حديث: قاتل النفس لا يكفر، ولله وليديه فاغفر
📚 كتب الحديث | 🔍 صحة حديث | 📖 الأحاديث الصحيحة
باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه
والدليل على أن قاتل النفس لا يكفر الحديث الآتي: عن جابر، أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هل لك في حصن حصين ومنعة؟ (قال: حصن كان لدوس في الجاهلية) فأبى ذلك النبي ﷺ، للذي ذخر الله للأنصار. فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة. هاجر إليه الطفيل بن عمرو. وهاجر معه رجل من قومه. فاجتووا المدينة، فمرض، فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه، فشخبتْ يداه حتى مات. فرآه الطفيل بن عمرو في منامه. فرآه وهيئتُه حسنة، ورآه مغطيًا يديه. فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ. فقال: ما لي أراك مغطيًا يديك؟ قال: قيل لي: لن نُصلح منك ما أفسدت. فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «اللَّهم! وليديه فاغفر».
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١١٦) من طرق عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.

شرح الحديث:
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
حياكم الله و بياكم، وأسأل الله أن ينفعنا جميعاً بفهم سنة نبيه ﷺ.
الحديث الذي ذكر رواه الإمام مسلم في صحيحه، وهو حديث عظيم فيه موعظة بليغة ودلالات مهمة في أبواب التوحيد والإيمان، وخاصة في مسألة حكم قاتل النفس.
أولاً. شرح مفردات الحديث:
* حصن حصين ومنعة: مكان قوي محصن ومنيع يصعب الوصول إليه أو اقتحامه.
* ذخر الله للأنصار: أعدَّ الله وخبأ للأنصار شرف نصرة النبي ﷺ وإيواءه.
* اجتووا المدينة: أصابهم الجَوَى، وهو مرض يصيب الإنسان من سوء تغير المكان والهواء، فلم يوافقهم هواء المدينة.
* جزع: ضاق صدره وضجر من شدة المرض ولم يصبر.
* مشاقص: سكاكين حادة صغيرة.
* براجمه: مفاصل الأصابع (عظام الكف التي تبرز عند قبض اليد).
* فشخبت يداه: سال دمهما بشدة حتى توفي.
* وهيئته حسنة: منظره حسن في النوم، مما يدل على حسن خاتمته.
* مغطيًا يديه: قد غطى يديه بثوبه أو غيره.
ثانياً. شرح معنى الحديث:
يخبرنا الصحابي الجليل جابر بن عبدالله رضي الله عنهما بقصة الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه، وهو من السابقين إلى الإسلام، وكان من وجهاء قبيلته دوس.
1- عرض الحماية: جاء الطفيل إلى النبي ﷺ قبل الهجرة وعرض عليه أن يذهب معه إلى قومه في دوس، حيث يكون في حصن منيع يحميه من أذى قريش، ولكن النبي ﷺ رفض هذا العرض الكريم؛ لأن الله تعالى قد أعدَّ له نصراً وموطئاً في المدينة المنورة على يد الأنصار.
2- الهجرة والمرض: لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل ومعه رجل من قومه. ولم يوافق هذا الرجل هواء المدينة، فمرض مرضاً شديداً، فلم يصبر على بلاء الله وضاق ذرعاً بالمرض.
3- الانتحار: في لحظة ضعف ويأس، أخذ الرجل سكاكين صغيرة حادة فقطع بها عروق يديه، فسال دمه حتى مات منتحراً.
4. الرؤيا في المنام: رأى الطفيل صاحبه في المنام بعد موته، وكان منظره حسناً (وهذا من رحمة الله)، لكنه كان يغطي يديه. فسأله الطفيل: "ماذا فعل بك ربك؟" فأجاب الرجل: "غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ". وهذا هو موضع الدلالة العظيمة في الحديث.
5. سبب تغطية اليدين: سأله الطفيل: "فما لي أراك مغطيًا يديك؟" فأجاب الرجل كلمة فيها عظة لأمة محمد كلها: "قيل لي: لن نُصلح منك ما أفسدت". أي أن الله غفر له ذنبه الكبير (الانتحار) بسبب فضل الهجرة في سبيله، لكنه حرم ثواب إصلاح يده التي أفسدها بنفسه، فستبقى على حالها من الإفساد يوم القيامة كعبرة وعظة.
6. دعاء النبي ﷺ: عندما قص الطفيل هذه الرؤيا على النبي ﷺ، دَعا له النبي بقوله: «اللَّهم! وليديه فاغفر»، أي: يا الله، اغفر له ذنبه المتعلق بيديه (وهو الانتحار).
ثالثاً. الدروس المستفادة والعبر:
1- عدم تكفير قاتل النفس: هذا الحديث من أقوى الأدلة عند أهل السنة والجماعة على أن قاتل نفسه لا يخرج من ملة الإسلام بكبيرته، بل هو تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه. فالله غفر لهذا الرجل بسبب عمل صالح هو الهجرة، مع أنه مات على كبيرة عظيمة هي الانتحار. لو كان الانتحار كفراً مخرجاً من الملة، ما غفر الله له ولما كانت له هيئة حسنة في المنام.
2- خطورة كبيرة الانتحار: الحديث يوضح عظم جرم الانتحار وجسامة هذه المعصية، حتى إن الله مع مغفرته للعبد لا يصلح له عضوًا أفسده بيده، فيحرم ذلك الثواب، وتكون تلك اليد شاهداً عليه يوم القيامة بما فعل.
3- فضل الهجرة في سبيل الله: كان من أفضل العمل الصالح (الهجرة) سبباً مباشراً في مغفرة الله لهذا الرجل، مما يدل على أن الحسنات يذهبن السيئات، وأن الأعمال الصالحة قد تكون سبباً في النجاة من العذاب.
4- الصبر على البلاء: فيه تحذير شديد من الجزع وعدم الصبر على المرض والبلاء، وأن المؤمن مأمور بالصبر والاحتساب، فالعاقبة للصابرين.
5- رحمة الله وسعة مغفرته: الله تعالى غفور رحيم، يتجاوز عن عباده ويغفر الذنوب جميعاً، حتى الكبائر، لمن يشاء وله الحكمة البالغة.
6- أن الرؤيا الصالحة جزء من النبوة: رؤيا الطفيل كانت صادقة وواقعية، وقد أقرها النبي ﷺ وصدقها، ودعا بناءً عليها.
رابعاً. معلومات إضافية مفيدة:
* حكم قاتل النفس في الآخرة: هو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له بفضله، أو عذبه بعدله ثم أدخله الجنة بعد أن يطهر من ذنبه، ولا يخلد في النار لأنه مات على التوحيد.
* الفرق بين الكفر الأكبر والكبيرة: الكفر الأكبر (مثل الشرك بالله)
📝
تنبيه هام:
نرحب بتصويباتكم! إذا وجدت أي خطأ في نص الحديث أو السند أو الشرح، فيرجى إبلاغنا عبر صفحة الاتصال:
"مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا"
تخريج الحديث
رواه مسلم في الإيمان (١١٦) من طرق عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
وقوله: «فاجتووا المدينة»: معناه كرهوا المقام بها لضجر ونوع من السقم.
وقوله: «مشاقص»: جمع مشقص، وهو سهم فيه نصل عريض.
وقوله: «براجم»: براجم جمع برجمة، وهو مفاصل الإصبع.
وقوله: «شخبت يداه»: أي سال دمهما بقوة.
وفيه أن من قتل نفسه ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار بل هو في حكم المشيئة.
وقوله: «فاجتووا المدينة»: معناه كرهوا المقام بها لضجر ونوع من السقم.
وقوله: «مشاقص»: جمع مشقص، وهو سهم فيه نصل عريض.
وقوله: «براجم»: براجم جمع برجمة، وهو مفاصل الإصبع.
وقوله: «شخبت يداه»: أي سال دمهما بقوة.
وفيه أن من قتل نفسه ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار بل هو في حكم المشيئة.
أحاديث لها شرح في هذا الكتاب (عرض 50 حديثاً حول الحديث الحالي)
الحديث الحالي في المركز 52 من أصل 140 حديثاً له شرح
- 27 أن تدعو لله ندًا وهو خلقك
- 28 عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات
- 29 اجتنبوا السبع الموبقات
- 30 أكبر الكبائر: قول الزور أو قال: وشهادة الزور
- 31 ملحد في الحرم ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية
- 32 النهي عن سب المسلمين
- 33 استنصت الناس لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض
- 34 ويلكم أو ويحكم لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب...
- 35 رب مبلغ أوعى من سامع
- 36 فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب...
- 37 فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه...
- 38 أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله
- 39 أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا...
- 40 حرم ماله ودمه وحسابه على الله
- 41 لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله
- 42 أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله
- 43 من قتل نفسًا معاهدًا لم يرح رائحة الجنة
- 44 من قتل نفسًا معاهدة فلا يرح رائحة الجنة
- 45 من قتل معاهدا في غير كنهه حرم الله عليه الجنة
- 46 من قتل رجلا لهم عهد لم يرح رائحة الجنة
- 47 حرمة دم المستأمن
- 48 إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة
- 49 من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله
- 50 من جزع من جرح فقطع يده فمات حرمت عليه الجنة
- 51 فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم...
- 52 قاتل النفس لا يكفر، ولله وليديه فاغفر
- 53 قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له توبة
- 54 من السائق؟ قالوا: عامر
- 55 من طلب بدم الجاهلية من أهل الإسلام
- 56 من أشد الناس عتوًا رجل ضرب غير ضاربه
- 57 قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة
- 58 من أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه إن شاء...
- 59 دم امرئ مسلم لا يحل إلا بإحدى ثلاث
- 60 من تصدق به فهو كفارة له
- 61 من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا
- 62 قتلته دخلت النار
- 63 اعف، فإنك مثله
- 64 ما رفع إلى النبي أمر فيه القصاص إلا أمر بالعفو
- 65 لا يحث في خطبته على الصدقة، وينهى عن المثلة
- 66 عبد أبق نذر إن قدر عليه أن يقطع يده
- 67 قضى بالقصاص في السن
- 68 طلبوا العفو فأبوا، فأتوا النبي ﷺ فأمرهم بالقصاص
- 69 «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره»
- 70 قتل اليهودي الجارية التي عليها أوضاح بالمدينة
- 71 لا قود إلا بالسيف
- 72 لا يُقتل مسلم بكافر
- 73 المدينة حرام ما بين عائر إلى كذا
- 74 من زعم أن عندنا شيئا نقرأه إلا كتاب الله
- 75 المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم
- 76 دية الكافر نصف دية المسلم
قراءة القرآن الكريم
الباحث القرآني | البحث في القرآن الكريم
Tuesday, January 13, 2026
لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب








