أنَّه لم يَأتِ لحَربٍ، وأنَّه جاءَ زائِرًا لهذا البَيتِ، مُعَظِّمًا لحُرمَتِه، فخَرَجَ عُثمانُ حَتَّى أتى مَكَّةَ، ولَقيَه أبانُ بنُ سَعيدِ بنِ العاصِ، فنَزَلَ عن دابَّتِه وحَمَلَه بَينَ يَدَيه، ورَدِفَ خَلفَه، وأجارَه حَتَّى بَلَّغَ رِسالةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فانطَلَقَ عُثمانُ حَتَّى أتى أبا سُفيانَ وعُظَماءَ قُرَيشٍ، فبَلَّغَهم عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أرسَلَه به، فقالوا لعُثمانَ: إن شِئتَ أن تَطوفَ بالبَيتِ فطُفْ به. فقال: ما كُنتُ لأفعَلَ حَتَّى يَطوفَ به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فاحتَبَسَته قُرَيشٌ عِندَها، فبَلَغَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُسلِمينَ أنَّ عُثمانَ قد قُتِلَ. قال مُحَمَّدٌ: فحَدَّثَني الزُّهريُّ: أنَّ قُرَيشًا بَعَثوا سُهَيلَ بنَ عَمرٍو، أحَدَ بَني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، فقالوا: ائتِ مُحَمَّدًا فصالِحْه، ولا يَكونُ في صُلحِه إلَّا أن يَرجِعَ عنَّا عامَه هذا، فواللهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّه دَخَلَها علينا عَنوةً أبَدًا، فأتاه سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، فلَمَّا رَآهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «قد أرادَ القَومُ الصُّلحَ حينَ بَعَثوا هذا الرَّجُلَ»، فلَمَّا انتَهى إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَكَلَّما، وأطالا الكَلامَ، وتَراجَعا حَتَّى جَرى بَينَهما الصُّلحُ، فلَمَّا التَأمَ الأمرُ ولَم يَبقَ إلَّا الكِتابُ وثَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فأتى أبا بَكرٍ، فقال: يا أبا بَكرٍ، أوَليس برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ أولَسنا بالمُسلِمينَ؟ أولَيسوا بالمُشرِكينَ؟ قال: بَلى. قال: فعَلامَ نُعطي الذِّلَّةَ في دينِنا. فقال أبو بَكرٍ: يا عُمَرُ، الزَمْ غَرزَه حَيثُ كان، فإنِّي أشهَدُ أنَّه رَسولُ اللهِ. قال عُمَرُ: وأنا أشهَدُ، ثُمَّ أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أولَسنا بالمُسلِمينَ؟ أولَيسوا بالمُشرِكينَ؟ قال: «بَلى»، قال: فعَلامَ نُعطي الذِّلَّةَ في دينِنا؟ فقال: «أنا عَبدُ اللهِ ورَسولُه، لَن أُخالِفَ أمرَه، ولَن يُضَيِّعَني» ثُمَّ قال عُمَرُ: ما زِلتُ أصومُ وأتَصَدَّقُ وأُصَلِّي وأُعتِقُ مِنَ الذي صَنَعتُ؛ مَخافةَ كَلامي الذي تَكَلَّمتُ به يَومَئِذٍ حَتَّى رَجَوتُ أن يَكونَ خَيرًا، قال: ودَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اكتُبْ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ» فقال سُهَيلُ بنُ عَمرٍو: لا أعرِفُ هذا، ولَكِنِ اكتُبْ: باسمِكَ اللهُمَّ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اكتُبْ: باسمِكَ اللهُمَّ، هذا ما صالَحَ عليه مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو» فقال سُهَيلُ بنُ عَمرٍو: لَو شَهِدتُ أنَّكَ رَسولُ اللهِ لم أُقاتِلْك، ولَكِنِ اكتُبْ: هذا ما اصطَلَحَ عليه مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ وسُهَيلُ بنُ عَمرٍو على وضعِ الحَربِ عَشرَ سِنينَ، يَأمَنُ فيها النَّاسُ، ويَكُفُّ بَعضُهم عن بَعضٍ، على أنَّه مَن أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أصحابِه بغَيرِ إذنِ وليِّه رَدَّه عليهم، ومَن أتى قُرَيشًا مِمَّن مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَرُدُّوهُ عليه، وإنَّ بَينَنا عَيبةً مَكفوفةً، وإنَّه لا إسلالَ ولا إغلالَ. وكان في شَرطِهم حينَ كَتَبوا الكِتابَ أنَّه مَن أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقدِ مُحَمَّدٍ وعَهدِه دَخَلَ فيه، ومَن أحَبَّ أن يَدخُلَ في عَقدِ قُرَيشٍ وعَهدِهم دَخَلَ فيه، فتَواثَبَت خُزاعةُ فقالوا: نَحنُ مَعَ عَقدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعَهدِه، وتَواثَبَت بَنو بَكرٍ، فقالوا: نَحنُ في عَقدِ قُرَيشٍ وعَهدِهم. وأنَّكَ تَرجِعُ عنَّا عامَنا هذا، فلا تَدخُلْ علينا مَكَّةَ، وأنَّه إذا كان عامُ قابِلٍ خَرَجنا عنكَ، فتَدخُلُها بأصحابِكَ، وأقَمتَ فيهم ثَلاثًا مَعَكَ سِلاحُ الرَّاكِبِ، لا تَدخُلها بغَيرِ السُّيوفِ في القُرُبِ. فبَينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَكتُبُ الكِتابَ إذ جاءَه أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو في الحَديدِ قدِ انفَلَتَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: وقد كان أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَرَجوا وهُم لا يَشُكُّونَ في الفَتحِ لرُؤيا رَآها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا رَأوا ما رَأوا مِنَ الصُّلحِ والرُّجوعِ، وما تَحَمَّلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على نَفسِه، دَخَلَ النَّاسَ مِن ذلك أمرٌ عَظيمٌ حَتَّى كادوا أن يَهلِكوا، فلَمَّا رَأى سُهَيلٌ أبا جَندَلٍ، قامَ إليه، فضَرَبَ وجهَه، ثُمَّ قال: يا مُحَمَّدُ، قد لَجَّتِ القَضيَّةُ بَيني وبَينَكَ قَبلَ أن يَأتيَكَ هذا. قال: «صَدَقتَ». فقامَ إليه، فأخَذَ بتَلبيبِه، قال: وصَرَخَ أبو جَندَلٍ بأعلى صَوتِه: يا مَعاشِرَ المُسلِمينَ، أتَرُدُّونَني إلى أهلِ الشِّركِ، فيَفتِنوني في ديني. قال: فزادَ النَّاسُ شَرًّا إلى ما بهم. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا أبا جَندَلٍ اصبِرْ واحتَسِبْ؛ فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ جاعِلٌ لَكَ ولمَن مَعَكَ مِنَ المُستَضعَفينَ فرَجًا ومَخرَجًا، إنَّا قد عَقدنا بَينَنا وبَينَ القَومِ صُلحًا، فأعطَيناهُم على ذلك، وأعطَونا عليه عَهدًا، وإنَّا لَن نَغدِرَ بهم». قال: فوثَبَ إليه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مَعَ أبي جَندَلٍ، فجَعَلَ يَمشي إلى جَنبِه وهو يَقولُ: اصبِرْ أبا جَندَلٍ؛ فإنَّما هُمُ المُشرِكونَ، وإنَّما دَمُ أحَدِهم دَمُ كَلبٍ. قال: ويُدني قائِمَ السَّيفِ مِنه. قال: يَقولُ: رَجَوتُ أن يَأخُذَ السَّيفَ، فيَضرِبَ به أباه. قال: فضَنَّ الرَّجُلُ بأبيه، ونَفَذَتِ القَضيَّةُ، فلَمَّا فرَغا مِنَ الكِتابِ، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي في الحَرَمِ وهو مُضطَرِبٌ في الحِلِّ. قال: فقامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: «يا أيُّها النَّاسُ، انحَروا واحلِقوا» قال: فما قامَ أحَدٌ، قال: ثُمَّ عادَ بمِثلِها، فما قامَ رَجُلٌ، حَتَّى عادَ بمِثلِها، فما قامَ رَجُلٌ، فرَجَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدَخَلَ على أُمِّ سَلَمةَ، فقال: «يا أُمَّ سَلَمةَ، ما شَأنُ النَّاسِ؟» قالت: يا رَسولَ اللهِ، قد دَخَلَهم ما قد رَأيتَ، فلا تُكَلِّمَنَّ مِنهم إنسانًا، واعمِدْ إلى هَديِكَ حَيثُ كان فانحَرْه واحلِقْ، فلَو قد فعَلتَ ذلك فعَلَ النَّاسُ ذلك. فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يُكَلِّمُ أحَدًا حَتَّى أتى هَديَه فنَحَرَه، ثُمَّ جَلَسَ فحَلَقَ، فقامَ النَّاسُ يَنحَرونَ ويَحلِقونَ. قال: حَتَّى إذا كان بَينَ مَكَّةَ والمَدينةِ في وسَطِ الطَّريقِ، فنَزَلَت سورةُ الفَتحِ
كان من حديثِ ابنِ مُلْجَمٍ (لَعَنَه اللهُ) وأصحابِهِ، أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ مُلْجَمٍ، والبَرْكَ بنَ عبدِ اللهِ، وعمْرَو بنَ بكرٍ التَّميميَّ، اجتمَعوا بمكةَ فذَكَروا أمْرَ النَّاسِ، وعابوا عليهم وُلاتَهم، ثمَّ ذَكَروا أهْلَ النَّهروانِ، فترحَّموا عليهِمْ، فقالوا: واللهِ ما نَصنَعُ بالبقاءِ بعدَهم شيئًا، إخوانُنا الَّذينَ كانوا دُعاةَ النَّاسِ لعِبادةِ ربِّهم، الَّذينَ كانوا لا يَخافونَ في اللهِ لَومَةَ لائِمٍ، فلوْ شَرَيْنا أنفُسَنا، فأتَيْنا أئِمَّةَ الضَّلالةِ، فالتَمَسْنا قتْلَهم، فأَرَحْنا منهمُ البلادَ، وثَأَرْنا بهم إخوانَنا. قالَ ابنُ مُلْجَمٍ (وكانَ منْ أهلِ مِصرَ): أنا أكفيكُم عليَّ بنَ أبي طالبٍ، وقال البَرْكُ بنُ عبدِ اللهِ: أنا أكفيكُم مُعاويةَ بنَ أبي سُفيانَ، وقال عمرُو بنُ بكرٍ التَّميميُّ: أنا أكفيكُم عمرَو بنَ العاصِ، فتَعاهَدوا وتواثَقوا باللهِ ألَّا ينكُصَ رَجُلٌ منهم عن صاحبِهِ الَّذي توجَّهَ إليهِ حتى يقتُلَه أوْ يموتَ دونَه، فأخذوا أسيافَهم فسَمُّوها، وتواعَدوا لسبعَ عشْرةَ خَلَتْ منْ شَهرِ رَمَضانَ أنْ يَثِبَ كُلُّ واحدٍ على صاحبِهِ الَّذي توجَّهَ إليهِ، وأقْبَلَ كلُّ رَجُلٍ منهمْ إلى المِصْرِ الَّذي فيه صاحِبُه الَّذي يطلُبُ، فأمَّا ابنُ مُلْجَمٍ المُراديُّ فأتى أصحابَه بالكوفةِ وكاتَمَهم أمْرَه كراهيةَ أنْ يُظْهِروا شيئًا من أمْرِه، وأنَّهُ لَقِيَ أصحابَهُ منْ تيْمِ الرَّبابِ، وقدْ قَتَلَ عليٌّ منهمْ عِدَّةَ يَومَ النَّهرِ، فذَكَروا قَتْلاهُمْ فترَحَّمُوا عليهم، قال: ولَقِيَ من يومِه ذلكَ امرأةً منْ تَيْمِ الرَّبابِ، يُقالُ لها: قَطامُ بنتُ الشَّحنةِ، وقد قَتَلَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ أباها وأخاها يَومَ النَّهرِ، وكانتْ فائقةَ الجمالِ، فلمَّا رآها الْتبسَتْ بعَقْلِه ونَسِيَ حاجتَه الَّتي جاءَ لها، فخَطَبَها، فقالتْ: لا أتزوَّجُ حتَّى تَشفِيَني. قالَ: وما تَشائينَ؟ قالت: ثلاثةُ آلافٍ، وعبدٌ، وقَيْنةٌ، وقتْلُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، فقال: هو مَهْرٌ لكِ، فأمَّا قتْلُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، فما أراكِ ذَكَرتيهِ وأنتِ تُريدينَه، قالت: بلى، فالْتمِسْ غُرَّتَهُ، فإنْ أصَبْتَه شَفَيْتَ نفْسَكَ ونَفْسي، ونَفَعَك معي العَيشُ، وإنْ قُتِلتَ فما عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ خَيرٌ من الدُّنيا وزِبْرِجِ أهْلِها، فقال: ما جاءَ بي إلى هذا المِصْرِ إلَّا قتْلُ عليٍّ، قالت: فإذا أردْتَ ذلك، فأخْبِرْني حتى أطلُبَ لكَ مَن يشُدُّ ظَهْرَك، ويُساعِدُكَ على أمْرِكَ، فبَعَثَتْ إلى رَجُلٍ منْ قَومِها منْ تيمِ الرَّبابِ، يُقالُ لهُ: وَرْدانُ، فكَلَّمَتْه فأجابَها، وأتى ابْنُ مُلْجَمٍ رَجُلًا منْ أشْجَعَ، يُقالُ لهُ: شَبيبُ بنُ نَجْدةَ، فقال له: هل لكَ في شَرَفِ الدُّنيا والآخِرَةِ؟ قالَ: وما ذاكَ؟ قالَ: قَتْلُ عليٍّ. قالَ: ثَكِلَتْكَ أمُّكَ، لقد جِئْتَ شيئًا إدًّا! كيْفَ تَقدِرُ على قَتْلِه؟! قال: أكْمُنُ له في السَّحَرِ، فإذا خرَجَ إلى صَلاةِ الغَداةِ شَدَدْنا عليه فقَتَلْناه، فإنْ نَجَوْنَا شَفَيْنا أنفُسَنا وأدْرَكْنا ثَأْرَنا، وإنْ قُتِلْنا فما عندَ اللهِ خَيرٌ منَ الدُّنيا وزِبْرِجِ أهْلِها. قالَ: وَيْحَكَ! لوْ كانَ غَيرَ عليٍّ كانَ أهْوَنَ عليَّ، قد عَرَفتُ بَلاءَهُ في الإسلامِ، وسابِقَتَه معَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما أَجِدُني أنشَرِحُ لقتْلِه، قالَ: أمَا تعلَمُ أنَّهُ قتَلَ أهْلَ النَّهروانِ العُبَّادَ المُصلِّينَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: نقتُلُه بما قَتَلَ من إخوانِنا، فأجابَهُ، فجاؤُوا حتى دَخَلوا على قَطامِ وهي في المسجِدِ الأعظَمِ مُعتكِفَةٌ فيهِ، فقالوا لها: قدِ اجتمَعَ رَأْيُنا على قَتْلِ عليٍّ، قالت: فإذا أرَدتُم ذلكَ فَأْتُوني ضُحًى، فقال: هذهِ اللَّيلةُ الَّتي واعَدتُ فيها صاحِبَيَّ أنْ يقتُلَ كلُّ واحدٍ منَّا صاحِبَه، فدَعَتْ لهمْ بالحَريرِ فعصَّبَتْهم، وأَخَذوا أسيافَهُم وجَلَسوا مُقابِلَ السُّدَّةِ التي يَخرجُ منها عليٌّ، فخرَجَ لصَلاةِ الغَداةِ، فجَعَلَ يقولُ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، فشَدَّ عليهِ شَبيبٌ فضَرَبَه بالسَّيفِ فوَقَعَ السَّيفُ بعِضادَيِ البابِ أوْ بالطَّاقِ، فشَدَّ عليهِ ابنُ مُلْجَمٍ فضَرَبَه على قَرْنِه، وهَرَبَ وَرْدانُ حتى دَخَلَ مَنزِلَه، ودَخَلَ رَجُلٌ من بني أسيدٍ وهوَ يَنزِعُ السَّيفَ والحديدَ عنْ صَدرِه، فقالَ: ما هذا السَّيفُ والحَديدُ؟ فأخبَرَه بما كانَ، فذَهَبَ إلى مَنزِلِه، فجاءَ بسَيفِهِ فضَرَبَه حتى قَتَلَه، وخَرَجَ شَبيبٌ نحوَ أبوابِ كِندَةَ فشَدَّ عليهِ الناسُ، إلَّا أنَّ رَجُلًا يُقالُ لهُ: عُوَيمِرُ ضَرَبَ رِجْلَه بالسَّيْفِ فصَرَعَه، وجَثَمَ عليهِ الحَضْرميُّ، فلمَّا رأى النَّاسَ قد أقبَلوا في طَلَبِه، وسَيفُ شَبيبٍ في يَدِه، خَشِيَ على نَفْسِه فتَرَكَه، فنَجا بنَفْسِه، ونَجا شَبيبٌ في غِمارِ النَّاسِ، وخَرَجَ ابنُ مُلْجَمٍ فشَدَّ عليهِ رَجُلٌ من هَمْذانَ يُكَنَّى أبا أَدَما، فضَرَبَ رِجْلَه فصَرَعَهُ، وتَأَخَّرَ عليٌّ ودَفَعَ في ظَهْرِ جَعْدةَ بنِ هُبَيرةَ بنِ أبي وَهْبٍ، فصلَّى بالناسِ الغَداةَ، وشَدَّ عليهِ النَّاسُ منْ كُلِّ جانِبٍ، وذَكَروا أنَّ مُحمَّدَ بنَ حُنَيفٍ قالَ: واللهِ إنِّي لأَصُلِّي تلكَ اللَّيلةَ في المسجِدِ الأعظَمِ قريبًا منَ السُّدَّةِ في رجالٍ كثيرةٍ منْ أهلِ المِصْرِ، ما فيهم إلَّا قِيَامٌ ورُكوعٌ وسُجودٌ، ما يَسْأَمونَ من أوَّلِ اللَّيلِ إلى آخِرِهِ، إذْ خَرَجَ عليٌّ لصَلاةِ الغَداةِ، وجَعَلَ يُنادي: أيُّها الناسُ، الصَّلاةَ الصَّلاةَ، فما أدري أتكلَّمَ بهذهِ الكَلِماتِ أو نَظَرتُ إلى بَريقِ السَّيفِ، وسَمِعتُ: الحُكْمُ للهِ، لا لكَ يا عليُّ، ولا لأصحابِكَ، فرأيتُ سَيفًا، ورأيتُ ناسًا، وسَمِعتُ عليًّا يقولُ: لا يَفوتَنَّكُم الرَّجُلُ، وشَدَّ عليه الناسُ منْ كلِّ جانبٍ، فلم أبرَحْ حتى أُخِذَ ابنُ مُلْجَمٍ فأُدخِلَ على عليٍّ، فدَخَلتُ فيمَنْ دَخَلَ من النَّاسِ، فسَمِعتُ عليًّا يقولُ: النَّفْسُ بالنَّفْسِ، إنْ هلكْتُ فاقْتُلوهُ كما قَتَلَني، وإنْ بَقيتُ رأيتُ فيه رَأْيي، ولما أُدخِلَ ابنُ مُلْجَمٍ على عليٍّ قال له: يا عَدُوَّ اللهِ، أَلَمْ أُحْسِنْ إليكَ، ألمْ أفعَلْ بكَ، قالَ: بلى، قالَ: فما حمَلَكَ على هذا؟ قالَ: شَحَذتُه أربعينَ صباحًا، فسألتُ اللهَ أنْ يَقتُلَ بهِ شرَّ خلْقِه، قالَ لهُ عليٌّ: ما أراكَ إلَّا مَقتولًا به، وما أراكَ إلَّا من شَرِّ خَلْقِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وكانَ ابنُ مُلْجَمٍ مَكتوفًا بين يَدَيِ الحَسَنِ إذْ نادَتْه أمُّ كلثومٍ بنتُ عليٍّ وهيَ تَبْكي: يا عَدُوَّ اللهِ، لا بأسَ على أبي، واللهُ عزَّ وجلَّ مُخزيكَ، قالَ: فعَلامَ تَبكينَ؟ واللهِ لقدِ اشتريتُه بأَلْفٍ، وسَمَمْتُه بأَلْفٍ، ولو كانتْ هذهِ الضَّربةُ لجميعِ أهلِ مِصْرَ ما بَقِيَ منهمْ أحدٌ ساعةً، وهذا أبوكِ باقٍ حتى الآنَ، فقال عليٌّ للحَسَنِ: إنْ بَقيتُ رأيتُ فيهِ رأيي، ولئنْ هَلَكتُ منْ ضَربَتي هذه، فاضرِبْهُ ضَربةً، ولا تُمثِّلْ بهِ، فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَنْهى عن المُثْلَةِ، ولو بالكَلبِ العَقورِ، وذكرَ أنَّ جُندُبَ بنَ عبدِ اللهِ دَخَلَ على عليٍّ يَسأَلُ بهِ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنْ فَقَدناكَ (ولا نَفقِدُكَ) فنُبايِعُ الحَسَنَ؟ قالَ: ما آمرُكُم ولا أنْهاكم، أنتم أبْصَرُ، فلما قُبِضَ عليٌّ رضِيَ اللهُ عنهُ بَعَثَ الحَسَنُ إلى ابنِ مُلْجَمٍ فدَخَلَ عليه، فقال له ابنُ مُلْجَمٍ: هل لكَ في خَصلَةٍ؟ إني واللهِ ما أعطيتُ اللهَ عَهدًا إلَّا وَفَّيتُ بهِ، إني كُنتُ أعطيتُ اللهَ عَهدًا أنْ أقتُلَ عليًّا ومُعاويةَ أو أموتَ دُونَهما، فإنْ شئتَ خلَّيْت بيني وبينَهُ، ولكَ اللهَ عليَّ إنْ لمْ أقتُلْه أنْ آتيَكَ حتى أضَعَ يدي في يَدِكَ، فقال له الحَسَنُ: لا واللهِ، أو تُعايِنُ النَّارَ، فقَدَّمَه فقَتَلَه، فأَخَذَه الناسُ فأدرَجُوه في بَوارٍ، ثم أحرَقوهُ بالنارِ، وقد كانَ عليٌّ رضِيَ اللهُ عنه قالَ: يا بني عبدِ المُطَّلِبِ، لا أُلفِيَنَّكُم تَخوضونَ دِماءَ المُسلِمينَ، تَقولونَ: قُتِلَ أميرُ المؤمنينَ، قُتِلَ أميرُ المؤمنينَ، ألَا لا يُقتَلُ بي إلَّا قاتلي، وأمَّا البَرْكُ بنُ عبدِ اللهِ فقَعَدَ لمُعاويةَ، فخَرَجَ لصَلاةِ الغَداةِ فشَدَّ عليهِ بسَيفِه، وأدْبَرَ مُعاويةُ هاربًا، فوَقَعَ السَّيفُ في إليتِه، فقالَ: إنَّ عندي خَبَرًا أُبَشِّرُكَ بهِ، فإنْ أخبَرْتُكَ أنافِعي ذلكَ عندَكَ؟ قال: وما هو؟ قال: إنَّ أخًا لي قَتَلَ عليًّا اللَّيلةَ، قالَ: فلعلَّهُ لم يَقدِرْ عليه؟ قال: بلى، إنَّ عليًّا يَخرُجُ ليسَ معهُ أحدٌ يَحرُسُه. فأَمَرَ به مُعاويةُ فقُتِلَ، فبَعَثَ إلى الساعديِّ وكانَ طبيبًا، فنَظَرَ إليهِ فقال: إنَّ ضَرْبَتَك مَسْمومةٌ، فاخْتَرْ مني إحدى خَصْلتَيْنِ؛ إمَّا أنْ أَحمِيَ حَديدةً فأضَعَها في مَوضِعِ السَّيفِ، وإمَّا أنْ أسْقِيَك شَرْبةً تَقطَعُ منكَ الوَلَدَ وتَبرَأُ منها، فإنَّ ضَرْبتَكَ مَسْمومةٌ، فقال له مُعاويةُ: أمَّا النارُ فلا صَبْرَ لي عليها، وأمَّا انقطاعُ الوَلَدِ، فإنَّ في يزيدَ وعبدِ اللهِ وولدِهِما ما تَقَرُّ بهِ عيني، فسَقاهُ تلكَ اللَّيلةَ الشَّرْبةَ، فبَرَأَ، فلمْ يولَدْ لهُ بعدُ، فأَمَرَ مُعاويةُ بعدَ ذلكَ بالمُقْصوراتِ، وقيامِ الشُّرَطِ على رأسِهِ، وقالَ عليٌّ للحَسَنِ والحُسَينِ: أيْ بَنيَّ، أُوصيكُما بتَقْوى اللهِ، والصَّلاةِ لوَقْتِها، وإيتاءِ الزَّكاةِ عندَ مَحِلِّها، وحُسْنِ الوُضوءِ؛ فإنَّهُ لا تُقبَلُ صَلاةٌ إلَّا بطَهورٍ، وأُوصيكُمْ بغَفْرِ الذَّنْبِ، وكَظْمِ الغَيظِ، وصِلَةِ الرَّحِمِ، والحِلْمِ عنِ الجاهِلِ، والتَّفقُّهِ في الدِّينِ، والتَّثبُّتِ في الأمْرِ، وتعاهُدِ القُرآنِ، وحُسنِ الجِوارِ، والأمْرِ بالمَعروفِ، والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ، واجتنابِ الفَواحِشِ. قال: ثمَّ نَظَرَ إلى مُحمَّدِ ابنِ الحنفيَّةِ، فقالَ: هلْ حَفِظتَ ما أَوْصَيتُ بهِ أَخَوَيْكَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: إنِّي أُوصيكَ بمِثْلِهِ، وأُوصيكَ بتَوقيرِ أَخَوَيْكَ لعِظَمِ حَقِّهما عليكَ، وتَزيينِ أمْرِهما، ولا تَقْطعْ أمرًا دُونَهما، ثمَّ قال لهما: أُوصيكُما بهِ، فإنَّهُ شَقيقُكما، وابنُ أبيكما، وقد عَلِمْتُما أنَّ أباكما كانَ يُحِبُّه، ثمَّ أوصى، فكانت وَصيَّتُه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذا ما أوْصى بهِ عليُّ بنُ أبي طالبٍ، أوْصى أنْ يُشهَدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وَحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَهُ بالهُدى ودِينِ الحقِّ لِيُظهِرَهُ على الدِّينِ كلِّه، ولو كَرِهَ المُشرِكونَ، ثمَّ إنَّ صَلاتي ونُسُكي ومَحْيايَ ومَماتي للهِ رَبِّ العالَمينَ، لا شريكَ لهُ، وبذلِكَ أُمِرتُ وأنا منَ المُسلِمينَ، ثم أُوصيكما يا حَسَنُ، ويا حُسَينُ، ويا جميعَ أهلي ووَلَدي، ومَنْ بَلَغَه كتابي بتَقْوى اللهِ ربِّكم، ولا تَموتُنَّ إلَّا وأنتم مُسلِمونَ، واعتَصِموا بحَبْلِ اللهِ جَميعًا ولا تَفرَّقوا، فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: إنَّ صلاحَ ذاتِ البَينِ أعظَمُ منْ عامَّةِ الصَّلاةِ والصيامِ، وانْظُروا إلى ذَوي أرحامِكُم، فَصِلُوهم يُهوِّنُ اللهُ عليكم الحسابَ، واللهَ اللهَ في الأيتامِ، لا يَضيعُنَّ بحَضرَتِكُم، واللهَ اللهَ في الصَّلاةِ؛ فإنَّها عَمودُ دينِكُم، واللهَ اللهَ في الزَّكاةِ؛ فإنَّها تُطفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، واللهَ اللهَ في الفُقراءِ والمساكينِ، فأشْرِكوهم في مَعايِشِكم، واللهَ اللهَ في القُرآنِ، لا يَسبِقَنَّكم بالعَمَلِ بهِ غَيرُكُم، واللهَ اللهَ في الجِهادِ في سبيلِ اللهِ بأموالِكُم وأنفُسِكُم، واللهَ اللهَ في بيْتِ ربِّكُم، لا يَخلُوَنَّ ما بَقيتُمْ، فإنَّهُ إنْ تُرِكَ لم تَنَاظَرُوا، واللهَ اللهَ في ذِمَّةِ نبيِّكُم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلا يُظْلَمَنَّ بين ظَهْرانَيكُمْ، واللهَ اللهَ في جيرانِكُمْ؛ فإنَّهمْ وَصيَّةُ نبيِّكُم صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، قالَ: ما زالَ جِبريلُ يوصِيني بهم حتَّى ظَنَنتُ أنَّهُ سيُورِّثُهم، اللهَ اللهَ في أصحابِ نبيِّكُم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّهُ أوصى بهم، واللهَ اللهَ في الضَّعيفَيْنِ؛ منَ النساءِ، وما مَلَكَتْ أيمانُكم، الصَّلاةَ الصَّلاةَ، لا تَخافُنَّ في اللهِ لَومَةَ لائِمٍ، اللهُ يَكفيكُمْ مَن أرادَكُم وبَغَى عليكمْ {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، كما أمَرَكُم اللهُ، ولا تَترُكوا الأمْرَ بالمَعروفِ، والنَّهيَ عنِ المُنكَرِ، فيُوَلِّيَ أمْرَكُم شِرارَكُم، ثمَّ تَدْعونَ ولا يُستجابُ لكمْ، عليكم بالتَّواصُلِ والتَّبادُلِ، إياكُم والتَّقاطُعَ والتَّدابُرَ والتفرُّقَ، {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2] حَفِظَكُم اللهُ من أهلِ بَيتٍ، وحَفِظَ فيكم نبيَّكُم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أستَودِعُكم اللهَ، وأَقْرَأُ عليكم السَّلامَ، ثمَّ لم يَنطِقْ إلَّا بلا إلهَ إلَّا اللهُ، حتَّى قُبِضَ في شَهرِ رَمَضانَ في سَنةِ أربعينَ، وغَسَّلَه الحَسَنُ والحُسَينُ وعبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ، وكُفِّنَ في ثلاثةِ أثْوابٍ، ليسَ فيها قَميصٌ، وكَبَّرَ عليهِ الحَسَنُ تِسعَ تكبيراتٍ، ووَلِيَ الحَسَنُ عَمَلَه سِتَّةَ أشهُرٍ، وكانَ ابنُ مُلْجَمٍ قَبْلَ أنْ يَضْرِبَ عليًّا قعَدَ في بني بَكْرِ بنِ وائلٍ، إذْ مُرَّ عليهِ بجِنازةِ أبجَرَ بنِ جابرٍ العِجْليِّ أبي حَجَّارٍ، وكانَ نَصرانيًّا، والنَّصارى حولَه، وناسٌ معَ حَجَّارٍ بمَنزلتِه يَمشونَ بجانِبِ إمامِهِم شَقيقِ بنِ ثَورٍ السُّلَميِّ، فلمَّا رآهمْ قالَ: مَن هؤلاءِ؟ فأُخبِرَ، ثمَّ أنشأَ يقولُ: لَئِنْ كَانَ حَجَّارُ بُنُ أَبْجرَ مُسْلِمًا لَقَدْ بُوعِدَتْ مِنْهُ جِنَازَةُ أَبْجَرِ وَإِنْ كَانَ حَجَّارُ بنُ أَبْجَرَ كَافِرًا فَمَا مِثْلُ هَذَا مِنْ كُفُورٍ بِمُنْكَرِ أَتَرْضَوْنَ هَذَا إنَّ قِسًّا وَمُسْلِمًا جَمِيعًا لَدَى نَعْشٍ فَيَا قُبْحَ مَنْظَرِ وقالَ ابنُ عبَّاسٍ المُراديُّ: وَلَمْ أرَ مَهْرًا سَاقَهُ ذُو سَمَاحَةٍ ** كَمَهْرِ قَطَامٍ مِنْ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَعَبْدٌ وَقَيْنَةٌ ** وَضَرْبُ عَلِيٍّ بِالْحُسَامِ الْمُصَمَّمِ وَلَا مَهْرَ أَغْلَى مِنْ عَلِيٍّ وَإِنْ غَلَا ** وَلَا قَتْلَ إِلَّا دُونَ قَتْلِ ابْنِ مُلْجَمِ وقال أبو الأسْوَدِ الدُّؤَليُّ: أَلَا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ ** فَلَا قَرَّتْ عُيُونُ الشَّامِتِينَا أَفِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَجَعْتُمُونَا ** بِخَيْرِ النَّاسِ طُرًّا أَجْمَعِينَا قَتَلْتُمُ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ** وَحَسَّنَهَا وَمَنْ رَكِبَ السَّفِينَا وَمَنْ لَبِسَ النِّعَالَ وَمَنْ حَذَاهَا ** وَمَنْ قَرَأَ الْمَثَانِيَ وَالْمِئِينَا لَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ حِينَ كَانَتْ ** بِأَنَّكَ خَيْرُهَا حَسَبًا وَدِينَا وأمَّا عمرُو بنُ بَكرٍ، فقَعَدَ لعَمرِو بنِ العاصِ في تلكَ الليلةِ التي ضُرِبَ فيها مُعاويةُ، فلمْ يخرُجْ، واشْتَكَى فيها بَطْنَهُ، فأَمَرَ خارجةَ بنَ حبيبٍ -وكانَ صاحِبَ شُرطَتِه، وكان من بني عامرِ بنِ لُؤَيٍّ- فخَرَجَ يُصَلِّي بالنَّاسِ، فشَدَّ عليهِ وهوَ يرى أنَّه عمرُو بنُ العاصِ، فضَرَبَه بالسَّيفِ فقَتَلَه، وأُدخِلَ على عمرٍو، فلمَّا رآهم يُسَلِّمونَ عليهِ بالإمْرَةِ، فقال: مَن هذا؟ قالوا: عمرُو بنُ العاصِ، قالَ: مَنْ قَتَلتُ؟ قالوا: خارجةَ. قالَ: أَمَا واللهِ يا فاسِقُ ما ضمَّدْتُ غَيرَكَ، قالَ عمرٌو: أَرَدْتَني واللهُ أرادَ خارجةَ، وقدَّمه وقَتَلَه، فبَلَغَ ذلكَ مُعاويةَ، فكَتَبَ إليهِ: وَقَتْكَ وَأَسْبَابُ الْأُمُورِ كَثِيرَةٌ ** مَسَبَّةُ سَاعٍ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ فَيَا عَمْرُو مَهْلًا إِنَّمَا أَنْتَ عَمُّهُ ** وَصَاحِبُهُ دُونَ الرِّجَالِ الْأَقَارَبِ نَجَوْتَ وَقَدْ بَلَّ الْمُرَادِيُّ سَيْفَهُ ** مِنِ ابْنِ أَبِي شَيْخِ الْأَبَاطِحِ طَالِبِ وَيَضْرِبُنِي بِالسَّيْفِ آخَرُ مِثْلُهُ ** فَكَانَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ ضَرْبَةَ لَازِبِ وَأَنْتَ تُبَاغِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ** بِمِصْرِكَ بِيضًا كَالظِّبَاءِ الشَّوَارِبِ وكانَ الذي ذَهبَ بنَعْيِه سُفيانُ بنُ عبدِ شمسِ بنِ أبي وقَّاصٍ الزُّهْريُّ، وكانَ الحَسَنُ قدْ بعثَ قيسَ بنَ سعدِ بنِ عُبادةَ على مُقدِّمتِه في اثْنَيْ عَشَرَ ألفًا، وخَرَجَ مُعاويةُ حتى نَزَلَ بإيلياءَ في ذلكَ العامِ، وخَرَجَ الحَسَنُ حتى نَزَلَ في القُصورِ البيضِ في المدائنِ، وخَرَجَ مُعاويةُ حتى نَزَلَ مَسْكنًا، وكان على المدائنِ عمُّ المُختارِ بنِ أبي عُبَيدٍ، وكانَ يقالُ له: سعدُ بنُ مسعودٍ، فقال له المُختارُ وهو يَومَئِذٍ غُلامٌ شابٌّ: هلْ لكَ في الغِنَى والشَّرَفِ؟ قالَ: وما ذاكَ؟ قالَ: تُوثِقُ الحَسَنَ، وتَسْتأمِرُ بهِ إلى مُعاويةَ، فقالَ لهُ سَعدٌ: عَليكَ لَعنَةُ اللهِ! أَأثِبُ على ابنِ ابنةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فأُوثِقُه؟! فلمَّا رأى الحَسَنُ تفرُّقَ الناسِ عنهُ بَعَثَ إلى مُعاويةَ يطلُبُ الصُّلحَ، فبَعَثَ إليهِ مُعاويةُ عبدَ اللهِ بنَ عامرٍ، وعبدَ اللهِ بنَ سَمُرَةَ بنِ حبيبِ بنِ عبدِ شَمسٍ، فقَدِمَا على الحَسَنِ بالمدائنِ، فأعطياهُ ما أرادَ، وصالَحاهُ، ثمَّ قامَ الحَسَنُ في الناسِ فقالَ: يا أهلَ العِراقِ، إنَّما يَسْتَحي بنَفْسي عليكم ثلاثٌ؛ قتلُكُم أبي، وطَعْنُكم إياي، وانتِهابُكم مَتاعي، ودَخَلَ في طاعَةِ مُعاويةَ، ودَخَلَ الكوفةَ فبايَعَهُ الناسُ
بعَث عمرُ بنُ الخطَّابِ رضِيَ اللهُ عنه عُمَيرَ بنَ سَعْدٍ عاملًا على حِمْصَ فمكَث حَولًا لا يأتيه فقال عمرُ لكاتبِه اكتُبْ إلى عُمَيرِ بنِ سَعْدٍ فواللهِ ما أُراه إلَّا خانَنا فإذا جاءك كتابي هذا فأقْبِلْ وأقْبِلْ بما جَبَيتَ مِن فَيءٍ مِنَ المسلمين حينَ تنظُرُ في كتابي هذا فأخَذ عُمَيرٌ جِرابَه فجعَل فيه زادَه وقَصْعَتَه وعلَّق أدواتِه وأخَذ عَنَزَتَه ثمَّ أقبَل يمشي مِن حِمْصَ حتَّى دخَل المدينةَ قال فقدِم وقد شحُب لونُه واغبَرَّ وجهُه وطالت شَعَرتُه فدخَل على عمرَ فقال السَّلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمةُ اللهِ فقال عمرُ ما شأنُك فقال عُمَيرٌ ما ترى مِن شأني ألَسْتَ تَراني صحيحَ البَدَنِ ظاهرَ الدَّمِ معي الدُّنيا أجُرُّها بقرونِها قال وما معك قال فظنَّ عمرُ أنَّه قد جاء بمالٍ فقال معي جِرابي أجعَلُ فيه زادي وقَصْعَتي آكُلُ فيها وأغسِلُ فيها رأسي وثيابي وإداوتي أحمِلُ فيها وَضوئي وشَرابي وعَنَزَتي أتوكَّأُ عليها وأُجاهِدُ بها عدُوِّي إنْ عارضَني فواللهِ ما الدُّنيا إلَّا تَبَعٌ لمَتاعي قال عمرُ فجِئْتَ تمشي قال نعم قال أمَا كان لك أحَدٌ يتبرَّعُ لك بدابَّةٍ تركَبُها قال ما فعَلوا وما سألْتُهم ذلك قال بِئْسَ المسلمون خرَجْتَ مِن عندِهم فقال له عُمَيرٌ اتَّقِ اللهَ يا عمرُ فقد نهاك اللهُ عن الغِيبةِ وقد رأيْتُهم يُصَلُّون صلاةَ الغَداةِ قال فأين ما بعَثْتُك به وأيَّ شيءٍ صنَعْتَ قال وما سُؤْاُلك يا أميرَ المؤمنين فقال عمرُ سبحانَ اللهِ فقال عُمَيرٌ أمَا لو لم أخْشَ أن أغُمَّك ما أخبَرْتُك بعَثْتَني حتَّى أتَيتُ البَلَدَ فجمَعْتُ صُلَحاءَ أهلِها فولَّيْتُهم جِبايةَ فَيئِهم حتَّى إذا جمَعوه وضَعْتُه مَواضِعَه ولو نالَك منه شيءٌ لأتَيْتُك به قال فما جِئْتَنا بشَيءٍ قال لا قال جدِّدوا لعُمَيرٍ عهدًا قال إنَّ ذلك لسيِّئٌ لا عمِلْتُ لك ولا لأحَدٍ بعدَك واللهِ ما سَلِمْتُ بل لم أَسْلَمْ قال قلْتُ لنَصْرانيٍّ أخْزاكَ اللهُ فهذا ما عرَّضْتَني به يا عمرُ وإنَّ أشْقى أيَّامي يومًا خلَفْتُ معك يا عمرُ فاستأذَنَه فأذِنَ له فرجَع إلى منزلِه قال وبينَه وبينَ المدينةِ أميالٌ فقال عمرُ حينَ انصرَف عُمَيرٌ ما أُراه إلَّا قد خانَنا فبعَث رجلًا يُقالُ له الحارثُ فقال انطلِقْ حتَّى تنزِلَ به فإنْ رأيْتَ حالًا شديدةً فادفَعْ هذه المائةَ الدِّنيارِ فانطلَق الحارثُ فإذا بعُمَيرٍ جالسٌ يُفَلِّي قميصَه إلى جَنبِ الحائطِ فسلَّم عليه الرَّجلُ فقال له عُمَيرٌ انزِلْ رحِمَك اللهُ فنزَل ثمَّ سأله فقال له مِن أين جِئْتَ قال مِنَ المدينةِ فقال كيف ترَكْتَ أميرَ المؤمنين قال صالحًا قال كيف ترَكْتَ المسلمين قال صالِحينَ قال أليس يُقيمون الحدودَ قال نعم لقد ضرَب ابنًا له أتى فاحشةً فمات مِن ضَرْبِه فقال عُمَيرٌ اللَّهمَّ أعِزَّ عمرَ فإنِّي لا أعلَمُه إلَّا شديدًا حُبُّه لك قال فنزَل به ثلاثةَ أيَّامٍ وليس لهم إلَّا قُرْصةٌ مِن شعيرٍ كانوا يخُصُّونه بها ويَطْوون حتَّى أتاهم الجَهْدُ فقال له عُمَيرٌ يا هذا إنَّك قد أجَعْتَنا فإن رأيْتَ أن تتحوَّلَ عنَّا فافْعَلْ قال فأخرَج الدَّنانيرَ فوضَعَها إليه فقال بعَث بها إليك أميرُ المؤمنين فاستعِنْ بها فصاح قال لا حاجةَ لي فيها رُدَّها فقالت له امرأتُه إنِ احتَجْتَ إليها وإلَّا فضَعْها مَواضِعَها فقال عُمَيرٌ واللهِ ما لي شيءٌ أجعَلُها فيه فشَقَّتِ امرأتُه أسفلَ دِرْعِها فأعطَتْه خِرقةً فجعَلها فيها ثمَّ خرَج فقسَمها بينَ أبناءِ الشُّهداءِ والفُقراءِ ثمَّ رجَع والرَّسولُ يظُنُّ أنَّه يُعْطيه منها شيئًا فقال له أقْرِئْ أميرَ المؤمنين منِّي السَّلامَ فرجَع الحارثُ إلى عمرَ فقال ما رأيْتَ قال رأيْتُ يا أميرَ المؤمنين حالًا شديدةً قال فما صنَع بالدَّنانيرِ قال لا أدري قال وكتَب إليه عمرُ إذا جاءك كِتابي فلا تضَعْه مِن يدِك حتَّى تُقْبِلَ فأقبَل على عمرَ فدخَل عليه فقال عمرُ ما صنَعْتَ بالدَّنانيرِ قال صنَعْتُ ما صنَعْتُ وما سُؤَالُك عنها قال أتئدُ عليك لَتُخْبِرَنِّي بما صنَعْتَ بها قال قدَّمْتُها لنفسي فقال رحِمَك اللهُ فبلَغ ذلك عمرُ بوَسْقٍ مِن طعامٍ وثَوبين فقال أمَّا الطَّعامُ فلا حاجةَ لي فيه قد ترَكْتُ في المنزلِ صاعَينِ مِن شَعيرٍ إلى أن آكُلَ ذلك قد جاء اللهُ بالرِّزقِ فلم يأخُذِ الطَّعامَ وأمَّا الثَّوبان فقال إنَّ فُلانةً عاريَةٌ فأخَذَهما ورجَع إلى منزلِه فلم يلبَثْ أن هلَك رحِمَه اللهُ فبلَغ ذلك عمرَ فشقَّ عليه وترحَّمَ عليه فخرَج يمشي ومعه المشَّاؤون إلى بقيعِ الغَرْقَدِ فقال لأصحابِه لِيَتَمَنَّ كلُّ رجلٍ منكم أمنيَتَه فقال رجلٌ يا أميرَ المؤمنين ودِدْتُ أنَّ عندي مالًا فأُعْتِقَ لوجهِ اللهِ كذا وكذا وقال آخَرُ ودِدْتُ أنَّ عندي مالًا فأُنفِقَ في سبيلِ اللهِ وقال آخَرُ ودِدْتُ أنَّ عندي قوَّةً فأَمْتَحَ بدَلوٍ ماءَ زَمْزَمَ لحاجِّ بيتِ اللهِ فقال عمرُ ودِدْتُ أنَّ لي رجلًا مِثلَ عُمَيرٍ ودِدْتُ أنَّ لي رجالًا مِثلَ عُمَيرٍ أستعينُ بهم في أعمالِ المسلمين
قال عبد الله بن سلامٍ إن الله لما أرادَ هُدَى زيدِ بن سَعْنَةٍ قال زيد : ما من علاماتِ النبوَّةِ شيء إلا وقد عرفتُها في وجهِ محمدٍ حينَ نظرتُ إليه إلا اثنتانِ لم أخبرهُما منه يسبقُ حلمهُ جهلهُ ، ولا يزِيدهُ شدةُ الجهلِ عليه إلا حلمًا فذكرَ الحديثَ في مبايعةِ زيد بن سَعْنِةٍ - فلما كان قبل محلِّ الأَجلِ بيومينِ أو ثلاثةٍ خرج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في جنازةِ رجلٍ منَ الأنصارِ ومعه أبو بكرٍ وعمرَ وعثمانَ في نفرٍ من أصحابهِ ، فلما صلى على الجنازةِ ودَنا من جدارِ ليجلسَ إليهِ أتيتُهُ فنظرتُ إليهِ بوجهٍ غليظٍ ثم أخذتُ بمجامعِ قميصهِ ورِدائهِ فقلت : اقضنِي يا محمدُ حقّي ، فواللهِ ما علمتكُم بني عبد المطلبِ لمطَّالٌ لقد كان بي بمخالطتكُم علمٌ . فنظرتُ إلى عمرَ وعيناهُ تذرفانِ ثم قال : يا يهوديّ أتفعلُ هذا برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فوالذي بعثهُ بالحقِّ لولا ما أُحاذرُ فوتهُ لضربتُ بسيفي رأسكَ . قال : ورسولُ اللهِ ينظرُ إلى عمرَ في سكونٍ وتُؤدةٍ وتبسَّمَ ثم قال : يا عمرُ ، أنا وهو كنّا إلى غيرِ هذا منكَ أحوج أن تأمرني بحُسنِ الأَداء وتأْمرهُ بحسنِ التِّبَاعةِ ، اذهبْ به يا عمر فاقضهِ حقهُ وزِدهُ عشرينَ صاعا من تمرٍ مكانَ ما روعتهُ . . . وذكر الحديث في إسلامهِ
قدم على أبي بكرٍ مالٌ من البحرينِ فقال من كان له على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عدةٌ فيأتِ فلْيأخذْ قال فجاء جابرُ بنُ عبدِ اللهِ فقال قد وعدني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال إذا جاءني من البحرينِ مالٌ أعطيتُك هكذا وهكذا وهكذا ثلاثَ مراتٍ ملءَ كفَّيْه فقال خذْ بيديْكَ قال فأخذ بيدَيْه فوجدَ خمسَمائةٍ قال عُدْ إليها ثم أعطاه مثلَها ثم قَسَمَ بين الناسِ ما بقيَ فأصابَ عشرةَ الدراهمِ يعني لكلِّ واحدٍ فلمَّا كان العامُ المقبلُ جاءه مالٌ أكثرَ من ذلك فقَسَمَ بينهم فأصاب كل َّإنسانٍ عشرينَ درهمًا وفَضَلَ من المالِ فضْلٌ فقال للناسِ أيُّها الناسُ قد فَضَلَ من هذا المالِ فضْلٌ ولكم خدَمٌ يُعالِجون لكم ويعملون لكم إنْ شئتم رضَخْنا لهم فرَضَخَ لهم الخمسةَ دراهمَ فقالوا يا خليفةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لو فضَّلْتَ المهاجرينَ فقال أجرُ أولئكَ على اللهِ إنما هذه معايشُ الأسوةِ فيها خيرٌ من الأثَرَةِ فلما مات أبو بكرٍ اسْتَخْلفَ عمرُ ففتح اللهُ عليه الفتوحَ فجاءَه أكثرُ من ذلك فقال قد كان لأبي بكرٍ في هذا المالِ رأْيٌ ولي رأْيٌ آخرَ لا أجعلُ من قاتلَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كمن قاتل معه ففَضَّلَ المهاجرينَ والأنصارَ ففرض لمن شهِد بدرًا منهم خمسةَ آلافٍ خمسةَ آلافٍ ومن كان إسلامُه قبلَ إسلامِ أهلِ بدرٍ فرض له أربعةَ آلافٍ أربعةَ آلافٍ وفرض لأزواجِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اثنيْ عشرَ ألفًا لكلِّ امرأةٍ إلا صفيةَ وجُويريةَ ففرض لكلِّ واحدةٍ ستَّةَ آلافٍ فأَبَيْنَ أن يأخذنَها فقال إنما فُرِضَتْ لهنَّ بالهجرةِ فقلنَ ما فُرِضتْ لهنَّ بالهجرةِ إنَّما فُرِضتْ لهنَّ لمكانِهنَّ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ولنا مثلُ مكانِهنَّ فأبْصَرَ ذلك فجعلهنَّ سواءً وفرض للعباسِ بنِ عبدِ المطلبِ اثنيْ عشرَ ألفًا لقرابةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وفرض لأسامةَ بنِ زيدِ أربعةَ آلافٍ وفرض للحسنِ والحسينِ خمسةَ آلافٍ خمسةَ آلافٍ فألْحقَهما بأبيهِما لقرابتِهما من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وفرض لعبدِ اللهِ بنِ عمرَ ثلاثةَ آلافٍ فقال يا أبتِ فرضتَ لأسامةَ بنِ زيدِ وفرضتَ لي ثلاثةَ آلافٍ فما كان لأبيه من الفضلِ ما لم يكن لك وما كان له من الفضلِ ما لم يكنْ لي فقال إن أبَّاه كان أحبَّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من أبيك وهو كان أحبَّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منك وفرض لأبناءِ المهاجرينَ ممن شهِد بدرًا ألفينِ ألفينِ فمرَّ به عمرُ بنُ أبي سلمةَ فقال زِيدوه ألفًا أو قال زدْه ألفًا يا غلامُ فقال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ لأيِّ شيءٍ تزيدُه علينا ما كان لأبيه من الفضلِ ما كان لآبائِنا قال فرضتَ له بأبي سلمةَ ألفينِ وزدتَه بأمِّ سلمةَ ألفًا فإن كانت لك أمٌّ مثلَ أُمِّ سلمةَ زدتُك ألفًا وفرض لعثمانَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عثمانَ وهو ابنُ أخي طلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ يعني عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ ثمانِمائةٍ وفرض للنضرِ بنِ أنسٍ ألفي درهمٍ فقال له طلحةُ جاءك ابنُ عثمانَ مثلَه ففرضتَ له ثمانِمائةٍ وجاءَك غلامٌ من الأنصارِ ففرضتَ له في ألفينِ فقال إني لقِيتُ أبا هذا يومَ أُحدٍ فسألني عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقلتُ ما أراه إلا قد قُتِلَ فسلَّ سيفَه وسدَّدَ زنْدَه وقال إن كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد قُتِلَ فإنَّ اللهَ حيٌّ لا يموتُ فقاتل حتى قُتِلَ وقال هذا يرعى الغنمَ فتريدون اجعلَهما سواءً فعمِل عمرُ عمرَه بهذا حتى إذا كانت السنةُ التي حجَّ فيها قال ناسٌ من الناسِ لو قد مات أميرُ المؤمنينَ أقمْنا فلانًا يعنون طلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ قالوا وكانت بيعةُ أبي بكرٍ فلتةً فأراد أنْ يتكلَّمَ في أيامِ التشريقِ بمنًى فقال له عبدُ الرحمنِ بنِ عوفٍ يا أميرَ المؤمنينَ إنَّ هذا المجلسَ يغلبُ عليه غوغاءُ الناسِ وهم لا يحمِلون فأمهلْ أو أخِّرْ حتى نأتيِ أرضَ الهجرةِ حيثُ أصحابُك ودارُ الإيمانِ والمهاجرينَ والأنصارِ فتكلَّمْ بكلامِك أو فتتكلمَ فيُحتملُ كلامُك قال فأسرع السيرَ حتى قدِم المدينةَ فخرج يومَ الجمعةِ فحمِدَ اللهَ وأثنى عليه وقال قد بلغني مقالةَ قائِلِكم قد مات عمرُ أو قد مات أميرُ المؤمنينَ أقمنا فلانًا فبايعناه وكانت إمرةُ أبي بكرٍ فلتةً أجلْ واللهِ لقدْ كانتْ فلتةً ومن أين لنا مثلَ أبي بكرٍ نَمُدُّ أعناقنا إليه كما نمُدُّ أعناقنا إلى أبي بكرٍ وإن أبا بكرٍ رأى رأْيًا ورأى أبو بكرٍ أنْ يَقْسِمَ بالسويةِ ورأيتُ أنا أنْ أُفَضِّلَ فإنْ أعشْ إلى هذه السنةِ فسأرْجعُ إلى رأي أبي بكرٍ فرأْيُه خيرٌ من رأْيِي إني قد رأيتُ رؤيا وما أرى ذلك إلا قد اقتربَ أجلِي رأيتُ كأنَّ ديكًا أحمرَ نقرني ثلاثَ نقراتٍ فاسْتَعْبَرْتُ أسماءَ فقالتْ يقتلُك عبدٌ أعجميٌّ فإنْ أهلِك فأمرُكم إلى هؤلاءِ الستةِ الذين توفى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو عنهم راضٍ عثمانُ بنُ عفانَ وعليُّ بنُ أبي طالبٍ وعبدُ الرحمنِ بنِ عوفٍ والزبيرُ بنُ العوَّامِ وطلحةُ بنُ عبدِ اللهِ وسعدُ بنُ مالِكٍ فإنْ عشتُ فسَأعهدُ عهدًا لا تهلِكوا ألا وإنَّ الرجمَ حقٌّ قد رجَمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ورجمنا بعدَه ولولا أن يقولوا كتَبَ عمرُ ما ليس في كتابِ اللهِ لكتبتُه ثم قرأ في كتابِ اللهِ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ نظرتُ إلى العمَّةِ وابنةِ الأخِ فما جعلتُهما وارثَين ولا يرثانِ فإنْ أعشْ فسأفتحُ لكم منه طريقًا تعرفونَه وإن أهلَكْ فاللهُ خليفتي وتختارون رأيَكم إني قد دوَّنْتُ الديوانَ ومصَّرتُ الأمصارَ وإنما أتخوفُ عليكم أحدَ رجلينِ رجلٌ يُؤولُ القرآنَ على غيرِ تأويلِه فقاتلَ عليه ورجلٌ يرى أنه أحقٌّ بالملْكِ من صاحبِه فيُقاتلُ عليه , تكلَّم بهذا الكلام يومَ الجمعةِ ومات يومَ الأربعاءِ
إنَّ اللهَ تبارَك وتعالى لمَّا أراد هُدى زيدِ بنِ سَعْنةَ قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: إنَّه لم يبقَ مِن علاماتِ النُّبوَّةِ شيءٌ إلَّا وقد عرَفْتُها في وجهِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نظَرْتُ إليه إلَّا أثنين لم أخبُرْهما منه: يسبِقُ حِلْمُه جهلَه ولا يزيدُه شدَّةُ الجهلِ عليه إلَّا حِلمًا فكُنْتُ أتلطَّفُ له لِأنْ أُخالِطَه فأعرِفَ حِلْمَه وجهلَه قال: فخرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الحُجُراتِ ومعه عليُّ بنُ أبي طالبٍ فأتاه رجلٌ على راحلتِه كالبدويِّ فقال: يا رسولَ اللهِ قريةُ بني فلانٍ قد أسلَموا ودخَلوا في الإسلامِ كُنْتُ أخبرته أنَّهم إنْ أسلَموا أتاهم الرِّزقُ رغدًا وقد أصابهم شدَّةٌ وقحطٌ مِن الغيثِ وأنا أخشى يا رسولَ اللهِ أنْ يخرُجوا مِن الإسلامِ طمَعًا كما دخَلوا فيه طمَعًا فإنْ رأَيْتَ أنْ تُرسِلَ إليهم مَن يُغيثُهم به فعَلْتَ قال: فنظَر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى رجلٍ إلى جانبِه أراه عمرَ فقال: ما بقي منه شيءٌ يا رسولَ اللهِ قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: فدنَوْتُ إليه فقُلْتُ له: يا محمَّدُ هل لك أنْ تبيعَني تمرًا معلومًا مِن حائطِ بني فلانٍ إلى أجلِ كذا وكذا ؟ فقال: ( لا يا يهوديُّ ولكنْ أبيعُك تمرًا معلومًا إلى أجلِ كذا وكذا ولا أُسمِّي حائطَ بن فلانٍ ) قُلْتُ: نَعم فبايَعني صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأطلَقْتُ هِمياني فأعطَيْتُه ثمانينَ مثقالًا مِن ذهبٍ في تمرٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وكذا قال: فأعطاها الرَّجلَ وقال: ( اعجَلْ عليهم وأغِثْهم بها ) قال زيدُ بنُ سَعْنةَ: فلمَّا كان قبْلَ محلِّ الأجلِ بيومينِ أو ثلاثةٍ خرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جِنازةِ رجلٍ مِن الأنصارِ ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ ونفرٌ مِن أصحابِه فلمَّا صلَّى على الجِنازةِ دنا مِن جدارٍ فجلَس إليه فأخَذْتُ بمجامعِ قميصِه ونظَرْتُ إليه بوجهٍ غليظٍ ثمَّ قُلْتُ: ألا تقضيني يا محمَّدُ حقِّي ؟ فواللهِ ما علِمْتُكم بني عبدِ المطَّلبِ - بمُطلٍ ولقد كان لي بمُخالَطتِكم عِلمٌ قال: ونظَرْتُ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ وعيناه تدورانِ في وجهِه كالفلَكِ المستديرِ ثمَّ رماني ببصرِه وقال: أيْ عدوَّ اللهِ أتقولُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أسمَعُ وتفعَلُ به ما أرى ؟ فوالَّذي بعَثه بالحقِّ لولا ما أُحاذِرُ فَوْتَه لضرَبْتُ بسيفي هذا عنقَك ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ينظُرُ إلى عمرَ في سكونٍ وتُؤدةٍ ثمَّ قال: ( إنَّا كنَّا أحوجَ إلى غيرِ هذا منك يا عمرُ أنْ تأمُرَني بحُسنِ الأداءِ وتأمُرَه بحُسنِ التِّباعةِ اذهَبْ به يا عمرُ فاقضِه حقَّه وزِدْه عشرينَ صاعًا مِن غير مكانَ ما رُعْتَه ) قال زيدٌ: فذهَب بي عمرُ فقضاني حقِّي وزادني عشرينَ صاعًا مِن تمرٍ فقُلْتُ: ما هذه الزِّيادةُ ؟ قال: أمَرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ أزيدَك مكانَ ما رُعْتُك فقُلْتُ: أتعرِفُني يا عمرُ ؟ قال: لا، فمَن أنتَ ؟ قُلْتُ: أنا زيدُ بنُ سَعْنةَ قال: الحبرُ ؟ قُلْتُ: نَعم، الحبرُ، قال: فما دعاك أنْ تقولَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما قُلْتَ وتفعَلَ به ما فعَلْتَ فقُلْتُ: يا عمرُ كلُّ علاماتِ النُّبوَّةِ قد عرَفْتُها في وجهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ نظَرْتُ إليه إلَّا اثنتينِ لم أختبِرْهما منه: يسبِقُ حِلْمُه جهلَه ولا يزيدُه شدَّةُ الجهلِ عليه إلَّا حِلْمًا فقد اختبَرْتُهما فأُشهِدُك يا عمرُ أنِّي قد رضيتُ باللهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نبيًّا وأُشهِدُك أنَّ شَطْرَ مالي - فإنِّي أكثرُها مالًا - صدقةٌ على أمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال عمرُ أو على بعضِهم فإنَّك لا تسَعُهم كلَّهم قُلْتُ: أو على بعضِهم فرجَع عمرُ وزيدٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال زيدٌ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فآمَن به وصدَّقه وشهِد مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مشاهدَ كثيرةً ثمَّ توفِّي في غزوةِ تبوكَ مُقبِلًا غيرَ مُدبِرٍ ) رحِم اللهُ زيدًا قال: فسمِعْتُ الوليدَ يقولُ: حدَّثني بهذا كلِّه محمَّدُ بنُ حمزةَ عن أبيه عن جدِّه عن عبدِ اللهِ بنِ سلَامٍ
الأحاديث مأخودة من موسوعة الأحاديث الصحيحة والموسوعة الحديثية API - الدرر السنية، جزاهم الله خيرا.
كلمات رئيسية من الأحاديث
(100)
لا يزيده شدة الجهل إلا حلمالا تزيده شدة الجهل إلا حلمااقضه حقه و زده عشرين صاعاتمتع بالعمرة إلى الحجذمة الله وذمة رسولهالمهاجرين والأنصارلا إسلال ولا إغلالعبد الرحمن بن عوفعشرين صاعا من تمرإسلام زيد بن سعنةقبل الفطر بيومينأرامل أهل العراقالستة أهل الشورىجابر بن عبد اللهحذيفة بن اليمانلبيك اللهم لبيكصيام ثلاثة أيامالتي تجمع عندهسكين ذات طرفينيسبق حلمه جهلهالدفن مع النبيسبعة إذا رجعتمرضيت بالله رباخالد بن الوليدصلاح ذات البينأعمال المسلمينحلمه يسبق جهلهبني عبد المطلبعمر بن الخطابعثمان بن حنيفعلامات النبوةثمانين مثقالاشطر مالي صدقةالشيخ والشيخةعروة بن مسعودالبيع إلى أجلالمن والسلوىالشهر الحراممصرت الأمصارصلح الحديبيةامرأة فرعونأهل الأمصارزيد بن سعنةصوموا رمضانحسن التباعةرمي الجمراتعينة مكفوفةعمير بن سعدجباية الفيءصلحاء أهلهابقيع الغرقدزكاة الفطرصدقة الفطرحسن الأداءحجة الوداعمناسك الحجثلاثة أيامأرض الهجرةسورة الفتحقبل الفطرتجمع عندهلا تشربواأبو لؤلؤةالاستخلافشدة الجهلشهر رمضانالمهاجرينابن عباسالمزدلفةيوم عرفةالعلاماتالحديبيةأبو جندلابن ملجموصية عليابن عمرقرة عينالسامرياستخلافالخلافةأبو بكرالسكينةالتباعةالديوانقتل عليالتواصلالشهداءالفقراءالبحرينالأنصاراليهوديبيومينالشورىالبيعةالوصيةالمتعةلا حرجالبرنسالأسوةالأثرة
تخريج حديث كان ابن عمر يبعث بزكاة الفطر قبل الفطر بيومين أو ثلاثة
أشهر كتب الحديث النبوي الصحيحة
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, July 28, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








