أيها الناس، تأملوا في بداية خلقكم! إن الله سبحانه وتعالى هو الذي بدأ خلقكم من نفس واحدة، وهي نفس أبيكم آدم عليه السلام، فقد خلقه من طين، ثم جعل نسله يتناسل منه. فجعل لكم مستقراً تستقرون فيه، وهو أرحام الأمهات حيث يتكون الجنين وينمو في أمان، وجعل لكم مستودعاً تُحفظون فيه، وهو أصلاب الآباء حيث تُودَع النطفة وتُصان حتى يحين وقتها.
إن هذا التقدير البديع لخلق الإنسان، من نطفة إلى علقة إلى مضغة، ثم نفخ الروح، ليدل دلالة واضحة على عظمة الخالق وقدرته، وحكمته في تدبير شؤون خلقه. لقد بيّن الله لكم هذه الآيات والحجج، وفصّلها تفصيلاً كاملاً، لكنه خصّ بها قوماً يفقهون، أي يفهمون بقلوبهم وعقولهم، ويتدبرون ما يرون من آيات الله في أنفسهم وفي الآفاق.
فيا عباد الله، ألا تستحق هذه القدرة الإلهية أن تُشكر؟ ألا تستحق هذه النعم أن تُقابل بالإيمان والطاعة؟ إن الذي خلقكم من نفس واحدة، وأودعكم في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، ورعاكم في كل مراحل حياتكم، هو الذي يستحق العبادة والامتنان. فكونوا من القوم الذين يفقهون، الذين يتدبرون آيات الله، ويستشعرون عظمته في كل لحظة من لحظات وجودهم، فذلك هو الطريق إلى السعادة في الدنيا والآخرة.